مجمع نيقية: نهاية أم بداية؟
- Sermon By: القس مدحت فايز
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
ربما ليس في تاريخ الكنيسة حدث أكثر شهرة من المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م، تلك اللحظة التي استطاعت فيها الكنيسة، بمعونة الروح القدس، أن تتأمل في أساس إيمانها، وأن تتناقش وتجادل، وتصدر إقرارا حفظ الإيمان المسيحي، وأصبح أرضية راسخة لكل النقاشات اللاهوتية اللاحقة. لذلك، ونحن نحتفل اليوم بذكرى مرور 1700 عام على هذا الحدث، ندرك أن مجمع نيقية لا يزال يمثل أساسًا للكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية الواحدة، كما يمثل إقرار إيمان نيقية إطارًا لاهوتيًّا تتفق عليه الكنائس على اختلاف عقائدها وطوائفها. ولهذا، فهناك قيمة عظمى في الاقتراب من تاريخ هذا المجمع ومحاولة فهمه بطريقة أدق وأعمق، لعل ذلك يكون سببًا في مساعدتنا على التعامل مع قضايانا اللاهوتية المعاصرة، بالإضافة إلى أنه يساعدنا على بناء جسور بين الطوائف المسيحية المختلفة وخلق إطار لاهوتي مسكوني حقيقي.
والسبيل أمامنا للاقتراب من مجمع نيقية هو أن نفهمه في ضوء الخلفية اللاهوتيّة والتاريخيّة والسياسيّة للمسيحيين في القرن الرابع. فقد مثّل الربع الأوّل من القرن الرابع الميلادي نقطة تحوّل كبيرة في حياة الكنيسة. فبعد أن بدأ القرن الرابع باضطهاد شديد للكنيسة على يد الإمبراطور دقلديانوس، فيما يُعرف باسم “الاضطهاد الكبير” (303–311م)، والذي عزم فيه دقلديانوس على القضاء التام على الكنيسة، فدمّر المباني الكنسيّة، وأحرق الكتب المقدّسة، وسجن وقتل الأساقفة-جاء الإمبراطور قسطنطين ليعلن بداية عصر جديد للكنيسة. وقد بدأ ذلك العصر بمرسوم ميلان عام 313م، الذي أعلن فيه الإمبراطور قبول المسيحيّة ديانةً قانونيّة، وأعاد الممتلكات المصادَرة إلى الكنيسة، وأطلق سراح الأساقفة من السجون.
ولذلك، لم يكن المسيحيون يتصوّرون أنّه بعد سنوات قليلة ستواجه الكنيسة تهديدًا أشدّ خطورة من تهديدات الأباطرة، وحربًا أكثر ضراوة من الاضطهاد، مما ستسبب في اضطراب الكنيسة في كل العالم لمدة تزيد على نصف قرن؛ فقد كان التهديد هذه المرة من داخل الكنيسة نفسها، إذ اندلعت الحرب بين الأساقفة بعضهم مع بعض بسبب الجدال المعروف باسم “الهرطقة الأريوسيّة”.
- بداية الصراع مع أريوس
تبدأ المرحلة الأولى من الجدل على يد أريوس، وهو كاهن ليبيّ الأصل كان مسؤولًا عن كنيسة في حي بوكاليس بالإسكندرية القديمة في مصر. وبحسب رواية أبيفانيوس، فقد عُيِّن أريوس في منصبه في زمن البابا بطرس، الذي استُشهد في الاضطهاد عام 311م. ويقول أبيفانيوس إن أريوس عُرف برقة أسلوبه في الكلام، مما جعله مقنعًا وجاذبًا للسامعين، وكان مسؤولًا عن تفسير الكتاب المقدس في كنيسته (The Panarion of Epiphanius of Salamis, 3.1). ويقترح روان وليامز أنه من خلال المصادر التاريخية يمكن تتبّع نشاط أريوس العلني إلى ما قبل عام 313م، وأنه كان نشطًا في الخدمة في الإسكندرية لمدة عقد قبل بداية الخلاف (Rowan Williams, Arius: Heresy and Tradition, 32).
