مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور خريف 2025_العدد (16)

فهرس موضوعات عدد خريف 2025

افتتاحية العدد د. ق أندريه زكي رئيس التحرير

في هذا العدد تقرأ القسّ عيد صلاح مدير التحرير

ملف العدد: مرور 1700 عامًا على مجمع نيقية: أهمية العقيدة في الكنيسة

  • أهمية قانون الإيمان النيقويّ في احتفالية مرور 1700 سنة ودور الكنيسة المصرية في صياغته نيقية د. ق. وفيق وهيب
  • مجمع نيقية بداية أم نهاية؟ القسّ مدحت فايز
  • السياق الاجتماعيّ لانعقاد مجمع نيقية، تحليل سوسيوتاريخي د. سامية قدري
  • الأبعاد السياسيّة-الاجتماعيّة لمسيحيّة قسطنطين الأكبر: خلفيات مجمع نيقية ش. د. إيهاب الخراط
  • البابا أثناسيوس الرسوليّ في ذاكرة القبط د. إبراهيم ساويرس
  • مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος): نموذج لرحلة نضال الكنيسة من أجل الإيمان د. عادل ذكري
  • الثالوث القدوس وفقًا لقانون إيمان نيقية: الاعتبارات التمهيديّة أ. أمجد بشارة
  • البانتوكراتور بين مجمع نيقية ومفهوم كلفن لسيادة الله، القسّ بيتر عادل
  • الاحتِفالُ بمُرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع “نِيقيَا” المسكونيّ: بضعة اعتباراتٍ حول الإيمان باللّوغُس المُتجسِّد والمُتأنِّس الأب ماوْريتسِيو غُرونْكِي، د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك
  • من أجلنا ومن أجل خلاصنا القسّ نصر الله زكريا
  • طبيعة الكنيسة والحركة المسكونيّة الآن دكتور القسّ موريس يوسف
  • الكنيسة واستعادة الصورة الغائبة دكتور القسّ يوسف سمير
  • يأتي ليدين الأحياء والأموات مفهوم وتأثير الأخرويات (الإسخاتولوجي) في مجمع نيقية 325م القسّ رفعت فتحي
  • الفكر الإسخاتولوجيّ في قانون الإيمان النيقاويّ–القسّطنطيني 381م القس. جرجس جورج
  • إقرارات الإيمان في الأناجيل والرسائل القسّ عاطف مهني
  • تأكيد المصلحين الإنجيليّين، على حقائق قانون الإيمان النيقاويّ اللاهوتيّة القس سهيل سعود
  • قانون الإيمان في العبادة الإنجيليّة: القسّ أمير إسحق
  • تحديات العقيدة وبناء الهويّة الإيمانيّة القسّ عيد صلاح
  • الفكر اللاهوتيّ ومستجدات العصر القسّ جادالله نجيب
  • عرض كتاب عن مرور 1700 سنة لمجمع نيقية ش. جورج إسحق
  • عرض كتاب: قراءة في مجمع نيقية كيف حفظ قانون الإيمان النيقوي المسيحيّة أ. جرجس صبحي
  • شذرات كتابيّة: الشيخ أسامة رشدي

ملحق العدد:

من قانون إيمان نيقية 325م إلى إقرار الإيمان الإنجيليّ في مصر 2006م: التأكيد على الثوابت الإيمانيّة الجامعة المشتركة تقديم وتحرير القسّ عيد صلاح

نيقية من جديد
الإيمان في زمن التشويش

اسم الكاتب: الدكتور القس أندريه زكي

قبل سبعة عشر قرنًا، في ربيع عام 325م، اجتمع أكثر ثلاثمائة أسقف من شتى أنحاء العالم المسيحي في نيقية (إزنيق حاليًا في تركيا). كان هذا هو أول اجتماع منذ العصر الرسولي للأساقفة المسيحيين من جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية.

لم يكن هذا الاجتماع حدثًا عابرًا في تاريخ الكنيسة، بل لحظة مفصليَّة عبّرت فيها الكنيسة الجامعة عن إيمانها الرسوليِّ القديم والثابت والمسلَّم من الرسل، في وجه فكر غير دقيق حول طبيعة المسيح، من قِبَل كاهنٍ سكندريٍّ يدعى “أريوس”، كان يهدد وحدة الكنيسة وسلامها.

قبل هذا المشهد التاريخي، كانت الكنيسة قد خرجت لتوِّها من قرون من الاضطهادات القاسية، بدءًا من نيرون 64م، مرورًا بفلافيان وأنطونينوس 70-192م، ويسيوس وفاليريان 250-260م، وصولًا إلى الاضطهاد الكبير 303-311م في عهد دقلديانوس وبعده جاليريوس، الذي كان الهدف منه هو القضاء على المسيحية تمامًا، وقد كانت آنذاك قد نمت بصورة كبيرة، سواء من حيث الأعداد أو النفوذ. إلى أن حدثت نقطة التحول في مرسوم التسامح عام 311، الذي أصدره جاليريوس وهو على فراش الموت، ثم إيمان الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية 312م، وبعدها صدور مرسوم ميلان عام 313م، الذي لم يكتفِ بالسماح للمسيحيين بممارسة عقائدهم، بل شرَّع المسيحية تمامًا، ومثَّل بداية علاقة جديدة بين الكنيسة والدولة الرومانية ومنح المسيحية مكانة مرموقة في الإمبراطورية.

وبالطبع شهد عصر ما قبل نيقية بعض الأفكار الغريبة، التي أشار إليها الكتاب المقدس وحاربها الرسل، مثل الغنوصية. وفيما بعد العصر الرسولي، حدثت انشقاقات أخرى مثل الميليتية والدوناتية، والمرقيونية. لكن استطاعت الكنيسة مواجهة كل هذه الأفكار والحفاظ على الإيمان قويمًا، مفصِّلة كلمة الحق بالاستقامة (2تيموثاوس 2: 15).

ويتضح من هذا أن عصر الاضطهاد كان قريبًا تاريخيًّا من مجمع نيقية لدرجة أن بعض المجتمعين كانوا يحملون في أجسادهم آثار إصاباتٍ تعرض لها بسبب إيمانه. ما يعني أن هذا الإيمان القويم الذي عاشوا لأجله، وكافحوا للحفاظ عليه، لم يكن من السهل عليهم أن يروا محاولات لتغييره، أو تحريفه، أو الالتفاف حول معانيه، أو محاولة اللعب بالمصطلحات لتمويه الحقائق، أو غير ذلك من الأدوات.

كان الجدل الأريوسي واحدًا من هذه المحاولات لزعزعة الإيمان، وأعمق النزاعات اللاهوتية في تاريخ الكنيسة المبكر. وباختصار فقد شكَّك أريوس في أزلية الابن وألوهيته، وادَّعى أن في زمن ما لم يكن الابن موجودًا. واستمرت محاولاته في صياغة فكرته بطرق بدت قويمة لكنها كانت تحمل في تفاصيلها تناقضًا صارخًا مع جوهر الإيمان المسيحي.

إذن لم يجتمع الآباء لابتكار عقيدةٍ جديدة، بل لإعلان صوت واحدٍ بما آمنوا به دائمًا: أن يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، واحد مع الآب في الجوهر. ومنذ ذلك اليوم، صار اسم “نيقية” مرادفًا لوحدة الإيمان وصمود الحقيقة أمام الانقسام.

كانت تأكيدات الإيمان الجوهرية هذه صرخة وضوح في زمنٍ ساد فيه الارتباك، وإعلانًا أن الإيمان يثبت بنور الحق الإلهي الثابت، ويؤسَّس على كلمة الله الحية والراسخة. ولو نظرنا بعمق، سنكتشف أن المعركة الحقيقية لم تكن ضد أريوس وحده، بل ضد الخلط والغموض والتلاعب بالمفاهيم. أثار الجدل الأريوسي انقسامًا واسعًا هدد وحدة الكنيسة، فكان المجمع دعوة صريحة للتمسك بالوحدة في وجه الانقسام والتفكك. وأثمرت هذه الجهود عن صياغة قانون الإيمان النيقاوي، الذي يُتلى حتى اليوم في كل كنائس العالم المسيحي:

“نؤمن بإلهٍ واحد، الآب ضابط الكل، خالق كل ما يُرى وما لا يُرَى، وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، المولود الوحيد من الآب أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء…

لكن ما فعله الآباء في نيقية لم يكن مجرد وضع قانون إيمان، بل إعلان وحدة الكنيسة حول شخص المسيح. لقد أعطى المجمع اللغة التي تعبّر عن ما كان المؤمنون يعيشونه فعلاً: المسيح هو كلمة الله المتجسد، الذي به كان كل شيء، ومن دونه لا يكون خلاص.

واليوم نحتاج أن نذكِّر أنفسنا، بعد مرور سبعة عشر قرنًا على مجمع نيقية، أنه ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل رسالة روحية عميقة: أن الإيمان لا يُختزل في الجدل، بل في اللقاء الحيّ مع الله المعلن في المسيح.

الكنيسة اليوم، وهي تعيش في عالمٍ يموج بالاختلافات الفكرية والثقافية، مدعوةٌ لتستعيد روح نيقية- روح الإيمان القويم والثابت في وجه كل تشويش أو جدل. حين أعلن الآباء أن الابن “مساوٍ للآب في الجوهر”، كانوا يدافعون عن سرّ التجسد والفداء، أي عن قلب الإيمان المسيحي. واليوم، يظل هذا الإعلان دعوة لكل مؤمن أن يحيا إيمانه بصدق، لا كعبارة محفوظة، بل كخبرة حياة واتحاد بالمسيح الإله.

نواجه اليوم ضبابًا وتشويش من نوعٍ جديد، نواجه جدلًا واضطرابات فكرية، ومحاولات لتشويش الفكر وتمويه الحقائق، وإضفاء تعريفات مضللة على كل شيء؛ الخير، الشر، الحقيقة… وغيرها من المفاهيم. نواجه عالمًا يتغير بسرعة غير مسبوقة، وفي هذا العالم المتحوّل، أصبح من السهل أن يفقد البعض صوت الإيمان في زحمة الآراء، أو أن يُختزل الإيمان إلى تجربةٍ شخصية بلا جذور، أو يُفرّغ من محتواه.

لكن كما قاومت الكنيسة قديمًا ضبابية أفكار أريوس، نحن أيضًا مدعوون أن نقاوم ضبابية ما يروج من أفكار في العصر الحديث، لا بالجدال والغضب، بل بالثبات على المبدأ والوعي بما نؤمن به. فالإيمان ليس مجرد شعور، بل معرفة مبنية على صخرة كلمة الله الثابتة، وعلاقة حيّة بإلهٍ أعلن ذاته. ومن لا يعرف ما يؤمن به، يصبح فريسةً سهلة لكل فكرةٍ جديدة، وكل “ترند” عابر.

أن نستلهم روح نيقية يعني أن نحيا الإيمان بوضوحٍ واتساقٍ وشجاعةٍ ووداعة. الوضوح لا يتناقض مع المحبة، بل يحميها من الذوبان. والمبدأ لا يناقض الحرية، بل يمنحها معنى. كان آباء نيقية رجال صلاةٍ قبل أن يكونوا رجال فكر، وعندما تكلموا عن العقيدة لم ينطلقوا من جدلٍ فلسفي، بل من عِشرةٍ مع المسيح الحيّ، ومن محبةٍ للكنيسة التي هي جسده.

نعم نؤمن، رغم الضجيج. نؤمن في وجه أي تشويش. نؤمن لأن الحق يُستعلَن في القلوب التي تعرف صاحب الحق، الكلمة الأزلي، الذي به كان كل شيء، وبدونه لم يكن شيء مما كان. وكل من هو من الحق يسمع صوته. فلنثبت في هذا الحق، آمين.

في هذا العدد تقرأ

اسم الكاتب: عيد صلاح

“الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.”  (يهوذا 3)

في هذا العدد، تحتفل مجلة النسور بمرور 1700 عام على مجمع نيقية، المجمع التاريخي الذي رسَّخ أركان الإيمان المسيحي، ووضع الأسس للتفكير اللاهوتي في الكنيسة. يستعرض العدد خلفيات انعقاد المجمع، وخطورة تعليم أريوس، وكيف استجابت الكنيسة بحكمةٍ وجرأةٍ للحفاظ على تعليمها الصحيح، كما يسلّط الضوء على أهم القضايا اللاهوتية التي جاء بها قانون إيمان نيقية، وما تحمله نصوصه من عمق روحاني وتعليمي لكل مؤمن.

يهدف إحياء هذه الذكرى إلى تعميق وحدة الإيمان بين جميع المؤمنين، وتجديد ارتباطهم بالعقيدة الصحيحة، وتشجيعهم على الشهادة بجرأة ووعي، والاستعداد لمجاوبة كل من يسأل عن سبب الرجاء، كما يحثنا الرسول بطرس: “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 3: 15). ليس هذا العدد مجرد تأريخ للحدث، بل دعوة لكل مؤمن للتأمل في إرث الإيمان، والتمسك بالحق، وتجديد الالتزام بالتعاليم المسيحية، والشهادة بجرأة للرجاء الذي نحمله في قلوبنا. كما يمثل فرصةً لإعادة اكتشاف جمال الوحدة المسيحية وأهمية الدفاع عن الإيمان الحق في عالم متغير.

يفتتح العدد الدكتور أندريه زكي

يبدأ الملف بدراسة تأتي دراسة تتناول دراسة د. وفيق وهيب وهبة “أهمية قانون الإيمان النيقاوي ودور الكنيسة المصرية في صياغته في ذكرى مرور 1700 عام على مجمع نيقية. فقد جاء القانون في سياق تاريخي شهد اضطهادات شديدة للمسيحيين، خاصة في مصر، ثم اعتراف الدولة الرومانية بالمسيحية بعد مرسوم ميلان (313م)، مما أتاح للكنيسة حرية التعبير عن إيمانها. واجهت الكنيسة أزمة أريوس الذي أنكر ألوهية المسيح، مهددًا وحدة العقيدة. هنا برزت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية ودور القديس أثناسيوس في الدفاع عن الإيمان وصياغة القانون النيقاوي، الذي ركز على جوهر العقيدة: الإيمان بالله الواحد، وألوهية المسيح ومساواته للآب، والعمل الفدائي على الصليب والقيامة، وعقيدة الروح القدس، والكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، والرجاء في الحياة الأبدية. يشير وهبة إلى أن أهمية القانون تكمن في كونه ردًّا على الهرطقات ومثبتًا لوحدة العقيدة عبر العصور، كما أبرز دور الكنيسة المصرية في حماية الإيمان ونشره عالميًّا. القانون النيقاوي لم يشرح كل العقائد بالتفصيل، بل ركّز على لاهوت المسيح والفداء، ليظل أساسًا ثابتًا لهوية الكنيسة ووحدتها الروحية، مع استمرار تأثيره عبر القرون في تثبيت العقيدة المسيحية، وجعل الكنيسة المصرية نموذجًا للثبات والشهادة في مواجهة التحديات والبدع.

ثم تأتي دراسة القس مدحت فايز: “مجمع نيقية: نهاية أم بداية؟ يرى مجمع نيقية من منظور تاريخيّ حيث يُعَدّ محطة مفصلية في تاريخ الكنيسة، حيث واجه تعاليم أريوس التي أنكرت أزلية الابن. بدعوة من الإمبراطور قسطنطين، اجتمع الأساقفة وصاغوا قانون الإيمان الذي أكد أن الابن مساوٍ للآب في الجوهر، مولود غير مخلوق. ورغم وضوح القرار، استمرت الخلافات بسبب معارضة بعض الأساقفة وتدخل الأباطرة، مما أدى إلى نفي أثناسيوس مرات عدة قبل أن يُثبَّت الإيمان النيقاوي في مجمع القسطنطينية (381م). وهكذا، لم يكن نيقية نهاية الجدل اللاهوتي بل بداية مسار طويل لترسيخ العقيدة الجامعة وصياغة الهوية الإيمانيّة المسيحيّة.

وفي دراسة د. سامية قدري تحت عنوان: “السياق الاجتماعي لانعقاد مجمع نيقية، تحليل سوسيوتاريخي” ترى أنَّ انعقاد مجمع نيقية عام 325م كان نتيجة مباشرة لتفاعلات اجتماعية وسياسية ودينية داخل الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع. فقد شكّل التنوع العرقي والثقافي بيئة لصراعات متكررة، كما أدى الاعتراف بالمسيحية بموجب مرسوم ميلان (313م) إلى انتقالها من جماعة مضطهدة إلى قوة مؤثرة. غير أنّ الخلافات اللاهوتية، ولا سيما الأريوسية التي أنكرت أزلية الابن، مثّلت تهديدًا لوحدة الكنيسة والمجتمع. أمام هذه الأزمة، دعا الإمبراطور قسطنطين إلى مجمع مسكوني في نيقية، حيث اجتمع أكثر من 318 أسقفًا وصاغوا قانون الإيمان النيقاوي، مثبتين مساواة الابن للآب في الجوهر.

من زاوية أخرى يرى الدكتور إيهاب الخراط ويتناول في دراسته: الأبعاد السياسية-الاجتماعية لمسيحية قسطنطين الأكبر: خلفيات مجمع نيقية” أنَّ اعتناق قسطنطين للمسيحية أدى إلى إنهاء الاضطهاد وفتح الطريق لمأسستها كقوة مركزية في الإمبراطورية، لكن هذا التحول حمل أبعادًا متناقضة. فقد أفرز مجمع نيقية (325م) قانون إيمان أصيلًا، لكنه مثّل أيضًا بداية ارتباط الكنيسة بالسلطة السياسية. استغل قسطنطين الدور التوحيدي للمسيحية في ظل تراجع الديانات الوثنية أمام الأوبئة والأزمات، فصارت أداة سياسية لتماسك الإمبراطورية. غير أن هذا الاندماج مهّد لانقسامات ذات خلفيات سياسية، وأطلق مسارًا من التدخل الإمبراطوري في العقيدة، مما قاد إلى تضييق الحريات الدينية وصعود سلطة الإكليروس المتحالف مع السلطة. وهكذا غدت المسيحية ديانة الدولة ووسيلة للسيطرة السياسية.

يعرض د. إبراهيم ساويرس في دراسته المهمة: “البابا أثناسيوس الرسوليّ في ذاكرة القبط” صورة البابا أثناسيوس الرسولي في الذاكرة القبطية من خلال توظيف نظريات الذاكرة عند هالبفاكس ونورا وأسمان، حيث تتحول النصوص الأدبية إلى وسائط لإعادة تشكيل الهوية الجماعية. فقد ارتبط اسم أثناسيوس بمجموعة كبيرة من النصوص القبطية المنتحلة، إضافة إلى المدائح والسير العربية، ما ساهم في صياغة صورته على مدى قرون. تركّز هذه النصوص على عدة أبعاد لشخصيته: الواعظ والمفسر الكتابي الذي يشرح الأمثال والآيات بروح رعوية، الراهب المتواضع الذي عاش وسط الناس في زمن نفيه، وصانع المعجزات الذي يشفي المرضى ويهزم الأعداء، فضلًا عن تقديمه كرسولي يفوق الأنبياء وآباء الكنيسة. بعد مجمع خلقيدونية، ومع سعي الكنيسة القبطية لترسيخ هويتها المستقلة، صار أثناسيوس نموذجًا مثاليًّا لربط الماضي المجيد بالحاضر. ويخلص ساويرس إلى أن أثناسيوس في الذاكرة القبطية لم يُعرض كجدلي لاهوتي، بل أعيدت صياغته كبطل رعوي وروحي يناسب جمهور الكنيسة، وهو ما يكشف دور الرهبان كـ “خبراء الذاكرة” في إنتاج هذه الصورة.

وفي مناقشة القضايا اللاهوتية نصل لدراسة د. عادل زكري في دراسة قيمة عنوانها: “مصطلح هوموأوسيوس (μοούσιος): نموذج لرحلة نضال الكنيسة من أجل الإيمان” يتناول عادل زكري رحلة مصطلح هوموأوسيوس (“مساوٍ للآب في الجوهر”) الذي صار حجر الزاوية في قانون إيمان نيقية – القسطنطينية ومعيارًا لأرثوذكسية الإيمان. ورغم أهميته، فقد أثار جدلًا واسعًا في القرن الرابع لأسباب مختلفة: كونه غير كتابي، رفضه في مجمع أنطاكية (268م) بسبب سوء فهم، خشية أن يؤدي إلى تقسيم الجوهر، أو اعتباره قريبًا من السابلية. إلا أن أثناسيوس وباسيليوس دافعا عنه بمرونة، مؤكدين أنه يضمن وحدانية الجوهر مع تمايز الأقانيم. ويوضح الكاتب أن هوموأوسيوس يعبّر عن حقائق جوهرية: الابن من جوهر الآب، مساوٍ له في الألوهة والعمل، غير منفصل عنه، وهو وحده القادر على تحقيق الخلاص. كما أصبح المصطلح أداة تفسيرية للكتاب المقدس، إذ يوجّه قراءة نصوصه في ضوء العلاقة الكيانية بين الآب والابن. ويبرز زكري أثره الثوري إذ قلب التصور اليوناني القديم للوجود، مثبتًا إمكانية اتصال الله بالعالم في المسيح، وجاعلًا الإنجيل خبرًا مفرحًا عن حضور الله وسط شعبه.

أما الباحث أمجد بشارة في دراساته “الثالوث القدوس وفقًا لقانون إيمان نيقية: الاعتبارات التمهيدية” يتناول فيها عقيدة الثالوث النيقاوي باعتبارها جوهر الإيمان المسيحي، موضحًا أن الإعلان الإلهي كشفها، بينما العقل يستطيع الدفاع عنها. فقد كان الجدل مع الأريوسية ونصف الأريوسية سببًا في صياغة بيان لاهوتي دقيق يقوم على الكتاب المقدس والمنطق الأنطولوجي. يبرز الكاتب أن وحدة الله في قانون الإيمان ليست وحدة مجردة، بل وحدانية مثلثة: الله واحد في ثلاثة أقانيم متميزة يشتركون في الجوهر ذاته. فالآب هو الضابط الكل، مولد الابن أزليًّا، والابن هو “إله من إله” و”مساوٍ للآب في الجوهر”، والروح القدس هو “الرب المحيي” المنبثق من الآب. يستشهد بشارة بآباء الكنيسة مثل أثناسيوس وكيرلس السكندري وباسيليوس لتوضيح أن الأقانيم ليست إضافات إلى جوهر سابق، بل إن الجوهر الإلهي يوجد فقط في الأقانيم. ويؤكد أن الثالوثية تحمي الإيمان من الانحرافات السابلية أو الأريوسية، وتُظهر أن الله ليس وحدة فردية جامدة، بل شركة محبة وفرح. وهكذا يبقى قانون نيقية علامة وحدة وإطارًا لفهم الخلق والفداء والكنيسة.

وفي دراسة عن ” البانتوكراتور بين مجمع نيقية ومفهوم كلفن لسيادة الله“، للقس بيتر عادل يتناول مفهوم البانتوكراتور أو “ضابط الكل”، بوصفه لقبًا جوهريًّا في اللاهوت المسيحي. يوضح المعنى اللغوي واللاهوتي للمصطلح باعتباره إعلانًا عن سيادة المسيح وعنايته، ثم يربط بين صياغات مجمع نيقية (325م) التي أكدت ألوهية الابن ومساواته للآب، وبين فكر جون كالفن الإصلاحي الذي أبرز السيادة المطلقة لله والعناية الإلهية في حياة المؤمن والكنيسة. كما يبين البعد العملي للمفهوم في منح الرجاء والثقة، وتأسيس العبادة، ومواجهة تحديات المجتمع. يُظهر المقال أن البانتوكراتور ليس مجرد لقب، بل إعلان دائم عن سيادة المسيح وربوبيته على التاريخ والخليقة.

ويكتب الأب ماوْريتسِيو غُرونْكِي، د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك، دراسة بمناسبة “الاحتِفالُ بمُرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع “نِيقيَا” المسكونيّ، عن: بضعة اعتباراتٍ حول الإيمان باللّوغُس المُتجسِّد والمُتأنِّس”، بأن الاحتفال هو مناسبة لإعادة اكتشاف جوهر الإيمان المسيحي، الذي تأسس على الاعتراف الكامل بألوهية المسيح واتحاده التام بالإنسانية. يوضح النص أنّ مسيرة التفكير المسيحي بدأت منذ العهد الجديد، مرورًا بآباء الكنيسة والجدالات الأولى مع بدع مثل الأريوسية والأبولينارية، وصولًا إلى صياغة قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني الذي أصبح “بطاقة الهوية” لكل مسيحي. أكد المجمع أنّ المسيح “مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”، وهو إعلان حفظ للكنيسة وحدتها أمام الانقسامات، ورسّخ أساس علم الكريستولوجي والثالوث. كما أشار النص إلى إسهام آباء كبادوكيا وأثناسيوس وغيرهم في توضيح أن المسيح إنسان كامل وإله كامل، وأن الخلاص يتم عبر الاتحاد الأقنومي بين اللاهوت والناسوت. الدراسة تدعو اليوم إلى استلهام هذا الإيمان في الواقع الرعوي والمعاصر، باعتباره ليس مجرد عقيدة نظرية بل حياة معاشة في محبة وشركة، تجسّد حضور الله في التاريخ. وهي أيضًا دعوة مسكونية لأن ما يوحّد المسيحيين أكبر مما يفرقهم: الإيمان بالآب والابن والروح القدس، اللوغوس المتجسد مخلّص العالم.

التركيز على عمل المسيح الخلاصي حسب نيقية يكتب القس نصرالله زكريا دراسة تحت عنوان: “من أجلنا ومن أجل خلاصنا” مؤكدًا أنها تمثل جوهر العقيدة المسيحية. انعقد مجمع نيقية (325م) لمواجهة جدل لاهوتي حول هوية المسيح، خاصة أمام تعاليم أريوس، فأقرّ أن الابن «إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر»، مثبتًا دوره الفدائي. تعكس العبارة أن تجسد المسيح وصلبه وقيامته كان قصدًا خلاصيًّا من أجل البشرية جمعاء، لا مجرد حدث عابر. يستند هذا إلى نصوص كتابية (لوقا 19: 10؛ يوحنا 3: 17؛ رومية 4: 25؛ عبرانيين 2: 14-17)، مبيّنة أن المسيح شارك الطبيعة الإنسانية ليخلّصها بالكامل وفق مبدأ غريغوريوس النزينزي: «ما لم يتخذه لم يشفه». كما أبرز المقال أهمية استمرار قانون الإيمان في الكنيسة اليوم، ليس باعتباره أثرًا تاريخيًّا، بل بصفته أساسًا للوحدة والشهادة في مواجهة محاولات تشويه طبيعة المسيح. فالعبارة تعلن أن الخلاص عطية إلهية متجسدة في المسيح الإله الحق والإنسان الكامل.

وفي دراسة القس موريس يوسف تحت عنوان: “عقيدة الكنيسة في قانون مجمع نيقيّة: رجاء متجدّد للحوار المسكوني اليوم!” ويرى يوسف أنه في عام 2025 تحتفل الكنيسة بمرور 1700 عام على مجمع نيقية (325م) وصياغة قانون الإيمان النيقاوي الذي ثبّت العقيدة المسيحية في مواجهة بدعة أريوس، وأعلن هوية الكنيسة بأنها: واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية. أكد المجمع أن الكنيسة واحدة رغم اختلاف الطوائف، مدعوة لحفظ وحدانية الروح في رباط السلام. وهي مقدسة بعمل الروح القدس الذي يكرّسها لخدمة المسيح، والقداسة مسؤولية عملية وليست امتيازًا شكليًّا. كما أنها جامعة تتخطى الحدود العرقية والثقافية لتكون بيتًا مفتوحًا لكل الشعوب، على مثال الكنيسة السماوية الجامعة من كل أمة ولسان. وأخيرًا، هي رسولية متجذرة في تعليم الرسل، ومقياس أصالتها هو الأمانة للتعليم الكتابي. إذا عاشت الكنيسة هذه الأبعاد الأربعة، فإنها ستعزز الحوار المسكوني الصادق بين الطوائف، وتطلق طاقاتها في الفكر المرسلي، لتشهد للعالم أنها بالفعل كنيسة الله الحي، بيت الحق وعمود القاعدة. هكذا يبقى فكر نيقية رجاءً متجددًا ورسالة معاصرة.

في خطابه بحفل تخرج الدفعة 154 بكلية اللاهوت الإنجيلية تحت عنوان “الكنيسة واستعادة الصورة الغائبة“، دعا د. القس يوسف سمير الكنيسة إلى استعادة الصورة الغائبة، مؤكدًا أن هذه الصورة لم تُفقد بل غابت بسبب الضعف البشري، بينما تبقى حاضرة بفضل أمانة الله ونعمة العهد. أوضح أن الكنيسة مدعوة لتجديد ذاتها والعودة إلى جوهر رسالتها كما في سفر الأعمال، حيث تتجلى ملامحها في الاحتضان الذي يشجع الضعفاء ويمنح الفرص كما فعل برنابا مع بولس ومرقس، وفي الاستقامة التي ترفض الرياء والحياة المزدوجة، مستلهمًا قصة حنانيا وسفيرة كتحذير من خطورة الازدواجية وفقدان الشهادة، خاصة في زمن وسائل التواصل وما تحمله من تحديات أخلاقية. كما شدد على الفاعلية التي تضع الإرسالية ونشر الكلمة في قلب كل نشاط، محذرًا من البيروقراطية والتعقيد الإداري الذي يثقل حركة الكنيسة ويعطل رسالتها. واختتم بدعوة إلى إصلاح متجدد ورجاء حي في قوة القيامة، ليواصل الخريجون والكنيسة معًا السير في طريق التجديد والنهضة.

في دراسة القس رفعت فتحي حول: “يأتي ليدين الأحياء والأموات مفهوم وتأثير الأخرويات (الإسخاتولوجي) في مجمع نيقية 325م” وتهدف إلى تحليل حضور البُعد الأخروي في مجمع نيقية من خلال رصد المصادر النصية والجدالات اللاهوتية التي أسهمت في صياغة قانون الإيمان. ويولي اهتمامًا خاصًّا لعبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” التي تمثّل نقطة ارتكاز في البنية العقائدية للكنيسة، إذ تجاوزت كونها صياغة تقريريّة لتصبح عنصرًا مؤسّسًا في بناء الرجاء المسيحي. وقد انعكس هذا البُعد في الليتورجيا عبر تثبيته كإعلان إيماني متكرّر يعيد توجيه العبادة نحو الرجاء في عدالة الله، كما تَجسّد رعويًّا في تعزيز الثبات والإيمان بمستقبل يتجاوز حدود الزمن الحاضر. ومن ثمّ، فإن البحث يسعى إلى بيان كيف أسهم هذا النص في ترسيخ وعي الكنيسة بوحدتها اللاهوتية، وفي تشكيل رؤيتها الأخروية المشتركة عبر العصور، ليغدو حجر زاوية في عقيدتها الجامعة، يجمع بين العمق اللاهوتي والأثر العملي في الحياة الكنسية.

وفي السياق نفسه بقدم القس جرجس جورج دراسة عن “الفكر الإسخاتولوجي في قانون الإيمان النيقاوي–القسطنطيني 381م” للقس جرجس جورج، التي تؤكد على أن قانون الإيمان النيقاوي–القسطنطيني تبرز عقيدة المجيء الثاني كجزء جوهري من الإيمان المسيحي، مؤكدًا أن المسيح سيعود في المجد ليدين الأحياء والأموات ويملك إلى الأبد. في الكنيسة الأولى كان الاعتقاد بعودة قريبة للمسيح راسخًا، ولم تُدرج هذه العقيدة في القوانين الأولى لعدم وجود خلاف حولها. لكن مع ظهور الهرطقات التي أنكرت لاهوت المسيح، جرى التأكيد على المجيء الثاني والدينونة والملك الأبدي في نص القانون. استشهد الآباء بنصوص كتابية مثل متى 25، أعمال 10: 42، و2تيموثاوس 4: 1 لتثبيت هذه العقيدة. في العصور الوسطى تحولت النظرة من رجاء مفرح إلى خوف من الدينونة، كما في فكر أوغسطينوس والأكويني. أما الإصلاح، خاصة مع كالفن، فأعاد صياغة هذه العقيدة كرجاء يربط بين مجد المسيح وطمأنينة المؤمن، مؤكدًا أن الدينونة في يد المخلّص لا تُخيف شعبه، ورافضًا التفسيرات الحرفية للملك الألفي. رأى كارل بارت أيضًا الملك الألفي رمزًا لسيادة المسيح الروحية. في المقابل، طورت المدرسة التدبيرية الحديثة تصورًا مختلفًا يقسم الأحداث إلى الاختطاف، الضيق، ثم الملك الألفي الحرفي، وهو ما رفضه الإصلاح والأرثوذكسية والكاثوليكية. بالتالي، يظل المجيء الثاني حدثًا نهائيًّا واحدًا يجمع القيامة العامة والدينونة والملك الأبدي، لا مصدر خوف بل رجاء مبارك للكنيسة كلها.

وفي رؤية مصلحة لمجمع نيقية يقدم القس سهيل سعود دراسة عن “تأكيد المصلحين الإنجيليين، على حقائق قانون الإيمان النيقاوي اللاهوتية” يؤكد القس سهيل سعود أن هناك سوء فهم شائعًا يرى أن الكنائس الإنجيلية لا تعترف بتعاليم آباء الكنيسة أو بقوانين الإيمان، ويعيد جذورها فقط إلى الإصلاح في القرن السادس عشر. بينما المصلحون رأوا أنفسهم امتدادًا للكنيسة الأولى، معتبرين أن التاريخ الكنسي هو تاريخهم، وأن آباء الكنيسة هم آباؤهم. اعتمدوا على الكتاب المقدس كميزان لقبول أو رفض أي تعليم، وأكدوا تقديرهم لتفاسير الآباء حين تتوافق مع الإنجيل. لذلك قبلوا القوانين الثلاثة الكبرى: إيمان الرسل، النيقاوي القسطنطيني، والأثناسي، ورأوا فيها أساسًا للوحدة والتمييز بين التعليم الحق والباطل. أبرز مارتن لوثر وجون كالفن وغيرهما تمسكهم بالثالوث وتجسد المسيح وفق النيقاوي، معتبرين أن سلطة الكتاب تعلو فوق كل سلطة، وأن المجامع هدفت لتوضيح الإيمان أمام الهرطقات مثل الأريوسية. كما قدّموا تفاسير جديدة لسمات الكنيسة الأربع: الوحدة، القداسة، الجامعة، والرسولية، رافضين حصر الرسولية في التسلسل التاريخي للأساقفة، ومؤكدين أنها استمرار في تعليم الرسل وحياتهم. هكذا أظهر المصلحون أن قوانين الإيمان النيقاوي تمثل بالنسبة لهم إعلانًا جوهريًّا عن العقيدة المسيحية، لا ينفصل عن إيمانهم الكتابي.

ويكتب الدكتور شريف عاطف عن “مقدمة لإقرار إيمان وستمنستر“، وهو وثيقة عقائدية مصلَحة بارزة، صيغت في إنجلترا عام 1643 وسط حرب أهلية وصراعات دينية بين البروتستانت والكاثوليك. دعا البرلمان نحو 150 من رجال اللاهوت الأتقياء لوضع أساس كتابي واضح للكنيسة وحمايتها من الانحراف. ومع انضمام المندوبين الاسكتلنديين، تطور الاجتماع من تعديل “التسعة والثلاثين بندًا” إلى صياغة إقرار شامل يحدد العقيدة والعبادة والنظام الكنسي. أثمر الاجتماع عدة وثائق مهمة مثل “دليل العبادة العامة” و”أصول الإيمان” بنسختيه، إلى جانب إقرار الإيمان نفسه الذي استند إلى نحو 2500 شاهد كتابي. تميز الإقرار بدقة لاهوتية ووضوح عقائدي، إذ تناول موضوعات أساسية مثل سلطان الكتاب المقدس، مقاصد الله، الخلاص، التبرير، التقديس، ومثابرة القديسين، كما واجه قضايا شائكة كالشر وحرية الإرادة. بعد أكثر من 350 عامًا، ما زال إقرار وستمنستر يمثل المرجع الأهم للكنائس المصلحة.

وحول استخدام العبادة في الإنجيلية يكتب القس أمير إسحق عن: “قانون الإيمان في العبادة الإنجيلية” ويبرز المقال أن الإنسان كائن ليتورجي بطبيعته، مدعو لعبادة الله وتنظيم علاقته به فرديًّا وجماعيًّا. العبادة الحقيقية هي التي تقدَّم للإله الحقيقي وحده، وقد وجدت ذروتها في العهد الجديد بإعلان المسيح. من هنا تتضح أهمية قانون الإيمان كعنصر جوهري في العبادة، إذ يشكّل إعلانًا جماعيًّا للإيمان الرسولي، ويربط الكنيسة الجامعة عبر الأجيال. يميّز الكاتب بين قانون الإيمان ذي الطابع الليتورجي المختصر، وإقرار الإيمان ذي الطابع العقائدي الأوسع، وشرح أصول الإيمان ذي الطابع التعليمي. يؤكد أن تلاوة القانون تستند إلى أسس كتابية مثل الاعتراف العلني، وحدة الإيمان، وتسليم التعليم عبر الأجيال، مستشهدًا بنصوص من رومية، أفسس، كورنثوس، وتيموثاوس. فلسفة التلاوة تكمن في كونها تعبيرًا عن هوية الكنيسة ووحدتها، واحتكامًا إلى معيار ثابت ضد البدع، واحتفالًا جماعيًّا بحقائق الفداء، وأداة للتنشئة الإيمانية وإعداد المؤمنين للعشاء الرباني، وشهادة علنية أمام العالم. هكذا يصبح قانون الإيمان ترنيمة إيمانية متجددة، لا مجرد كلمات محفوظة.

وعن دراسة “تحديات العقيدة وبناء الهويّة الإيمانيّة” للقس عيد صلاح، تتناول هذه الدراسة أهمية العقيدة المسيحية ودورها في تشكيل الهوية الإيمانية، مبيّنة أن الإعلان “أنا أؤمن” يتجاوز مجرد إقرار نظري ليعبر عن التزام وولاء وثقة. توضح الورقة أن العقيدة عبر التاريخ نشأت كاستجابة للبدع والهرطقات، وأصبحت رصيدًا إيمانيًّا رسخ عبر المجامع المسكونية. تناقش الدراسة ثلاث دوائر أساسية: العقيدة المسيحية في مقابل الإسلام وما ولّده من حوار وجدال، العقيدة المسيحية-المسيحية بين التقليدي والإنجيلي، ثم الدائرة الإنجيليّة الداخلية التي تميّز الفكر المصلح والمشيخي. وتحدد الورقة التحديات المعاصرة مثل الاجتزاء العقائدي مقابل الاتساق، الانعزال مقابل الاندماج، الجهل والكتمان مقابل الوضوح، النمطية مقابل الحيوية، التعددية مقابل الأحادية، أزمة الهوية، الجمود مقابل التجدد، غياب النقد، والعلاقة بين العقيدة والفكر والنص والواقع المتغير. وتؤكد أن العقيدة ليست جامدة بل نتاج تاريخي قابل للتجديد في ضوء كلمة الله، وأنها تحدد الهوية وتشكل السلوك، فلا انفصال بين الإيمان والحياة.

في دراسة “الفكر اللاهوتي ومستجدات العصر” يبحث القس جاد الله نجيب في تفاعل الفكر اللاهوتي مع مستجدات العصر، موضحًا أن اللاهوت هو “إيمان يسعى للفهم” في ضوء كلمة الله والواقع. يميز بين اللاهوت الكتابي الذي يتتبع الإعلان الإلهي تاريخيًّا، واللاهوت النظامي الذي يبني منظومة عقائدية مترابطة، مؤكدًا تكاملهما كأساس للهوية الكنسية. يوضح أن الكنيسة هي جسد المسيح الحي، وأن اللاهوت والكنيسة في علاقة جدلية؛ فاللاهوت يمنحها الهوية، وهي تجسده عمليًّا في العالم. تتبع الدراسة تطور اللاهوت من الكرازة الأولى إلى المجامع، مرورًا باللاهوت المدرسي والإصلاح والحداثة والعصر الرقمي، مشيرة إلى تحديات مثل التعددية، حوار الأديان، العلمانية، والإلحاد. يبرز دور الروح القدس كقوة للتجديد والتبصر، مع الدعائم اللازمة: كلمة الله، التفسير المتوازن، الحضور الفاعل، والارتباط بالثقافة المحلية. كما يناقش العلاقة بين اللاهوت والعلم وحدود كل منهما. ويشدد على قيم الصدق والمحبة كأساس للهوية الإنسانية والمجتمعية، داعيًا الكنيسة إلى يقظة روحية وفكر متجدد يواكب العصر دون تفريط في جوهر الإيمان.

في شذرات كتابية يقدم الشيخ أسامة رشدي تأملات روحية مستمدة من الكتاب المقدس، تمزج بين العمق الروحي والتطبيق العملي للحياة اليومية، لتساعد القارئ على تعزيز إيمانه، فهم كلمة الله بوضوح، واكتساب رؤية متجددة للتحديات الروحية والنمو الشخصي في ضوء النصّوص المقدسة.

ملحق العدد:

تحت عنوان: “من قانون إيمان نيقية 325م إلى إقرار الإيمان الإنجيليّ في مصر 2006م: التأكيد على الثوابت الإيمانيّة الجامعة المشتركة”، تقديم وتحرير القسّ عيد صلاح، هو ملحق العدد للنسور عدد 16، أكتوبر 2025م. يربط الملحق بين الاحتفال بمرور 1700 سنة على قانون إيمان نيقية وإقرار الإيمان الإنجيليّ للكنيسة المشيخية بمصر (2006م) الذي جاء امتدادًا لمسيرة تاريخية من صياغة الاعترافات الإيمانية التي تعكس ثبات الجوهر وتجدد الصياغة وفقًا للتحديات والظروف. فمنذ أول إقرار عام 1879م، مرورًا بإقرارات 1902م، 1913م، 1932م، 1967م، ودستور 1986م، ظلّت الكنيسة تسعى للتعبير عن إيمانها بلغة معاصرة. وفي 1988م دعا القس عبد المسيح استفانوس إلى إقرار إنجيليّ مصري جديد، فتشكّلت لجنة لاهوتية عملت ربع قرن حتى صدر إقرار 2006م، جامعًا بين مواد الدستور وصياغات حديثة، ونُشر عام 2007م. ويأتي هذا الإقرار في سياق مرور 1700 عام على مجمع نيقية (325م)، الذي وضع قانون الإيمان الجامع، ليؤكد وحدة الإيمان المسيحي عبر العصور، واستمرارية الكنيسة الإنجيليّة في مصر في الشهادة للمسيح بلغة تتناسب مع واقعها وزمانها، على خطى التقليد النيقاوي الذي جمع بين الثوابت العقائدية والانفتاح على السياق التاريخي.

 

الثالوث القدوس وفقًا لقانون إيمان نيقية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: أمجد بشارة

قيل في سياق البحث في طبيعة الله إن عقيدة الثالوث، وإن كانت لا تُكتَشَف بالعقل البشري، إلا أنها قابلة للدفاع العقلي متى اتضحت بالإعلان الإلهي. ولا ينبغي أن يغيب هذا عن الأذهان.

ومن اللافت للنظر أن الصيغ الأولى للثالوث كانت من أكثر الصيغ ميتافيزيقيةً وتأمليةً في تاريخ العقيدة. فقد أفرز الجدل مع الأريوسيين ونصف الأريوسيّين بيانًا ودفاعًا عن الحق، ليس فقط على أساس كتابي، بل أيضًا على أساس أنطولوجي. فمثل هذا الجدلي القوي أثناسيوس، رغم كونه كتابيًّا بالكامل وبشدَّة، ورغم انطلاقه من نصوص الكتاب المقدس وإخضاعها لتفسير دقيق، لم يتردَّد في ملاحقة جدليات الأريوسيين ونصف الأريوسيين حتى أدق مغالطاتهم في أعمق خباياها. ومن يشك في ذلك، فليقرأ الخُطَب الأربع لأثناسيوس ضد الأريوسيين ودفاعه عن قانون الإيمان النيقاوي.

وفي بعض أقسام العالم المسيحي، تم الادعاء بأن عقيدة الثالوث يجب أن تُقبل دون أي محاولة لإثبات عقلانيتها أو ضرورتها الجوهرية. وفي هذه الحالة، اعتُبرت عقائد الولادة الأزلية والانبثاق أنها تتجاوز المعطيات الكتابية، وإن لم تُرفض صراحة، فقد اعتُبر أنها تعيق الإيمان بالأقانيم الثلاثة الإلهية وإله واحد، بدلًا من أن تعينه. لكن تاريخ الآراء يُظهر أن هذه الأقسام من الكنيسة لم تكن من أقوى المدافعين عن البيان الكتابي، ولا من أنجح الكنائس في تجنب الانحرافات السابيليانية Sabellian[1] أو الآريوسية [2]Arian أو حتى السوسينية Socinian.[3]

أما الكنائس التي اتبعت الكتاب المقدس بأكبر قدر من الأمانة وخافت من التأملات البشرية، فهي ذاتها الكنائس التي أدرجت في قوانين إيمانها أكثر الصيغ التحليلية لعقيدة الثالوث التي وُضعت حتى الآن. فالثالوثية النيقاوية مدمجة في معظم قوانين الإيمان في المسيحية الحديثة؛ وهي تُحدّد على وجه الخصوص عقائد الولادة الأزلية والانبثاق مع نتائجها.

أما الكنائس المشيخية، المعروفة بتمسُّكها الشديد بالكتاب المقدس، فإنها تطلب من أعضائها أن يعترفوا بأن “في وحدانية اللاهوت يوجد ثلاثة أقانيم، من جوهر واحد، وقوة واحدة، وأزلية واحدة: الله الآب، الله الابن، والله الروح القدس. الآب ليس من أحد، لا مولود ولا منبثق؛ الابن مولود أزليًّا من الآب؛ الروح القدس منبثق أزليًّا من الآب والابن”.[4]

هذا يتضمن ثلاث تمايزات في الجوهر غير المحدود. فلا يمكن لله أن يتأمل ذاته، ويعرف ذاته، ويتواصل مع ذاته، ما لم يكن ذا بنية ثالوثية. فالموضوع يجب أن يعرف ذاته كموضوع، ويُدرك أيضًا أنه يفعل ذلك. وهذا لا يعني ثلاثة جواهر متميزة، بل ثلاث حالات متميزة لجوهر واحد. وبالتالي، يجب أن تكون وحدانية الله من نوع يتوافق مع نوع من التعدد. فالوحدانية في الكائن غير المحدود هي وحدانية مثلثة أو ثالوثية. الله هو وحدة متعددة.

ومن ثم، فإن فهم قانون الإيمان الرسولي بسحب ما ورد في صيغته النهائية في مجمعي نيقية والقسطنطينية يعد واحدًا من أهم النصوص التي يجب أن نحفظها ونعي معانيها.[5]

 

بالحقيقة نؤمن بإله واحد

تُعلِّم الكتب المُقدَّسة عقيدة الوحدانية الإلهية مناقضة للتعدديّة: «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية ٦: ٤)؛ «الرَّبُّ هُوَ اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ» (١ملوك ٨: ٦٠)؛ «لَيْسَ إِلَهٌ غَيْرِي» (إشعياء ٤٤: ٦)؛ «الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (مرقس ١٢: ٢٩)؛ «أَنَا وَالْآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٣٠)؛ «لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلَّا وَاحِدٌ» (١كورنثوس ٨: ٤)؛ «رَبٌّ وَاحِدٌ، إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ» (أفسس ٤: ٦)؛ «اللهُ وَاحِدٌ» (غلاطية ٣: ٢٠). وليس هناك خطية أشد تحريمًا وتهديدًا من عبادة الأصنام.[6]

وعند الحديث عن وحدانية الله، فإن نوعًا خاصًّا من الوحدانية هو المقصود، أي الوحدانية التي هي مثلثة. وعندما يُشار إلى تثليث الله، فإن نوعًا خاصًّا من التثليث هو المقصود، أي التثليث الذي لا يُكوِّن إلا جوهرًا أو كيانًا واحدًا. فالوحدانية التي تستبعد التثليث ليست المقصودة، وكذلك التثليث الذي يستبعد الوحدانية ليس المقصود.

“عندما أقول ’واحدًا‘، فإن عدد الثالوث لا يُزعجني؛ لأنه لا يُضاعف الجوهر، ولا يُغيِّره، ولا يُقسِّمه. ومرة أخرى، عندما أقول ’ثلاثة‘، فإن مفهوم الوحدانية لا يُحرجني؛ لأنه لا يُربك تلك الكيانات الثلاثة، ولا يُوحّدها في فردٍ واحد”[7].[8]

بالتالي، وبالإشارة إلى الله، لا يجوز لنا أن نتحدث عن وحدةٍ محضةٍ وبسيطة، ولا عن ثالوثٍ محضٍ وبسيط؛ بل يجب أن نتحدث عن وحدةٍ في ثالوث، وثالوثٍ في وحدة (انظر Athanasius, Against the Arians 4.13–14). لا يجوز لنا أن نتصوّر “مونا- الوحدة” (monas) ليست في أصلها، وبحسب نظام الطبيعة، ثالوثًا، ثم تصير كذلك. فإن وُجدت “مونا”، وُجد “ترياس- الثالوث” (trias) في الحال. ولا يجوز لنا أيضاً أن نتصوّر “ترياس” ليس في أصله، وبحسب نظام الطبيعة، “مونا”، ثم يصير كذلك. فإن وُجدت “ترياس”، وُجدت “مونا” في الحال.

أُسبِّحُكَ، أيها الواحد (المُوناد)، أُسبِّحُكَ، أيها الثالوث (الترياد). 

واحد أنت في ثالوث، وثالوث أنت في وحدانية[9].[10]

الثالوث المسيحي ليس هو ثالوث سابيليوس وفيثاغورس، أي ذلك “الوَاحَد الأوَّلي غير الثالوثي” الذي يصير لاحقًا، إما في الزمن أو في ترتيب الطبيعة، ثالوثًا؛ حيث تُدخَل أربعة عوامل أولية ومكوِّنة إلى المسألة، وهي: جوهر واحد وثلاثة أقانيم إضافية. فالله ليس “واحدًا وثلاثة”، بل “واحدًا في ثلاثة”. لا يوجد “وَاحَدٌ أوّلي” كائن بذاته ومن دون الثالوث، تُضاف إليه التمايزات الثلاثة كعوامل لاحقة. بل توجد فقط ثلاثة عوامل مكوِّنة في المسألة. لأن الجوهر لا يوجد خارج الأقانيم الثلاثة أو بمعزل عنها، بحيث يُشكِّل عاملًا رابعًا بالإضافة إلى هؤلاء الثلاثة. فالـ”وَاحَد”، أي الجوهر، لا يوجد أبدًا في ذاته وبنفسه غير مُثَلَّث، كما في نظرية سابيليوس وفي المخطط الفيثاغوري للـ”تتراكتيس Tetractys”،[11] الذي تبنّاه كوليردج.[12] بل يوجد فقط كما هو في الأقانيم، فقط كما هو مُثَلَّث.

وبالتالي، فإن الجوهر ليس سابقًا، لا في ترتيب الطبيعة ولا في الزمن، على الأقانيم، ولا لاحقًا لها، بل متزامن معها. ومن ثم، فالجوهر ليس عاملًا مكوِّنًا منفصلًا بذاته عن الأقانيم، تمامًا كما أن الأقانيم ليست ثلاثة عوامل مكوِّنة منفصلة بذاتها عن الجوهر. فالجوهر الواحد هو في آنٍ واحد ثلاثة أقانيم، والثلاثة الأقانيم هم جوهر واحد. فالثالوث ليس تركيبًا من جوهر واحد وثلاثة أقانيم. وليس جوهرًا بلا تمايزات متّحدًا مع ثلاث تمايزات، بحيث يُشكّل مركّبًا. بل الثالوث بسيط وغير مركّب.

“إذا” قال توِستِن (Dogmatik 2.229)، “تمييزنا بين وضوح النور ودرجات الوضوح المختلفة، لا تعني أن النور مركّب من الوضوح ومن درجات الوضوح”. كذلك، فالله ليس مركّبًا من جوهر غير مُثَلَّث وثلاثة أقانيم.

يترتّب على ذلك، بالضرورة، أنّه لا يمكننا أن نتحدّث عن وحدة الله الإلهية بمعزل عن الثالوث، كما يسعى إلى ذلك كلٌّ من الربوبيين والسوسيانيين. فإنّ الثالوث ينتمي إلى الوحدة الإلهية بنفس القدر من الضرورة والجوهرية التي تنتمي بها الأزلية إلى الجوهر الإلهي. يقول أثناسيوس (“Orations 1.17”):

“إن لم يكن هناك ثالوث مبارك منذ الأزل، بل كانت هناك وحدة فقط في البداية، ثم صارت تنمو لتصبح ثالوثًا، فإنّه يترتّب على ذلك أنّ الثالوث القدوس كان في وقتٍ ما غير كامل، ثم صار كاملًا في وقتٍ آخر؛ غير كاملٍ إلى أن جاء الابن ليُخلَق، كما يزعم الأريوسيون، ثم كامل بعد ذلك”.

الاتحاد الضروري بين الوَحدة الإلهيّة والثَلاثيّة الإلهيّة يُشبه الاتحاد بين الجوهر الإلهيّ والصفات الإلهيّة. فجوهر الله ليس سابقًا أو منفصلًا عن صفاته؛ إذ لا يُمكن تصوّر الله كجوهرٍ بلا صفات. الجوهر والصفات متلازمان وغير قابلين للانفصال. لا يُمكن تصوّر الله على أنه يتطوّر من جوهرٍ بلا صفات إلى جوهرٍ بصفات. فالله ليس “جوهرًا وصفات”، بل هو “جوهرٌ في صفات”. إنّ الجوهر بكامله حاضر في كلّ صفة؛ كما أنّ الجوهر بكامله حاضر أيضًا في كلّ أقنوم من أقانيم الثالوث. وكما لا يمكننا منطقيًّا أن نُدرك أو نُناقش الجوهر الإلهيّ بمعزلٍ عن الصفات الإلهيّة، كذلك لا يمكننا منطقيًّا أن نُدرك أو نُناقش الوَحدة الإلهيّة بمعزلٍ عن الثَلاثيّة الإلهيّة.

وحدة الله فريدة. إنها الوحدة الوحيدة من نوعها. الإنسان الفرد هو واحد؛ وأي مخلوق أو شيء فردي هو واحد. ولكن هناك آخرين مثله، كل منهم هو أيضًا واحد عدديًّا. أما الله فليس مجرد واحد، بل هو الوحيد؛ ليس فقط واحد unus (أونوس)، بل هو الوحيد المتفرِّد unicus (أونيكوس). ليس هو واحدًا من نوع أو واحدًا بالمقارنة مع آخر من نفس الجنس. الله هو إله واحد والإله الوحيد. يجب أن يُربط مفهوم الفرادة بمفهوم الوحدة في حالة الكائن الأعظم.

الله ليس وحدة، بل وحدانية. فالوحدة، كالحجر أو العصى، تتميز بمجرد الفردية. إنها لا تقبل تمايزًا داخليًّا، ولا تقدر على تلك الثلاثية الكامنة الضرورية للمعرفة الذاتية والوعي الذاتي. الفردية المجردة لا تتوافق مع الشركة، وبالتالي لا تتوافق مع الشركة الإلهية والغبطة. الله مغبوط فقط بكونه عارفًا لذاته ومتواصلًا مع ذاته. فالموضوع الذي لا يملك موضوعًا آخر لا يمكنه اختبار المحبة أو الفرح. المحبة والفرح هما اجتماعيان. إنهما يفترضان أكثر من شخص واحد.

التعليم الكتابي عن كمال الله يدعم وجود تمايزات في الجوهر الإلهي؛ فملء الكينونة يستلزم تنوعًا في الوجود. الوحدة المحدودة لا تحتوي على تعددية أو تنوع. إنها تفتقر إلى أنماط الوجود. الفقر والجدب يميزان الوحدة، والغنى والخصوبة يميزان الوحدانية. هذا الـ πλήρωμα plērōma أو الكمال في الجوهر الإلهي يُشار إليه في الآيات التالية: “مُمْتَلِئِينَ بِكُلِّ مِلْءِ اللهِ” (أفسس ٣: ١٩)، و”فَإِنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ” (كولوسي ١: ١٩)، و”فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” (كولوسي ٢: ٩). يميز أمبروسيوس (Concerning Faith 5.1) الفرق كما يلي: “التفرد يخص الأقنوم، والوحدة تخص الطبيعة.”[13] ويقول تويستن (Dogmatics 2.228):[14]

“بما أن التعدّديّة تكمن في عقيدة الثالوث، فهي لا تتناقض مع الوحدة التي تخص الجوهر الإلهي، بل فقط مع التفرُّد الذي لا يمكن التوفيق بينه وبين الكمال الحي والغبطة المنسوبة إلى الله في الإعلان، والتي يمتلكها الله في ذاته وبشكل مستقل عن المحدود.”

