مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: دراسات متنوعة
في شهر مايو من كل عام يكون حصاد كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة بتخريج دفعاتٍ للكنيسة والخدمة، ويشترك معها كليات اللاهوت العاملة في حقل التعليم اللاهوتيّ، ولأهمية الدور الذي تقوم به الكلية في حقل التعليم اللاهوتيّ ننشر دراسة قام بها طيب الذكر الدكتور فهيم عزيز (1924-1983م) تحت عنوان: “مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط” نُشِرَ في مجلة الهدى، المجلة الرسميّة للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر، في ثلاثة أعداد على ثلاثة أجزاء، وهي:
- مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (1)، (الهدى، العدد 808، السنة 68 أبريل 1978م)، 8-11.
- مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (2)، (الهدى، العدد 809، السنة 68 مايو 1978م)، 8-13.
- مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (3)، (الهدى، العدد 810، السنة 68 يونية 1978م)، 38.
وتأتي هذه الدراسة للدكتور القسّ فهيم عزيز في سياق مناقشة قضية مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر على صفحات مجلة الهدى عامي: 1977-1978م، وقد شارك في هذا الملف المهم الكتَّاب الآتي أسماؤهم، أذكر منهم، بالترتيب الزمني:
- وليم فرج، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 797، السنة 67، مايو1977م)، 22-23.
- باقي صدقة، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 800، السنة 67، يونية 1977م)، 26-28.
- بيتر دركسون، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 801، السنة 67، يوليو 1977م)، 27-30.
- إميل زكي، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 802، السنة 67، سبتمبر 1977م)، 9-14.
- جون لوريمر، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 803، السنة 67، أكتوبر 1977م)، 33-34.
- لبيب مشرقي، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 804، السنة 67، نوفمبر 1977م)، 1-14.
- فليب صابر، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 805، السنة 68، يناير 1978م)، 18-20.
- يوسف بطرس، مفهوم التعليم اللاهوتيّ والقرية (الهدى، العدد 806، السنة 68، سبتمبر 1978م)، 34-36.
- يوسف بطرس، التعليم اللاهوتيّ والشباب (الهدى، العدد 807، السنة 68، مارس 1978م)، 33-34.
أهمية الدراسة
دراسة الدكتور القسّ فهيم عزيز والكتابات المشار إليها في القائمة السابقة، وغيرها لم ينشر، اهتمت بالتركيز على معنى التعليم اللاهوتيّ في مصر والشرق الأوسط، ولكن ما ميز دراسة الدكتور فهيم عزيز أنه تكلم عن المستقبل فوضع عنوانًا للدراسة مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط، والذين يهتمون بالمستقبل هم قلة، بدأها طه حسن (1889-1973م) عميد الأدب العربيّ، عندما كتب كتابًا مهمًّا عن: “مستقبل الثقافة في مصر” في القاهرة 1938م. وقبل طه حسين لم تعنون كتب تحت عنوان المستقبل، وقبل فهيم عزيز لم يستخدم أحدًا عنوان “المستقبل” في التعليم اللاهوتيّ. وكلاهما ربطا المستقبل بالتعليم.
قضية التعليم اللاهوتيّ مهمة وضروريّة وسنظل في احتياجٍ شديدٍ إليها، وإعادة نشر دراسة الدكتور فهيم عزيز ستكون مفيدة في رصد لمنظور التعليم اللاهوتيّ وتطوره في مصر والشرق الأوسط، وتعود أهمية هذه الدراسة لكاتبها وموضوعها، وعلى الرغم مرور قرابة نصف قرن من الزمان عليها، إلا أن فيها كثيرًا من الأمور المفيدة. أتمنى أن تكون مفيدة لمن يعملون في حقل التعليم اللاهوتيّ في مصر والشرق الأوسط.
تنقسم الدراسة إلى فصلين: الأول، نص الدراسة في كما ورد في مجلة الهدى، وما بين القوسين [ ] هو من إضافة المحرر، والثاني عن حياة وإنتاج طيب الذكر الدكتور القسّ فهيم عزيز، الأكاديميّ بقلب راعٍ، والراعي بقلب أكاديميّ، وهي نُشرت من قبل في كتاب من تحرير القسّ عيد صلاح: “الخلاص معناه وكيفيته ويقينيته (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م)، 69-73. ولكن قد زيد عليها الكثير من المعلومات المهمة هنا.
