الفكر اللاهوتي ومستجدات العصر
- Sermon By: القس جادالله نجيب
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في صيف 2017، كُلِّفت في إحدى الندوات التي جهزت لها لجنة التعليم اللاهوتي في أحد مجامع سنودس النيل الإنجيلي، أن أشارك بدراسة في موضوع الفكر اللاهوتي ومستجدات العصر. ووجدت أن هذا الموضوع ثري ويحتاج منا الى دراسته بتروٍّ وفهم، مع ربط الفكر اللاهوتي مع مستجدات عصرنا.
ففي البداية، الفكر هو الطريقة التي نتناول بها القضايا والمسائل التي تواجهنا في الحياة بشكل منطقي نفهمه ونستوعبه ونطبقه في المجالات المتنوعة. أما عن اللاهوت فهو العلم الذي يبحث عن الفهم. كان القديس أوغسطينوس يؤمن بأن معرفة الله تأتي قبل الإيمان به، والإيمان يجلب معه رغبة مستمرة في فهم أعمق. وبتعبير بسيط، يريد من آمن بالله أن يفهم ما يؤمن به. لذلك صك القديس أوغسطينوس عبارة لاتينية “Credo ut intelligam” التي ترجمتها (آمن لكي تفهم). ومن بعده قدم أنسيلم وهو راهب وعالم لاهوت ورئيس أساقفة كانتربري، عبارة لاتينية توازي عبارة أوغسطينوس “Fides quaerens intellectum” والتي تُترجَم إلى “إيمان يسعى للفهم”، فأنسيلم يعتبر أن الإيمان المسيحي هو بداية السعي لمعرفة وفهم الله وما نؤمن به عن الله. وبالتالي أصبحت عبارة: “إيمان يسعى للفهم” هي أحد التعريفات الكلاسيكية لعلم اللاهوت، بل أساس النظام اللاهوتي والفلسفي في العصور الوسطى المعروف باسم اللاهوت المدرسي، الفكر اللاهوتي الذي سعى إلى توحيد الإيمان والعقل في نظام واحد متماسك
مبدئيًّا في دراسة الفكر اللاهوتي فإننا نبحث عن مجالين أو إن شئت فقل عِلْمَيْن وهما: علم اللاهوت الكتابيBiblical Theology، وعلم اللاهوت النظامي Systematic Theology. يمثّل كلٌّ من اللاهوت الكتابي واللاهوت النظامي ركيزتين أساسيتين في الدراسات اللاهوتية، ولكلٍّ منهما منهجية ومقاربة متميزة في فهم العقيدة المسيحية. يركز اللاهوت الكتابي على دراسة العقيدة المسيحية كما تتكشف في سياق النصوص الكتابية عبر العصور، بينما، يسعى اللاهوت النظامي إلى تقديم صورة شاملة ومُنظَّمة للإيمان المسيحي من خلال مقاربات فلسفية ومنطقية.
أولاً، تعريف اللاهوت الكتابي واللاهوت النظامي
اللاهوت الكتابي هو:
- دراسة عقائد الكتاب المقدس وتعاليمه وفقًا للترتيب الزمني والخلفية التاريخية والتدرج للإعلان الإلهي، أي دراسة التطور التاريخي للعقيدة.
- تفسير النصوص الكتابية في إطار زمني وثقافي محدد، مع التركيز على كيفية تطور الفهم اللاهوتي عبر العصور المختلفة، مثل مفهوم الفداء أو الملكوت الإلهي من العهد القديم إلى الجديد.
- تحليل لغوي تاريخي، حيث يستخدم مقارنات بين أسفار الكتاب المقدس للكشف عن الأنماط اللاهوتية المتكررة.
اللاهوت النظامي هو بناء منظومة فكرية متكاملة أي:
- دراسة العقائد المسيحية بشكل منظم ومترابط، حيث يتم تصنيفها وفقًا لموضوعات محددة، مثل الثالوث، الخلاص، الكنيسة، والأخرويات.