ويلاحظ أوين (Doctrine of the Trinity Vindicated) أن:

“قد يكون صحيحًا أنه لا يمكن أن يوجد سوى أقنوم واحد في جوهر واحد، عندما يكون الجوهر محدودًا ومقيدًا، ولكن ليس عندما يكون الجوهر غير محدود.”

عن هذا يكتب باسليوس أسقف قيصرية:

“عندما سلمنا ربنا صيغة الإيمان بالآب والابن والروح القدس، لم يقرن هذه النعمة بعدد… أما العدد فقد اخترعه العقل كوسيلة لحصر الكميات” (عن الروح القدس 18: 44).[15]

 

آب ضابط الكل

ألوهية الله الآب لا جدال فيها، ولذلك فالحاجة إلى تقديم البرهان عليها أقل. تُنسب إليه الأسماء الإلهية، والصفات، والأعمال، والجدارة بالعبادة.

يشير مصطلح “الآب” إلى علاقة جوهرية وأزلية تخص الأقنوم الأول في الثالوث؛ فالله في ذاته، وبغض النظر عن أي علاقة بالخليقة، هو آب: آب الابن. ولو كان الله أبًا بالدرجة الأولى بسبب علاقته بالبشر والملائكة، وليس بسبب علاقته بالأقنوم الثاني في اللاهوت، لكانت أبويته تبدأ في الزمن، وقد تنتهي فيه أيضًا. فإن وُجد وقت لم يكن فيه الله آبًا للابن، فقد يوجد وقت يكف فيه عن أن يكون آبًا. يقول كيرلس الأورشليمي في (Catecheses 11.8):

“إنه لأعظم تجديف أن يُقال إن الله صار أبًا بعد مشورة أُجريت في الزمن، لأن الله لم يكن أولًا بلا ابن ثم صار في الزمن أبًا”.

لا ينبغي الخلط بين الأبوة الأقنومية أو الثالوثية لله الآب من جهة علاقته بالابن، وبين الأبوة العناوية[16] لله الثالوث من جهة علاقته بالخليقة. فواحد فقط من الأقانيم الإلهية هو الآب الثالوثي؛ أما الأقانيم الثلاثة في جوهر واحد، فهي التي تُكوِّن الأب العناوي والعام. الله المثلث الأقانيم هو عمومًا أب البشر والملائكة من جهة الخلق، وبشكل خاص أب المختارين من جهة الفداء. ومن ثم، فإن مصطلح “الآب” عندما يُطلق على الله يحمل دلالتين: فقد يشير إلى الجوهر الإلهي في أنماطه الثلاثة، أو في نمط واحد فقط. والعبارة الأولى في الصلاة الربانية تمثل المثال الأول؛ فعندما يقول الناس “أبانا الذي في السماوات”، فهم لا يخاطبون الأقنوم الأول في اللاهوت الإلهي بمعزل عن الثاني والثالث، بل يخاطبون الله المُعلن، لا الله غير الثالوثي في الديانات الوثنية، بل الله الثالوثي، الذي هو أب عناوي لجميع البشر، وأب فدائي للمؤمنين.

وإذا قصد الإنسان عمدًا وبوعي في صلاته أن يستثني من عبادته الابن والروح القدس، فإن طلبته لا تُقبل: “الَّذِي لَا يُكْرِمُ الِابْنَ لَا يُكْرِمُ الْآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ” (يوحنا ٥: ٢٣). وقد لا يكون لدى الإنسان في ذهنه تمييز واضح ورسمي للأقانيم الثلاثة عند نطق هذه الطلبة، وفي هذه الحالة لا يستثني عمدًا أي أقنوم أو أقانيم؛ ومع ذلك، فإن الطلبة تصعد إلى الثالوث الإلهي، لا إلى أقنوم واحد على نحو حصري؛ والإجابة تعود إليه من الله الثالوث، لا من أقنوم منفرد على نحو حصري.

يقول Witsius Lord’s Prayer, diss. 7:

إنه تعليم يتمسك به جميع اللاهوتيين بثبات، أن الآب لا يمكن أن يُدعى بطريقة صحيحة دون أن يُدعى في الوقت نفسه الابن والروح القدس، لأنهم واحد في الطبيعة والمجد. ولا يمكن، في اعتقادي، إنكار أنه إذا صرفنا النظر عن تمييز الأقانيم ونظرنا فقط إلى ما هو مشترك بين الأقانيم الثلاثة في اللاهوت، فإن الله يمكن أن يُدعى أبانا. ومع ذلك، أوافق بكل سرور أولئك المفسرين الذين يرون أن آب ربنا يسوع المسيح هو المخاطَب على وجه الخصوص في الطلبة الأولى.

يقول أوغسطينوس (On the Trinity 5.2): “ما هو مكتوب: ‘اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ’ لا ينبغي أن يُفهم كما لو أن الابن مُستَثنَى أو الروح القدس مُستَثنَى. هذا الرب الواحد، إلهنا، ندعوه بحق أيضًا أبانا” (انظر supplement 3.4.10).

مصطلح “الآب” يشير إلى الثالوث في يوحنا ٤: ٢١، ٢٣–٢٤:

“وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الْآنَ، حِينَ لَا فِي هَذَا الْجَبَلِ، وَلَا فِي أُورُشَلِيمَ، تَسْجُدُونَ لِلْآبِ… وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الْآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلْآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لِأَنَّ الْآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلَاءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اللهُ رُوحٌ، وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا”.

هنا، مصطلح “الآب” مرادف لـ”الله” الذي هو “رُوحٌ”، وهو موضوع العبادة الحقيقي. ولكن المسيح، عند ذكره لموضوع العبادة، كان يقصد إله الإعلان، لا إله الديانة الوثنية -إله ثالوثي كما هو في الكتاب، لا إله فردي- نفس الإله الذي أمر جميع الناس أن يؤمنوا ويتعمدوا باسمه الثالوثي وكيانه الثالوثي. فكرة المسيح عن الله كأب كوني كانت ثالوثية. ففي الحدس واللاهوت، الآب والابن والروح القدس هم إله واحد، والأب السماوي للملائكة والبشر.

اللقب “الآب”، الذي يصف العلاقة بين الله ومخلوقاته، ينطبق على كل واحد من الأقانيم الإلهية، كما ينطبق على الأقانيم الثلاثة، إله واحد. فالعلاقة “الأبوية” بالخليقة هي علاقة حقيقية لكل من الابن والروح القدس كما هي للآب من جهة الطبيعة الإلهية؛ إذ إن هؤلاء الأقانيم هم، كلٌّ على حدة وبالاتحاد، آب للكون؛ آب في الخلق، وفي التدبير، وفي الحماية. ويُنبأ عن الابن بصفته المسيّا في لطفه الحامي ورحمته بأنه “أَبٌ لِلْيَتَامَى” (مزمور  ٦٨: ٥-٦؛ إشعياء  ٩: ٦). (Kidd, Eternal Sonship, chap. 13)

يُمكن للمؤمن بالثالوث، عند استخدامه للطلبة الأولى في الصلاة الربانية، أن يكون في ذهنه الأقنوم الأول على وجه الخصوص ويُخاطبه؛ لكن هذا لا يجعل صلاته غير ثالوثية. فهو يُخاطب هذا الأقنوم بصفته ممثلًا للثالوث. وينطبق الأمر نفسه كلما خاطب الابن أو الروح القدس على وجه التحديد. فإذا خاطب الله الابن، فإن الله الابن يتضمّن الله الآب. كل أقنوم إلهي يُفترض ويُشير إلى الآخرين. كل أقنوم يُمثّل الآخرين. وبالتالي، فإن الصلاة إلى أي واحد من الأقانيم الإلهية الثلاثة هي، ضمنًا وفعليًّا، صلاة إلى الثلاثة جميعًا. لا يمكن لإنسان أن يُكرم الابن دون أن يُكرم الآب أيضًا. يقول المسيح: “الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْآبَ” (يوحنا ١٤: ٩). وبالمثل، من يُصلّي إلى الابن يُصلّي إلى الآب أيضًا.

لن يتشتّت ذهن المُتعبّد بسبب اعتبار وجود ثلاثة أقانيم إلهية، إذا تذكّر أن الجوهر الإلهي الكامل موجود في كل واحد من الأقانيم، بحيث إن عبدَ واحدًا منهم فقد عبد الجميع. ومع غريغوريوس النزينزي، يمكنه أن يقول: “لا أستطيع أن أفكّر في الكائن الأسمى الواحد دون أن أُحاط بمجد الأقانيم الثلاثة؛ ولا أستطيع أن أُميّز الأقانيم الثلاثة دون أن أعود إلى وحدة الجوهر”.

ويقول أمبرسيوس:

“من يذكر اسم واحد من الأقانيم فقد ذكر الثالوث، فإذا ذكرت اسم المسيح فأنت ضمنًا تُشير إلى الله الآب الذي به الابن قد مُسح، والابن نفسه الذي مُسح، والروح القدس الذي تمت به المسحة… وإذا تكلمت عن الروح فأنت تذكر الله الآب الذي منه ينبثق الروح، وتذكر أيضًا الابن لإنه روح الابن”.[17]

الأُبوّة الأقنومية أو الثالوثية لله، تمييزًا عن الأُبوّة العنايتية، مذكورة في يوحنا ١٧: ٥: “وَالْآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الْآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ”. هنا، يُخاطب المسيح الآب وحده، الأقنوم الأول من اللاهوت الإلهي على وجه الحصر. لم يُخاطب الثالوث، لأنه لم يُخاطب نفسه أو الروح القدس. وبخصوص هذه الأُبوّة الثالوثية، يقول الابن “أبي”، لا “أبانا” (١٤: ٢٧؛ ١٥: ١، ٨؛ وغيرها من المواضع).

تُثبت صيغة المعمودية والتسابيح في العهد الجديد بما لا يَدَع مجالًا للشك أن الأُبوّة هي علاقة جوهرية وأزلية في الله. فالطقس الذي يُدخل الإنسان إلى ملكوت الله لا يُجرى بأسماء ثلاثة تُشير فقط إلى مواقف وقتية ومُفتعلة للكائن الأسمى. كما أن البركة الإلهية لا تُستدعى من خلال ثلاثة ألقاب تُعبّر عن هذه المواقف فحسب. فالمعمودية والاستدعاء هما فعلان تعبديان، والعبادة تتعلّق بكينونة الله الجوهرية والأزلية.

عبارة “الله غير المولود” تتضمّن وتُشير إلى عبارة “الله المولود”. وهذه لا تدلّ على أكثر من عبارة “الله الابن”، حيث تحتوي الأخيرة على الاسم، بينما تحتوي الأولى على الصفة. يُعلّق كليمنضس الإسكندري (Miscellaneous Writings 5.12) قائلًا:

“يقول يوحنا الرسول إنّه لم يرَ أحدٌ الله قط. الله الابن الوحيد، الذي هو في حضن الآب، هو خبّر”.

ويقتبس إيريناوس (Against Heresies 4.20.11) هذا النص بنفس الصيغة: “الله الابن الوحيد، الذي هو في حضن الآب، هو خبّر”. هذا الاستخدام الآبائي لعبارة “الإله الوحيد” يدعم بقوة قراءة “monogenēs theos μονόγενης θεός” في يوحنا ١: ١٨، وهي القراءة التي تحظى بدعم المخطوطات א، B، C، L، البشيطة، القبطية، والإثيوبية، والتي يقول عنها Tischendorf (الطبعة الثامنة): “بلا شك [هذه القراءة] تحمل ثقل الشهادات” 134. وقد تبنّى Westcott and Hort هذه القراءة.

خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى

إن خلق العالم هو عمل ثالوثي. ويتضح هذا منذ بداية سفر التكوين، في تكوين ١: ٢، حيث يُقدَّم عمل الروح القدس في الخلق (انظر أيضًا مزمور ١٠٤: ٣٠؛ إشعياء ٤٠: ١٣). ومع ذلك، لا يمكننا أن نقدّر المعنى الكامل لسردية التكوين إلا من خلال الإعلان الذي نسمّيه العهد الجديد. فالعهد الجديد يصرّح بأن الله خلق العالم (أفسس ٣: ٩)، وهنا يشير اسم “الله” بوضوح إلى الآب. لكننا نقرأ أيضًا أن الابن هو الذي خلق العالم (يوحنا ١: ٣؛ كولوسي ١: ١٦). وكما تُعلّمنا الأسفار المقدسة أن الآب والابن والروح اشتركوا في خلق العالم، فإنها أيضًا تصوّرهم وهم يعملون معًا لخلاص العالم، وهو ما يُسمّيه العهد الجديد “إعادة خلق العالم”. فالافتداء يتضمّن خليقة جديدة (غلاطية ٦: ١٥؛ ٢كورنثوس ٥: ١٧)، وسماءً جديدة (٢بطرس ٣: ١٣)، وأرضًا جديدة (رؤيا ٢١: ١)، وعهدًا جديدًا (عبرانيين ٩: ١٥)، وأورشليم جديدة (رؤيا ٢١: ٢). في المسيح، قد صارت كل الأشياء جديدة.

عندما يُوصَف العمل الثالوثي في الفداء بأنه “خليقة جديدة”، فإن ذلك يُشير إلى تكرار وتجديد للعمل الثالوثي في الخلق الأول. بمعنى آخر، إن الله يعمل بطرق متشابهة في الخلق والفداء. ماذا يعني هذا بشكل ملموس؟ تأمّل ما يقوله بولس: لم يُخلَق العالم فقط بواسطة المسيح، بل “له” أو “نحو” المسيح (كولوسي ١: ١٦).[18] ماذا يُشير إليه ذلك؟ إن مفتاح فهم معنى أن الخليقة الأولى كانت “لأجل” المسيح قد يُرى في عقيدة الخليقة الجديدة. ففي عقيدة الفداء، نرى أن الله خلّص عالمًا من البشر وأعطاهم للمسيح (يوحنا ١٧: ٢، ٦، ٩، ١١، ٢٤؛ مزمور ٢: ٨). وكذلك، يخبرنا يسوع أن البشر لا يقدرون أن يأتوا إليه إلا إذا جذبهم الآب (يوحنا ٦: ٤٤، ٤٥، ٦٥).[19]

نؤمن برب واحد يسوع المسيح

كانت ألوهية الله الابن موضوعًا لأحد أعظم الجدالات في الكنيسة الآبائية. لكن العمل الذي أُنجز آنذاك في فحص الأسفار المقدسة لم يكن بحاجة إلى إعادة. فقد آمنت المسيحية، منذ العصر النيقي وما قبله، بالطبيعة الإلهية لابن الله.

التسمية “الابن” المعطاة للشخص الثاني في الثالوث تشير إلى علاقة جوهرية أزلية في الكينونة، لا إلى علاقة مؤقتة مُكتَسَبة في الزمن. وهذا ما يُثبَت من خلال ما يلي:

  1. المصطلح المقابل “الآب” المُطلق على الأقنوم الأول؛ إذ يجب أن تُؤخذ كلا التسميتين بنفس الدلالة. فإن كان أحد الأقنومين أزليًّا، فكذا الآخر؛ وإن كانت إحدى التسميتين تشير إلى علاقة زمنية، فكذا الأخرى. لقد جادل أريوس بأن الله لم يكن دائمًا أبًا، وأن الابن لم يكن دائمًا ابنًا. أما النيقيّون فقد تمسّكوا بعكس ذلك (راجع: Socrates, History 1.6؛ Athanasius, Against the Arians 1.5, 9؛ Gangauf, Augustine’s Doctrine of the Trinity, 311–12).
  2. الأوصاف “أزلي”، و”خاص” (ἴδιος، يُنطق: إيديوس)، و”الوحيد المولود”، التي تُحدّد بنوّة الأقنوم الثاني وتُميّزها عن بنوّة الملائكة والبشر.
  3. من خلال استخدام هذا اللقب في صيغة المعمودية والبركات. فإن ألوهية ابن الله مُثبَتة بغزارة في الأسفار المقدسة. والانطباع العام الذي يُحدثه العهد الجديد يُؤيّد ألوهية المسيح. فإن كان الإنجيليون والرسل قد قصدوا أن يُعلّموا العالم بأن المسيح هو مجرد إنسان أو ملاك مُمجَّد، فإنهم بلا شك قد استخدموا تعبيرات لا تُناسب نقل مثل هذه الحقيقة.

كان المصطلح الحاسم لعلاقة الابن بالآب هو “مساوٍ في الجوهر” أو “واحد في الجوهر” (ὁμοούσιος، يُنطق: هوموأوسيوس). فإن لا شبه الأريوسيين، ولا الأريوسيين، ولا السوسينيين، يُقرّون بأن جوهر الابن هو نفس جوهر الآب بعينه. إنه يُشبهه، لكنه ليس هو. الابن يمتلك لاهوتًا، لا ألوهية، ويُستخدَم مصطلح “اللاهوت” هنا بمعناه الفضفاض، كما حين يتحدث الكُتّاب عن “اللاهوت في الإنسان- التأله” للدلالة على شبهه بالله.

تُثبَت ألوهية الابن من خلال إطلاق اسم “الله” عليه: “كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ” (مزمور ٤٥: ٦، ٨). وقد اقتُبِس هذا النص وتأكد في عبرانيين ١: ٨-٩: “وَأَمَّا عَنِ الِابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ»”. كما ورد: “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ… وَيُدْعَى اسْمُهُ… إِلَهًا قَدِيرًا” (إشعياء ٩: ٦).

وفي إرميا ٢٣: ٥-٦ يُدعى “الغصن” الخارج من داود “الرَّبُّ بِرُّنَا” (يهوه). ويُقال نفس الشيء عن المسيّا في إرميا ٣٣: ١٥-١٧، حيث تُمثّل أورشليم = الكنيسة = المسيح (١كورنثوس ١٢: ١٢؛ غلاطية ٣: ١٦) (Speaker’s Commentary on Jer. 33:16).

وفي إشعياء ٧: ١٤ يُدعى المسيّا “اللهَ مَعَنَا”، وهذه النبوّة كما وردت قد تحققت في ميلاد يسوع المسيح بحسب متى ١: ٢٣.

وفي ملاخي ٣: ١ يُدعى الملاك (ἄγγελον، يُنطق: أنجيلون) الآتي إلى هيكله الخاص (ναὸν ἑαυτοῦ، يُنطق: ناون هياوتو) “السيد” (אֲדוֹן، يُنطق: أدون)، ويُعلّم مرقس ١: ٢ ولوقا ١: ٧٦ أن هذا هو يسوع المسيح. ويُسمّى يوم مجيء هذا الملاك “يَوْمَ الرَّبِّ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ” (يهوه) في ملاخي ٤: ٥.

في العهد الجديد، توجد مقاطع يُطبَّق فيها ما قيل في العهد القديم عن يهوه على يسوع المسيح، في عبرانيين ١: ١٠-١١، يُنسَب إلى المسيح ما نُسِب إلى يهوه في مزمور ١٠٢: ٢٦. وفي يوحنا ١٢: ٤٠-٤١، يُؤكَّد أن كلام إشعياء ٦: ٩-١٠ عن يهوه يُشير إلى يسوع المسيح. وعند مقارنة إشعياء ٤٥: ٢٣ برومية ١٤: ١٠-١١ (Textus Receptus)، يتبيّن أن كرسي دينونة الله هو كرسي دينونة المسيح.[20]

كما تُثبِت مقارنة يوئيل ٢: ٣٢ برومية ١٠: ١٣ أن اسم يهوه هو اسم المسيح. وفي أفسس ٤: ٨–٩، يُعطي المسيح المواهب التي أعطاها يهوه في مزمور ٦٨: ١٨.

يحتوي يوحنا ١: ١ على برهان قاطع على ألوهية ابن الله: “θεὸς ἦν ὁ λόγος” (theos ēn ho logos). إن حذف أداة التعريف مع theos يُحوّل الكلمة إلى معنى مجرد، يُشير إلى النوع “الطبيعة الإلهية ذاتها”.

استخدام الفعل ἦν يُشير إلى كينونة غير مخلوقة، في مقابل الكينونة المخلوقة التي يُعبَّر عنها في الآية ٣ بالفعل ἐγένετο (يُنطق: egeneto). كما أن الوجود الشخصي المتميّز للوغوس يُعبَّر عنه بعبارة πρὸς τὸν θεόν (يُنطق: pros ton theon)، وهي مختلفة تمامًا عن σὺν τῷ θεῷ (يُنطق: syn tō theō). فالأولى، مع حالة النصب، تُشير إلى التعايش إلى جانب آخر؛ أما الثانية، مع حالة الجر، فتُشير إلى اندماج في جوهر واحد، بحيث تُقصي التميّز الشخصي.

وفي العبارة οὗτός ἐστιν ὁ ἀληθινὸς θεός houtos estin ho alēthinos theos في ١يوحنا ٥: ٢٠، فإن οὗτός houtos يُشير بشكل طبيعي إلى Ἰησοῦ Χριστῷ (يُنطق: iēsou christō). فإن “الحياة الأبدية” لا تُنسَب أبدًا إلى الآب في كتابات يوحنا، لكنها تُنسَب كثيرًا إلى الابن (راجع: يوحنا ١: ٤؛ ١١: ٢٥؛ ١٤: ٦؛ ١يوحنا ١: ٢؛ ٥: ١١-١٢).

يُدعى المسيح θεός theos في رومية ٩: ٥. إن تحويل هذا النص إلى تمجيد، من خلال علامات الترقيم، كما فعل بعض المحرّرين المعاصرين للنص، خلافًا للفهم شبه الإجماعي للكنيسة القديمة والوسطى والحديثة، يُعدّ مثالًا صارخًا لمحاولة مواءمة الكتاب المقدس مع النظرة الأريوسية لشخص المسيح. فالمسيح هو المرجع الواضح للنص، إذ لم يُذكر أي شخص آخر في الآيات السابقة؛ وὁ ὢν ho ōn هو جملة وصفية، لا تبدأ فكرة جديدة بل تُكمل ما سبق؛ وكلمات τὸ κατὰ σάρκα to kata sarka، التي تشير إلى الطبيعة البشرية للمسيح، تتطلّب مقابلةً تشير إلى الطبيعة الإلهية، كما في رومية ١: ٣.

ويُدعى المسيح θεός theos  في تيطس ٢: ١٣: “مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (الترجمة المُنقَّحة). إن كون θεοῦ theou وσωτῆρος sōtēros يُشيران إلى نفس الشخص يُثبَت بالآتي: (أ) إن ἐπιφάνεια epiphaneian لا تُستخدم أبدًا عن الآب، و”ظهور” المسيح هو الأمر المنتظَر؛ (ب) العبارة التالية تتحدث عن “الله العظيم والمخلّص” بأنه “بَذَلَ نَفْسَهُ”؛ و(ج) إن استخدام μεγάλου megalou يبدو غير ضروري إن أُطلِق على الآب، إذ لا أحد يُشكّك في ملاءمة هذا اللقب للأقنوم الأول.

إن هتاف توما في يوحنا ٢٠: ٢٨ ὁ κύριός μου καὶ ὁ θεός μου ho kyrios mou kai ho theos mou يُثبِت ألوهية المسيح. فقد وُجِّه هذا القول إلى المسيح: εἶπεν αὐτῷ  eipen autō. واستخدام أداة التعريف ὁ ho بدلًا من أداة التعجّب ὦ ō يُظهِر أنه ليس تعبيرًا عن الدهشة.

“كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ الْخَاصِّ” (أعمال ٢٠: ٢٨). القراءة θεοῦ theou وردت في B، א، Peshitta، وVulgate، وتبنّاها Textus Receptus، Mill، Knapp، Scholz، Alford، وHort؛ أما القراءة κυρίου kyriou فوردت في A، C، وD، وتبنّاها Griesbach، Wettstein، Lachmann، وTischendorf.

وفي ١تيموثاوس ٣: ١٦ “وَبِالِاتِّفَاقِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ”، القراءة θεός theos مدعومة من D3، K، L، ومعظم المخطوطات الصغرى، وTextus Receptus، وMill، وScholz؛ أما القراءة ὅς hos فمدعومة من א، A، C´، Coptic، Sahidic، Gothic، Lachmann، Tischendorf، Tregelles، Alford، وHort، وتشير بلا جدال إلى المسيح؛ كما أن الصفات المنسوبة إليه لا تليق بأي مخلوق.

يُثبِت فيلبي ٢: ٦ ألوهية المسيح. فلا يمكن للمسيح أن يكون في “صُورَةِ اللهِ” دون أن يمتلك طبيعة الله؛ كما أن “صُورَةَ عَبْدٍ” تُشير إلى طبيعة العبد. وكان في صورة الله قبل أن يكون في صورة عبد. ولم يكن “اخْتِلَاسًا” (ἁρπαγμὸν، يُنطق: harpagmon أن يُعادل المسيح نفسه بالله.[21]

يُطلَق الجمع “آلهة” أحيانًا على المخلوقات: كالملائكة والقضاة؛ لكن المفرد “الله” لا يُطلَق إلا على الله ذاته. واستخدام المفرد عن المسيح يُثبِت ألوهيته.[22]

ابن الله الوحيد

اصطلاح “ابن الله” كما يُستخدم بمعنى مجازي، إذا كان، يمكن لله أن يتخذ تجاه مخلوقاته العاقلة علاقة الأبوة، فإن هذه المخلوقات يجب أن تكون قادرة على أن تصير، بمعنى ما، أبناء أو أولادًا لله.”

وإذا أخذنا الاصطلاح بمعناه الأسمى، فإن الإنسان لا يصير ابنًا لله إلا في النظام الفائق للطبيعة، بالنعمة ومن خلال عقيدة التبرير. قارن: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ” (متى ٥: ٩). ولكن، كما تُشير بوضوح الأسفار المقدسة، فإن بنوّة المخلوق الفائقة للطبيعة ليست بنوّة بالمعنى الحرفي للكلمة؛ بل هي مؤسسة على التبنّي الذي للابن الوحيد.[23]

ومع أن هذه تتمايز بوضوح عن البنوة الطبيعية؛ إذ إن الكتاب المقدس يُرجعها إلى كون المخلوق “مولودًا من الله”،[24] بل ويُسميها مشاركة في الطبيعة الإلهية،[25] إلا أنه يجب التنبيه إلى أن المفهومين الأخيرين لا يفقدان طبيعتهما العرضية والتشابهية، لأنهما مشروطان بالنعمة المُقدِّسة، التي تُعد الأثر الصوري الرئيسي للبنوّة بالتبنّي.”[26]

السؤال المهم الذي ينبغي علينا أن نُجيب عنه هنا هو ما إذا كان اصطلاح “ابن الله” يُطلق على المسيح كمصطلح مشابه لبنوتنا لله فقط. ففي هذه الحالة، ورغم أنه سيفوق باقي أبناء الله بالتبنّي، إلا أن يسوع لن يكون أكثر من “الأول بين متساوين primus inter pares”. إن تفوّقه على جميع البشر يظهر بوضوح من حقيقة أنه وحده يُدعى في الكتاب المقدس: “ὁ υἱὸς τοῦ Θεοῦ”- الابن الله.

في بعض النصوص يُشار إلى مخلوقات فقط على أنهم “أبناء الله”، ولكن في جميع هذه النصوص، يكون الموضوع إما بصيغة الجمع،[27] أو تعبيرًا جماعيًّا،[28] أو مفردًا غير محدد يُقصد به الجمع.[29]

والنص الوحيد الذي يبدو وكأنه استثناء هو (٢صموئيل ٧: ١٤): “أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا”، ولكن بولس الرسول يفسّر هذا النص صراحةً على أنه يُشير بشكل رمزي إلى المسيح: “لِمَنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ قَطُّ: … أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا؟” (عبرانيين ١: ٥).

في ضوء هذه النصوص، لا يمكن لأحد أن يُنكر أن المسيح هو ابن الله بمعنى أسمى من أي ملاك أو إنسان. ولكن يبقى هناك شك فيما إذا كان اصطلاح “ابن الله” يُطلق عليه كاسم علم، أم كمُسمّى فقط؛ أي هل هو ابن الله بالمعنى الحرفي، أم بالمعنى المجازي، أي بالتبنّي.”

مع أن اليهود كانوا يعرفون أن للمسيا صفات إلهية، وردت في الكثير من كتبهم خارج العهد القديم مثل التلمود،[30] إلا أنهم لم يعتادوا أن يصفوه من تلقاء أنفسهم بـ”الله” أو “ابن الله”. بل كانوا يدعونه إما “ابن داود”،[31] أو “ملك إسرائيل”،[32] أو “النبي”،[33] أو “المسيّا”، أي “المسيح” (مَشِّيَح מַשִׁיהַ = خْريستوس χριστός).

ومع ذلك، فقد استنتجوا منطقيًّا من إشارات المسيح المتكررة إلى نفسه كابن الله، أنه يدّعي المساواة في الجوهر مع اللاهوت، أي الألوهية الحقيقية.[34]

وبالمثل، فإن الأناجيل الإزائية، من خلال تضمينها أقوالًا لا يمكن أن تنطبق إلا على ابن الله بالمعنى الحرفي الأدق، أو من خلال اقتران إعلان الإيمان بـ”الابن الحقيقي لله”، تُظهر بوضوح أنها تقصد تطبيق هذا الاسم على يسوع بمعناه الحقيقي، لا المجازي.

فعند معموديته في الأردن،[35] “وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ”. والنص اليوناني يقول: Οὗτός ἐστιν ὁ υἱός μου ὁ ἀγαπητός، حيث يُكرَّر أداة التعريف لتأكيد الدور الفريد للابن.

وعند إعلان بطرس إيمانه ببنوّة يسوع الإلهية. متى ١٦: ١٥: “فَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الْحَيِّ” (σὺ εἶ ὁ Χριστός, ὁ υἱὸς τοῦ Θεοῦ τοῦ ζῶντος).

وكما هو حال باقي الرسل، كان بطرس قد آمن منذ زمن برسالة المسيّا وكرامته؛ لذا فإن إعلان إيمانه كما ورد في متى ١٦: ١٦ لا يمكن أن يعني إلا: “أنتَ لست فقط المسيح، أي المسيّا، بل أيضًا ابن الله الحقيقي”.

ويؤكد هذا الفهم جواب مُخلّصنا: “طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنُ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”. أي أن معرفة بطرس وإعلانه الإيماني ببنوّة المسيح الإلهية كانا نتيجة إعلان مباشر ونعمة الإيمان.[36]

وعندما رأى التلاميذ “فِي وَسَطِ الْبَحْرِ” يسوع يمدّ يده لينقذ بطرس، الذي جازف وسار على الأمواج الهائجة بأمر سيده، غمرتهم هذه المعجزة المجيدة وسجدوا له قائلين: “بِالْحَقِّ أَنْتَ ابْنُ اللهِ”.[37]

هذا البرهان تؤكده شهادة المسيح نفسه. فالأناجيل الإزائية تُخبرنا بوضوح، كما يفعل يوحنا وبولس، أن المسيح لم يكتف بإعلان بنوّته الإلهية في كل زمان ومكان، بل ختمها أخيرًا بدمه.

وليس من المبالغة القول إن المسيح قد بذل حياته من أجل حقيقة تأكيده الجليل بأنه هو حقًّا وبالصدق “ابن الله الوحيد”.

نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق

تعبير “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي يُعد من أكثر العبارات كثافة لاهوتية، وقد علّق عليه الآباء بعمق في سياق الرد على الأريوسية وتأكيد ألوهية الابن.

العبارة اليونانية الأصلية هي “Θεὸν ἐκ Θεοῦ” (ثيؤن إك ثيؤو)، وتُترجم عادة إلى “إله من إله” أو “الله من الله”. وهي تأتي ضمن سلسلة من العبارات في قانون الإيمان النيقاوي التي تهدف إلى تأكيد أن الابن:

– مولود من الآب، لا مخلوقًا.

– من نفس الجوهر (ὁμοούσιον) مع الآب.

هذه العبارات مجتمعة تهدف إلى نفي تعليم أريوس الذي قال إن الابن مخلوق، وبالتالي ليس إلهًا بالمعنى الكامل.

يكتب إيرينيئوس قبل وجود هذا القانون بحوالي 120 سنة:

إذًا، فالآب هو رب، والابن هو رب، والآب هو إله، والابن هو إله؛ لأن “ما وُلِد من الله هو إله”. وهكذا، في الجوهر وقوة الكينونة، يُعلَن إله واحد؛ ولكن بحسب تدبير فدائنا، يوجد الآب والابن. ولأن الآب، خالق الكل، غير منظور ولا يُدنى منه بالنسبة للمخلوقات، فإن الذين يقتربون إلى الله يجب أن يكون لهم مدخل إلى الآب من خلال الابن.

ويُعبّر داود عن هذا الأمر بوضوح أكثر، إذ يقول عن الآب والابن: “كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ هُوَ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الْإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلٰهُكَ بِزَيْتِ الِابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ.” فالابن، بكونه إلهًا، ينال من الآب، أي من الله، كُرسي المملكة الأبدية، وزيت المسحة فوق رفقائه. وزيت المسحة هو الروح، الذي به مُسِح؛ ورفقاؤه هم الأنبياء والرجال الأبرار والرسل، وكل من نال شركة ملكوته، أي تلاميذه.[38]

ويقول القديس أمبروسيوس:

“كل ما للآب هو للابن.. نحن نميز الآب عن الابن في اختلاف الأقانيم لكنهما واحد في القدرة، الواحد في الآخر… مجد الآب لا يضمحل في الابن، وجمال الابن أن يرى فيه كمال الآب، إنهما واحد في القدرة”.[39]

ويكتب كيرلس السكندري:

“ليشرحوا لنا كيف يكون ابن داود ربه، ليس لربوبيه بشرية بل لاهوتية. فإن جلوسه عن يمين الآب هو تأكيد وعربون المجد الأسمى. فإذ لهما عرش واحد لهما كرامة واحدة، والمتوجان بكرامة واحدة لهما طبيعة واحدة”.[40]

نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي

يُرى الروح القدس وعمله في الكتاب المقدس منذ البداية. فالعهد القديم يُخبر عن عمل الروح القدس في الحركة، بدءًا من الخلق. إن روح الرب هو قوة الرب العظيمة، يعمل بطرق متعددة على الأشياء والأشخاص، ليُعلن ويُتمّم مشيئة الله.

ومع ذلك، فإن يسوع علّم كثيرًا عن الجوانب الشخصية للروح القدس، وهي أمور لم تكن واضحة في العهد القديم.

وبعد يوم الخمسين، صار فهم الكنيسة أكثر وضوحًا بأن الله هو روح، وأن الروح الذي يسكن في جميع المؤمنين هو الله ذاته. ليس هذا فقط، بل إن الروح يُشار إليه دائمًا بصيغة شخصية، لا كشيء أو موضوع مجرد. فالضمير الشخصي “هو” يُستخدم للإشارة إليه، وتنسب إليه أعمال شخصية من اختيار وقصد (أعمال ١٣: ٢-٤؛ ١٥: ٢٨؛ رومية ٨: ٢٦؛ كورنثوس الأولى ١٢: ١١)[41].[42]

[1] السابيلية (Sabellianism): المؤسس: سابيليوس (Sabellius، القرن 3م). الفكرة الرئيسية: رفض الثالوث الأقدس بمعنى “أقانيم متميزة”، واعتبر أن الآب والابن والروح القدس هم أسماء أو أدوار مختلفة للإله الواحد (مثل ممثل يلعب أدوارًا متعددة). أي أن الله يظهر كـ”آب” في الخلق، و”ابن” في التجسد، و”روح قدس” في التنزيل. الرد عليها: أدانها المجمع المسيحي (مثل مجمع نيقية 325م) لأنها تنكر العلاقة الأزلية بين الأقانيم.

[2] الأريوسية (Arianism): المؤسس: أريوس (Arius، 256–336م). الفكرة الرئيسية: أن الابن (المسيح) مخلوق من العدم بإرادة الآب، وليس مساويًا له في الجوهر (“كان هناك وقت لم يكن الابن موجودًا فيه”). الروح القدس منفصلٌ أيضًا وأدنى من الآب. الرد عليها: أدانها مجمع نيقية (325م) وأكدت العقيدة المسيحية أن الابن “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος).

[3] السوسينية (Socinianism): المؤسس: فاوستوس سوسيني (Faustus Socinus، 1539–1604). الفكرة الرئيسية: رفضت ألوهية المسيح، واعتبرته مجرد إنسان مُعلَّم من الله (نفي الثالوث والتجسد الإلهي). رفضت فكرة الكفارة بالدم، ورأت أن خلاص الإنسان يكون بالاقتداء بأخلاق المسيح. الرد عليها: اعتبرتها الكنائس المسيحية (الكاثوليكية والبروتستانتية) هرطقة لأنها تناقض عقيدة الفداء والتجسد.

[4] Westminster Confession 2.3

[5] William Greenough Thayer Shedd and Alan W. Gomes, Dogmatic Theology, 3rd ed. (Phillipsburg, N.J.: P & R Pub., 2003). 220.

[6] (مزمور 19: 1) «السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ». (إشعياء 45: 18) «لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللهُ، مُصَوِّرُ الْأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ أَكْمَلَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلًا. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا».

[7] Cum dico unum, non me trinitatis turbat numerus, qui essentiam non multiplicat, non variat, nec partitur. Rursum, cum dico tria, non me arguit intuitus unitatis, quae illa quaecumque tria, seu illos tres, nec in confusionem cogit, nec in singularitatem redegit.

[8] Bernard, On Consideration 5.8

[9] سينيسيوس القيرواني (370- 413 م) Synesius of Cyrene، أسقف مدينة بتولمايس (في ليبيا الحالية)، وهو تلميذ هيباتيا الفيلسوفة السكندرية الشهيرة، أسقف ولاهوتي وشاعر مسيحي. ويأتي هذا النص من الترنيمة الثالثة له.

[10] Hymnō se monas, hymno se trias (ὑμνῶ σε μονάς, ὑμνῶ σε τριάς)

monas ei trias ōn, trias ei monas ōn (μονάς εἶ τριάς ὤν, τριάς εἶ μονάς ὤν).

[11] الـ Tetractys (التتراكتيس): الرمز السري والعلمي عند الفيثاغوريين (باليونانية: Τετρακτύς، وتعني “الرباعية” أو “المجموعة الرباعية”) هو *رمز عددي مقدس* في الفلسفة الفيثاغورية، يتكون من *10 نقاط* مرتبة في 4 صفوف هرمية (1 + 2 + 3 + 4 = 10). اعتبره الفيثاغوريون *أساس الخلق والكون*، وارتبط بعدة مفاهيم. منها:

الميتافيزيقا: 

  – الصف الأول (1): الوحدة الإلهية (الموناد). 

  – الصف الثاني (2): الثنائية (المادة والروح). 

  – الصف الثالث (3): الثالوث (السماء، الأرض، العالم السفلي). 

  – الصف الرابع (4): العناصر الأربعة (نار، هواء، ماء، تراب).

وكان الفيثاغوريون يقسمون بـ *التتراكتيس* كرمز للقسم المقدس، ويقولون: “باسم الذي منح روحنا التتراكتيس، المصدر الجوهري للطبيعة الأبدية!” ولا يُخلط بينه وبين تتراغراماتون (YHWH) في اليهودية، رغم اشتراكهما في فكرة “الرباعية”. 

[12] Works 5.18–19, 404

[13] Singularitas ad personam pertinet, unitas ad naturam.

[14] William Greenough Thayer Shedd and Alan W. Gomes, Dogmatic Theology, 3rd ed. (Phillipsburg, N.J.: P & R Pub., 2003). 220

[15] أنصح بقراءة الفصل 18 بالكامل من كتاب الروح القدس للقديس باسيليوس الكبير لفهم هذا الأمر بتعمق.

[16] الخاصة بالعناية الإلهية.

[17] NPNF, second series, vol. x., p. 99.

[18] يرجى ملاحظة أنني أتناول هنا منظورًا واحدًا فقط من المنظورات الثالوثية حول الخلق. يبدو لي أنه المنظور الأوضح والأغنى، لكن توجد مناظير أخرى. فعلى سبيل المثال، يكرر الكتاب المقدس القول بأن الله خلق العالم بواسطة المسيح. هذا التصريح لا يُشرح بتفصيل، لكن حقيقة أن الابن يُدعى “كلمة الله”، وأن خلق العالم يُنسب إلى “الكلمة”، تُشير إلى أنه يمكننا أن نعتبر الآب هو الذي ينطق بالكلمة، والابن هو الكلمة المنطوقة، والروح هو نَفَس الله الذي يحمل الكلمة إلى وجهتها. لدينا أيضًا أمثلة متكررة تُظهر الآب بوصفه المُخطِّط، والابن بوصفه المُنفِّذ، والروح بوصفه المُطبِّق. هذه الأوصاف الثالوثية وغيرها لها علاقة بالخليقة والفداء.

James Jordan يقترح جوانب ثالوثية أخرى للخلق في كتابه “Creation in Six Days: A Defense of the Traditional Reading of Genesis One” (Moscow, Idaho: Canon Press, 1999).

[19] Ralph A. Smith, Trinity and Reality: An Introduction to the Christian Faith (Moscow, ID: Canon Press, 2004). 56.

[20] يقرأ Lachmann، Tischendorf، Hort، Peshitta، Vulgate، א، A، B، C، وD الكلمة “theou”156 في رومية ١٤: ١٠

[21] أما التفسير المقترَح “شيء يُتمسَّك به” فكان يتطلّب استخدام ἅρπαγμα harpagma.

[22] William Greenough Thayer Shedd and Alan W. Gomes, Dogmatic Theology, 3rd ed. (Phillipsburg, N.J.: P & R Pub., 2003). 257.

[23] Adoptio filiorum, υἱοθεσία. On supernatural adoption, see Sollier in the Catholic Encyclopedia, I, 148 sqq.

[24] Regeneratio, Gr. παλιγγενεσία. Cfr. J. Pohle, s. v. “Wiedergeburt,” in Herder’s Kirchenlexikon, XII, 1468 sqq., Freiburg 1901.

[25] راجع: رسالة بطرس الرسول الثانية 1: 4  “θείας κοινωνοὶ φύσεως

[26] Joseph Pohle and Arthur Preuss, The Divine Trinity: A Dogmatic Treatise, Dogmatic Theology (St. Louis, MO: B. Herder, 1915). 50.

[27] أيوب 1: 6: “بَنِي اللهِ” (بالعبرية: אֱלֹהִים – “إلوهيم”).

رومية 8: 15: “قَدْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي، الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ

[28] إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. (خر 4: 22).

[29] فَتَكُونَ كَابْنِ الْعَلِيِّ (سي4: 11)

[30] ويُسجِّل التلمود أقوالًا تدل على لاهوت المسيح ومساواته للآب مثل: ”إنّ كلّ الأنبياء تنبأوا عن المسيح فقط“ (Sanhedrin 99a.)،  بل وقالوا: ”إنّ العالم لم يُخلق إلَّا لأجل المسيح“ (Sanhedrin 98b.).

حتّى إنّ اسمه ”يهوه“، الذي هو الاسم الخاص بالله وحده، ففي مدراش تهليم عن المزامير في تفسير (مزمور21: 1)، مكتوب: ”الله يدعو الملك المسيّا باسمه هو. لكنّ ما هو اسمه؟ الإجابة: الرّبّ (يهوه) رجل الحرب“ (خروج 15: 3). (Theodore Laetsch, Bible Commentary: Jeremiah, P 193)  وفي مصدر يهوديّ آخر، ”إيكاراباتي- المراثي في شرح التوراة واللفائف الخمس“، يقول في تعليق على (مراثي 1: 16): ”ما هو اسم المسيّا؟ يقول أبا بن كاهانا: اسمه يهوه كما نقرأ في إرميا (23: 6): ”وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرّبّ (يهوه)“.

[31] متى 9: 27؛ 12: 23؛ 20: 30؛ 21: 9؛ مرقس 11: 10.

[32] متى 27: 42.

[33] يوحنا 1: 21؛ 6: 14؛ 7: 40.

[34] يوحنا 5: 18؛ 10: 33.

[35] متى 3: 13 وما يليه؛ مرقس 1: 9 وما يليه؛ لوقا 3: 21 وما يليه.

[36] Cfr. Schanz, Kommentar über das Evangelium des hl. Matthäus, p. 375, Mainz 1879.

[37] مت14: 33 ἀληθῶς Θεοῦ υἱὸς εἷ

[38] Irenaeus, The Proof of the Apostolic Preaching, paragraph 47

[39] In Luc 20: 41-44.

[40] In Luc. Ser. 137.

[41] أعمال الرسل ١٣: ٢-٤ “وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: افْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا، وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الْأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهٰذَانِ إِذْ أُرْسِلَا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، نَزَلَا إِلَى سِلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ.”

أعمال الرسل ١٥: ٢٨ “لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ لَا يُوضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلٌ أَكْثَرُ غَيْرُ هٰذِهِ الْأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ.”

رومية ٨: ٢٦ “وَكَذٰلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضُعْفَاتِنَا، لِأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلٰكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا.”

كورنثوس الأولى ١٢: ١١ “وَلٰكِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادٍ كَمَا يَشَاءُ.”

[42] Kenneth E. Jones, Theology of Holiness and Love (James L. Fleming, 1995; 2005). 84.”

 

 

إقرار الإيمان في العهد الجديد

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: د. ق. عاطف مهني المعصراني

أستاذ العهد الجديد بكلية اللاهوت الإنجيلية

مقدمة:

تحتفل الكنيسة هذا العام بمرور سبعة عشر قرنًا على واحد من أهم وأقدم إقرارات الإيمان المسكونية المسيحية ألا وهو إقرار الإيمان النيقوي (325م). ويعلم غالبية المسيحيين، ولو معرفة محدودة، أن هناك إقرارات إيمان كنسية مهمة تلت ذلك، مثل إقرار الإيمان النيقوي-القسطنطيني (381م)، وإقرار الإيمان الخلقدوني (451م)، وغير ذلك من إقرارات إيمان كثيرة ظهرت في زمن الإصلاح.

لكن ربما لا يدرك الكثير منا إن إقرارات الإيمان هي أقدم من ذلك بكثير. فالعهد الجديد مليء بعبارات ما هي إلا إقرارات إيمان صريحة صدرت من أفراد أو جماعات من شعب الله وسجلها الوحي المقدس، وقد اعتاد معظمنا أن يتعامل معها كآيات عادية وردت في سياق كتابات العهد الجديد.

في هذه المقالة سيكون تركيزي منصب على إقرارات الإيمان المختلفة التي وردت في العهد الجديد، محاولًا حصر موضوعاتها والسياق التي ظهرت فيه، ولكن لنبدأ أولًا في فهم معنى إقرار الإيمان وأهميته واستخداماته.

 

تعريف إقرار الإيمان

إقرار الإيمان هو اعتراف لفظي لبعض المعتقدات الدينية الأساسية، يصرح به الإنسان علانية، وكأنه يقر باللسان ويعترف في العلن، بما هو خفي من إيمان يسكن قلبه ومعتقد يملأ فكره. ويقابل هذه الكلمة باللغة الإنجليزية الكلمة Creed والمشتقة من الكلمة اللاتيني Creedo ومعناها “أنا أؤمن”. ويقول اللاهوتي Tim Chester في إشارة إلى أهمية إقرارات الإيمان “أنها تلخص من نحن، وتعلّمنا ما هو مهم في إيماننا، وتساعدنا على تجنب الخطأ. لذا يمكن وصفها بأنها مستندات الهوية المسيحية”.[1] ويضيف اللاهوتي A. W. Tozer “يجب أن يكون المسيحي الحقيقي لاهوتيًا يعرف ثروات الحق الإلهي المذخرة في الكتاب المقدس ولا بد أن يعرف ذلك بوضوح كافٍ ليعلنه ويدافع عنه، وما يمكن إعلانه والدفاع عنه هو إقرار إيمان”.[2]

 

استخدامات إقرار الإيمان ومنافعه

ظهرت اقرارات الإيمان في ظروف تاريخية مختلفة، كما سنرى لاحقًا، فهي تُستخدم وتُرَدَد في مناسبات عديدة ولأهداف متنوعة نذكر منها ما يلي:

  • تأكيد الانتماء الديني: يُستخدَم إقرار الإيمان للتأكيد على انتماء فرد إلى جماعة دينية ما، من خلال إقراره واعترافه بمبادئها. فقد كان إقرار الإيمان الرسولي يتلى من المتعمد القادم من خلفية وثنية أمام مجتمع الكنيسة، ليعلن بذلك دخوله في المسيحية. وينطبق الأمر نفسه على ديانات أخرى. فنسمع أن شخصًا تلا الشهادتين، إشارة إلى إقراره باعتناق الإسلام مثلًا.
  • عند ممارسة الفرائض والمراسيم الهامة: في هذه الحالة يكون إقرار الإيمان بمثابة اعتراف بالإيمان وتعهد بالحياة بموجب هذا الإيمان. فبعض الممارسات الدينية كالمعمودية، تقتضي إقرار المتعمد البالغ بالالتزام بالإيمان المسيحي، أو والديه _في حالة معمودية الأطفال_ بالالتزام بتنشئة الطفل في خوف الرب وإنذاره، موفرين له وسائط النعمة المختلفة المعينة على قيادته للخلاص.
  • أثناء المناسبات الدينية الرسمية: في بعض الكنائس، والطوائف المسيحية، يُردّد إقرار الإيمان في الصلوات الجماعية والتجمعات الدينية الكبرى، مثل السنودسات والمجامع الكنسية كإعلان عن إجماع الكنيسة وقادتها حول أساسيات الإيمان.
  • لغرض توحيد الجماعة الدينية: إن ترديد إقرار الإيمان خلال العبادة، يسهم في تقوية وحدة الجماعة المتعبدة، وهي تقر باتحادها حول العقيدة المشتركة التي تتلوها معًا.
  • في الظروف الخاصة: يجوز تريد إقرارات الإيمان عند مواجهة الجماعة محن أو اضطهاد ضد إيمانها، كدليل على التمسك بالعقيدة والدفاع عنها رغم الاضطهاد.
  • مناسبات التوبة والتجديد الروحي: عند الرغبة في تجديد الالتزام الديني أو في الأوقات التي يتطلب فيها إعلان أو تذكير الجماعة بالمعتقدات الأساسية، يليق استدعاء إقرارات الإيمان، وكذلك الأمر في لحظات التوبة الجماعية، ويمكن فعل الأمر نفسه على المستوى الفردي، عند نهاية تأديب كنسي موقع على قيادة مسئولة، لا سيما إذا كان هذا التأديب قد اتخذ في مواجهة خطأ مورس ضد عقيدة الكنيسة.

باختصار، إقرار الإيمان هو صيغة رسمية وعلنية تُعبّر عن الاعتقاد الجازم بعقيدة الجماعة الدينية، وينشأ أو يُردد في المناسبات الدينية والظروف التي تتطلب تأكيد الالتزام بالعقيدة والانتماء للجماعة الملتزمة بهذا الإيمان، كما أن التمسك بإقرارات الإيمان وترديدها في العبادة والمناسبات الهامة، يدعم وحدة الجماعة ويساعدها على ممارسة التوبة الفردية والجماعية وتجديد الفكر والإيمان.

لنتقدم الآن خطوة للأمام لنرى من نصوص الكلمة المقدسة، في العهد الجديد العديد بعض العبارات التي تؤسس لأهمية وجود إقرار إيمان، وكذلك العديد من المقاطع التي كانت بمثابة إقرارات إيمان مبكرة للغاية، صكت في عقل قارئ الكلمة المقدسة المسيحي على مر العصور، أساسيات إيمانية عرفتنا من هو يسوع، وكيف نفهم حياته وأعماله وتعاليمه، وصلبه وقيامته، ومجيئه ثانية.

العهد الجديد يؤسس لأهمية الإقرار العلني بالإيمان:

في رسالته اللاهوتية الهامة لأهل رومية، يعلن الرسول بولس بكل وضوح هذه القاعدة: “لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خَلَصْتَ لأن القلب يؤمن به للبر، والفم يعترف به للخلاص” (رومية 10: 9-10). هنا يضع الرسول قاعدة مهمة، فيها يؤكد أن الخلاص يحتاج لأن يجتمع الإيمان القلبي العميق والاعتراف الشفاهي الصريح معًا “آمنت لذلك تكلمت” (2كو 4:13)، بل ويضع لنا في صياغة مختصرة ومحكمة، مضمون هذا الإيمان ونص هذا الاعتراف، ألا وهو كون يسوع هو رب، وأنه واسطتنا الوحيدة للخلاص، كالوسيلة المقبولة بل المعينة من الله، والدليل على ذلك هو إقامة الآب له من الأموات. وفي رسالته الأولى لكورنثوس يقدم الرسول فكرًا مشابهًا موضحًا فيه إنه لا يتكلم عن اعترافٍ شكلي بربوبية يسوع، أو اعترافٍ خارج من الشفاه فقط، بل عن اعترافٍ هو نتيجة عمل الروح القدس في قلب المعترف: “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (1كو 12 :3).

العهد الجديد يشمل اقرارات إيمان قصيرة حول شخصية المسيح:

خلال خدمة الرب يسوع، هناك العديد من المواقف والأحداث التي شملت مواجهات مع أشخاص وجماعات، وكذلك هناك مواقف وأحداث تم خلالها صنع آيات وعجائب، وقد صاحب ذلك أحيانًا إعلان إيماني يمثل إدراكًا جديدًا وفهمًا عميقًا لجانب من هوية يسوع تراوحت هذه الاعترافات بأنه ابن الله، رب، وإله، والمسيا المنتظر، ملك إسرائيل، مخلص العالم، أب. وفيما يلي بعض النماذج لهذه الاعترافات:

أولًا: الإقرارات الإيمانية الواردة بالأناجيل:

تتميز هذه الإقرارات بكونها جميعًا تقريبًا متمركزة حول شخص السيد المسيح Christo Centric، وأنها قصيرة للغاية، حيث لا يزيد معظمها عن جملة واحدة. فقد نشأت هذه الإقرارات خلال الأحداث التي صاحبت خدمة السيد المسيح كالمواجهات العديدة التي وقعت مع أشخاص وجماعات متنوعة، والآيات والعجائب الكثيرة التي أجراها. وقد انتهت بعض هذه الأحداث بإعلان إيماني يمثل إدراكًا جديدًا واكتشافًا عظيمًا لجانب من هوية يسوع مثل كونه ابن الله، رب، وإله، ومسيا، ملك إسرائيل، ابن داود، مخلص العالم، … الخ. وفيما يلي بعض الأمثل من تلك الإقرارات والاعترافات الإيمانية:

  • بطرس: “أنت المسيح ابن الله الحي” (متى 16:16 مرقس 8: 29؛ لوقا 9: 20)
  • مرثا: “نعم يا سيد، أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الحي الآتي إلى العالم” (يو 11: 27).
  • قائد المئة عند الصليب: “حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (متى 27: 54؛ مرقس 15: 39؛ لوقا 23: 47).
  • نثنائيل: “أجاب نثنائيل وقال له يا معلم، أنت ابن الله؛ أنت ملك إسرائيل” (يو 1: 49).
  • التلاميذ في السفينة: “والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له قائلين ‘بالحقيقة أنت ابن الله‘.” (متى 14: 33).
  • توما: “أجاب توما وقال له ربي وإلهي!” (يوحنا 20: 28).
  • السامريون: “… لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم” (يو 4: 42).
  • اعترافات الشياطين: لعل الأغرب على الإطلاق، هو اعتراف الشياطين وإقرارهم التالي: “… أنا أعرفك، أنت قدوس الله” (مر 1: 24)؛ “إنك أنت ابن الله” (مر 3: 11). وقد ترددت كثيرًا في أن أدرج هذه الاعترافات ضمن الإقرارات الإيمانية، لكن الوحي المقدس نفسه يشير إلى إيمان الشياطين! فالرسول يعقوب، والذي ربما كان معاصرًا للأحداث التي تفوهت الشياطين بعدها بالكلمات السابقة، يقول: “والشياطين يؤمنون ويقشعرون” (يع 2: 19).

