مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

مجمع نيقية بين المصادر القديمة والإضاءات الحديثة

Watch Now

Download

مجمع نيقية بين المصادر القديمة والإضاءات الحديثة

يُعَدّ مجمع نيقية الأوّل (325م) منعطفًا تاريخيًّا بارزًا في مسار المسيحيَّة، ليس فقط لكونه أوّل مجمع مسكونيّ يجمع الأساقفة من شتى أنحاء الإمبراطورية الرُّومانيَّة، بل لأنَّه شكَّل نقطة تلاقٍ بين الدِّين والسِّياسة، وبين العقيدة والسُّلطة الإمبراطوريَّة. فقد دعا الإمبراطور قسطنطين الكبير إلى عقد المجمع في مدينة نيقية (Nicaea) في بيثينيا، في إطار جهوده لتوحيد الإمبراطورية دينيًّا بعد أن توحّدت سياسيًّا تحت سُلطته.

السَّبب المباشر لانعقاد المجمع كان النَّزاع اللَّاهوتيّ الذي أثاره الكاهن السّكندريّ أريوس، الذي أنكر أزليّة الابن، وعدَّه مخلوقًا أسمى، لكنَّه ليس مساويًا للآب في الجوهر. هزَّ هذا الجدل الكنيسة في الإسكندريَّة، وسرعان ما انتشر منها إلى أنحاء الإمبراطوريَّة، مُهدِّدًا وحدة الكنيسة ومكانتها في المجتمع الرُّومانيّ. ومع ذلك، لم تقتصر أعمال المجمع على القضيَّة الأريوسيَّة، بل تناولت موضوعات تنظيميَّة وطقسيَّة، مثل تحديد موعد الاحتفال بعيد القيامة، ومعالجة الانقسامات المحليَّة كالأزمة الميليتيَّة في مصر، وسنّ عشرين قانونًا كنسيًّا لتنظيم الحياة الكنسية والانضباط الأسقفيّ.

أبرز ما خرج به المجمع كان صياغة “قانون الإيمان النيقاويّ”، الذي أكد أنَّ الابن “ὁμοούσιος τῷ Πατρί”  (مساوٍ للآب في الجوهر). أصبح هذا التَّعريف العقديّ حجر الزَّاويَّة في اللَّاهوت المسيحيّ، وأساسًا لكلِّ المجامع اللَّاحقة التي رسّخت عقيدة الثَّالوث. ومن هنا، لم يكن مجمع نيقية مجرد اجتماع عابر، بل لحظة تأسيسيَّة أعادت رسم ملامح الإيمان المسيحيّ، وأعطت الكنيسة لغة عقديَّة موحدة في مواجهة الانقسامات.

أما عن أثره التَّاريخيّ، فقد كان مزدوجًا: فمن جهة، رسّخ المجمع سلطة الكنيسة الجامعة في تحديد الإيمان، ومن جهة أخرى، أدخل السُّلطة الإمبراطوريَّة طرفًا فاعلًا في النِّزاعات العقديَّة، وهو ما فتح الباب لاحقًا لعلاقة متشابكة بين الكنيسة والدَّولة امتدت قرونًا طويلة. كما أنَّ قرارات المجمع انعكست على تطور الليتورجيَّا، والجدل اللَّاهوتيّ، وبناء الهُويَّات الكنسيَّة، بحيث أصبح نيقية معيارًا يُحتكم إليه في كل جدل عقديّ لاحق.

وعليه، نستطيع القول إنَّ نيقية لم يكن مجرد حدث عقديّ ضيّق، بل كان لحظة تلاقت فيها السِّياسة بالدِّين، والتَّقليد بالابتداع اللَّاهوتي، ما يفسّر استمرار تأثيره حتَّى اليوم. وأنا إذ أكتب هذه القراءة، أجد نفسي أعود إلى نيقية لا باعتباره حدثًا ماضيًا فقط، بل بصفته منعطفًا فكريًّا ما زال يُلقي بظلاله على تاريخ العقيدة المسيحيَّة.