يرجّح الباحثون أن الخلاف بدأ رسميًّا عام 318م، وتمحور الجدال حول الصياغة اللاهوتية الصحيحة لوصف طبيعة أقنوم الابن وعلاقته بالله الآب. كان هناك مجموعتان رئيسيتان في هذا الجدل: مجموعة تناصر أريوس، ومجموعة تتبع البابا ألكسندروس، أسقف الإسكندرية في ذلك الوقت. وقبل أن نناقش آراء أريوس اللاهوتية، يجب أن ننظر إلى الوضع الكنسي داخل الإسكندرية في ذلك الوقت. فإذا أخذنا رواية أبيفانيوس على محمل الجد، فإن أريوس كان له أتباع كثيرون؛ إذ نجح “في جذب سبعين عذراء من الكنيسة دفعة واحدة، كما استمال سبعة من القسوس واثني عشر شماسًا” (Epiphanius of Salamis, 3.1). وفي خطابه الأول للأسقف ألكسندروس، يضع أريوس قائمة بالكهنة والشمامسة والأساقفة الذين يساندون موقفه اللاهوتي (خطاب أريوس إلى البابا ألكسندروس، 6). كما أن أريوس كان قادرًا على صياغة أفكاره اللاهوتية في صورة أشعار وأناشيد وترانيم حققت له شعبية بين عامة المسيحيين. وبغضّ النظر عن عدد التابعين لأريوس، فمن الواضح أنه استطاع جذب عدد كافٍ جعل الخلاف يتحوّل إلى تهديد حقيقي لوحدة الكنيسة في الإسكندرية.
أفكار أريوس
ما هي إذًا تعاليم أريوس التي كانت شرارة اشتعال هذا الجدل؟ لقد تم التخلّص من معظم كتابات أريوس، ولذلك يعتمد الدارسون فقط على الخطابات التي كتبها، والتي، على الرغم من قلتها، إلا أنها كافية لتعطينا فكرة واضحة عن أفكاره. ففي خطابه إلى يوسابيوس أسقف نيقوميديا، يشرح أريوس عقيدته عن أقنوم الابن، فيقول: “الابن ليس أزليًّا (غير مولود)، ولا يُعتبر جزءًا من الله الأزلي… لكنه موجود بمشيئة وإرادة الله قبل الأزمنة والدهور، مملوء من الحق والنعمة، إله، الابن الوحيد غير المتغيّر. وقبل أن يولد أو يُخلق لم يكن موجودًا، لأنه غير أزلي. فالابن له بداية، بينما الله ليس له بداية” (خطاب أريوس إلى أوسابيوس 3–4). يبدو من نص الخطاب أن النقطة الأساسية التي يهمّ أريوس الحفاظ عليها هي وحدانية الله وفردانيته. وفي خطابه إلى ألكسندروس، يصف أريوس الله بهذه الكلمات: “نُقِرّ بإلهٍ واحد، وحده غير مولود، وحده سرمدي، وحده بلا بداية، وحده الإله الحق، وحده الذي له عدم الموت، وحده الحكيم، وحده الصالح، وحده السيد، الديّان على الجميع، الحاكم والمدبّر، الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل، العادل والصالح، إله الناموس والأنبياء والعهد الجديد”. بينما يؤمن أن الابن: “ليس أزليًّا، ولا مساوٍ للآب في الأزلية، ولا شريكًا له في عدم الولادة، كما أنه لا يشترك مع الآب في الوجود” (خطاب أريوس إلى ألكسندروس 2–4).
فالله، وفق فهم أريوس، هو الكائن الوحيد الأزلي (الذي ليس له بداية)، البسيط، غير المركب، وغير القابل للتجزئة أو الانقسام. وهو أيضًا الكائن الوحيد الحر بشكل كامل، وهو وحده مصدر كل شيء. وبالتالي، فإن التعليم بأن الابن أيضًا كائن منذ الأزل يعني، إما أن هناك إلهين، أو أن الله غير بسيط ويمكن أن ينقسم إلى جزأين: أب وابن. وعليه، اعتقد أريوس أنه لا يمكن التعليم بأن الابن غير مخلوق، بل هو مخلوق قبل كل الدهور، ومخلوق بإرادة الله. وقد استخدم أريوس الجملة الشهيرة: “كان هناك وقت لم يكن الابن موجودًا فيه” كشعار للاهوته.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن كثيرين يعتقدون أن هرطقة أريوس كانت في تعليمه بأن الرب يسوع ليس إلهًا، وإنما هو مجرد إنسان مثل باقي البشر، وقد اختاره الله لينقل رسالته، شأنه شأن باقي الأنبياء. وقد انتشرت هذه الفكرة بشكل خاص بعد نشر روايات مثل عزازيل للكاتب يوسف زيدان، وشفرة دافنشي لدان براون. إلا أن القراءة الدقيقة لأفكار أريوس تؤكد أنه لم يدّعِ أن يسوع هو مجرد إنسان، بل اعتقد أن للابن مكانة متوسّطة بين الله والخليقة: “فهو مخلوق، لكن ليس كواحد من الخليقة”، بل يصفه