مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος)
- Sermon By: عادل زكري
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في كتابه “ما يؤمن به المسيحيّون”، يعدد اللاهوتي مايكل بيرد[1] جوانب عديدةً لأهمية أن يكون لدينا قانون إيمان مُوحَّد نتلوه في صلواتنا الفردية أو الجماعية، من بينها ما يلي:
- يقول بيرد: “قوانين الإيمان توفر أفضل تقليدٍ يعيننا على قراءة الكتاب المقدس”[2]، لأن قانون الإيمان يعمل كإطار مفاهيمي conceptual framework يُقرأ من خلاله الكتاب المقدس. ونحن بحاجة إلى هذا الإطار طوال الوقت لسببٍ بسيط وهو أنه لا أحدَ منا يقتربُ من الكتاب المقدس خُلوًا من الافتراضات المسبقة.
- يقول أيضًا: “قد رَسَمت قوانين الإيمان خطًّا بين الإيمان المستمد من الكتاب المقدس والذي يُفهم في ضوء شهادة الرسل، وأي إيمان مختلفٍ يَظهر نتيجة دمج إحدى الفلسفات الوثنية بقراءات غير مترابطة من الكتاب المقدس”،[3] وبالتالي وضعت قوانين الإيمان حدودًا آمنة للإيمان الصحيح وما يقابله من نُسخ مزيفة من المسيحية.
- “قوانين الإيمان… معيارٌ ذهبيٌّ يتيح لنا أن نحمي الأجزاء الأكثر أهمية من إيماننا”.[4] قد يختلف المسيحيون في أمور فرعية أو تقاليد محلية، لكن ما يُعبّر عن جوهر المسيحية ويُحِّدد قوامها الرئيس لا بد أن يُدرج في قانون الإيمان.
- “قانون الإيمان يرغمنا على أن نرى إيماننا على أنه جزءٌ من الصورة الكبيرة، وجزءٌ من مقاصد الله الكبرى”.[5] لذا نجد أن قانون الإيمان يبدأ بالخلق وينتهي بحياة الدهر الآتي.
- “تلاوة قوانين الإيمان تعني أننا نقف في صفٍّ واحدٍ متراصٍّ يمتد من يسوع والرسل إلى الكنائس في وقتنا الحاضر”.[6]
هذه النقاط الخمس تمثل جزءًا يسيرًا من نقاط كثيرة يعرضها الكاتب مايكل بيرد وتبرز أهميةَ وجودِ قانونٍ للإيمان يجتمع حوله المسيحيّون ويعبِّر عن هويتهم وطبيعة الجماعة التي ينتسبون إليها. غير أن صياغة ووضع هذه القوانين لم تكن رحلة سلسة، ولم تكن رفاهيةً أو نُزهةً، بل كانت أشبه بالنحت في الصَّخر. أود في هذه الورقة أن أدلل على هذا المعنى من خلال تقصي رحلة أحد أهم المصطلحات الواردة في قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني،[7] والذي صار معيارًا لأرثوذكسية الإيمان المسيحي عبر كل العصور، وهو مصطلح “هوموأوسيوس” ὁμοούσιος والذي يُترجم “مساوٍ للآب في الجوهر”، أو “واحد مع الآب في الجوهر”. لكننا سنكتشف أنه يحوي معاني أكثر من هذا، ناضلت الكنيسةُ من أجل ترسيخها في مقابل معانٍ أخرى كانت مخالفةً للإجماع المسيحي في ذلك الوقت.
اعتراضات مبكرة على مصطلح “هوموأوسيوس”
يتبيّن لدى القارئ لكتابات الآباء في أعقاب مجمع نيقية أنه كانت هناك معارضة شديدة لمصطلح “هوموأوسيوس”، الأمر الذي دعا القديس أثناسيوس (ت 373م) إلى إبداء بعض المرونة تجاه من لديهم تحفظات تجاه المصطلح. يقول القديس أثناسيوس في كتابه “عن مجمعي ريميني وسلوقيا”: “لكنّ الذين يقبلون كل مقررات مجمع نيقية ويترددون فقط في قبول تعبير “هوموأوسيوس”، فلا ينبغي أن يُعاملوا معاملة الأعداء. وفي الحقيقة نحن لا نقاومهم كما نقاوم المهووسين بالأريوسية، أو المعادين للآباء، ولكننا ندخلُ في حوارٍ معهم كإخوة مع أخوة، فكرهم كفكرنا، لكنهم في مأزقٍ بشأن المصطلح نفسه” (فقرة 41).[8] يتضح من الكلام السابق أنه لم يكن الجميع مرتاحين لهذا المصطلح، ويبدو أن المصطلح نفسه كان يُفسَّر بطرقٍ مختلفة بين فريق وآخر.
