قراءة كتابية في مجمع نيقية
عرض كتاب
قراءة كتابية في مجمع نيقية
كيف حفظ قانون الإيمان النيقوي المسيحية على مر العصور
للدكتور رامي حسين هلسه
إعداد: جرجس صبحي
نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، الآبِ ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ السَّمَاءِ وَالْأرْضِ، كُلَّ مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسوعَ الـمَسيحِ، ابْنِ الله الْوَحيدِ، الـمَوْلُودِ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حقٍّ، مَوْلُودٌ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلْآبِ فِي الْجَوْهَرِ، الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، الذي مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرِ، وَمِنْ أَجْلِ خَلاصِنَا، نَزَلَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَأَنَّسَ، صُلِبَ عَنَّا فِي عَهْدِ بِيلاطسَ الْبُنْطِيّ، تَأَلـمَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَهُوَ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ الله الآبِ، آتٍ ثَانِيَةً فِي الـمَجْدِ لِيَدِينَ الأحْيَاءَ وَالأمْواتَ، الَّذي لَيْسَ لـمُلْكِهِ انْقِضَاءٌ. وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الـمُحَيِي، الـمُنْبَثِقِ مِنَ الآبِ، الَّذِي هُوَ مَعَ الآبِ وَالابْنِ يُسْجَدُ لَهُ وَيُمَجَّدُ، النَّاطِقُ بالأنبِياء. وبِكَنِيسَةٍ وَاحِدَةٍ، مُقَدَّسَةٍ، جَامِعَةٍ، رَسُولِيَّةٍ، وَنَعْتَرِفُ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لـمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَنَنْتَظِرُ قِيَامَةَ الـمَوْتَى وَالْحَيَاةَ فِي الدَّهْرِ الآتي. آمِينَ.
بهذه الكلمات أعلن المسيحيون إيمانهم عبر سبعة عشر قرنًا. لكن كيف جاءت إلينا هذه الصياغة، وكيف تطورت؟ وما الظروف والسياقات التاريخية والتحديات الدينية واللاهوتية التي نشأت فيها؟ وهل هذه التحديات تهمنا اليوم في أي شيء؟ وهل تتناقض مع مبدأ “الكتاب المقدس وحده”؟ كل هذه الأسئلة نجدها في دراسة فريدة من نوعها يقدم الدكتور رامي هلسه، هذه القراءة الكتابية في مجمع نيقية، مركِّزًا على دور قانون الإيمان النيقوي في حفظ الإيمان المسيحي على مر العصور.
هذا الكتاب -الذي سيتاح قريبًا بين أيدي القراء العرب- في 396 صفحة، صادر عن دار الهيئة الإنجيلية للنشر والتوزيع JETS (الأردن) بالشراكة مع دار الثقافة (مصر) ودار منهل الحياة (لبنان). ليمثل بذلك ثمرة شراكة مسيحية عربية فعَّالة لثلاث من أهم دور النشر المسيحية في المنطقة العربية.
ويجمع أسلوب الكتاب بين التأمُّل والعمق والدقَّة اللاهوتيَّة، ويأخذك هذا الكتابُ في رحلةٍ إلى قلبِ مَجمَع نيقية، الذي عُقِد عام 325م، أي قبل 1700 عام، وهناك وُلِدَ قانون الإيمان النيقويِّ في مواجهة تعليم أريوس المُنكِر للاهوتِ المسيح. يُرشدُنا الدكتور رامي هلسه إلى فهْمِ السياق التاريخيِّ واللاهوتيِّ الذي أحاط بذلك الحدث المفصليّ، موضِّحًا أنَّ القانون لم يكُنِ اختراعًا جديدًا، بل كان تأكيدًا نقيًّا لِما أعلَنَه الكتاب المقدَّس عن شخص المسيح: “إلهٌ حقّ، من إلهٍ حقّ، مولود غير مخلوق”.
