مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

تحديات العقيدة وبناء الهويّة الإيمانيّة

Watch Now

Download

تحديات العقيدة وبناء الهويّة الإيمانيّة

“أنا أؤمن” الذي جاء في إقرارات وقوانين الإيمان المسيحيّة، هذا الإعلان يحوي في داخله الكثير، المسيحيّون في أوربا يعرفون الإيمان Creed في اللاتينيّة، وهي كلمة مفتاحية Credo in Dum ومعناها أنا أؤمن في الله، والكلمة الإنجليزية Creed تأتي من الكلمة اللاتينيّة Credo هي تعبر عن إقرار الإيمان، وتلخص النقاط الرئيسية لإيمان المسيحيّين، ليس بطريقة شاملة، ولكنها بطريقة مقصودة.[1] ويوضح مجراث McGrath أنَّ عبارة “أنا أؤمن” تعني أربعة أمور: الموافقة والإقرار، والثقة واليقين، والالتزام الصادق، والطاعة الكاملة.[2]

وفي كتابه تاريخ العقيدة المسيحيّة يوضِّح لويس بركهوف Louis Berkhof تعبيرًا آخر عن العقيدة باستعماله كلمة دوجما Dogma وهي تأتي من الأصل اليونانيّ Dokein، وهي لا تعبر عن أنَّ هذا الأمر يظهر بالنسبة لي كوجهة نظر، أو يسرني أو يرضيني، ولكن الكلمة تحدّد أن هذا الأمر بالنسبة لي حقيقة ثابتة.[3] والعقيدة هي اختبار مسيحي حُدِّد في بعض الكلمات.[4]

ويحتوي العهد الجديد -حسب مجراث- على كثير من إقرارات الإيمان المختصرة مثل: متى 16: 16؛ أعمال 2: 38، 8: 12، 10: 48؛ 8: 16، 19: 5؛ رومية 10: 9؛ 1كورنثوس 12: 3، 2كورنثوس 4: 5؛ فيلبي 2: 11؛ كولوسي 2: 6.[5] وكلها خاصة بشخص المسيح والصياغات التي ظهرت في الكنيسة المبكرة عنه.

وعندما دخلت البدع والهرطقات الكنيسة ظهرت قوانين إيمان لتدافع الكنيسة عن عقديتها وإيمانها بشخص المسيح ولعلَّ قانون الإيمان النيقاوي الصادر عن مجمع نيقية 325م خير دليل على ذلك، فكان رد فعل لبدعة أريوس، ثم تلاه مجمع القسطنطينية 381م، ومجمع أفسس 431م، حول شخص الروح القدس، ومجمع خلقدونيّة 451م حول طبيعة المسيح، وهكذا كل مجمع مسكوني كان يناقش قضية إيمانيّة وكل قضية مختلفة عن الأخرى، ليكون لدينا رصيد إيمانيّ ثبت على مر الأزمنة.

تناقش هذه الورقة أهمية العقيدة، ودوائرها، وتحدياتها وارتباط هذا بتشكيل الهوية الإيمانيّة من السياق العام إلى الخاص، وتنتهي الورقة برصد ببليوجرافيّ للكتابات التي صدرت حول العقيدة الإنجيليّة من دار الثقافة بمصر.

أهمية العقيدة:

لكي نعرف أهمية العقيدة يجب أن نعود للتحليل الذي قدَّمه محمود عباس العقاد (1889-1964م) في كتابه “الإسلام في القرن العشرين” حول السؤال المهم لماذا انتشر الإسلام في ظل إمبراطوريتي: الروم والفرس؟ فتكون إجابته هي العقيدة، ويعطي صفتان لتلك العقيدة وهما: عقيدة صامدة وعقيدة شاملة. فيقول: “إنَّ العقيدة الإسلاميّة لم تكن قوة غالبة وحسب إبان النشأة والظهور، ولكنها كانت قوة صامدة بعد مئات السنين. ولا بد من تفسير لهذه القوة الصامدة كما لا بد من تفسير لتلك القوة الغالبة. فإنَّ القوة التي تصمد كالقوة التي تغلب في حاجتهما للتفسير، أو لعلَّ القوة التي تصمد أولى بالتفسير من القوة الغالبة لأنَّها تدافع فتقوى على الدفاع حيث لا عدَّة عندها للغلبة في معترك الصدام والصراع.”[6]

