إقرار الإيمان في العهد الجديد
- Sermon By: د. ق. عاطف مهني المعصراني
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مقدمة:
تحتفل الكنيسة هذا العام بمرور سبعة عشر قرنًا على واحد من أهم وأقدم إقرارات الإيمان المسكونية المسيحية ألا وهو إقرار الإيمان النيقوي (325م). ويعلم غالبية المسيحيين، ولو معرفة محدودة، أن هناك إقرارات إيمان كنسية مهمة تلت ذلك، مثل إقرار الإيمان النيقوي-القسطنطيني (381م)، وإقرار الإيمان الخلقدوني (451م)، وغير ذلك من إقرارات إيمان كثيرة ظهرت في زمن الإصلاح.
لكن ربما لا يدرك الكثير منا إن إقرارات الإيمان هي أقدم من ذلك بكثير. فالعهد الجديد مليء بعبارات ما هي إلا إقرارات إيمان صريحة صدرت من أفراد أو جماعات من شعب الله وسجلها الوحي المقدس، وقد اعتاد معظمنا أن يتعامل معها كآيات عادية وردت في سياق كتابات العهد الجديد.
في هذه المقالة سيكون تركيزي منصب على إقرارات الإيمان المختلفة التي وردت في العهد الجديد، محاولًا حصر موضوعاتها والسياق التي ظهرت فيه، ولكن لنبدأ أولًا في فهم معنى إقرار الإيمان وأهميته واستخداماته.
تعريف إقرار الإيمان
إقرار الإيمان هو اعتراف لفظي لبعض المعتقدات الدينية الأساسية، يصرح به الإنسان علانية، وكأنه يقر باللسان ويعترف في العلن، بما هو خفي من إيمان يسكن قلبه ومعتقد يملأ فكره. ويقابل هذه الكلمة باللغة الإنجليزية الكلمة Creed والمشتقة من الكلمة اللاتيني Creedo ومعناها “أنا أؤمن”. ويقول اللاهوتي Tim Chester في إشارة إلى أهمية إقرارات الإيمان “أنها تلخص من نحن، وتعلّمنا ما هو مهم في إيماننا، وتساعدنا على تجنب الخطأ. لذا يمكن وصفها بأنها مستندات الهوية المسيحية”.[1] ويضيف اللاهوتي A. W. Tozer “يجب أن يكون المسيحي الحقيقي لاهوتيًا يعرف ثروات الحق الإلهي المذخرة في الكتاب المقدس ولا بد أن يعرف ذلك بوضوح كافٍ ليعلنه ويدافع عنه، وما يمكن إعلانه والدفاع عنه هو إقرار إيمان”.[2]
استخدامات إقرار الإيمان ومنافعه
ظهرت اقرارات الإيمان في ظروف تاريخية مختلفة، كما سنرى لاحقًا، فهي تُستخدم وتُرَدَد في مناسبات عديدة ولأهداف متنوعة نذكر منها ما يلي:
- تأكيد الانتماء الديني: يُستخدَم إقرار الإيمان للتأكيد على انتماء فرد إلى جماعة دينية ما، من خلال إقراره واعترافه بمبادئها. فقد كان إقرار الإيمان الرسولي يتلى من المتعمد القادم من خلفية وثنية أمام مجتمع الكنيسة، ليعلن بذلك دخوله في المسيحية. وينطبق الأمر نفسه على ديانات أخرى. فنسمع أن شخصًا تلا الشهادتين، إشارة إلى إقراره باعتناق الإسلام مثلًا.
- عند ممارسة الفرائض والمراسيم الهامة: في هذه الحالة يكون إقرار الإيمان بمثابة اعتراف بالإيمان وتعهد بالحياة بموجب هذا الإيمان. فبعض الممارسات الدينية كالمعمودية، تقتضي إقرار المتعمد البالغ بالالتزام بالإيمان المسيحي، أو والديه _في حالة معمودية الأطفال_ بالالتزام بتنشئة الطفل في خوف الرب وإنذاره، موفرين له وسائط النعمة المختلفة المعينة على قيادته للخلاص.
- أثناء المناسبات الدينية الرسمية: في بعض الكنائس، والطوائف المسيحية، يُردّد إقرار الإيمان في الصلوات الجماعية والتجمعات الدينية الكبرى، مثل السنودسات والمجامع الكنسية كإعلان عن إجماع الكنيسة وقادتها حول أساسيات الإيمان.
- لغرض توحيد الجماعة الدينية: إن ترديد إقرار الإيمان خلال العبادة، يسهم في تقوية وحدة الجماعة المتعبدة، وهي تقر باتحادها حول العقيدة المشتركة التي تتلوها معًا.
- في الظروف الخاصة: يجوز تريد إقرارات الإيمان عند مواجهة الجماعة محن أو اضطهاد ضد إيمانها، كدليل على التمسك بالعقيدة والدفاع عنها رغم الاضطهاد.
- مناسبات التوبة والتجديد الروحي: عند الرغبة في تجديد الالتزام الديني أو في الأوقات التي يتطلب فيها إعلان أو تذكير الجماعة بالمعتقدات الأساسية، يليق استدعاء إقرارات الإيمان، وكذلك الأمر في لحظات التوبة الجماعية، ويمكن فعل الأمر نفسه على المستوى الفردي، عند نهاية تأديب كنسي موقع على قيادة مسئولة، لا سيما إذا كان هذا التأديب قد اتخذ في مواجهة خطأ مورس ضد عقيدة الكنيسة.
