مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

تأكيد المصلحين الإنجيليين على حقائق قانون الإيمان النيقاوي اللاهوتية

Watch Now

Download

تأكيد المصلحين الإنجيليين على حقائق قانون الإيمان النيقاوي اللاهوتية

يسود الأوساط المسيحية لَغَطٌ وسوء فهم، مفاده أنَّ الكنائس الإنجيلية لا تَعْترف بأهميّة ودَوْر تعاليم آباء الكنيسة وقوانين الإيمان التي كتبوها، الأمر الذي يَضَع الكنائس الإنجيلية خارج التاريخ الكنسي، ويرجِع جذورها فقط إلى عهد الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، وليس إلى عَهْد رسل الكنيسة الأولى وآبائها. لكنّ سوء الفهم هذا، يتنافى مع مفهوم الكنيسة في اللاهوت الإنجيلي المُصلِح.

لَمْ يعتقد المُصلِحون الإنجيليون بأنَّ الكنيسة بدأت على عهدهم، بَلْ آمَنوا أنَّها بَدَأت مُنْذ آدَم وحوّاء، مُنْذُ أنْ دعا الله أولاده ليدخلوا في عهدٍ معه قديمًا بواسطة الآباء والأنبياء، وفي العهد الجديد في ابنه يسوع المسيح. فالكنيسة وُجِدت واستمرت في التاريخ قَبْل الإصلاح الإنجيلي وبَعْده. اعتبر المصلحون حَرَكة إصلاحهم، وفاءً لاسْتمرارية حياة وتعاليم الكنيسة الأولى، كنيسة الرسل والآباء، التي عاشَت وعَلّمت كما يحقُّ لإنجيل المسيح. اعتبروا أنّ تاريخ الكنيسة هو تاريخهم، وآباء الكنيسة لا سيما الأوائل مِنْهم، هم آباؤهم. لكن هذا لا يَنْفي تحفُّظاتهم ومَفهومهم الخاص لبَعْض الأمور التي بَرَزَت في خلال مَسيرة الكنيسة.

إنَّ المقياس الأساسي الذي اعتمده المُصلِحون الإنجيليون للتَّمييز بَيْن تعاليم الآباء المَقْبولة وغير المَقْبولة، هو مقياس الكتاب المقدس. بما إنَّ الكتاب المقدس هو دستور الإيمان الأهمّ والكافي لإعلان الحقيقة الإلهية للإنسان، فإنَّ سُلْطته هي السُّلْطة التي تعلو فوق كُلِّ سُلْطة أخرى. لهذا، فإنَّ أي تعليم لأيٍّ مِن آباء الكنيسة كان يخضع لمقياس الكتاب المقدس، فإذا ما انْسَجم مع تعاليمه، كان يُقْبَل ويُعتَبَر غِنىً للإيمان والحياة المسيحية، وإذا لَمْ يَنْسَجم مع تعاليمه، كان يُرْفَض ويُعْتَبَر خُروجًا عن الحقيقة الإلهية. ظَهَر موقف المصلحين من كتابات آباء الكنيسة، في اعتراف الإيمان (السويسري) الهلفيتي الثاني، الذي يلخِّص مبادئ وتعاليم المُصلِحين الإنجيليين في القرن السادس عشر. فإنَّه في إحْدى فقراته عن تفسير الآباء القديسين، ورَد ما يلي: “تُقْبَل تفاسير الآباء حين توافِق قاعدة الإيمان والمحبة وتؤول إلى مجد الله وخلاص الإنسان. لذا فنحن لا نَحْتَقِر تفاسير الآباء الشرقيين والغَرْبيِّين بقدر ما تتوافق مع الأسفار المقدسة، ولكنَّنا نُخالفهم بكُل اتِّضاع حينما نَجد أنَّهم يقولون أشياء تخْتَلِف أو تتعارَض كُليًّا مع الأسفار المقدسة. ولا نَعْتقد أنَّنا نخطئ ثقَتهم في ذلك، عالمين أنَّهم وبإجماع كليّ، لا يريدون أنْ تتساوى كتاباتهم بالأسفار المقدسة القانونية، وأنَّهم يُوْصُونَنا أنْ نَفْحَص مدى توافُق كتاباتهم أو تعارُضها مع الأسفار القانونية، وأنْ نَقْبَل منها ما يتوافَق ونَرْفُض ما لا يتوافق معها”.