وهي أيضًا شاملة فيقول: “إنَّ شمول العقيدة في ظواهرها الفرديَّة وظواهرها الاجتماعيَّة هي المزية الخاصة في العقيدة الإسلاميَّة، وهي المزية التي توحي إلى الإنسان أنَّه “كل” شامل فيستريح من فصام العقائد التي تشطر السريرة إلى شطرين ثم تعيا بالجمع بين الشطرين على وفاق.”[7] وتوصف العقيدة الإسلاميَّة بالشمول لأنَّها تشمل الأمم الإنسانية جمعاء كما تشمل النفس الإنسانيّة بجملتها من عقل وروح وضمير.[8] ولذلك-يرى العقاد-فمهما تكن السياسة فالعقيدة أثبت منها.[9]

المناخ العام الذي نعيش فيه يعطي أولوية للعقيدة، ولا يجوز المساس بها، أو حتى الخروج عليها. وفي تاريخ وواقع الفكر المسيحي نجد أن للعقيدة أهمية كبرى في تشكيل الهوية الإيمانيّة ولعل الاستشهاد في سبيل الإيمان كان خير دليل على ذلك.

وقد ربط فايز فارس (1929-2012م) في مقدِّمة كتابه “حقائق أساسية في الإيمان المسيحيّ” بين العقيدة والنهضة بالقول: لقد كانت العقيدة المسيحيّة الكتابيّة هي أساس كل نهضة دينيّة وروحيّة في التاريخ، وربما يرجع الفتور الروحيّ الذي نرى بعض مظاهره هذه الأيام، إلى إهمال دراسة العقيدة المسيحيّة.”[10] ويربط رينالد شاورز بين العقيدة والسلوك بالقول: إنَّ العقيدة تحدِّد المواقف والممارسة، ولذلك النظام العقيديّ الذي ينحاز إليه المرء يُشَكّل فرقًا بالتأكيد. وفي ضوء هذا ينبغي على كل مؤمن أن يبحث بجد وإخلاص في الكتب ليقرِّر ما إذا كان اللاهوت العهديّ أم اللاهوت التدبيريّ هو الذي يقدم الرأي الكتابيّ.”[11]

دوائر العقيدة:

أميل دائمًا إلى القراءة السياقيّة للعقيدة في محيطها وواقعها الحالي، وفي تاريخ تشكيلها أيضًا، وفي هذا الأمر أجد ثلاث دوائر يجب أن نفكر فيها ونحن نتحدث عن العقيدة، وهي:

الدائرة الأولى: المسيحيّة داخل الإطار الإسلاميّ

العقيدة المسيحيّة في مقابل العقيدة الإسلامية، وهنا يجب التأكيد على العقائد المسيحيّة الأساسية في القرينة والسياق الإسلاميّ وهي الأكثر إلحاحًا في الفهم والوضوح، وقد ظهر علم الكلام الإسلاميّ في مقابل علم اللاهوت المسيحيّ وكل له منظومته الفكريّة وبناؤه ومصادره، وهذا التقابل أنتج لاهوت الجدال والمقارنات بين الأديان. وظهور كتب “الرد على النَّصارى”[12] والموقف المسيحيّ منها في الرد المقابل في كتابات مثل: البيان والإيضاح. وكان الحوار حول قضايا لاهوتيّة أساسية مثل: وحدانية الله، الثالوث، التجسّد، لاهوت المسيح، الصليب، القيامة، وما يتبع هذه العقائد من قضية الخطية والخلاص، وصحة الكتاب المقدَّس. وقضايا الحوار الدينيّ بين أتباع الديانات والثقافات، وكيف يكون الدين سببًا في السلام الاجتماعيّ، وبناء الجسور، ونبذ خطاب الكراهية.