مصادر مجمع نيقية: الكتاب والمُحرِّر

يأتي كتاب Fontes Nicaenae Synodi: The Contemporary Sources for the Study of the Council of Nicaea (304–337)  إضافةً محوريَّةً في ميدان الدِّراسات النّيقويَّة، وذلك لعدة أسباب جوهريَّة. أوّلها أنّه يصدر في لحظة تاريخيَّة ذات دلالة؛ إذ يتزامن مع الذِّكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية (325–2025م)، ما يفتح المجال لإعادة قراءة هذا الحدث المؤسِّس في تاريخ المسيحيَّة بعيون جديدة. وثانيها أنّ الكتاب لا يكتفي بإعادة نشر الوثائق المعروفة، بل يسعى إلى جمع النُّصوص المُعاصرة للمجمع (رسائل، قوانين، مراسيم إمبراطوريَّة، نصوص لاهوتيَّة) وترتيبها في إطار زمني يغطي من عام 304 حتى وفاة قسطنطين في 337م، وهو نطاق زمنيّ أوسع من معظم المراجع الكلاسيكيَّة.

في رأينا، تكمُن أهميَّة العمل أيضًا في منهجيَّته النَّقديَّة؛ فهو يوفّر نصوصًا باليونانيَّة واللَّاتينيَّة والسّريانيَّة مصحوبة بترجمة إنجليزيَّة حديثة، مع هوامش نقديَّة دقيقة توضّح اختلافات المخطوطات. هذه المقاربة المزدوجة تمكّن الباحث من التَّعامل مباشرة مع المادة الأصليَّة، وفي الوقت ذاته تتيح للقارئ غير المختص في اللّغات القديمة الوصول إلى مضمون النُّصوص. من وجهة نظري، يشكّل هذا توازنًا نادرًا بين الصَّرامة الأكاديميَّة والانفتاح على جمهور أوسع من القُرَّاء.

كما يتميّز الكتاب كذلك بإعادة ربط النُّصوص الجديدة بالرُّموز المرجعيَّة التي استخدمها هانز أوبتز  Hans-Georg Optiz في عمله الكلاسيكيّ وثائق تاريخ النِّزاع الأريوسيّ  Urkunden zur Geschichte des Arianischen Streites المنشور بين 1934-1935م. هذه الخطوة ليست تفصيلًا تقنيًّا فحسب، بل هي جسرٌ يربط بين الدِّراسات التَّقليديَّة والدِّراسات الحديثة، ويتيح للباحثين مقارنة مباشرة بين النُّصوص كما حُفظت في القرن العشرين وبين إعادة تحريرها وَفق معايير القرن الحادي والعشرين.

من هنا، يمكن القول إنَّ أهميّة Fontes Nicaenae Synodi  تتجاوز مجرد كونه تجميعًا جديدًا للمصادر؛ فهو مشروع لإعادة كتابة تاريخ نيقية من خلال نصوصها الأولى، بمنهج نقديّ يوازن بين التَّحقيق العلميّ والدِّراسة التَّاريخيَّة–اللَّاهوتيَّة. ولهذا فإن الكتاب يُعدّ اليوم مرجعًا لا غنى عنه لكلِّ دارس لتاريخ المجامع المسكونيَّة، وعقيدة الثَّالوث، وتاريخ الكنيسة في القرن الرَّابع، بل وأداة قيِّمة للباحثين العرب الذين يسعون إلى إعادة قراءة نيقية في سياقهم المحلي.

يحمل الكتاب عنوان: Fontes Nicaenae Synodi: The Contemporary Sources for the Study of the Council of Nicaea (304–337)، وقد حرّره Samuel Fernández Eyzaguirre ونشرته دار Brill-Schöningh في بادربورن – ألمانيا عام 2024. صدر في نسختين: إلكترونيَّة في يونيو، ومطبوعة في يوليو، وجاء في حوالي 302 صفحة، متضمّنًا نصوصًا أصليَّة في اليونانيَّة واللَّاتينيَّة والسّريانيَّة مع ترجمات نقديَّة إلى الإنجليزيَّة. أتى نشر الكتاب في إطار الاستعداد لإحياء الذكرى الـ 1700 لانعقاد مجمع نيقية عام 2025، ما يضاعف من قيمته الأكاديمية والاحتفاليَّة.