أما عن المؤلف، الدكتور رامي هلسه، فهو أكاديميٌّ وباحثٌ مُتخصِّصٌ بالدِّراسات الدِّينيَّةِ، والنَّقدِ النَّصِّيِّ، والمخطوطات. عمل باحثًا مشاركًا ما بعد الدُّكتوراه في جامعة هارفرد، وحصل على درجة الدُّكتوراه في دراسات المخطوطات من جامعة سانت أندروز في المملكة المُتَّحدة، ودرجة الماجستير في اللاهوت من الولايات المُتَّحدة، ودرجة البكالوريوس في الطِّبِّ والجراحة البشريَّة. نُشِرَت أعمالُه في مجلَّات أكاديميَّة مُحكَّمة، كما قدَّم أبحاثًا مُحكَّمة ومحاضرات في جامعات ومؤتمرات أكاديميَّة في كُلٍّ من المملكة المُتَّحدة والولايات المُتَّحدة. صدر له بالإنجليزيَّة كتابٌ أكاديميٌّ عن المخطوطات من منشورات دار دي غرويتر (De Gruyter). وهو نائب رئيس لجنة العلاقات بين الأديان في الاتِّحاد المعمدانيِّ العالمي. متزوِّج بالسيدة ريتشل ولهُ ابنان وابنة.
يقدم الكتاب رؤية شاملة لمجمع نيقية وقانون الإيمان النيقوي، فهو لا يكتفي بسرد التاريخ والملابسات والإرهاصات السابقة لانعقاد مجمع نيقية، وتفاصيله وجلساته وقراراته وحضوره… فكل هذه معلومات يجب ألا تخلو منها أي دراسة تتناول هذه القضية.
لهذا يستعرض الكتاب استكشافًا شاملًا للمسيحية الباكرة، متتبعًا الأحداث التاريخية متتبعًا الأحداث التاريخية الحاسمة والمباحثات اللاهوتية والتطورات الكنسية التي بلغت أوجها في صياغة قانون الإيمان النيقوي؛ فهو ينظر لقانون الإيمان النيقوي كبناء أرسيت أساساته عبر ثلاثة قرون من تطور الفكر المسيحي. وعلى هذا الأساس تُبنى فصول الكتاب بحيث يتصل كل فصل بما سبقه موضحًا الكيفية التي قدمت بها الأوضاع التاريخية المتداخلة والتأملات اللاهوتية في النهاية صورة متكاملة موحدة للإيمان القويم النيقوي.
في الفصل الأول بعنوان “من الاضطهاد إلى الرعاية الإمبراطورية”، ويكشف كيف تحولت المسيحية من ديانة أقلية مضطهدة إلى ديانة تتمتع بحظوة إمبراطورية. وكيف أثر الاضطهاد الذي أثير في عهد أباطرة الرومان -مثل نيرون ودقلديانوس- في تشكيل هوية المسيحيين، مؤسسًا لجماعةٍ متماسكة صامدة. ويستعرض أيضًا الانقسامات الداخلية الباكرة والهرطقات، مثل الجدل الميليتي (Melitiam)، والجدل الدوناتي (Donatist)، والحركات الفكرية المختلفة مثل الغنوصية (Gnosticism) والمرقيونية (Marcionism) شارحًا للمعتقدات الرئيسة لكل هرطقة منها ومتتبعًا السياق التاريخي، والنقاط البارزة، وتفنيد أفكارها، ومبينًا أن هذه الجدالات أسهمت مباشرةً في ضرورة صياغة إقرارات إيمانية رسمية مثل قانون الإيمان النيقوي.