الدائرة الثانية: العقيدة في المسيحيّة-المسيحيّة

في العقيدة المسيحيّة نجد العقيدة الإنجيليّة في مقابل الفكر التقليديّ بشقيه: الأرثوذكسيّ والكاثوليكيّ، وهو ما يميز الكنيسة الإنجيليّة في دائرة الإيمان المسيحيّ، الكتاب وحده في مقابل التقليد، المسيح وحده في مقابل القديسين، الإيمان وحده في مقابل الأعمال، النعمة وحدها في مقابل مجهود الإنسان، المجد لله وحده في مقابل التركيز على عظمة الإنسان. النسق العقائديّ في الفكر التقليديّ يختلف تمام الاختلاف عن النسق الإنجيليّ، ولا سيما في قضية الخلاص، فحين يتم الخلاص سرائريًّا في الكنيسة الأرثوذكسيّة على سبيل المثال يتم اختباريًّا في المفهوم الإنجيليّ.

كل كنيسة لديها ما يميزها في منظومتها العقائديّة ولا بد من أن تحترم كل كنيسة فكر وعقائد الكنائس الأخرى. ومعرفة عقائد الآخرين يعطي غنى وثراء، ويمكن أن تستفيد كل كنيسة من الكنائس الأخرى.

وفي مصر يذكر لبيب مشرقي (1894-1990م) بنوع من النقد الذاتيّ: “لقد بدأت الكنيسة الإنجيليّة في الأصل كنيسة مهاجمة”.[13] ويدعو مشرقي إلى شرح العقيدة بروح المحبة دون محاولة للتجريح والانتقاد المرّ.[14] وفي قضية التعامل مع الكنائس بعضها ببعض يعطي لبيب مشرقي ثلاثة جسور لهذه العلاقة لكي تستمر على الرغم من اختلافها، وهي: جسر المحبة، جسر الحوار، جسر التعاون في الخدمات المسيحيّة.[15] يقول اللّاهوتيّ الألمانيّ اللّوثريّ رَﭘِرتُوس مِيلادينُوس (1582م-1651م): “في الأساسيّات، وحدةٌ؛ وفي الثّانويّات، تعدّدٌ؛ وفي الكلّ، محبةٌ.” بالطبع أثرَّ على تشكيل العقيدة الإنجيليّة أمرين مهمين وهما: المسكونيّة، واللاطائفيّة.

المسكونيّة تحترم العقيدة، وتقبل المختلف، وتخلق حوارًا حول القضايا المختلف عليها وصولًا لتقارب وجهات النظر، أما اللاطائفيّة فهي لا تحترم العقيدة، وتخلق حالة من الميوعة الفكريّة واللاهوتيّة، وكلا الأمرين أثَّرا على العقيدة في الفكر الإنجيليّ المشيخيّ للكنيسة الإنجيليّة في مصر.

ومهما تعددت الكنائس تبقى الوحدة في الإيمان والمحبة والشركة، يظهر هذا في رسالة أفسس عن أسس الوحدة فيقول: “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ. وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ.” (أفسس 4: 1-7)

ثم غرض هذه الوحدة؛ إذ يقول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ.” (أفسس 4: 12-13).

الدائرة الثالثة: الدائرة الإنجيليّة-الإنجيليّة

هي دائرة الفكر المشيخيّ الإنجيليّ في مصر في وسط العقائد الإنجيليّة الأخرى. السؤال هو: ترى ما يميز الفكر المصلح في الفكر والعبادة واللاهوت عن الكنائس الأخرى؟ مجموعة الكنائس المصلحة (المشيخيّة، والأسقفيّة، الإرساليّة الهولنديّة)، مجموعة كنائس الإصلاح (كنيسة نهضة القداسة، كنيسة الإيمان، كنيسة المثال المسيحيّ، كنيسة الله)، مجموعة كنائس الإخوة (كنيسة الإخوة، كنيسة الإخوة المرحبين)، مجموعة الكنائس الرسوليّة (الكنيسة الرسوليّة، الكنيسة الخمسينيّة، كنيسة النعمة، كنيسة المسيح)، مجموعة الكنائس المعمدانيّة (المعمدانيّة للأقباط الإنجيليّين، المعمدانيّة المستقلة، المعمدانيّة الكتابيّة الأولى، الكرازة بالإنجيل). في وسط هذه الدائرة الإنجيليّة المتسعة يكون السؤال ما يميز الفكر والعقيدة المشيخيّة من ناحية العقيدة والعبادة والنظام؟

ومن الخاص إلى العام يكون البحث عن الهوية الإيمانيّة أمرًا في غاية الأهمية في تشكيل الوعي الروحيّ والأخلاقيّ.