ثانيًا: الإقرارات الإيمانية الواردة بأعمال الرسل:

لا تزال هذه الإقرارات تحتفظ بكونها متمركزة حول شخص السيد المسيح Christo Centric، وكذلك بسمة الاختصار والقصر. ولا بد أن ندرك السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الإقرارات، ألا وهو سياق الكرازة والتبشير الذي قام به الرسل وقادة الكنيسة الوليدة. وعليه، فمعظم هذه الإقرارات جاءت إما على لسان الكارز نفسه في سياق بشارته، تعريفًا بيسوع المسيح الذي ينادى به، أو على لسان المستمع، أي المُبشَّر بالكلمة، كإعلان منه لتجاوبه مع الرسالة المكروز بها. وفيما يلي بعض الأمثلة:

  • عظة بطرس يوم الخمسين: “الله جعل يسوع هذا… ربًا ومسيحًا” (أع 2 :36).
  • خطاب بطرس أمام شيوخ إسرائيل: هذَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ وَلَيْس بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ» (أع 4: 11-12).
  • الخصي الحبشي: “فأجاب وقال أنا أومن أن يسوع المسيح هو ابن الله” (أع 8: 37).
  • اقرار اسطفانوس أثناء محاكمته برؤية المسيح الممجد: “هَا أَنَا أَرَى السَّماواتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ” (أع 7 :56).
  • عظة بطرس لبيت كرنيليوس: هذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ مِنَ اللهِ دَيَّانًا لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ. لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا. (أع 10: 42-43).

ثالًثًا: الإقرارات الإيمانية الواردة في رسائل الرسول بولس والرسائل الجامعة:

        نلاحظ هنا اختلاف السياق عن اقرارات الإيمان في حالتي الأناجيل وسفر الأعمال. فهذه الرسائل كتبت لكنائس قد تأسست بالفعل، وأعضائها، أي متلقي الرسائل، هم جماعة مؤمنين نتوقع معرفتهم بأساسيات الإيمان المسيحي، لذلك فما سنراه من آيات يعتبرها العلماء، إقرارات إيمان، قد جاء في سياق تعليمي، تعبدي، ومن المؤكد من تاريخ الكنيسة أن بعضها قد استخدم كترانيم وتسبيحات في العبادة. وسنجد هنا ميل لطول الإقرار بعض الشيء، بالمقارنة لما ورد في الأناجيل وأعمال الرسل. ونجدها أعمق أيضًا لاهوتيًا، حيث لا تكتفي بتقديم تعاريف أو صفات متفرقة عن السيد المسيح. وعلى الرغم من أن تلك الإقرارات لا تزال Christo Centric إلا أنها تتطرق لموضوعات أخرى كماهية الإنجيل، ومضمونه، ومعنى الخلاص، ومكانة الإيمان، وغير ذلك كما سنرى فيما يلي:  

  • إنجيل المسيح وقيمته: “لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ… لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانِ لإِيمَانِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا” (رو 1: 16-17).
  • الإقرار بعمومية الخطية والسقوط وحاجة الجميع للخلاص: “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مُجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي فِي المَسِيحِ يَسُوعَ” (رو 3: 23-24).
  • يسوع المسيح ومعنى موته وقيامته: “يسوع ربنا … الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا” (رومية 4: 25).
  • التبرير وواسطته ونتائجه: “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5: 1).
  • الخلاص بالمسيح كنعمة مقابل أجرة الخطية: لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا (رو6: 23).
  • سقوط الدينونة على من هم في المسيح: إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ (رو 8: 1).
  • الإقرار الشفوي والإيمان القلبي بقيامة المسيح وربوبيته لازمان للخلاص: “الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك… لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت. لأن القلب يؤمن به للبر، والفم يُعترف به للخلاص” (رو 10: 8-10).
  • وحدانية الله وأزلية المسيح (أحد أقدم الصيغ العقائدية المسيحية يجمع بين): “لكن لنا إله واحد، الآب الذي منه كل شيء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به كل شيء ونحن به” (1كو 8: 6 أنظر أيضًا أف 4: 4-6).
  • تاريخية موت المسيح وقيامته وظهوره وتسلمه من جيل لجيل (أحد أقدم الصيغ العقائدية): “فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الْبَدَايَةِ مَا قَبِلْتُهُ أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ…” (1كو 15: 3-5).
  • بركة ثالوثية مختصرة تشير إلى تأثير كل أقنوم في حياة المؤمن أصبح: “نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو 13:13).
  • إقرار إيمان يؤكد أن البنوية لله تتوقف فقط على الإيمان بيسوع المسيح (غالبًا ما كان يتلى قبل المعمودية): “لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع… ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غل 3: 26-28).
  • صيغة إيمانية تنبر على أهمية وحدة الكنيسة بكل أطيافها: “جسد واحد وروح واحد، كما دُعيتم في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة. إله وآب واحد للجميع الذي على الجميع وبالجميع وفي الجميع” (أف 4: 4-6).
  • إقرار إيمان مختصر بنى عليه الإصلاح عقيدة الخلاص بالإيمان: لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم هو عطية الله، ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد. لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها” (أف 2: 8-9).
  • إقرار إيمان يؤكد أزلية المسيح، تجسده وتواضعه، وموته وقيامته، وتمجيده (ويعتقد أنه صار ترنيمة في الكنيسة المبكرة): “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (في 2: 6-11).
  • إقرار إيمان يؤكد على كمال لاهوت المسيح وكونه الخالق والرب والمصالح البشرية مع الآب: “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ. وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ(كو 1: 15-20).
  • إقرار إيمان اسخاتولوجي يعطي رجاءً للكنيسة مؤكدًا على قيامة الراقدين واختطاف الأحياء عند مجيئ المسيخ ثانية: “ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نََفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ (1تس 4: 13-18).

رابعًا: إقرارات إيمان ترد في الرسائل الرعوية معنية بعقيدة التجسد وأزلية الابن ولاهوته:

يطلق العلماء على الرسالتين لتيموثاوس والرسالة إلى تيطس بالرسائل الرعوية نظرًا لما تحتويه من نصائح رسولية إلى التلميذين عن كيفية إدارة الكنيسة ورعايتها. ونظرًا لاعتقادنا أن هذه الرسائل هي آخر ما كتبه الرسول بولس، فقصدت أن استعرض ما بهما من إقرارات إيمانية لوحدهما مراعاة لهذا السياق التاريخي. ويكثر هنا تقديم تلك الإقرارات بالعبارة “صادقة هي الكلمة” أو بكلمة “بالإجماع”، إشارة إلى كون هذه الأقوال قد صارت حقائق لاهوتية راسخة لدى الكنيسة. كما نجد أن الإقرار الواحد يحمل عبارات قصيرة متلاحقة تحمل لا مجرد أوصاف للسيد المسيح بل أيضًا شيئًا عن أعماله لأجلنا، ونتائجها:

  • “صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا. لكِنَّنِي لِهذَا  رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَوَّلاً كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالاً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ (1تي 1: 15-17).
  • “صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: أَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أيْضًا سَيُنْكِرُنَا. إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ” (2تي 2: 11-13).
  • “وَبِالإِجْمَاع عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ (1تي 3: 16).
  • اذكر يسوع المسيح الذي قام من الأموات، من نسل داود” (2تي 2: 8).

خامسًا: إقرارات إيمان ترد في الرسالة إلى العبرانيين:

تعتبر الرسالة للعبرانيين مفصلة مهمة تربط كتابات العهد القديم بالعهد الجديد، موضحة بصورة مذهلة كيف إن يسوع المسيح هو محقق النبوات، ومكمل الإعلانات الإلهية، بل هو ملء وقمة كل نظام يحدد علاقة الله بشعبه، كأنظمة الكهنوت، والذبائح، والهيكل، والناموس، …الخ. وعليه، فهناك العديد من النصوص في هذا السفر هي إقرارات إيمانية بامتياز تعرفنا بصورة عميقة من هو يسوع المسيح الذي نعبده وكيف حقق مشيئة الآب بالتمام، حيث كانت شريعة الله في وسط أحشائه، لهذا فهو يستحق أن نتمسك بالإيمان (الإقرار) به ولا نتراجع عن تبعيته مهما كانت الضيقات والاضطهادات:

  • يسوع المسيح هو بهاء مجد الله وتجسيد/رسم لجوهره وهو قمة إعلانات الله للبشرية: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ (عب 1: 1-4).
  • يسوع المسيح هو رئيس كهنتنا وشفيعنا القادر على لدخول لمحضر الله لأجلنا: “فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات، يسوع ابن الله، فلنتمسك بالإقرار/أي بهذه الحقيقة” (عب 4: 14).
  • استحقاق المسيح، رئيس كهنتنا الأمين، أن نتمسك بالإيمان به: “فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، …لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًا، لأن الذي وعد هو أمين” (عب 10: 19-23).
  • يسوع المسيح هو محور إيماننا ومكمل خلاصنا المصلوب من أجلنا، والجالس في يمين عرش الله: “ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي، فجلس في يمين عرش الله” (عب 12: 2).

سادسًا: إقرارات إيمانية في الرسائل الجامعة (يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا):

يعتقد معظم علماء العهد الجديد إن الرسائل الجامعة قد كتب معظمها في تاريخ متأخر، وفي مناخ كثرت فيه التعاليم المضلة، لا سيما أن المسيحية كانت لا تزال في مهدها والعهد الجديد لم تكن قانونيته قد أقرت بعد، ولم يكن متاحًا لأي جماعة في صورته المتكاملة التي نعرفها الآن. لذلك سنرى نغمة دفاعية وتحذيرية بعض الشيء فيما نعتبره إقرارات إيمان في تلك الرسائل:

  • الإقرار بوحدانية الله وضرورة أن يكون الإيمان عاملًا في المؤمن، مغيرًا له: “أنت تؤمن أن الله واحد. حسنًا تفعل. والشياطين أيضًا يؤمنون ويقشعرون” (يع 2: 19).
  • الإقرار بعمل المسيح الفدائي العظيم، بحسب القصد الإلهي منذ الأزل: “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1بط 1: 18-20).
  • إقرار إيماني مختصر يظهر معنى موت المسيح وآلامه والغرض منها: “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ عَنِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ” (1بط 3: 18).
  • إقرارات إيمان يوحنَّاويَّة جوهرية تفرز المؤمن الحقيقي من المزيف:
    • وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ، إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ. مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا (1يو 2: 3-6).
    • بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ. وَهذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ فِي الْعَالَمِ” (1يو 4: 2-3).
    • “كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ” (1يو 5: 1-2).
    • “من اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله” (1يو 4: 15).

 

سابعًا: إقرارات الإيمان في سفر الرؤيا:

كتب سفر الرؤيا في نهاية القرن الأول الميلادي لكنيسة ترزح تحت اضطهاد شديد، وبدلًا من أن يغلب على السفر ملامح الحزن والقلق والخوف، نجده أكثر الأسفار حملًا لرسائل الفرح، والنصرة والرجاء. لهذا ليس غريبًا أن تأتي إقرارات الإيمان في هذا السفر ممتلئة بالرجاء الإسخاتولوجي، مؤكدة على النصرة النهائية للمسيح وكنيسته. وهي تتميز بالطابع الليتورجي (التعبدي) وبالروح الاحتفالية، مما يعطيها خصوصية ونكهة مميزة بالمقارنة مع إقرارات الإيمان الواردة في الرسائل أو الأناجيل التي تميل أكثر لتأكيد تاريخية عمل المسيح الكفَّاري، شارحة معنى عمله ومغزاه.

وتأخذ إقرارات إيمان سفر الرؤيا في الأغلب شكل هتافات جماعية أو ترانيم مرتبطة برؤية العرش والمجتمع الملائكي، فهي ليست صياغات تعليمية موجزة كما في رسائل بولس.

ونلحظ في تلك الإقرارات تركيزها بشدة على ألقاب المسيح (الحمل، رب الأرباب، ملك الملوك) وعلى لاهوته وملكه النهائي والأبدي. وهي تجمع بين اعتراف لاهوتي بلاهوت المسيح وتسبيح له لما فعله وما يستحقه من العبادة، وتبرز وحدة السماء والأرض في العبادة. وفيما يلي بعض الأمثلة:

  • “… يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (رؤ 1: 5-6).
  • “قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي” (رؤ 4: 8).
  • “مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 5: 9-10).
  • “… وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين: ‘الْخَلاَص لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ‘. وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا ِللهِ قَائِلِينَ: ‘آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ!‘” (رؤ 7: 10-12).
  • “قد صارت ممالك العالم لربنا ولمسيحه فسيملك إلى أبد الآبدين” (رؤ 11: 15).

 

دروس ختامية:

  1. إن إقرارات الإيمان قديمة قدم الإيمان نفسه. فإذا امتلأ القلب بالإيمان فلا معنى لإخفائه أو كِتمانِه في القلب، بل لا بد أن يفيض اللسان بما استقر في القلب فكما هو مكتوب: “من فضلة القلب يتكلم الفم” (مت 12: 34)؛ “فاض قلبي بكلام صالح، … لساني قلم كاتب ماهر” (مز 45: 1).
  2. الإيمان القلبي والإقرار الشفاهي صنوان لا يمكن الاكتفاء بأي منهما. فالإفرار بأقوال لاهوتية عظيمة بالفم دون إيمان حقيقي، هو رياء ونفاق، ليس إلا، بل هو أقرب لإقرار إيمان الشياطين القائلين: “أنت هو المسيح ابن الله الحي”. وفي المقابل، فإن الذين يدعون أن المهم فقط هو إن يكون الإيمان في القلب، محاولين أن يعفوا أنفسهم من تبعات شرف الاعتراف بالإيمان، وتكلفة ذلك أحيانًا، هم أقرب لمن ينكرون سيدهم، راغبين أن يتمتعوا ببركات الإيمان دون الاستعداد لتحمل مسئوليتهم في الحياة به، والدفاع عنه.
  3. إن ممارسة الإقرار بالإيمان للأفراد تحتاج لمساحة أكبر في كنيستنا المشيخية. فنحتاج أن نعِّود الأفراد على أخذ هذه الممارسة بجدية، وذلك في ممارسات مثل الانضمام للعضوية، والرسامات المختلفة، وممارسة المعمودية، والأفراح. وهنا أُفضِّلُ أنا أن يدعى الشخص لقراءة العهد أو إقرار الإيمان بدلًا من أن يتلى عليه ويُكتفَى بالإجابة بنعم. ولا مانع من أن يقوم الراعي بإهداء نص العهد أو إقرار الإيمان مطبوعًا وموقعًا منه نيابة عن الكنيسة، كتذكرة للشخص بأن هذا ما أقره في المناسبة الفلانية أمام الله والناس.
  4. نحتاج أيضًا ككنيسة مشيخية أن نفرد في عبادتنا الجماعية مساحة أكبر لإقرارات الإيمان. فيا ليت إقرار الإيمان يكون له مكان ثابت في عبادة الكنيسة يوم الأحد، أو على الأقل في الآحاد التي يمارس فيها العشاء الرباني، حيث تقف الكنيسة لتتلو معًا إقرار إيمان سواء كان مسكوني كالنيقوي أو القسطنطيني، أو الرسل؛ أو إقرار إيمان من زمن الإصلاح، أو إقرار إيمان معاصر. هذه الممارسة من شأنها أن توحد الكنيسة، وتشجعها في تذكر عقيدتها.
  5. لاحظنا في هذه الدراسة الكتابية التي تأثير الظرف التاريخي الذي نشأ فيه إقرار الإيمان على طوله ومحتواه وغرضه. فإقرارات الإيمان التي تعقب اختبار خاص، رأيناها قصيرة وهي أقرب للإقرار باكتشاف عن هوية السيد المسيح، كونه رب، ابن الله، إله، ملك، مسيا، … ألخ. أما إقرارات ايمان المعمودية، ففيها الإقرار بأساسيات ايمان الجماعة التي سينضم إليها المتعمد، كالإقرار الرسولي الثالوثي. لكن إقرارات إيمان الجماعة أي الكنيسة المتعبدة، فكما رأينا في الرسائل الموجهة لكنائس بولس أو الرسائل الجامعة، أو في سفر الرؤية المكتوب للمؤمنين المضطهدين فيغلب عليه الطابع التعبدي، المليء بالشكر والحمد لله ومسيحه، والذي تستدعي فيه الكنيسة تاريخًا عهديًا، فدائيًا طويلًا يعكس أمانة الله ومراحمه وكمال سلطانه وحكمته، وعظم خلاصه وفدائه.
  6. إن الخبرات الجديدة لشعب الرب، التي تصاحب مناسبات هامة، في حياة الكنيسة عادة ما يصاحبها إقرار جديد ومتجدد، تصيغ فيها الكنيسة خبرتها الجديدة بصورة تعبر عن فهم أعمق لهوية ربها وإلها. وقد ينتج عن ذلك إقرار إيمان جديد يكون بمثابة ترنيمة جديدة للكنيسة. لذلك كان شعب الرب يقيم حجر معونة يذكره بتعاملات الله العجيبة معه. وهنا أذكر الكنيسة بنداء طيب الذكر د. ق. عبد المسيح اسطفانوس بضرورة إعداد إقرار إيمان معاصر للكنيسة المشيخية المصرية.
  7. هنا أود أن أنوه أن إقرارات الإيمان الحديثة لا تلغي الأقدم ولا تحل محلها، بل تبني عليها، مضيفة لها أعماقًا أكثر تليق بخبرات كنيسة حية لإله حي لا يكف عن عمل نعمته في كنيسته ومن خلالها ولأجلها.
  8. هنا يجدر بي أن أفرق بين ما نملكه ككنيسة مما نسميه إقرار الإيمان المكون من 44 مادة، والمأخوذ من إقرار الإيمان الويستمنستري، وهو رائع بكل تأكيد، لكنه هو وما تلاه من نتاج عمل الوالد عبد المسيح اسطفانوس، والذي ندعوه إقرار إيمان 2006، هما الإثنين أقرب لمرجع صغير لأساسيات العقيدة المشيخية في أمور مختلفة. وهما معًا لازمين لتعليم الكنيسة، جماعة وأفراد مبادئ إيمانهم. لكن يصعب بكل تأكيد أن يطلق على أي من الأثنين مصطلح creed بمعناه الذي عرفناه في هذه الدراسة، كصياغة مختصرة لإيمان الكنيسة، يمكن ترديدها علنًا.
  9. هنا أنوه على حاجتنا الماسة لـ creed مختصر يردد في كنائسنا أثناء العبادة، ويوحد كنائسنا المحلية حول أساسيات إيماننا في عبارات وجمل مختصرة ومحكمة تعبر عن فهمنا لأهم العقائد المتعلقة بـالله، المسيح، الروح القدس، الفداء، الكنيسة، العالم، الإرسالية، ملكوت الله، الحياة الأبدية، قيامة الأموات.
  10. أصلي أن يلهب كلامي هذا غيرة كنيستي الرائدة، المتعلمة، بما فيها من آباء شيوخ أتقياء، وشبان لاهوتيين، أن تخرج من كنزها جددًا وعتقاء، وذلك بصياغة إقرار إيمان مختصر، يجمع خبرة كنيستنا عبر أكثر من 160عامًا تشهد عن أمانة الله معنا في قرينتنا المصرية.

[1] Tim Chester, I Believe the Apostles’ Creed, Good Book Guides Series. The Good Book Company, 2007, p. 11.

[2] A. W. Tozer, The Pursuit of God. Wing Spread Publishers, 1948.

الأبعاد السياسية-الاجتماعية لمسيحية قسطنطين الأكبر: خلفيات مجمع نيقية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: ش. د. إيهاب الخراط

مع كل الإضافات التي أضافها تنصُّر قسطنطين الأول وأهمها نهاية الاضطهاد الوثني للمسيحيين. إلا أن التبعات الروحية لمأسسة المسيحية لم تكن كلها إيجابية. ولا ننسى أن السعي لتوحيد وتقنين العقيدة والكنيسة أدى لاضطهاد المسيحيين للمسيحيين. لكن التبعات السياسية الاجتماعية لصعود تأثير أساقفة المسيحية خاصةً أسقف روما (بابا روما فيما بعد)، واعتبار المسيحية أداة مهمة لتوحيد الإمبراطورية كانت كثيرة وفادحة. لقد تحالفت المسيحية مع السلطة السياسية والطبقات الحاكمة، فلم ينتهِ تمامًا دورها التقدمي مع الطبقات الكادحة والمطحونة، لكنه تراجع تراجعًا كبيرًا لصالح دور المؤسسة الدينية المتحالف بطبيعتها مع المؤسسات الحاكمة تأسيسًا لتبادل المنفعة بينهما.

الأب الروحي لرائد حركة الحقوق المدنية في أمريكا د. ق مارتن لوثر هو القس هوارد ثورمان. قال ثورمان: “يسوع أعلن الأخبار السارة أن كلاب المطاردة الثلاثة الخارجة من الجحيم: الخوف والنفاق والكراهية، الكلاب التي تتعقب مسيرة المحرومين في كل جيل، ليس لها سلطان على الذين يقبلون أخباره المفرحة هذه. في مواجهة عدوانية العالم اليوناني- الروماني صار يسوع لنفسه ولشعبه كلمة وعمل الفداء لكل المنبوذين في كل جيل وعصر. المسيحية التي وُلِدت في ذهن هذا المعلم والمفكر اليهودي تتجلى كتكنيك يتيح للمقموعين البقاء والحياة في مواجهة القمع، وهذا التكنيك هو واقع أولي خام. لقد صارت المسيحية في سنوات لاحقة ديانة للسادة ولذوي السلطة، لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نظن أنها كانت كذلك في زمن يسوع أو في حياته: “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ”، ولا يزال المقهورون يستجمعون شجاعة طازجة كلما تجلت هذه الحقيقة الأولية بصورتها الخام أمامهم”.

حقًّا يمكن تلخيص التبعات السياسية الاجتماعية لتنصر قسطنطين في هذه العبارة الخارقة والمأساوية: “صارت المسيحية… ديانة للسادة ولذوي السلطة”.

 

الوظيفة السياسية الاجتماعية الأساسية للدين

يحب معظم المسيحيين أن يعتبروا المسيحية “حياة” أو “علاقة شخصية مع الله”. لكن الواقع أنه إن طبقنا العناصر الأربعة لأي ديانة وجدناها تنطبق على المسيحية المؤسسة كما نعرفها اليوم. الدين أي دين فيه خبرة “روحية” أي اختبار لما هو ماورائي أو إحساس بما هو إلهي. يؤثر على الاختيارات الأخلاقية ويشكِّلها ويضم العقل والإرادة في خبرة واحدة، ثم الدين يضم مجموعة من المبادئ الأخلاقية، وثالثًا يتضمن الدين دائمًا تفسيرًا لنشأة الكون ونهايته وشرح للكيفية التي يدار بها، ورابعًا وأخيرًا يعبِّر الدين عن عنصر تتوحد به وتلتف حوله الجماعات بما يمكنها من العمل المشترك.

يشكل الدين “قصَّة” أو “سردية” تجمع مجموعة من الناس (تضم آلاف أو ملايين البشر أو مئات الملايين أو آلاف الملايين أحيانًا) توحِّدهم قصة واحدة. ومسألة “الوحدة” هذه ضرورية لبقاء الجنس البشري وتطوره. يقول عالم الأنثروبولوجيا الشهير والكاتب ذائع الصيت يوفال نواه هراري إن الميزة الأساسية للبشر ليست مجرد حجم المخ، بل في قدرة هذا المخ على العثور على قصة توحد الجماعة القبيلة ويستطيعون بفضلها أن يتحركوا كجماعة واحدة. من دون هذه “القصة” حول الطوطم أو الوثن البدائي لم يكن من الممكن أن ينجح استخدام البشر أدوات بدائية لصيد حيوانات أكبر منهم كثيرًا، كما حدث مثلًا لتحركهم المتناسق كجماعة واحدة. هذه الجماعات فسرت دهشتها أمام الكون بطواطم (جمع طوطم) وأوثان وآلهة متعددة ونسبوا الألوهية لقوى الطبيعة والحيوانات أو نباتات أو بشر. وغالبًا كانت هذه القصة/ الأسطورة الديانة تضع الجماعة في مكانة خاصة في ثقافة هذه الجماعة، مكانة تتميز بها هذه الجماعة بالذات عن غيرها.

حتى عصر قسطنطين  كانت الديانات الوثنية التي تعطي مكانة خاصة لقيصر أو للإمبراطور (وتؤلهه أحيانًا) قادرة على توحيد الإمبراطورية، لكن بعد الجائحتين الرهيبتين اللتين اجتاحتا الإمبراطورية الرومانية وحصدتا ملايين النفوس، ظهر عجز هذه الديانات في مواجهة الأوبئة والكوارث الطبيعية. المسيحيون وحدهم لإيمانهم بالحياة الأبدية وشدة محبتهم بعضهم لبعض وللوثنيين، قاموا بخدمة المرضى، حتى لو أصيبوا بالمرض وماتوا، في حين كان الوثنيون يهجرون أقاربهم وأسرهم للنجاة بأنفسهم؛ فمات عددٌ من المسحيين لكن نجا من الموت أعداد كبيرة من المرضى بسبب عناية أقاربهم المسيحيين بهم، واكتسب كثير من المسيحيين الذين خدموا غيرهم مناعةً حمتهم من الأوبئة، فتضاعفت أعداد المسيحيين وتقلص عدد الوثنيين بعد أول وباء في القرن الثاني الميلادي، وتكرر هذا بعد ثاني وباء في القرن الثالث. يقدر جون ستارك عالم الاجتماع التاريخي أن عند اعتناق قسطنطين للمسيحية كان عدد المسيحيين يناهز 40% من تعداد الإمبراطورية. وهذه الأقلية الصاعدة حثيثًا نحو أن تكون أغلبية كانت مُفعَمَةً بالحيوية والقوة الروحية والمعنوية وصمدت أمام موجات متتالية من الاضطهاد، بل خرجت أكبر عددًا وأقوى صلابة بعد كل اضطهاد.

أدرك قسطنطين -بصفته سياسيًّا محنكًا- أن مستقبل وتماسك امبراطوريته مرهون بتبنِّي سرديةٍ دينيةٍ أكثر صلابة وحيوية من السردية الوثنية، إضافةً طبعًا لتأثير زوجته وتأثير الحلم -الرؤيا التي اختبرها، لا شك عندي أن الاختيار الأصوب سياسيًّا للإمبراطور كان الانضمام لتيار صاعد بلا هوادة، وواعد، ويبدو أنه كان في كل الأحوال سيشكل الأغلبية بعد فترة تطول أو تقصر. إعلان الإمبراطور والأسرة الحاكمة والحاشية والوزراء وذوي السلطة والمال عمومًا إيمانهم بالمسيحية ومعموديتهم، أدى ولا شك إلى انضمام جموع غفيرة للديانة الصاعدة تقربًا وزلفى للحكام.

لم يضطهد قسطنطين نفسه الوثنيين اضطهادًا منظَّمًا، لكن انتقام “المسيحيين” بعده من مضطهديهم تبدَّى مثلًا في هدم معبد سيرابيس بالإسكندرية وذبح كهنة وثن المدينة عن بكرة أبيهم. في كل الأحوال انضمت جموع للكنيسة، لاعن إيمان يتحدى الصعاب كالقرون الأربعة الأولى، بل لأن هذا صار السبيل الأيسر للتقدم في الحياة العملية في بعض الأحوال وزلفى ونفاقًا للحكام في أحوال أخرى.

مأسسة المسيحية: نعمة أم نقمة؟

لم يعد الأساقفة قادة روحيين واقعين تحت الاضطهاد أو التمييز أو في أفضل الأحوال قادةً لمجموعة غير معترف بها رسميًّا خافتة الصوت، بل صاروا أصدقاء وسند الحكام ومستشاريهم وموضع ثقتهم، بل العامود الفقري لوحدة الإمبراطورية كلها. لذا كان لزامًا أن يدعو قسطنطين لمجمع نيقية لتعزيز وحدة الديانة عقائديًّا ومن ثم توطيد أواصر وحدة سلطته السياسية.

خرج مجمع نيقية بقانون إيمان هو خلاصة روحانية هذا الجيل من الأساقفة الذين لم تفسدهم السلطة بعد، نحت لاهوتي بديع ودقيق. لكن أندرو ميلر مؤرخ طائفة الإخوة  ينتقد ما حدث بعدها، ولا يخلو انتقاده من وجاهة وصدق، يقول إن مسيحية القرون الأربعة الأولى -وآباء ما قبل نيقية- أكثر أصالةً وروحانيةً مما بعد نيقية. وينسب -كما ينسب كثيرون- التدهور الروحي للكنيسة لتدخل قسطنطين السياسي فيها. ولا شك أن انشقاق روما/الإسكندرية في مجمعي أفسس وخلقيدونية كان له أبعاد سياسية، بل هو في ظني شكل من أشكال الرفض الوطني المصري لسلطان روما. باعتبار أن الإسكندرية مع كونها مركز الثقافة والحضارة واللاهوت والقادة الروحيين العظماء، كانت ترزح تحت المستعمر الروماني ثم البيزنطي. لعل الانشقاق كان تعبيرًا عن الاستياء الوطني تجاه المستعمر الأجنبي أكثر من كونه خلافًا عقائديًّا.

ملوك وطغاة مسيحيون وصعود المسيحية بالسيف

الإمبراطور ثيودوسيوس بعد توليه مباشرة في ٣٨٠م أصدر قرارًا بأن على كل رعاياه أن يتبنوا الإيمان الكاثوليكي وكل فريق يخالف هذا يكون مهرطقًا، مطلقًا شرارة الاضطهاد ضد الكنائس الأرثوذكسية. ثم أصدر قرارًا بمصادرة كل أملاك المعابد الوثنية وإلغاء كل امتيازات وحصانات الكهنة الوثنيين ممهدًا لمذابح ضدهم وانتهاء الوثنية بالقوة. وكانت هذه خطوة نحو فرض أباطرة مثل شارلمان الفرنسي للمسيحية بقوة السيف في البلاد الإسكندنافية وبطرس الأول في روسيا وأوكرانيا، وبعدها طبعًا فرض الأسبان والبرتغاليون المسيحية بالقوة على سكان أمريكا الجنوبية واستند البروتستانت في أمريكا الشمالية لوسائل قسرية لتنصير السكان الأصليين هناك. شارلمان هو الذي أضاف لقب “المقدسة” على الإمبراطورية الرومانية الموحدة التي أحياها قسطنطين. وكان رائدًا في الأعمال الوحشية التي فرض بها نفوذ هذه “الإمبراطورية المقدسة” على كل أوروبا، فاتحًا الباب لمزيد من الطغيان السياسي واستبداد طبقة الإكليروس المتحالفين مع الإقطاعيين. كل هذا كان مفتتحه ومطلق شرارته الأولى كان استخدام قسطنطين للمسيحية كأداة توحيد لإمبراطوريته.

التبعات السياسية الاجتماعية

  • إغلاق الكتاب المقدس في سبيل “الوحدة”

هذا السعي المحموم “للوحدة السياسية” -أي سيادة الإمبراطور على أطراف مُلكِه المتسعة- كان لا بدَّ أن يصحبه سعيٌ محمومٌ للقضاء على “الهراطقة”، وتمثَّلت أبشع تداعيات هذا السعي في قرار الكنيسة الكاثوليكية بتحريم قراءة الكتاب المقدس على الشعب من دون إشراف كاهن؛ أي أن الكهنة فقط هم المسموح لهم بقراءة الكتاب وتفسيره.

مصادرة الحرية الدينية بهذا الشكل كان لا بد أن يستتبعها بالضرورة مصادرة الإبداع الفني والأدبي والعلمي وتحجيم الحراك الطبقي: تدهور العلوم والفنون وانتشار الخرافات والشعوذة كان مصحوبًا باستحالة خروج الطبقات الفقيرة من فقرها. كانت جذور هذه المأساة أيضًا في عصر قسطنطين؛ فقد انتصر قسطنطين على خصمه ماكسنتيوس إمبراطور الغرب ليوحد الإمبراطورية الرومانية كلها تحت إمرته، لكن في حركة سياسية ذكية خضع قسطنطين روحيًّا لأسقف روما، التي كانت مقر انطلاق مكسنتيوس خصم قسطنطين المهزوم. ليوحد شعب الإمبراطورية تحت رايةٍ دينيةٍ/سياسيةٍ واحدة. باختصار إغلاق الكتاب المقدس أدى إلى تدهور الحياة الروحية وطغيان الباباوات وفضائح غير مسبوقةٍ بين قيادات الكنيسة وانتهاكٍ فظيعٍ لحقوق الإنسان وتدهورٍ في العلوم والفنون واستبدادٍ سياسيٍّ وقمعٍ غير مسبوق- ما يُسمَّى بعصور الظلام.

ولا يخفى على أحدٍ أن هذا أطلق شرارة إصلاح القرن السادس عشر، ثم شرارة التنوير بعدها، والذي كانت قمته الثورة الفرنسية التي أرست مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة، التي اعتبرت الكرادلة جزءًا من النظام القمعي للإقطاع الفرنسي، وأعدمت كثيرًا منهم كما أعدمت الأرستقراطيين الطغاة.

  • اختلاط المسيحية بالسلطة السياسية من القسطنطينية فصاعدًا

مثال آخر لهذا الخلط أن قياصرة روسيا اعتبروا موسكو “القسطنطينية الثانية” أو “روما الثالثة”؛ أي نصَّبوا أنفسهم حماةً للإيمان المسيحي. وطبعًا لا يزال لقب ملك بريطانيا “المدافع عن الإيمان”، و”رأس الكنيسة”، لكن ثورة كرومويل (المشيخي) على طغيان الملك، حدَّت من السلطة الفعلية للملك وأعطت سلطة أكبر للبرلمان. ما جنَّب بريطانيا ما حدث في الثورة الفرنسية وفي الكنيسة هناك من مواجهة ثورةٍ شعبيةٍ تحت رايات الإلحاد أو العلمانية الراديكالية، وهو ما تكرر في حالة الثورة البلشفية في روسيا على “القسطنطينية الثانية”.

الزواج “غير المقدس” بين الملوك والأباطرة وبين المسيحية كان وبالًا على التقدم السياسي، مثلما كان دائمًا مصدرًا للتدهور الروحي وتوريط الكنيسة في “خطايا” سياسيةٍ فادحة. وجذور كل هذا يسهل تتبعها لفرحة آبائنا المفرطة برضا الامبراطور قسطنطين عنهم وتحالفهم معه. انعقد مجمع نيقية بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأكبر، “لتوحيد” المسيحية بعد أن أعلنها ديانةً رسميةً ثم صارت بعدها “الديانة الرسمية” لإمبراطوريته الرومانية التي صارت بعدها “مقدَّسة”. لعلَّ التبعات اللاهوتية للمجمع كانت إيجابيةً لكن التبعات السياسية الاجتماعية صبَّت في صالح الطغيان السياسي والتدهور.  

الاحتِفالُ بمُرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع "نِيقيَا" المسكونيّ: بضعةُ اعتباراتٍ حول الإيمان باللّوغُس المُتجسِّد والمُتأنِّس الأب ماوْريتسِيو غُرونْكِي

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك

مُقدّمةٌ

مِن المعروف للجميع أنّه في هذا العام الجاري تمرّ الذّكرى الـ1700 على انعِقاد مجمع “نِيقيَا” المسكونيّ (325-2025م)، الّذي شَرَعَ في صياغة ما يُطلَق عليه “قانون الإيمان النِّيقاويّ”؛ وهو بدوره يقبل ويعترف بألوهيّة الرّبّ يسوع المسيح الكاملة والتّامّة، المتحدّة بإنْسانيّته الكاملة والتّامّة. وترمي هذه المقالةُ إلى تقديم –بإيجازٍ شديد– بضعة اعتباراتٍ تاريخيّة-خريسْتولوجيّة-ثالوثيّة، مسكونيّة، رعويّة، عمليّة، حول الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس. وبكلماتٍ أُخرى، تسعى المقالةُ إلى إلقاء الضّوء على مجمعَي “نِيقيَا” و”القسطنطينيّة” المسكونيَّيْن؛ ومِن ثَمَّ، إلى إعادة تشييد بعض المراحل أو الحلقات الّتي سبقت ولحقت مجمع نِيقيَا، وإلى عرض مضمونه الخريسْتولوجيّ-الثّالوثيّ. وعبر هذه المسيرة الموجزة، نهدف إلى إعادة اكتشاف جوهر إيماننا المسيحيّ، حتّى ندرك معًا أنّ ما يوحِّدنا نحن المسيحيّين –على تنوُّع عائلاتنا ومذاهبنا وطوائفنا– هو أكبر بكثيرٍ ممّا يفرِّقنا، أي الإيمان بالله الأحد-الواحد-الثّالوث، وبالأُقنوم الثّاني من الثّالوث القُدوس، اللّوغُس المتجسِّد، يَسُوع المسيح، ابن الله المخلِّص، وبالرُّوح القُدس الرّبّ المُحْيي. وبعرضنا للمراحل السّابقة واللّاحقة لمجمع نِيقيَا، لا ننوي تقديم أركيولوجيا تاريخيّة فحسب، وإنَّما نريد إيضاح –بشكلٍ وجيزٍ– الحيويّة الدّائمة المتعلّقة بالتّساؤل والبحث عن أجوبة بشأن المعاصرة المستمرّة لسِرّ المسيح؛ فهو سِرٌّ قد قُبِل، وحُفِظ عليه، ونُقِل، داخل إطار مجرى النّهر الكنسيّ.

وانطلاقًا ممّا قِيل للتّوّ، قد قسّمنا هذه المقالة إلى المحاور التّالية: 1) الاحتفال بمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ؛ 2) مِن العهد الجديد إلى آباء الكنيسة الأوائل؛ 3) فِكرُ أريوس وعقيدةُ مجمع نِيقيَا؛ 4) أبوليناريوس اللَّاذِقيّ وقضيّة نَفْسِ المسيح؛ 5) اعتبارات خريسْتولوجيّة-ثالوثيّة، مسكونيّة، رعويّة، عمليّة، حول الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس.

 

أوّلًا: الاحتفالُ بمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ

لا يقوم الإيمانُ المسيحيّ على مجرّد فكرةٍ أو نظريّةٍ ما، وإنّما على شخص يَسُوع النَّاصريّ، وعلى ميلاده، وحياته، وعلاقاته، وأقواله، وأعماله، ومَوْته، وقيامته. أجل، فكما أوضح البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر[1]، في رسالته العامّة “الله محبّة” (عام 2005م)، «هذه الكلمات الواردة في رسالة القدّيس يوحنّا الأولى [1يو 4: 16] تعبّر بكلّ وضوح عن محور الإيمان المسيحيّ: كيف تتصوّر المسيحيّةُ الله، وبالتالي كيف ترى الإنسانَ ومسيرتَه التي تنجم عن ذلك التصوّر […] لقد آمنّا بمحبّة الله: بذلك يستطيع المسيحيُّ أن يعبّر عن اختيار حياته الأساسيّ. في أصل واقع الكيان المسيحيّ لا يوجد قرارٌ أخلاقيٌّ أو فكرة عظيمة، بل اللقاءُ مع حدَث، مع شخص، يُعطي الحياةَ أفقًا جديدًا وبالتالي توجّهًا حاسمًا» (بند 1)[2]. ولذا، فقد أصاب الفيلسوفُ وعَالِم اللّاهوت “بسكال” أيضًا عندما قال: «ليس فقط لا نعرف الله إلَّا بيسوع المسيح، وإنَّما أيضًا لا نتعرّف على أنفسنا ذاتها إلَّا بيسوع المسيح. ولا نعرف الحياة ولا المَوْت إلَّا بيسوع المسيح. فخارج يسوع المسيح، لا نعرف ما هي حياتنا، ولا ما هو مَوْتنا، ولا الله، ولا أنفسنا ذاتها. وهكذا، من دون الكِتاب المقدَّس، الّذي ليس له غرضٌ سوى يسوع المسيح، لا نعرف شيئًا البتّة، ولا نرى شيئًا سوى الظّلام والالتباس في طبيعة الله وطبيعتنا»[3].

ومِن ثَمَّ، يتمتّع يَسُوعُ النّاصريّ، المسيح ابن الله المخلِّص، بمركزيّة صريحة في الإيمان المسيحيّ؛ فهو –نظريًّا وعمليًّا– محورُ كلّ ما هو مسيحيّ. فيشكّل حَدَثُ “يَسُوع المسيح” عَيْنه، مدخلًا غير مسبوقٍ إلى الله في التّاريخ؛ وقد أحدث تحوُّلًا جذريًّا في الحياة والفكر البشريَّيْن. وانطلاقًا من هذه المركزيّة الخريسْتولوجيّة، وفي إطار مبادرات كنسيّة وحَبريّة ومسكونيّة أُخرى، أعلن مثلّثُ الطّوبى البابا فرنسيس (1936-2025م) عامَ 2025 يُوبِيلًا عاديًّا (“يُوبِيل الرَّجَاء”)، الّذي يحلّ كلّ خمس وعشرين سنة بإعلانٍ من بابا الكَنيسة الكاثوليكيّة، طِبْقًا للتّقليد القديم؛ وكذلك أيضًا لمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ، الّذي رَفَضَ التّعاليم الأريوسيّة (نسبةً للكاهن السّكندريّ “أريوس”)[4]؛ وقد أكّد هذا المجمعُ على ألوهيّة الرّبّ يسوع الكاملة والتّامّة:

«كانت مهمّة مجمع نيقيَة الحفاظ على الوَحدة، الّتي كانت مهدّدة بشكل خطير بسبب إنكار ألوهيّة يسوع المسيح ومساواته مع الآب. حَضَرَ حوالي ثلاثمائة أسقُف، اجتمعوا في القصر الإمبراطوريّ بدعوة من الإمبراطور قسطنطين في 20 أيّار/مايو 325. بعد مناقشات عديدة، اعترف الجميع، وبنعمة الرّوح القدس، بقانون الإيمان الّذي مازلنا نعترف به حتّى اليوم في الاحتفال الإفخارستيّ يوم الأحد. أراد آباء المجمع أن يبدأوا هذا القانون باستخدام عبارة “نؤمن” لأوّل مرّة، ليشهدوا على أنّ في تعبير “نحن” كلّ الكنائس كانت تجد نفسها في شركة، وكلّ المسيحيّين كانوا يعترفون بالإيمان نفسه. مجمع نيقيَة هو مرحلة مهمّة في تاريخ الكنيسة. تذكاره يدعو المسيحيّين إلى أن يتّحدوا في التّسبيح والشّكر للثّالوث الأقدس، وخاصّة ليسوع المسيح، ابن الله، “مُساوٍ للآبِ في الجَّوهَرِ”، الّذي كشف لنا سرّ المحبّة هذا. مجمع نيقيَة هو أيضًا دعوة لجميع الكنائس والجماعات الكنسيّة لكي تتقدّم في مسيرتها نحو الوَحدة المنظورة، ولا تتعب من البحث عن طرق مناسبة تتّفق اتّفاقًا تامًّا مع صلاة يسوع: “فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك، فَلْيكونوا هُم أَيضًا فينا، لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني” (يوحنّا 17: 21)»[5].

إنَّ مجمع نِيقيَا، ومعه مجمع القسطنطينيّة والمجامع المسكونيّة الأُخرى، مرحلةٌ مهمّةٌ في تاريخ الكنيسة، وفي تاريخ عِلْم اللّاهوت عامةً، وتاريخ الخريسْتولوجيا خاصةً؛ إذ إنّه قد شَرَعَ في صياغة وبلورة اعتراف الإيمان المسيحيّ المعروف بـ”الإيمان النِّيقاويّ” (نسبةً إلى “نِيقيَا”)، و“الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ” (نسبةً إلى “نِيقيَا” و”القسطنطينيّة”). فضلًا على ذلك، يُعَدّ هذا الاعتراف الإيمانيّ “بِطاقَةً شخصيّةً” لكلّ مسيحيّ ومسيحيّة، والوثيقةَ الأكثر أهمّيّة بعد الكِتاب المقدَّس على الصّعيد المسكونيّ. وهذا هو بالتّحديد ما حاولت إيضاحه “اللّجنةُ الثّيولوجيّة العالميّة” (التّابعة لدائرة “عقيدة الإيمان” الكاثوليكيّة) بإصدارها هذا العام الجاري وثيقة جديدة، بعنوان “يَسُوع المسيح، ابن الله، المخلِّص”، بمناسبة الذّكرى الـ1700 لانعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ. وجديرٌ بالذّكر أنّها الوثيقة الثّيولوجيّة الـ31 ضِمْن الوثائق الّتي صدرت عن هذه “اللّجنة” منذ تأسيسها (عام 1969م).

إضافةً إلى مقدّمةٍ وخاتمةٍ، تحتوي الوثيقة على فصول أربعة: 1) قانون إيمانٍ لأجل الخلاص (ذكصولوجيا وثيولوجيا مجمع نِيقيَا)؛ 2) قانون الإيمان النِّيقاويّ في حياة المؤمنين (“نحن نؤمن كما نعمّد؛ ونصلّي كما نؤمن”)؛ 3) نِيقيَا كحَدَثٍ ثيولوجيّ وكحَدَثٍ كنسيّ؛ 4) إبقاءُ الإيمان في متناول شعب الله برُمّته. وفي الفصل الأوّل، تعرض الوثيقةُ قراءةً ذكصولوجيّة متعلّقة بقانون الإيمان النِّيقاويّ، لتحديد الثَّراء الخلاصيّ الكامن فيه؛ وبالتّالي، الخريسْتولوجيّ والثّالوثيّ والأنثروبولوجيّ. وتسلّط الوثيقةُ الضّوءَ على أبعاد مجمع نِيقيَا، وتدفع نحو الوَحدة المَنشُودة بين المسيحيّين. ويحمل هذا الفصلُ أيضًا إلى إدراك كيف يُغذِّي مجمعُ نِيقيَا الحياةَ المسيحيّة اليوميّة، ويوجّهها. وفي الفصل الثّاني، ومن خلال التّركيز أكثر على فِكرِ آباء الكنيسة، تكشف الوثيقةُ عن كيف أصبحت الحياة اللّيتورجيّة وحياة الصّلاة في الكنيسة بفضل تأثيرِ انعِقاد مجمع نِيقيَا. وأمَّا في الفصل الثّالث، وانطلاقًا من كون مجمع نِيقيَا نُقطةً محوريّة ومرجعيّة لتاريخ المسيحيّة برُمّته، تركّز الوثيقةُ على الطّريقة الّتي يشهد بها قانونُ الإيمان النِّيقاويّ والاحتفالُ بالمجمع عن حَدَثِ يَسُوع المسيح عَيْنه، الّذي يشكِّل ظهورُه في التّاريخ مدخلًا غير مسبوقٍ إلى الله، ويُحدِث تحوُّلًا في الفِكر البشريّ. إنَّ قانونَ الإيمان النِّيقاويّ والمجمعَ هما أيضًا شهادةٌ على الطّريقة الجديدة الّتي بها تُشكَّل وتتبلور كنيسةُ المسيح، وتُحقِّق رسالتها. وأخيرًا، في الفصل الرّابع، تحلّل الوثيقةُ شروط مِصداقيّة الإيمان المُعترَف به في مجمع نِيقيَا من خلال مُقاربةٍ من جِهةِ الثِّيولوجيا الأساسيّة، لعرض طبيعة وهويّة الكنيسة كمفسِّرة أصيلة للحقيقة المعياريّة للإيمان عبر التّعليم الرّسميّ للكنيسة، الّذي هو بمثابة حارسٍ للمؤمنين، ولا سيّما الصّغار والأكثر عُرْضةً للخطر[6].

 

ثانيًا: مِن العهد الجديد إلى آباء الكنيسة الأوائل

إنَّ مسيرة التّعمُّق في سِرّ الرّبّ يسوع لم تنتظر كثيرًا مِن الوقت، فهي قد بدأت بالتّحديد مع العهد الجديد عَيْنه، وبداخله. فتشهد الأناجيلُ الأربعة ذاتها، الّتي كُوِّنت طيلة القرن الأوّل الميلاديّ بعد مرحلة التّقليد الشّفهيّ المتواصل والمتنوّع، على توجُّهات وميول المؤمنين القابعين في أُطرٍ ثقافيّة مختلفة (اليهوديّ-الفلسطينيّ، واليهوديّ-الهلِّينستِيّ، والوثنيّ). وعلى صعيدٍ آخر، وبطريقةٍ أكثر وضوحًا، يمكن ملاحظة اهتمام الرّسول بُولُس بالجماعات الّتي بَعَثَ إليها رسائله؛ فهذه الرّسائل، على غرار باقي كِتابات العهد الجديد، قد نبعت مِن بعض احتياجات الكنائس الخاصّة في ذلك الحين. فنرى أنَّه بينما كانت ذكرى حَدَثِ الرّبّ يسوع تنتشر، كانت هذه الذّكرى تتشكّل في الوقت عَيْنه بألوان جديدة، تَبَعًا لمسيرة التّبشير، وقبول الإنجيل مِن قِبَل الأشخاص.

أمَّا فيما يخصّ العَلاقة القائمة بين يسوع المسيح والله، فيضع العهدُ الجديد الأُسُس لما سيُطلَق عليه فيما بَعدُ العَلاقة “الازدواجيّة” (أو “الثُّنائيّة”)، أي الاعتراف بيسوع على أنَّه الله في إطار اختلافه البَنويّ. فنحن هنا أمام المسيرة الدّقيقة للغاية المتعلّقة بإدراج يسوع في الحَيِّز الإلهيّ، وهو ما حَدَثَ بفضل “التّعبُّد” المُتَزايِد والتّدريجيّ للابن مِن حيث إنَّه مشاركٌ لكينونة الله ذاتها (1كورنثوس 12: 3؛ 16: 22؛ رومية 10: 9-13). ففي نطاق الرّؤية اليهوديّة المنظَّمة والمفصَّلة، الّتي هي أمينةٌ أساسًا لمنظور التّوحيد المطلق والضّيق والحصريّ، قد أَدرَجت بشارةُ العهد الجديد الخريسْتولوجيّة، منذ بدايتها، الابنَ داخل هُويّة أو كينونة أو ماهيّة الله الواحدة، إذ إنَّه مشاركٌ لله في عمليّة الخلق والسّيادة الإلهيّة على كلّ شيء (فيلبي 2: 6-11؛ كولوسي 1: 15-20؛ يوحنا 1: 1-18؛ أفسس 5: 14؛ 1تيموثاوس 3: 16). وبهذه الطّريقة أُعِيدت صياغة وبلورة التّوحيد اليهوديّ ليصبح توحيدًا خريسْتولوجيًّا.

لقد بلغت المسيحيّةُ المتهوّدة، الّتي اتّسمت بشكلٍ قطعيّ بالخصائص الأبوكَليبتيَّة-الرُّؤيَويَّة عند قراءة مُعطيات الوَحْي، وركّزت بنوعٍ خاصّ على فكرة الارتفاع (مِن خلال الخريسْتولوجيا الإِبْيونيَّة)، إلى أقصى حدٍّ في الهَرطقة لدرجة الوصول إلى بدعة “التَّبنّي” أو “التَّبَنِّيَّة“، رافضةً ألوهيّة يسوع المسيح، معتبرةً إيّاه مجرّد إنسانٍ تلبسه القوّةُ الإلهيّة، وليس ابن الله الأزليّ.

وعلى الأرضيّة الخاصّة بالأصل السّاميّ-اليهوديّ للمسيحيّة، قد نشأت أيضًا المحاولاتُ الأُولى المتعلّقة بالفَهْم الخريسْتولوجيّ والتّعمُّق غير التّنظيميّ، لا سيّما مِن قِبل إغناطيوس الأنطاكيّ، وبوليكَاربُس الإزميريّ، ومَن يُطلَق عليهم لقب “الآباء المدافعين”، مِثل يوسْتينُس، وإيرينيؤس اللِّيونيّ. فنجد في رسائل القدّيس إغناطيوس († في عام 107م تقريبًا)، فضلًا على دفاعه المسْتَمِيت عن بشريّة يسوع الحقيقيّة ضدّ هَرطقة “الدُّوسيتيَّة” أو “الظَّاهِريَّة” (مِن الفعل اليونانيّ الّذي يعني يَظهَر أو يبدو)، الاستعمالَ البدائيّ لما سيُعرَف فيما بَعدُ باسم “تبادل الخَصائص” أو “المشاركة في الخَواصّ“. وأمَّا الإسهام المهمّ ليوسْتينُس الفيلسوف والشّهيد، الّذي عاش ما بين 100م تقريبًا إلى 162/168م، فقد تعلّق بإقامة أَوَاصِر مباشرة بين المسيحيّة والأفلاطونيّة الوسيطة، ممّا فتح الطّريق أمام فَهْم المسيح فَهْمًا شُموليًّا، مِن خلال عقد المقارنة والموازاة والمفارقة بين بحثِ الفلاسفة اليونانيّين عن الحقيقة، وانتظار أنبياء العهد القديم للمِسيّا. وتميّز إسهامُ إيرينيؤس اللِّيونيّ، الّذي عاش ما بين 130م تقريبًا إلى 202م تقريبًا، بالدّفاع عن “قاعدة الإيمان”، وبالمُضي قُدمًا في تعميق الإيمان أيضًا؛ فهو قد نَقَلَ لنا، عبر مُؤلَّفه المعرف “ضدّ الهَرطقات” أو “الرَّدّ على الهَرطقات”، خارطةً نفيسةً للتّيّارات الهَرطُوقيّة في عصره، إذ قد فُقِدت أغلبيّة النّصوص المكتوبة المتعلّقة بهذه التّيّارات.

وقد عُبِر مِن القرن الثّاني إلى القرن الثّالث الميلاديَّيْن، قبل كلّ شيء، مِن خلال بعض الإشكاليّات البدائيّة المتأصّلة في الخلفيّة اليهوديّة والهلِّينستِيَّة، ومِن ثَمَّ، تكوّنت الانحرافات الخريسْتولوجيّة الأُولى. فقد كان الانشغالُ بقضيّة التّوحيد، وهو الأمر القائم على الخلفيّة السّاميّة-اليهوديّة، يشدّد على تَفْسير حَدَثِ يسوع داخل إطار النَّسق الفكريّ اليهوديّ، عبر حلّ “المُونارْخِيانيّا” (“وَحدانِيّة المبدأ” أو “المبدأ الوَاحد”). فتَبَعًا لهذا الحلّ، يُعَدُّ تجسُّدُ ابن الله مجرّد “شكلٍ” تعبيريّ أو “حالةٍ” تعبيريّة للإله الواحد (هَرطقة الشَّكلانيّة، الشَّكلِيّة، الأحواليّة، الحالانيّة، الوجوهيّة)، حيث إنَّ هذا الإله الواحد يظلّ هو المبدأ الواحد والوحيد؛ وهو، في الواقع، وَضَعَ طاقتَه الإلهيّة في مجرّد إنسانٍ خالصٍ (هَرطقة “الدّيناميّة”). ووَفقًا لهذا النّوع مِن التّفكير، قد تألّم الآبُ، وليس الابن، فوق الصّليب، ومِن هنا جاء تعبيرُ “الآب هو الّذي تألّم”؛ وهو ما نتجت عنه هَرطقةُ “الباتريباسّيانيّة” أو “الآبيَّة”. ويمكن تصنيف كُتَّابٍ مثل بَرَكْسِياس، ونُواطُس الإزميريّ، وسابِليوس، في إطار هذه البدع والَهرطقات.

وإذا كان بعضُهم قد حاول، مِن خلال هَرطقة الشَّكلانيّة المُونارْخِيانيّة، الدّفاعَ عن مبدأ الوَحدة الإلهيّة العُلويّة، فإنَّ بعضَهم الآخر، مِن خلال هَرطقة التَّبَنِّيَّة، الّتي نادى بها بُولُس الشُّمَيشاطيّ الّذي حُرِم مِن قِبل سينودُسات أنطاكيا في عامي 264 و268م، ركّز على السّلوك الأخلاقيّ ليسوع، معتبرين إياه مجرّد إنسانٍ بسيطٍ، قد كَافَأه اللهُ لسلوكه الحسن، وتبنّاه كابن.

كانت الإشكاليّاتُ على قدرٍ كبيرٍ مِن الأهمّيّة القصوى، ليس فيما يخصّ تَفْسير ألوهيّة يسوع فحسب، وإنَّما فيما يتعلّق بتَفْسير بشريّته أو بإنْسانيّته أيضًا، أي إنْ لم يكن يسوعُ أزليًّا مثل الله، وصار ابنَ الله بفضل الله، فالتّساؤل المطروح هو التّالي: أيُّ نوعٍ مِن البشر يكون، إذًا، ذاك الّذي يأتي مِن الله وإليه يعود، ولكنَّه في الوقت عَيْنه ليس مُعادلًا له؟ لقد شكّلت هَرطقة “الدُّوسيتيَّة” أو “الظَّاهِريَّة” حلًّا غير ملائمٍ لهذا التّساؤل. فقد نادت هذه الهَرطقة بأنَّ جسد المسيح لم يكن حقيقيًّا، وإنَّما مجرّد وَهْمٍ وخيال، فهذا الجسد أَظهَر المسيحَ على أنَّه إنسان، ولكنَّه كان، في واقع الأمر، لابسًا لِباس إنسانٍ فقط (الهَرطُوقيّ مَرقِيون). وقد اتَّخذ التّصوُّرُ الغُنوصِيّ أيضًا شكلًا منظّمًا، فنجد الخريسْتولوجيا الخاصّة به في تعاليم “الأُوفيتيسيّين” (أي أَتْباع الحيّة المذكورة في سِفر التّكوين)، والفالَنْتينُسيّين (أي أَتْباع فالَنْتينُس الغُنوصِيّ)، والباسِيليديّين (أي أَتْباع باسِيليديس الغُنوصِيّ).

