جون كلفن حول أسباب الكوارث الطبيعية
- Sermon By: سهيل سعود
- Categories: دراسات متنوعة
الشخص الأول، في تاريخ الكنيسة الذي تكلم عن موضوع الشرّ وأصله وأسبابه وتسبّبه بالآلام والأوبئة والكوارث الطبيعية، هو القديس أوغسطينوس (354-430). اعتقد أوغسطينوس أنّ الشرّ يظهر في العالم، بأشكال متعددة: كوارث طبيعية، أمراض، مجاعات، حروب، عنف… وغيرها. لقيت أفكاره قبولًا واسعًا، لدى آباء الكنيسة الذين جاءوا بعده، ولدى المصلحين الإنجيليين الأساسيين، والذين منهم المصلح الإنجيلي الفرنسي جون كلفن. قبل تكوّن قناعاته المسيحية، انتسب أوغسطينوس لمدة تسع سنوات، إلى تيار فكري وفلسفي هو “المانوكية”، الذي ادّعى أنّ الشرّ له كيان حقيقي مستقلّ وغير معروف، ويمتلك في ذاته حياة غير عقلانية، وهو يقف كقوة مواجهة لقوة الخير. إلاّ أنه عاد وتخلّى عن قناعته تلك، بعد أن اختبر الإيمان المسيحي. قال: “لا يمكن أن ينشأ الشر من قوّة الله الخلاّقة مباشرةً، أو من إرادة الله الصالحة، لكنه نشأ نتيجة الابتعاد عن الله”. آمن القديس أوغسطينوس، أنّ الله هو كليّ الصلاح والجودة، وهو لا يتغير في جوده وصلاحه. أما كلّ ما دون الله، فهو قابل للتغيّر، إما للأفضل أو للأسوأ. لم يؤمن أوغسطينوس بوجود أية إمكانية شرّ في الله، كما أنه لم يؤمن أنّ الشرّ، يقدر أن يؤذي الله.
توافق كلفن مع القديس أوغسطينوس في قوله: “يظهر جود الرب بشكل أساسي وراء هذه الخليقة الجيدة”. قال كلفن: “في ترتيب خلق الأشياء، يجب أن نتأمّل بمحبة الله تجاه الإنسان؛ إذ إنّ الله لم يخلق آدم، حتى أنهى خلق كلّ شيء، ليكون آدم سيّد الخليقة”. اعتقد أوغسطينوس أنّ الله لم يخلق الشر، بل أنّ أصله يرجع إلى العدم، الذي منه خلق الله الكون. لهذا، نظر إلى الشرّ على أنه ليس إلاّ العودة ثانيةً إلى العدم. اعتقد أيضًا أنه لا يمكن للشر أن يوجد بشكل مستقل عن الخير، بينما يمكن للخير أن يوجد بشكل مستقل عن الشر.
في كتابه حول “أصل وطبيعة وحلول مشكلة الألم والشر في العالم”، ذكر أوغسطينوس بأن خليقة الله جيدة في الجوهر، لأنّه عندما خلق الله الكون، فقد خلقه جيدًا، كما يذكر النصّ الكتابي: “وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ” (تكوين 1: 12). آمن أوغسطينوس أنّ أصل وسبب الشر والألم في العالم يرجع إلى الخطيئة الأولى، إلى سقوط آدم وحواء، لأنهما رفضا طاعة وصية الله لهما، بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، التي كانت وسط الجنة. اتخذ الله إثر ذلك قرارين، قاصص الله فيهما آدم وحواء: الأول، طردهما من الجنة، “فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ” (تكوين 3: 24). والثاني، لعن الأرض بسببهما “لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ” (تكوين 3: 17). قال أوغسطينوس: “لو لم يخطئ آدم، لكان امتلك جسدًا لا يمرض، ولا تصاب خلاياه بالخلل والتحوّل. لولا الخطيئة، لكان جسده تحوّل إلى جسد روحي، لا يموت”. آمن أوغسطينوس “أنه بما أن الخطية أفسدت فكر وإرادة وقوى الإنسان، وشوّهت صورة الله فيه. لهذا، فإنه بحاجة ماسة إلى نعمة الله الخارجة عنه، كيما بالإيمان بيسوع المسيح، يستعيد صورة الله فيه”.
السقوط لم يطل فقط الإنسان بل كلّ الخليقة
رأى المصلح الإنجيلي الفرنسي جون كلفن أنّ الكتاب المقدّس، لا يحصر نتائج السقوط في الخطية فقط بالإنسان، لكن للسقوط نتائج وتأثيرات على كلّ الخليقة، على الطبيعة وعلى علاقات الجنس البشري مع الخليقة والعالم؛ لأنه اعتقد أنه لا يمكن فصل الإنسان عن الكون. في تعليقه على قصة سقوط آدم وحواء في الخطية الأولى المذكورة في سفر التكوين، كتب كلفن: “منذ أن ابتعدت الإنسانية عن حالتها الأصلية، كان من الضروري أن يتقهقر العالم معها. لهذا، عندما ننظر إلى هذا العالم الحاضر الفاسد، الذي سقط بسقوط الإنسان، نتذكّر قول الرسول بولس، “إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ -لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا- عَلَى الرَّجَاءِ” (رومية 8: 20). وهذا أمر يُحزِن، لأنّ فساد الإنسان تسبّب بفساد العناصر التي يتحكّم فيها الإنسان”.
لم يحمّل كلفن الكون والأرض مسؤولية الفساد الذي تسلّل إليهما، لكنه حمّل آدم وحواء المسؤولية بسبب تمرّدهما على الله. قال كلفن: “سبب هذا العقاب ليس الأرض نفسها، وإنما الإنسان وحده؛ لأنّ الأرض لا تحمل ثمارها من أجل نفسها بل من أجل الإنسان، حتى تزوّدنا بالطعام من لدنها… أراد الله أن يكون غضبه بسبب خطية الإنسان، مثل الفيضان الذي يفيض على كلّ أجزاء الأرض، حتى أينما ينظر يمكنه أن يرى ويدرك فظاعة ما اقترفه بتمرّده على الله. فإنه قبل السقوط، كانت حالة العالم مرآة مسرّة للفضل الإلهي والغفران الأبدي تجاه الإنسان. لكن بعد الخطيئة، نرى أنفسنا ملعونين في كلّ عناصر الخليقة، على الرغم من قول النبي داود، “امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ” (مزمور 33: 5)”.
يؤكّد كلفن على علاقة التضامن الروحي التي توحّد الإنسان بالكون، وتشركه في سقوطه. يشدّد على المعنى المباشر لتلك العلاقة، قائلًا: “بسبب علاقة التضامن بين الإنسان والطبيعة. فإنه بعد خطية السقوط، أصبحنا نرى في الكوارث الطبيعية، مشهد غضب ودينونة الله”. آمن كلفن أنّ حكمة وقوة وصلاح وبرّ الله تظهر في عمله في الطبيعة. ورأى في الظواهر الطبيعية، مثل الزلازل والبراكين، مظاهر قوة الله. في تفسيره للمزمور 29، الذي يتحدّث فيه النبي عن صوت الله الذي يضرب الأرض، والبرق، والرياح، قال كلفن: “عندما يتأمل كلٌّ منا بطبيعته، يجد أنّ هناك إلهًا واحدًا يحكم كل الطبائع (الطبيعة والبشر).