من اطلاعنا على بيانات النشر، نجد أنَّ الكتاب يعبّر عن مرحلة جديدة في تحرير مصادر نيقية، حيث يجمع بين الدِّقة الأكاديميَّة والقدرة على الوصول إلى جمهور أوسع من الباحثين بفضل التَّرجمة الإنجليزيَّة. لعلَّنا نراه قريبًا في ترجمة عربيَّة رصينة تليق بالعمل، وتروي عطش القارئ والباحث العربيّ!

أمَّا عن مُحرِّر العمل صموئيل فرنانديز Samuel Fernández  فهو أحد أبرز الباحثين في مجال لاهوت القرون الأولى. يعمل فرنانديز أستاذًا في جامعة كاثوليكيَّة في تشيلي، سِيمَ كاهنًا عام 1992، وحصل على الدكتوراه في اللَّاهوت وعلوم آباء الكنيسة من معهد أوغسطينوس لآباء الكنيسة في روما عام 1997. وهو حاليًا محاضر دائم في كلية اللَّاهوت بالجامعة البابويَّة الكاثوليكيَّة في تشيلي، وكان عميدها بين عامي 2004 و2009. تشمل مجالات بحثه الأصول السَّكندريَّة، وتاريخ التَّفسير الآبائيّ، وأزمة الأريوسيَّة في القرن الرَّابع، وتطور اللَّاهوت الثَّالوثيّ. كرّس جزءًا من بحثه لمراجعة وترجمة نصوص آبائيَّة، مثل كتاب “في المبادئ الأولى” لأوريجانوس (2015)، و”رسالة المجمع” لهيلاري بواتييه (2019)، و”في المجمع” لأثناسيوس (2019)، والأعمال اللَّاهوتيَّة لمارسيلو الأنقيريّ -أسقف أنقرة ق.4 (2022). باحث مسؤول عن خمسة مشاريع لمؤسسة فونديسيت، ومؤلف مقالات علميَّة منشورة. ويهتم خصوصًا بتراث أوريجانس وأزمة الأريوسيَّة وكتابات أثناسيوس وهيلاريوس. وقد تميّزت أعماله السَّابقة بالمنهج النَّقديّ الصَّارم، الذي يسعى لإعادة النُّصوص إلى لحظتها التَّاريخيَّة بعيدًا عن التَّفسيرات المتأخرة.

من سيرته، أرى أنَّ مُحرِّر Fontes Nicaenae Synodi  يمثل جيلًا جديدًا من الباحثين الذين يحاولون ربط النَّقد النَّصيّ بتاريخ الفكر، وهو ما يجعل عمله أكثر حيويَّة من مجرد تحرير تِقنيّ.

بنية الكتاب ومحتواه

يتألف الكتاب من مقدِّمة منهجيَّة تحدّد إطار الفترة 304–337 (من أزمة الميليتيان إلى وفاة قسطنطين)، ثمّ قسم النُّصوص الذي يجمع الرَّسائل والقوانين والعقائد والمراسلات الإمبراطوريَّة. وتُقدَّم هذه النُّصوص بلغاتها الأصليَّة مع ترجمة إنجليزيَّة موازية وهوامش نقديَّة توضّح الفروق بين المخطوطات. يُختتم العمل بببلوجرافيا وفهارس دقيقة، كما يضيف المُحرِّر جداول مقارنة تربط النُّصوص الحديثة بالرُّموز التَّقليديَّة (Urk./Dok.)  المستعملة في طبعات Opitz، مما يُسهِّل على الباحثين المُعاصرين عمليّة المقارنة.

