الكوارث الطبيعية والإبداع الفني
- Sermon By: أمجد شفيق
- Categories: دراسات متنوعة
علاقة الإبداع الفني بالكوارث الطبيعية هي علاقة عميقة ومتجذرة؛ حيث يلعب الفن دورًا فريدًا في التعبير عن تجارب الناس مع هذه الكوارث، خاصة التجارب العاطفية والإنسانية منها. كما أن الأعمال الفنية -مثل الرسم والشعر والتصوير الفوتوغرافي والأفلام الوثائقية والدرامية- يمكنها أن تروي قصصًا كثيرة ومؤثرة تتخطى الحواجز الثقافية والجغرافية، وتدعم عمليات التعافي لضحايا هذه الكوارث، وأيضًا لجميع متابعيها.
ويمكن تعريف الكوارث الطبيعية على انها أحداث مفاجئة، تحدث بسبب بعض الظواهر الطبيعية التي تحمل خطورة كبيرة، وتتسبب في دمار واسع يؤثر على حياة الإنسان والممتلكات والبيئة. تعرفها المنظمات الدولية بأنها حالات مفجعة تعطل نمط الحياة اليومية، وتؤدي إلى معاناة الناس واحتياجهم للحماية والرعاية الطبية والاجتماعية. كما تتسبب في خسائر جسيمة تفوق قدرة الموارد الوطنية على مواجهتها، التي تتطلب معها الاعتماد على المساعدات الدولية.
وتنتج هذه الكوارث عن عوامل طبيعية مثل حركة القشرة الأرضية، والتي تؤدي إلى حدوث الزلازل، واندفاع المواد المنصهرة في البراكين، وارتفاع منسوب المياه في الفيضانات. إضافة إلى ظواهر طبيعية أخرى مثل ازدياد حرارة الشمس، وحركة باطن الأرض التي تتسبب في حدوث الأمواج العاتية الملقبة بتسونامي. كما يمكن أن تؤثر الأنشطة البشرية في زيادة تأثير هذه الكوارث، سواء بحرق المخلفات الصناعية بكثرة، أو صرفها في مياه الأنهار. بالإضافة إلى ممارسة الأنشطة الصناعية الخطرة. والتعدي الجائر على البيئات الطبيعية. هذا وتتفاوت شدة الكوارث الطبيعية حسب قوة الحدث وموقعه ومدى استعداد السكان له. وعادةً ما تؤدي هذه الكوارث إلى خسائر بشرية وبيئية كبيرة، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية جسيمة. كما أنها تؤثر بشكل خاص على الفقراء الذين يعانون من فقدان الأصول والموارد الاقتصادية. مما يؤدي إلى حدوث إضرابات خطيرة في البيئة والمجتمع. هذا وتحاول كثير من الدول بذل مزيد من الجهود للحد من هذه الكوارث، بالإضافة إلى كيفية إدارتها والتعامل معها للحد من أضرارها.