فماذا كان ردُّ الكنيسة الكُبرى، يا تُرى، على كلّ هذه المحاولات الواهمة والخياليّة لتَفْسير شخص يسوع المسيح؟ بالطّبع، كان عليها إيجادُ مُفردات ومصطلحات ومفاهيم ملائمة للسّياق الثّقافيّ الجديد الّذي انتشرت فيه المسيحيّة. ففي بَدْء الأمر، قدّم بعضُ المؤلِّفين الكنسيّين، مِثل إبّوليتوس وترْتُلّيانُس، إجابات مهمّة على هذه المعضلات الصّعبة؛ فمِن بين أمورٍ عديدة، استخدم هذان المؤلِّفان لأوَّل مرّة، وبطريقةٍ بدائيّة، لفظةَ “أُقنوم” أو “شخص”، سواء للحديث عن الثّالوث (كما فَعَلَ إبّوليتوس الّذي كَتَبَ باليونانيّة)، أو للحديث عن اللّوغُس الّذي صار إنسانًا (كما فَعَلَ ترْتُلّيانُس الّذي كَتَبَ باللّاتينيّة). وقام هذان المؤلِّفان، عبر كِتاباتهما، بصياغة رؤية متميّزة -كلٌّ منهما بحَسب وِجهة نظره الخاصّة- حول “الوِلادَتَيْن” الخاصّتَيْن باللّوغُس: الوِلادَة الأزليّة والوِلادَة الزّمنيّة. وفضلًا عن هذه الإسهامات الأوَّليّة والأساسيّة، الّتي وُجِّهت ضدّ البدع والهَرطقات، تَطَوّرَ الفكرُ الخريسْتولوجيّ ذو الطّابع الهلِّينستِيَّ في المركز الثّقافيّ الّذي عُرِف بالدّيداسكاليون أو الدّسكوليون في مدينة الإسكندريّة بمِصْر بنوعٍ خاصّ، ما بين القرنَيْن الثّاني والثّالث الميلاديَّيْن، وهذا بفضل مجهودات إِكْليمنضُس وأوريجينُس.

لقد تمحورت اهتمامات إِكْليمنضُس الإسكندريّ (150-215م تقريبًا) حول العَلاقة القائمة بين الثّقافة الفلسفيّة اليونانيّة والإيمان المسيحيّ، وقد دفعه هذا إلى مواصلة الخطّ الفكريّ الّذي تتبّعه مِن قَبله يوسْتينُس، أي اعتبار اللّوغُس بمثابة الخيط المحوريّ المُوحِّد للمشروع الإلهيّ. فعَرَضَ إِكْليمنضُس، في مؤلَّفه “المُربّي”، المهمّةَ الشُّموليّة الخاصّة بالمسيح-اللّوغُس، الّذي يقود البشريّة بأسرها، ويقوم بالإصلاح والتّشجيع الضّروريَّيْن، على غرار ما يفعله الأبُ تجاه أبنائه. فيرشد المسيحُ-اللّوغُس، وينصح، ويعزّي؛ ومِن حيث كونه «مُحبًّا للبشر في كلّ شيء، هو على أتمّ استعدادٍ لاقتيادهم نحو الكمال عبر مسيرة الخلاص»[7]. كان أوريجينُس (185م تقريبًا-253م تقريبًا)، تلميذُ إِكْليمنضُس، أوَّلَ ثِيولوجيّ تنظيميّ شرقيّ عظيم، فهو انكبّ على دراسة تَفْسير الكِتاب المقدَّس، والميتافيزيقا، والتّعليم الرّوحيّ. وأمَّا فيما يتعلّق بمنظوره الخريسْتولوجيّ، فمَيَّز أوريجينُس بين مستوى اللّوغُس الأزليّ الّذي شكّل العالمَ العقلانيّ في الخلق الأوّل، وبين مستوى التّاريخ والكون المحسوس، حيث فيه حَقَّقَ ابنُ الله المتجسِّد الخلاصَ للخلائق جمعاء. ويُعَدُّ أمرُ اعتبار “نَفْسِ” المسيح البشريّة (“سابقة الوجود”) كوَسَاطةٍ واقعيّة وفعليّة بين اللّوغُس الإلهيّ والجسد المأخوذ بالتّجسُّد[8]، بمثابة إسهامٍ مهمٍّ قد قدّمه أوريجينُس للخريسْتولوجيا.

 

ثالثًا: فِكرُ أريوس وعقيدةُ مجمع نِيقيَا

في النّصفِ الأوّل مِن القرن الرّابع الميلاديّ، بَزَغَت على السّطح قضيّتان مُثيرتان للجَدَل: القضيّة الأُولى أثارتها نظريّةُ أريوس فيما يتعلّق بأُلوهيّة الابن التّامّة، الّتي أنكرها ولم يعترف بها؛ ولكنَّ مجمع نِيقيَا (325م) قام بالتّأكيد عليها وإيضاحها. وأمَّا القضيّة الثّانية فقد أثارها موقفُ أبولّيناريوس، أسقف اللَّاذِقيَّة، حيال نوعيّة ناسُوت-إنْسانيّة يسوع المسيح، الّتي قَدَّمَها أبولّيناريوس على أنّها غير مكتملة. ولقد رَفَضَ مجمعُ القسطنطينيّة الأوّل (381م) نظريّتي أريوس وأبولّيناريوس، فضلًا على إيضاحه لأُلوهيّة الرُّوح القُدس، الرّبّ المُحْيي.

قد تسبّب وعظُ الكاهن أريوس (260م تقريبًا-366م)، في رعيّةِ “باوكاليس” بمدينة الإسكندريّة، ما بين الأعوام 318 و320م، في الجَدَل الرّئيسيّ الأوّل الّذي قاد بدوره إلى انعِقاد مجمع نِيقيَا بعد بضعةِ أعوام مِن ذلك التّاريخ. ففي محاولته لشرح العَلاقة القائمة بين الآب والابن، اعتقد أريوس بأنّه ليست ثَمَّة مساواةٌ بينهما، وإنّما هنالك دونيّة حاسمة مِن جِهة الابن. فوفق زعمه وادّعائه، مع كون الابن أوّلَ الخلائق وأعظمها، إِلَّا أنّه لا يشارك في الكينونة أو الماهيَّة الإلهيّة، الّتي هي غير مادّيّة وغير منقسمة. ومِن خلال استخدامه لبعض النّصوص البِيبْليّة (على سبيل المثال، سِفر الحِكمَة 8: 22-25، إذ إنّ الحِكمَة تُصرِّح بأنّ لها أصلًا)، اعتقد أريوس أنّه ينبغي القبول بأنّ الابن لا يمكنه أنْ يكون “غيرَ مولودٍ” مِثل الآب، مع أنّه إلهٌ تامٌّ، ووحيدُ الجنس، وغيرُ متغيّر. ومِن ثَمَّ، فالخلاصةُ الّتي نادى بها أريوس هي ما يلي: «الابنُ له بداية، بينما الله بدون بداية […] وهو يصدر مِن العدم»[9]. وبالطّبع، فقد رأى الشّعبُ تعبيرات أريوس هذه بمثابة تعبيرات مُلتَبِسة؛ وأمَّا أسقف الإسكندريّة الأنبا إسكندر –بنوعٍ خاصّ– فقد وَجَدَها تعبيرات خطيرة، وأدانها لكونها خاطئةً، لاصقًا بأريوس هَرطقة “السّابِليِّة” (نسبةً إلى الهَرطُوقيّ سابِليوس)، أي ذاك التّصوُّر المتعلّق بالشَّكلانيّة المُونارْخِيانيّة (الّتي أشرنا إليها مِن قَبل).

لقد تَبَعَ هذا كلَّه جَدَلٌ حادّ، ولا سيّما فيما يتعلّق بضرورة التّمييز بين فكرة “الوِلادَة” وفكرة “الخلق”، أي بين ما يحدث في الأزليّة وما يحدث في الزّمن. فبالنّسبة لأريوس، القول بأنّ الابنَ مولودٌ يعني أنّه مخلوقٌ، ومصنوعٌ، وله بداية؛ بينما الله ليس له بدايةٌ، فهو أزليّ، وهذا كلّه لا يمكن أنْ يُنسَب للابن، الّذي مصدره هو الآب، ومنه يأخذ بدايته. ويمكننا أنْ نتساءل هنا: كيف يكون الابنُ، إذًا، “إلهًا تامًّا”؟، مُلاحِظين بوضوحٍ أنّ ألوهيّةَ الابن في خطرٍ شديد، فهي الألوهيّة الّتي اعترفت بها الكنيسةُ على مدار ما لا يقلّ عن ثلاثةِ قرون مضت. فرُبّما قد مال أريوس إلى رؤية ولادة الابن مِن لَدُن الآب (في الأزليّة الإلهيّة) وَفقًا للمُفارقة البشريّة (الزّمنيّة)، أي أنّ الرّجل قبل أنْ يكون لديه ابنٌ، ليس أبًا بَعدُ، وإنّما فقط عندما يلد-يخلق ابنًا حينئذٍ يصبح أبًا، لأنّ لديه ابنًا. ومع ذلك، هنالك أمرٌ آخر: انطلاقًا مِن خلفيّة الفِكر الازدواجيّ-الثُّنائيّ التَّبعيّ[10]، الّذي اعتنقه أريوس، تظهر الفكرةُ الأفلاطونيّة الخاصّة بـ“إلهٍ ثانٍ”، أي الدّيميورغُس (صانع الكون ومنظّمه)، الّذي ينظّم الخَواء والفوضى في الكون، وهو بدوره ليس إلهيًّا ولا بشريًّا، وإنّما أمرٌ ما في الوَسْط. ومِن ثَمَّ، تصبح الإشكاليّة جذريّة: إمَّا الكِتابُ المُقدَّس مُحِقٌّ، فهو يُؤكّد على أنّه «في البَدءِ كانَ الكَلِمَة» (يوحنا 1: 1)، كما صَرَّحَ مرارًا وتكرارًا أسقُفُ الإسكندريّة الأنبا إسكندر؛ وإمَّا أريوس مُحِقٌّ، فهو يعتقد بأنّ «الله ليس أبًا منذ الأزل»، وأنّه «ثَمَّة وقتٌ ما لم يكن فيه الابن».

بعد إدانة نظريّة أريوس سواء مِن قِبل سينودُس الإسكندريّة (320م) أو مِن قِبل سينودُس أنطاكيا (324/325م)، حيث كُتِب وحُرِّر “اعتراف إيمان” ضدّ أريوس، تدخّل الإمبراطور قسطنطين الكبير، لأنّه كان مهمومًا ومنشغلًا بإحلال السّلام بين المدن الّتي وَقَعَت في حالة اضطرابٍ وفوضى مِن جرَّاء المعتقدات المتباينة المتعلّقة بقضيّة هُويّةِ يسوع المسيح ابن الله؛ وهي قضيّةٌ ليست بالأمر اليسير. فعُقِد أوَّلُ مجمعٍ مسكونيّ في مدينة نِيقيَا، وهي مركزٌ صغير في آسيا الصُّغرى، وقريبٌ مِن مدينة القسطنطينيّة، ما بين شهري مايو ويوليو لعام 325م. وشارك في هذا المجمع نحو 250 أو 300 أو 318 أسقُفًا يمثّلون الشّرق، وآسيا الصُّغرى، وسوريا، وفلسطين، ومِصْر. ولم يحضر البابا سِلفِسترُس الأوّل (314-335م) هذا المجمع، ولكنّه أرسل مندوبَيْن عنه، بالإضافة إلى أربعة أساقفة فقط مِن الغرب. وبعد المواجهة الحاسمة بين آباء المجمع، قد توصّل الجميعُ إلى “اعتراف الإيمان”، وأُلحِق به “قانونٌ” يوضّح ويحدّد ما يستبعده الإيمانُ المُعترَف به، وبالتّالي، استبعاد الحلّ الّذي قَدَّمَه أريوس.

لقد صِيَغ “قانون إيمان نِيقيَا” على نحوٍ ثالوثيّ، أي على غرار اعترافات الإيمان الخاصّة بالمعموديّة، الّتي استخدمتها الجماعاتُ المسيحيّة آنَذَاكَ، أي كلّ ما يتعلّق بإيماننا بالآب، وبابنه يسوع المسيح، وبالرُّوح القُدس. وقد خُصِّص المجال في المقام الأوّل للتّعمُّق في القِسم الخريسْتولوجيّ، فهو القِسم الّذي وُضِع بعد الوصف الموجز للآب الكلّي القدرة والخالق، وقبل التّلميح البسيط إلى الرُّوح القُدس:

«نؤمن بإله واحد آب قدير خالق كل ما يرى وما لا يُرى. وبربّ واحد يسوع المسيح ابن الله المولود الوحيد من الآب، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الّذي به كان كلُّ شيء، ما في السماء، وما على الأرض، الّذي لأجلنا نحن البشر، ولأجل خلاصنا، نزل وتجسّد وتأنّس وتألّم، وقام في اليوم الثالث [و] صعد إلى السّماوات، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس»[11].

ويتبلور العمودُ الفقريّ أو المحورُ الأساسيّ لقانون الإيمان النِّيقاويّ في التّرابط القائم بين صدور الابن مِن الآب، في الأزليّة، وبين تجسُّده مِن أجل خلاصنا. فهما النُّقطتان الجوهريّتان اللّتان نقلتهما لنا الأناجيلُ، وهما هنا مرتبطتان معًا: فالّذي يُدعَى يسوع المسيح، والّذي تألّم وقام مِن بين الأموات، قد جاء مِن لَدُن الآب، وتجسَّد وتأنَّس، لأنّه كان معه في البَدْء، وشارك في الخلق أيضًا. ومِن ثَمَّ، ليس له بدايةٌ (مِثله مِثل الله الّذي ليس له بداية)، ولذا فهو الله-الابن، وهو متميّزٌ عن الآب، مِن حيث كونه مولودًا منه، ومع ذلك، فهو مشاركٌ في “الجوهر الإلهيّ عَيْنه” أو “الطّبيعة الإلهيّة عَيْنها”. وبكلماتٍ قليلة وأكثر تركيزًا، قِيل إنّ كونه مولودًا لا يُقصَد به أنّ له بدايةٌ في الزّمن، وإنّما يُقصَد به صدوره مِن الآب مثل نورٍ مِن نورٍ، ومثل إلهٍ حقٍّ مِن إلهٍ حقّ. فالمشاركة في “طبيعة الله ذاتها” تعني، بالنّسبة للابن، كونه قائمًا منذ الأزل على علاقة الوِلادَة. وبهذا المعنَى، لم يكن ثَمَّة وقتٌ على الإطلاق، وبالتّحديد لأنّنا نتحدّث عن الأزليّة الإلهيّة، كان اللهُ فيه وحيدًا، فهو منذ الأزل أبٌ، لأنّ لديه منذ الأزل ابنًا (بالرُّوح القُدس وفيه).

لقد جازف آباءُ المجمع، عبر إيجاد وصياغة مصطلحٍ جديد، وهو “هومووزيوس” (“مُساوٍ في الجوهر”)، في شَرْحِ ما تَمَّ المجاهرة به والإيمان به انطلاقًا مِن العهد الجديد، أي أنّ للرّبّ يسوع هُويّة إلهيّة داخل إطار التّمايز البَنويّ؛ وهذا المصطلح بدوره غير بِيبْليّ، بل فلسفيّ. إنَّ الأمر الجديد حقًّا في هذه اللّفظة، في سياقها الهلِّينستِيّ الخاصّ بها، يكمن في القبول بأنّ التّماثل والتّمايز، في الله، يُعَدَّان أمرَيْن أصيلَيْن. فثَمَّة تَوافُقٌ بين التّماثل في الجوهر، والتّمايز النّاجم عن الوِلادَة، أي أنّ الآب يظلّ هو المبدأ، مِن حيث علاقة الأصل، وينتمي الابنُ إلى مستوى كينونة الآب ذاتها.

ما هي تبعيّاتُ هذا بالنّسبة لإيمان الكنيسة؟ فهذا الإيمان كان مُهدَّدًا مِن قِبل الاختزال الأريوسيّ ليسوع المسيح، إذ إنّ هذا الاختزال جَعَلَ مِن الابن نصفَ إلهٍ ونصفَ إنسانٍ، وهذا بحُجّةِ محاولة التّوفيق بين الإيمان بالمسيح مِن جِهةٍ، والرّؤيّة الفلسفيّة اليونانيّة الصّارمة مِن جِهةٍ أُخرى. فهل يا تُرى أُلحِق أيُّ ضررٍ بالإنجيل وفُسِد وحُرِّف، مِن خلال تبنّي كلمةٍ غريبةٍ عن الإرث البِيبْليّ؟ أو بالأحرى عُبِّر عن أصالة حَدَثِ المسيح ذاتها بواسطة تعبيرات أصيلة؟ في الواقع، عمليّةُ إضفاء الصّبغة الهلِّينستِيَّة على الألفاظ كانت توازيها في المقابل عمليّةٌ أساسيّةٌ متعلّقة بنزع الصّبغة الهلِّينستِيَّة عن مضمون الإيمان؛ ففي حقيقة الأمر، ما كان مِن الممكن على الإطلاق، بالنّسبة للفِكر اليونانيّ، الاعتقاد بـ”المُساواة في الجوهر” لذواتٍ متعدّدةٍ داخل الكينونة الإلهيّة الواحدة. وقد كان هذا في حدِّ ذاته كافيًّا للمحافظة على الإيمان الرّسوليّ، على الرّغم مِن عدم شَرْحِ كلّ شيء متعلّق بنتائج هذا التّصريح. وأمَّا فيما يخصّ قيام مجمع نِيقيَا بعمليّة التَّفْسير أو التَّأويل الأُولى والجادّة المتعلّقة بهُويّة الابن الإلهيّة (ووِلادَته الأزليّة، ومساواته للآب في الجوهر)، فهذا لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال أنّ المجمع قد اخترع ألوهيّة الرّبّ يسوع، أو أنّه قَصَدَ شَرْحَ كلّ شيء متعلّق بهذا الأمر. وبالتّحديد مِن خلال هذا الأسلوب في “الاعتراف” بالإيمان، و”الدّفاع” عنه أمام التَّفْسيرات المنحرفة، يمكننا أنْ نستوعب التّأمُّل المتأنّي والحذر مِن قِبل الكنيسة الكُبرى، فهي قد عَقَدَت العزم على السّماح بالسّير قدومًا، عبر خطواتٍ صغيرة، نحو تعقيدات السِّرّ، بدلًا مِن غَلْقِ الأبواب أمام التَّفْسيرات الجديدة.

بعد مجمع نِيقيَا، وَقَعَ على عاتق آباء الكنيسة، كالقدّيس أثناسيوس (295-373م)، واجبُ التّعمُّق في الإيمان المُعترَف به مِن قِبل المجمع، وهذا مِن خلال إيضاح الدّافع الخلاصيّ الكامن وراء التّجسُّد الإلهيّ. فبواسطة حَدَثِ جسد المسيح، يمكننا، في الواقع، أنْ ندرك الرّباط القائم بين الخضوع والمساواة في آنٍ واحدٍ، وهو الرّباط القائم بين الابن والآب. وبالتّحديد بفضل مُساواته في الجوهر الإلهيّ، يمكن للابن أنْ يخلِّصنا. ومِن ثَمَّ، فقد اتَّخذ اللّوغُس له جسدًا بشريًّا حقًّا، وبه قد تألّم ومات حقًّا هو ذاته؛ ومع ذلك، لا يعني هذا كلُّه أيَّ تحوُّلٍ في كونه الابن الأزليّ للآب[12]. لقد تأنَّس اللّوغُس حقًّا، بدون أنْ يتخلّى عن كونه الله. وفي نهاية المطاف، تعتمد نتيجةُ الخلاص النّهائيّة، على “عمليّةِ التّبادل” الّتي تَمَّت بين الله والإنسان في اللّوغُس المتجسِّد والمصلوب والقائِم. فقد تصرّفت الأُلوهيّةُ بواسطة جسدٍ حقيقيّ، وقد بات كلُّ ما هو متعلّقٌ بالوضع البشريّ أمرًا خاصًّا باللّوغُس؛ وانطلاقًا مِن هذا التّبادل قد نَتَجَ تألُّه أو تأليه الإنسان وتحرُّره. ففضلًا عن محوِ الخطيئة، قد أنعم الله أخيرًا على البشريّة بهِبة الخلود والحياة الأبديَّة؛ وبفضل “إضفاء طابع اللّوغُس” على الجسد حقًّا وفعلًا، قد نضجت ثمارُ الخلاص للبشريّة جمعاء[13].

 

رابعًا: أبولّيناريوس اللَّاذِقيّ وقضيّة نَفْسِ المسيح

بعد إعلان أُلوهيّة الرّبّ يسوع رسميًّا وفي جوٍّ احتفاليّ، وإنْ كان ذلك مِن خلال بعض المُفردات أو التّعبيرات الجديدة والمثيرة للجَدَل، كانت الإشكاليّاتُ الخريسْتولوجيّةُ لا تزال في بدايتها فقط. فقد نشأت، بداخل إطار المصطلحات الهلِّينستِيَّة أيضًا، القضيّة المتعلّقة بمعرفة أيّ نوعٍ مِن البشر كان يسوع المسيح. في واقع الأمر، قد سعى أريوس إلى إيجاده حلًّا وسطيًّا وتوفيقيًّا، واضعًا الابن في منتصف الطّريق بين الله والخلائق؛ ولكنّ هذا الحلّ قد ضحّى بالواحد (أي الله) وبالآخرين (أي خلائقه). والآن، ألا يعني القولُ بأنّ يسوع المسيح هو الله القبولَ بأنّه ينبغي أنْ يكون إنسانًا مختلفًا عنّا؟ ففي الواقع، كيف يمكن أنْ يجتمعا معًا الملءُ الإلهيّ والملءُ البشريّ في الشّخص الواحد عَيْنه؟ وانطلاقًا مِن هذه الطّريقة في طَرْح التّساؤل، يتّضح لنا مباشرةً أنّ الحديث متعلّقٌ بالتّوجُّه الّذي كان يميل إلى الأفكار المسبقة الخاصّة بـ”الأُلوهيّة” وبـ”البشريّة” المنتشرة والسّائدة حينئذٍ، وهي أنّ “الأُلوهيّة” و”البشريّة” بمثابة جَوهَرَيْن منفردَيْن على حِدَة؛ ومِن ثَمَّ، بُحِثَ عن نوعٍ مِن المزج أو الخلط بين “الأُلوهيّة” و”البشريّة” في “حالة” يسوع المسيح. ولم يفكّر العهدُ الجديد في هذه الإشكاليّات، ولكنّ التّفكير الثِّيولوجيّ رَاحَ يسير بدوره في هذا الاتّجاه. إنَّ التّحدّي الحقيقيّ يكمن في الحفاظ على كلّ ما يقوله المُعطَى البِيبْليّ بطريقةٍ ما، مِن خلال التّعبير عنه بطريقةٍ أُخرى، ولكن دون الوقوع في عمليّة التّجريد العقلانيّ الخالص، وهو ما يمكن أنْ يؤدّي بدوره إلى خطر نسيان أنّ شخص يسوع المسيح غيرُ قابلٍ للاختزال في تقسيم الجَوهَرَيْن وتفكيكهما (اللّذين يُطلَق عليهما الآن “طبيعتَيْن”).

إنَّ فرضيّة أسقُف اللَّاذِقيَّة أبولّيناريوس (310م تقريبًا-390م)، انطلاقًا مِن نِيّته ورَغْبته في أنْ يكون أمينًا لمجمع نِيقيَا، قد مالت إلى النّقيض المعاكس، أي إلى اعتبار ناسُوت-إنْسانيّة الرّبّ يسوع في حالةِ عدم اكتمال، مُناديًا بأنّه مِن أجل الحفاظ على عدم تغيُّر اللّوغُس في تجسُّده، ينبغي القولُ بأنّ اللّوغُس ظلّ محفوظًا مِن أيّ نوعٍ مِن التّغييرات. ومِن ثَمَّ -بحَسب زعمه- لو امتلك المسيحُ نَفْسًا بشريّة (“النُّوس”)، الّتي هي معقل الإرادة والاختيار الحرّ، لكان قد وَقَعَ تحت قيادةِ مبدإٍ متغيّرٍ وغير مستقرّ. والآن، إذ إنّه مِن المستحيل أنْ يجتمعا معًا في الشّخص الواحد عَيْنه مبدآن عاقلان مُريدان (أي المبدأ الإلهيّ والمبدأ البشريّ)، يجب، إذًا، استبعاد وجود النَّفْس البشريّة العاقلة المُريدة في المسيح؛ فهذا كلّه يصبّ في صالح هَيْمَنة اللّوغُس الإلهيّ الّذي اتّحد به الجسدُ فقط. وبهذا المعنَى، بالنّسبة لأبولّيناريوس، لو تمتّع المسيحُ بالإرادة الحرّة وبالاختيار الحرّ، لكان بإمكانه أنْ يخطئ؛ ولكن، وعلى العكس مِن ذلك، وبالتّحديد مِن أجل خلاصنا، كان يجب عليه أنْ يكون حرًّا ممّا ينبغي أنْ يخلِّصنا منه (أي الخطيئة). ويمكننا ملاحظة أنْ تفكير أبولّيناريوس تفكيرٌ منطقيّ، ولكنّه قائمٌ على مقدّماتٍ فلسفيّة صارمة ومجرّدة: فهل تتزامن الإرادةُ الحرّة مع الخطيئة، وتتساوى بها؟ إنَّ هذه المقدّمات الفلسفيّة، فضلًا على استبعادها للإسهام الثّمين الّذي قَدَّمَه أوريجينُس فيما يتعلّق بنَفْس المسيح، لا تأخذ على مَحْمَلِ الجِدّ النّصوص البِيبْليّة أيضًا (أي تجارب الرّبّ يسوع، وحُزْن “نَفْسه” حتّى الموت… إلخ)، ولا تضعها في الحُسبان.

ما هي النّتيجةُ الخطيرة لهذه الفرضيّة الّتي سَعَت للدّفاع عن أولويّة الطّاقة الإلهيّة على حساب اختزال ناسُوت-إنْسانيّة المسيح الكاملة والتّامّة؟ إنَّ الخلاصةَ الّتي تَوَصّل إليها أبولّيناريوس واضحةٌ وضوح الشّمس: إنَّ طبيعتي ابن الله المتجسِّد ليستا اثنتَيْن، وإنّما طبيعةٌ واحدةٌ فقط، أي الطّبيعة الإلهيّة. فقد صَرَّحَ بما يلي: «ليس لابن الله الوحيد طبيعتان، واحدةٌ نتعبّد لها والأُخرى لا نتعبّد لها، وإنّما طبيعةٌ واحدةٌ لله اللّوغُس المتجسِّد»[14]. وعلى هذا النّحو، قد ظَهَرَت أوّلُ أنماط “المونوفيزيا” (أي القول بطبيعةٍ واحدةٍ للمسيح)، وهو التّعليم الّذي سيَستلهِم محتواه مِن هذه العبارة بالتّحديد. فسوف تُستعمَل هذه العبارة، ليس مِن قِبل مؤلِّفين مِثل أوطيخا الهَرطُوقيّ فحسب، وإنّما أيضًا مِن قِبل الأنبا كيرلس الإسكندريّ، إذ سينسبونها -عن طريقِ الخطأ- إلى القدّيس أثناسيوس (كما كان يحدث عادةً لبعض الكِتابات الهَرطُوقيّة الّتي تُدحَض، ولكن تُنشَر فيما بعد تحت اسمٍ آخر).

لقد حَدَثت ردّاتُ فعلٍ واسعةٌ ضدّ نظريّة أبولّيناريوس المُلتَبِسة مِن قِبل سينودُسات عديدة، ما بين الأعوام 377 و382م، ولا سيّما مِن قِبل البابا دماسيوس الّذي كَتَبَ، في الرّسالة إلى أسقُف أنطاكيا بَولينوس، ما يلي: «يجب الاعتراف بأنَّ الحِكمَة ذاتها، اللّوغُس ابن الله، قد اتَّخذ جسدًا بشريًّا، ونَفْسًا، ومَلَكةَ الإدراك الحسيّ والعقليّ، أي آدم بجملته؛ وبتعبيرٍ أدّق، قد اتَّخذ إنساننا العتيق كلّه، ما عدا الخطيئة وحدها»[15]. وقد اتّفق آباءُ السّينودُسات، ومِن بينهم القدّيس أَمبروسيُس الميلانيّ وأساقفة لاتين آخرون، على القبول بوجود النَّفْس البشريّة (“النُّوس”) في الرّبّ يسوع. ولكنّ إسهام آباء كبادوكية بنوعٍ خاصّ هو الّذي قَدَّمَ الدّوافع الرّاسخة لهذا الأمر المؤكَّد، أي وجود النَّفْس البشريّة العاقلة المُريدة في يسوع المسيح. فقد أعاد باسيليوس القيصريّ (330م تقريبًا-379م)، وغريغوريوس النّازيانزيّ (330م تقريبًا-390م تقريبًا)، وغريغوريوس النّيصيّ (335-394م تقريبًا)، اعتماد وتفعيل –بإصرارٍ شديدٍ– “مبدأ التّبادل” الّذي سَبَقَ ونادى به القدّيس أثناسيوس مِن قَبل: «كلُّ ما لا يُؤخَذ [مِن قِبل اللّوغُس]، لا يُشفَى؛ والعكس صحيح، كلُّ ما اُتِّحد بالله، هذا يَخلُص»[16]. وبكلماتٍ أُخرى، يعتمد الخلاصُ الكامل للإنسان، الّذي سَقَطَ في الخطيئة، على الاكتمال والكمال فيما اتَّخذه اللّوغُس مِن طبيعتنا البشريّة. وقام غريغوريوس النّازيانزيّ بالتّأكيد على ما يقلب رَأْسًا على عَقِبٍ نظريّةَ أبولّيناريوس، الّتي نادت بأنّ المسيح، لكي ما يخلِّصنا، كان يجب عليه أنْ يكون خاليًا ممّا ينبغي أنْ يخلِّصنا منه، وبالتّالي، من النَّفْس العاقلة المُريدة المسبِّبة للخطيئة؛ فقد أكّد غريغوريوس النّازيانزيّ على أنّ اللّوغُس المتجسِّد، مِن أجل أنْ يخلِّص الإنسانَ بأكمله، اتَّخذ كلَّ ما يخصّنا مِن حيث طبيعتنا البشريّة.

عبر إدانة الهَرطقة الأَبولّينارِيّة مِن قِبل مجمع القسطنطينيّة الأوّل (381م)، قد اُستُبعِد أحدُ أنماط اختزال ناسُوت-إنْسانيّة المسيح؛ ولكنّ التّفكير الثِّيولوجيّ حول معنى الطّبيعتَيْن، اللّتَيْن تشكّلان الشّخصَ الواحد الّذي هو يسوع المسيح، كان لا يزال بحاجةٍ إلى تعميقٍ أكثر. وبالتّحديد بفضل الآباء الكبادوكيّين، سَلَك الخطابُ الثِّيولوجيّ، الممتدّ مِن الخريسْتولوجيا إلى ثيولوجيا الثّالوث، دربًا سيُؤخَذ فقط لاحقًا. فبالإضافة إلى تصريحه أو مفهومه الخريسْتولوجيّ السّاطع ضدّ الهَرطقة الأَبولّينارِيّة، ينبغي ملاحظة الإسهام المتميّز والواضح الّذي قَدَّمَه غريغوريوس النّازيانزيّ بشأن المُعضلة الخاصّة بالتّمييز والوَحدة في مضمار ثيولوجيا الثّالوث أحديّ الجوهر. فهذا الإسهام كان له الفضلُ في إدخال المماثلة والمقابلة بين الخريسْتولوجيا (التّمييز بين الطّبيعتَيْن في وَحدة الأُقنوم-الشّخص) وبين عقيدة الثّالوث (التّمييز بين الأقانيم الثّلاثة في وَحدة الجوهر). وقد نالت هذه المماثلة أو المقابلة بدورها حَظًّا وفيرًا فيما بَعدُ. وبكلماتٍ أُخرى، ثَمَّة أقانيمُ ثلاثةٌ وطبيعةٌ واحدةٌ في الله؛ بينما في يسوع المسيح، ثَمَّة طبيعتان في شخصٍ واحد. وهذا كلُّه قد وَصَلَ إلينا اليوم بنوعٍ ما مِن الوضوح، ولكنّه لم يكن واضحًا هكذا للجميع في القرن الرّابع الميلاديّ، لأنّه لم تكن قد وُضِّحت بَعدُ الألفاظُ التّالية: “أُقنوم-شخص” و”طبيعة”.

بينما كان يدور النّقاشُ، في مُحيط الثّيولوجيا الشّرقيّة، حول ما إذا كان ابنُ الله الأزليّ ويسوعُ المولود مِن العذراء مَريم هما بمثابة “واحدٍ وعَيْنه” (“ذات الابن الواحد”)، وَفقًا لمدرسة الإسكندريّة، أمْ إنّهما بمثابة “واحدٍ وآخر”، وَفقًا لمدرسة أنطاكيا؟، كان التّفكيرُ الثِّيولوجيّ الغربيّ، الّذي استهلّه سابقًا ترْتُلّيانُس ونوفاطيانُس، يسلك دروبًا متباينة، ولا سيّما مع أَمبروسيُس الميلانيّ (339-397م)، وأَوْغسطينُس الهيبّونيّ[17] (354-430م)، بالإضافة إلى هيلاريوس البُواتيِاويّ (315-367م)، وهيرونيمُس أو جِيروم (347م تقريبًا-419 أو 420م)، وروفينُس الأَقيليّ († 410م)[18].

 

خامسًا: اعتبارات خريسْتولوجيّةٌ-ثالوثيّةٌ، مسكونيّةٌ، رعويّةٌ، عمليّةٌ، حول الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس

نودّ الآن تقديمَ بضعة اعتبارات موجزة أُخرى، مِن النّواحي الخريسْتولوجيّة-الثّالوثيّة، والمسكونيّة، والرّعويّة، والعمليّة، بشأن الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس. بدايةً، يجب علينا الاحتراس مِن التّصريح الشّائع والمتكرّر الّذي أصاغه أدُلف فون هارناك، منذ أكثر مِن قرنٍ مِن الزّمان، أي تصريحه القائل بأنَّ التّواصل/والقطيعة (أو الانتقال/والانقطاع) ما بين الكِريغما (أو الكِرازة) والعقيدة كان مِن فَرْط «عمل الرُّوح اليونانيّ في أرضيّة الإنجيل»[19]. فعندما يتبنّى أحدُهم –بشكلٍ جذريّ– منظورَ عدم إمكانيّة التّلاقي والتّقارب بين الإنجيل والثّقافة الهلِّينستِيَّة، فسوف يعني هذا أنَّه ينبغي له التّسليم حتمًا باستحالةِ التّعبير عن الإيمان بالمسيح في أيّ سياقٍ ثقافيّ آخر، وهذا بحُجّة عدم تلويث الإنجيل، وعدم تحريفه.

لقد عانت الكنيسةُ الكُبرى في بحثها عن الطّريقة الأنسب للحفاظ على إيمان العهد الجديد، الّذي يتميّز في حدِّ ذاته بالتّعدُّديّة والتّناسق فيما يتعلّق بفَهْمه للمسيح؛ وقد قَبِلَت الكنيسةُ أيضًا التّحدّيات الّتي واجهت الإيمان مِن قِبل البيئة اليونانيّة. وبالطّبع، تعلّق الأمر بمسيرةٍ غَلَبَ عليها الطّابعُ “الأُنْطولوجيّ”، إذ إنَّه اُنتُقِل مِن سرد أعمال الرّبّ يسوع (كما في العهد الجديد) إلى التّفكير حول كينونته (مع آباء الكنيسة والمجامع المسكونيّة الأُولى). ولذا، فما نلاحظه في هذه القرون الأُولى هو درجةٌ مختلفة لهذه التّأكيدات والتّصريحات البِيبْليّة عَيْنها، وليس قفزةً نَوعيّة حقيقيّة، أو تحوُّلًا في التّوجُّه.

وعبر مسيرة هذه القرون الأُولى وصولًا إلى مجمعَي نِيقيَا والقسطنطينيّة الأوَّل، والمجامع الأُخرى أيضًا، قد وُضِّحت جيّدًا، وبشكلٍ تدريجيّ، المفاهيم والمحتويات لهذه الألفاظ كلّها: فيزيس، أُوسِيَّا، أُقنوم، بروسوبُن، تبادل الخَصائص (أو المشاركة في الخَواصّ). وانطلاقًا مِن عقيدة الثّالوث المسيحيّ، وبفضلها، سيتحتّم على الجميع اكتشاف أنّ الوَحدة في يسوع المسيح لا ينبغي البحث عنها في “ماذا” يكون المسيح؟، وإنّما في “مَن” يكون المسيح؟، أي أنّ وَحدة المسيح لا تكمن في الطّبيعة الإلهيّة، أو في امتزاجِ واختلاطِ واقترانِ الطّبيعتَيْن الإلهيّة والبشريّة، وإنّما في الأُقنوم-الشّخص (“الاتّحاد الأُقنوميّ”). وفي هذا السّياق، في مضمار حديثه عن سِرِّ التَّجسُّد (“كون ابنِ الله اتّخذ طبيعةً بشريّة لكي يحقِّق فيها خلاصَنا”)، يؤكّد كِتابُ “الكاتيشيزم” الخاصّ بالكنيسة الكاثوليكيّة، ملخِّصًا مضمون هَرطقات القرون الأُولى وكذلك “اعتراف الإيمان” باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس، على ما يلي:

«إنّ الحادث الوحيد والفريد جدًّا لتجسّد ابن الله لا يعني أن يسوعَ المسيحَ إلهٌ في قسمٍ منه وإنسانٌ في قسمٍ آخر، ولا أنه نتيجةُ المزيج المُبهم للعنصرَين الإلهيّ والإنسانيّ. لقد صار إنسانًا حقًّا وبقيَ إلهًا حقًّا. يسوعُ المسيحُ هو إلهٌ حقٌّ وإنسانٌ حقّ. هذه الحقيقة الإيمانيّة اضطُرَّت الكنيسة إلى أن تُدافع عنها وتوضّحها في خلال القرون الأولى في وجه هرطقات كانت تزوّرها. الهرطقات الأولى أنكرت ناسوت المسيح الحقيقيّ أكثرَ ممّا أنكرت لاهوته (الظّاهريّة الغنوصيّة). ومنذ العهد الرسُوليّ شدّدت العقيدةُ المسيحيّة على التجسُّد الحقيقيّ لابن الله، “الآتي بالجسد”. ولكن منذ القرن الثالث اضطُرَّت الكنيسة إلى أن تناهض بولُس السُّمَيصاطيّ، وتُثبت، في مجمع عُقِد في أنطاكية، أن يسوعَ المسيحَ هو ابنُ الله بالطبيعة لا بالتبنّي. ومجمعُ نيقيةَ المسكونيُّ الأوّل، سنة 325، اعترف في قانون إيمانه أنّ ابن الله “مولودٌ لا مخلوق، وهو والآبُ جوهرٌ واحد” وأدان أريوس الذي ذهب إلى أنّ “ابنَ الله خرج من العدم”، وأنه من “جوهرٍ غير جوهرِ الآب”.

[…] الكنيسة تعترف هكذا أن المسيح إلهٌ حقًّا وإنسانٌ حقًّا بغير انفصال. إنه حقًّا ابنُ الله الذي صار إنسانًا، أخًا لنا، وذلك من غير أن يتوقّف عن أن يكون إلهًا، ربَّنا […] بما أنه في اتّحاد التجسُّد السرّيّ “الطّبيعةُ البشريّةُ مُتَّخذَة لا ممتصَّة”، فقد أُلْجِئَت الكنيسةُ عبرَ القرون إلى الاعتراف بملءِ حقيقةِ نَفْسِ المسيح البشريّة، مع أعمال عقلها وإرادتها، وبجسَده البشريّ. ولكن بإزاء ذلك كان عليها كلَّ مرَّة أن تُذكِّر بأن طبيعة المسيح البشريّة هي خاصّةُ شخص ابنِ الله الإلهيّ الذي اتّخذها. فكلُّ ما هو عليه، وكلُّ ما يعمل فيها مرجعه “إلى أحد [أقانيم] الثّالوث”. ومن ثَمَّ فابنُ الله يبثّ ناسوتَه الطريقةَ الخاصّة لوجوده الشخصيّ في الثّالوث. وهكذا فالمسيح يعبّر بشريًّا، في نفسه وفى جسده، عن السلوك الإلهيّ للثالوث […] ذهب أبولّيناريوس اللاذقانيّ إلى أن الكلمة في المسيح قامَ مقامَ النفس أو الروح. وضدَّ هذا الضلال اعترفت الكنيسة بأن الابنَ الأزليّ اتّخذ أيضًا نَفْسًا بشريّة عاقلة»[20].

ومِن جِهةٍ أُخرى، يدَّعي بعضُهم أنّ “الثّالوث المسيحيّ” مأخوذٌ من “ثالوث المثرائيّة”، أو “الثّالوث المصريّ-الفرعونيّ”؛ ويُقال إنّه يحتوي أيضًا على أب وابن وأُمّ (أي أشخاص ثلاثة مُتَبَاينة ومنفصلة ومتّسمة بالطّبيعة البيولوجيّة والجنسيّة). فإنْ دلَّ هذا على شيء، فإنّما يدلّ على أنّهم ليسوا على دِرايةٍ كافيةٍ بالثّالوث المسيحيّ، إذ إنّ الأقانيم الثّلاثة (آب وابن ورُوح) هم جوهرُ الله الأحد-الواحد. وبكلماتٍ أُخرى، نحن في المسيحيّة نحاول محاكاةَ سِرّ “الثّالوث الأحديّ الجوهر” و”الوَحدة الإلهيّة الثّلاثيّة”.

انطلاقًا مِن الأُسُس البِيبليّة، والعصر الآبائيّ، والمجامع المسكونيّة الأُولى و“قانون الإيمان” (ثمرة مجمعيّ نِيقيَا والقسطنطينيّة الأوَّل)، نؤمن ونعترف نحن المسيحيّين بالله الأحد-الواحد-الثَّالوث: آب وابن ورُوح قُدس. فبداخل ذات الله الأحد-الواحد، الآب هو الّذي وَلَد (ويَلِد) ولم يُولَد، والابن هو الّذي وُلِد (ويُولَد) ولم يَلِد، والرُّوح القُدس هو الّذي انبثَق (ويَنبثِق) من الآب والابن أو من الآب بالابن (أي اشتراك الابن في “انبثاق” أُقنوم الرُّوح القُدس –كما أوضح إسهامُ الفِكر الثِّيولوجيّ الغربيّ، وليس فقط مجرّد اشتراك الابن في “إرسال” الرُّوح القُدس من لَدُن الآب). وأمَّا على مستوى “التّدبير الإلهيّ”، الابن يكشف عن أبيه، ويشترك في مَنْحِ رُوح قُدسهما؛ والرُّوح القُدس يعلن عن الابن، ويكشف عن الآب؛ والآب يكشف عن الابن، ويهب رُوح قُدسهما بواسطة الابن[21].

يصف الكِتابُ المقدَّس الله بأنّه “محبّة” (1يوحنا 4: 4-8، 16)، وأنّ كيانه عَيْنه “محبّة”. ويعني هذا، كما أوضح البابا لاوُن الرَّابع عشر، البابا الـ 267 للكنيسة الكاثوليكيّة، في عظته بالقُدّاس الإلهيّ في “أحد الثّالوت الأقدس” (15 يونيو/حزيران 2025م): «الله، في ذاته، ليس ساكنًا ولا منغلقًا على نَفْسه، بل هو وَحدة وشركة، وعلاقة حيّة بين الآب والابن والرّوح القدس، علاقة منفتحة على البشريّة والعالم. يسمّي اللّاهوت هذه الحقيقة “pericoresi – περιχώρησις” أي “الرّقص وتشير الى العلاقة بين الأقانيم الإلهيّة الثّلاثة”: هي “رقص” المحبّة المتبادلة».

أمَّا على الصّعيد المسكونيّ، فلَيْت الاحتفال بمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ، يحثّنا نحن المسيحيّين -على تنوُّع عائلاتنا ومذاهبنا وطوائفنا- للسّعي جاهدين نحو وَحدتنا الكاملة والمنظورة في “المسيح الواحد”، اللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس. فتعبيرُ “[نحن] نؤمن”، الّذي بدأ به آباءُ مجمع نِيقيَا “قانون الإيمان”، يدفع الكنائس والجماعات المسيحيّة المعاصرة برُمّتها إلى أن تجد نَفْسها في شركةٍ ووَحدةٍ، متحدّين في التّمجيد والتّسبيح والشُّكر والعبادة للثّالوث القُدوس أحديّ الجوهر، ولأُقنومه الثّاني، ابن الله المخلّص، “مُساوٍ للآبِ في الجَّوهَرِ”. فكما تشير “اللّجنةُ الثِّيولوجيّة العالميّة”، في وثيقتها “يَسُوع المسيح، ابن الله، المخلِّص”، لَيْت عامَ 2025 الّذي أوشك على الانتهاء، والأعوام المقبلة أيضًا، يكونوا فُرصةً «لجميع المسيحيّين أنْ يحتفلوا معًا بهذا الإيمان وبالمجمع [النِّيقاويّ] الّذي سَمَحَ بالتّعبير عنه. إنَّ المسكونيّة الثِّيولوجيّة [أي الحوار اللّاهوتيّ] تُركّز اهتمامها وجهودها، بشكلٍ مشروعٍ، على نِقاط اختلافاتنا العالقة؛ ولكن مِن المؤكّد أيضًا أنّه من المُثمر جدًّا، إنْ لم يكن أكثر إثمارًا، أن نحتفل معًا بهذه الذّكرى، للمُضي قُدمًا نحو استعادة الشّركة الكاملة بين جميع المسيحيّين، حتّى يؤمن العالم» (بند 44)[22].

وأخيرًا، على الصّعيد الرّعويّ والعمليّ، وبغضّ النّظر عن الشُّروحات والتَّفسيرات والمقاربات المتعدّدة حيال السِّرّ المركزيّ في الإيمان المسيحيّ وحياة المؤمنين، أي سِرّ “الثّالوث”، ينبغي لنا أن نتذكّر كلمات البابا فرنسيس الرّائعة والمعبّرة، بشأن الطّريقة المُثْلَى للإيمان بالثّالوث، والاحتفال به، والشّهادة له، إذ إنّه سِرٌّ يُعاش بالأفعال، لا بالكلام والكُتب فحسب؛ ويُعَدُّ “ثورةً في أسلوب حياتنا”. فقد أكّد البابا على ما يلي:

«القضيّة ليست قضيّة لاهوتيّة، بل هي ثورة في أسلوب حياتنا. الله، الّذي فيه يحيا كلّ أُقنوم من أجل الآخر في علاقة مستمّرة، وفي رباط مستمّر، وليس لنَفْسه، يدفعنا إلى أن نعيش مع الآخرين ومن أجل الآخرين. يدفعنا إلى أن نكون منفتحين على الآخرين. اليوم يمكننا أن نسأل أنفسنا: هل تعكس حياتنا الله الّذي نؤمن به؟ أنا الّذي أعلن إيماني بالله الآب والابن والرّوح القدس، هل أؤمن حقًّا أنّي، لكي أحيا، أنا بحاجة إلى الآخرين، وبحاجة إلى أن أهب نَفْسي إلى الآخرين، وبحاجة إلى أن أخدم الآخرين؟ هل أؤكّد ذلك بالكلام أم أوكّد ذلك بحياتي؟ أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، يجب أن يظهر الله الثّالوث والوحيد، بهذه الطريقة، بالأفعال أوّلًا قبل الأقوال. الله، مُكَوِّنُ الحياة، يجب أن نُظهِرَه بشهادة حياتنا، أكثر من إظهارنا له من خلال الكُتب. الله، كما كتب يوحنّا الإنجيليّ هو “مَحبَّة” (1يوحنّا 4، 16)، أظهر نَفْسه من خلال المحبّة. لنفكّر في الأشخاص الصّالحين والكرماء والودعاء الذين التقينا بهم: لنتذكّر طريقة تفكيرهم وتصرّفهم، ويمكننا أن نرى فيهم ولو صورة ضئيلة لله الّذي هو محبّة. ماذا تعني المحبّة؟ إنّها لا تعني فقط أن نريد الخير وأن نفعل الخير، بل تعني قبل ذلك، في الأصل، أن نستقبل الآخرين، ونكون منفتحين على الآخرين، ونفسح مجالًا للآخرين، ونعطي مساحة للآخرين. هذه هي المحبة في الأصل»[23].

 

خَاتمةٌ

لقد قدمنا عرضًا موجزًا للتّطوُّر الّذي حَدَثَ للصُّور الخاصّة بالرّبّ يسوع المسيح، منذ العهد الجديد وصولًا إلى المسيحيّة المتهوّدة، وإلى الحقبة الهلِّينستِيَّة (حتّى النُّصف الأوّل مِن القرن الخامس الميلاديّ)، وقَدَّمنا أيضًا بضعةَ اعتبارات موجزة أُخرى، مِن النّواحي الخريسْتولوجيّة-الثّالوثيّة، والمسكونيّة، والرّعويّة، والعمليّة، بشأن الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس؛ فلا يتبقّى لنا إِلَّا أنْ نرجو –كحُجّاجِ الرَّجَاءِ المسيحيّ– أنّ “قانون الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ” يُغذِّي حياتنا المسيحيّة والكنسيّة والمسكونيّة واليوميّة، ويوجّهها على نحوٍ متزايد.

وكذلك ينبغي لنا –نحن المؤمنين المعمَّدين– أن نكون حذرين أشدَّ الحذرِ من الوقوع في “إلحادٍ فعليّ-عمليّ”، كما أطلقَ عليه البابا لاوُن الرَّابع عشر، عبر اختزالنا ليَسُوع المسيح في مجرّد كونه إنسانًا فحسب، أو قائدًا كاريزميًّا، أو رجلًا خارقًا (سوبرمان). ففي العَالَم المعاصر، ومع غياب الإيمان بالله الّذي “يجلب معه مرارًا مآسي مِثْل فقدان معنى الحياة، ونسيان الرّحمة، والاعتداء على كرامة الإنسان في أقسى أشكاله، وأزمة العائلة، وجراح أخرى كثيرة يتألّم منها مجتمعنا بشدّة”، «نحن مدعوّون إلى أن نشهد للإيمان بالمسيح المخلّص وبفرح، كما علّمنا البابا فرنسيس مرّات عديدة. لذلك، بالنّسبة لنا أيضًا، من الضّروري أن نردّد: “أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متّى 16: 16). من الضّروري أن نقوم بذلك أوّلًا في علاقتنا الشّخصيّة معه، وفي التزامنا في مسيرة توبتنا اليوميّة. وأن نقوم بذلك أيضًا، بكوننا كنيسة، فنعيش معًا انتماءنا إلى الرّبّ يسوع وننقل البشرى السّارّة إلى الجميع (راجع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، دستور عقائدي في الكنيسة، نور الأمم، 1)»[24].

 

بِيبْلِيوغْرافيا أَسَاسِيَّة

أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك (دكتور)، «”الأُقنومُ الإلهيُّ الثَّالثُ” في بَعْضِ الوَثائِقِ الكَنسيّة»، مجلّة “نجم المشرق”، العدد 107 (27) 2021، ص 206-211.

التّعْليمُ المسِيحيّ للكَنيسة الكاثوليكيّة، المكتبة البُولسيّة، جونيه – لبنان، 1999.

دنتسنغر – هونرمان (إعداد)، الكنيسة الكاثوليكيّة في وثائقها، الجزء الأوّل، ترجمة يُوحَنّا مَنصُور وحنَّا الفَاخُوري، (سلسلة “الفكر المسيحيّ بين الأمس واليوم”، 27)، منشورات المكتبة البُولسيّة، جونيه – لبنان، 2001.

  1. Grillmeier, Gesù il Cristo nella fede della Chiesa, voll. I/1; I/2, Dall’età apostolica al concilio di Calcedonia (451), Paideia, Brescia 1982; vol. II/1: La ricezione del concilio di Calcedonia (451-518), Paideia, Brescia 1996; vol. II/2: La chiesa di Costantinopoli nel VI secolo, Paideia, Brescia 1999; vol. II/4: La chiesa di Alessandria, la Nubia e l’Etiopia dopo il 451, Paideia, Brescia 2001.
  2. Orbe, Cristología gnóstica. Introducción a la soteriología de los siglos II y III, 2 vols., La Editorial Católica, Madrid 1976.
  3. Sesboüé – J. Wolinski, Storia dei Dogmi, vol. I: Il Dio della salvezza (I-VIII secolo), Piemme, Casale Monferrato 20002.
  4. D. G. Dunn, Gli albori del cristianesimo, vol. II. Gli inizi a Gerusalemme, t. 1. La prima fase, Paideia, Brescia 2012; t. 2. Paolo, apostolo dei gentili, Paideia, Brescia 2012; t. 3. La fine degli inizi, Paideia, Brescia 2007.
  5. W. Hurtado, Signore Gesù Cristo. Venerazione di Gesù nel cristianesimo più antico, 2 tomi., Paideia, Brescia 2006-2007.
  6. Gronchi, Trattato su Gesù Cristo Figlio di Dio Salvatore, Queriniana, Brescia 2008, 20122.
  7. Gronchi, Gesù Cristo, (Le parole della fede), Cittadella Editrice, Assisi 2012.

https://www.vatican.va/roman_curia/congregations/cfaith/cti_documents/rc_cti_doc_20250403_1700-nicea_it.html

[1] لمعرفة المزيد عن سِيرَة حياته، ورحلاته الرّسوليّة، وتعاليمه الحبريّة، ومؤلَّفاته الكاملة، ونياحته، ونَصّ وصيّته الرّوحيّة، راجع: أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك (دكتور)، «البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر: بِيوغْرَافيا مُوجَزة»، مجلّة “نور على الطريق”، العدد الأوّل لعام 2024 (رقم 145/ 750)، ص 1-23.

[2] بِنِدكْتوس السَّادس عشر (الحَبر الأعظم)، الرّسالة العامّة “اللهُ محبّة”، منشورات اللّجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام، جل الدّيب – لبنان، 2005، بند 1، ص 3.

[3] B. Pascal, Pensamientos, (Los grandes pensadores, 44), SARPE, Madrid 1984, n. 728, 253.

[4] فيما يتعلّق بـ”يُوبِيل الرَّجاء” (عام 2025م)، وقضيّة الرَّجاء المسيحيّ (وجوديًّا وفلسفيَّا وكِتابيًّا)، وعن كوننا “حُجّاجَ رجاءٍ” أو “حُجّاجَ الرَّجَاءِ”، راجع: أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك (دكتور)، «حُجّاجُ الرَّجَاءِ في يُوبِيل الرَّجَاء»، مجلّة “النّسُور”، العدد رقم (14) شتاء 2025، ص 169-179.

[5] فرنسيس (أسقف روما)، “الرَّجاء لا يُخَيِّب” مرسوم الدّعوة إلى اليُوبِيل العاديّ لسنة 2025 (9 مايو/أيَّار 2024)، بند 17.

https://www.vatican.va/content/francesco/ar/bulls/documents/20240509_spes-non-confundit_bolla-giubileo2025.html

[6] Cf. https://www.vatican.va/roman_curia/congregations/cfaith/cti_documents/rc_cti_doc_20250403_1700-nicea_it.html

[7] Clemente Alessandrino, Pedagogo I, 3, 3.

[8] Cfr. Origene, I principî II, 6, 3.

[9] Ario, Lettera a Eusebio di Nicomedia 4-5.

[10] هَرطقةُ “التَّبعيّة” (subordinazionismo) نادت بأنَّ الابن، مِن حيث ترتيبه، يُعَدُّ في مرتبةٍ أقلّ مِن الله (الآب).

[11] مجمعُ نِيقيَا، «قانون الإيمان»، في: دنتسنغر- هونرمان (إعداد)، الكنيسة الكاثوليكيّة في وثائقها، الجزء الأوّل، ترجمة يُوحَنّا مَنصُور وحنَّا الفَاخُوري، (سلسلة “الفكر المسيحيّ بين الأمس واليوم”، 27)، منشورات المكتبة البُولسيّة، جونيه – لبنان، 2001، بندان 125-126، ص 44-45.