أدرك المصلحون جيّدا، أنّ ما يُمَيِّز دَوْر الآباء القديسين الأوائل، هو مُسانَدتهم للكنيسة في انطلاقتها الأولى في أهمّ مراحلها، في عصر تميَّز بظهور البِدَع والهرطقات التي عَمِلَت على مُحاربة الإيمان المسيحي، وتشويه رسالة المسيح، فعمدوا إلى كتابات قوانين الإيمان التي تفسّر وتوضّح حقائق الإيمان المسيحي. اعتمد المصلحون الإنجيليون ثلاثة قوانين إيمان تاريخية، هي: قانون إيمان الرسل، قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني، وقانون الإيمان الأثناسي. وقد ترجموها إلى لغات شعوبهم، وتلوها في كنائسهم بلغات شعوبهم، بعد أن كانت تتلى باللغة اللاتينية. كتب مصلح إنكلترا، توماس كرنمار قائلًا: “يجب أن نقبل بشكل كامل، قوانين الإيمان الثلاثة: قانون الإيمان النيقاوي. قانون الإيمان الأثناسي. وقانون إيمان الرسل، لأنه مبرهنة من قبل الكتاب المقدس”. آمن المصلحون أنّ أهمية قوانين الايمان، تكمن في كونها: أولًا، تحفظ  سجلًّا للإنجازات اللاهوتية في معرفة الحقيقة. ثانيًا، تميّز بين التعليم الحقيقي والتعليم المضلّ. ثالثًا، تصلح لتكون أساسًا للشركة الكنسية بين المسيحيين الذين يشتركون في الإيمان نفسه. رابعًا، تستخدم كمستندات في التعليم المسيحي.

بمرور 1700 سنة، على كتابة قانون الإيمان النيقاوي عام 325م، تظهر كتابات المصلحين الإنجيليين المتنوّعين، أمثال مارتن لوثر، وجون كالفن وغيرهم، تأكيدهم وموافقتهم، على الحقائق اللاهوتية التي يعلنها قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما، الإيمان بعقيدة الثالوث الأقدس.

لكن لا بد أولًا من التذكير بالسياق الذي كُتِب فيه قانون الإيمان النيقاوي. كُتِب قانون الإيمان النيقاوي، لتوضيح لاهوت المسيح، وتفنيد فكر الهرطقة الأريوسية، التي ظهرت في القرن الرابع الميلادي. فأريوس أنكر لاهوت المسيح، ونفى أزليته مع الآب. ادّعى أريوس أنه كان للمسيح بداية في الزمن، لأنّ الله خلقه، بينما الله أزلي أبدي لا بداية ولا نهاية له. لهذا، استنتج أنّ المسيح لا يمكن أن يكون من طبيعة وجوهر الله. علّم أريوس، أنّ المسيح ليس إلهًا ولا إنسانًا، ولكنه بين الإله والإنسان، الأمر الذي أدّى إلى انقسام كبير في الكنيسة بين مؤيّدين ومعارضين لآريوس. عندها دعا الإمبراطور قسطنطين إلى انعقاد مجمع مسيحي في نيقية، لمعالجة هذه المشكلة. فاجتمع مئتا وعشرون أسقفًا سنة 325م. وعليه، قام المجمع بتوضيح الإيمان المسيحي، وصياغة عقيدة اللاهوت والتشديد على ألوهية المسيح. أقرّ مجمع نيقية هذه العبارات الهامة: “نؤمن بربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء…”. وهكذا أكدّت الكنيسة، أنّ المسيح ليس أدنى درجة من الله، بل هو إله كامل وُجِدَ من الأزل مع الله. كما أنه من نفس طبيعة وجوهر الله. على الرغم من أن قانون الإيمان النيقاوي، قد بدأت كتابته سنة 325م، إلاّ أنه لم ينتهِ في صيغته الحالية حتى سنة 381م؛ إذ عقد المجمع النيقاوي الثاني، للردِّ على هرطقة أخرى، أنكرت لاهوت الروح القدس. فما كان من المجمع النيقاوي الثاني إلاّ أن أكدَّ على لاهوت الروح القدس. وأضاف على قانون الإيمان النيقاوي، الفقرة المتعلّقة بالإيمان بالروح القدس، التي تنصُّ على ما يلي: “ونؤمن بالروح القدس. الرب المحيي. المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن…”.

