مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الأبعاد السياسية-الاجتماعية لمسيحية قسطنطين الأكبر: خلفيات مجمع نيقية

Watch Now

Download

الأبعاد السياسية-الاجتماعية لمسيحية قسطنطين الأكبر: خلفيات مجمع نيقية

مع كل الإضافات التي أضافها تنصُّر قسطنطين الأول وأهمها نهاية الاضطهاد الوثني للمسيحيين. إلا أن التبعات الروحية لمأسسة المسيحية لم تكن كلها إيجابية. ولا ننسى أن السعي لتوحيد وتقنين العقيدة والكنيسة أدى لاضطهاد المسيحيين للمسيحيين. لكن التبعات السياسية الاجتماعية لصعود تأثير أساقفة المسيحية خاصةً أسقف روما (بابا روما فيما بعد)، واعتبار المسيحية أداة مهمة لتوحيد الإمبراطورية كانت كثيرة وفادحة. لقد تحالفت المسيحية مع السلطة السياسية والطبقات الحاكمة، فلم ينتهِ تمامًا دورها التقدمي مع الطبقات الكادحة والمطحونة، لكنه تراجع تراجعًا كبيرًا لصالح دور المؤسسة الدينية المتحالف بطبيعتها مع المؤسسات الحاكمة تأسيسًا لتبادل المنفعة بينهما.

الأب الروحي لرائد حركة الحقوق المدنية في أمريكا د. ق مارتن لوثر هو القس هوارد ثورمان. قال ثورمان: “يسوع أعلن الأخبار السارة أن كلاب المطاردة الثلاثة الخارجة من الجحيم: الخوف والنفاق والكراهية، الكلاب التي تتعقب مسيرة المحرومين في كل جيل، ليس لها سلطان على الذين يقبلون أخباره المفرحة هذه. في مواجهة عدوانية العالم اليوناني- الروماني صار يسوع لنفسه ولشعبه كلمة وعمل الفداء لكل المنبوذين في كل جيل وعصر. المسيحية التي وُلِدت في ذهن هذا المعلم والمفكر اليهودي تتجلى كتكنيك يتيح للمقموعين البقاء والحياة في مواجهة القمع، وهذا التكنيك هو واقع أولي خام. لقد صارت المسيحية في سنوات لاحقة ديانة للسادة ولذوي السلطة، لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نظن أنها كانت كذلك في زمن يسوع أو في حياته: “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ”، ولا يزال المقهورون يستجمعون شجاعة طازجة كلما تجلت هذه الحقيقة الأولية بصورتها الخام أمامهم”.

حقًّا يمكن تلخيص التبعات السياسية الاجتماعية لتنصر قسطنطين في هذه العبارة الخارقة والمأساوية: “صارت المسيحية… ديانة للسادة ولذوي السلطة”.

 

الوظيفة السياسية الاجتماعية الأساسية للدين

يحب معظم المسيحيين أن يعتبروا المسيحية “حياة” أو “علاقة شخصية مع الله”. لكن الواقع أنه إن طبقنا العناصر الأربعة لأي ديانة وجدناها تنطبق على المسيحية المؤسسة كما نعرفها اليوم. الدين أي دين فيه خبرة “روحية” أي اختبار لما هو ماورائي أو إحساس بما هو إلهي. يؤثر على الاختيارات الأخلاقية ويشكِّلها ويضم العقل والإرادة في خبرة واحدة، ثم الدين يضم مجموعة من المبادئ الأخلاقية، وثالثًا يتضمن الدين دائمًا تفسيرًا لنشأة الكون ونهايته وشرح للكيفية التي يدار بها، ورابعًا وأخيرًا يعبِّر الدين عن عنصر تتوحد به وتلتف حوله الجماعات بما يمكنها من العمل المشترك.