[12] Cfr. Atanasio, L’incarnazione del Verbo II, 8.

[13] Cfr. Atanasio, Trattati contro gli Ariani III, 33, 1:

«إنْ لم تكن أفعالُ أُلوهيّة اللّوغُس قد تَمَّت بواسطة الجسد، لم يكن بمقدورِ الإنسان أنْ يتألّه؛ وكذلك، إنْ لم يكن كلُّ ما هو خاصٌّ بالجسد قد نُسِب للوغُس، لم يكن بمقدور الإنسان أنْ يتحرّر منه بشكلٍ نهائيّ».

[14] Apollinare, A Gioviano 1.

[15] Damaso I, Lettera Per filium meum al vescovo Paolino di Antiochia, in H. Denzinger – P. Hünermann (edd.), Enchiridion symbolorum definitionum et declarationum de rebus fidei et morum, EDB, Bologna 1995, 148.

راجع أيضًا دماسيوس الأوّل، «رسالة “Per filium meum” إلى بَولينوس أسقف إنطاكية»، في: دنتسنغر – هونرمان (إعداد)، الكنيسة الكاثوليكيّة في وثائقها، الجزء الأوّل، بند 148، ص 56.

[16] Gregorio di Nazianzo, Prima lettera a Cledonio 7.

[17] نسبةً إلى مدينة “هيبو”، الّتي كان القدّيس أَوْغسطينُس أسقُفها، منذ عام 392 ميلاديًّا حتّى نياحته.

[18] وهذا رُبَّما يكون موضوعَ مقالةٍ أُخرى بمعونةِ العِناية الإلهيّة.

[19] A. von Harnack, Manuale di storia del dogma I, Casa Editrice Cultura Moderna, Mendrisio 1912, 10.

[20] التّعْليمُ المسِيحيّ للكَنيسة الكاثوليكيّة، المكتبة البُولسيّة، جونيه – لبنان، 1999، بنود 464-465 و469 و470 و471، ص 153-156.

[21] كمُحاكاةٍ أو مُقاربةٍ وجيزةٍ لسِرِّ أُقنوم الرُّوح القُدس في وَثائِق الكَنسيّة الكاثوليكيّة، راجع: أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك (دكتور)، «”الأُقنومُ الإلهيُّ الثَّالثُ” في بَعْضِ الوَثائِقِ الكَنسيّة»، مجلّة “نجم المشرق”، العدد 107 (27) 2021، ص 206-211.

[22] https://www.vatican.va/roman_curia/congregations/cfaith/cti_documents/rc_cti_doc_20250403_1700-nicea_it.html

[23] https://www.vatican.va/content/francesco/ar/angelus/2022/documents/20220612-angelus.html

[24] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/homilies/2025/documents/20250509-messa-cardinali.html

البابا أثناسيوس الرسولي في ذاكرة القبط

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: إبراهيم ساويرس

منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، حظي مفهوم “الذاكرة” بأهمية بالغة في عدد من مجالات الدراسات الإنسانية. ويُعزى انطلاق حقل دراسات الذاكرة إلى العمل الرائد الذي قَدَّمه الـمُنظِّر موريس هالبفاكس (Maurice Halbwachs)،[1] إذ اعتبر أن الذاكرة ليست مجرد عملية عقلية فردية لاستحضار أحداث من الماضي، بل إنها أداة تتيح لجماعة بشرية ما تشكيل هويتهم الـجَمعية الموحدة. وقد برهن هالبفاكس على أن الذاكرة لا تُعيد بناء الماضي من أجل ذاته، بل من أجل الحاضر، وخصوصًا عندما تتعلق بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها مَن يتذكر. وبهذا تُصبح الذاكرة الجمعية وسيلة لتحديد هوية الجماعة الإنسانية.[2]

تابع بيير نورا (Pierre Nora) مشروع هالبفاكس وطوَّره في عدة مؤلفات ضخمة؛[3] إذ ركَّز على ما أسماه “أمكنة الذاكرة” (Lieux de Mémoire) التي تحتفظ فيها المجتمعات بذكرياتها. وتوصَّل نورا إلى أن الذاكرة الجمعية يمكن أن تتجلى في طيف واسع من الأشكال، كالمعالم الأثرية، والشخصيات، والرموز، والطقوس. وقد تناولت مجلدات نورا، من بين ما تناولته، الهوية اليونانية والرومانية في العصور القديمة بالتحليل الدقيق.[4]

أما يان أسمان (Jan Assmann)، فقد قدَّم إضافات نوعية إلى هذا الحقل فاقت سابقيه، مميزًا بين نمطين من الذاكرة الجمعية: الذاكرة التواصلية (Communicative Memory)، وهي التي تمتد لما يقرب من 80 إلى 100 عام، وتشمل الجيل الذي ينقل ذكرياته عن أحداث وشخصيات معينة إلى الجيل التالي، وبعد هذه الفترة الزمنية، تحل محلَّها ما يُعرف بالذاكرة الثقافية (Cultural Memory)، وتُعد الذاكرة الثقافية وسيلة تستعيد بها الجماعة الإنسانية تشكيل هويتها مِن خلال تمثيلات ثقافية وتجليات متنوعة. ويُناط بمجموعات معينة من الأفراد مسؤولية هذا الانتقال من الذاكرة التواصلية إلى الذاكرة الثقافية، من خلال الحفاظ على هذه الذاكرة عبر عديد من الوسائط يتجلى من بينها النصوص الأدبية القديمة. هذه الجماعة من الأفراد تسمى بحسب أسمان “خبراء الذاكرة” أي المسؤولون عن صياغتها.[5]

وانطلاقًا من ذلك، فإن الأدب الذي تنتجه جماعة دينية أو اجتماعية ما يعكس هويتها كما أرادت أن تعرضها. وتُظهِر النصوص الأدبية القديمة التاريخ المرتبط بالهوية كما أراد مؤلفوها أن يُروى؛ إذ يلعب السارِد في هذه المدونات دورين متداخلين: المشارك في الحدث، والراوي له.[6] كما أن عملية التذكر وتغييب بعض الوقائع في هذه النصوص تتيح لنا اليوم أن نفهم الماضي بطرائق مختلفة.[7] وبعبارة أخرى فإن الذاكرة الجمعية يمكن أن تُدرس من زوايا متعددة، من بينها الأدب.[8]

وفي هذا السياق، استثمر عالِمان من المتخصصين في القبطيات مفاهيم الذاكرة في أبحاثهما. فقد أشار هوجو لوندهاوج (Hugo Lundhaug) إلى التداخل بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية عند دراسة الأدب الرهباني المنسوب إلى كلٍّ من الأنبا باخوميوس والأنبا شنودة،[9] مُركزًا على طريقة تذكُّر الرهبان المقيمين معًا لمقاطع معينة من الكتاب المقدس، وكيف أثَّر ذلك في حياتهم اليومية وظهر في كتاباتهم.[10] أما مالكوم تشوت (Malcolm Choat)، فقد فحص عشرات النقوش القبطية في مواقع رهبانية متعددة في مصر، وهي في الغالب قوائم من الأسماء تبدأ بذكر الثالوث الأقدس، ثم أسماء عدد من القديسين، ثم مؤسس المنطقة الرهبانية، وتنتهي بساكن القلاية الحالي حيث كُتبت قوائم الأسماء على جدرانها.[11] وقد خلُص تشوت إلى أن هذه القوائم تؤدي وظيفة “الدعامة” للذاكرة الجمعية للرهبنة؛ إذ تربط بين السماء بالأرض، مِن الراهب المعاصر إلى اسم الرب نفسه، مرورًا بقديسي الجماعة الرهبانية المحلية.[12] وقد تمكَّن كلٌّ من لوندهاوج وتشوت من توظيف مفاهيم دراسات الذاكرة لتقديم فهم أعمق للنصوص القديمة وتفسير أسباب وجودها بهذا الشكل المحدد.

ومن جهة أخرى، يدور ما يقرب من أربعين من النصوص القبطية[13] حول شخصية القديس أثناسيوس الإسكندري، البطريرك العشرين للإسكندرية (حوالي 296/298–2مايو 373م).[14] وتشمل هذه النصوص خليطًا من أنواع شتى من الأدب، مثل التفسيرات الكتابية، والرسائل الفصحية، والكتابات الرهبانية، والخطب الوعظية. أما من ناحية الأصالة، فإن غالبية هذه الأعمال القبطية غير أصيلة، والقليل منها لم يزل محل جدل، والقليل جدًّا يُعد أصيلًا.[15] وعلى الرغم من أن معظم هذه النصوص غير محفوظة باللغة اليونانية -اللغة التي كَتَبَ وتكلم بها أثناسيوس نفسه- إلا أن هناك احتمالًا قويًّا بأنها أُلِّفت أصلًا بهذه اللغة.

ويركِّز هذا المقال على الكتابات المنتحلة على اسم أثناسيوس والمحفوظة باللغة القبطية، بالإضافة إلى نصوص أخرى دُوِّنت بعد نياحته بعدة قرون، لتمجيد شخصه. وقد أُدرِجت سيرة عربية لأثناسيوس في إطار هذه الدراسة نظرًا لكونها تمثل نسخة كاملة من سيرة قبطية وصلتنا غير كاملة. ويُراد من تحليل هذه النصوص الوقوف على الكيفية التي حَفَظَ بها الأقباط ذِكرى أثناسيوس الإسكندري في ذاكرتهم الجمعية عبر الزمن، وفيما إذا كان بالإمكان استكشاف الدوافع الكامنة وراء ذلك.

في عظة قصيرة، ولكنها مكتملة، عنوانها: “عن الإخوة الذين قدموا إلينا” (CPG 2186, Clavis Coptica 0047)،[16] يرحب أثناسيوس بجماعة من الرهبان ويلقي عليهم خطابًا. ولا يُذكر في نص العظة مناسبة الزيارة، ولا يُعطى أي إطار زمني لها، غير أن العظة تنقل مديحًا واضحًا للرهبان بوصفهم “أبناء المصلوب” و”صورة آبائنا”، وتُمجِّد طهارتهم وكفاحهم ضد الشيطان. ويستعين الكاتب ببركة موسى للاوي ويسقطها على الرهبان.[17] وقد بدأ النص بعنوانه الذي ذُكِرَ فيه اسم أثناسيوس الإسكندري مباشرةً بعد العنوان كمؤلف بشكل صريح، والنص محفوظ فقط باللغة القبطية في مخطوط وحيد يعود إلى القرن الحادي عشر.[18]

ومن الواضح أن هذا النص لا يُعَدُّ رسالة؛ إذ يخاطب فيه المؤلف جمعًا من الرهبان حاضرين أمامه، لكن من الممكن أن يكون إعادة تحرير لاحقة لرسالة. ونظرًا لورود النص في سياق رهباني، فإنه يُعد تأييدًا صريحًا للرهبنة من قِبل بطريرك الإسكندرية. ويعكس النص في الوقت ذاته طبيعة العلاقة الوطيدة بين أثناسيوس نفسه والرهبان، حيث يظهر هؤلاء كأصدقاء يزورونه بانتظام ويستمعون إلى مواعظه. وقد سبق للباحث مناقشة هذا الموضوع -علاقة أثناسيوس بالرهبنة- في ضوء بعض النصوص المنتحلة على اسمه في مقال سابق.[19]

في عظة بديعة بعنوان “مَثَل العُمَّال في الكرم”[20] (CPG 2181, Clavis Coptica 0060)،[21] يُقدِّم البابا أثناسيوس تفسيرًا نصيًّا متماسكًا لمستمعيه. إذ يفسر العمَّال الذين استأجرهم رب الكرم بأنهم أنبياء الله، ويُسقِط على مَن جاءوا في الساعة التاسعة اسم موسى وهارون ويشوع بن نون،[22] أما مَن جاءوا بعد الظهر فهم صموئيل وداود، ويستمر بهذا النسق حتى يربط بين آخر مَن أتى بالرسل تلاميذ المسيح، مُبينًا من خلال ذلك رحمة الله عبر العصور وسعيه لفداء شعبه. ويُقدِّم بهذه الطريقة درسه الروحي في انسيابية، مستخدمًا تعليقات بسيطة ومباشرة على المثل.

وفي ختام العظة، حين يحتجُّ أحد العُمَّال على ما يراه ظلمًا في الأجور، يحدد البابا أثناسيوس هويته بأنه يهوذا الإسخريوطي، ويشن عليه هجومًا صعبًا، متَّهِمًا إياه بشتى أنواع الشرور.[23] وعلى مدار العظة، يُكثِر أثناسيوس من الاستشهاد بعهدي الكتاب المقدس القديم والجديد، واصفًا هذه الاقتباسات بـ”مجدافي سفينة الخلاص”.[24] وتُظهِر هذه العظة أثناسيوس في صورة الراعي الصالح الذي يعظ رعيته بلطف، ويُحذِّرهم من أن يكونوا مثل يهوذا الذي خان الرب، وعارض خطته في خلاص العالم. وهكذا يتجلى أثناسيوس في النص كمفسِّر للكتاب المقدس وواعظ روحي في آن.

لاستكمال الصورة الذهنية لأثناسيوس كمفسِّر كتابي وواعظ، نعتمد على نص آخر ذي طابع تفسيـري للكتاب المقدس يُنسب إليه، ومحفوظ حصريًّا باللغة القبطية. يتمثل هذا النص في عظة يتناول فيها مثل “صديق منتصف الليل”[25] (CPG 2194, Clavis Coptica 0057).[26] منذ افتتاحية هذه العظة التي تفسر لوقا 11: 5-9، يوضِّح المؤلف أنه سيقدِّم التفسير على مستويين: الأول تفسير حرفي أو مادي، يعيد فيه سرد المثل بأسلوبه الخاص ويُعرِّف الشخصيات الأساسية فيه،[27] والثاني تفسير روحي يستخلص من خلاله القيم والمعاني الخفية الكامنة في المثل.[28]

يفسر أثناسيوس الأرغفة الثلاثة التي طُلبت من “صديق منتصف الليل” على أنها تمثِّل الصوم، والصلاة، والدموع. ولجعل تفسيره مقنعًا لمستمعيه، يستشهد بثلاث آيات كتابية تحتوي على هذه الكلمات الثلاث، على الرغم من أن مضمونها لا يرتبط بسياق المثل نفسه. ويصوِّر أثناسيوس السيد الرب على أنه الصديق الموجود في المنزل، أما الإنسان الذي يسير نحوه في منتصف الليل فهو كل إنسان. وينصح الجمهور بألا ينتظروا “منتصف الليل”، أي نهاية الحياة، للرجوع إلى الله.[29] تعزِّز هذه العظة صورة أثناسيوس في الوعي القبطي بصفته واعظًا ومفسرًا للكتاب المقدس.

كتب الأسقف قسطنطين الأسيوطي[30] مديحين لتمجيد أثناسيوس الإسكندري. في المديح الأول (Clavis Coptica 0123)،[31] يُحدَّد له يوم في التقويم القبطي (السابع من شهر بشنس) ليُعيَّد له كقديس. ويروي قسطنطين أن أثناسيوس أنقذ الإسكندرية من عاصفة بحرية عظيمة، وذلك حين أحضر نسخة من سفر التكوين وفتحها على المواضع التي وعد فيها الرب نوح بعدم إهلاك الأرض بالطوفان (تكوين 8: 21؛ 9: 11–12).[32] فتوقفت العاصفة استجابةً لشفاعة البار أثناسيوس، قديس الله.

ويسعى قسطنطين، في أثناء رواية المعجزات التي صنعها أثناسيوس، لإقناع مستمعيه بحقيقتها، فيصرِّح بأنه سمعها من شاهد عيان. بهذا يصنع سلسلة نقل شفهي تربطه مباشرة بأثناسيوس، مما يُكسِب روايته مصداقية.[33] وفي إحدى هذه الروايات، يذكر أن أثناسيوس، في أثناء هروبه من خصومه، كان يغسل الخضار مع طفل صغير في حوض ماء متواضع ببيت فقير جدًّا في صعيد مصر. وحين وصل إليه خصومه -وهم على الأرجح من أتباع أريوس- لم يتمكنوا من التعرف على وجهه بإرادة إلهية، فنجا منهم. بعد ذلك صار موضع حوض الماء محل لحدوث الكثير من المعجزات،[34] وهي عادة قبطية شهيرة في تحديد مواضع حدود الخوارق وارتباطها بقصص القديسين.

في مطلع المديح الثاني على البابا أثناسيوس (Clavis Coptica 0124)،[35] يتأمل قسطنطين في اللقب الاستثنائي، “الرسولي”، الممنوح لأثناسيوس، مشيرًا إلى أن كل واحد من آباء الكنيسة يستحق لقبه بناءً على أعماله، ولكن أثناسيوس وحده يُضاهي رسل المسيح أنفسهم. ثم يستخدمه قسطنطين باعتباره نموذجًا أعلى للكهنوت، مخاطبًا عنه الكهنة الحاضرين في عيد القديس.[36] وقرب نهاية المديح، يخاطب قسطنطين أثناسيوس نفسه بصيغة المتكلم المباشر، طالبًا شفاعته كي ينال المجد الذي ناله أثناسيوس من الله والناس، كما يرجو خلاصه هو شخصيًّا.[37] أظن أنه من الواضح تمامًا أن كتابات الأسقف قسطنطين قد حاولت تقدم البابا أثناسيوس في صورة القديس والشفيع، وأن تجعله مثالًا للكاهن الكامل، وأن تقنع المتلقين بأن الله قد دعمه بموهبة صنع المعجزات طوال سني حياته، وبالأكثر في أزمنة نفيه.

ومن الجليِّ أيضًا، كما لاحظ مارك شريدان، أن قسطنطين أصرَّ على إبراز أفضلية البابا أثناسيوس؛ ففي المديح الأول، يقارنه بموسى النبي، فكما واجه موسى مقاومة من بني إسرائيل، كذلك واجه أثناسيوس مقاومة الأريوسيين. وفي المديح الثاني، يُذكِّر قسطنطين مستمعيه بآباء الكنيسة الأوائل وألقابهم، مثل باسيليوس وغريغوريوس النزينزي وغيرهما، ليخلص إلى أن لقب أثناسيوس “الرسولي” يفوقهم جميعًا.[38]

ورغم أن هذين المديحين لا يُقدِّمان معطيات تاريخية يُعتمد عليها لإثبات قداسة البابا أثناسيوس أمام عقول القارئين أو السامعين، إلا أنهما يعكسان صورته الراسخة في الكنيسة القبطية بعد قرون من نياحته كقديس. ليس هذا فحسب، بل تضعه تفاصيل المديحين في صورة روحية تتفوق على بعض الشخصيات الكتابية وآباء الكنيسة الآخرين. يبدو أن تعظيم شخصية أثناسيوس يزداد حتى يصبح البطل الأوحد والمثالي للكنيسة، فقد قُدِّم باعتباره محاربًا للأفكار الهرطوقية وصانع معجزات، وبما أن هذه النصوص هي مدائح في طبيعتها الأدبية، وقد ألقيت في يوم أو ليلة عيد القديس صاحبها، أمام جمهور جاء خصيصًا للاحتفال بقديسه المحبوب وسماع المديح فيه، فإن صورة القديس التي يُروَّج لها كانت تُشارَك مسبقًا بين المادح والمستمعين، مما يدل على رسوخ هذه الصورة لأثناسيوس كما تصفه تلك النصوص في الذاكرة الجماعية القبطية بشكل مطلق أو على الأقل بشكل جزئي.

وفي مديح آخر يُنسب إلى البابا كيرلس الإسكندري (CPG 5273, Clavis Coptica 0180)،[39] تتسع ظاهرة أثناسيوس بصفته قديسًا قادرًا على شفاء الناس من الأمراض بقوة عجائبية. يُصوَّر أثناسيوس فيها قديسًا (في أثناء حياته) يأتي إليه الناس طلبًا للشفاء من أمراضهم في شكل عادة مكررة ومعروفة.[40] وفي شاهد مختلف من مخطوطات نفس النص، يُروى أن أثناسيوس أقام صبيًّا من الموت في مدينة إيساوريا،[41] وكأن المؤلف المنتحل قد أراد أن يصيغ شخصية أثناسيوس على نمط المسيح نفسه.

يربط هذا المديح البابا أثناسيوس بمدينة إيساوريا وسكَّانها. ففي عام 359م، عُقد مجمعان كنسيان: أحدهما في سيلوقيا بمنطقة إيساوريا في آسيا الصغرى للأساقفة الشرقيين، والآخر في ريميني بإيطاليا للأساقفة الغربيين، وكان الهدف من المجمعين التوافق على قانون إيمان موحد للكنيسة الجامعة، لكن النتيجة كانت انقسامًا حادًّا بين المجمعين والتوصل إلى نتائج متناقضة.[42] لم يحضر القديس أثناسيوس أيًّا من المجمعين، لكنه ألّف كتابه “عن المجامع” (CPG 2128) في هذه المناسبة مؤيدًا فيه قانون الإيمان النيقاوي.[43]

ورغم عدم وجود أي مصدر تاريخي يوثِّق زيارة البابا أثناسيوس لإيساوريا، أو زيارة أهلها له، فإن العديد من الروايات المتخيَّلة استخدمت هذه الفكرة لتشكيل صورة أثناسيوس في الذاكرة القبطية الجمعية على مر العصور. تم تصوير إيساوريا بشكل أساسي كمكان نُفي إليه أثناسيوس وأمضى به عدة سنوات. انشغل هناك بتحويل سكانها إلى المسيحية، كرسول يتبع خطى رسل المسيح، كما يروي المديح السالف الذكر.[44]

ومن اللافت للنظر أن العظة المذكورة سابقًا على تفسير لوقا 11: 5–9 استثمرت موضوع الإيساوريين بذكاء بالغ، من خلال اختلاق زيارة معاكسة لقادة إيساوريا إلى أثناسيوس في الإسكندرية. ويبدو أن محرر النص النهائي كان على دراية بهذه التقاليد، كما يتضح من الثناء غير المباشر الذي يوجهه أثناسيوس لضيوفه الإيساوريين.[45] ويُستدعى الإيساوريون هنا لغرضين: أولًا، لإدراج العظة ضمن سيرة أثناسيوس التاريخية وتصويره راعيًا صالحًا حتى للإيساوريين، وثانيًا، لاستخدام تساؤلات رجال الإكليروس الإيساوريين كأداة لخلق تماسك في بنية العظة، إذ تتضمن العظة بعد التفسير المُتقن لمثل صديق منتصف الليل، قصة عن القديس باخوميوس وما صنعه مع الأسقف فويبامون، وتعليقًا على صداقة داود ويوناثان، وسردًا خياليًّا لأعمال مجمع نيقية، وكلها موضوعات لا تربطها علاقة بالمَثَل أو ببعضها البعض. لذا استخدم المحرر الإيساوريين كأداة وصل بين هذه الموضوعات؛ إذ يبدأ كل موضوع جديد في نصه غير المتماسك بالإشارة إلى أن القديس أثناسيوس يتحدث في ذلك الموضوع بعينه ردًّا على أسئلة قدمها له إكليروس إيساوريا.[46]

يتّضح مما سبق أن الأقباط احتفظوا في ذاكرتهم الجمعية بصورة أثناسيوس باعتباره صانع عجائب، ورسولًا أُرسل إلى إيساوريا لينشر فيها المسيحية، وهو يمارس أعماله الرعوية حتى في أحلك ظروف النفي. وقد استمرت هذه الذكرى في النصوص العربية المنتحلة على اسمه.[47] ففي السيرة العربية الطويلة المحفوظة بالكامل لأثناسيوس، والتي تمثل ترجمة شبه حرفية عن أصل قبطي،[48] يظهر أن أثناسيوس حصل على موهبة شفاء المرضى منذ شبابه، عندما كان شماسًا لدى البابا ألكسندروس رئيس أساقفة الإسكندرية السابق عليه. وتسرد السيرة العربية لأثناسيوس العديد من العجائب المرتبطة بهذه القدرة الإعجازية، مما يجعله شبيهًا بالقديس بطرس الرسول.[49]

يُركِّز مترجم السيرة العربية -وهو مجهول بطبيعة الحال- على تشكيل صورة أثناسيوس كرسول على شاكلة بطرس. ويذكر أنه بشَّر عددًا كبيرًا من الإيساوريين، وعمَّد 3000 شخص منهم دفعة واحدة،[50] تمامًا كما فعل بطرس يوم العنصرة (أعمال 2: 41). ويبدو أن أثناسيوس نجح في كسب معظم سكان إيساوريا للمسيح، وأنجز عملًا رسوليًّا كبيرًا. ولاحقًا احتاج الإيساوريون إلى بناء كنيسة كبيرة، فقام أثناسيوس بسيامة أسقف لهم يُدعى كونون، وهو نفسه المعروف من مديح كيرلس الإسكندري الذي نوهنا له آنفًا.[51]Top of Form

 

 

 

 

في خلال إحدى فترات نفيه كراعٍ مُضطهد ومدافع عن الإيمان الأرثوذكسي القويم، لجأ أثناسيوس إلى صعيد مصر؛ إذ عاش ثلاث سنوات بين أتباع من المسيحيين من أهل الصعيد الذين أحسنوا استقباله دون أن يدركوا أنه رئيس أساقفة الإسكندرية. وهو لم يشأ أن يُعرِّفهم بشخصه لكي ينال ثمر أتعابه ومكافأته السماوية. وقد عمل أثناسيوس مساعدًا لصبَّاغ فقير في بانوبوليس (أخميم الحالية)، حيث قَبِلَ أن يؤدي كل المهام المتواضعة التي كلفه بها معلمه الصبَّاغ، بما في ذلك خدمة معلمه وزوَّاره، وتحضير الطعام لهم، وغسل أوانيهم. إن هذا التواضع الذي أبداه أثناسيوس في أثناء فترة هربه كما ترويه السيرة العربية، تشهد وتؤكد عليه العظة القبطية الصعيدية “عن القتل والجشع وأيضًا عن ميخائيل رئيس الملائكة” (CPG 2191, Clavis Coptica 0048)،[52] ويُعد سمة أساسية في شخصية أثناسيوس الرسولي كما رسخت في الذاكرة القبطية الجمعية. فعلى الرغم من أنه كان يتحلى بقوى روحية فائقة، إلا أنه عاش حياة في غاية التواضع، وهو ما يُعزِّز أيضًا التصور القائل بأن أثناسيوس كان راهبًا أمينًا أو مناصرًا مخلصًا للحركة الرهبانية.

وتضيف السيرة العربية لأثناسيوس حادثة عجائبية أخرى وقعت في خلال فترة هربه في بانوبوليس، وإن كانت هذه الرواية تنزع إلى المبالغة. فهي تحكي أنه بينما كان أثناسيوس يسير مع أحد مساعدي الصبَّاغ بالقرب من معبد وثني، بدأ يُحدِّث مَن تحوَّلوا حديثًا إلى المسيحية عن قدرة الله اللامحدودة، وقال أثناسيوس إن الله قادر حتى على أن يُهلِك المعابد الوثنية الضخمة. وعندما اقترب أثناسيوس من المعبد، تهدَّم بفعل قوى سماوية إلى حجارة صغيرة.[53] ومرة أخرى، يبدو أن هذه القصة الخاصة بتدمير المعابد الوثنية تسعى إلى تشكيل صورة أثناسيوس على غرار الطفل يسوع في أثناء زيارته لمصر، حين كانت المعابد الوثنية ترتج وتسقط عند مروره بجوارها، وهي قصص كانت شائعة وشعبية في مصر منذ القرن الرابع على الأقل.[54]

وتوجد نصوص قبطية أخرى تربط بين أثناسيوس والكائنات السماوية. فهناك عظتان منسوبتان إليه كُتبتا كليًّا أو جزئيًّا لمدح رئيسي الملائكة ميخائيل وجبرائيل. في العظة “عن ميخائيل وجبرائيل رئيسي الملائكة”،[55] ينسب المؤلف على لسان أثناسيوس عدة قصص يظهر فيها رئيسا الملائكة كداعمَين للمظلومين. ويُستخدم حضور رئيسَي الملائكة في هذه القصص لإقناع المستمعين بأن الكائنات السماوية قادرة على كشف الخطايا الخفية للبشر، وذلك من أجل تقديم الدرس الروحي للحضور، وحث المستمعين على تجنب ارتكاب الخطايا. ومن ناحية أخرى، فإن هذه القصص التي يرويها هذا المؤلف الذي انتحل اسم البابا الرسولي، تجعل أثناسيوس يبدو كشخصية ذات سلطان وتأثير عميق. يتحدث أثناسيوس عن رئيسي الملائكة كما لو كان واحدًا منهما، عارفًا بكيفية كلامهما وتصرفهما، وما يفعلانه وما أشكالهما.[56] ولا يقتصر دوره على نقل الروايات عنهما، بل يقدِّم أيضًا عظات ومدائح مُطَّولة عنهما، مستعرضًا معرفته وصلاته المثبتة والموثقة برؤساء الملائكة، مستشهدًا بعدة مصادر كتابية وأبوكريفية لتفسير دورهم في التاريخ وفي حياة المؤمنين المعاصرين. وبهذا يبدو أثناسيوس كشاهد عيان وناقل لتلك الحوادث التي أبطالها رئيسي الملائكة ميخائيل وجبرائيل، وكأنه جسر يصل بين جماعته الأرضية والكائنات السماوية.

ومن اللافت للنظر هنا أن القصص التي يرويها أثناسيوس غالبًا ما تدور حول أناس مجهولين للمستمعين. فهو يتحدث عن العجائب التي حدثت لأشخاص عاديين تمامًا ومُجهَّلين في الرواية ولا يعرفهم جمهور العظة، مما يجعل من المستحيل التحقق من صحة هذه القصص من زاوية المستمعين، ويجعل الإيمان بها هو الخيار الوحيد المتاح لهم. ويتأكد هذا النهج حين يظهر أثناسيوس بصفته راويًا وشخصية محورية في الوقت نفسه. ففي العظة “عن القتل والجشع”، يروي أثناسيوس أنه بعد أن أمضى ثلاث سنوات في الهرب بصعيد مصر، أرسل الله إليه رئيس الملائكة ميخائيل ليعزيه ويُعلمه بانتهاء زمن محنته. وأكثر ما يلفت النظر في هذه القصة هو الوصف المفصَّل والمفعم بالألوان الذي يقدمه أثناسيوس عن ميخائيل، إذ يقول: “رفعت عينيَّ إلى السماء، فرأيت نورًا عظيمًا فوقي، رأيت برقًا كالنار. وشاهدتُ رئيس الملائكة ميخائيل، وكان مظهره مهيبًا للغاية، وجناحاه ممدودان، وكان كل جناح منهما يزيد عن خمس أذرع طولًا، ويُشبه نارًا مشتعلة. وكان مرتديًا دِرعًا من نار، وساقاه كالنحاس المصقول والمنصهر في أتون، وفي يده اليمنى صولجان نوراني هائل، وفي اليسرى سيف ناري، ووجهه وعيناه كانتا تُشعان نارًا تجاه وجهي…”.[57] وتُقدَّم هذه الأوصاف الحيوية الواضحة لرئيس الملائكة من أجل تكريس العلاقة الروحية العميقة بين أثناسيوس والكائنات الملائكية في أذهان جمهور العظة.

وفي تشكيل الذاكرة الثقافية للأقباط حول أثناسيوس الإسكندري، ليس كل ما نُسب إليه من نصوص مفيدًا في هذا السياق. فعلى سبيل المثال، في العظة “عن الرحمة والدينونة” (CPG 2180, Clavis Coptica 0079)،[58] يُصوَّر أثناسيوس كواعظ يُقدِّم شروحًا كتابية لبعض مقاطع من رسائل القديس بولس الرسول، ويتناول فيها قضايا الحياة اليومية مثل الغِنى والفقر.[59] ويتكرر نفس الموضوع بشكل أوسع في العظة “عن عيد العنصرة” (CPG 2192, Clavis Coptica 0052)، المنسوبة لأثناسيوس الإسكندري، دون أن تضيف سمات جديدة لشخصية البابا أثناسيوس.[60] والغرض من كليهما هو إبراز صور الرسولي أثناسيوس كراعٍ صالح يُرشد سامعيه في شؤون حياتهم اليومية. ومن اللافت أن هذه المواضيع علمانية في طبيعتها ولا ترتبط بالسياق الرهباني الذي (يغلب الظن) أن هذه النصوص قد أنتجت فيه.

أما أثناسيوس كواعظ ومُفسِّر كتابي، فيتجلى بشكل أوضح في العظة “عن قيامة لعازر” (CPG 2185, Clavis Coptica 0049)،[61] فبعد أن أمر المسيح لعازر بالخروج من القبر، خرج الأخير ملفوفًا بأربطة كتان، ثم قال المسيح للحاضرين: “حُلُّوه ودعوه يذهب” (يوحنا 11: 38–44). ومن هذه الحادثة القصيرة، يبدأ أثناسيوس في تفسير ضرورة العمل مع الله لنيل الخلاص،[62] ويظهر أثناسيوس لجمهور هذه العظة المنتحلة كمُفسر بارع وواعظ له جمهور عريض. ويمكن تتبع نفس الفكرة في العظة “عن آلام المسيح ومكان الدينونة” (CPG 2184, Clavis Coptica 0051)،[63] إذ يعظ أثناسيوس عن الآلام التي قبلها المسيح من أجل البشرية، ويتحدث عن اليوم الذي يُلقي فيه العظة باعتباره يوم عيد، وربما يقصد به يوم الجمعة العظيمة. كما يُساوي بين الذين يخطئون ولا يتوبون وبين الذين صلبوا المسيح.[64] ومن هذه الأمثلة، يُفهم أن أثناسيوس قد رُسمت صورته في الذاكرة القبطية الجمعية كواعظ يُلقي عظاته في مناسبات مختلفة مِن السنة الليتورجية القبطية، يعظ عن أحداث حياة المسيح ومعجزاته، بالإضافة إلى عظات لمدح المخلوقات السماوية.

ومن المؤكد أن الأدب يلعب ثلاثة أدوار في إنتاج الذاكرة الثقافية: كوسيط للتذكر، وكموضوع للتذكر، وكأداة لمراقبة إنتاج الذاكرة الثقافية.[65] والنصوص الأدبية المُشار إليها أعلاه كانت أداة في يد الأقباط على مدى قرون لإعادة إنتاج صورة بطلهم أثناسيوس الإسكندري. ومن المؤكد أن عملية إعادة إنتاج هذه الشخصية التاريخية قد تأثرت بدراما تاريخية معينة. تلقت كنيسة الإسكندرية أول صدمة كبرى لها بعد مجمع خلقيدونية عام 451م.[66] بعد هذا المجمع وحرمان البطريرك ديسقوروس الأول (444–458م)،[67] بدأت الكنيسة القبطية ترى نفسها كنيسةً مستقلةً ناشئة.[68] وكل مؤسسة دينية ناشئة تحتاج إلى ارتباط قوي بالماضي، ليس من أجل تمجيد هذا الماضي فحسب، بل أيضًا لأجل ضمان وحدة أتباعها كداعم من خلفها. وقد شكَّلت شخصية أثناسيوس نموذجًا مثاليًّا لربط الكنيسة المستقلة الوليدة بتاريخها المجيد. وقد أُعيد تشكيل هوية وشخصية أثناسيوس ليتوافق مع الاحتياجات الجديدة للكنيسة، فهو يُقدَّم كواعظ يُلقي عظاته في مناسبات مختلفة من التقويم القبطي، ومفسر للكتاب المقدس، ومن خلال تفسيراته تُنقل الرسائل الروحية، كما أنه، باعتباره قديسًا من الماضي، لا بد وأنه قد أتى بعجائب لا تُحصى.

نحن هنا إذن، أمام “أثناسيوس مستحدث لم يُخترع شخصه من العدم، بل أُعيد استخدام نصوص وحكايات قديمة لإنتاج صورة جديدة له.[69] وقد حملت هذه الصورة الجديدة لأثناسيوس كل ما يحتاج إليه “رجال” الكنيسة الجُدد؛ فبما أنهم رهبان، وجب أن يظهر أثناسيوس كراهب حقيقي ومتعاون مع قادة الرهبنة في زمانه. ويمكن اعتبار الرهبان بحق “خبراء الذاكرة” كما وُصفوا آنفًا، إذ كانوا نشطين في إنتاج الكتب، وكانت مراكزهم الرهبانية هي المواقع التي أُنتج فيها أغلب الأدب القبطي.[70] وقد تولوا مهمة حفظ الذاكرة الثقافية للأقباط، وأعادوا تشكيل أثناسيوس كواحد منهم. ومن اللافت للنظر أنه في نقل شخصية أثناسيوس عبر الزمن، تم التعتيم على بعض السمات المعروفة لشخصيته، وأبرزها تقديمه كبطل حقيقي للأرثوذكسية دون توضيح لماهية الأرثوذكسية. فأثناسيوس ليس لاهوتيًّا في الذاكرة القبطية، بل تم تجاهل الجدل اللاهوتي تمامًا في هذه النصوص، وربما كان ذلك لتكييف المنتج الأدبي النهائي مع جمهور جديد أقل تعليمًا، وقد يكون أيضًا سمة من سمات الكنيسة القبطية المستقلة الجديدة. وبما أن الجدل اللاهوتي كان نقطة انطلاق متاعب الكنيسة في خلقيدونية، فقد قررت ببساطة أن تنأى بنفسها عنه.

لذا فقد حاولتُ في هذه الدراسة أن أستخدم دراسات الذاكرة كمنهجية جديدة لفهم الأدب القبطي المنتحل على اسم أثناسيوس الإسكندري. ويمكن تطبيق المنهجية ذاتها على مؤلفين آخرين نُسبت إليهم مجموعة كبيرة من الأعمال الأدبية القبطية، من خلال دراسات حالة متعددة. ومن خلال هذا، أعتقد أنه يمكننا الوصول إلى فهم أعمق للأدب القبطي، وإدراك السبب وراء هذا العدد الكبير من المؤلفات الزائفة المنسوبة لأسماء بعينها.

Bottom of Form

 

[1] Maurice Halbwachs, La mémoire collective (Paris: Presses Universitaires de France, 1950).

[2] Maurice Halbwachs, On Collective Memory, edited, translated with an Introduction by Lewis A. Coser (Chicago: The University of Chicago Press, 1992), 46-51.

[3] Pierre Nora, Les lieux de mémoire. 3 vols. (Paris: Gallimard, 1984-1992).

[4] Pierre Nora, “Between Memory and History: Les lieux de mémoire,Representation 26 (1989): 7-24.

[5] Jan Assmann, Das kulturelle Gedächtnis: Schrift, Erinnerung und politische Identität in frühen Hochkulturen (München: C.H. Beck, 2000), 48-66.

[6] Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon, 1995), 2.

[7] Monika Palmberger, How Generations Remember: Conflicting Histories and Shared Memories in Post-War Bosnia and Herzegovina (London: The Palgrave Macmillan, 2016), 12.

[8] Jeffrey A. Barash, Collective Memory and the Historical Past (Chicago: University of Chicago Press, 2016), 211.

[9] See Hugo Lundhaug, “Memory and Early Monastic Literary Practices: A Cognitive Perspective,” Journal of Cognitive Historiography 1 (2014): 114-116.

[10] Lundhaug, “Memory and Early Monastic Literary Practices,”: 109-110.

[11] Malcolm Choat, “Narratives of Monastic Genealogy in Coptic Inscriptions,” Religion in the Roman Empire 3 (2015): 410-413.

[12] Choat, “Narratives of Monastic Genealogy,”: 424-425.

[13] بدأ بيرند فيتا محاولة حصر هذه النصوص، واستكمل موقع الأطلس الجغرافي للأدب القبطي بقية العمل، راجع:

Bernd Witte, “Koptische Tradition,” in Peter Gemeinhardt (ed.), Athanasius Handbuch (Tübingen: Mohr Siebeck, 2011), 390-397; https://atlas.paths-erc.eu/authors/23, accessed in February 2024.

[14] For his life, see David M. Gwynn, Athanasius of Alexandria: Bishop, Theologian, Ascetic, Father (Oxford: Oxford University Press, 2012).

[15] دراسة وحيدة تناولت القواعد التي يحكم بها على مدى مصداقية نسبة النص إلى البابا أثناسيوس، وهي:

David Brakke, “The Authenticity of the Ascetic Athanasiana,” Orientalia 63 (1994): 17-56.

[16] Arnold van Lantschoot, “Une Allocution à des moines en visite chez S. Athanase,” Angelicum 20 (1943): 249-253.

[17] van Lantschoot, “Une Allocution à des moines,”: 253, n. 6.

[18] Brakke, “The Authenticity of the Ascetic Athanasiana,”: 34-44.

[19] Ibrahim Saweros, “The Perception of St. Athanasius of Alexandria in Later Coptic Literature,” in Gawdat Gabra and Hany N. Takla (eds.), Christianity and Monasticism in Northern Egypt (Cairo: The American University in Cairo Press, 2017), 109-117.

[20] Matthew 20: 1-16.

[21] Wallis Budge, Coptic Homilies in the Dialect of Upper Egypt Edited from the Papyrus Codex Oriental 5001 in the British Museum (London: Order of the Trustees, 1910), 80-89 (Sahidic Texts), 226-236 (English Translation).

[22] Budge, Coptic Homilies, 81, 227.

[23] Budge, Coptic Homilies, 86-87, 232-234.

[24] Budge, Coptic Homilies, 88, 234.

[25] Luke 11: 5-9.

[26] Ibrahim Saweros, Another Athanasius: Four Sahidic Homilies attributed to Athanasius of Alexandria, Two Homilies on Michael, the Homily on Luke 11: 5-9 and the Homily on Pentecost, 2 vols., CSCO 675-656, (Leuven: Peeters, 2019), I: 41-56 (Sahidic Text), II: 33-47 (English Translation).

[27] Saweros, Another Athanasius, I: 53-54, II: 41.

[28] Saweros, Another Athanasius, I: 54-58, II: 41-42.

[29] Saweros, Another Athanasius, I: 56, II: 34.

[30] لا نعرف كثيرًا عن سيرته الذاتية. رسم أسقفًا على يد البابا داميان (578-607)، ويُنسَب له عدد من النصوص العربية. اعتبر نائبًا للبطريرك ومستشارًا له خاصة في أمور اختيار الأساقفة الجدد.

René-Georges Coquin, “Saint Constantin, évêque d’Asyut,” Studia Orientalia Christiana Collectanea 16 (1981): 151-170, and most recently, Phil Booth, “A Circle of Egyptian Bishops at the End of the Roman Rule (c. 600),” Le Muséon 131 (2018): 30-35.

[31] Tito Orlandi, Constantini episcope ubris Siout: Encomia in Athanasiusm duo, CSCO 394-350, (Leuven: Peeters, 1974), I: 1-21 (Sahidic Text), II: 1-12 (Latin Translation).

[32] Orlandi, Constantini episcope ubris Siout, I: 8-10, II: 5-6.

[33] Orlandi, Constantini episcope ubris Siout, I: 12, II: 8. For more examples of the same technique of persuading in Coptic literature, see Gesa Schenke, “Creating Local History: Coptic Encomia Celebrating Past Events,” in Arietta Papaconstantinou (ed.), Writing True Stories: Historians and Hagiographer in the Late Antique and Medieval Near East (Turnhout: Brepols, 2010), 21-23. See also, William G. Rusch, “Coptic as a Resource in the Quest of the Historical Athanasius,” Enchoria 8 (1978): 87.

[34] Orlandi, Constantini episcope ubris Siout, I: 12-13, II: 8. The same story is to be compared with the miracles happened via the water wells of which Christ drank during the flight of the Holy Family into Egypt according to the Coptic tradition. See for example, Cornelis Hulsman, “Tracing the Route of the Holy Family Today,” in Gawdat Gabra (ed.), Be Thou There: The Holy Family’s Journey in Egypt (Cairo: The American University in Cairo Press, 2001), 31-52. Photos of these wells are attached to the article.

[35] Orlandi, Constantini episcope ubris Siout, I: 22-38 (Sahidic Text), II: 14-23 (Latin Translation).

[36] Orlandi, Constantini episcope ubris Siout, I: 25-27, II: 15-17.

[37] Orlandi, Constantini episcope ubris Siout, I: 35-36, II: 22-23.

[38] Mark Sheridan, “The Encomium in Coptic Literature of the Late Sixth Century,” in Paola Buzi and Alberto Camplani (eds.), Christianity in Egypt: Literary Production and Intellectual Trends, Studies in Honor of Tito Orlandi (Rome: Institution Patristicum Augustinianum, 2011), 459-461.

[39] Tito Orlandi, Testi Copti, 1- Encomio di Atanasio, 2- Vita di Atanasio (Milan: Instituto Editoriale Cisalpino, 1968), 17-42 (Sahidic Text), 55-71 (Italian Translation).

[40] Orlandi, Testi Coptic, 21-23, 59-60.

[41] Victor Ghica and Antonia St. Demiana, “His Toil was not in Vain: Two Unpublished Coptic Fragments of the Encomium on Athanasius attributed to Cyril of Alexandria (IFAO Inv. 79-80),” in Paola Buzi, Alberto Camplani and Federico Contardi (eds.), Coptic Society, Literature and Religion from Late Antiquity to Modern Times: Proceedings of the Tenth International Congress of Coptic Studies, Rome September 17th – 22th, 2012 and Plenary Reports of the Ninth International Congress of Coptic Studies, Cairo, September 15th- 19th, 2008 (Leuven: Peeters, 2016), 958-960.

[42] Gwynn, Athanasius of Alexandria, 14-15; Timothy D. Barnes, Athanasius and Constantius: Theology and Politics in the Constantinian Empire (Cambridge: Harvard University Press, 1993), 144-148, 161-162.

[43] Gwynn, Athanasius of Alexandria, 15.

[44] Orlandi, Testi Coptic, 27-28, 61-62.

[45] Saweros, Another Athanasius, I: 51-52, II: 39-40.

[46] See for example, Saweros, Another Athanasius, I: 64-65, II: 50.

[47] راجع قائمتي لهذه النصوص في:

Ibrahim Saweros, “The Arabic Corpus of Pseudo Athanasius of Alexandria,” in Gawdat Gabra and Hany N. Takla (eds.), Christianity and Monasticism in Alexandria (Cairo: The American University in Cairo Press, 2020), 139-148.

[48] Wadi Awad, “Arabic Life of St. Athanasius translated from Coptic,” The Friend of the Priest 56-58 (2016-2018): 38-45, 42-48.

[49] Awad, “Arabic Life of St. Athanasius,”: §33-63.

[50] Awad, “Arabic Life of St. Athanasius,”: §83.

[51] Awad, “Arabic Life of St. Athanasius,”: §84-85; Ghica and St. Demiana, “His Toil was not in Vain,”: 959.

[52] Saweros, Another Athanasius, I: 39, II: 34-35.

[53] Awad, “Arabic Life of St. Athanasius,”: §110-118.

[54] Stephen J. Davis, “Ancient Sources for the Coptic Tradition,” in Gawdat Gabra (ed.), Be Thou There: The Holy Family’s Journey in Egypt (Cairo: The American University in Cairo Press, 2001), 142-146.

[55] Saweros, Another Athanasius, I: 3-19, II: 1-15.

[56] على سبيل المثال: يروي أثناسيوس قصة عن رجل غني من بنتابوليس. في هذه القصة يرى طفلًا صغيرًا وقع عليه بعض الظلم وتعرض لمكيدة، ويتناقش رئيسا الملائكة ميخائيل وجبرائيل بخصوصه. ويسمع متلقي النص حوارًا عن كيف يتخذ رئيسا الملائكة قرارًا بخصوص الطفل. يظهر أثناسيوس في القصة وثيق الصلة بهما، وعارفًا لطريقتهما في التفكير والتصرف. راجع:

Saweros, Another Athanasius, I: 8-10, II: 5-7.

[57] Saweros, Another Athanasius, I: 46, II: 36.

[58] Budge, Coptic Homilies, 58-65 (Sahidic Text), 204-211 (English Translation).

[59] Budge, Coptic Homilies, 64, 210.

[60] Saweros, Another Athanasius, I: 84-98, II: 67-79.

[61] Joseph B. Bernardin, “The Resurrection of Lazarus,” The American Journal of Semitic Languages and Literatures 57 (1940): 262-290.

[62] Bernardin, “The Resurrection of Lazarus,”: 269, 287.

[63] Joseph B. Bernardin, “A Coptic Sermon attributed to St. Athanasius,” Journal of Theological Studies 38 (1937): 113-129.

[64] Bernardin, “A Coptic Sermon,”: 121-124.

[65] Astrid Erll and Ann Rigney, “Literature and the Production of Cultural Memory: Introduction,” Euorepean Journal of English Studies 10 (2006): 112.

[66] عن هذا المجمع وتاريخه والنتائج الخطيرة التي ترتبت عليه، راجع:

Richard Price and Michael Gaddis, The Acts of the Council of Chalcedon. 3 vols. (Liverpool: Liverpool University Press, 2005).

[67] Martiniano P. Roncaglia, “Dioscorus I,” in Aziz S. Atiya (ed.), The Coptic Encyclopedia, vol. 3, (New York: Macmillan, 1991), 912-915.

[68] Stephen J. Davis, The Early Coptic Papacy: The Egyptian Church and its Leadership in Late Antiquity (Cairo: The American University in Cairo Press, 2004), 88-91.

[69] عن إعادة إنتاج نصوص قبطية جديدة من أخرى قديمة، وعن الظاهرة نفسها من منظور أوسع، راجع:

About reproducing new texts from older ones in Coptic, see Tito Orlandi, “Coptic Literature,” in Aziz S. Atiya (ed.), The Coptic Encyclopedia, vol. 5, (New York: Macmillan, 1991), 1450-1560; ‘Hypoleptischer Horizen’ in Assmann, Das kulturelle Gedächtnis, 280-285.

[70] Chrysi Kotsifou, “Books and Book Production in the Monastic Communities of Byzantine Egypt,” in William E. Klingshrin and L. Safran, The Early Christian Book (Washington: The Catholic University in America Press, 2007), 48-60.

 

البانطوكراتور بين مجمع نيقية ومفهوم كالفن

 اسم الكاتب: بيتر وديع

المقدَّمة

يُعدّ مصطلح البانطوكراتور (Pantokrator) واحدًا من أبرز الألقاب المسيانيّة التي شكَّلت الوعي اللاهوتي والكنسي عبر العصور؛ فهذا اللقب، الذي يظهر بوضوح في الليتورجيا الأرثوذكسيّة وفي النصوص الكتابيّة، لا يُختزل في مجرد تعبير لغوي بل يحمل ثقلاً لاهوتيًّا عميقًا يرتبط بمفهوم سلطان المسيح وربوبيته على كل الخليقة.

والآن ونحن في عام 2025 تحتفل الكنيسة الجامعة، بمختلف طوائفها ومذاهبها، بمرور 1700 عام على انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول (325م). ويأتي هذا المقال في إطار هذا الاحتفال التاريخي الذي شكّل علامة فارقة في صياغة الإيمان المسيحي. والعودة إلى نيقية اليوم ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي أيضًا استدعاء لروح الوحدة والشهادة المشتركة في حاضر الكنيسة ورسالتها.

وإذا كان مجمع نيقية (325م) قد رسم معالم الإيمان القويم في مواجهة الأريوسيّة، فإن مفهوم البانطوكراتور نجد فيه أرضية صلبة لفهم سيادة المسيح. ومع مرور السنوات نجد أيضًا أن اللاهوتي المصلح الشهير جون كالفن في القرن السادس عشر قدّم رؤية إصلاحيّة أعادت إبراز معنى البانطوكراتور في ضوء سلطان كلمة الله وعنايته الإلهيّة.[1]

وستتناول – عزيز القارئ –  هذه المقالة مصطلح البانطوكراتور من خلال أربعة محاور. الأول: المعنى اللغوي واللاهوتيّ للمصطلح، الثاني: المعنى النيقوي (أي ارتباطًا بسياق مجمع نيقية)، الثالث: المعنى الإصلاحي ولاسيما في فكر ولاهوت جون كالفن، والرابع: التطبيقات العمليّة لهذا المفهوم، حتى لا نكون في اغتراب مع الوقاع العملي اليومي. ودعونا نبدأ بالمحور الأول. 

 المحور الأول: ما هو المعنى اللغويّ واللاهوتيّ لمصطلح البانطوكراتور؟

في البداية أريد أن أوضح أن مصطلح البانطوكراتور مشتق من اللغة  اليونانيّة  παντοκράτωρ، وهو مركب من كلمتين؛ الكلمة الأولى هي:  παντός بمعنى “الكل” أو “الجميع”. والكلمة الثانية هي: κράτος  بمعنى “القدرة” أو “القوة” أو “السلطان“. وبهذا المعنى، عندما نضم الجزئين معًا نجد أنه  يُشير البانطوكراتور إلى “المتحكّم في الكل” أو “ضابط الكل“. وقد ورد هذا  اللقب في العهد الجديد خاصة في سفر الرؤيا 1: 8؛ 4: 8؛ 19: 6، وتُرجم في ترجمة البستاني فاندايك إلى “القادر على كل شيء“.[2]

وبالنسبة للناحية اللاهوتيّة، يُبرز لقب البانطوكراتور أبعادًا عدة في الدراسات اللاهوتيّة، ولكنني هنا أريد أن أبرز بُعدين أساسيين هما: أولًا، بُعد السيادة الإلهيّة، حيث يُعلن أن المسيح ليس إلهًا محدودًا في مجال ضيق أو مختص بجماعة معينة، بل هو رب الكل الذي يحكم الزمن والمكان والخليقة جمعاء. ثانيًا، بُعد العناية الإلهيّة، أي أن سيادة المسيح ليست سيادة طاغية أو ديكتاتوريّة، بل هي سيادة محبة تحفظ الخليقة وتقود التاريخ نحو مقاصد الله الخلاصيّة.[3]

كما ارتبط هذا اللقب في التقليد المسيحي المبكر بالأيقونة الشهيرة للمسيح البانطوكراتور؛ حيث يُصوَّر الرب ممسكًا بالكتاب المقدّس ورافعًا يده بالبركة، في دلالة مزدوجة: إعلان كلمته وحكمته، وبسط نعمته وسلطانه. وبذلك، أصبح البانطوكراتور علامة حيّة على وحدة صفات المسيح من القوة والمحبة، الحق والنعمة، الدينونة والخلاص.

المحور الثاني: كيف نفهم البانطوكراتور في إطار مجمع نيقية؟

ارتبط مفهوم البانطوكراتور ارتباطًا وثيقًا بمجمع نيقية (325م)، حيث كان الصراع الأساسي في هذا السياق يدور حول هوية المسيح، وهل هو “مخلوق” كما زعمت الأريوسيّة، أم “مولود غير مخلوق” و”مساوٍ للآب في الجوهر” كما أعلن قانون الإيمان. لقد وفّر لقب البانطوكراتور أرضيّة كتابيّة ولاهوتيّة تؤكد أن المسيح لا يمكن أن يكون أقل من الآب نفسه، لأنه يشارك الآب في السلطان المطلق على الخليقة والتاريخ.[4]

أصرّ أثناسيوس الرسولي، أحد أبرز المدافعين عن الإيمان النيقاوي، على أن المسيح البانطوكراتور هو ضابط الكل، ليس بمعنى قوة مفوّضة من الآب، بل باعتباره الكلمة الأزلي، “به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يوحنا 1: 3). فلو لم يكن الابن إلهًا حقيقيًّا، لَما أمكنه أن يحمل هذا السلطان الكوني أو يهب الخلاص للعالم.[5]

كما انعكس مفهوم البانطوكراتور في صياغة قانون الإيمان النيقاوي، حيث ورد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء.” إن هذه العبارات تعكس بوضوح أن السيادة الكونيّة التي يعبّر عنها لقب البانطوكراتور ليست مجازًا رمزيًّا، بل هي اعتراف بألوهية الابن وعمله الخلاصي. من هنا، أصبح البانطوكراتور ليس مجرد لقب كتابيّ أو ليتورجيّ، بل حجر زاوية في العقيدة المسيحيّة، يربط بين لاهوت المسيح وسلطانه على التاريخ، ويضمن أن الإيمان لا يُختزل في صورة أخلاقيّة أو تعليميّة بل في عبادة الله المتجسد، رب الكل وضابط الكل.[6]

المحور الثالث: ما هي علاقة مفهوم البانطوكراتور بلاهوت المُصلح جون كالفن؟

حين ننتقل من أجواء نيقية في القرن الرابع إلى الإصلاح في القرن السادس عشر، نجد أن مفهوم البانطوكراتور لم يختفِ، بل اتخذ أبعادًا جديدةً في فكر اللاهوتي المُصلح جون كالفن. لقد ركّز كالفن في كتابه أسس الدين المسيحي على سيادة الله المطلقة؛ إذ أعلن أن الله هو “المتحكم في كل شيء”، لا يترك شيئًا للصدفة بل يعمل في كل تفاصيل التاريخ والخليقة.[7] وهنا نرى بوضوح أن هذا المفهوم الإصلاحي يتناغم بوضوح مع معنى البانطوكراتور  النيقوي كـ “ضابط الكل”.

