مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الإيمان في زمن التشويش

Watch Now

Download

الإيمان في زمن التشويش

قبل سبعة عشر قرنًا، في ربيع عام 325م، اجتمع أكثر ثلاثمائة أسقف من شتى أنحاء العالم المسيحي في نيقية (إزنيق حاليًا في تركيا). كان هذا هو أول اجتماع منذ العصر الرسولي للأساقفة المسيحيين من جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية.

لم يكن هذا الاجتماع حدثًا عابرًا في تاريخ الكنيسة، بل لحظة مفصليَّة عبّرت فيها الكنيسة الجامعة عن إيمانها الرسوليِّ القديم والثابت والمسلَّم من الرسل، في وجه فكر غير دقيق حول طبيعة المسيح، من قِبَل كاهنٍ سكندريٍّ يدعى “أريوس”، كان يهدد وحدة الكنيسة وسلامها.

قبل هذا المشهد التاريخي، كانت الكنيسة قد خرجت لتوِّها من قرون من الاضطهادات القاسية، بدءًا من نيرون 64م، مرورًا بفلافيان وأنطونينوس 70-192م، ويسيوس وفاليريان 250-260م، وصولًا إلى الاضطهاد الكبير 303-311م في عهد دقلديانوس وبعده جاليريوس، الذي كان الهدف منه هو القضاء على المسيحية تمامًا، وقد كانت آنذاك قد نمت بصورة كبيرة، سواء من حيث الأعداد أو النفوذ. إلى أن حدثت نقطة التحول في مرسوم التسامح عام 311، الذي أصدره جاليريوس وهو على فراش الموت، ثم إيمان الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية 312م، وبعدها صدور مرسوم ميلان عام 313م، الذي لم يكتفِ بالسماح للمسيحيين بممارسة عقائدهم، بل شرَّع المسيحية تمامًا، ومثَّل بداية علاقة جديدة بين الكنيسة والدولة الرومانية ومنح المسيحية مكانة مرموقة في الإمبراطورية.

وبالطبع شهد عصر ما قبل نيقية بعض الأفكار الغريبة، التي أشار إليها الكتاب المقدس وحاربها الرسل، مثل الغنوصية. وفيما بعد العصر الرسولي، حدثت انشقاقات أخرى مثل الميليتية والدوناتية، والمرقيونية. لكن استطاعت الكنيسة مواجهة كل هذه الأفكار والحفاظ على الإيمان قويمًا، مفصِّلة كلمة الحق بالاستقامة (2تيموثاوس 2: 15).

ويتضح من هذا أن عصر الاضطهاد كان قريبًا تاريخيًّا من مجمع نيقية لدرجة أن بعض المجتمعين كانوا يحملون في أجسادهم آثار إصاباتٍ تعرض لها بسبب إيمانه. ما يعني أن هذا الإيمان القويم الذي عاشوا لأجله، وكافحوا للحفاظ عليه، لم يكن من السهل عليهم أن يروا محاولات لتغييره، أو تحريفه، أو الالتفاف حول معانيه، أو محاولة اللعب بالمصطلحات لتمويه الحقائق، أو غير ذلك من الأدوات.

كان الجدل الأريوسي واحدًا من هذه المحاولات لزعزعة الإيمان، وأعمق النزاعات اللاهوتية في تاريخ الكنيسة المبكر. وباختصار فقد شكَّك أريوس في أزلية الابن وألوهيته، وادَّعى أن في زمن ما لم يكن الابن موجودًا. واستمرت محاولاته في صياغة فكرته بطرق بدت قويمة لكنها كانت تحمل في تفاصيلها تناقضًا صارخًا مع جوهر الإيمان المسيحي.

إذن لم يجتمع الآباء لابتكار عقيدةٍ جديدة، بل لإعلان صوت واحدٍ بما آمنوا به دائمًا: أن يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، واحد مع الآب في الجوهر. ومنذ ذلك اليوم، صار اسم “نيقية” مرادفًا لوحدة الإيمان وصمود الحقيقة أمام الانقسام.

كانت تأكيدات الإيمان الجوهرية هذه صرخة وضوح في زمنٍ ساد فيه الارتباك، وإعلانًا أن الإيمان يثبت بنور الحق الإلهي الثابت، ويؤسَّس على كلمة الله الحية والراسخة. ولو نظرنا بعمق، سنكتشف أن المعركة الحقيقية لم تكن ضد أريوس وحده، بل ضد الخلط والغموض والتلاعب بالمفاهيم. أثار الجدل الأريوسي انقسامًا واسعًا هدد وحدة الكنيسة، فكان المجمع دعوة صريحة للتمسك بالوحدة في وجه الانقسام والتفكك. وأثمرت هذه الجهود عن صياغة قانون الإيمان النيقاوي، الذي يُتلى حتى اليوم في كل كنائس العالم المسيحي:

“نؤمن بإلهٍ واحد، الآب ضابط الكل، خالق كل ما يُرى وما لا يُرَى، وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، المولود الوحيد من الآب أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء…

لكن ما فعله الآباء في نيقية لم يكن مجرد وضع قانون إيمان، بل إعلان وحدة الكنيسة حول شخص المسيح. لقد أعطى المجمع اللغة التي تعبّر عن ما كان المؤمنون يعيشونه فعلاً: المسيح هو كلمة الله المتجسد، الذي به كان كل شيء، ومن دونه لا يكون خلاص.

واليوم نحتاج أن نذكِّر أنفسنا، بعد مرور سبعة عشر قرنًا على مجمع نيقية، أنه ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل رسالة روحية عميقة: أن الإيمان لا يُختزل في الجدل، بل في اللقاء الحيّ مع الله المعلن في المسيح.

الكنيسة اليوم، وهي تعيش في عالمٍ يموج بالاختلافات الفكرية والثقافية، مدعوةٌ لتستعيد روح نيقية- روح الإيمان القويم والثابت في وجه كل تشويش أو جدل. حين أعلن الآباء أن الابن “مساوٍ للآب في الجوهر”، كانوا يدافعون عن سرّ التجسد والفداء، أي عن قلب الإيمان المسيحي. واليوم، يظل هذا الإعلان دعوة لكل مؤمن أن يحيا إيمانه بصدق، لا كعبارة محفوظة، بل كخبرة حياة واتحاد بالمسيح الإله.

نواجه اليوم ضبابًا وتشويش من نوعٍ جديد، نواجه جدلًا واضطرابات فكرية، ومحاولات لتشويش الفكر وتمويه الحقائق، وإضفاء تعريفات مضللة على كل شيء؛ الخير، الشر، الحقيقة… وغيرها من المفاهيم. نواجه عالمًا يتغير بسرعة غير مسبوقة، وفي هذا العالم المتحوّل، أصبح من السهل أن يفقد البعض صوت الإيمان في زحمة الآراء، أو أن يُختزل الإيمان إلى تجربةٍ شخصية بلا جذور، أو يُفرّغ من محتواه.