ويمكن تصنيف الكوارث الطبيعية إلى عدة أنواع رئيسية مثل الكوارث الجيوفيزيائية -مثل الزلازل التي تعتبر اهتزازات مفاجئة في الأرض، ناجمة عن حركة القشرة الأرضية، وتسبب دمارًا واسعًا في المباني والبنية التحتية للمواقع التي تحدث فيها- والبراكين وهي عبارة عن ثوران للمواد المنصهرة والغازات في باطن الأرض تنطلق إلى خارجها بقوة، مما يؤدي إلى تدمير المناطق المحيطة بها. وتُعتبر أمواج تسونامي أيضًا من الكوارث الجيوفيزيائية، وتنتج عن زلازل أو براكين تحت الماء. مما يسبب فيضانات مدمرة على السواحل التي تحدث عندها. وهناك نوع آخر من الكوارث الطبيعية وهي الكوارث المناخية، مثل الأعاصير والعواصف، وتكون على هيئة عواصف هوائية دوارة وعنيفة. عادة ما تنشأ فوق البحار الاستوائية. وتسبب فيضانات وأضرارًا ماديةً وبشريةً كبيرة. وتُعتَبَر موجات الحر الشديدة واحدةً من هذه الكوارث، التي تؤدي بدورها إلى سرعة انتشار حرائق الغابات، وفيها تشتعل آلاف الأفدنة من أشجار الغابات، نتيجة لعوامل طبيعية مثل البرق، أو لعوامل بشرية مثل الحرق العشوائي، وقد تستمر لفترات زمنية طويلة. ويمكن أن تتسبب في كوارث اقتصادية وبشرية كبيرة. وهناك أيضًا كارثة الجفاف، وفيه تقل الأمطار لفترات طويلة، مما يؤدي إلى نقص المياه، الذي يقود بدوره إلى المجاعات. أيضًا هناك الكوارث الهيدرولوجية والتي تتمثل في الانهيارات الثلجية والفيضانات. وهي ارتفاعات مفاجئة في منسوب مياه البحار والمحيطات والأنهار. والتي تنتج عن أمطار غزيرة أو ذوبان أو انهيار بعض المناطق الثلجية، مما يؤدي إلى اندفاع هذه الفيضانات إلى الشواطئ، مسببة كثيرًا من الخسائر سواء البشرية والمادية. وأيضًا هناك الكوارث البيولوجية مثل انتشار الأوبئة في العالم كله أو في إحدى المناطق به. مثل وباء الإنفلونزا أو ما عرف بالأنفلونزا الإسبانية، هذا الوباء الذي أصاب العالم عام ١٩١٨، وأودى بحياة ٥٠ مليون شخص. ومثله منذ سنوات قليلة كان انتشار فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم مع نهاية عام ٢٠١٩ وبداية عام ٢٠٢٠، الذي أدى إلى وفاة ملايين البشر في وقت محدود جدًّا. وهذا يقودنا إلى بعض أشهر الكوارث الطبيعية التي ضربت العالم عبر التاريخ. نذكر منها فيضان نهر اليانجتسي في عام ١٩٣١، وهو الفيضان الأكثر دموية في التاريخ، إذ غمر مناطق شاسعة من الصين وأثر على أكثر من ٤٠ مليون شخص. وتتراوح تقديرات الوفيات نتيجة لهذه الكارثة ما بين ٣ إلى ٤ ملايين شخص. إما بسبب الغرق او المجاعة أو الأمراض التي سببها هذا الفيضان. أيضًا هناك زلزال هايتي، تلك الجزيرة الموجودة على البحر الكاريبي بأمريكا اللاتينية. هذا الزلزال المدمر الذي حدث عام ٢٠١٠ بقوة ٧ درجات. وأدى إلى مقتل ٣٠٠ ألف شخص، بالإضافة إلى نزوح مئات الآلاف من السكان بسبب انهيار البنية التحتية والهزات الأرضية المتكررة. أيضًا هناك تسونامي المحيط الهندي، والذي حدث عام ٢٠٠٤ نتيجة حدوث زلزال قوي تحت مياه المحيط الهندي بقوة ٩ درجات، واستمر لمدة ١٠ دقائق كاملة قبالة أحد السواحل الإندونيسية، مطلقًا موجات من المياه وصل ارتفاعها إلى ٣٠ مترًا، وسرعتها إلى ٨٠٠ كم في الساعة. مما أودى بحياة ٢٣٠ ألف شخص، وتشريد حوالي ٢ مليون شخص. بالإضافة إلى الأضرار المادية والاقتصادية الجسيمة. والتي وصلت إلى تدمير كثير من الموانئ والطرق في هذه المناطق. أيضًا هناك زلزال طوكيو– يوكوهاما، الذي حدث عام ١٩٢٣، وبلغت قوته ٨ درجات، وأدى إلى مقتل أكثر من ١٤٠ ألف شخص. أيضًا هناك إعصار بورما أو إعصار نرجس عام ٢٠٠٨، والذي أدى إلى مقتل ٨٥ ألف شخص، بالإضافة إلى مئات الآلاف من المشردين. وأخيرًا كارثة جفاف القرن الأفريقي بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٢ والذي تسبب في وفاة ٢٦٠ ألف شخص، معظمهم من الأطفال.