يؤكد كالفن أن هذه السيادة لا تُفهم فقط في بعدها الكوني، بل أيضًا في بعدها الخلاصي. فالمسيح هو رأس الكنيسة، الذي يقودها بعنايته، ويضبط حياتها بكلمته وروحه. بهذا، يربط كالفن بين لقب البانطوكراتور النيقوي وبين عقيدته في العناية الإلهيّة  (Providentia Dei) التي يرى فيها ضمانة لحياة المؤمنين، إذ لا يحدث شيء إلا بسماح الله وتدبيره. كما يرفض كالفن أي تصور يجعل الله متفرجًا على التاريخ. فالبانطوكراتور – بحسب فهمه حتى ولو لم يستخدم المصطلح مباشرة – هو الإله الحي الفاعل الذي يسود على الملوك والأمم، ويعمل في قلوب البشر لتحقيق مقاصده الخلاصية. وهنا يظهر البعد الإصلاحي لهذا المفهوم: السيادة المطلقة لله هي في الوقت نفسه مصدر راحة وتعزية للمؤمن، ومصدر خوف ورهبة للخطاة، لأنها تعني أن لا قوة بشريّة أو أرضيّة تستطيع أن تخرج عن سلطان المسيح.[8]

وبذلك، يستعيد كالفن مفهوم البانطوكراتور النيقاوي بطريقة لاهوتيّة عبقريّة وإن لم يستخدم المصطلح بشكل واضح وصريح، ولكن لأن المفهوم كتابي وكالفن يتمسك بالكتاب المقدّس بجديّة، نراه يُعيد صياغته في إطار جدلي مع قضايا عصره مثل: الحريّة الإنسانيّة، القضاء والقدر، وضبط الكنيسة تحت كلمة الله.

المحور الرابع: ما هي التطبيقات العمليّة اليوم لمفهوم البانطوكراتور؟

إن استيعاب مفهوم البانطوكراتور ليس مجرد قضية لاهوتيّة تاريخيّة، بل له تأثير عملي مباشر على حياة الكنيسة والمؤمنين اليوم. أولًا، يُعيد هذا المفهوم تشكيل نظرة المؤمن للعالم، فإذا كان المسيح هو ضابط الكل، فهذا يعني أن التاريخ ليس فوضى، بل يسير نحو قصد إلهي، هذه هي الرؤية تمنح المؤمن رجاءً وثقة وسط عالم مضطرب ومتألم.[9]

ثانيًا، يؤسس البانطوكراتور لروح العبادة والخشوع، فالمسيح الذي يُصوّر ممسكًا بالكتاب ورافعًا يده بالبركة، هو نفسه الذي يقود الكنيسة اليوم بكلمته وروحه، وهذا يدعو المؤمن إلى عبادة تمتلئ بالرهبة والفرح في آنٍ واحد.[10] 

ثالثًا، يقدم البانطوكراتور أساسًا عمليًّا لمفهوم العناية الإلهية في حياة المؤمن. فلا أحداث صغيرة أو كبيرة تقع خارج سيادة المسيح، مما يمنح راحة داخلية عميقة، خاصة في أوقات الألم أو الشك أو الاضطراب.[11]

رابعًا، للمفهوم أيضًا بُعد اجتماعي، فإذا كان المسيح هو رب الكل، وملك الملوك، وضابط التاريخ، فإن الكنيسة مدعوة إلى رفض تأليه القيم المجتمعية الزمنيّة السائدة أو الخضوع المطلق لها، بل عليها  أن تتعامل بعها بشكل نقدي، وتشهد في المجتمع لقيم الحق والعدل والسلام.[12]

أخيرًا، يظهر البانطوكراتور باعتباره تحديًا أمام الفرد والكنيسة معًا؛ هل نعيش تحت سيادة المسيح العمليّة اليوميّة؟ أم نترك حياتنا تتوزع بين قوى متناقضة؟ إن الاعتراف بأن المسيح هو البانطوكراتور يعني أن حياتنا كلها، فكرًا وممارسة، يجب أن تنقاد له وحده، وهذا هو لُب الإصلاح “المسيح وحده”

الخاتمة

يُظهر – عزيزي القارئ – تتبع مفهوم البانطوكراتور في هذا المقال، بأنه كيف ارتبط عبر التاريخ بصميم الإيمان المسيحيّ من صياغات نيقية التي أكدت ألوهية الابن، إلى فكر الإصلاح على يد جون كالفن الذي أبرز سيادة الله وعنايته، وصولًا إلى التحديات العمليّة المعاصرة. فهذا اللقب لا يُعبّر عن مجرّد صفة ليتورجيّة كنسية، بل عن إعلان جوهري لهوية المسيح وربوبيته على الخليقة والتاريخ. إن المسيح البانطوكراتور هو ضابط الكل، الذي يقود الكنيسة، ويعزي المؤمنين، ويواجه قوى الشر. لذلك، يبقى هذا المفهوم دعوة دائمة للعبادة، للرجاء، وللشهادة في عالم يحتاج إلى نور سيادة المسيح الحي.

لذا أصلي من كل قلبي لكَ عزيز القارئ أن تمتلئ من هذا المفهوم اللاهوتي المُلهم لينتقل إلى حياتك الروحيّة العمليّة، ويكون المسيح بالنسبة لكَ “ربًّا على الكُلِ”.

 

المراجع

المراجع الإنجليزية

Anatolios, Khaled. Athanasius: The Coherence of His Thought. London: Routledge, 1998.

Kelly, J. N. D. Early Christian Doctrines. 5th ed. London: Bloomsbury Academic, 2014. Accessed August 28, 2025. https://doi.org/10.5040/9781474213233?locatt=label:secondary_bloomsburyCollections.

Keller, Timothy. Walking with God through Pain and Suffering. New York: Penguin, 2013.

McGuckin, John Anthony. The Orthodox Church: An Introduction to Its History, Doctrine, and Spiritual Culture. Malden, MA: Blackwell, 2008.

Volf, Miroslav. A Public Faith: How Followers of Christ Should Serve the Common Good. Grand Rapids: Brazos Press, 2011.

Ware, Kallistos. The Orthodox Way. Rev. ed. Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1995.

Wright, N. T. Surprised by Hope: Rethinking Heaven, the Resurrection, and the Mission of the Church. New York: HarperOne, 2008.

 المراجع العربيّة

أثناسيوس المقاري. معجم المصطلحات الكنسية. القاهرة: مطابع صحارى، 2021.

كالفن، يوحنا. أسس الدين المسيحي. تقديم وتحرير جورج صبرا. ترجمة أديب عوض، وليد هرموش، فيكتور مكاري. الجزء الأول. بيروت: دار منهل الحياة، 2017.

[1] John Anthony McGuckin, The Orthodox Church: An Introduction to Its History, Doctrine, and Spiritual Culture (Malden, MA: Blackwell, 2008), 114.

[2] أثناسيوس المقاري، معجم المصطلحات الكنسية (القاهرة: مطابع صحارى، 2021)، 129–130.

[3] Kallistos Ware, The Orthodox Way, rev. ed. (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1995), 28.

[4] Kelly, J. N. D. Early Christian Doctrines. 5th ed. London: Bloomsbury Academic, 2014. Accessed August 28, 2025. https://doi.org/10.5040/9781474213233?locatt=label:secondary_bloomsburyCollections.

[5] Khaled Anatolios, Athanasius: The Coherence of His Thought (London: Routledge, 1998), 67–69.

[6] Kallistos Ware, Ibid.

[7] يوحنا كالفن، أسس الدين المسيحي، تقديم وتحرير جورج صبرا، ترجمة أديب عوض، وليد هرموش، فيكتور مكاري، ج1 (بيروت: دار منهل الحياة، 2017)، 193-195.

[8] المرجع السابق.195-196.

[9] N. T. Wright, Surprised by Hope: Rethinking Heaven, the Resurrection, and the Mission of the Church (New York: HarperOne, 2008), 92–94.

[10] Kallistos Ware, Ibid, 45.

[11] Timothy Keller, Walking with God through Pain and Suffering (New York: Penguin, 2013), 56–57.

[12] Miroslav Volf, A Public Faith: How Followers of Christ Should Serve the Common Good (Grand Rapids: Brazos Press, 2011), 102–104.

السياق الاجتماعي لانعقاد مجمع نيقية تحليل سوسيوتاريخي

الدكتورة سامية قدرى

 اسم الكاتب: سامية قدري

تعيننا قراءة السياق الاجتماعي التاريخي لأي حقبة أو مجتمع على فهم أي ظواهر تطرأ على هذا المجتمع، سواء كانت هذه الظواهر سلبية أو إيجابية، صالحة أم طالحة، مرغوبًا فيها أو غير مرغوب، فكلها نتاج لهذا السياق، خاصةً عندما يكون هذا السياق مفعمًا بالتطورات السريعة، والمتلاحقة، والمذهلة، والمتغيرة في الوقت ذاته، وأيضًا عندما يتميز هذا السياق بعدم التجانس الناجم عن وجود تنوع ثقافي وعرقي لا مثيل له. هكذا كانت الإمبراطورية الرومانية التي امتدت عبر الزمان والمكان وحوت من الشعوب والثقافات ما جعلها أكبر إمبراطورية في التاريخ، وما جعلها أيضًا تموج بالصراعات السياسية والدينية، الداخلية والخارجية، التي كانت أحد الأسباب الرئيسية لزوالها، وما جعل نظامها الاجتماعي نظامًا متفردًا استطاع أن يبقى أثره، حتى بعد زوال نظامها السياسي. في منتصف عمر الإمبراطورية، ظهرت المسيحية وسرعان ما انتشرت بين شعوبها، شرقًا وغربًا، مما أحدث تحولات كبرى على كافة الأصعدة: السياسية والاجتماعية والثقافية، خاصةً الدينية. بدأت هذه التحولات مع القرن الأول الميلادي وزادت وتيرتها إلى أن وصلت إلى الذروة في مطلع القرن الرابع الميلادي الذي شكل بداية الانهيار ومن ثم الزوال.

وفي هذه الدراسة القصيرة والبسيطة، أقدم قراءة لتاريخ الإمبراطورية الرومانية، منذ ظهورها كملكية، إلى جمهورية تشاركية، إلى إمبراطورية شاسعة وممتدة عبر دول وأقاليم عديدة يحكمها أباطرة، وأخيرًا إلى زوالها في القرن الخامس الميلادي. وتركز هذه القراءة على القرن الرابع الميلادي، القرن الذي شهد أكبر صراع ديني في تاريخ الإمبراطورية والذي تمخض عنه انعقاد أول مجمع مسكوني، مجمع نيقية، لمناقشة بدعة أريوس، البدعة التي أرهقت الكنيسة وكادت أن تعصف بالإيمان المسيحي الذي دعم ركائزه السيد المسيح وتابعه في ذلك الرسل والتلاميذ.

أولًا- الإمبراطورية الرومانية من الظهور إلى الأفول

الإمبراطورية الرومانية التي أطلق عليها: “إمبراطورية بلا نهاية” والتي تصورت الشعوب التي عاشت في كنفها أنها قد منحت لهم من قبل كبير آلهتهم “جوبيتر”. تعد هذه الإمبراطورية واحدة من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ لكونها ضمت مناطق عديدة متجاورة في جميع أنحاء أوروبا وشمال أفريقيا وغرب أسيا، ولا شك أنها قد خاضت صراعات عديدة وعنيفة، خاصةً في أثناء توسعها شرقًا وغربًا، إلى أن أصبحت دولة عظمى يصعب قهرها وتتحكم في العالم القديم، الشرقي والغربي.

        كان مهد الحضارة الرومانية في القرن التاسع قبل الميلاد في شبه جزيرة الأبنين (إيطاليا حاليًّا) في وسط البحر المتوسط وقد شكلت مع جزيرة صقلية جسرًا طبيعيًّا بين أوروبا وإفريقيا، وفي ذلك الحين، كانت إيطاليا مهجرًا لأبناء الحضارات القديمة وملتقى للتأثيرات الحضارية: الفينيقيّة، القرطاجية، واليونانية، والهلينستية. مرت هذه الحضارة بأطوار ثلاثة: الملكية، أو دولة روما عام ٧٥٣ ق.م، توسعت فيها روما وزاد نفوذها ودفعها هذا التوسع إلى النمو والتطور والازدهار. انتهى هذا العصر في عام ٥١٠ ق.م بإعلان الجمهورية. بدأت الجمهورية في القرن السادس قبل الميلاد وتحديدًا في عام ٥١٠ ق.م، واستمرت لخمسة قرون أي إلى العام ٣٠ ق.م تم خلالها التوسع داخليًّا وخارجيًّا، وتطور نظام الحكم، وتوسع الرومان عسكريًّا وتمكنوا من توحيد شبه الجزيرة الإيطالية. وفي العام ٣٠ ق.م، استطاع الرومان القضاء على دولة البطالمة في مصر وضمها إلى الإمبراطورية بعد هزيمة كليوبترا السابعة آخر ملوك البطالمة في معركة أكتيوم البحرية. وفي نهاية هذا العصر حدثت اضطرابات سياسية وعسكرية قادت إلى حكم الأباطرة. ففي العام ٢٧ ق.م تولَّى “أوكتافيوس” الذي أطلق على نفسه “يوليوس قيصر” وأطلق عليه أعضاء مجلس الشيوخ أغسطس أي (المبجل) لكونه أعاد لهم اعتبارهم، ولأنه كان محبوبًا من الشعب، خاصةً  وأن حكمه أنهى قرنًا من الحروب وبدأ مرحلة جديدة من السلام والازدهار استمرت حتى ظهور المسيحية. وفي العام ٩٨م تولى تراجان الحكم، أبرز وأشهر إمبراطور، حيث تميز عهده بالرخاء والازدهار ودخلت فيه الإمبراطورية لقمة اتساعها. وبذلك شهد القرنان الأول والثاني من ميلاد المسيح استقرارًا ورخاءً لم يسبق لهما مثيل في تاريخ الإمبراطورية، وقد عرفت هذه الفترة “بباكوس روما” أي السلام الروماني ووصلت الإمبراطورية إلى أقصى امتداد لها في القرن الثاني وتحديدًا ما بين (٩٨- ١١٧) وقت أن توفي تراجان.

ومع مطلع القرن الثالث الميلادي، الذي عرف بقرن الأزمات، شهدت الإمبراطورية مرحلة خطيرة من تاريخها تميزت بأزمات سياسية واقتصادية هددت وجودها نتيجة ضعف الأباطرة، وقيام حركات التمرد والثورات التي انتشرت في مختلف مقاطعاتها، والتي أدت إلى انفصال عددٍ من الممالك التابعة للإمبراطورية وساهمت في سقوط هيبة جيشها، الذي استطاع في الماضي إخضاع كل شعوب حوض البحر المتوسط والسيطرة على أراضيها، هذا إلى جانب انتشار مرض الطاعون الذي سبَّب دمارًا كبيرًا للإمبراطورية من حيث عدد السكان والجيش، والإنتاج الزراعي خاصةً وأنها قد شهدت أكثر من جائحة طاعون بسبب الحملات التي قامت بها إلى بلاد الشرق الأدنى أو بسبب السفن التجارية التي كانت تأوي الفئران المصابة بالطاعون.

تولى الإمبراطور دقلديانوس الحكم عام ٢٨٤م، ورغم محاولات إعادة الاستقرار من خلال محاولات الإمبراطور دقلديانوس (٢٨٤-٣٠٥) إدخال إصلاحات جذرية في مختلف مجالات الحياة، والتي بدأها بإدخال نظام الحكم الرباعي في محاولة منه لحفظ الإمبراطورية من التفكك، فقسمها إلى أربع وحدات سياسية: وحدتان في الشرق ووحدتان في الغرب وجعل على كل وحدة حاكمًا يقيم فيها. وأدى هذا النظام إلى شطر الإمبراطورية إلى شطرين: إمبراطورية في الشرق وأخرى في الغرب. هذا إلى جانب انتصاره على الإمبراطورية الساسانية*، وعقد معاهدة مع  الساسانيين قضت بتركهم كل الأراضي غرب دجلة وعدم تدخلهم في أرمينيا وجورجيا، كما أجبر الشاه الساساني للتخلي عن العرش، ورغم ذلك أصبحت أرمينيا أول مملكة تتبنى المسيحية ديانةً رسمية. وعلى الرغم من الإصلاحات التي سعى دقلديانوس إلى إدخالها، إلا أن عهده تميز بالاضطرابات الدينية؛ لأنه رفع مكانة الإمبراطورية إلى درجة التالية الأمر الذي رفضه الرومان لأن المسيحية قد انتشرت بينهم، فحدثت مصادمات عنيفة بين الذين رفضوا المسيحية وبين الذين آمنوا بها. ولقد قاد هذا الصراع إلى أن يتنازل  دقلديانوس عن العرش في العام ٣٢٣م بعد أن عجت الإمبراطورية بالبدع والهرطقات، كما ترك مكسيمانوس الحكم، وفقًا لنظام الحكم الرباعي الذي أدخله دقلديانوس. تولى إمبراطورية الشرق “غاليريوس أغسطس”، وتولى إمبراطورية الغرب “قسطنطين أغسطس”.

سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية وعاصمتها القسطنطينية على يد القائد الجرماني “أودكر” عندما احتل روما عام ٤٧٦م وذلك في عهد آخر الأباطرة “رومولوس أغسطس”، في حين ظلت الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية) قائمةً حتى فتحها العثمانيون في القرن الخامس عشر الميلادي. وعلى الرغم من زوال الإمبراطورية، إلا أن تأثيرها على كافة مجالات الحياة ظل قائمًا: في الثقافة، الفن، والعمارة، والقانون، والعلوم، وأشكال الحكم وغيرها. ويرى فريق من المفكرين أن الإمبراطورية لم تَمُت، ولكنها تقمصت خلقًا جديدًا متمثلًا في دويلات أوروبا.

من الأمور المهمة التي ينبغي الإشارة إليها، أنه رغم التعدد والتنوع الثقافي الذي شهدته الإمبراطورية، إلا أن ثمة تماسكًا قد وجد بين مكوناتها وأن هذا التماسك قد خلق شعورًا بالهوية المشتركة بين الشعوب المنتسبة إليها وإلى نظامها السياسي على مدى فترة طويلة من الزمن. فقد سعت الدولة الرومانية إلى تنمية الانتماء لها عبر تقديم عديد من الخدمات العامة من خلال إنشاء الأماكن العامة المفتوحة للجميع، والمنتديات الثقافية، المدرجات، الميادين والجماعات العامة، والجمعيات التطوعية التي أسهمت في إحداث الحراك الاجتماعي، أي أنها خلقت مجالًا عامًّا يلتقي فيه عامة الشعب أو مجتمعًا مدنيًّا يقوي الانتماء ويسهم في الولاء للنظام السياسي. ورغم ذلك، لم تخلُ الإمبراطورية من بعض الأمراض الاجتماعية التي أسهمت بدورها في التأثير على السياسة والحكم: المحسوبية، وإعلاء المصالح الشخصية على المصالح العامة، الوشاية… إلخ.

 

 

 

ثانيًا- الإمبراطورية الرومانية والمسيحية:

كان للرومان آلهة، مثل آلهة الإغريق، وكانوا يعتقدون أن لآلهتهم سلطة على مختلف نواحي الحياة؛ عبدوا آلهتهم ولكن أعطوها أسماءً رومانية، وبنوا معابد ومزارات لتكريمها. وقد سيطرت الحكومة على الدين وكان الكهنة موظفين حكوميين، إما بالانتخاب أو التعيين، يقومون بالطقوس العامة التي كانوا يرون أنهم يكسبون بها عطف آلهتهم على الدولة. تزايد احتكاك الرومان بالأفكار الإغريقيّة في خلال القرن الرابع قبل الميلاد، إلى أن أصبح “جوبيتر” هو أكبر آلهتهم الذي عبدوه كإله للسماء ومتحكم في الطقس. ومع حلول القرن الأول لميلاد المسيح، فقد الرومان اهتمامهم بديانتهم وجذبتهم المسيحية التي كانت تخاطب فطرتهم الإنسانية وتبين لهم طريق الخير في الدنيا والآخرة، وسرعان ما أوجدت المسيحية لها أتباعًا إلى الدرجة التي جعلت البعض يرى أن سقوط الإمبراطورية كان بسبب إحلال المسيحية محل الوثنية.

ومع تنامي انتشار المسيحية، عانى المسيحيون من الاضطهاد الروماني منذ أواخر القرن الثالث وحتى الربع الأول من القرن الرابع، في عصر دقلديانوس، العصر الذي شهد موجة عاتية من الاضطرابات السياسية والدينية حيث مارس دقلديانوس كل أنواع العذابات ضد من أعلنوا إيمانهم وتمسكوا به. ظل الحال هكذا إلى أن أصدر الإمبراطور الروماني غاليريوس، الذي خلف دقلديانوس مرسومًا ينهي الاضطهاد ضد المسيحيين في العام ٣١١م، وهو المرسوم الذي عرف “بمرسوم ميلانو”. وفي العام نفسه استشهد البابا بطرس الذي لقب بخاتم الشهداء. ومع حلول العام ٣١٢م، بدأت موجة جديدة من الحروب والمعارك الأهلية والصراعات الداخلية والخارجية أهمها: صراع الأمراء حول السلطة. استمرت هذه الأوضاع حتى العام ٣١٦م، ومع حلول العام ٣٢٥ تم فرض نفوذ الإمبراطورية الساسانية مرة أخرى على شبه الجزيرة العربية، وانتهى الحكم الرباعي على يد قسطنطين وتوليه الحكم بمفرده. وفي الوقت ذاته بدأ صراع بين الكنيسة وبين أريوس وأتباعه، مما دعا بالبابا ألكسندروس أن يطلب من الملك قسطنطين عقد مجمع مسكوني لحل هذا الصراع الذي كاد أن يقضي على المسيحية. وفي العام ٣٣٠ أعلن قسطنطين المسيحية الديانة الرسمية للبلاد.

بالإضافة إلى ذلك، أدى انتشار المسيحية إلى ظهور عددٍ من البدع والهرطقات التي ناهضت التعاليم المسيحية الصحيحة التي علمها المسيح وسلمها الرسل، فمنذ القرن الأول الميلادي، ظهرت “البدعة السيمونية” التي أسسها سيمون الساحر، الذي تصوّره البعض على أنه “قوة الله العظيمة”، استطاع هذا الساحر أن يجتذب أشخاصًا يكرسون حياتهم لنظامه بقوة السحر في عدد من المدن التابعة للإمبراطورية (السامرة، أنطاكية، روما) إلى الدرجة أنه قد بني له تمثال في روما. لقد استطاع الرجل أن يثير الحكام ضد المسيحيين وأن تنجح جماعته في تخريب الكنيسة حتى القرن الثالث. وفي القرن الثاني الميلادي، ظهرت بدعة “أبيون” أو الأبيونية،  وهي بدعة نادت بها مجموعة من المسيحيين المتهودين الذين كانوا موجودين منذ عصر، الرسل ولكنهم ظهروا بقوة في القرن الثاني، والأبيونيون هم حلفاء الإخوة الكذبة الذين أشار إليهم بولس الرسول في كورنثوس الثانية الإصحاح الحادي عشر، وغلاطية الإصحاح الثاني. وتعني “الأبيونية” الفقراء والمساكين، وقد أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم لينالوا “الطوبى” التي أعطاها السيد المسيح للمساكين بالروح، وقد تكون تسمية أطلقها المسيحيون عليهم لأنهم كانوا مساكين في أفكارهم. والجدير بالذكر أنهم قد انقسموا إلى فريقين: فريق متزمت يحفظ ناموس موسى حفظًا حرفيًّا، ويقدسون السبت، ويعتبرون الختان لازمًا للخلاص، وأوجبوا على المسيحيين حفظ الناموس القديم كشرط للخلاص. كما أنكروا لاهوت المسيح وأزليته ورفضوا اعتباره “اللوغس” وكلمة الله وحكمته إلى جانب إنكار ميلاده المعجزي من العذراء واعتبروه إنسانًا عاديًّا كسائر البشر، وأنه النبي الذي تنبأ عنه موسى. أما الفريق المعتدل، فيحفظون ناموس العهد القديم ولكنهم لا يلزمون به الجميع ولا يتعصبون ضد من يرفضون حفظه.

لم يقتصر الأمر على هاتين البدعتين، بل ظهرت عدة بدع وهرطقات، إلا أن أهمها كانت البدعة “الغنوصية”، وبدعة “ماني” في خلال القرن الثاني الميلادي. وتعني الغنوصية “المعرفة السرية” التي يدعي اتباع هذا المذهب امتلاكها. والغنوصية ليست بدعة واحدة، ولكنها امتزجت بالعديد من مذاهب التصوف التي كانت سائدة: اليهودية، الزرادشتية، الأفلاطونية… وغيرها من المذاهب. وعلى الرغم من إعلان هذه الجماعات مسيحيتها، إلا أنها أفسدت روح المسيحية. أما بدعة “ماني” أو “المانوية” فقد انتشرت للدرجة التي اعتبرها البعض ديانة جديدة، وسرعان ما انتشرت بين المسيحيين منذ القرن الثاني الميلادي، للدرجة التي جعلت الملك قسطنطين نفسه يكاد يؤمن بها وينتمي إليها، وقد اتبعها القديس أوغسطينوس قبل توبته، خاصةً وأن ماني قد تشبه بالمسيح. ادعى ماني القدرة على حل مشكلة الشر في العالم من خلال مظهر معتنقيها بالقداسة والتقشف وارتداء الملابس البيضاء، ومن أهم مبادئ المانية وجود إلهين: إله للخير وإله للشر أو إله للنور وإله للظلمة، وأن لكل إنسان ملاكه الحارس الذي يهب المعرفة لكل من يشبهه أو يتفق معه. ويحتاج كل إنسان إلى رجل أو امرأة ينتمي إليه أو إليها لكي يستطيع أن يدخل العالم الروحي “البليروما”pleroma . شبَّه ماني نفسه بالمسيح ونادى بأنه “البارقليط” أي أنه الروح القدس نفسه، كما اختار لنفسه اثني عشر تلميذًا كشركاء له في عمله الجديد.

ثالثًا- القرن الرابع الميلادي، قرن التيه:

شهد القرن الرابع الميلادي، كما ذكرت آنفًا، قلاقل وصراعات سياسية ودينية كادت أن تفتك بالإمبراطورية وتهدد المسيحية، كما تعاقب منذ نهاية القرن الثاني عدد من الملوك على كرسي المملكة، ويُعد دقلديانوس، الذي تولى العرش سنة ٢٨٦م، أول وأشهر هؤلاء الملوك. جاء دقلديانوس إلى الحكم لكي يقضي على “أخيليوس”، والي مصر الذي أراد أن يستقل بها ونصب نفسه ملكًا عليها وجعل مقرَّه طيبة في صعيد مصر. حاصر دقلديانوس الإسكندرية وضيق عليها وبعد ثمانية أشهر فتحها عنوة وأحرق المدينة وفتك بأهلها فتكا ذريعًا. ظن دقلديانوس أن المسيحيين هم الذين ساندوا أخيليوس، فلجأ إلى التعسف وارتكاب المظالم والاضطهاد، كما أعطى الأوامر لجنوده أن يفعلوا ما يريدون بأهلها من المسيحيين. استمر اضطهاد دقلديانوس وجنوده للمسيحيين ثلاث سنوات حتى أصيب بالجنون. وفي العام ٣٠٤م جاء صهره “غاليريوس” محاولًا القضاء على المسيحية، ولكنه وجد أن الدين ينتشر انتشارًا عظيمًا، فأصدر أمرًا جديدًا في سنة ٣٠٨م لاضطهاد المسيحيين بعد أن اشتد غيظه عندما رآهم لا يخافون الموت. وفي سنة ٣٢١م أبطل غاليريوس الاضطهاد بعد أن أصيب بمرض عضال. ورغم ذلك، استمر الإمبراطور مكسيمان في تعذيب المسيحيين حتى وقت استشهاد البابا بطرس الذي لقب “بخاتم الشهداء” سنة ٣١١م. والجدير بالذكر أن عدد المسيحيين خلال السنوات العشر بدايةً من حكم دقلديانوس وحتى مكسيمان قد تناقص من ٢٠ مليون إلى عشرة ملايين.

وعلى الرغم من أن الملك قسطنطين الذي تولى عرش إمبراطورية الشرق كان مشهورًا بالرقة، والعطف، والرأفة، والشجاعة كما كان محبًّا للمسيحية ومدافعًا عنها، لذلك اعتنق المسيحية بعد أن حوَّل كثيرًا من شعارات الإمبراطورية لعلامة الصليب. ولكن عندما تولى ابنه “قسطنس” سنة ٣٣٧م ناصر الأريوسيين ودعمهم في حربهم ضد الكنيسة وعمل على اضطهادها بصورة توازي اضطهاد الوثنين. والجدير بالذكر، أنه الذي عزل البابا أثناسيوس  وعيَّن مكانه رجلًا يُدعى غريغوريوس، الذي مارس كل صنوف العذاب للمسيحيين وقتل عمة القديس أثناسيوس التي كانت تجمع التبرعات للأرامل والأيتام ورفض دفنها في مقابر المسيحيين، ونكل بالرهبان وقسوس الكنيسة.

رغم كل ما حدث من قلاقل، وتوترات، وبدع وهرطقات، واضطهاد للمسيحيين خلال هذا القرن والقرون التي سبقته، إلا أن البدعة التي أرهقت المسيحية والمسيحيين في خلال القرن الرابع هي البدعة التي أوجدها “أريوس” الشماس الليبي الذي رُسِم شماسًا في الكنيسة، ولكن بسبب أفكاره المنحرفة عن تعاليم المسيح، أسقطت عنه رتبته، ثم أعيد في فترةٍ تاليةٍ ورُسِم قسًّا، ولكنه كان يطمع في أسقفية الإسكندرية، ولما رفض البابا أن يمنحه هذه المكانة المتميزة، بدأ انتقامه علنًا في الكنيسة. يصف موللر، اللاهوتي الكاثوليكي أريوس بأنه: “كان يمتلك معرفة دينية ولا يملك أخلاقًا دينية”. كما كان أريوس يمتلك علاقات مع عدد من الشخصيات السياسية والملك تحديدًا، وهو الأمر الذي منحه القوة في مواجهة الكنيسة.

مع بداية القرن الرابع الميلادي، بدأ أريوس في نشر بدعته التي أنكر فيها لاهوت المسيح، مما أزعج المؤمنين آنذاك، وهنا طلب البابا ألكسندروس ومعه عدد من الأساقفة من الملك قسطنطين عقد مجمع لمناقشة بدعة أريوس ومسائل أخرى مُتنَازَع عليها. والجدير بالذكر، أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تُناقَش فيها بدعة أريوس، فقد كان المجمع السكندري عام ٣١٩م يناقش هذه القضية، وبالفعل استجاب الملك واجتمع نحو ثلاثمائة وثمانية عشرة أسقفًا (٣١٨) من كل أقاليم العالم المسيحي في مدينة نيقية وعلى رأسهم البابا ألكسندروس، البابا الوحيد في ذلك العصر، وكان بحكم وظيفته هو المدَّعي ضد أريوس. كان مع البابا شماسه أثناسيوس* الذي كان يبلغ من العمر ٢٥ سنة، وعلى الجانب الآخر، حضر أريوس وأتباعه وكان من بينهم مطران نيقية وأسقف نيقوميديا وعدد من الفلاسفة، هذا بخلاف عدد من الحضور الذين جاءوا إما من أجل المشاهدة أو من الغيورين على لاهوت المسيح. وتذهب بعض التقديرات إلى أن عدد حضور مجمع نيقية كان نحو الألفين.

اجتمع كل هؤلاء في الساحة الوسطى من القصر الملكي. أراد الملك قسطنطين إن يحضر المجمع، ولكنه عدل عن ذلك مدعيًا أنه لا بد أن يترك المسائل الدينية لسلطة الكنيسة لا لسلطة الملك، وربما لأنه خشي أن يتحيز لأحد الأطراف مما يؤثر على علاقته بهما التي كانت في الأغلب حيادية. ظل المجمع منعقدًا قرابة شهر أظهر في خلاله أثناسيوس براعةً فائقة في الدفاع عن الإيمان المسيحي وعن لاهوت المسيح الذي أنكره أريوس. والجدير بالذكر، إن هذه لم تكن المرة ألأولى التي يحضر فيها أثناسيوس مجمعًا لمناقشة بدعة أريوس، فقد سبق وحضر المجمع السكندري عام ٣١٩م وأثبت براعة في النقاش مما جعل الملك قسطنطين يصفه بـ”بطل الإيمان”. ظل أثناسيوس طوال انعقاد مجمع نيقية يفند دعاوى الأريوسية ويرد عليها ببراعة وقوة، ولما كثر الجدال، اقترح أثناسيوس إضافة كلمةHomo  أي مساوٍ في الجوهر، بدلًا منHomi  التي تعني مشابه. قوبل اقتراح أثناسيوس بالترحيب من أغلبية الحضور وتم صياغة قانون الإيمان على النحو الذي يؤمن به جميع المسيحيين في العالم، وذلك في التاسع من يونيو سنة ٣٢٥م.

ختم المجمع أعماله في ٢٥ أغسطس من نفس العام كما حُسِمت خمس قضايا أخرى هي: تحديد يوم عيد القيامة، حقوق البطريرك في رسامة أساقفة وقسوس، مشكلة معمودية الهراطقة، حكم زواج الكهنة. وفي المجمع نفسه اتفق على حرمان أريوس وتم القضاء على بدعته أو تصوروا أنهم فعلوا؛ فلم يمضِ على انتهاء المجمع خمسة شهور، وبدأ مشوارٌ آخر من المتاعب التي جلبها أريوس وأتباعه وكان على أثناسيوس أن يجاهد ضدهم.  فعلى الرغم من قبول البابا الكسندروس للميلتنيين (أتباع أريوس)، وفق قرارات مجمع نيقية، عادوا مرة أخرى لإحداث القلاقل داخل الكنيسة، خاصةً بعد وفاة البابا ألكسندروس الذي أوصى قبل وفاته بأن يكون أثناسيوس خلفًا له.

بدأ يوسابيوس*، أسقف نيقوميديا، في إعادة فكرة قبول أريوس وإعادته إلى الكنيسة، رغم كل ما حدث، وفي هذه الأثناء، تم تزكية أثناسيوس من جميع أساقفة الإسكندرية (مصر، وليبيا، وطيبة، والخمس مدن) ليكون أسقف الأساقفة حيث ترأس ١٢٩ أسقفًا من هذه المدن. ولقد حاول الأريوسيون إن يمنعوا انتخابه ولكنهم لم يفلحوا. والجدير بالذكر أن الإسكندرية في ذلك الوقت كانت الثانية بعد روما في الأهمية وربما الثالثة في الأهمية السياسية، والأولى على المستوى العلمي والمعرفي واللاهوتي والروحي*. كان في ذهن الأريوسيين معركة حقيقية ضد أثناسيوس دعمها موقف قسطنطين المتذبذب بين الأرثوذكسية والأريوسية، ورغم حالة التذبذب هذه، إلا أنه ظل أمينًا لكل قرارات مجمع نيقية وظل يدافع عنه ويؤيده.

بدأت فكرة قبول أريوس على مرحلتين أو من خلال خطتين: الأولى، بذل كل الجهد باللين واللطف وإلا بالتهديد والوعيد بالعنف، وواجهت أثناسيوس حملات متتالية من توجيه الاتهامات ورغم تبرئته من كل الاتهامات، إلا أن جماعة الأريوسيين لم تهدأ وبدأت باقتحام الكنائس وقتل المؤمنين، ومارست صنوفًا من الاضطهاد لم يعرف التاريخ مثله، ورغم نفي أثناسيوس لمرات عدة، إلا أنه ظل وحده صامدًا أمام كل هذه الضيقات يناضل في الظل من أجل الحفاظ على الإيمان. والثانية إسقاط أثناسيوس عن كرسيه، باعتباره العقبة الوحيدة أمامهم، حتى يخلو الجو نهائيًّا للأريوسية كمنهج لاهوتي ومبدأ فكري، وبالفعل عُزِل وأُبعِد عن الإسكندرية لمدة ثلاث سنوات. ورغم كل ذلك، ظل أثناسيوس وحده صامدًا أمام كل هذه القوى مجتمعة ولما قالوا له: “إن العالم قد صار كله ضدك” قال قولته المشهورة: “وأنا ضد العالم”. استمر أثناسيوس يجاهد ويناضل عن الحق الإنجيلي حتى نهاية حياته على الأرض في سنة ٣٧٣م.

 

 

 

 

 

 

 

 

  المراجع:

  • الأب متى المسكين، القديس أثناسيوس الرسولي البابا العشرين، مطبعة دير القديس أنبا مقار، ط١ مايو ١٩٨١.
  • أحمد منصور زعيتري، الحضارة الرومانية وتاريخها: السياسي، الجغرافي، العمراني، جامعة زيان عاشور، الجلفة، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، 2020.
  • أشرف صالح، مختصر تاريخ البدع والهرطقات في القرون المسيحية الأولى– الأب/ أنطون فؤاد، متاح أونلاين:

 https://catholic-eg.com/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%B9-%D9%88

  • إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول، د.ن ١٩٨٣.
  • سيد أحمد على الناصري، تاريخ الإمبراطورية الرومانية السياسي والحضاري، دار النهضة العربية، ط٢ القاهرة ١٩٩١.
  • محمد الحبيب بشاري، أوضاع الإمبراطورية الرومانية في النصف الثاني من القرن الرابع ميلادي ثورة جيلدون 397/398،  مجلة الإتحاد العام للآثاريين العرب، مجلد 13، ع1، (243- 259).
  • منسى يوحنا، تاريخ الكنيسة القبطية ، ط٣ ١٩٨٢ د.ن.
  • سلوى الحديد، ما هي الحضارة الرومانية، متاح أونلاين:

https://mawdoo3.com/%D9%85%D8%A7_%D9%87%D9%8A_%D8%A7%D9

* هي إمبراطورية فارسية نافست الإمبراطورية الرومانية على حكم العالم، حيث بلغ تأثيرها في أوروبا، والهند، والصين، وأسيا. حكمها الأكاسرة الفرس من السلالة الساسانية لما يقرب من أربعمائة عام، وفي أقصى اتساعها امتدّت من البحر المتوسط غربًا إلى الصين شرقًا ومن الأناضول شمالًا إلى الهند جنوبًا. للإمبراطورية الساسانية، مثل الرومانية، تأثير عظيم على الفنون الأوربية والأسيوية، خاصةً في العصور الوسطى.

*  ولد أثناسيوس بالإسكندرية لأبوين وثنيين، ولكنه دخل إلى المسيحية هو وأمه وعمده البابا ألكسندروس، بدأ حياته شماسًا، وسكرتيرًا للبابا. أظهر أثناسيوس نبوغًا لاهوتيًّا مبكرًا عندما تصدَّى لبدعة أريوس، تم تنصيبه بابا بعد نياحة البابا ألكسندروس، وبعد انعقاد مجمع نيقية بثلاثة أعوام. وفي خلال فترة رئاسته للكنيسة، التي امتدت نحو خمسة وأربعين عامًا، واجه حملات متتالية من أتباع أريوس، وصلت لحد محاولات التخلص منه، نُفِي عدة مرات وفي كل مرة كان يعود لكرسيه أكثر صلابة وقوة. ترك تراثًا لاهوتيًّا مهمًّا يمثل مرجعًا رئيسًا للدفاع عن الإيمان المسيحي. من أبرز مؤلفاته: كتاب “تجسد الكلمة”.

لقد بلغ إعجاب الغربيين به أن نقلوا رفاته تدريجيًّا نحو بلادهم: من الإسكندرية إلى القسطنطينية، إلى البندقية، فرنسا، أسبانيا. وقد أُحضِرت رفاته إلى مصر في عهد البابا شنودة الثالث عام ١٩٧٣م.

*  يوسابيوس، هو أسقف نيقوميديا وكان أسقف بيروتاس (بيروت حاليًا) وقبل وفاته أسقف القسطنطينية، وكان من الأريوسيين. وعلى الرغم من قبوله لقرارات مجمع نيقية، إلا أنه كان يتحين الفرصة لمقاومته بكل الطرق. هو الذي قاد حملة التشهير ضد أثناسيوس إلى أن نجح في عزله في مجمع صور عام ٣٣٥م.

*  ظلت الإسكندرية ومدرستها اللاهوتية تقوم بدورها في تثقيف الشعب والدفاع عن الإيمان المسيحي وسط كل العواصف، ولقد عهد البابا أثناسيوس إدارتها إلى اللاهوتي ديديموس الضرير بسبب ذكائه ودقة ملاحظته وعلو حجته.

الفكر اللاهوتي ومستجدات العصر

 اسم الكاتب: القس جادالله نجيب

في صيف 2017، كُلِّفت في إحدى الندوات التي جهزت لها لجنة التعليم اللاهوتي في أحد مجامع سنودس النيل الإنجيلي، أن أشارك بدراسة في موضوع الفكر اللاهوتي ومستجدات العصر. ووجدت أن هذا الموضوع ثري ويحتاج منا الى دراسته بتروٍّ وفهم، مع ربط الفكر اللاهوتي مع مستجدات عصرنا.

ففي البداية، الفكر هو الطريقة التي نتناول بها القضايا والمسائل التي تواجهنا في الحياة بشكل منطقي نفهمه ونستوعبه ونطبقه في المجالات المتنوعة. أما عن اللاهوت فهو العلم الذي يبحث عن الفهم. كان القديس أوغسطينوس يؤمن بأن معرفة الله تأتي قبل الإيمان به، والإيمان يجلب معه رغبة مستمرة في فهم أعمق. وبتعبير بسيط، يريد من آمن بالله أن يفهم ما يؤمن به. لذلك صك القديس أوغسطينوس عبارة لاتينية “Credo ut intelligam” التي ترجمتها (آمن لكي تفهم). ومن بعده قدم أنسيلم وهو راهب وعالم لاهوت ورئيس أساقفة كانتربري، عبارة لاتينية توازي عبارة أوغسطينوس “Fides quaerens intellectum” والتي تُترجَم إلى “إيمان يسعى للفهم”، فأنسيلم يعتبر أن الإيمان المسيحي هو بداية السعي لمعرفة وفهم الله وما نؤمن به عن الله. وبالتالي أصبحت عبارة: “إيمان يسعى للفهم” هي أحد التعريفات الكلاسيكية لعلم اللاهوت، بل أساس النظام اللاهوتي والفلسفي في العصور الوسطى المعروف باسم اللاهوت المدرسي، الفكر اللاهوتي الذي سعى إلى توحيد الإيمان والعقل في نظام واحد متماسك

مبدئيًّا في دراسة الفكر اللاهوتي فإننا نبحث عن مجالين أو إن شئت فقل عِلْمَيْن وهما: علم اللاهوت الكتابيBiblical Theology، وعلم اللاهوت النظامي Systematic Theology. يمثّل كلٌّ من اللاهوت الكتابي واللاهوت النظامي ركيزتين أساسيتين في الدراسات اللاهوتية، ولكلٍّ منهما منهجية ومقاربة متميزة في فهم العقيدة المسيحية. يركز اللاهوت الكتابي على دراسة العقيدة المسيحية كما تتكشف في سياق النصوص الكتابية عبر العصور، بينما، يسعى اللاهوت النظامي إلى تقديم صورة شاملة ومُنظَّمة للإيمان المسيحي من خلال مقاربات فلسفية ومنطقية.

أولاً، تعريف اللاهوت الكتابي واللاهوت النظامي
اللاهوت الكتابي هو:

  • دراسة عقائد الكتاب المقدس وتعاليمه وفقًا للترتيب الزمني والخلفية التاريخية والتدرج للإعلان الإلهي، أي دراسة التطور التاريخي للعقيدة.
  • تفسير النصوص الكتابية في إطار زمني وثقافي محدد، مع التركيز على كيفية تطور الفهم اللاهوتي عبر العصور المختلفة، مثل مفهوم الفداء أو الملكوت الإلهي من العهد القديم إلى الجديد.
  • تحليل لغوي تاريخي، حيث يستخدم مقارنات بين أسفار الكتاب المقدس للكشف عن الأنماط اللاهوتية المتكررة.

اللاهوت النظامي هو بناء منظومة فكرية متكاملة أي:

  • دراسة العقائد المسيحية بشكل منظم ومترابط، حيث يتم تصنيفها وفقًا لموضوعات محددة، مثل الثالوث، الخلاص، الكنيسة، والأخرويات.
  • يسعى إلى تقديم صورة شاملة للإيمان المسيحي، ويستخدم العقل الفلسفي والمنطق اللاهوتي لعرض العقيدة بوضوح واتساق.
  • يرتبط بالجدل الفلسفي والدفاعيات؛ إذ يتناول العقائد ضمن إطار عقلاني متماسك، مما يسمح بالاستجابة لمختلف التحديات الفكرية والإيمانية.

ثانيًا: التمايز بين اللاهوت النظامي واللاهوت الكتابي:

  • اللاهوت الكتابي يتبع مسارًا تاريخيًّا، حيث يدرس كيف نفهم الإعلان الإلهي تدريجيًّا. بينما اللاهوت النظامي يقدم العقائد كمنظومة مترابطة دون التقيد بتسلسلها التاريخي.
  • اللاهوت الكتابي يعتمد على النص الكتابي كمصدرٍ رئيسيّ، ويسعى إلى فهمه وفقًا لسياقه، بينما اللاهوت النظامي يدمج الكتاب المقدس مع الفلسفة والتقليد والتاريخ اللاهوتي لصياغة صورة متكاملة للعقيدة.
  • اللاهوت الكتابي يسعى لفهم الإعلان الإلهي في سياقه التاريخي، أما اللاهوت النظامي يسعى إلى إيضاح العقيدة المسيحية كمفهوم شامل ومترابط.

اللاهوت الكتابي واللاهوت النظامي في تمايزهما يكمل كل عِلْم الآخر يمكن فهم ذلك كالآتي:

  • يقدم اللاهوت الكتابي للاهوت النظامي سياقًا تاريخيًّا، مما يساعد في فهم كيف تشكلت العقائد عبر الزمن.
  • تقوم أساسات بناء اللاهوت النظامي على اللاهوت الكتابي، فهو يقدم جذور الإعلان الإلهي التي يعتمد عليها اللاهوت النظامي وهي الأسس الكتابية التي تُبنى عليها منظومته الفكرية.
  • يوضح اللاهوت الكتابي الخلفية النصية للعقيدة، التي يصيغ اللاهوت النظامي تطبيقًا فكريًّا شاملًا لها.

من هنا، يُعدُّ اللاهوت الكتابي أساسًا للفهم التاريخي للنصوص المقدسة، في حين يُعَد اللاهوت النظامي أداة لإيضاح العقيدة بشكل منطقي ومترابط يناسب العصر الحديث. نستنتج من هذه الدراسة عن اللاهوت (الكتابي والنظامي) أن مصدره وأساسه كلمة الله الذي هو الكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد، أي أن علم اللاهوت مأخوذٌ من الكتاب المقدس ومبنيٌّ عليه.

ثالثًا: اللاهوت والكنيسة:

اللاهوت هو منظومة فكرية تعبر عن الإيمان المسيحي الذي يشكل هوية الفرد والكنيسة ويحدد رؤيتهما ورسالتهما في العالم. تأتي هذه المنظومة من خلال خبرات مجتمع الكنيسة الناتجة عن تساؤلات ومواقف وتفاعلات وحراك ديني ومجتمعي داخل مجتمع الكنيسة الداخلي من ناحية، وبينها وبين المجتمع الخارجي ومعطياته وظروفه من ناحية أُخرى.

الكنيسة هي امتداد حضور المسيح على الأرض، فهي أعمق في وجودها عن مجرد تجمع بشري بل مجتمع يمثل جسد المسيح الحي. لذا بهذا المفهوم تُعدّ الكنيسة الأداة التي تُعبّر عن هذا الإيمان عمليًّا في حياة المؤمنين وفي المجتمع. تطورت العلاقة بين اللاهوت والكنيسة، عبر التاريخ، متأثرة بالتحديات الكتابية، والفكرية، والتاريخية، والثقافية، والاجتماعية والروحية، التي ساهمت في تشكيل منهجها اللاهوتي وممارستها العملية. وبالتالي عبرت الكنيسة عن إيمانها في سياقات مختلفة وفقًا لمستجدات كل عصر واحتياجاته وظروفه.

يحتاج اللاهوت إلى كنيسةٍ تعبّر عنه، كما تحتاج الكنيسة إلى لاهوتٍ يحدد هويتها، ولهذا فإن التكامل بينهما هو أساس الكنيسة الفاعلة في العصر الحديث. نستنتج من هذا الارتباط أن العلاقة بين اللاهوت والكنيسة ليست مجرد علاقة نظرية، بل علاقة واقع يجب أن يُعاش. فاللاهوت يجب أن يكون حيًّا وملهمًا، لا مجرد منظومة فلسفية. وعلى الكنيسة أن تكون مؤثرة ومتفاعلة، تعكس الإيمان في العبادة والتعليم والخدمة.

تطور الفكر اللاهوتي في الكنيسة

  • القرن الأول، كانت الكنيسة تركز على كرازة الإنجيل دون صياغة رسمية للاهوت.
  • القرن الرابع فصاعدًا، حددت مجامع الكنيسة، مثل نيقية (325م)، خلقيدونية (451م)، لاهوتها وصاغت قوانين إيمان واضحة لتحديد العقيدة الصحيحة.
  • العصور الوسطى، ظهور اللاهوت المدرسي، من أبرز رواد اللاهوت المدرسي بيتر أبيلارد وتوما الأكويني. ساد هذا اللاهوت بقوة في القرن الحادي عشر والثالث عشر مع تطور الجامعات الأوروبية. كان هذا النهج اللاهوتي يعتمد على التحليل المنطقي والجدلي، الذي استخدمه اللاهوتيون في صياغة اللاهوت بطريقة منهجية باستخدام الفلسفة، لا سيما فلسفة أرسطو.
  • القرن السادس عشر، اتخذ الإصلاح من النهضة الأوروبية دربًا فصاغ الفكر اللاهوتي وشجع التفكير النقدي، وبظهور الطباعة تُرجم الكتاب المقدس ونُشر بلغات محلية.
  • الحداثة، بدأت مع عصر النهضة والتنوير، استدعت اللاهوتيون أن يصيغوا فكرًا لاهوتيًّا يواكب الاكتشافات العلمية والفلسفية الجديدة.
  • العلمانية، التي نادت فصل الدين عن الدولة، ومنها جاء لاهوت التحرير الذي يسعى إلى تقديم الدين باعتباره قوة اجتماعية تعمل من أجل العدالة، واللاهوت السياقي الذي يحاول تفسير العقيدة في ضوء الظروف الثقافية والسياسية المعاصرة.
  • التعددية الفكرية الدينية، أحد التحديات المُستحدَثة والتي تجاوبت معها الكنيسة في منتصف القرن العشرين في صياغة ومبادرة تسمى “لاهوت الحوار”. التحدي الحقيقي في هذا اللاهوت هو الخط الرفيع غير المرئي الذي يفصل بين التكيف الديني أو الثقافي والتنازل اللاهوتي. الاستجابة لتحدي العصر تحتاج إلى الحفاظ على التوازن السليم بين التكيف والتنازل دون المساس بجوهر الإيمان.
  • العصر الرقمي، تتطور التكنولوجيا الرقمية كل يوم، وأصبح التحدي أعظم من أي عصر مضى. لقد أصبح هناك تفاعل واسع النطاق بين الدين والتقنيات الحديثة. مما يفرض تحدّيات وفرص في مجالات التعليم والاقتصاد والعمل والصحة والعلاقات، وهو التحدي غير المسبوق للكنيسة. فماذا ستفعل الكنيسة لمواكبة الفكر اللاهوتي مع البيئة الرقمية، الآلة الصماء، دون فقدان البعد الروحي للإيمان؟

تترقب الأجيال القادمة مستجدات تحتاج إلى صياغات تواكبها على مدار السنين والأزمنة حتى يأتي المسيح ثانية. فعلى الكنيسة ورجالاتها ومفكريها أن تكون لديهم يقظة روحية ومعرفية بالمستجدات، لتكون معاصرة لزمانها فاعلة ومتفاعلة.

الدعامات التي تُبقِي الكنيسة فعَّالة وفاعلة في رسالتها هي:

  • محور ارتكاز الكنيسة هو كلمة الله، والأساس الكتابي الواضح.
  • الدعامة الثانية هي التفسير اللاهوتي المتجدد والمتوازن.
  • الحضور الحي والواعي للكنيسة من خلال تفاعلها مع القضايا الفكرية والاجتماعية دون أن تفقد هويتها.
  • قدرة الكنيسة على أن تكون معاصرة في فكرها ولاهوتها، وتعيش إيمانها بشكل عملي وواقعي لكي تحقق تأثيرًا حقيقيًّا في العالم.
  • التفاعل الحي مع الروح القدس للإرشاد والتجديد بحيث يكون اللاهوت حيًّا ومؤثرًا.

الروح القدس واللاهوت

الروح القدس هو القوة الإلهية التي تجدد القلوب، ترشد المؤمنين، وتمنحهم القوة الروحية. من خلال عمل الروح القدس تختبر الكنيسة قوة عمله وقوته بغنى وثراء وقوة، مما يمنحها صلاحية وقدرة لإدارة المتغيرات والمستجدات لتقوى عليها وليس العكس. عندما تواجه الجماعة المتغيرات والمستجدات كأنها عاجزة أو خائفة، فإن رد فعلها إما الانعزال أو محاولة حماية نفسها أو محاولة وصم المتغيرات بالشر والخطأ.[1] وبالتالي فعلى الكنيسة أن تعي جيدًا أن كل الثقافات تشهد تغييرًا اجتماعيًّا سواء كان إيجابيًّا نتيجة التقدم الحضاري والتكنولوجي، أو سلبيًّا نتيجة الفقر والجوع والقهر وتراجع القيم.

العناصر التي تكوِّن اللاهوت هي:

  • كلمة الله
  • جماعة الكنيسة
  • ثقافة المجتمع

إذا تبَنَّت الكنيسة ثقافة غير ثقافة مجتمعها فإنها تكتب شهادة وفاتها في أقرب وقت. اندثرت كنيسة شمال أفريقيا التي كانت في منتهى القوة في القرن السادس والسابع.

الواقع المصري:[2]

  • اللاهوت الفردي، والخلاص الشخصي، دون التركيز على ثقافة وطبيعة الشرق بصفة عامة ومصر خاصة. اعتمادًا على لاهوت غير لاهوتها. فكانت ولا تزال نقطة ضعفها ليس عدم الإيمان، ولكن تدهور الحياة الروحية.
  • فقدان معنى الجماعة في الكنيسة حتى إنه يصعب خلق إحساس بالمفهوم الأسري وسط الكنيسة. حزقيا كان مثالًا لقائد شرقي لنهضة كنيسة بعد تفشي الشر والفساد والانحطاط الأخلاقي على كل الأصعدة. 2 أخبار الأيام 29 إلى 31.
  • التبشير للمجتمع والتنصير باعتباره هدفًا رئيسًا وبشكل محدد رسمته الإرساليات في القرنين الـ18 و19 وأوائل القرن العشرين. واختصار الإنجيل في قضية واحدة، وهي التوبة والتجديد الفردي، ولم يرتكز لا هوت الكنيسة على البناء والتوبة الجماعية.
  • رغم خلفياتنا الأرثوذكسية، رفضنا العبادة التقليدية، فأهملنا أقوال الآباء والتاريخ الكنسي، وتبنينا اللاهوت الغربي. وبالتالي كانت النتيجة الطبيعية هي اغتراب المكان والزمان.
  • لم تفهم الكنيسة لاهوت التجسد، الذي يعني ليس هو مجرد قصة تاريخية للمسيح المتجسد، بل هو الحب الذي يعطي ويخدم ويشفي ويشارك في الأفراح والأتراح. قدم بولس في فيلبي لاهوتًا متميزًا في رعاية كنيسة فيلبي له.
  • لاهوت الصليب أصبح المعاناة والآلام لمقاومة الشر وهزيمة الموت. لكن هناك فكرًا إضافيًّا ومكمِّلًا وهو دفع ثمن أخطاء الآخر ليصير قادرًا على الدخول إلى الحياة الأبدية.
  • لاهوت القيامة، الذي لا يعني قيامة المسيح قيامة تاريخية فقط، بل تجديد الإنسان والأرض.
  • هذا اللاهوت التاريخي لاهوت ديناميكي يتكلم لليوم وللغد.