القديس باسيليوس القيصري (ت 379م) أيضًا في إحدى رسائله التي كتبها حوالي عام 370م، أي بعد مجمع نيقية بعقود، يتعرَّض فيها لوجود مثل هذه الموجة من الاعتراضات على المصطلح، ويقول: “نحن ورثة أولئك الذين في نيقية أعلنوا الإعلان العظيم للدين الحق. وقد تمّ قبول تعليمهم عمومًا دون اعتراض، لكن مصطلح “هوموأوسيوس” الذي قَبِله البعض على مضض، لا يزال حتى اليوم غير مقبول قبولًا كُليًّا. ويجوز للمرء أن يُلقي باللوم على الذين يرفضونه، مع الاعتراف في الوقتِ عينه بأن لهم شيئًا من العذر. غير أن امتناعهم عن اتباع الآباء، ورفضهم اعتبار قرارهم أقل مرجعية من حكمتهم الخاصة هو أمرٌ يستحق اللوم بسبب ما فيه من كبرياء مفرط” (رسالة 52: 1). سنلاحظ في لغة كل من القديس أثناسيوس والقديس باسيليوس بعض المرونة اللازمة في فترةٍ كانت الكنيسة، ولا أبالغ إذا قلت المسيحيّة كلها، في مهب الريح بسبب خطر الأريوسية. لكن لماذا وُجِد البعض في مأزقٍ بشأن مصطلح “هوموأوسيوس”؟ هناك أربعة اعتراضات على المصطلح ظهرت في هذه الحقبة، وهي كالتالي:
- مصطلح “هوموأوسيوس” ليس مصطلحًا كتابيًّا
يبدو أن هؤلاء الناس كان لديهم مبدأ معيّن، وهو: إذا لم ترد اللفظة في الكتاب المقدس فلن نؤمن بها. لكن ليسمح لي القارئ أن أقول إن هذا المبدأ معيبٌ وناقصٌ، لأن لفظة “ثالوث” نفسها لم ترد في الكتاب المقدس، فهل نتوقف عن استخدامها؟ حاول أثناسيوس أن يقول لهم إن الأهم هو المعنى المتضمَّن في المصطلح، وهل تتفق المضامين مع الكتاب المقدس أم لا. فإذا قبلنا المضامين فلن تشكّل المصطلحات مشكلة. في النهاية لابد من توظيف بعض العناصر من الثقافة المحيطة حتى تُسمع رسالة الإنجيل. يقول أثناسيوس: “أعلم جيدًا أنهم إن كانوا يقبلون المعنى الذي يقصده المجمع، فسوف يقبلون تمامًا المصطلحات التي يُقدَّم بها هذا المعنى… وإذا كانوا لا يزالون يعترضون قائلين إن مثل هذه التعبيرات غير كتابية… دعهم يلومون أنفسهم في هذا الأمر، لأنهم هم الذين وضعوا المثال مبتدئين حربًا ضد الله بكلمات ليست من الكتاب المقدس… (لكن) حتى إذا لم تكن هذه التعبيرات موجودة… في الكتاب المقدس، إلا أنها تتضمن وتحوي معنى الأسفار المقدسة” (فقرة 21).[9]
هذه الإشكالية تسلط الضوء على إمكانية استخدام الفلسفة ومصطلحاتها ونقاشاتها في شرح الأمور العقائدية. يبدو أن المجتمعين في نيقية رأوا حاجة للاستعانة بالفلسفة كخادمة للسر. وهذا يشير أيضًا إلى أن الآباء قد عملوا على تعميد أو مَسحنة المصطلحات الفلسفية. أو كما يقول عالم الآبائيات برستيج Prestige “كانت الفكرة تُقطع لتتناسب مع الإيمان المسيحي، وليس أنّ الإيمانَ يتم تقليمه ليتناسب مع المفهوم المستورد”.[10]
- رُفض مصطلح “هوموأوسيوس” في مجمع سابق
كان بولس الساموساطي قد حُرم في مجمع بأنطاكية عُقد عام 268م. ويحكي لنا أثناسيوس هذه الخلفية فيقول: “لأن هؤلاء الذين عزلوا الساموساطي فهموا تعبير “هوموأوسيوس” بمعنى مادي… (بمعنى) لا بد من وجود ثلاثة جواهر، واحد سابق على كليهما، والآخران منه. لهذا السبب في تحذيرهم المعقول من سفسطة بولس، فقد أعلنوا أن المسيح ليس “هوموأوسيوس”” (فقرة 45).[11] كما يُستشف من الاقتباس السابق، فإن الذين حرموا الساموساطي وأنكروا أن الابن “هوموأوسيوس” قد فعلوا هذا بناءً على معانٍ خاطئة متعلقة بالمصطلح. لقد رأى الساموساطي أن المصطلح يفيد بوجود “جوهر سابق” على الآب والابن، وهذا المعنى مرفوض فيما يتعلق بالثالوث.
يستشهد أثناسيوس بالرسول بولس الذي “كتب بطريقة معينة عن الناموس إلى أهل رومية، وبطريقة أخرى إلى العبرانيين”،[12] فبالمنطق نفسه يخلُص إلى أن “كل مجمع كان لديه شرحٌ معقول وبسببه تحدَّث هؤلاء بطريقة معينة وأولئك بطريقة أخرى”.[13] خلاصة الأمر، أن المصطلح ذاته يُفهم بأكثر من طريقة؛ بطريقة ما رُفض سابقًا، وبطريقة أُخرى قُبِل في نيقية.