- يسعى إلى تقديم صورة شاملة للإيمان المسيحي، ويستخدم العقل الفلسفي والمنطق اللاهوتي لعرض العقيدة بوضوح واتساق.
- يرتبط بالجدل الفلسفي والدفاعيات؛ إذ يتناول العقائد ضمن إطار عقلاني متماسك، مما يسمح بالاستجابة لمختلف التحديات الفكرية والإيمانية.
ثانيًا: التمايز بين اللاهوت النظامي واللاهوت الكتابي:
- اللاهوت الكتابي يتبع مسارًا تاريخيًّا، حيث يدرس كيف نفهم الإعلان الإلهي تدريجيًّا. بينما اللاهوت النظامي يقدم العقائد كمنظومة مترابطة دون التقيد بتسلسلها التاريخي.
- اللاهوت الكتابي يعتمد على النص الكتابي كمصدرٍ رئيسيّ، ويسعى إلى فهمه وفقًا لسياقه، بينما اللاهوت النظامي يدمج الكتاب المقدس مع الفلسفة والتقليد والتاريخ اللاهوتي لصياغة صورة متكاملة للعقيدة.
- اللاهوت الكتابي يسعى لفهم الإعلان الإلهي في سياقه التاريخي، أما اللاهوت النظامي يسعى إلى إيضاح العقيدة المسيحية كمفهوم شامل ومترابط.
اللاهوت الكتابي واللاهوت النظامي في تمايزهما يكمل كل عِلْم الآخر يمكن فهم ذلك كالآتي:
- يقدم اللاهوت الكتابي للاهوت النظامي سياقًا تاريخيًّا، مما يساعد في فهم كيف تشكلت العقائد عبر الزمن.
- تقوم أساسات بناء اللاهوت النظامي على اللاهوت الكتابي، فهو يقدم جذور الإعلان الإلهي التي يعتمد عليها اللاهوت النظامي وهي الأسس الكتابية التي تُبنى عليها منظومته الفكرية.
- يوضح اللاهوت الكتابي الخلفية النصية للعقيدة، التي يصيغ اللاهوت النظامي تطبيقًا فكريًّا شاملًا لها.
من هنا، يُعدُّ اللاهوت الكتابي أساسًا للفهم التاريخي للنصوص المقدسة، في حين يُعَد اللاهوت النظامي أداة لإيضاح العقيدة بشكل منطقي ومترابط يناسب العصر الحديث. نستنتج من هذه الدراسة عن اللاهوت (الكتابي والنظامي) أن مصدره وأساسه كلمة الله الذي هو الكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد، أي أن علم اللاهوت مأخوذٌ من الكتاب المقدس ومبنيٌّ عليه.
ثالثًا: اللاهوت والكنيسة:
اللاهوت هو منظومة فكرية تعبر عن الإيمان المسيحي الذي يشكل هوية الفرد والكنيسة ويحدد رؤيتهما ورسالتهما في العالم. تأتي هذه المنظومة من خلال خبرات مجتمع الكنيسة الناتجة عن تساؤلات ومواقف وتفاعلات وحراك ديني ومجتمعي داخل مجتمع الكنيسة الداخلي من ناحية، وبينها وبين المجتمع الخارجي ومعطياته وظروفه من ناحية أُخرى.
الكنيسة هي امتداد حضور المسيح على الأرض، فهي أعمق في وجودها عن مجرد تجمع بشري بل مجتمع يمثل جسد المسيح الحي. لذا بهذا المفهوم تُعدّ الكنيسة الأداة التي تُعبّر عن هذا الإيمان عمليًّا في حياة المؤمنين وفي المجتمع. تطورت العلاقة بين اللاهوت والكنيسة، عبر التاريخ، متأثرة بالتحديات الكتابية، والفكرية، والتاريخية، والثقافية، والاجتماعية والروحية، التي ساهمت في تشكيل منهجها اللاهوتي وممارستها العملية. وبالتالي عبرت الكنيسة عن إيمانها في سياقات مختلفة وفقًا لمستجدات كل عصر واحتياجاته وظروفه.