مستجدات العصر

ثورة المعلومات

الثورة الرقمية

العلم

المعجزات

مفهوم الكنيسة

التعددية

حوار الأديان

المسكونية

العبادة

الهجرة

الأنظمة السياسية والاقتصادية

التنمية

الإلحاد

الإجهاض

المثلية الجنسية

الكنيسة والإرهاب

سوف أتوقف عند بعض أساسيات قد تساعدنا على التفكير السليم:  

اللاهوت والعلم

بين اللاهوت والعلم حدود واضحة وجليّة؛ فاللاهوت، بحسب ما يفترض المصدر اليوناني للكلمة، معنيٌّ بالله: ما هو الله وكيف يصل الإنسان إلى الشركة معه. بينما العلم معنيٌّ بالعالم المخلوق ومهتمٌّ بالدرجة الأولى باستعمال هذا العالم. ينشغل العلم بما يمكن معرفته علميًّا، أي ما يمكن امتحانه بالحواس، ويحاول أن يجعل حياة الإنسان محمولة في وضعه الساقط، بينما اللاهوت يخلق مشاكل في البحث. بالواقع، يضيّع اللاهوت مهمته إذا لم يكن عنده معطيات وافتراضات أكيدة.

أرى أن الحدود واضحة وكل ما سبق ذكره قد أوضح موضوع عمل كلٍّ من اللاهوتي والعالِم ومهمته. كلاهما جديران بالثقة عندما يعملان ضمن حدودهما، لكنهما يصبحان سخيفين عندما يبتعدان عنها ويدخل أحدهما مجال الآخر من دون الافتراضات المسبقة الضرورية والقوانين التي يستلزمها كل من الإطارين والمجالين. قد نستخلص من الدراسة أنه يمكن للاهوتي أن يصبح عالمًا لكن من خلال العلم، ويمكن للعالم أن يصبح لاهوتيًّا لكن من خلال اللاهوت. لا يستطيع اللاهوتي أن يلعب دور العالِم بلاهوته ولا العالِم أن يلعب دور اللاهوتي بعلمه.

كلمة الله: لعبت الحضارة والعادات والتقاليد دورًا محوريًّا في التواصل.

  • الله نفسه هو مركز النص المكتوب عبر كل أسفار الكتاب المقدس، مع اختلاف الكُتاب والزمن والأسلوب والثقافة.
  • روح الله موجود بحيوية، الذي ألهم الكُتاب، ولا يزال يعمل في كل قارئ للكلمة لتتسع مداركه الذهنية للفهم والعمق والمعنى الذي يغير الحياة.

يقول ريتشارد نيبور (Richard Niebuhr): “إن الكتاب المقدس هو إعلان الله عن نفسه وعن طبيعته وفيه يعلن إرادته للإنسان”. ويستكمل ليقول: “الكتاب المقدس هو السجل الوحيد والوسيلة الوحيدة للإعلان الإلهي، كشهادة البشر عن الله الذي يتضمن الحوار بينهما وإجاباته عن أسئلتهم، وبالتالي فإن الحياة المسيحية هي استمرارية هذا الحوار بناء على وجود مرجع”.

هل نستطيع أن نفكر بطريقة سليمة؟

تحت هذا العنوان كتب جون ستوت عن جون مكاي، رئيس كلية اللاهوت ببرستون: “الالتزام من دون تفكير يعد تعصبًا، والتفكير من دون التزام يشل كل عمل”.

الطريقة الأكثر فاعلية من وجهة نظر مسيحية هي أن نطور ذهنًا مسيحيًّا أدرك بصورة راسخة أساسيات الكتاب المقدس واطَّلع على الحق الإلهي اطلاعًا شاملًا.

“إذا أردنا أن نحيا باستقامة، علينا أن نفكر باستقامة، وإذا أردنا أن نفكر باستقامة وجب أن نمتلك أذهانًا مُجدَّدة. وما أن تتجدَّد أذهاننا حتى نجد أنفسنا منشغلين ليس بطرق العالم، بل بإرادة الله التي ستغيرنا” جون ستوت.

في كتابه “الذهن المسيحي” سجل )هاري بلاميرز (Blamires ملاحظات قيمة جدًّا قائلًا: “إن الذهن المسيحي ذهن مُدرَّب، مطَّلِع، مهيَّأ ليتناول وقائع الجدل الدنيويّ من وجهة نظرٍ قائمةٍ على أسسٍ مسيحية”، ويؤكد بلامير أن الحاجة إلى مفكر مسيحي يتحدى التحيزات القائمة، ويزعج الراضين عن أنفسهم، ويعترض النفعيين، ويشكك في أسس كل من حوله، ويكون مصدر إزعاج لهم.

ويقدم لنا ست سمات جوهرية للذهن المسيحي:

  • يتوجه الذهن نحو ما هو فائق للطبيعة (في تطلعه يتجاوز الزمن إلى الأبدية، ويتجاوز الأرض إلى السماء والجحيم). رغم أنه يعيش في عالم شكَّله الله وأمدَّه بأسباب البقاء.
  • “إدراكه للشر” (الخطية الأصلية التي تحول حتى أنبل الأشياء إلى أدوات) “لإشباع كبريائنا”.
  • “فكرته عن الحق” (أصالة وعدم تغيير للوعي الإلهي).
  • “القبول للسلطة” (فما أعلنه الله لا يتطلب منا سوى الخضوع والتسليم).
  • “اهتمامه بالشخص” (الإقرار بقيمة الشخصية الإنسانية بالمقابلة مع عبودية الإله).
  • “نظرته المقدسة Its Sacrament Cast ” مثلًا إقراره بأن المحبة واحدة من أكفأ أدوات الله التي تفتح قلب الإنسان على الحقيقة.

أخلاقيات باتت تنعدم:

الصدق مع النفس

والصدق مع الآخر

الصدق في التفكير

والصدق في الكلام

والصدق في التصرف

بالصدق ترتبط الاستقامة والشرف والصراحة والأمانة للذات. وهذا ضد عدم الاستقامة والنفاق والرياء والخداع.

الصدق يستقر في النفس المتصالحة داخليًّا وخارجيًّا. ويكون الإنسان أمينًا لنفسه في كل صعوبات الحياة وتقلباتها.

الصدق هو إرادة الشخص الدائمة في الوجود، والتفكير والعمل والكلام، وفقًا للحقيقة. وفي هذه الحالة، يتجلى بأعمق صورة البعد الشخصي للصدق.

“سر أمامي وكن كاملًا”، أي صادقًا، متوافقًا مع ذاتك. عكس ذلك يهرب الشخص من نفسه، ولا يرضى عن واقعه، يعيش ازدواجيةً داخليةً واغترابًا عن ذاته. من يفقد وجوده يفقد هويته. فالهوية هنا ليست بالمجهود الذاتي بل هبه ونعمة حياة ناجحة.

البعد الاجتماعي

الصدق دعامة أساسية لبناء مجتمع سوي وصناعة ترابط حقيقي وفاعل بين الناس. إنْ صدقت الألفاظ والكلمات تولد الثقة والاحترام والمتبادَلان، ويبنى جسرٌ بين المُرِسل والمستَقْبِل؛ فمن دون ثقة وأمانة وإيمان لا يمكن أن تدوم الحياة المشتركة.

من مقتضيات الصدق، هو الاهتمام بالآخر. والاهتمام يعني الحب، والحب يعني الاحترام والتقدير. فمن يحب يحترم الآخر، فلا يتنكر له ولا يتجنبه، بل ينتبه له، ويتحدث إليه ويكون حاضرًا له، وينفتح عليه ويستعد من أجل إقامة حوار معه بصورة مباشرة.

إذا كان شعب الكنيسة (الأسرة أو أي مجموعة) يرغب في الالتقاء معًا بطريقةٍ إنسانيةٍ حقيقية، فهذا يستلزم عليهم أن يصغي بعضهم إلى بعض، ويتكلم بعضهم مع بعض. فالحوار والقبول يخلقان لغة من التفاهم. الحوار الصادق، والانفتاح على وجهات النظر المختلفة، والسعي إلى إيجاد حلول مشتركة كلها أمور تهيئ الأرضية لتجاوز العداء وإحلال الثقة بدلًا من الخلاف. كان هناك مسعى للحوار، والمشاركة ومنح الثقة والبحث في الحلول للاختلافات في وجهات النظر، تكون الطرق ممهَّدةً لنبذ العنف والعداوة. فالمطلب الحقيقي هو نبذ العداوة، فنبذ العداوة لا يعني فقط رفض العنف فقط، بل يعني أيضًا بناء ثقافة الاحترام والصدق، حيث تحل النزاهة محل التشهير، ويصبح الاختلاف وسيلة للنمو وليس ساحة للصراع.

بلا حب لا نجاح للإنسانية[3]

  • في الحب يجد الفرد هويته ومكانته الاجتماعية، فالمحبة مسلك أخلاقي يقدر أن يحرر ويشفي داخل الإنسان ويمنحه السعادة.
  • المحبة تتجاوز الميول النفعية والهدامة، وفي الوقت نفسه تعمل على تغيير الإنسان بامتصاص الشر القابع فيه.
  • المحبة خلاقة وتجد دومًا إمكانيات جديدة لممارسة نشاطها. بل هي القوة الدافعة على طريق تحقيق خلاص الذات وكل البشر.

الحاجة الماسة اليوم هي أن يكون للكنيسة قدرة على التبصر الروحي والوعي اليقظة في مواكبة العصر بقراءة جديدة لكلمة الله وصياغة فكر يواكب المستجدات مع الاحتفاظ بجوهر الإيمان المسيحي.

[1] فينيس نيقولا، الكنيسة ومنظومة القيم، لاهوت وتنوير وحراك اجتماعي. القاهرة: مطبعة سفن برس. 2008م. ص 163

[2] المرجع السابق، ص 178 – 180.

  1. المسيحية في أخلاقياتها، سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، نقله إلى العربية المطران كيرلس سليم بسترس. بيروت : منشورات المكتبة البولسية. 1999م. ص 416 – 458.

الفكر الإسخاتولوجي في قانون الإيمان النيقاوي– القسطنطيني 381م "ويأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات، وليس لملكه نهاية"

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: القس جرجس جورج

كان الاعتقاد بالمجيء الثاني للرب يسوع المسيح عقيدةً راسخةً في الكنيسة للدرجة التي اعتقد فيها الجيل الذي عاصر الرب يسوع بأن المجيء الثاني سيكون قريبًا جدًّا، معتقدين أن وعد المجيء الثاني في أعمال الرسل 1: 11: “إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ”، سيتحقَّق سريعًا، وجاءت عبارة “مَارَانْ أَثَا” -أراميّة تتكون من كلمتين؛ “ماران” أو “مارانا” تعني “يا رب” أو “يا ربّنا”، و”أَثَا” مُشتَقَّة من الفعل “يأتي” (التي تعني “الربُّ آتٍ”)- تعبيرًا عن هذا الاعتقاد وترديدًا له في المسيحية المبكرة يدل على انتظار مجيء الرب يسوع الثاني. سيكون سريعًا كما يظهر في رسائل بولس الرسول 1كورنثوس 16: 22. ونضج هذا الفكر ولم تطله في البداية بِدَع المهرطقين.

لذا عند محاولات صياغة الإيمان بدايةً في قوانين الإيمان البسيطة التي كانت ترددها الكنيسة، لا نجد جملة “ويأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات، وليس لملكه نهاية” فلقد كانت عقيدة المجيء الثاني أمرًا مُسلَّمًا به ولا خلاف عليه. أمثلة لهذه القوانين البسيطة:[1]

  • رسالة الرسل (النص الحبشي)، سنة 160-170م:

أومن بالأب رب الكون، ويسوع المسيح [مخلصنا]، وبالروح القدس [المعزي]، وبالكنيسة المقدسة وبمغفرة الخطايا.

  • بردي دير باليزه الليتورجي، وجد في صعيد مصر في القرن السادس:

أومن بالله الآب القدير، وبابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح، وبالروح القدس، وبقيامة الجسد، في الكنيسة الجامعة المقدسة.

 

 دستور الكنيسة المصرية، نحو سنة ٥٠٠

  • الترجمة القبطية: يعود هذا الدستور إلى ما جاء في التراث الرسولي لهيبوليتوس الروماني (نحو ٢١٥ أو ٢١٧)، وقد بقي منه نص قبطي وحبشي وعربي.

أومن بإله واحد حق، أب قدير، وبابنه الوحيد يسوع المسيح، ربنا ومخلصنا، وبروحه القدس المحيي ]كل شيء[، ثالوث ذي جوهر واحد، ألوهة واحدة، قدرة واحدة، ملك واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، (أفسس ٤: ٥) في الكنيسة المقدسة الجامعة الرسولية، وبالحياة الأبدية. آمين.

  • ترجمة حبشية في صيغة سؤال:

أؤمن بإله واحد، الآب القدير، وبابنه الوحيد يسوع المسيح، ربنا ومخلصنا، وبالروح القدس المحيي كل الخليقة، الثالوث المتساوي في الألوهة. وبرب واحد، وملك واحد، وإيمان واحد، ومعمودية واحدة (أفسس ٤: ٥) في الكنيسة المقدسة الجامعة، وبالحياة الأبدية؟

ج- ترجمة حبشية في صيغة تأكيدية:

أومن بإله واحد، الآب رب كل الأشياء، وبابن واحد الرب يسوع المسيح، وبالروح القدس وبقيامة الجسد، وبالكنيسة المقدسة الواحدة الجامعة.

 

أعتقد أن غياب فكرة المجيء الثاني فيما سبق من قوانين إيمان لأنه لم تواجه هذه العقيدة أي مشكلة؛ إذ كانت فكرًا راسخًا في إيمان الكنيسة. لكن في وقت لاحق رفضت بشكل غير مباشر، ولكن تم إنكارها من قبل الهراطقة كنتيجة حتمية لمعتقداتهم الفاسدة حول إنكار لاهوت المسيح. وأول مرة يُذكر فيها المجيء الثاني كان في قانون المعمودية في الكنيسة الأرمنية (قانون إيمان صغير) ويسميه القانون باسم المجيء الرهيب والمجيد وهذه نصه:

نؤمن بالثالوث الأقدس بالآب والابن والروح القدس، ببشارة جبرائيل ]بحبل مريم[ بمولد المسيح، بالمعمودية ]بالعـيد؟[ بالآلام ]الطوعية[، بالصلب، بالدفن الثلاثي الأيام، بالقيامة ]السعيدة[، بالصعود الإلهي، بالجلوس عن يمين الآب، بالمجيء الرهيب ]والمجيد[.[2]

وجاء في قانون الرسُل في صيغته الغربية، وردت الجملة “من حيث سيأتي ليدين الأحياء والأموات” أما في الصيغة الشرقيّة، ففي رسالة يوسابيوس أسقف قيصرية إلى أبرشيته سنة ٣٢٥م. وردت بهذه الصيغة “وهو يعود في المجد ليدين الأحياء والأموات”. ونلاحظ الإضافة هنا في وصفه لمجيء المسيح أنه سيأتي في المجد. وأيضًا في العظات التعليمية لكيرلس أسقف أورشليم نحو سنة ٣٤٨م. جاءت الصياغة: “وسيأتي في المجد ليدين الأحياء والأموات ولن يكون لملكه انقضاء”. ونلاحظ هنا إضافة عبارة “ولن يكون لملكه انقضاء”، وباقي الصياغات تأتي تقريبًا بنفس الصياغة.

عُقِد المجمع المسكوني الأول النيقاوي في نيقية في عام 325م لمناقشة تعليم أريوس وقال: “وحدانية الله وعدم قابليته للتأثر بالمشاعر، سواء مشاعر الألم أو الفرح، يعنيان أننا ينبغي أن ننظر إلى الابن على أنه أدنى بشكلٍ ما من الله”.[3] ورغم إدانة أريوس في هذا المجمع لكن ظلت إشكالية تحديد علاقة الله بالرب يسوع، بكلمات أخرى ظلت قضية العلاقة بين الآب والابن قائمة حتى عام 381م؛ لأنها كانت قضية ملحَّة. وتمت صياغة مبدئية لقانون الإيمان عام 325م ثم تنقيحه في مجمع القسطنطينية الأول في عام 381م. قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني (غالبًا ما يدعى قانون الإيمان النيقاوي 325/381 ميلاديًّا) وقد حُسمت فيه مفاهيم الثالوث في السجالات الكريستولوجية.[4]

وينص مجمع نيقية المسكوني الأول على قوانين عديدة اختلفوا في عددها؛ منها عشرون قانون منقولة عن القبطي أولها هو الأمانة وهو قانون الإيمان بنصه الحالي. وتُذكر عقيدة المجيء الثاني في نصه “وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، ولن يكون لملكه انقضاء” وتحتوي هذه العبارة على ثلاث عقائد راسخة في ذهن الكنيسة وهي: المجيء الثاني والدينونة والملك، كحدث واحد فقط. ونأخذ ابن كبر[5] كنموذج في تفسير هذا الجزء من الأمانة ويُبرز وظيفته الليتورجية والتعليمية، حيث يستشهد بعدة آيات تؤكد كل بند من بنود القانون. يُشير إلى أن كل بند في القانون له أساس كتابي، ويُربط بالليتورجيا والتعليم، ويذكر آيات كتابية تؤكد هذا التعليم.

ففيما يخص المجيء الثاني والدينونة، يستند إلى قول المسيح في متى 25: 31–32: “ومتى جاء ابن الإنسان في مجده… يجتمع أمامه جميع الشعوب”، وكذلك إلى أعمال 10: 42 “هذا هو المُعيَّن من الله ديَّانًا للأحياء والأموات”، وإلى 2تيموثاوس 4: 1: “الذي سيدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته”، مما يُبرز دور المسيح بصفته ديَّانًا في نهاية الأزمنة. أما عن دوام ملك المسيح، فيستشهد بما ورد في لوقا 1: 33: “ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية”، ويُعزز ذلك بنبوءة دانيآل 7: 14: “سلطانه سلطان أبدي لا يزول، وملكوته لا ينقرض”، ليؤكد أن ملكوت المسيح أبدي لا يعرف الانقضاء. هذا الملك ليس أرضيًّا ولا زمنيًّا، بل هو ملكوت روحي سماوي، يُمارسه المسيح بصفته الإله المتجسد، الذي بعد قيامته وصعوده جلس عن يمين الآب، ليملك إلى الأبد على كنيسته وعلى الخليقة كلها. ويُشير إلى أن هذا الملك الأبدي هو ما تُعلنه الكنيسة في صلواتها، وتُعبّر عنه في ترتيب القراءات والأنغام، خصوصًا في الأعياد الكبرى مثل القيامة والصعود. كما يرى ابن كبر أن الإيمان بملك المسيح الأبدي يُحصّن المؤمن من البدع التي تنكر لاهوت المسيح أو تُقلل من سلطانه، ويُربط هذا البند من قانون الإيمان بوحدة الكنيسة الجامعة، التي تعترف بمُلك المسيح في كل زمان ومكان.[6]

المجيء الثاني وتعدد النظريات

المجيء الثاني عقيدة راسخة، في البداية توقعته الكنيسة الأولى مجيئًا وشيكًا جدًّا حيث اعتقد الرسول بولس أن مجيء الرب يسوع قريب جدًّا (1تسالونيكي 4: 15-17): “فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نََفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ”.

وكما فُهمت هذه الآيات في ظل النبوات المستقبلية لشكل وكيفية المجيء الثاني وأحداثه في عصور الكنيسة المختلفة على أنها تشير إلى حدث واحد كبير هو المجيء الثاني تتبعه الدينونة والنهاية بملك المسيح الأبدي دون فواصل زمنية. فالإيمان الراسخ بالمجيء الثاني للرب يسوع المسيح لم يكن في بدايته عقيدة فلسفية أو دينية أو حتى سياسية معقدة أو منظومة تفسيرية متشعبة، بل كان رجاءً بسيطًا، مباشرًا، وفعّالًا، ينبض بالحياة في قلب الكنيسة المضطهدة عبر العصور. لقد حمل هذا الإيمان طابعًا رؤيويًّا، لا بمعنى الغموض، بل بمعنى الانفتاح على الرجاء الأخروي الذي يُنعش الحاضر ويُعيد توجيه التاريخ نحو اكتماله في المسيح.  وبناءً على هذا الإيمان لا بد أن تكون قوانين الإيمان ليست مجرد اعتراف بالعقائد في المجامع، بل لا بد لهذه العقيدة أن يكون لها وجود ليتورجي حاضر في عبادة الكنيسة. أي أن كل ليتورجيا في الكنيسة مع المعمودية والإفخارستيا والترانيم والصلاة لابد أن تُعلن المجيء الثاني كجزء من إيمان الجماعة. في كل اجتماع عبادة لا بد أن يكون فعلًا إسخاتولوجيًّا: إعلانًا أن المسيح الذي جاء ومات وقام وصعد، سيأتي ثانية في المجد ليكمّل ملكوته.

استمر هذا الفكر إلى العصور الوسطى (من القرن الخامس حتى الخامس عشر)، ظلَّ الإيمان بعودة المسيح عنصرًا ثابتًا في العقيدة والليتورجيا، لكن طريقة تناوله تغيَّرت من “انتظار قريب مفرح” إلى “دينونة رهيبة” تشكِّل ضمير المؤمنين، وتجعله يسعى لحياة القداسة أصبح التركيز أكثر على الدينونة، الفردوس، الجحيم، والأخرويات في وعظ الكنيسة وفنها وليتورجيتها في نفس الوقت، الآباء واللاهوتيون (أوغسطينوس والأكويني) عمّقوا البُعد الروحي واللاهوتي، فصارت عودة المسيح ثانيةً نقطة التقاء بين الخوف المقدّس والرجاء الأبدي.[7] تحدث أوغسطينوس (354–430م) بعمق عن المجيء الثاني، مؤكِّدًا أنه نهاية التاريخ، حيث الدينونة وفيها يتم فصل الأبرار عن الأشرار؛ إذ رأى أن الكنيسة الآن هي “مدينة الله” على الأرض، لكنها تنتظر اكتمالها في مجيء المسيح. (أوغسطينوس: مدينة الله، الكتب 20–22) وأكد توما الأكويني هذا الفكر في تناوله موضوع القيامة والدينونة والمجد الأبدي، فأكد أن المسيح سيأتي في المجد ليقيم الدينونة العامة، وأن هذا الحدث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقيامة الأجساد والحياة الأبدية.[8] يناقش الأكويني العلامات التي تسبق المجيء الثاني، مثل ارتداد الأمم وظهور ضد المسيح، لكنه يُحذّر من تحديد الأزمنة:[9] “وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلا يَعْرِفُهُمَا أَحَدٌ، لَا الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلا الاِبْنُ، إِلّا الآبُ” (مرقس 13: 32).

وجاءت تفسيرات المجيء الثاني في العصور الوسطى مرتبطة بالخوف، والتي جعلت المسار ينحرف من الفرح والثقة والرجاء إلى الخوف والقلق، وهذا الفكر كان جزءًا من العصور المظلمة المبنية على تشويه للمفاهيم بالنظر لها من جانب أحادي.

جاء المصلحون وأعادوا صياغة الإيمان المسيحي، وتحديدًا فسَّر جون كالفن هذا الجزء من قانون الإيمان “وسيأتي أيضًا بمجد ليدين الأحياء والأموات” على أن المسيح منح شعبه دلائل واضحة على قدرته الحاضرة، لكن ملكوته ظل مستترًا خلف تواضع الجسد في أثناء وجوده على الأرض. لذلك، يدعو الإيمان إلى التأمل في الحضور الظاهر للمسيح الذي سيُعلن في اليوم الأخير، حين: “إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ” (أعمال 1: 11، متى 24: 30)، وسيظهر في عظمة ملكوته التي تفوق كل وصف، وبهاء مجده وخلوده، وقدرة ألوهيته اللامحدودة، محاطًا بجمهور من جند الملائكة. نحن مدعوون لانتظاره بصفته مخلصًا وديانًا في ذلك اليوم، حين يأتي ليفصل بين: “الخراف عن الجداء، المختارين عن الملاعين” (متى 25: 32–33). ويشدد لن يهرب أحد من الدينونة، سواء كان حيًّا أو ميتًا، اذ سيسمع صوت البوق في كل أقطار الأرض، وما إن يُسمع حتى يُستدعى الكل أمام كرسيه؛ من كانوا لا يزالون أحياء في ذلك اليوم، ومن كان الموت قد غيّبهم عن هذه الحياة (1تسالونيكي 4: 16–17).

يؤكد جون كالفن على بساطة المعنى المقترح لعبارة “الأحياء والأموات”؛ إذ يتسم بالوضوح ويتماشى مع هدف قانون الإيمان في مخاطبة عامة الشعب. وعدم تعارض التفسير مع النصوص الكتابية: مثل قول بولس “وكما وُضع للناس أن يموتوا مرة” (عبرانيين 9: 27)، مما يدعم الفكرة بأن التحول الذي يختبره الأحياء في يوم الدينونة يُشبه الموت. فيكون التحول كبديل للموت الطبيعي؛ الأحياء لن يموتوا جسديًّا، لكنهم سيتغيرون بطريقة تُعد موتًا رمزيًّا، التحول في لحظة وطرفة عين “نتغير لنلبس طبيعة جديدة” (1كورنثوس 15: 52)، مما يوضح أن التغيير الجوهري يُعد موتًا بالمعنى اللاهوتي. حضور الجميع للدينونة: “الأموات في المسيح سيقومون أولًا، ثم نحن الأحياء الباقين سنُخطف جميعًا معهم” (1تسالونيكي 4: 16–17)، مما يؤكد شمولية الدينونة للأحياء والأموات.

ويرجِّح كالفن أصل العبارة: يُحتمل أن تكون مأخوذة من عظة بطرس (أعمال الرسل 10: 42) أو من مناشدة بولس لتيموثاوس (2تيموثاوس 4: 1)، مما يربطها بالتقليد الرسولي المبكر.

ويستكمل جون كالفن مفهوم الدينونة، فهي ليست تهديدًا، بل امتدادًا لنعمة المسيح الذي سبق فاختار المؤمنين، ويشفع لهم، ولن يدينهم. بل إنهم لن يمثلوا أمام أي كرسي سوى كرسي عهدهم، وتحت سلطان فاديهم الذي وعدهم بالخلاص. فالدينونة في يد من أحبهم، لا من يرفضهم، وهي لحظة إتمام للوعد، لا لحظة رعب. المسيح هو الملك والقاضي الرحيم لا يهلك شعبه. هذه الصور تعزز فكرة أن المسيح لا يمكن أن يكون مصدر إدانة لمن هم في عهد نعمته.[10]

وفيما يخص مُلك المسيح وتفسيره لعبارة “ليس لملكه انقضاء” يرفض كالفن فكرة الملك الألفي الحرفي، ويصفها بأنها خيال يهودي قديم أعيد إنتاجه في بعض التيارات المسيحية، دون سند كتابي واضح. يرى أن المسيح يملك بالفعل الآن بطريقة روحية من خلال الكنيسة، وأن هذا المُلك لا يحتاج إلى تحقُّق زمني أرضي. يشدد كالفن على أن الرجاء المسيحي لا يقوم على تصوّرات مادية عن مُلك أرضي، بل على الثقة بوعد الله بالحياة الأبدية. ويؤكد أن المؤمنين يجب أن يوجّهوا أنظارهم إلى السماء، لا إلى توقعات زمنية. كما يربط الرجاء بالاتحاد بالمسيح، الذي هو الضمان الحقيقي للقيامة والمجد. ينتقد كالفن بشدة كل محاولة لتحديد أزمنة أو مراحل زمنية بعد المجيء الثاني، معتبرًا أن ذلك يصرف المؤمنين عن جوهر الإيمان. ويختم بأن الرجاء المسيحي هو انتظار مجيء المسيح للدينونة، لا لتأسيس مُلك أرضي، بل لإدخال شعبه إلى المجد الأبدي.[11]

أما فكر كارل بارت في الملك الألفي، رفض التفسير الحرفي لرؤيا 20؛ إذ لم يقبل بفكرة أن المسيح سيملك على الأرض لمدة ألف سنة بعد مجيئه الثاني. رأى أن هذا النوع من التفسير يبتعد عن جوهر الإنجيل ويقحم تصورات زمنية على إعلان الله. لكن الملك الألفي رمز لسيادة المسيح الحالية. وفقًا لبارت، المسيح يملك الآن، منذ قيامته وصعوده، والكنيسة تعيش تحت هذا الملك الروحي؛ فالألف سنة ليست فترة زمنية حرفية، بل تعبير رمزي عن انتصار المسيح على الشر. كما الدينونة في فكر بارت ليست تهديدًا، بل إعلانًا للنعمة، والملك ليس سياسيًّا، بل لاهوتيًّا.[12]

ويؤمن المصلحون الإنجيليون في الغالب بإحدى الفكرتين؛ الأولى: البعد ألفية (Postmillennialism): ترى أن المسيح سيأتي بعد فترة ذهبية من انتشار الإنجيل وسلام عالمي. أو الفكرة الثانية: اللاألفية (Amillennialism): التي ترفض الملك الألفي الحرفي، وتفسّره كرمز لملك المسيح الروحي في الكنيسة الآن.[13]

إسخاتولوجيا المدرسة التدبرية

العصور الوسطى -وتشمل الفكر الكاثوليكي في الغرب- وأضم إليها أيضًا الفكر الأرثوذكسي في الشرق والمصلحين، جميعهم نظروا إلى الإسخاتولوجي، وفسَّروا الكتاب المقدس وقوانين الإيمان على أنها ماضٍ وحاضر في الليتورجيا والحياة المسيحية تكمل بمجيء المسيح الثاني وملكه الأبدي. لكن النظرية التدبيرية جاءت بفكر مختلف وقسموا أحداث النهاية إلى حقب زمنية تبدأ لمجيء الثاني على مرحلتين: المرحلة الأولى هي الاختطاف (Rapture)، يؤمن التدبيريون أن المسيح سيأتي أولًا ليختطف المؤمنين الحقيقيين إلى السماء قبل فترة الضيق العظيمة (Great Tribulation) فترة سبع سنوات من الكوارث والاضطهاد، يقودها ضد المسيح، وتسبق الملك الألفي. حيث يُختطف المؤمنون قبلها، بينما يُترك غير المؤمنين ليواجهوا الدينونة. وهذا الحدث يتم فجأة، وتُفصل الكنيسة عن بقية العالم. المرحلة الثانية: الظهور العلني للمسيح ويتم بعد سبع سنوات من الضيق على الأرض للذين رفضوا المسيح، يعود المسيح علنًا ليهزم ضد المسيح ويؤسس ملكه الأرضي. تحدث قيامة الأبرار قبل الملك الألفي، وقيامة الأشرار بعده. الدينونة النهائية تتم بعد انتهاء الملك الألفي؛ إذ يُطرح الشيطان في بحيرة النار. ويسمَّى هذا الفكر القبل ألفية (Premillennialism): يؤمن بأن المسيح سيأتي قبل الملك الألفي الحرفي، الذي سيكون فترة حكم أرضي.[14]

خاتمة

رفض الإصلاح التصورات التدبيرية، وانتقد بشدة التيارات التي تفصل بين مراحل زمنية في خطة الله، مثل “الاختطاف” أو “الملك الأرضي”، ويرى أن هذه التصورات تضعف مركزية المسيح وتشوّه وحدة الإعلان الإلهي. ويتشارك الفكر الأرثوذكسي والكاثوليكي في الفكر الإسخاتولوجي مع الإصلاح؛ فعودة المسيح في المجد هي النهاية ليدين الأحياء والأموات، ويُقيم القيامة العامة، ويُدخل المختارين إلى الملكوت الأبدي. لا يُفصل بين “الاختطاف” و”الظهور”، بل يُنظر إلى المجيء الثاني كحدث واحد نهائي. كما لا تؤمن الأرثوذكسية أو الكاثوليكية[15] بملك أرضي حرفي لمدة ألف سنة بعد المجيء الثاني. بل يُفهم الملك الألفي في رؤيا 20 على أنه رمز لحكم المسيح الروحي الذي بدأ منذ قيامته، ويستمر في الكنيسة حتى نهاية العالم.

الدينونة العامة والقيامة في المجيء الثاني، تحدث قيامة عامة لجميع البشر، يليها دينونة أبدية. لا توجد مرحلتان للقيامة أو الدينونة، بل لحظة واحدة يُفصل فيها الأبرار عن الأشرار. المجيء الثاني هو رجاء الكنيسة المبارك، لا مصدر خوف، بل لحظة اكتمال الخلاص وظهور مجد المسيح. كلا التقليدين مع الإصلاح يرفضان التيار التدبيري الذي يفصل بين مراحل متعددة للمجيء الثاني والملك الألفي الحرفي. يُنظر إلى المجيء الثاني باعتباره اكتمالًا للتاريخ الخلاصي، وليس حدثًا سياسيًّا أو أرضيًّا. يُشدِّد جميعهم على الرجاء المبارك، لا الخوف أو الهروب من العالم.[16]

[1]   الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، الجزء الأول، إعداد دنتسنغر – هونرمان، ترجمة المطران يوحنا منصور والأب حنّا الفاخوري، تحقيق وتقديم الأب عادل تيودور خوري، سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 2005)، 13- 27.

[2] الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، الجزء الأول، 15.

[3] كارل تورمان، “أهمية قوانين وإقرارات الإيمان”، ائتلاف الإنجيل، 2024، متوفر على موقع: https://ar.thegospelcoalition.org/the-value-and-role-of-creeds-and-confessions تم الاطلاع عليه في 30 أغسطس 2025.

[4]  تورمان، أهمية قوانين وإقرارات الإيمان.

[5] ابن كبر، المعروف بلقبه الكامل الشيخ المؤتمن شمس الرئاسة أبو البركات بن كبر، هو أحد أعلام الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر. وُلد في القاهرة وتوفي سنة 1324م في الفسطاط. كان لاهوتيًّا، لغويًّا، ومؤرخًا قبطيًّا بارزًا، وقد ترك أثرًا عميقًا في التراث الكنسي والقبطي. (شمس الرياسة أبو البركات ابن كبر، مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة، الجزء الأول (القاهرة: مكتبة الكاروز، 1971)، مقدمة الكتاب بقلم الآب سمير خليل اليسوعي.

[6] شمس الرياسة أبو البركات ابن كبر، مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة، الجزء الأول (القاهرة: مكتبة الكاروز، 1971)، 45- 46.

[7] Bernard McGinn, Visions of the End: Apocalyptic Traditions in the Middle Ages (1998).

[8] توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، ج 3، س73، ترجمة الأب جورج نصّار، (دار المشرق، بيروت: دار المشرق، 1996)، 512.

[9] توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية. س 73، المقال الأول.

[10]  جون كالفن، أسس الديانة المسيحية، ترجمة مجموعة مترجمين بإشراف كلية اللاهوت للشرق الأدنى، مجلد 2، “رجوع المسيح في المستقبل للدينونة”، (بيروت: كلية اللاهوت للشرق الأدنى، 2017)، 487– 489.

[11] جون كالفن، أسس الدين المسيحي، الكتاب الثالث، الفصل الخامس والعشرون. 983.

[12] Karl Barth, Church Dogmatics, Volume IV/1: The Doctrine of Reconciliation, Translated by G. W. Bromiley and T. F. Torrance, Edinburgh: T&T Clark, 1956. 566– 82.

[13] جرجس جورج، جذور فكرة الملك الألفي، (القاهرة: دار الفكر الإنجيلي: 2021).

[14] جرجس جورج، جذور فكرة الملك الألفي.

[15] Pastoral Constitution on the Church in the Modern World – Gaudium et Spes, Vatican Council II, 1965. accessed August 30, 2025, https://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-i_const_19651207_gaudium-et-spes_en.html#.

[16]  جرجس جورج، جذور فكرة الملك الألفي.

 

الكنيسة واستعادة الصورة الغائبة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: الدكتور القس يوسف سمير

خطاب حفل تخرج الدفعة 154

لكلية اللاهوت الإنجيلية في القاهرة

الجمعة 30 مايو 2025

 

الفاضل الدكتور القس أندريا زكي رئيس الطائفة، الفاضل القس موسى أقلاديوس رئيس سنودس النيل الإنجيلي، الأحباء رئيس وأعضاء مجلس الكلية الأعزاء على قلبي، الفاضل الدكتور القس صموئيل رزفي عميد الكلية، أساتذة الكلية وطلابها وموظفيها والعاملين بها، الأعزاء خريجي الدفعة 154 وأسرهم الغالية، الحضور الكريم..

أتقدم إلى جميعكم بالتهنئة القلبية الخالصة بهذه المناسبة الجليلة الغالية على قلوبنا، والتي تذكرنا بعناية الله الفائقة بكنيسته إذ يقيم لها خدامًا يحملون الشعلة ويواصلون الكفاح الشريف لأجل تقدم ملكوت المسيح على أرضنا؛ كما أنها تكرس في وجداننا الجمعي أهمية الإعداد الجيد لروح وعقل ونفسية الخدام -متفرغين كانوا أم غير متفرغين- ليقوموا بالمهمة الملقاة على عاتقهم بأجمل صورة وعلى أكمل وجه.

كما أنني أنتهز هذه الفرصة لأشكر مجلس كلية اللاهوت لمنحي هذا الامتياز لتقديم هذه الرسالة لأحبائي الخريجين والخريجات. ولا يفوتني في مقام كهذا أن أشكر الرب على السنوات الثمانية التي شاركت فيها في خدمة كليتي العزيزة مقدمًا كل التقدير لمجلس الكلية الذي أشهد بضمير صالح أنه لم يألُ صلاة أو جهدًا أو تفكيرًا أو تخطيطًا لما فيه خير الكلية في كل القرارات الحاسمة والمصيرية والتحديات الضخمة والمياه المضطربة التي واجهت سفينة الكلية في السنوات الثمانية المنصرمة.

*    *    *

منذ ستة وثلاثين عامًا، وبالتحديد في يوم الجمعة الموافق 26 مايو 1989، وفي مناسبة مماثلة شهدت تخرج الدفعة رقم 118 في كلية اللاهوت، وقف طيب الذكر الدكتور القس فايز فارس، الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيلية الثانية بالمنيا ليلقي خطابًا تاريخيًّا من على منبر الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة. كان عنوان الخطاب “دعوة إلى إعادة البناء والمكاشفة في الكنيسة الإنجيلية.” وقد ارتكز هذا الخطاب في محتواه وقصده على جوهر الإصلاح الإنجيلي الذي نادى بضرورة إصلاح الكنيسة لنفسها وبنفسها إذا كنت تبغي لنفسها الاستمرار في المناداة الأمينة بإنجيل المسيح والكرازة به ربًّا ومخلصًا للجميع. يقول القس فايز فارس في معرض حديثه عن أهمية الإصلاح في الكنيسة: “إن مسيرة الفكر الإنجيلي لم تكن ولن تكون نقطة ثابتة ساكنة جامدة، بل كانت وستظل دائمًا ديناميكية متحركة… وكل نهضة وتقدم في تاريخ الكنائس المسيحية جاء نتيجة حركات إصلاح وإعادة بناء. إن كلمة الله العاملة بالروح القدس في الكنيسة تجعلها في حركة تجديد مستمرة.”[1]

ولا أبالغ إذا قلت إن الكنيسة المصرية إنما تحتاج إلى هذه الدعوة أكثر من أي وقت مضى. وأقول إنني لا أدعو الكنيسة إلى إعادة النظر إلى واقعها من موقع تشاؤمي سلبي التوجه، إنما أفعل ذلك لأن كنيستي الغالية تستحق أن تكون دائمًا حيثما يريدها الله أن تكون. تستحق أن تعيش مسيرة نجاح مستمرة ترفض فيها كل ما يعطلها، وترمي وراء ظهرها كل ما يعيقها، وتتوب في كل لحظة عن كل ما يدنسها ويلوث سمعتها وشهادتها، وأن تكون قادرة على قراءة علامات الأزمنة في وسط واقع يحاول أن يطمس هذه العلامات ويحبط كل محاولة جادة لاستيعابها وفهمها والتعامل معها. والثورة التي تسعى إليها الكنيسة -أو ينبغي أن تسعى إليها- ليست أبدًا ثورة الفوضى التي تهدم ولا تبني، وتقوض ولا تُعمِّر لكنها ثورة ناضجة عاقلة تفكر وتحلل وتتأمل وتعمل بجد وهدوء وروية والتزام واتضاع لكي تبني ما انهدم وتصلح ما انكسر وتحيي ما أو من مات. إنها تجاوب مع النداء الإلهي الذي يطلقه النبي في إشعياء 61: 4 “وَيَبْنُونَ الْخِرَبَ الْقَدِيمَةَ. يُقِيمُونَ الْمُوحِشَاتِ الأُوَلَ. وَيُجَدِّدُونَ الْمُدُنَ الْخَرِبَةَ مُوحِشَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ.”

ومن هنا يأتي اختيار عنوان هذه الرسالة: “الكنيسة واسترداد الصورة الغائبة.” وكلمة “غائبة” مقصودة.. فالصورة ليست مفقودة.. إنها موجودة ولكنها مختفية أو غائبة لأسباب مختلفة.

  1. فالصورة ليست مفقودة لأن هنالك أمناء يحملون جذوة الرسالة والخدمة والإرسالية. فالخميرة الصالحة المؤثرة موجودة، حتى وإن كان تأثيرها ضعيفًا أو غير ملموس أو محسوس. هكذا كان الأمر في عصر إيليا الذي فقد الأمل والهمة بسبب طغيان الشر والأشرار وغياب النموذج والقدوة حتى إنه في عمق يأسه طلب الموت لنفسه. لكن صوت الرب وضع الأمور في نصابها عندما قال له: “وَقَدْ أَبْقَيْتُ فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ.” (1ملوك 19: 18). يعبر أنطوان مقدسي عن ذات الفكرة كاتبًا: “لقد برز في مؤسساتنا وجه العالم أكثر مما كان يجب أن يبرز. ولكن كنيستنا في صميمها تحيا، لا بقوة الاستمرار كما يظن الخصم، إنما في نفوس قديسيها، قديسي الماضي وقديسي الحاضر، يصلون ويخدمون، وفي صمت القلب، يعيدون آلام الصليب وموته، آلامًا تنقذ وموتًا يحيي.”[2]
  2. والصورة ليست مفقودة لأن الكنيسة -كمؤسسة بشرية- معرضة للضعف والتخاذل والتراجع في حياتها الروحية أو في أسلوب أدائها لخدمتها أو في شغفها في القيام بإرساليتها. لكن هكذا واقع لا يعني بالضرورة أن الصورة الجميلة قد ضاعت إلى الأبد أو فُقدت ولا أمل في استرجاعها، لكنه يعني أن الكنيسة يجب -بشجاعة روحية وفطنة- أن تواجه واقعها الضعيف لتتوب عن سقطاتها؛ وعندئذ فقط يمكن للصورة الغائبة أو الباهتة أن تستعيد رونقها ولمعانها.
  3. والصورة ليست مفقودة -وهذه هي النقطة الأكثر أهمية- لأن الكنيسة تعيش في كل ظروفها تحت غطاء من النعمة الإلهية، مسيج حولها بسياج من العناية يضمن لها النجاة من أعتى العواصف وأقسى التحديات. فالصورة الجميلة لا تُفقد -ليس بسبب أمانة الكنيسة وجديتها لأن الواقع وطبيعة الكنيسة يقولان غير ذلك- إنما بسبب أمانة إله العهد الذي، في أيام قديمة عُرضت أمامه خطية شعبه الذي زاغ ولم يسلك في رضاه، لكنه في أمانته قرر استردادهم وعلاجهم ووضعهم على الطريق الصحيح مرة أخرى. نقرأ عن هذا الأمر في إرميا 33: 4-8: “أَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ عَنْ بُيُوتِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَعَنْ بُيُوتِ مُلُوكِ يَهُوذَا… هَئَنَذَا أَضَعُ عَلَيْهَا رِفَادَةً وَعِلاَجًا وَأَشْفِيهِمْ وَأُعْلِنُ لَهُمْ كَثْرَةَ السَّلاَمِ وَالأَمَانَةِ. وَأَرُدُّ سَبْيَ يَهُوذَا وَسَبْيَ إِسْرَائِيلَ وَأَبْنِيهِمْ كَالأَوَّلِ. وَأُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ إِثْمِهِمِ الَّذِي أَخْطَأُوا بِهِ إِلَيَّ وَأَغْفِرُ كُلَّ ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا إِلَيَّ وَالَّتِي عَصُوا بِهَا عَلَيَّ.” يكتب الأب بولس الفغالي في تفسيره لهذا الجزء الكتابي مؤكدًا نفس الفكرة: “هي الأمور تتبدل وقد أضحى الماضي مع حروبه ودماره كأنه ما كان… فالخطيئة ليست الكلمة الأخيرة، بل الغفران. والقلع والهدم هما في البداية؛ وفي النهاية، يغرس الرب ويعيد البناء.”[3]

*    *    *

أما السؤال الذي يفرض نفسه والذي أحاول الإجابة عليه فيما تبقى من وقت هو: ما هي ملامح الصورة التي أرجو أن تسعى كنيستي الغالية لاستردادها بعد غياب؟ لا شك أن مصدرًا أساسيًّا للإجابة على هذا السؤال سيكون سفر الأعمال. ولا أدعي، ولا يجب علينا أبدًا التصور، أن سفر الأعمال يقدم لنا يوتوبيا روحية عاشتها الكنيسة في بداية العصر المسيحي الأول. فسنوات الكنيسة الأولى امتلأت بالضعفات والمآخذ، والصورة لم تكن أبدًا بالبريق الذي نتوقعه لأن الكنيسة في كل زمان ومكان هي بذاتها تتكون من بشر ضعفاء يعيشون ويحاولون ويخطئون أو يصيبون ويتوبون ويقومون نافضين عن أنفسهم غبار الزلل ووسخ الخطية. إن مجتمع الكنيسة ليس مجتمعًا معقمًا لا تشوبه شائبة الخطية، وهو مجتمع لا يعيش فيه فقط فئة من الناس الكاملين الذين لا يضعفون أو يسقطون أو ينحرفون. إنما مجتمع الكنيسة هو مجتمع يعيش فيه الله مع شعبه الواقع تحت ضغطة الآلام والمعاناة والضعف. وسفر الأعمال يوضح لنا كيف يمكن للجماعة، من خلال قيادة الروح وفي اتكال عميق على عمل النعمة، أن تعيش ملامح الملكوت ومعطياته رغم أنها تعيش في وسط مخالف وثقافة مغايرة وضغوطات معثرة وتحديات لا تنتهي.

ألخص ملامح الصورة الغائبة التي نسعى لاستردادها في النقاط التالية:[4]

  • صورة الاحتضان الغائبة

صورة الاحتضان والاحتواء والتشجيع واحدة من أهم الصور الشائعة في سفر الأعمال. وهذه الصورة إنما تعبر عن حياة الشركة كقيمة آمنت بها الكنيسة الأولى واجتهدت بمثابرة أن تمارسها. فالشركة في وسط جماعة الرب المفدية لا تُترجم فقط في تناول الطعام معًا، أو توفير الاحتياجات المادية لمن يعانون شظف العيش، فالأمر يتعدى ذلك إلى إعطاء الفرصة لمن يحتاجون إليها، وتشجيع المبتدئ إلى أن يتقوى، وقبول المخطئ عندما يبدي تغييرًا وتوبة ورجوعًا إلى جادة الصواب. عبر البشير لوقا نفسه في إنجيله عن صورة الاحتضان في واحد من أشهر الأمثال التي نطق بها المعلم في الإنجيل ألا وهو مثل الابن الضال حيث يصف موقف الأب عند رؤيته لابنه من بعيد فيقول: “وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ” (لوقا 15: 20). وتتكرر هذه الصورة في أكثر من موقف وبأكثر من أسلوب طوال سفر الأعمال.

تتجلى صورة الاحتضان بصورة خاصة في شخصية برنابا، ابن الوعظ أو التشجيع كما يصفه كاتب السفر (أعمال 4: 36). فبرنابا لعب الدور الأساسي والأهم في إذابة الجليد بين شاول الطرسوسي الذي خلص على طريق دمشق وزمرة التلاميذ الذين كانوا مرتابين فيه ومنزعجين من وجوده في وسطهم. نرى برنابا بقلبه الواسع الذي احتضن ذلك المتشدد السابق ليزرعه بروح كريمة في وسط جماعة الرب: “فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ” (أعمال 9: 27). وكان برنابا هو الشخص الذي ارتأت الكنيسة -بسبب روحه المشجعة- أن ترسله إلى الكنائس الناشئة في انطاكية ليشجعها ويدعمها “الذي لما أتى ورأى نعمة الله فرح، ووعظ (شجع) الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب” (أعمال 11: 23)، كذلك كان هو من ذهب باحثًا عن شاول في طرسوس ليشجعه “ولما وجده جاء به إلى أنطاكية” (أعمال 11: 25). ولم يقتصر الأمر على بولس، لكن برنابا احتضن يوحنا مرقس الذي رفض بولس أن يكون عضوًا في الرحلة الثانية، فكان أن اختار برنابا الانحياز لمن يحتاج الاحتواء والتشجيع.

ولا شك أن ما لقيه بولس من تشجيع واحتواء من جهة برنابا قد حفر في نفسه درسًا ونموذجًا لكيف يجب أن يكون القلب الكبير الذي يتسع لكثيرين فيهتم ويوجه ويدفع إلى الأمام ويترفق ويغفر ويلتمس العذر ويضع آخرين على طريق النجاح ويستثمر في من هم أقل خبرة واختبارًا. تعلم بولس الدرس وأفسح المجال في قلبه ومن حوله لتلاميذه ورفقائه المقربين الذين بلغ عددهم حوالي 16 شخصًا كما يذكر لنا العهد الجديد.[5]

إن قيمة التشجيع والاحتضان والاحتواء إنما تعبر بصورة أساسية لا لبس فيها عن تمتع الكنيسة بروح المحبة الحقيقية، التي هي العنوان الأساسي لكنيسة المسيح. إن قائمة من صفات المحبة التي يذكرها الرسول في نشيده الأشهر في 1كورنثوس 13 هي أنها: “تحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء،” وهي التي يمكننا اعتبارها آية “الاحتضان!” فهي تصور ديناميكية التعامل مع ضعفات الآخرين من خلال الروح الإيجابية المشجعة والمحتضنة التي “تحتمل كل شيء” أي أنها (تغطي) ضعفات الآخرين وتغفرها، و”تصدق كل شيء” أي أنها (ترى الأفضل في الآخر)، و”ترجو كل شيء” بمعنى أنها لا تعتبر الفشل هو الكلمة الأخيرة لكنها (تؤمن بأن الآتي أفضل) وأنجح وأكثر لمعانًا، و”تصبر على كل شيء” أي أنها (تعطي الفرصة) وتوفر المساحة والإمكانية والوقت للآخر حتى يتعلم ويتدرب ويخرج من كبوته. يقول شارل ده فوكوه: “أن نحب يعني أن نأمل دائمًا في الفرد الذي نحبه… علينا أن نتوقع كل شيء من كل فرد. علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية لنكون حبًّا في عالم لا يعرف كيف يحب”.[6]

وفي رأيي أن هنالك على الأقل عائقين يقفان سدًّا منيعًا أمام استعادة الكنيسة لروح التشجيع والاحتضان:

  1. هنالك أولًا، وقبل أي وكل شيء، الشعور الجارف والمتأصل بالتهديد. يمكن القول بأن الشعور بعدم الأمان الداخلي إنما يمثل العائق الحقيقي وراء غياب روح التشجيع عن الكنيسة المحلية والعامة بصورة واضحة. فالقائد أو المسؤول الذي يفتقر إلى الأمان الداخلي سيكون مؤَرقًا دائمًا من وجود آخرين حوله. وإذا فرض عليه آخرون فإنه لن يألو جهدًا في التخلص منهم بكل طريقة، أو أنه سيمنع عنهم كل مشورة وتدريب وفرصة للتطور والتقدم. لقد أصيبت الكنيسة المحلية بالمركزية الشديدة في أسلوب إدارتها بسبب الخوف من ظهور كوادر جديدة ربما تسحب البساط من الأجيال الحالية، وللأسف الشديد، لا تؤدي المركزية المطلقة إلا إلى المزيد من الضعف والهزال والهشاشة وانعدام التأثير.
  2. التحدي الثاني الذي تواجهه الكنيسة فيما يتعلق بتوجه الاحتواء والتشجيع في أروقتها إنما هو الرغبة في الاستئثار بالنجاح. إن الوجود في وسط بؤرة الأضواء يمثل تجربة لا يُستهان بها بالنسبة لأي خادم من خدام المسيح. والرغبة في أن يُنسب النجاح والتأثير لشخص بعينه مدخل لإبقاء الخيوط في يد واحدة تطبق على زمام الأمور إطباقًا خانقًا لكل تجديد وتطوير. وإن كان سفر الأعمال قد سجل لنا العديد من الضعفات والأخطار والخطايا التي واجهتها الكنيسة الوليدة في العصر المسيحي الأول، إلا أننا لا نجد أثرًا لفكرة الرغبة في الاستحواذ على النجاح والانفراد به. فبرنابا، ابن الوعظ، ارتضى لنفسه المكان الثاني والبقاء في الظل ليدفع أمامه المؤمن الجديد الواعد شاول الطرسوسي؛ والرسول بولس -كما ذكرنا قبلًا- أفسح المجال لكثيرين ممن حوله للخدمة والنجاح والتأثير بفاعلية على المستوى العام.

(2) صورة الاستقامة الغائبة

يقدم لنا سفر الأعمال في الإصحاح الخامس واحدة من القصص الصادمة التي تناولتها أقلام المفسرين وتحليلات علماء العهد الجديد بالدراسة والتمحيص استجلاء لمعانيها والهدف من ورائها. إن صعوبة قصة حنانيا وسفيرة (أعمال 5: 1-11) والحسم الشديد في الحكم على الزوجين أديا ببعض المفسرين إلى التقليل من القيمة التاريخية لهذه القصة والادعاء بأنها غير منطقية وغير مستساغة لاهوتيًّا، وبالتالي رفضوا التعليق عليها أو دراستها أو التعليم بها.[7] بالتأكيد ليس المقام مناسبًا لدراسة الحادثة بكل تفصيلاتها وسياقاتها، لكن ما يهمنا بالتحديد هو الإجابة على السؤال الهام الذي يطرحه النص الكتابي: لماذا يبدو الحكم على الرجل وزوجته مغالى فيه ويحمل الكثير من القسوة؟ هل يتناسب الحكم بموتهما الفوري مع الخطية التي اقترفاها؟ هل تتناسب هذه القصة مع توجه العهد الجديد الذي يدشن بغنى زمان النعمة والمغفرة الإلهيين؟ أَوَلا يبدو تصرف الرسول بطرس معهما غير متماشٍ مع ما اختبره هو بنفسه من غفران ورحمة عندما أنكر السيد في ليلة الصليب؟ أما كان يجب أن يجزل لهما العفو كما اختبره هو قبلًا؟

الإجابة البسيطة المباشرة والعفوية عن كل هذه الأسئلة المشروعة تكمن في الآية الأخيرة من النص في العدد 11 حيث نقرأ: “فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذَلِكَ.” فالقصد المباشر من وجود هذه القصة هو الإعلان الواضح الذي لا يخطئه أحد عن ضرورة الحياة المستقيمة في مجتمع الملكوت. فإذا كان كاتب السفر في النصوص السابقة (أعمال 4: 1-31) واللاحقة (أعمال 5: 17-42) يتحدث عن المخاطر الخارجية التي هددت الكنيسة بسبب الاضطهاد اليهودي، فإنه بحكمة إلهية يبين كيف أن الكنيسة تواجه من داخلها خطرًا -ربما يكون أكبر وأكثر عنفًا وأوسع تأثيرًا- هو خطر الحياة المزدوجة التي فيها يسعى حنانيا وسفيرة إلى الإمساك بطرفي المعادلة: طرف الغنى والمتعة المادية من جهة، ومن الجهة الأخرى طرف السمعة الروحية الجيدة التي تجعل لهما وجودًا واسمًا في داخل جماعة الرب. لكنهما للأسف لا ينجحان في ذلك إلا بأسلوب غير مستقيم يستخدمان فيه الرياء- أو حيلة العيش بوجهين. إن رسالة هذا النص أيها الأحباء هي باختصار أن العيش في رحاب العهد الجديد لا يعني أبدًا أن يتبنى المرء نوعية متساهلة ومترهلة من الحياة التي تفتقر إلى الاستقامة الروحية والنزاهة الأخلاقية. فالخلاص الذي يناله شعب الرب بموت المسيح وقيامته يجب أن يتمم -كما يكتب الرسول بولس- بخوف ورعدة.