يشكل الدين “قصَّة” أو “سردية” تجمع مجموعة من الناس (تضم آلاف أو ملايين البشر أو مئات الملايين أو آلاف الملايين أحيانًا) توحِّدهم قصة واحدة. ومسألة “الوحدة” هذه ضرورية لبقاء الجنس البشري وتطوره. يقول عالم الأنثروبولوجيا الشهير والكاتب ذائع الصيت يوفال نواه هراري إن الميزة الأساسية للبشر ليست مجرد حجم المخ، بل في قدرة هذا المخ على العثور على قصة توحد الجماعة القبيلة ويستطيعون بفضلها أن يتحركوا كجماعة واحدة. من دون هذه “القصة” حول الطوطم أو الوثن البدائي لم يكن من الممكن أن ينجح استخدام البشر أدوات بدائية لصيد حيوانات أكبر منهم كثيرًا، كما حدث مثلًا لتحركهم المتناسق كجماعة واحدة. هذه الجماعات فسرت دهشتها أمام الكون بطواطم (جمع طوطم) وأوثان وآلهة متعددة ونسبوا الألوهية لقوى الطبيعة والحيوانات أو نباتات أو بشر. وغالبًا كانت هذه القصة/ الأسطورة الديانة تضع الجماعة في مكانة خاصة في ثقافة هذه الجماعة، مكانة تتميز بها هذه الجماعة بالذات عن غيرها.

حتى عصر قسطنطين  كانت الديانات الوثنية التي تعطي مكانة خاصة لقيصر أو للإمبراطور (وتؤلهه أحيانًا) قادرة على توحيد الإمبراطورية، لكن بعد الجائحتين الرهيبتين اللتين اجتاحتا الإمبراطورية الرومانية وحصدتا ملايين النفوس، ظهر عجز هذه الديانات في مواجهة الأوبئة والكوارث الطبيعية. المسيحيون وحدهم لإيمانهم بالحياة الأبدية وشدة محبتهم بعضهم لبعض وللوثنيين، قاموا بخدمة المرضى، حتى لو أصيبوا بالمرض وماتوا، في حين كان الوثنيون يهجرون أقاربهم وأسرهم للنجاة بأنفسهم؛ فمات عددٌ من المسحيين لكن نجا من الموت أعداد كبيرة من المرضى بسبب عناية أقاربهم المسيحيين بهم، واكتسب كثير من المسيحيين الذين خدموا غيرهم مناعةً حمتهم من الأوبئة، فتضاعفت أعداد المسيحيين وتقلص عدد الوثنيين بعد أول وباء في القرن الثاني الميلادي، وتكرر هذا بعد ثاني وباء في القرن الثالث. يقدر جون ستارك عالم الاجتماع التاريخي أن عند اعتناق قسطنطين للمسيحية كان عدد المسيحيين يناهز 40% من تعداد الإمبراطورية. وهذه الأقلية الصاعدة حثيثًا نحو أن تكون أغلبية كانت مُفعَمَةً بالحيوية والقوة الروحية والمعنوية وصمدت أمام موجات متتالية من الاضطهاد، بل خرجت أكبر عددًا وأقوى صلابة بعد كل اضطهاد.

أدرك قسطنطين -بصفته سياسيًّا محنكًا- أن مستقبل وتماسك امبراطوريته مرهون بتبنِّي سرديةٍ دينيةٍ أكثر صلابة وحيوية من السردية الوثنية، إضافةً طبعًا لتأثير زوجته وتأثير الحلم -الرؤيا التي اختبرها، لا شك عندي أن الاختيار الأصوب سياسيًّا للإمبراطور كان الانضمام لتيار صاعد بلا هوادة، وواعد، ويبدو أنه كان في كل الأحوال سيشكل الأغلبية بعد فترة تطول أو تقصر. إعلان الإمبراطور والأسرة الحاكمة والحاشية والوزراء وذوي السلطة والمال عمومًا إيمانهم بالمسيحية ومعموديتهم، أدى ولا شك إلى انضمام جموع غفيرة للديانة الصاعدة تقربًا وزلفى للحكام.

لم يضطهد قسطنطين نفسه الوثنيين اضطهادًا منظَّمًا، لكن انتقام “المسيحيين” بعده من مضطهديهم تبدَّى مثلًا في هدم معبد سيرابيس بالإسكندرية وذبح كهنة وثن المدينة عن بكرة أبيهم. في كل الأحوال انضمت جموع للكنيسة، لاعن إيمان يتحدى الصعاب كالقرون الأربعة الأولى، بل لأن هذا صار السبيل الأيسر للتقدم في الحياة العملية في بعض الأحوال وزلفى ونفاقًا للحكام في أحوال أخرى.