نظر المصلحون الإنجيليون، إلى قانون الإيمان النيقاوي بسموّ كبير معتبرين إيّاه، تصريحًا أساسيًّا عن الإيمان المسيحي. وقد أعطوا له سلطة كبيرة في إيمانهم وتعاليمهم، ودفاعهم عن العقيدة المسيحية ضد الهرطقات، معتبرين إياه توضيحًا هامًّا للفكر اللاهوتي الكتابي.

أكّد المصلح مارتن لوثر، على عقيدة الثالوث، المتضمّنة في قانون الإيمان النيقاوي، قائلًا: “إنّ كنائسنا هي في توافق مشترك، في تعليمها مع قرار مجلس نيقية حول وحدة الجوهر الإلهي، وحول الأقانيم الثلاثة. لذا، يجب أن تُقبَل، ويُؤمَن بها دون أيّ شكوك”. وحول موضوع الإيمان بابن الله الوارد في قانون الإيمان النيقاوي، ذكر لوثر: “إنّ الكلمة المتجسّد، أي ابن الله، اتخذ الطبيعة البشرية في رحم العذراء المباركة مريم. لهذا، فإنّ هناك طبيعتين للمسيح: طبيعة إلهية، وطبيعة إنسانية، انضمتا إلى بعضهما، في شخص واحد، ومسيح واحد، دون انفصال بينهما. إله حقيقي، وإنسان حقيقي”. وحول مفهومه للمعمودية، أعلن لوثر أنّ مفهومه ينسجم مع المفهوم المتضمّن في الإيمان النيقاوي، “أنّ هناك معمودية واحدة لمغفرة الخطايا”.

اتُّهم المصلح جون كالفن خطأ من قِبَل البعض، أمثال كارولي، الذي اعتقد أنّ كالفن لم يكن مؤمنا بعقيدة الثالوث، مع أنه في جداله مع فرانسيسكو ستانكارو، ومايكال سيرفيتوس، دافع عن عقيدة الثالوث، بحسب المفهوم النيقاوي. استخدم كالفن الكتاب المقدس لدحض الآراء الأريوسية والهرطوقية حول الثالوث. اعتقد أنّ الآراء غير الثالوثية يجب دحضها. أعلن كالفن قائلًا: “لا شيء أكثر غباوة من تفاهة الأريوسيين، الذين مع أنهم أقرّوا بألوهية الابن، إلاّ أنهم أنكروا جوهره الإلهي”. (كان في فكر كالفن، أنّ الذين يحمون الهراطقة، والمجدّفين، هم نفسهم هراطقة ومجدّفون). عندما كتب المصلح جون كالفن كتابه الشهير “أسس الإيمان المسيحي”، عام 1536 والذي بقي يراجعه حتى العام 1558، لم يعتبر أنّ كتابه موجّه فقط للإنجيليين ليدافع عن عقائد الإصلاح، بل كان يكتب لكلّ المسيحيين. ضمّن في الجزء الأول من كتابه،  فصلًا عن عقيدة الثالوث، هو الفصل الثالث عشر، الأقسام 16-20. علّم كالفن، في كتابه “أسس الإيمان المسيحي”، أنّ “الأقانيم الثلاثة هم إله واحد. في جوهر واحد، وقد تواجد أزليًّا في ثلاثة أقانيم متمايزة. وأنّ علاقة كلّ منهم، تختلف عن الآخر. وأنّ كلًّا منهم مع تمايزه، يوجد في الآخر”. مما ذكره “هناك بشكل واضح، أشياء متمايزة في الأقانيم نفسها، وإلاّ لن يكون هناك ثالوث”. يوجِّه كالفن الانتباه إلى الأدوار المتمايزة في كلٍّ من الأقانيم، فيقول: “الآب هو المنشئ. والابن هو المدبّر الحكيم. والروح القدس هو المنفّذ القوي. وكلٌّ من هذه الأقانيم، هو الله نفسه”. حول عبادة المسيحيين لله المثلّث الأقانيم، أعلن كالفن قائلًا: “يمكن للإنسان المسيحي، أن يعبد الإله الواحد في كلٍّ من الأقانيم الثلاثة الذين تعاونوا في سبيل خلاصنا. فالروح الساكن في المسيحيين، يخولهم حتى يفهموا هذا، ويدركوا أنّ العلاقة بين الأقانيم، كونها شخصية، إنما هي طوعية، وليست نتيجة سببية طبيعية”.