يحتاج اللاهوت إلى كنيسةٍ تعبّر عنه، كما تحتاج الكنيسة إلى لاهوتٍ يحدد هويتها، ولهذا فإن التكامل بينهما هو أساس الكنيسة الفاعلة في العصر الحديث. نستنتج من هذا الارتباط أن العلاقة بين اللاهوت والكنيسة ليست مجرد علاقة نظرية، بل علاقة واقع يجب أن يُعاش. فاللاهوت يجب أن يكون حيًّا وملهمًا، لا مجرد منظومة فلسفية. وعلى الكنيسة أن تكون مؤثرة ومتفاعلة، تعكس الإيمان في العبادة والتعليم والخدمة.
تطور الفكر اللاهوتي في الكنيسة
- القرن الأول، كانت الكنيسة تركز على كرازة الإنجيل دون صياغة رسمية للاهوت.
- القرن الرابع فصاعدًا، حددت مجامع الكنيسة، مثل نيقية (325م)، خلقيدونية (451م)، لاهوتها وصاغت قوانين إيمان واضحة لتحديد العقيدة الصحيحة.
- العصور الوسطى، ظهور اللاهوت المدرسي، من أبرز رواد اللاهوت المدرسي بيتر أبيلارد وتوما الأكويني. ساد هذا اللاهوت بقوة في القرن الحادي عشر والثالث عشر مع تطور الجامعات الأوروبية. كان هذا النهج اللاهوتي يعتمد على التحليل المنطقي والجدلي، الذي استخدمه اللاهوتيون في صياغة اللاهوت بطريقة منهجية باستخدام الفلسفة، لا سيما فلسفة أرسطو.
- القرن السادس عشر، اتخذ الإصلاح من النهضة الأوروبية دربًا فصاغ الفكر اللاهوتي وشجع التفكير النقدي، وبظهور الطباعة تُرجم الكتاب المقدس ونُشر بلغات محلية.
- الحداثة، بدأت مع عصر النهضة والتنوير، استدعت اللاهوتيون أن يصيغوا فكرًا لاهوتيًّا يواكب الاكتشافات العلمية والفلسفية الجديدة.
- العلمانية، التي نادت فصل الدين عن الدولة، ومنها جاء لاهوت التحرير الذي يسعى إلى تقديم الدين باعتباره قوة اجتماعية تعمل من أجل العدالة، واللاهوت السياقي الذي يحاول تفسير العقيدة في ضوء الظروف الثقافية والسياسية المعاصرة.
- التعددية الفكرية الدينية، أحد التحديات المُستحدَثة والتي تجاوبت معها الكنيسة في منتصف القرن العشرين في صياغة ومبادرة تسمى “لاهوت الحوار”. التحدي الحقيقي في هذا اللاهوت هو الخط الرفيع غير المرئي الذي يفصل بين التكيف الديني أو الثقافي والتنازل اللاهوتي. الاستجابة لتحدي العصر تحتاج إلى الحفاظ على التوازن السليم بين التكيف والتنازل دون المساس بجوهر الإيمان.
- العصر الرقمي، تتطور التكنولوجيا الرقمية كل يوم، وأصبح التحدي أعظم من أي عصر مضى. لقد أصبح هناك تفاعل واسع النطاق بين الدين والتقنيات الحديثة. مما يفرض تحدّيات وفرص في مجالات التعليم والاقتصاد والعمل والصحة والعلاقات، وهو التحدي غير المسبوق للكنيسة. فماذا ستفعل الكنيسة لمواكبة الفكر اللاهوتي مع البيئة الرقمية، الآلة الصماء، دون فقدان البعد الروحي للإيمان؟
تترقب الأجيال القادمة مستجدات تحتاج إلى صياغات تواكبها على مدار السنين والأزمنة حتى يأتي المسيح ثانية. فعلى الكنيسة ورجالاتها ومفكريها أن تكون لديهم يقظة روحية ومعرفية بالمستجدات، لتكون معاصرة لزمانها فاعلة ومتفاعلة.


