مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

البانطوكراتور

Watch Now

Download

البانطوكراتور

يُعدّ مصطلح البانطوكراتور (Pantokrator) واحدًا من أبرز الألقاب المسيانيّة التي شكَّلت الوعي اللاهوتي والكنسي عبر العصور؛ فهذا اللقب، الذي يظهر بوضوح في الليتورجيا الأرثوذكسيّة وفي النصوص الكتابيّة، لا يُختزل في مجرد تعبير لغوي بل يحمل ثقلاً لاهوتيًّا عميقًا يرتبط بمفهوم سلطان المسيح وربوبيته على كل الخليقة.

والآن ونحن في عام 2025 تحتفل الكنيسة الجامعة، بمختلف طوائفها ومذاهبها، بمرور 1700 عام على انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول (325م). ويأتي هذا المقال في إطار هذا الاحتفال التاريخي الذي شكّل علامة فارقة في صياغة الإيمان المسيحي. والعودة إلى نيقية اليوم ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي أيضًا استدعاء لروح الوحدة والشهادة المشتركة في حاضر الكنيسة ورسالتها.

وإذا كان مجمع نيقية (325م) قد رسم معالم الإيمان القويم في مواجهة الأريوسيّة، فإن مفهوم البانطوكراتور نجد فيه أرضية صلبة لفهم سيادة المسيح. ومع مرور السنوات نجد أيضًا أن اللاهوتي المصلح الشهير جون كالفن في القرن السادس عشر قدّم رؤية إصلاحيّة أعادت إبراز معنى البانطوكراتور في ضوء سلطان كلمة الله وعنايته الإلهيّة.[1]

وستتناول – عزيز القارئ –  هذه المقالة مصطلح البانطوكراتور من خلال أربعة محاور. الأول: المعنى اللغوي واللاهوتيّ للمصطلح، الثاني: المعنى النيقوي (أي ارتباطًا بسياق مجمع نيقية)، الثالث: المعنى الإصلاحي ولاسيما في فكر ولاهوت جون كالفن، والرابع: التطبيقات العمليّة لهذا المفهوم، حتى لا نكون في اغتراب مع الوقاع العملي اليومي. ودعونا نبدأ بالمحور الأول. 

 المحور الأول: ما هو المعنى اللغويّ واللاهوتيّ لمصطلح البانطوكراتور؟

في البداية أريد أن أوضح أن مصطلح البانطوكراتور مشتق من اللغة  اليونانيّة  παντοκράτωρ، وهو مركب من كلمتين؛ الكلمة الأولى هي:  παντός بمعنى “الكل” أو “الجميع”. والكلمة الثانية هي: κράτος  بمعنى “القدرة” أو “القوة” أو “السلطان“. وبهذا المعنى، عندما نضم الجزئين معًا نجد أنه  يُشير البانطوكراتور إلى “المتحكّم في الكل” أو “ضابط الكل“. وقد ورد هذا  اللقب في العهد الجديد خاصة في سفر الرؤيا 1: 8؛ 4: 8؛ 19: 6، وتُرجم في ترجمة البستاني فاندايك إلى “القادر على كل شيء“.[2]

وبالنسبة للناحية اللاهوتيّة، يُبرز لقب البانطوكراتور أبعادًا عدة في الدراسات اللاهوتيّة، ولكنني هنا أريد أن أبرز بُعدين أساسيين هما: أولًا، بُعد السيادة الإلهيّة، حيث يُعلن أن المسيح ليس إلهًا محدودًا في مجال ضيق أو مختص بجماعة معينة، بل هو رب الكل الذي يحكم الزمن والمكان والخليقة جمعاء. ثانيًا، بُعد العناية الإلهيّة، أي أن سيادة المسيح ليست سيادة طاغية أو ديكتاتوريّة، بل هي سيادة محبة تحفظ الخليقة وتقود التاريخ نحو مقاصد الله الخلاصيّة.[3]

كما ارتبط هذا اللقب في التقليد المسيحي المبكر بالأيقونة الشهيرة للمسيح البانطوكراتور؛ حيث يُصوَّر الرب ممسكًا بالكتاب المقدّس ورافعًا يده بالبركة، في دلالة مزدوجة: إعلان كلمته وحكمته، وبسط نعمته وسلطانه. وبذلك، أصبح البانطوكراتور علامة حيّة على وحدة صفات المسيح من القوة والمحبة، الحق والنعمة، الدينونة والخلاص.