الفصل الأول
مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط([1])
(1)
من دواعي سروري أنْ أشترك معكم في الحديث عن التعليم اللاهوتيّ الإنجيليّ ومستقبله في منطقة الشرق الأوسط، وأعتقد أنه ليس من قبيل الصدفة أنْ يصبح التعليم اللاهوتيّ في هذا الوقت بالذات قضية تتبناها مجلة الهدى -المجلة الرسمية للكنيسة الإنجيليّة المصريّة- على أوسع نطاق، ويشترك في الكتابة عنها بعضٌ من كُتَّابنا النابهين، أقول إنَّها ليست مصادفة بل أنَّ هذا يدل على أهمية هذه القضية وأنَّها أصبحت الشغل الشاغل لكثيرين من القادة الروحيّين والدينيّين في هذه المنطقة من العالم.
وترجع أهمية التعليم اللاهوتيّ إلى أنَّه ليس علمًا قائمًا بنفسه ولذاته، فالذين يتعلّمون ويعلّمون لا يفعلون ذلك لقصد العلم والتعليم فقط، بل هناك سبب أساسي لذلك وهدف يسعون إليه، هذا الدافع والهدف بل والمناخ الذي يعيش فيه التعليم اللاهوتيّ هو الخدمة أو الإرساليّة الإلهيّة في الكنيسة.
ما هي هذه الخدمة؟ حتى هذه الكلمة أصبحت في هذه الأيام من الكلمات التي ثار حولها الجدل الشديد. أذكر مناقشة جادة بين اثنين من القادة في الكنيسة الإنجيليّة وفى الكنيسة الأفريقيّة، عندما قال المصريّ: إنَّ الخدمة في أساسها معناها إشباع الجوع الروحيّ للإنسان، فتحمس الأفريقيّ وقال: إنَّ هذه لغة استعماريّة بل هي خطية؛ فالخدمة هي إشباع بطن الإنسان أولًا… وهذا الاختلاف هو ضرورةٌ فطالما وُجِدت الكنيسة في عالم متحرك ومتغير فلا بد أنَّ وجه الخدمة في العالم متحرك ومتغير أيضًا.
ولقد ظلت خدمة الكنيسة في كل عصور المسيحيّة تتبع واحدًا من ثلاثة أشكال: الخدمة الخاصة، وهي تتركز في المجموعة الخاصة من الكنيسة وهم الكهنة، أو الخدمة العامة وتتركز في كل الكنيسة وتبنى على عقيدة كهنوت جميع المؤمنين مع التنبير على نوع من التخصص العلميّ أو القياديّ فيها، أو الخدمة العامة من دون أي نوع من الفرز والتخصّص. ولا يخفى أنَّ التعليم اللاهوتيّ في كل فرع من فروع الكنيسة قد تأثر بنوع الخدمة الموجودة فيها على الأقل في أشكاله المتعدّدة.
أما مضمون الخدمة فأعتقد أن الرسول بولس وضَّحه في (أفسس 4: 7-16): “وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إلى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا. وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إلى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ. وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إلى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إلى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إلى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إلى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالًا مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إلى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إلى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِلٍ، حَسَبَ عَمَلٍ، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ.”
[أولاً: خدمة المسيح]:
لعل أهم عنصر في هذه الخدمة أنها وقبل كل شيء هي خدمة المسيح. خدمة عبد الرب الذي نزل إلى أقسام الأرض السفلى، وصار بين الناس كمن يخدم، يقول المسيح: “لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ: أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدُمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدُمُ.” (لوقا 22: 27). وكانت هذه الخدمة تنطلق في ثلاثة اتجاهات: خدمة الطاعة الله: “وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ.” (مرقس 14: 36). ثم هي خدمة موجهة إلى العالم، “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.” (مرقس 10: 45). ثم هي خدمة لتلاميذه الذين في العالم، “أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إلى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إلى الْمُنْتَهَى.” (يوحنا 13: 1).
[1] فهيم عزيز، مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (1) (الهدى، العدد 808، السنة 68 أبريل 1978م)، 8-11.