الفصل الثاني بعنوان “من الجدل إلى القانون” يتوسَّع توسُّعًا طبيعيًّا انطلاقًا من السياق التاريخيِّ الذي تناوَلَه الفصل الأوَّل، ليركِّز على النزاعات اللاهوتيَّة في القرن الرابع، ولا سيَّما الجدل الأريوسيّ. ويُظهِر الفصل الكيفيَّة التي تداخلَتْ بها السياقات السياسيَّة واللاهوتيَّة، مسلِّطًا الضَّوءَ على دَورِ قسطنطين المحوريِّ في الدعوة إلى انعقاد مَجمَع نيقية. وبتحليلٍ مفصَّل للمباحَثاتِ اللاهوتيَّة الرئيسة، ولا سيَّما حول المصطلح “هوموسيوس” (ὁμοούσιος؛ أي من الجوهر نفسه)، يوضِّح الفصل سببَ كَونِ الوضوحِ العقائديِّ أمرًا مركزيًّا لضمانِ وَحدة الكنيسة واستقرار الإمبراطوريَّة. وفي هذا السياق، يظهر قانونُ الإيمان النيقويُّ فكانَ استجابةً حاسمةً في مواجهةِ هذه التحدِّيات، مُمهِّدًا الطريق للإيضاحات اللاهوتيَّة اللاحقة.
الفصل الثالث بعنوان “عن الآب”، يرتبط بسلاسةٍ بالفصول السابقة، متناوِلًا الجوانب الأساسيَّة في قانون الإيمان النيقويِّ المتعلِّقة بالله الآب. ويركِّز هذا الفصل على فهْمِ ألوهيَّة الآب وعلاقته بالابن والروح القدس، وهو أمرٌ ضروريٌّ لاستيعاب المقصَد اللاهوتيِّ للقانون استيعابًا تامًّا. ويعالج الفصلُ الفهمَ المغلوطَ الجوهريَّ المتعلِّق بالتوحيد والثالوث، موضِّحًا أنَّ الله واحدٌ في الجوهر، لكنَّه مثلَّث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس. وبالاستعانة بهذه التوضيحات اللاهوتيَّة، يوفِّر الفصل أساسًا متينًا يمكِّن القرَّاءَ من فهْمٍ متكاملٍ للبيانات العقائديَّة التي يُعبِّر عنها قانون الإيمان النيقويّ، ويُعزِّز تقديرَهم للوَحدة والاتِّساق اللاهوتيّ ما بين أقانيم الثالوث.
الفصل الرابع “عن الابن” يواصلُ منطقيًّا من الفهم المؤسَّس عن الآب، ليتعمَّق في دراسة طبيعة المسيح الإلهيَّة البشريَّة. ويردُّ هذا الفصلُ ردًّا مباشرًا على الجدل الأريوسيِّ الذي نوقِش سابقًا، موضِّحًا سبَبَ تشديد قانون الإيمان النيقويِّ على أنَّ الابن “مولود سرمديًّا، غير مخلوق”. وبواسطة دحْضِ مثل تلك المفاهيم اللاهوتيَّة المغلوطة الشائعة، يُبرز هذا الفصل أهمِّيَّةَ التعريفات الكريستولوجيَّة الدقيقة لضمانِ سلامةِ الإيمان القويم. كما يقدِّم الفصلُ تأمُّلاتٍ روحيَّةً تُظهِرُ كيفيَّةَ تأثير الدقَّة اللاهوتيَّة في الحياة المسيحيَّة العمليَّة، مؤكِّدًا أنَّ فَهْمَ العقيدة الصحيحة بدقَّةٍ ينعكِسُ في السلوكِ المسيحيِّ العمليّ.
الفصل الخامس بعنوان “عن الروح القدس”، يواصِلُ مباشرةً المباحَثاتِ في الفصلَين السابقَين حول الآب والابن، مُكمِّلًا الإطارَ الثالوثيَّ لقانون الإيمان النيقويّ. ويُوضِّح هذا الفصل سبَبَ كَونِ الفهمِ الصحيح لأقنوميَّةِ الروح القدس وألوهيَّتِه أمرًا حيويًّا في ما بعد مَجمَع نيقية (post-Nicaea)، وذلك لضَمانِ تكامُلِ الإيمان المسيحيّ وانسجامه. ويُعالِج الفصل أيضًا المفاهيم المغلوطة التي نشأتْ بسببِ الأُطُر اللاهوتيَّة غير الكافية، مُشدِّدًا على أنَّ الدقَّة الثالوثيَّة ضروريَّةٌ لفَهْمٍ راسخٍ للرُّوحانيَّة المسيحيَّة وحياةِ الجماعة الكنسيَّة.