المحور الثاني: كيف نفهم البانطوكراتور في إطار مجمع نيقية؟

ارتبط مفهوم البانطوكراتور ارتباطًا وثيقًا بمجمع نيقية (325م)، حيث كان الصراع الأساسي في هذا السياق يدور حول هوية المسيح، وهل هو “مخلوق” كما زعمت الأريوسيّة، أم “مولود غير مخلوق” و”مساوٍ للآب في الجوهر” كما أعلن قانون الإيمان. لقد وفّر لقب البانطوكراتور أرضيّة كتابيّة ولاهوتيّة تؤكد أن المسيح لا يمكن أن يكون أقل من الآب نفسه، لأنه يشارك الآب في السلطان المطلق على الخليقة والتاريخ.[4]

أصرّ أثناسيوس الرسولي، أحد أبرز المدافعين عن الإيمان النيقاوي، على أن المسيح البانطوكراتور هو ضابط الكل، ليس بمعنى قوة مفوّضة من الآب، بل باعتباره الكلمة الأزلي، “به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يوحنا 1: 3). فلو لم يكن الابن إلهًا حقيقيًّا، لَما أمكنه أن يحمل هذا السلطان الكوني أو يهب الخلاص للعالم.[5]

كما انعكس مفهوم البانطوكراتور في صياغة قانون الإيمان النيقاوي، حيث ورد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء.” إن هذه العبارات تعكس بوضوح أن السيادة الكونيّة التي يعبّر عنها لقب البانطوكراتور ليست مجازًا رمزيًّا، بل هي اعتراف بألوهية الابن وعمله الخلاصي. من هنا، أصبح البانطوكراتور ليس مجرد لقب كتابيّ أو ليتورجيّ، بل حجر زاوية في العقيدة المسيحيّة، يربط بين لاهوت المسيح وسلطانه على التاريخ، ويضمن أن الإيمان لا يُختزل في صورة أخلاقيّة أو تعليميّة بل في عبادة الله المتجسد، رب الكل وضابط الكل.[6]

المحور الثالث: ما هي علاقة مفهوم البانطوكراتور بلاهوت المُصلح جون كالفن؟

حين ننتقل من أجواء نيقية في القرن الرابع إلى الإصلاح في القرن السادس عشر، نجد أن مفهوم البانطوكراتور لم يختفِ، بل اتخذ أبعادًا جديدةً في فكر اللاهوتي المُصلح جون كالفن. لقد ركّز كالفن في كتابه أسس الدين المسيحي على سيادة الله المطلقة؛ إذ أعلن أن الله هو “المتحكم في كل شيء”، لا يترك شيئًا للصدفة بل يعمل في كل تفاصيل التاريخ والخليقة.[7] وهنا نرى بوضوح أن هذا المفهوم الإصلاحي يتناغم بوضوح مع معنى البانطوكراتور  النيقوي كـ “ضابط الكل”.

يؤكد كالفن أن هذه السيادة لا تُفهم فقط في بعدها الكوني، بل أيضًا في بعدها الخلاصي. فالمسيح هو رأس الكنيسة، الذي يقودها بعنايته، ويضبط حياتها بكلمته وروحه. بهذا، يربط كالفن بين لقب البانطوكراتور النيقوي وبين عقيدته في العناية الإلهيّة  (Providentia Dei) التي يرى فيها ضمانة لحياة المؤمنين، إذ لا يحدث شيء إلا بسماح الله وتدبيره. كما يرفض كالفن أي تصور يجعل الله متفرجًا على التاريخ. فالبانطوكراتور – بحسب فهمه حتى ولو لم يستخدم المصطلح مباشرة – هو الإله الحي الفاعل الذي يسود على الملوك والأمم، ويعمل في قلوب البشر لتحقيق مقاصده الخلاصية. وهنا يظهر البعد الإصلاحي لهذا المفهوم: السيادة المطلقة لله هي في الوقت نفسه مصدر راحة وتعزية للمؤمن، ومصدر خوف ورهبة للخطاة، لأنها تعني أن لا قوة بشريّة أو أرضيّة تستطيع أن تخرج عن سلطان المسيح.[8]

[1] John Anthony McGuckin, The Orthodox Church: An Introduction to Its History, Doctrine, and Spiritual Culture (Malden, MA: Blackwell, 2008), 114.

[2] أثناسيوس المقاري، معجم المصطلحات الكنسية (القاهرة: مطابع صحارى، 2021)، 129–130.

[3] Kallistos Ware, The Orthodox Way, rev. ed. (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1995), 28.

[4] Kelly, J. N. D. Early Christian Doctrines. 5th ed. London: Bloomsbury Academic, 2014. Accessed August 28, 2025. https://doi.org/10.5040/9781474213233?locatt=label:secondary_bloomsburyCollections.

[5] Khaled Anatolios, Athanasius: The Coherence of His Thought (London: Routledge, 1998), 67–69.

[6] Kallistos Ware, Ibid.

[7] يوحنا كالفن، أسس الدين المسيحي، تقديم وتحرير جورج صبرا، ترجمة أديب عوض، وليد هرموش، فيكتور مكاري، ج1 (بيروت: دار منهل الحياة، 2017)، 193-195.

[8] المرجع السابق.195-196.