بأنه “خليقة الله الكاملة” (خطاب أريوس إلى ألكسندروس، 2.) ويشرح خالد أنطونيوس أنه حتى لو أقرّ أريوس بوجود الثالوث في طبيعة الله، فإنّه بالنسبة له يوجد جوهر أو أقنوم واحد منهم يمثّل الله بشكل كامل وحقيقي، وأن الوحدة بين الأقانيم الثلاثة هي وحدة في الإرادة، وليست وحدة في الجوهر. وبناءً على ذلك، يمكن الجمع بين ألوهية الابن، وفي الوقت نفسه التأكيد على وجود اختلاف في درجة الألوهية بين الأقانيم الثلاثة )Anatolios, Khaled. Retrieving Nicaea: The Development and Meaning of Trinitarian Doctrine, 48)
تفسير الكتاب المقدس
قبل الخوض في تفاصيل المجمع من المهم أن ندرك العلاقة بين هذا الجدال والكتاب المقدس؛ لأن الهرمنيوطيقا (علم التفسير) من أهمِّ المفاتيح لفهم طبيعة وأصل هذا الجدل اللاهوتي، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بكيفية تفسير الكتاب المقدَّس. ويرجِّح كثيرٌ من الباحثين أنَّ المشكلة بين أريوس وألكسندروس كانت، في جوهرها، مشكلةً تفسيرية. ويتَّضح ذلك على وجه الخصوص إذا علمنا أنَّ أريوس كان مسؤولًا عن تفسير نصوص الكتاب المقدَّس في الكنيسة. ففي قلب الصراع كانت تكمن إشكاليةٌ حول كيفية التعامل مع النصوص الكتابية التي تشير إلى المسيح بصفاتٍ بشرية؛ إذ لم يقبل أريوس أن يكون الابن -الذي تجسَّد، ووُلِد، وجاع، وعطش، وتعب، وصُلِب، ومات- في ذات مرتبة الألوهية مع الله، الذي هو بلا جسد، ولا يتعب، ولا يكل، ولا يموت. ومن أكثر النصوص التي استُخدمت في ذلك السياق ما ورد في سفر الأمثال 8: 22: “الرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ”. ولعلَّ القارئ المعاصر يتعجَّب من كون هذا النص سببًا في جدلٍ لاهوتيٍّ كبير حول الثالوث الأقدس وعلاقة الابن بالآب. غير أنَّه في الكنيسة المبكرة، كان هناك تقليدٌ راسخ يرى أنَّ نصوص الحكمة في سفر الأمثال، ولا سيَّما التي تُشخَّص “الحكمة”، تشير إلى الأقنوم الثاني، أي الابن. وتكمن الإشكالية التفسيرية هنا في فعل “قَنَانِي”، الذي تُرجم في النسخة السبعينية إلى الفعل اليوناني ἔκτισέν (خلقني). وبالنسبة لأريوس وأتباعه، فإنَّ استخدام هذا الفعل يعني بالضرورة أنَّ الابن مخلوق، أي أنَّه أوَّل خليقة الله، وبالتالي لا يمكن أن يكون مساويًا لله في الجوهر؛ إذ لا يمكن، بحسب منطقهم، أن يتساوى الخالق مع المخلوق. )Young, Frances M. Exegesis and Theology in Early Christianity., 107.)
وقد أدرك أنصار نيقية خطورة هذا التحدي، فاجتهد القديس أثناسيوس الرسولي، خليفة البابا ألكسندروس على كرسي الإسكندرية، في دحض التفسيرات الأريوسية للنصوص الكتابية وتقديم تفسير أرثوذكسي لها. ويقول في رسالته الأولى ضد الأريوسيين: “لكن بما أنهم يتعلّلون بالأقوال الإلهية، ويفرضون عليها تفسيرًا منحرفًا، محرّفين إياها بحسب فكرهم الخاص، صار من الضروري أن نرد عليهم لكي تُثبَت صحة الأقوال الإلهية، ونُظهر أنها تحوي الفكر المستقيم، بينما أولئك يفكرون تفكيرًا ضالًّا” (أثناسيوس، المقالة الأولى ضد الأريوسيين، 37). وكانت الاستراتيجية الأساسية لأثناسيوس هي ما يُسمّى بـ”التفسير الجزئي”، أي اعتبار النصوص محل الجدل إشارة إلى المسيح المتجسد، لا إلى جوهر طبيعته الإلهية في ذاته. فعلى سبيل المثال، يرى أن الفعل “قناني” في سفر الأمثال 8: 22، يشير إلى التجسد، لا إلى كينونة الابن الأزلية، إذ يقول في تفسيره لهذا النص: “لأن الكلمة هنا لم يتحدث من خلال سليمان مشيرًا إلى جوهر الألوهة، ولا إلى ميلاده الأزلي والحقيقي من الآب، بل يشير إلى ناسوته وعمل تدبير خلاصنا”. وخلاصة الأمر أن هذه النصوص كلّها تشير إلى حدث التجسد، كما قال أثناسيوس: “فلو لم يكن قد صار إنسانًا، لما كانت هذه الأقوال تُقال عنه” (أثناسيوس، المقالة الثانية ضد الأريوسيين،44).