التحديات التي تواجه العقيدة:

أمام أهمية العقيدة بل وضرورتها في الحياة توجد مجموعة من التحديات التي تواجهها وتواجهنا في آن واحد، هي:

التحدي الأول: الاجتزاء في مقابل الاتساق

التحدي الأول والأهم هو غياب الاتساق في مفهوم العقيدة Consistency وحلَّ محلَّه الاجتزاء fragmentations، أي تتكون قناعات وممارسات الشخص من كوكتيل عقائديّ مكون من جزئيات فيه من كل لون أو من كل حدب وصوب، هذه الظاهرة أسميتها الكوكتيليّة العقائديّة: فعلى سبيل المثال: نفكِّر في الإسخاتولوجيّ (الأخرويات) بطريقةٍ تدبيريّة، وفي العبادة والمواهب بطريقةٍ كاريزماتيّة، وفي الوحي بطريقةٍ إسلاميّة، وفي الانتماء بطريقةٍ لاطائفيّة، وفي الخلاص بطريقة أرمينيّة بلاجيوسيّة، وفي الفرائض بطريقة أرثوذكسيّة… إلخ. هذه الكوكتيليّة اللاهوتيّة والفكريّة أنتجت نصف عضو إنجيليّ والنصف الآخر توجهات أخرى.

الإصلاح الإنجيليّ خلق نسقًا واتساقًا فكريًّا ولاهوتيًّا في منظومة عامة، سُمِّت بالـFive Solas ، المبادئ الخمسة للإصلاح الإنجيليّ: الكتاب وحده، المسيح وحده، الإيمان وحده، النعمة وحدها، المجد لله وحده. هذه المبادئ أطلق عليها مكرم نجيب (1947-2019م) أنها مصادر ومنابع الروحانيّة الإنجيليّة.

عمومية الفكر المصلح وخصوصية الفكر الكالفينيّ:

في مقابل تعاليم أرمينيوس الذي كان تلميذًا لكالفن، دعت الحكومة الهولنديّة لعقد مجمع لاهوتّي لدراسة هذه الاختلافات، في مدينة دورترخيت Dordrecht الهولندية عام 1618م، ولمدة سبعة شهور وبعد انعقاد 154 جلسة توصل المجتمعون في مايو 1619م، إلى قرارٍ يدين أفكار أرمينيوس وأتباعه، وخرج هذا المجمع بوثيقة تُسَمَّى وثيقة النقاط -المبادئ- الكالفينيّة الخمسة”، وهي تُعَدُّ الأساس اللاهوتّي والعقيديّ للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في العالم، وتتلخص هذه المبادئ في هذه النقاط على اسم زهرة التيوليب Tulip[16]:

  • الفساد الكليَّ Total Depravity
  • الاختيار غير المشروط Unconditional Election 
  • الكفارة المحدودة Limited Atonement  
  • النعمة التي لا تُقاوَم Irresistible Grace
  • الضمان الأبدي أو “مثابرة القديسينPerseverance of the Saints

التحدي الثاني: الانعزال في مقابل الاندماج

قضية الاندماج والانعزال إحدى قضايا الأقليات في كل عصر وفي كل مكان، والسؤال: هل العقيدة تدعو الناس إلى الانسحاب من المجتمع وقضاياه؟ هل العقيدة تدعم التغيير الاجتماعيّ والعدالة الاجتماعيّة والمساواة، أم تكون حبيسة الكتب وتجلس في برجها العاجي؟ مفهوم سيادة الله الفكرة المحوريّة في الفكر المصلح والفكر الكالفينيّ تجعلنا مندمجين حاملين قضايا وهموم ومجتمعاتنا وآملين دائمًا في التغيير.

التحدي الثالث: الكتمان والجهل في مقابل الوضوح والإعلان 

الإنسان عدو لما يجهل والفكر المصلح ليس خطأً في ذاته، ولكن الخطأ كل الخطأ أنَّه أصبح غير معروف، غائبًا، أو نخاف في أوقات كثيرة في أن نعلَّم عنه، لو فتحت أي قضية إيمانيّة داخل الكنيسة -أي كنيسة محلية- ستجد من النقيض للنقيض.