لا يخدم هذا التَّرتيب -في رأينا- الباحث المُختصّ فحسب، بل يفتح المجال أمام القارئ الأكاديميّ العامّ لفهم الخلفيَّات التَّاريخيَّة واللَّاهوتيَّة بطريقة منظَّمة.

تُثير قراءة المصادر الأولى لأي مجمع مسكونيّ تحديات منهجيَّة. فالنُّصوص ليست مُحايدة، بل نتاج صراعات داخليّة، وغالبًا ما نُقلت عبر تقاليد لاحقة تحمل أبعادًا تفسيريَّة خاصّة. هنا يبرز سؤال المنهج: هل نقرأ نصوص نيقية من خلال عدسة أثناسيوس وسُقراطس،[1] أم نحاول العودة إلى سياقها الأصلي؟

يقدِّم Fontes Nicaenae Synodi  محاولة للإجابة عن هذا السُّؤال عبر إعادة النُّصوص إلى لحظة إنتاجها (iuxta propria principia). ومن زاويتي كباحث، أرى أنَّ هذا المنهج يُعيد الاعتبار إلى صوت المعاصرين، ويجنبنا الوقوع في أسر الرِّوايات اللّاهوتيَّة اللاحقة التي أعادت صياغة المجمع لصالح أطراف معينة.

ولعل من أبرز إسهامات العمل هي اتساع نطاق التَّغطية فيه، ليشمل قضايا غير الأطروحات الأريوسيَّة، مثل الانقسام الميليتيّ،[2] واعتماد منهج نقديّ يُعيد قراءة النُّصوص في ضوء سياقها الأصليّ، وتقديم ترجمات حديثة تساعد الباحثين غير المُختصّين في اللّغات القديمة، فضلًا عن توفير أدوات مقارنة دقيقة مع المراجع الكلاسيكيَّة.

في الحقيقة، لا يمكن فهم قيمة كتاب مثل Fontes Nicaenae Synodi  إلّا من خلال إدراك الأثر البعيد لمجمع نيقية. فقد أسس هذا المجمع لإطار عقديّ ظلّ معيارًا للإيمان: ألوهيّة الابن، وحدة الجوهر مع الآب، وإدانة المذاهب المعارضة. ومن هنا، صار قانون الإيمان النِّيقاويّ حجر الزَّاوية في كلِّ الصِّراعات العقديَّة اللَّاحقة، من القسطنطينيَّة (381م) إلى مجمع خلقيدونيَّة (451م).

تتيح قراءة المصادر المعاصرة لنا أن نفهم كيف تبلورت هذه العقائد في لحظتها التَّاريخيَّة، ليس من خلال عدسة اللَّاهوت اللَّاحق فحسب. نرى أنَّ هذا البُعد يعيد إلى الباحث المعاصر القدرة على التَّمييز بين ما هو أصيل في نيقية وما أُضيف لاحقًا عبر قرون.

[1] سُقراطس القسطنطينيّ (Socrates Scholasticus، نحو 380–بعد 439م) مؤرخ كنسيّ وُلِد في القسطنطينيّة، واشتهر بكتابه التَّاريخ الكنسيّ في سبعة كتب، الذي استأنف فيه عمل أوسابيوس القيصريّ وغطّى أحداث القرن الرَّابع وأوائل الخامس، ويُعدّ من أهم مصادر الجدل النِّيقاويّ وما بعده.

[2] ظهر الانقسام الميليتيّ في مصر أوائل القرن الرَّابع بقيادة ميليتيوس أسقف ليكوبوليس، بسبب خلافه مع بطرس السَّكندريّ حول إعادة قبول المرتدين في الاضطهاد الكبير 303-311م؛ وقد أدان مجمع نيقية (325م) حركته وسمح له بالاحتفاظ بلقبه الأسقفيّ مع تقييد سلطاته، لكن الانقسام استمر وتداخل لاحقًا مع النزاع الآريوسيّ.