باختصار، إقرار الإيمان هو صيغة رسمية وعلنية تُعبّر عن الاعتقاد الجازم بعقيدة الجماعة الدينية، وينشأ أو يُردد في المناسبات الدينية والظروف التي تتطلب تأكيد الالتزام بالعقيدة والانتماء للجماعة الملتزمة بهذا الإيمان، كما أن التمسك بإقرارات الإيمان وترديدها في العبادة والمناسبات الهامة، يدعم وحدة الجماعة ويساعدها على ممارسة التوبة الفردية والجماعية وتجديد الفكر والإيمان.
لنتقدم الآن خطوة للأمام لنرى من نصوص الكلمة المقدسة، في العهد الجديد العديد بعض العبارات التي تؤسس لأهمية وجود إقرار إيمان، وكذلك العديد من المقاطع التي كانت بمثابة إقرارات إيمان مبكرة للغاية، صكت في عقل قارئ الكلمة المقدسة المسيحي على مر العصور، أساسيات إيمانية عرفتنا من هو يسوع، وكيف نفهم حياته وأعماله وتعاليمه، وصلبه وقيامته، ومجيئه ثانية.
العهد الجديد يؤسس لأهمية الإقرار العلني بالإيمان:
في رسالته اللاهوتية الهامة لأهل رومية، يعلن الرسول بولس بكل وضوح هذه القاعدة: “لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خَلَصْتَ لأن القلب يؤمن به للبر، والفم يعترف به للخلاص” (رومية 10: 9-10). هنا يضع الرسول قاعدة مهمة، فيها يؤكد أن الخلاص يحتاج لأن يجتمع الإيمان القلبي العميق والاعتراف الشفاهي الصريح معًا “آمنت لذلك تكلمت” (2كو 4:13)، بل ويضع لنا في صياغة مختصرة ومحكمة، مضمون هذا الإيمان ونص هذا الاعتراف، ألا وهو كون يسوع هو رب، وأنه واسطتنا الوحيدة للخلاص، كالوسيلة المقبولة بل المعينة من الله، والدليل على ذلك هو إقامة الآب له من الأموات. وفي رسالته الأولى لكورنثوس يقدم الرسول فكرًا مشابهًا موضحًا فيه إنه لا يتكلم عن اعترافٍ شكلي بربوبية يسوع، أو اعترافٍ خارج من الشفاه فقط، بل عن اعترافٍ هو نتيجة عمل الروح القدس في قلب المعترف: “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (1كو 12 :3).
العهد الجديد يشمل اقرارات إيمان قصيرة حول شخصية المسيح:
خلال خدمة الرب يسوع، هناك العديد من المواقف والأحداث التي شملت مواجهات مع أشخاص وجماعات، وكذلك هناك مواقف وأحداث تم خلالها صنع آيات وعجائب، وقد صاحب ذلك أحيانًا إعلان إيماني يمثل إدراكًا جديدًا وفهمًا عميقًا لجانب من هوية يسوع تراوحت هذه الاعترافات بأنه ابن الله، رب، وإله، والمسيا المنتظر، ملك إسرائيل، مخلص العالم، أب. وفيما يلي بعض النماذج لهذه الاعترافات:
أولًا: الإقرارات الإيمانية الواردة بالأناجيل:
تتميز هذه الإقرارات بكونها جميعًا تقريبًا متمركزة حول شخص السيد المسيح Christo Centric، وأنها قصيرة للغاية، حيث لا يزيد معظمها عن جملة واحدة. فقد نشأت هذه الإقرارات خلال الأحداث التي صاحبت خدمة السيد المسيح كالمواجهات العديدة التي وقعت مع أشخاص وجماعات متنوعة، والآيات والعجائب الكثيرة التي أجراها. وقد انتهت بعض هذه الأحداث بإعلان إيماني يمثل إدراكًا جديدًا واكتشافًا عظيمًا لجانب من هوية يسوع مثل كونه ابن الله، رب، وإله، ومسيا، ملك إسرائيل، ابن داود، مخلص العالم، … الخ. وفيما يلي بعض الأمثل من تلك الإقرارات والاعترافات الإيمانية:
- بطرس: “أنت المسيح ابن الله الحي” (متى 16:16 مرقس 8: 29؛ لوقا 9: 20)
- مرثا: “نعم يا سيد، أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الحي الآتي إلى العالم” (يو 11: 27).
- قائد المئة عند الصليب: “حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (متى 27: 54؛ مرقس 15: 39؛ لوقا 23: 47).
- نثنائيل: “أجاب نثنائيل وقال له يا معلم، أنت ابن الله؛ أنت ملك إسرائيل” (يو 1: 49).
- التلاميذ في السفينة: “والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له قائلين ‘بالحقيقة أنت ابن الله‘.” (متى 14: 33).
- توما: “أجاب توما وقال له ربي وإلهي!” (يوحنا 20: 28).
- السامريون: “… لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم” (يو 4: 42).
- اعترافات الشياطين: لعل الأغرب على الإطلاق، هو اعتراف الشياطين وإقرارهم التالي: “… أنا أعرفك، أنت قدوس الله” (مر 1: 24)؛ “إنك أنت ابن الله” (مر 3: 11). وقد ترددت كثيرًا في أن أدرج هذه الاعترافات ضمن الإقرارات الإيمانية، لكن الوحي المقدس نفسه يشير إلى إيمان الشياطين! فالرسول يعقوب، والذي ربما كان معاصرًا للأحداث التي تفوهت الشياطين بعدها بالكلمات السابقة، يقول: “والشياطين يؤمنون ويقشعرون” (يع 2: 19).
[1] Tim Chester, I Believe the Apostles’ Creed, Good Book Guides Series. The Good Book Company, 2007, p. 11.
[2] A. W. Tozer, The Pursuit of God. Wing Spread Publishers, 1948.