أستدعي صوتًا من القرن العاشر لأول مَن كتب باللغة العربيّة وهو ساويرس بن المقفع في بداية كتابه مصباح العقل: “وسألتني أنْ أصف لك جمل أقاويلنا، وأبيّن عندك معاني ديننا. إذ كان ذلك أولى الأمور بنا، وأجلّ ما يجب أنْ نبيّنه ونفسّره، ليتذكَّر به الجاهل، ويستبّصر به العالم.”[17] 

يجب أن تتضح العقيدة من على المنبر، وفي الكتب والمجلات، وفي الفضائيّات ووسائل التواصل الاجتماعيّ. الكتمان والجهل غير مفيد. تحدي الانحسار في مقابل الانتشار.

التحدي الرابع: القولبة والنمطيّة في مقابل الواقعيّة والحيويّة

ما يؤثر على العقيدة هي النمطيّة والقولبة stereotype في مقابل حركة العقيدة وتفاعلها مع الواقع المتجدد، وهنا تساعدنا العقيدة من خروج من مأزق الناموسيّة والحرفيّة إلى التركيز على المبادئ المسيحيّة وتفعليها، نخرج من خارج الأطر والقيود التي تحد الفكر والإبداع، التعامل مع الروح القدس الخلاق الذي يخلق ويجدّد ويطور. الخروج من التصورات الذهنيّة حول متعاطي العقيدة بأنَّهم جامدون، مقولات تتردد مثل: المشيخيّون مثلًا جامدون، مع أن كلفن الآن يُعَرَّف في الغرب على أساس أنَّه لاهوتيّ الروح القدس.

التحدي الخامس: التعدديّة في مقابل الأحادية

العقيدة في مجتمع متعدِّد تتفاعل معه وتتشابك فكريًّا مع أطروحاته، من الدائرة الكبرى الإسلام، إلى الدائرة الصغرى الأفكار الإنجيليّة الأخرى، كيف نعيش العقيدة في وسط هذا التعدد، وكيف نعبر عنها في ظل الأمور المختلفة، فلسنا وحدنا، نفهم ونفهم، نعرف ونعرف، خطر الذوبان في التعددية وبين خطر الانغلاق في الأحادية.

[1] Alister McGrath, Affirming your Faith Exploring the Apostles Creed (England: Inter-Varsity Press, 1991), 9.

[2]  Ibid, 18-21.

[3] Louis Berkhof, The History of Christian Doctrines (USA: Baker Book House, 1992), 15.

[4] فهيم عزيز، المجيء الثاني للمسيح أبعاده وأحداثه، تحرير جرجس صبحي (القاهرة: دار الثقافة، 2025م)، 38.

[5] Alister McGrath, Affirming your Faith Exploring the Apostles Creed, 9.

[6] عباس محمود العقاد، الإسلام في القرن العشرين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م)، 11.

[7] المرجع السابق، 21.

[8] المرجع السابق، 30.

[9] المرجع السابق، 166.

[10] فايز فارس، حقائق أساسية في الإيمان المسيحيّ (القاهرة: دار الثقافة، 1979م)، 3.

[11] رونالد شاورز، حقًّا هناك فرق! مقارنة بين اللاهوت العهديّ واللاهوت التدبيريّ، ترجمة شيري عوض (القاهرة: مؤسسة FOI لخدمة الإنجيل، 2015م)، 248.

[12] يمكن الرجوع إلى كتاب عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلاميّ في الرَّدّ على النّصارى إلى نهاية القرن الرّابع الهجري – العاشر الميلاديّ (بيروت: دار المدار الإسلاميّ، 2007م).

[13] لبيب مشرقي، قصة العقيدة الإنجيليّة (القاهرة: المؤلف، 1986م)، 10.

[14] المرجع السابق، 11.

[15] المرجع السابق، 19-21.

[16] نصر الله زكريا، المبادئ الكالفينية الخمسة، متاح على موقع الإنجيليّن المشيخيين https://ep-church.com/index.php?option=com وتم الاطلاع عليه في 1 أغسطس 2023م

[17] الأنبا ساويرس ابن المقفَّع (القرن العاشر الميلاديّ)، تحقيق الأب سمير خليل اليسوعيّ، كتاب مصباح العقل (القاهرة: د. ن. سلسلة التراث العربيّ المسيحيّ (1)، 1978م)، 5.