ورغم المآسي والمصائب والخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الكوارث الطبيعية، إلا أن تلك الكوارث قد نجحت وبشكل كبير في استفزاز كثيرٍ من الفنانين لإنتاج أعمال إبداعية، تعكس تجارب الإنسان مع هذه الحوادث الكارثية، وتوثقها بصيغ فنية متنوعة تحمل رسائل إنسانية وعاطفية عميقة. فالفن لا يقتصر دوره في مواجهة الكوارث على مجرد توثيقها فحسب. بل يلعب دورًا مهمًّا في التواصل مع الجمهور، ونقل فهم أعمق لمخاطر الكوارث وتأثيراتها على حياة الناس وسبل عيشهم. وهذا ما نجده ف تاريخ الفنون وحتى عصرنا الحالي؛ حيث استلهم كثيرون من الفنانين والمبدعين من الكوارث الطبيعية والأوبئة والحروب رؤى مختلفة لإنتاج أعمال خالدة. مثل لوحة “انتصار الموت” للرسام الهولندي بيتر بروجل، والتي رسمها في عام ١٥٦٢ ميلاديًّا، وفيها قدم تصورًا لأجواء الاضطراب الاجتماعي والرعب الذي جاء بعد انتشار مرض الطاعون القاتل في أجزاء واسعة من أوربا في أثناء القرون الوسطى. أيضًا لوحة “الموجة العظيمة” للفنان الياباني هوكوساي. التي رسمها ما بين عام ١٨٢٩– ١٨٣٣ ميلاديًّا، والذي استلهم من موجات تسونامي بعض الأفكار التي خدمت رؤيته الفنية. وغيرها من الأعمال الفنية الإبداعية، التي جسدت الصراع بين الحياة والموت، كنتيجة لتأثير هذه الكوارث الطبيعية على المجتمعات.
أما في وقتنا الحالي فقد استمر الفن في لعب هذا الدور من خلال طرح فهم أعمق لمخاطر تأثير الكوارث الطبيعية على نفوس وعقول الناس وطريقة معيشتهم. حيث استخدم الفنانون أعمالهم للتعبير عن الألم والآثار النفسية للكوارث، وأيضًا للتضامن مع الضحايا. كما حدث في عديد من المعارض الفنية التي عبرت عن تأثير جائحة كوفيد ١٩ على العالم بأكمله. كما حفزت الكوارث الطبيعية الإبداع الإنساني على تقديم الكثير من الرؤى الإنسانية التي تتعلق بالكوارث الطبيعية. إذ اعتبرها عديدٌ من الفنانين والكُتَّاب مصدرًا لإلهامهم للتعبير عن أفكارهم، وبطرق فنية متعددة، مما ساعد على نقل رسائلهم إلى المتلقي بصورة خاصة جدًّا. وذلك لكثير من الأسباب التي نذكر منها أن هذه الكوارث الطبيعية تثير كثيرًا من المشاعر القوية لدى الفنانين كالخوف والحزن والأمل والصمود. مما يدفعهم إلى التعبير عن هذه المشاعر سواء عبر الرسم أو التصوير أو الموسيقى. وذلك لتوثيق هذه التجارب الإنسانية والتواصل مع المتلقي على المستوى العاطفي. ومنها أيضًا أن الفن هو وسيلةٌ لسرد قصص المجتمعات المتضررة، وتجاوز الحواجز الثقافية. مما يعزز التعاطف والتفاهم بين الناس، ويساعد في توصيل رسائل حول مخاطر الكوارث الطبيعية، وأهمية الاستعداد لها. أيضًا تساعد الأعمال الفنية المختلفة على التعافي النفسي للمجتمعات المتضررة، وتعمل كجسر للتواصل والتضامن مع المتضررين من هذه الكوارث. كذلك تحفز الكوارث الطبيعية الفنانين على تناول قضايا البيئة والتغير المناخي، مما يساهم في نشر وعي جديد، حول العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ويعيد الفن أيضًا صياغة الذاكرة الجماعية للكارثة، ويحولها إلى قيمة جمالية تحمل دروسًا إنسانية وتاريخية، مما يخلق توازنًا بين المعرفة والعاطفة في فهم الكوارث.