القديس باسيليوس القيصري أيضًا تعرض لهذه المسألة وقال الآتي: “إن أعضاء المجمع الذين اجتمعوا لمناقشة قضية بولس الساموساطي، وجدوا نقيصة في المصطلح بكونه غير ملائم. لأنهم أكدوا أن “هوموأوسيوس” يحوي فكرة عن ما هو من الجوهر وما هو منحدر منه، لأن الجوهر عندما ينقسم تكون الأقسام الناتجة “هوموأوسيوس” مع بعضها. وهذا التفسير جائز منطقيًّا في حالة البرونز والعملة المعدنية المصنوعة منه، لكن في حالة الله الآب والله الابن فليس هناك مسألة الجوهر الأسبق والتالي، فمجرد هذا الفكر أو النطق بمثل هذه الأمور هو كفرٌ بيِّن” (رسالة 52: 1).[14] الاقتباس السابق يشير إلى أن هناك تفسيرًا فلسفيًّا لفكرة الجوهر -من منظور أفلاطوني- يجعل للجوهر وجودًا سابقًا مستقلًّا عن تعييناته أو مصاديقه (أو أقانيمه)، وهذا ما رُفض من أجله المصطلح سابقًا.
وفقًا لباسيليوس لنتخيّل وجود كتلة من البرونز صُنِعَت منها عملتان متطابقتان مثلاً، ستصير العملتان “هوموأوسيوس” مع أحدهما الآخر، لكن في نفس الوقت الجوهر كان يمثل كيانًا ثالثًا سابقًا ومستقلًّا عنهما. لذلك هذه النظرة ستجعل من الثالوث رابوعًا (جوهر + 3 أقانيم) وهو ما رفضه آباء الكنيسة في مواضع عديدة؛ لأن الله ليس لديه سابق ولاحق. ومن ثَم نفهم أن المجمع الذي عزل الساموساطي رفض مصطلح “هوموأوسيوس” لأسباب صحيحة، وليس ما يمنع من استدعاء نفس المصطلح مرة أخرى في مجمعٍ آخر، لكن هذه المرة بمعانٍ صحيحة. نستطيع أن نتفهّم نفسية هؤلاء الرافضين للمصطلح، فقد رفضه آباؤهم سابقًا في مجمع كنسي، لذا وجب وصحّ أن يُظهر لهم أثناسيوس بعض المرونة، خاصة وأن أسباب رفضهم هذه المرة يمكن تفهُّمها.
[1] مايكل بيرد (Michael F. Bird) هو لاهوتي إنجيلي معاصر من أستراليا، معروف بأعماله في مجالات العهد الجديد، الكريستولوجيا، واللاهوت النظامي. ينتمي إلى التيار الإنجيلي البروتستانتي، ويتّسم نهجه بالتوازن بين الموقف التقليدي في العقيدة والتفاعل النقدي مع الدراسات الأكاديمية الحديثة.
[2] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون: التأمل في قانون الإيمان الرسولي، ترجمة رمزي عياد (الأردن: أوفير، 2025)، 23.
[3] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 25.
[4] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 38، 39.
[5] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 43.
[6] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 47.
[7] نسبة إلى مجمع نيقية 325م ومجمع القسطنطينية 381م؛ إذ يرى الكثيرون أن آباء مجمع القسطنطينية استخدموا صيغة إيمان مجمع نيقية ونقحوا وعدلوا وأضافوا عليها. يمكن القول بأن قانون مجمع نيقية كان يتألف من ثلاثة بنود رئيسية: بند خاص بأقنوم الآب، والثاني خاص بأقنوم الابن، وثالث خاص بأقنوم الروح القدس. لكن قانون مجمع القسطنطينية قدَّم بعض الإضافات مثل عبارة “بالروح القدس ومريم العذراء”، وعبارة “في عهد بيلاطس البنطي”، وعبارة “ليس لملكه انقضاء”، وتوسَّع في البند الثالث الخاص بأقنوم الروح القدس بإضافة عبارة “الرب المحيي المنبثق من الآب، مسجود له وممجد مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء”، وكانت هذه الإضافات رد فعلٍ على الهرطقات التي ظهرت آنذاك ضد ألوهية الروح القدس مثل هرطقة مقدونيوس. ثم أضاف القانون بندًا رابعًا يتعلق بالكنيسة والمعمودية ورجاء الحياة الأخرى بالقيامة من الأموات.
[8] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، ترجمة د. عادل زكري (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2025)، 63.
[9] القديس أثناسيوس الرسولي، دفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية، إعداد القس أثناسيوس فهمي جورج (إيبارشية أيرلندا: المؤلف، 1998)، 46-47.
[10] G. L. Prestige, God in Patristic Thought, (London: S.P.C.K, 1952), xiv.
[11] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 68.
[12] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 68.
[13] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 69.
[14] St. Basil, Letters, Trans. by Deferrari, 331.