لا ريب أن واحدًا من أكبر المساحات التي انتشرت فيها، ومن خلالها، وبسببها التوجهات التي تتَّسم بعدم الاستقامة هي مساحة منصات التواصل الرقمي الاجتماعي بكل أوجهها المختلفة، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المحتوى المرئي ومنصات الدردشة والتراسل الفوري. تحمل هذه المنصات الكثير من الوجوه الإيجابية المفيدة للإنسان، لكنها في نفس الوقت -وبسبب سوء الاستخدام الذي يقف وراءه الفساد الإنساني- أصبحت أسلحة مسنونة لتدمير الشخصية وتشويه السمعة والتطاول على الآخر واستباحة الإساءات اللفظية والتعدي على كل خطوط الحريات الشخصية. وتصير المصيبة أعظم عندما يتم تطويع هذا السلاح الدامي في مدارات الخدمة الكنسية والعلاقات بين أبناء الكنيسة الواحدة أو الكنائس المختلفة. 

في الكثير من النصوص الكتابية نجد التأكيد الواضح على قيمة الإنسان والإنسانية والدعوة لعدم استغلاله. يقول المرنم في المزمور الثامن: “فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ! وَتَنْقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ” (مزمور 8: 4-6). ويشير اللاهوتي السويسري الشهير كارل بارت إلى ثلاثة مسوغات لهذه الكرامة الإنسانية وهي: كرامة الخلق الإلهي للإنسان (بحسب مزمور 8)، وكرامة الفداء بموت المسيح لأجل الإنسان (رومية 14: 15؛ 1كورنثوس 8: 11)، وكرامة خدمة الإنسان لله (يوحنا 12: 26؛ 2كورنثوس 3: 9).[8] وللأسف ضاعت كل هذه المعاني الكتابية واللاهوتية الجميلة السامية على مذابح وسائل التواصل الاجتماعي التي أوصلت الإخوة إلى حالة مؤسفة من التراشق بالألفاظ والتخوين الفكري والتكفير اللاهوتي والمزايدات السقيمة، وأصبحت الكرامة الإنسانية مداسًا تحت أقدام الرغبة في الظهور والتشفي والانتقام والتشويه. وأصبحنا ندافع عن الكتاب المقدس الذي يدعونا إلى احترام الآخر ومحبته وصون كرامته- أقول إننا أصبحنا ندافع عنه بإهانة الآخر وتكفيره والحط من شأنه والنيل من سمعته… فوأسفاه على هكذا واقع…

واحدة من الملاحظات التي من شأنها أن تدعونا للقلق والخوف والحذر هي تلك التي يذكرها اللاهوتي السويسري هانز كونج إذ يشير إلى أنه من الشائع أن يقدم الإعلام والأفلام السينمائية الكنيسة على كونها “مكانًا للشر.”[9] وأكثر ما يؤرق في هذه الحقيقة هو وجود ذلك التناقض الصادم بين هوية الكنيسة الأصلية والأصيلة كشعب المسيح المفدي من جهة، ومن الجهة الأخرى وجود الشر في داخلها والإبقاء على سُمِّه بين جدرانها وقدرتها على التعايش معه في ازدواجية مؤلمة ورياء صارخ. إنه نفس المرض الذي واجه الرب شعبه بسببه لأكثر من مرة في القديم حيث يقول موبخًا إياهم على لسان عاموس النبي “بَغَضْتُ كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ. وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ” (عاموس 5: 21-24). إنه ذلك “الخليط من التدين وفعل الشر والظلم”، بحسب تعبير جون ستوت.[10] وهي الحالة المزرية التي يصفها جورج فرفر بامتياز حيث يكتب: “واقعنا اليوم هو أننا لا ننجب قديسين. كل ما في الأمر، نحن نقوم بهداية الناس إلى مسيحية واهنة عقيمة لا تشبه مسيحية العهد الجديد إلا قليلًا. فما المؤمن الكتابي العادي في أيامنا إلا صورة مضحكة للقداسة الصحيحة.”[11]

من الأمور المحزنة والتي تكسر قلوبنا جميعًا أن تفقد الكنيسة شهادتها وتضعف رسالتها ويخبو نورها وتفسد ملوحتها بسبب السقوط في واحد أو أكثر من الثالوث المريع: المال والسلطة- وبصورة خاصة- الجنس. إننا نحتاج كقادة وقسوس وخدام وشعب أن نحسن الاستماع إلى تحذير الرسول ووصيته للكنيسة: “فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ. لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ. لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلًا ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ.” (أفسس 5: 5-8). وليتنا نصغي في اتضاع لكلمات خادم مثلنا يقول: “إن إرضاء الإنسان له ثمن وهذا الثمن يؤدي إلى فقدان النزاهة، وإرضاء الله أيضًا له ثمن، التمسك والتشبث بالنزاهة وحياة الاستقامة. فماذا تختار؟”[12] نعم، فحياة تفتقد للنزاهة والاستقامة إنما هي خسارة في خسارة. أما إذا أردنا التأثير المُملِّح والقدوة المضيئة والسيرة الحسنة والشجاعة في الخدمة والجسارة في الشهادة والتمتع بالضمير الصالح فالطريق الواحد والوحيد هو حياة الاستقامة.

 

(3) صورة الفاعلية الغائبة

نعود إلى سفر الأعمال لنلاحظ أن النقطة المركزية التي يدور حولها هذا السفر في مجمله إنما هي تقدم الكرازة وبناء الكنيسة الروحي. ونلاحظ مرة وراء الأخرى أن كل الأنشطة والقرارات والمواهب والقدرات والإمكانيات تمحورت حول هذا الهدف الأسمى. منذ استهلال السفر نرى أن وصية يسوع المقام كانت بصورة واضحة لتلاميذه أنكم “سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ.” لقد كانت الإرسالية هي الحاكمة لكل نشاطٍ قام به التلاميذ والرسل الأوائل. كانت كل الصلوات والأصوام والفرص التعبدية والرحلات التبشيرية والاجتماعات الكنسية والرسائل الرعوية والتشتتات بسبب الاضطهاد والاضطرابات بسبب المضايقات، بل وأقول حتى الاختلافات التي حدثت بين القادة، كلها كان مركزها الإرسالية وبناء الكنيسة روحيًّا. لذلك لم يَزَل كاتب السفر يورد من وقت إلى آخر تقريرًا موجزًا لتقدم الخدمة بسبب ما يقوم به التلاميذ والرسل، بتركيز شديد، لإنجاح الرسالة. فنحن نقرأ في أماكن معينة من السفر ملاحظات على شاكلة: “فَكَانَتِ الْكَنَائِسُ تَتَشَدَّدُ فِي الإِيمَانِ وَتَزْدَادُ فِي الْعَدَدِ كُلَّ يَوْمٍ.” (أعمال 16: 5).[13]

عندما حدثت أزمة الإغفال عن الأرامل اليونانيات في خدمة العطاء (أعمال 6)، كان المبدأ الذي أرساه الرسل هو: “لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ. فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ” (أعمال 6: 2-4). وحتى عندما أقيم الشمامسة السبعة، كان الشغف الذي يملأ قلبهم هو امتداد الرسالة والكرازة للبعيدين. وهذا ما رأيناه جليًّا في استفانوس، أشهر الشمامسة وأول الشهداء.

وهذا ما أقصده في هذه النقطة من خطابي تحديدًا: أن العمل الروحي في الكنيسة الأولى كان يتقدم بسرعة وكفاءة وإيجابية وإنجازًا في التأثير لأن كل الأمور الأخرى كانت مُسخَّرةً لإتمام العمل، وليس لتعطيله. وأقول بكل أسف إن العمل الإداري، الذي من المفترض أن يكون داعمًا للمهمة الأساسية للكنيسة، يمثل إلى حد كبير عائقًا أمام إتمام هذه المهمة بالصورة المرضية والمشبعة لقلب الله. لقد تعطلت الفاعلية المطلوبة في إنجاز الخطط والأحلام والرؤى بسبب الانشغال الزائد عن الحد في دهاليز العمل الإداري الذي أثقل الخطى وعطل الانطلاق في اتجاهات مختلفة. أستعير هنا ما كتبه اثنان من أبناء الكنيسة الإنجيلية في مصر عما وصل إليه العمل الإداري في الكنيسة: “صارت المواقع الإدارية هدفًا في حد ذاتها أكثر منها مواقع خدمة هدف ورسالة الكنيسة… يبدو أنها صارت هدفًا في حد ذاتها عند البعض أو فرصة للرجوع للقديم عند البعض الآخر بدلًا من التحرك لإعادة تحديد أهداف الكنيسة وتجديد رسالتها”.[14] وعلى الكنيسة أن تعيد النظر في فاعلية الإدارة بها، لا لكي تتخلى عنها- فهذا غير منطقي بأية صورة، لكن لكي تعيد صياغتها بحيث تكون في خدمة الهدف وليس العكس.

وفيما يلي أحاول وضع بعض المبادئ السريعة والعامة التي ربما تكون ذا فائدة في تفكيرنا بشأن العمل الإداري سواء على المستوى العام أو مستوى الكنيسة المحلية:

  1. المبدأ الأهم هو ما قرَّره الرب يسوع عندما قال: “السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ”. فالنظام الإداري في الكنيسة، بكل لوائحه وتنظيماته ولجانه ومجالسه واجتماعاته، يجب أن يكون هدفه الأول والأهم هو الإنسان. فعلى سبيل المثال، لننظر إلى لوائح الخدمة في كنائسنا وهيئاتنا الكنسية والمجمعية والسنودسية: هل هدفها هو خدمة البشر؟ هل تهدف إلى تسهيل أمور الخدمة أم تعقيدها؟ هل تراعي الظروف الإنسانية أم تغفل عنها في مقابل النظام الشكلي؟
  2. المبدأ الثاني هو مبدأ “الزقاق” الذي أرساه كذلك الرب يسوع عندما قال: “وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ لِئَلاَّ تَشُقَّ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ الزِّقَاقَ فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ.” فالسؤال هو: هل أنظمتنا الإدارية -مع كل تعقيداتها ومستوياتها المتعددة والمتشابكة- قادرة على استيعاب الأفكار الجديدة وأحلام الخدمة الجريئة والخطط الطموحة، أم أنها للأسف تمثل القبر الذي تُدفن فيه هذه الأفكار للأبد؟ انتبهت لهذه المأساة عندما قال لي أحد أصدقائي إن السؤال الذي تطرحه الكنيسة عندما تُعرض عليها فكرة جديدة أو حلم ثوري هو: WHY YES? وليس WHY NOT?. علينا أن ننقي نظامنا الإداري من كل ما من شأنه أن يعطل العمل الأساسي ليكون قادرًا على مخاطبة روح العصر.
  3. المبدأ الثالث هو “افتداء الوقت.” إن وصية “مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة” إنما تخاطب بقوة رؤيتنا لقيمة الوقت في الخدمة. فالكثير من الرؤى والأحلام تُنسى وتدفن تحت رمال الأوقات المطولة التي نستنزفها في اجتماعات اللجان والمجالس المختلفة. الكثير من المشروعات الواعدة تبقى تحت رحمة المناقشات التي قد تستمر لسنوات دون التقدم ولو لخطوة واحدة إلى الأمام.
  4. المبدأ الرابع والأخير هو “البساطة.” والمقصود بالبساطة هنا هو أن يكون الهيكل الإداري الذي يحكم العمل والأداء بسيطًا إلى أقصى حد وخاليًا من الطبقات المختلفة والمستويات المتعددة؛ لأن هذا الأمر يؤدي دون شك إلى الترهل في الأداء والإنجاز. يكتب القس عيد صلاح موضحًا هذه النقطة: “الإدارة الجماعية بركة كبيرة، ولكن اتساع العمل الإداري… جعلنا نعاني هذه الحالة من الترهل، ففقدنا البديهيات في الإدارة… وبالتالي معيار الإنجاز مقارنة بمعيار الوقت مع الإمكانيات والفرص المتاحة أصبح ضعيفًا جدًّا.”[15] لم تملك الكنيسة الأولى تلك النوعية من النظام الإداري المتشابك، وقد أدى ذلك إلى الخفة في الحركة والسرعة في الإنجاز إلى درجة وصول الرسالة إلى “أقصى الأرض” رغم ضعف الإمكانيات وبطء وسائل المواصلات وقسوة الظروف المناخية وعدم ملاءمة الأحوال الاجتماعية والسياسية.

أستعير في نهاية هذه النقطة ما كتبه رئيس طائفتنا الأسبق الدكتور القس صموئيل حبيب في كتابه عن الإدارة الكنسية: “فإن كانت المهمة مرتبطة بتحقيق الأهداف العليا، وإن كان الإداريون يعملون لصالح صاحب العمل ((الرب يسوع))، وإن كان دور الإداريين هو تحريك السفينة في الاتجاه الذي يحقق آمال السيد في مجتمع هذا العالم، وإن كانت آمال السيد في العالم هي تكميل القديسين، وبناء جسد المسيح حتى مجيء السيد المسيح ثانية، فإن المهمة الإدارية، مرتبطة بهذه الأهداف السامية جدًّا، تصبح مهمة دقيقة وحساسة وخطرة جدًّا.”[16]

ختامًا، يقوم إيماننا المصلح على فكرة التجديد- Restoration. إنه “أسلوب تفكير وأسلوب حياة ناهضة نامية باضطراد منتظم، كتيار يتغلغل في حياة الفرد والكنيسة.”[17] لذلك، فالدعوة التي تثقلت بها في هذه الرسالة هي نداء لكنيستي الغالية أن لا تتوقف عن إصلاح نفسها، مستعيدة الصورة التي غابت حينًا أو أحيانًا لكنها لابد عائدة مرة أخرى من خلال السعي الجاد نحوها. وما يدعم هذه الرحلة نحو الإصلاح أننا نحتضن قيمة الرجاء الذي تفجرت أنواره بقيامة يسوع المسيح من الأموات: فنحن لا نفقد الرجاء في إلهنا أو في أنفسنا، ونحن لا نترك أنفسنا فريسة ليأس يقتل دعوتنا ويدمر خدمتنا، ونحن لا نستسلم لفشل في الماضي يشل حركتنا المتوثبة نحو المستقبل، ونحن لا نرضى أن نبقى مستريحين لواقع ضعيف ووضع هزيل. كلا وألف كلا؛ فنحن نشكر الله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين، إننا أبناء القيامة، ولا نرضى إلا بأن نعيش حياة القيامة والانتصار والتجدد والانطلاق الإيجابي إلى الأمام. فإلى الأمام أيها الخريجون، وإلى الأمام أيها الزملاء الأعزاء، وإلى الأمام أيتها الكنيسة الغالية.

شكرًا لحسن الإصغاء.. وكل عام وحضراتكم بكل الخير..

 

[1] . فايز فارس، دعوة إلى التغيير (الكنيسة الإنجيلية الثانية بالمنيا، 1990)، 18. (يتضمن هذا الكتاب نص الخطاب المُشار إليه مع مجموعة أخرى من المقالات والتعليقات التي قدمها البعض كرد فعل لهذا الخطاب وكذلك بعض الفصول التي أضافها الكاتب للاستفاضة في شرح بعض القضايا التي وردت في خطابه).

[2]. أنطوان مقدسي، “الكنيسة الشرقية على درب يسوع،” مقالة في كتاب الكنيسة في العالم: آراء مسيحية في التزام شؤون الأرض، المطران جورج خضر وآخرون (بيروت: منشورات النور، 1973)، 76-77.

[3]. بولس الفغالي، “سفر إرميا،” في التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير: أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، 1364.

[4] . لا شك أن هنالك مكونات أخرى لهذه الصورة الغائبة إلا أنني أكتفي بالنقاط المذكورة أولًا لمحدودية الوقت كما لأنني أرى أن هذه هي النقاط الأهم في وجهة نظري.

[5] . شكر خاص للشيخ يوسف ناثان مدير قسم الأبحاث والدراسات الكتابية بدار الكتاب المقدس بمصر لتوفير هذه المعلومة.

[6]. مقتبس من بيتر ج. فان بريمن اليسوعي، كالخبز الذي كُسر، ترجمة رفيق حبيب نصري اليسوعي (جونية، لبنان: المطبعة البولسية، 2003)، 109.

[7]. Anthony B. Robinson and Robert W. Waal, Called to be Church: The Book of Acts for a New Day (Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 2006), 75.

[8]. Klaus Bockmuehl, Evangelicals and Social Ethics (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1979), 24.

[9]. Quoted in Wim A. Dreyer, “Church, Mission and Ethics: Being Church with Integrity,” HTS Teologiese Studies, Theological Studies. Vol. 72, no. 1 (February 2016): 1.

[10]. جون ستوت، الكنيسة: الهروب إلى الله أم من الله؟ ترجمة: حمدي سعد (القاهرة: دار الثقافة، 2011)، 46.

[11]. جورج فرفر، ثورة على الازدواجية، تعريب: يوسف قسطة (بيروت، لبنان: دار منشورات النفير، ب.ت)، 7.

[12]. إيلي الخراط، الطريق إلى القيادة (إنسباير للنشر والتوزيع- الإنترفارسيتي IFES ، 2023)، 85.

[13]. انظر هذه الشواهد التي تحتوي على ملخصات مماثلة بطول السفر (أعمال 6: 7؛ 9: 31؛ 12: 24؛ 19: 20؛ 28: 31). بحسب سي. إتش. تورنر C. H. Turner ، يمكن تقسيم سفر الأعمال إلى ستة أقسام رئيسية ينتهي كل قسم بواحد من التقارير السابقة التي تؤكد تقدم الخدمة بسبب مثابرة الرسل وتركيزهم على مهمتهم الرئيسية.

 وليم باركلي، سفر أعمال الرسل، سلسلة تفسير العهد الجديد، مجلد 3، ترجمة جوزيف صابر (القاهرة: دار الثقافة، 1991)، 22.

[14]. إميل زكي وڤنيس نقولا، الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر: البدايات والتفاعل والتطور (القاهرة: دار الثقافة، 2015)، 316.

[15]. عيد صلاح، نحو دستور جديد للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر: مبادئ وقضايا (مجلس الشئون الدستورية والقانونية والقضائية، 2015)، 258.

[16].  صموئيل حبيب، الإدارة الكنسية (القاهرة: دار الثقافة، 1988)، 45.

[17]. مكرم نجيب،  الروحانية: الجذور والثمار (القاهرة: دار الثقافة، 1997)، 64.

أهمّية قانون الإيمان النّيقويّ في احتفالية مرور ١٧٠٠ سنة ودور الكنيسة المصريّة في صياغته

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: د. ق وفيق وهيب وهبة

أستاذ اللاهوت والمسيحيّة في العالم

جامعة تندال، كندا

تحتفل الكنيسة في جميع أنحاء العالم بمرور 1700 سنة على صياغة قانون الإيمان النّيقويّ في عام 325 ميلاديّة نسبة إلى مدينة نيقيّة في آسيا الصّغرى (تركيا اليوم)، التي عُقِدَ فيها مجمع نيقيّة؛ إذ اجتمع قادة الكنيسة ليؤكّدوا إيمانهم في لاهوت وعمل المسيح في الفداء. وبهذه المناسبة الهامة يحين لنا أنْ نُلقي الضوء على أهمّية قانون الإيمان النّيقويّ الذي أصبح جزءًا جوهريًّا في تعبير الكنيسة عن إيمانها في لاهوت المسيح وعمله الكفاري في الفداء.

  • الواقع التاريخيّ

‏        شهدت الكنيسة الأولى أوقات عصيبة من الاضطهادات تحت الحكم الرّومانيّ. فالكنيسة التي تمركزت حول حوض البحر الأبيض المتوسّط في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا شهدت نموًّا فائقًا في خلال عصر الاضطهاد حتى إنّ عدد المسيحيّين في الإمبراطوريّة الرّومانيّة تجاوز ١٠٪؜ من تعداد سكان الإمبراطوريّة والذي بلغ حوالي٦٠ مليون نسمة نهاية القرن الثّالث الميلاديّ.

‏ومن المُلاحظ أنّ مِصرَ كان بها أكبر عدد مِن المسيحيّين في كل الإمبراطوريّة الرّومانيّة؛ حيث بلغ عدد المسيحيّين المصريّين حوالي ١٨٪؜ مِن تعداد سُكّان مِصر في نهاية القرن الثّالث الميلاديّ. لذلك فقد عانى المصريّون المسيحيّون أسواء عصور الاضطهاد على يد الرّومان في بداية القرن الرّابع الميلاديّ والذي يُشار إليه بعصر الشُّهداء إلى هذا اليوم.

هذه الزيّادة الملحوظة في تعداد المسيحيّين في الإمبراطوريّة فرضت على الإمبراطوريّة تبنّي سياسةٍ مُختلفة تجاه المسيحيّين بدلًا من سياسة الاضطهاد والقتل؛ إذ إنّ سياسة اضطهاد المسيحيّين لم تقلّل عددهم ولم تضع نهاية لهذا الدين الجديد بل بالعكس تسبَّبت في زيادة أعداد المسيحيّين بشكل ملحوظ.

وهكذا أمر الإمبراطور جاليروس في عام 311م بإعفاء المسيحيّين من عبادة الإمبراطور الرّومانيّ طالما أنَّهم يصلُّون إلى إلههم لحماية الإمبراطوريّة وسلامتها. في ظل هذا التّغيير في أسلوب التّعامل مع المسيحيّين مِن الأباطرة الرّومان، قرر الإمبراطور قسطنطين في عام 313م تبنِّي المسيحيّة دينًا أساسيًّا أو رسميًّا في الإمبراطوريّة الرّومانيّة. هذا القرار التّاريخيّ أعطى المسيحيّين في الإمبراطوريّة الحُرّيّة في مُمارسة العبادة، وأصبح مِن السّهل على قادة الكنيسة التّعبير عن آرائهم اللاهوتيّة بحُرّيّة وصراحة أكثر مِن قبل. أيضًا يحق لنا الإشارة إلى أهمّية الكنيسة المِصريّة في خلال هذه الحقبة في تأسيس أول مدرسة لاهوتيّة، مدرسة الإسكندريّة، والتي كانت رائدة في الفكر والتّعليم اللاهوتيّ على مستوى العالم في ذلك العصر.

 

  • أريوس (256-336م)

 ‏وُلِدَ أريوس عام 256م في مدينة ‏القيروان بليبيا، وأصبح أحد أهمّ اللاهوتيين في مدرسة الإسكندريّة. إلا أنَّ تعليم أريوس عن طبيعة المسيح أثار اهتمامًا كبيرًا مِن قادة الكنيسة في مِصر؛ إذ إنْ تعاليمه كانت تُمثّل خطرًا على إيمان الكنيسة وعقيدتها في لاهوت المسيح وعمله في الفداء. فلقد علَّم أريوس أنّ المسيح ليس له نفس الطّبيعة الإلهية مثل الله. وإنَّهُ خُلِقَ في وقت لاحق، أي أنَّهُ ليس أزليًّا مِثل الله، بل مخلوق مِثل باقي الخليقة. هذا التّعليم له تأثير بالغ ليس فقط في عقيدة الكنيسة عن طبيعة المسيح ولاهوته، لكن له أبعاد خطيرة على عقيدة الفداء. فإن لم يكن للمسيح طبيعة إلهية (لاهوت) كاملة وطبيعة إنسانية كاملة، فلقد بات عمل الفداء الذي قدَّمه المسيح على الصّليب لا قيمة له.

في الوقت نفسه وصل لعلم الإمبراطور قسطنطين أخبار عن وجود انشقاق في الرّأي في التّعاليم اللاهوتيّة، والذي بدأ يؤثّر على وحدة الكنيسة في أرجاء الإمبراطوريّة مما أزعج الإمبراطور. فمِن وجهة نظر الإمبراطور مِن المُهم أنْ الكنيسة تتبنّى إيمانًا موحدًا حيث إن وحدة الإيمان المسيحيّ سوف تخدم وحدة الإمبراطوريّة السّياسيّة. فلا مجال هُنا للخلافات والتّشقُّق، فإن كان الإيمان المسيحيّ مُهم لوحدة الإمبراطوريّة فيجب أنْ يكون هذا الإيمان إيمانًا موحدًا لخدمة أغراضه السّياسيّة.

 

ج– أثناسيوس (293-373م)

يحق لنا أنّ نتحدّث عن أثناسيوس (293-373م) الذي كان له الدّور الكبير في صياغة قانون الإيمان النّيقويّ والذي كان هدفه الرّئيسيّ الرّد على الهرطقة الأريوسيّة، والتّأكيد على إيمان الكنيسة في لاهوت وعمل المسيح في الفداء.

وُلِد أثناسيوس عام 293 في مدينة الإسكندريّة بمِصر، وأصبح أحد أهم اللاهوتيّين في مدرسة الإسكندريّة، وتولّى عدَّة مناصب كنسيّة وأصبح فيما بعد البطريرك العشرين بعد مؤسِّس الكنيسة المصريّة، القدّيس مرقس، وخدم في هذا المنصب الهام مِن عام 328 وحتى وفاته في عام 373م.

تتمركز أهمّية القدّيس أثناسيوس في دوره الهام في صياغة قانون الإيمان النيّقويّ في عام 325 (ثلاثة أعوام قبل تولّيه منصب بطريرك الكنيسة المصريّة باعتباره بابا الإسكندريّة). مِن أهم أقواله المأثورة “إنْ كان العالم ضد الحقّ، فأنا ضد العالم.” يُعدُّ أثناسيوس واحدًا مِن أهم آباء الكنيسة، ليس فقط الكنيسة المصريّة، لكن الكنيسة على مستوى العالم، والذي استخدمه الله في التّأكيد على إيمان الكنيسة الصّحيح والتّعليم اللاهوتيّ الصّحيح عَن لاهوت وعمل المسيح.

 

د- مجمع نيقية 325م

كما أشرت سابقًا دعا الإمبراطور قسطنطين إلى عقد أول مجمع كنسيّ مسكونيّ عام 325م في مدينة نيقيّة، والتي تقع في وسط آسيا الصغرى (تركيا اليوم) بناءً على نصيحة من أحد مشيريه لأهمّية حسم القضية اللاهوتيّة حول شخص وعمل المسيح، والتي طالما تسبّبت في انقسام الكنيسة، فبعد مناقشات طويلة ومُستفيضة مِن قِبَل الإمبراطور، وإرسال رسائل إلى قادة الكنائس محل الخلافات اللاهوتيّة، وجَدَ قسطنطين نفسه أمام الأمر الواقع بأنّ هذه الخلافات اللاهوتيّة تتزايد، وأصبح مِن الواضح أنَّهُ يجب عليه أنْ يتدخّل شخصيًّا لوضع حد نهائيّ لهذه الخلافات. وبناءً على اقتراح من أحد مشيريه، الذين أرسلهم إلى الإسكندريّة سابقًا لحل الخلافات، قرَّر الإمبراطور قسطنطين عقد هذا المجمع الكنسيّ المسكونيّ في مدينة نيقية؛ حيث يُسهّل عليه الحضور شخصيًّا لقيادة اجتماعات هذا المجمع التّاريخيّ. وهكذا دعا الإمبراطور ما بين 250-300 من أساقفة وقادة الكنيسة لحضور هذا اللقاء ومعهم عدد كبير مِن الشّمامسة وقادة الكنيسة الذي بلغ عددهم حوالي 1000 شخص معظمهم مِن الإسكندريّة، أنطاكيّة، سوريّا وفلسطين وأراضي ما بين النهرين (العراق اليوم) وبلاد فارس وشمال إفريقيا وبعض مُمثّلي الكنيسة في روما. كما حضر عدد مِن قادة الكنيسة في الخليج العربيّ مِن البحرين والبلاد العربيّة.

وتؤكّد بعض النّصوص التّاريخيّة أنّ الإمبراطور قسطنطين افتتح المجمع بنفسِهِ وشارك في المُناقشات اللاهوتيّة، لكن لم يكن له حق التّصويت على أي منها، كما يؤكّد بعض المؤرّخين أنّ مجمع نيقيّة تَبِعَ أسلوب المُناقشات المُتداولة في المجامع الرّومانيّة الرّسميّة”Roman Senote” ، حيث يُسمح لكُل مُمثّل بالتّحدّث مرة واحدة قبل أنْ تُعطى الفرصة لمُمثّل آخر بإبداء الرّأي في موضوع ما، وهكذا تُتاح الفرصة لجميع الحاضرين لإبداء آرائهم في القضيّة التي تنُاقش. أيضًا يؤكد المؤرّخون على أن مُمثّلي الكنائس في المجمع اجتمعوا في لجان صغيرة لصياغة آرائهم قبل تقديمها للمجمع كَكُل للموافقة النهائيّة عليها.

 

ه- أهمّية مجمع نيقيّة

‏نأتي الآن إلى صُلب الموضوع وهو ما الذي قدَّمه مجمع نيقية، وما أهمّية الصّياغة التّي تبنّاها بالنّسبة للكنيسة في القرون الأولى وحتى يومنا هذا. فلقد سار مجمع نيقية في نهج الصّياغات السّابقة، والتي عبَّرت عن الإيمان المسيحيّ وعقيدة الكنيسة في لاهوت المسيح. تبنّت كنائس كثيرة قبل كنيسة روما قانون الإيمان الرّسولي والذي كان مُستخدما في تأكيد الإيمان خاصة في حالة انضمام أشخاص جُدد إلى الكنيسة، وكان مطلوب منهم تأكيد إيمانهم فيما تؤمن به الكنيسة قبل قبولهم في المعموديّة. بالطّبع كانت الكنائس في القرون الأولى تستخدم صياغة مُختلفة، كالتي أشار إليها الرّسول بولس في فيلبي ٢: ٥-١١، والرّسالة الأولى إلى تيموثاوس ٣: ١٦، والتي كانت تُستخدم في الكنائس، لتأكيد الكنيسة على إيمانها في لاهوت المسيح وعمله في الفداء. نأتي الآن إلى الصّياغة التّي أقرّها مجمع نيقية وإلى أهمّيّتها اللاهوتيّة:

“نؤمن بإله واحد. آب ضابط الكُل، خالق السّماء والأرض، كُل ما يُرى وما لا يُرى. وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود مِن الآب قبل كُل الدّهور، نور مِن نور، إله حق مِن إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كُل شيء، الذي مِن أجلنا نحن البشر، ومِن أجل خلاصنا، نزل مِن السّماء، وتجسّد مِن الرّوح القُدُس ومِن مريم العذراء، وتأنّس، وصُلِبَ عنّا في عهد بيلاطس البنطيّ وتألَّمَ وقُبِرَ، وقام في اليوم الثّالث على ما في الكُتُب، وصعِدَ إلى السّماء، وجلس عن يمين الأب، وأيضًا سيأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لمُلكِهِ. وبالرُّوح القُدُس، الرّبّ المُحيي، المُنبثق مِن الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له ومُمجّد، النّاطق بالأنبياء. وبكنيسةٍ واحدةٍ، جامعة، مُقدّسة، رسوليّة، وبمعموديّة واحدة لمغفرة الخطايا. ونترجّى قيامه الموتى والحياة في الدّهر الآتي. آمين”.

‏وهُنا يحقّ لنا أنّ نقف وقفة تحليليّة لمُحتوى وهدف قانون الإيمان النّيقويّ. فأول كُل شيء نُلاحظ أنّ جوهر هذا القانون هو الإيمان في طبيعة وعمل المسيح، أي أنّ قانون إيمان يتمحور حول لاهوت المسيح Christology ولاهوت الفداء Soteriology وهذا بالطّبع الموضوع الأساسيّ الذي اجتمع المجمع ليتعامل معه. في الوقت نفسه أكّد قانون الإيمان النّيقويّ على عقيدة وإيمان الكنيسة في عقيدة الرّوح القُدُس عقيدة الثّالوث بدون ذكر كلمة ثالوث؛ إذ إنّ أول ثلاث نقاط هامة في القانون تتعلّق بالعقيدة في الله، في شخص المسيح وعمله، العقيدة في الرّوح القُدُس. بصفة عامة يتناول قانون الإيمان النّيقويّ عقيدة وإيمان الكنيسة في ستة موضوعات أساسيّة:

  1. العقيدة في الله Theology.
  2. العقيدة في لاهوت المسيح Christology.
  3. العقيدة في عمل الفداء Soteriology.
  4. العقيدة في الروح القدس Pneumatology.
  5. العقيدة في الكنيسة Ecclesiology. بما في ذلك التّأكيد على أهمية المعموديّة.
  6. العقيدة في الحياة الأبديّة Eschatology.

وبالتّالي فقانون الإيمان النّيقويّ لم يشمل كل العقائد التي تؤمن بها الكنيسة، ولم يستطرد في تفاصيل كُل العقائد التي ذكرها ما عدا التّنبيه والاستفاضة في عقيدتيْ لاهوت المسيح وعمل الفداء. وهُنا يحقُّ لنا أنْ نتناول كلًّا مِن هذه العقائد السّت بنظرة أكثر تدقيقًا.

 

أولاً: العقيدة في الله Theology

يؤكد قانون الإيمان النّيقويّ إيمان الكنيسة في طبيعة الله وعمله. في الله بأنَّهُ إله واحد “لينفي أي لفظ أنّ المسيحيّين يؤمنون بتعدُّد الآلهة. ويصف هذا الإله بأنَّهُ “آب ضابط الكُل” أي أنَّهُ إله قريب ومحبّة وفي نفس الوقت له كُل السُّلطان والسّيادة والقُدرة. ثم يصف الله بأنَّهُ “خالق كُل شيء في السّماء والأرض، ما يرُى وما لا يرُى”. بالتّأكيد هُناك جوانب كثيرة عن طبيعة الله وعمله، وعلاقته بالبشر، والتي كان يُمكن أنْ يتطرّق لها قانون الإيمان، إلا أنّ هذا الوصف المُختصر جدًّا لطبيعة الله وعمله يُعتبر مُقدّمة لجوهر ما يُريد القانون أنْ يؤكّد عليه وهو طبيعة وعمل المسيح.

 

ثانيًا: العقيدة في لاهوت المسيح Christology

وهذا هو مِحور ما قدّمه قانون الإيمان النّيقويّ، واستطرد في شرحِهِ باستفاضة، تُمثّل الجانب الأكبر مِن صياغة القانون. وهُنا يبدأ بالتّأكيد على إيمان الكنيسة “بربٍّ واحدٍ، يسوع المسيح” وهي عبارة هامة تؤكّد على إيمان الكنيسة في وحدانية الله (وعدم تعدُّد الآلهة). فإيمان الكنيسة في ألوهيّة الله وألوهيّة المسيح هو إيمان في ربّ وإله واحد. وفي نفس الوقت تؤكّد هذه العبارة طبيعة المسيح اللاهوتيّة، فالمسيح يشترك مع الله الآب في الألوهيّة، فكلمة “رب” تُشير إلى الله وتُشير أيضًا إلى الرّبّ يسوع المسيح “ابن الله الوحيد” للتّأكيّد على خصوصيّة العلاقة بين الآب والابن. ثم يبدأ القانون في سرد حقائق جوهريّة عن طبيعة المسيح، تؤكّد لاهوت المسيح وطبيعته الإلهيّة. فأوّل تأكيد يأتي في الكلمة “المولود مِن الآب قبل كُل الدّهور” والمأخوذة مِن رسالة يوحنّا الأولى ٥: ١ للتّأكيد على أنّ المسيح مولود مِن الأب وليس مخلوقًا كما ادّعى أريوس وأنّ هذه الولادة أزليّة أي لا تُحدّ بزمن كما ادّعى أريوس أنّ المسيح خُلق في وقت مُعيّن وأنَّهُ ليس أزليًّا ابديًّا.

‏ثم يؤكّد القانون على أنّ المسيح “نور مِن نور، وإله حق من إله حق” أي أنّ طبيعته مساوية تمامًا لطبيعة الله الأب، مؤكّدًا على طبيعة الله والمسيح أنَّهُ نور وحق مولود أو موجود بصورة ازليّة مِن ومع النوّر والحقّ الأزليّ. يذكر يوحنّا عن المسيح “كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ. كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ.” (يوحنا١: ٩-١٠) ونُلاحظ هُنا التّرابط بين المسيح مصدر النّور وبين كلمات سفر التكوين. “وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.”  (تكوين١: ٣) فالله هو مبدأ الخليقة مِن خلال النّور الذي هو أساس كُل عمل الله في الخلق، وهُنا تأكيد على أنّ الله والمسيح في طبيعته نور، وأنّ كُل عمل الخليقة مُنبثق مِن هذا النّور الإلهي. ونحن نعرف اليوم أنّ النّور مبدأ أساسيّ في الخليقة، كما أنّ مقياس الزّمن يتحدّد بسرعة الضّوء أو النّور في نفس الوقت أكّد الرّبّ يسوع أنَّهُ “النّور الآتي إلى العالم” (يوحنا ٨: ١٢)، في الوقت نفسه قانون الإيمان يؤكد على طبيعة المسيح أنَّهُ حق مُماثل للآب الذي هو حق فلقد أكّد المسيح “الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق” (يوحنا ٨: ٢٦)، كما أنّ المسيح أكّد مرارًا كثيرة أنَّهُ هو الحق ذاته، مثل الآب “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ.” (يوحنا ١٤: ٦)، مؤكِّدًا لتلاميذه: “وتعرفون الحقّ والحقّ يحرركم” كما شهد المسيح لبيلاطس أنَّهُ هو الحقّ، “وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ.  كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي” (يوحنا ١٨: ٣٧).

يجدُر بنا هُنا الإشارة إلى أنّ الحقّ المُطلق هو الله الثّالوث، الآب والابن والرّوح القُدُس. فالمسيح يؤكّد أنّ الرّوح القُدُس “هو رُوحُ الْحَقِّ” (يوحنا ١٦: ١٣)، يعود قانون الإيمان فيؤكّد مرةً أُخرى على طبيعة ولاهوت المسيح بالكلمات “مولود غير مخلوق” مؤكّدًا على أنّ المسيح له نفس الطّبيعة الإلهيّة مثل الله الآب، وإنَّهُ كان موجودًا مع الله مُنذ الأزل، وإنَّهُ لم يُخلَق. ثم يؤكّد على مساواة الآب والابن في الطّبيعة الإلهيّة “مساوٍ للآب في الجوهر”، ويختتم هذا الجُزء الخاص بطبيعة ولاهوت المسيح بالتّأكيد على عمله في الخلق طالما أنَّهُ كان مع الله مُنذ الأزل، وله نفس طبيعة الله ويُشارك الله في الخلق “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يوحنا ١: ٣).

ثالثًا: العقيدة في عمل الفداء Soteriology

وهُنا نأتي إلى الجُزء الخاص بعمل المسيح الكفاريّ في الفداء. فبعد أنْ أكّد قانون الإيمان على طبيعة المسيح الأزليّة الأبديّة ولاهوته المساوي للآب في الجوهر، يبدأ هذا الجُزء بشرح عمل الفداء بالكلمات “الذي مِن أجلنا نحن البشر، ومِن أجل خلاصنا نزل مِن السّماء وتجسّد مِن الرّوح القُدُس ومِن مريم العذراء، وتأنّس.” أي يأخذ جسدًا بشريًّا، مشيرًا إلى كلمات يوحنا “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يوحنا ١: ١٤) مؤكّدًا أنّ المسيح الكائن مُنذ الأزل أخذ جسدًا بشريًّا. فالمسيحيّون لا يعبدون إنسانًا ألَّهوه، بل الله الذي بيّن محبته لنا تجسد وأصبح “عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا” (متى١: ٢٣) مِن أجل فدائنا.

ثم يستطرد قانون الإيمان في شرح حقيقة تجسّد الكلمة الأزليّ بالعبارات الهامة، أنّ هذا التّجسد هو مِن الرّوح القُدُس (الطّبيعة الإلهية) ومِن مريم العذراء (الطّبيعة الإنسانيّة/البشريّة) مؤكدًا كلمات الوحي لمريم العذراء “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (لوقا ١: ٣٥). وهُنا نرى الثّالوث المُقدّس يتجلّى بوضوح في عمل التّجسد والفداء. “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ (الآب)، الْقُدُّوسُ (أي المسيح) الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ”.

بعد التّأكيد على حقيقة تجسّد المسيح مِن الرّوح القُدُس ومِن مريم العذراء يشرح قانون الإيمان الهدف مِن تجسّد المسيح وهو عمل الفداء الكفاريّ على الصّليب بالعبارة، “وصُلِبَ عنّا في عهد بيلاطس البنطيّ، وتألّم، وقُبِرَ” مؤكِّدًا على أنّ الصّليب حقيقة تاريخيّة حدثت في عهد الوالي الرومانيّ بيلاطس البنطيّ، الذي قام بمحاكمة المسيح المحاكمة السّياسيّة. ويؤكّد أيضًا قانون الإيمان أنّ المسيح تألّم بطبيعته البشريّة، وأنّ الصّليب لم يكن مُجرّد شكل لم يؤثّر عليه جسديًّا، ثم يستطرد بالتّأكيد على أنّ المسيح بعد ما تألّم مات وقُبِرَ. وهكذا يردّ قانون الإيمان على الهرطقات الأخرى التي نادت بأن تجسّد المسيح لم يكن حقيقيًّا، أو أنَّهُ لم يجُز أي آلام بدعوى أنّ المسيح كإله له طبيعة إلهيّة لم يعاني الآم الصّليب.

ويحقّ لنا أنّ نذكُر هُنا أنّ الكنيسة في عصور مختلفة تعرّضت لهرطقات وهجومات قلّلت إمّا مِن تجسّد المسيح أو مِن لاهوت المسيح. ولذلك يجب أنّ نؤكّد أنّ لاهوت الكنيسة والعقيدة في المسيح Christology يجب دائمًا أنْ تحُافظ على التّوازن بين لاهوت المسيح وإنسانيّة المسيح، فهو إله كامل وإنسان كامل. ثم يؤكّد قانون الإيمان على حقيقة القيامة أنّها أيضًا حدث تاريخيّ مُماثل تمامًا لحدث صليب المسيح، “وقام في اليوم الثّالث على ما في الكُتُب”، وهُنا يُلخّص قانون الإيمان جوهر الإيمان المسيحيّ في صليب وقيامة المسيح مُشيرًا إلى كلمات الرّسول بولس “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ” (فيلبي ٣: ١٠). عمل المسيح في الفداء الكفاريّ قُدِّمَ للبشر مِن إله كامل وإنسان كامل يُقدّم نفسه ذبيحة كفارة مقبولة لدى الآب ليُصالح العالم له. وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب مؤكّدا حقيقة صعود المسيح بعد اكتمال عمل الفداء في الصّليب والقيامة مُشيرًا إلى كلمات الوحي “وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.” (أعمال الرسل١: ٩). “وأيضًا يأتي بمجد ليُدين الأحياء والأموات” مؤكّدًا على أنّ المسيح هو ديّان العالم، كما أكّد على ذلك سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي. يختم قانون الإيمان هذا الجزء الهام عن طبيعة وعمل المسيح في الفداء بالقول “الذي لا فناء لملكه” أي أنه أزليٌّ أبديّ.

 

رابعًا: العقيدة في الرّوح القُدُس Pneumatology

‏هُنا نجد عبارة واحدة مُختصرة عَن الرّوح القُدُس مُماثلةً للعبارة الافتتاحيّة عن العقيدة في الله الآب، “وبالرّوح القُدُس، الرّبّ المُحيي، المُنبثق مِن الآب، الذي هو مع الآب والابن، مسجود له ومُمجّد، النّاطق بالأنبياء.” فقانون الإيمان هُنا يؤكّد أنّ الرّوح القُدُس هو مصدر الحياة مِثل الآب والابن، “الرّبّ المُحيي” فنجد هُنا مرّة أُخرى تأكيدًا على عقيدة وإيمان الكنيسة والثّالوث المُقدّس بالتّأكيد على مساواة الآب والابن والرّوح القُدُس في الألوهيّة، ولذلك فروحه القدس هو أيضًا موضوع عبادة المسيحيّين مثِل الآب والابن، فهو الأقنوم الثّالث في الثّالوث المُقدّس “مسجود له وممجد”. ثم يشرح قانون الإيمان دور الرّوح القُدُس في إرشاد وقيادة الأنبياء لتوصيل رسالة الله للبشر، “النّاطق بالأنبياء” بالطبع هُناك جوانب كثيرة عن شخص وعمل الرّوح القُدُس، كدور الرّوح القُدُس في تعضيد خدمة المسيح وإرساليّته الأرضيّة، قيادة المؤمنين، والعمل في حياة الكثيرين لقبول الإيمان، وإرشاد قادة الكنيسة وقيادتهم وتعضيدهم في الخدمة الرّوحيّة والوعظ… إلخ. كما نجد إشارات كثيرة لذلك في العهد الجديد. إلّا أنّ الهدف مِن صياغة قانون الإيمان تمركزت حول لاهوت وعمل المسيح، فجاء الحديث عَن الرّوح القُدُس والعقائد الأخرى مختصرًا جدًّا.

 

خامسًا: العقيدة في الكنيسة Ecclesiology

هنا نجد أيضًا عبارة واحدة عَن العقيدة في الكنيسة. فقانون الإيمان النّيقويّ يصفها بأنهَّا “كنيسة واحدة، جامعة، مُقدّسة، رسوليّة”، مؤكدًّا على أربعة أبعاد هامة جدًّا في حياة ورسالة الكنيسة قبل الوحدة في مقابل الانشقاق والتحزُّبات، ولقد كانت هذه صلاة الرّبّ يسوع للكنيسة: “احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ.” (يوحنا 17: 11). والكنيسة هُنا توصف بأنَّها جامعة، أي أنَّها تشمل كُل المؤمنين بغضّ النّظر عَن أجناسهم وخلفياتهم الحضاريّة والثّقافيّة. إنَّها كنيسة مقُدّسة ليس بسبب نقائها وطهارتها، بل بعمل نعمة المسيح الذي قدّسها بدمه على الصليب. “مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ” (أفسس ٥: ٢٦) والرّسول بولس عادة يُخاطب المؤمنين في كُل الكنائس بأنَّهم قديسون في المسيح يسوع، إلّا أنّ القداسة صفة هامة جدًّا في حياة الكنيسة والتي يجب أنْ تسعى إليها الكنيسة في كُل مكان وفي كُل عصر. فالرّسول بُطرُس يُذَكِّر المؤمنين: “بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».” (١بطرس ١: ١٥-١٦) ثم يختم قانون الإيمان حديثه عَن الكنيسة بإنَّها رسولية. أي أنَّها تقوم على أساس الرُّسُل ورسالتهم، وأنّ الكنيسة مدعوّة بأنْ تُرسل إلى العالم لتقديم رسالة الخلاص والفداء، وتدعو النّاس أنْ يتصالحوا مع الله ومع الآخرين. (٢كورنثوس ٥: ١١-٢١) ويؤكّد قانون الإيمان على أهمّية المعموديّة باعتبارها الوسيلة للدّخول في عهد مَع الله لتأكيد قبول عمل المسيح في الفداء وقبول غفران الله للمؤمنين.

‏بالطّبع كان يمكن لقانون الإيمان الاستفاضة في الحديث عن حياة ودور الكنيسة في العالم، إلّا أنّ هذه العبارة المُختصرة عَن الكنيسة تأتي في إطار جوهر وهدف قانون الإيمان، وهو الترّكيز على لاهوت وعمل المسيح في الفداء.

 

سادسًا: العقيدة في الحياة الأبدية Eschatology

يُختتم قانون الإيمان النّيقويّ بعبارة مختصرة عن إيمان الكنيسة في الحياة الأبدية، مؤكّدًا الإيمان في “قيامه الموتى والحياة في الدّهر الآتي” من دون الدّخول في أيَّة تفصيلات عن العقيدة في الأخرويات.

 

و- ما الذي نتعلّمه مِن مجمع نيقيّة وقانون الإيمان النّيقويّ

  1. ‏أول كُل شيء يجب أنّ نؤكّد على أنّ إيمان الكنيسة مبني على عمل المسيح في الفداء، ودعوة الله للمؤمنين، وتقديس الرّوح القُدُس للكنيسة. فإيمان الكنيسة راسخ على صخر الدّهور وليس على أفكار أو أهواء بشريّة. فالبدع والهرطقات تأتي وتذهب، إلّا أنّ إيمان الكنيسة هو في شخص المسيح.
  2. ‏تُعبّر الكنيسة عن إيمانها مِن خلال كلمة الله. المعصومة مِن الخطأ، الموحى بها مِن الله، والقادرة أن تُحكّم المؤمنين للخلاص (٢تيموثاوس ٣: ١٥- ١٦).
  3. ‏الله يُقيم له شهودًا أُمناء في كل عصر للدّفاع عَن الإيمان. فمُقابل البدعة الأريوسيّة أقام الله اتقياء مِثل القدّيس واللاهوتيّ الإسكندريّ أثناسيوس للدّفاع عَن إيمان الكنيسة ولاهوت المسيح وعمله في الفداء.
  4. ‏قانون الإيمان النّيقويّ والذي كان لأثناسيوس الدور الكبير في صياغته اللاهوتيّة، لا يزال يُردَّد عبر العصور وفي كُل أرجاء العالم كوثيقة هامة لتعبير الكنيسة عَن إيمانها في لاهوت المسيح وعمل الفداء.
  5. ‏كما ذكرت سابقًا كان الهدف الأساسيّ مَن صياغة قانون الإيمان النّيقويّ؛ الدّفاع عَن لاهوت المسيح وعمله في الفداء، لذلك لم يتطرّق هذا القانون بإسهاب في شرح إيمان الكنيسة في عقائد أخرى لها أهمية كبيرة في حياة وخدمة الكنيسة. ولذلك فهُناك حاجة مُستمرّة لصياغة إقرارات الإيمان للتّعبير عَن إيمان الكنيسة في العصر المُعاش بأسلوب يتناسب مع الظّروف التّاريخيّة والجُغرافيّة للكنيسة. فالكنيسة في كُل عصر وفي كُل مكان في العالم تواجه تحدّيات مُختلفة تَفرض عليها مُهمّة تأكيد إيمانها وفكرها اللاهوتيّ لمواجهة هذه التّحدّيات المُتغيّرة والتّأكيد على إيمانها الذي لا يتغيّر بتغيُّر الظّروف والأحداث.
  6. ‏كما أشرت سابقا كان للإمبراطور قسطنطين دور هام في التّسهيل لعقد هذا اللقاء المسيحيّ المسكونيّ الأول في مدينة نيقية بآسيا الصغرى. والبعض ربما يتساءل: هل يحق للإمبراطور التّدخُّل في شؤون الكنيسة وعقائدها لتتميم أغراضه السّياسيّة في ضمان وحدة الإمبراطوريّة؟ ولعلّ الإجابة على هذا السّؤال تحمل جوانب مُختلفة؛ بالطّبع كان للإمبراطور دور هام في تسهيل هذا اللقاء التّاريخيّ، ولكن الإمبراطور كمسؤول سياسي ليس له الحقّ في التّدخُّل في الأمور الدّينيّة، ولا يجب للسُّلطة السّياسيّة فرض سُلطتها على الأمور الدّينيّة. فمحاولات الإمبراطور تأمين وحدة الإمبراطوريّة سياسيًّا مُتّكلًا على وحدة الإيمان كنسيًّا، قاده إلى انشقاقات أكثر بين قادة الكنيسة بل وأدَّت إلى استخدام سُلطة الدّولة في تنفيذ القرارات الكنسيّة مِثل حرمان بعض القادة الذين رفضوا قرارات المجمع الكنسيّة وإقصائهم مِن مناصبهم الكنسيّة، بل وإبعادهم ونفيهم. ففي السّنوات اللاحقة لمجمع نيقيّة، عندما رفض أثناسيوس التّنازل عن آرائه اللاهوتيّة للوصول إلى صيغة يمكن أنْ يتّفق عليها الجميع، ولكنّها ضد عقيدة الكنيسة الصّحيحة، انتهى به الأمر إلى النّفي إلى روما وهو قرار مُتعسّف نظرًا إلى مكانته بصفته بابا الإسكندريّة وبطريرك الكنيسة المصريّة في ذلك الوقت. إلا أنّ الله في رحمته ومحبته استخدم نفي أثناسيوس إلى روما لتعريف الكنيسة الغربية عن عُمق وأصالة الحياة الروحيّة للكنيسة الشرقيّة والمصريّة، بالتحديد مُمثلّة في حركة الرّهبنة، والتي كان لها دور كبير فيما بعد في توصيل بشارة الإنجيل في جميع أنحاء أوروبا، وأماكن أُخرى في العالم مِن خلال الأديرة والرُّهبان الذين كرّسوا حياتهم لخدمة المسيح.

‏        يحقّ لنا أنّ نُقدّم الشُّكر لإلهنا مِن أجل الدّور الكبير الذي لعبته ولا تزال تقوم به الكنيسة المصريّة في الدّفاع عن الإيمان، مُنذ القرون الأولى للمسيحيّة وحتى يومنا هذا. فلقد استخدم الله حياة إيمان ومُثابرة الكنيسة المصريّة على الرّغم مِن الاضطهاد والمُعاناة والضّيقات المتنوّعة التي مرّت بها لتكون منارة تشهد عَن عمل نعمة المسيح عبر العصور وأنْ تؤثّر رسالتها ليس فقط في مِصر أو في الشرّق الأوسط بل في جميع أنحاء العالم. “لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إِلَى جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.” (أفسس ٣: ٢١).

تأكيد المصلحين الإنجيليين على حقائق قانون الإيمان النيقاوي اللاهوتية

 اسم الكاتب: القس سهيل سعود

يسود الأوساط المسيحية لَغَطٌ وسوء فهم، مفاده أنَّ الكنائس الإنجيلية لا تَعْترف بأهميّة ودَوْر تعاليم آباء الكنيسة وقوانين الإيمان التي كتبوها، الأمر الذي يَضَع الكنائس الإنجيلية خارج التاريخ الكنسي، ويرجِع جذورها فقط إلى عهد الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، وليس إلى عَهْد رسل الكنيسة الأولى وآبائها. لكنّ سوء الفهم هذا، يتنافى مع مفهوم الكنيسة في اللاهوت الإنجيلي المُصلِح.

لَمْ يعتقد المُصلِحون الإنجيليون بأنَّ الكنيسة بدأت على عهدهم، بَلْ آمَنوا أنَّها بَدَأت مُنْذ آدَم وحوّاء، مُنْذُ أنْ دعا الله أولاده ليدخلوا في عهدٍ معه قديمًا بواسطة الآباء والأنبياء، وفي العهد الجديد في ابنه يسوع المسيح. فالكنيسة وُجِدت واستمرت في التاريخ قَبْل الإصلاح الإنجيلي وبَعْده. اعتبر المصلحون حَرَكة إصلاحهم، وفاءً لاسْتمرارية حياة وتعاليم الكنيسة الأولى، كنيسة الرسل والآباء، التي عاشَت وعَلّمت كما يحقُّ لإنجيل المسيح. اعتبروا أنّ تاريخ الكنيسة هو تاريخهم، وآباء الكنيسة لا سيما الأوائل مِنْهم، هم آباؤهم. لكن هذا لا يَنْفي تحفُّظاتهم ومَفهومهم الخاص لبَعْض الأمور التي بَرَزَت في خلال مَسيرة الكنيسة.

إنَّ المقياس الأساسي الذي اعتمده المُصلِحون الإنجيليون للتَّمييز بَيْن تعاليم الآباء المَقْبولة وغير المَقْبولة، هو مقياس الكتاب المقدس. بما إنَّ الكتاب المقدس هو دستور الإيمان الأهمّ والكافي لإعلان الحقيقة الإلهية للإنسان، فإنَّ سُلْطته هي السُّلْطة التي تعلو فوق كُلِّ سُلْطة أخرى. لهذا، فإنَّ أي تعليم لأيٍّ مِن آباء الكنيسة كان يخضع لمقياس الكتاب المقدس، فإذا ما انْسَجم مع تعاليمه، كان يُقْبَل ويُعتَبَر غِنىً للإيمان والحياة المسيحية، وإذا لَمْ يَنْسَجم مع تعاليمه، كان يُرْفَض ويُعْتَبَر خُروجًا عن الحقيقة الإلهية. ظَهَر موقف المصلحين من كتابات آباء الكنيسة، في اعتراف الإيمان (السويسري) الهلفيتي الثاني، الذي يلخِّص مبادئ وتعاليم المُصلِحين الإنجيليين في القرن السادس عشر. فإنَّه في إحْدى فقراته عن تفسير الآباء القديسين، ورَد ما يلي: “تُقْبَل تفاسير الآباء حين توافِق قاعدة الإيمان والمحبة وتؤول إلى مجد الله وخلاص الإنسان. لذا فنحن لا نَحْتَقِر تفاسير الآباء الشرقيين والغَرْبيِّين بقدر ما تتوافق مع الأسفار المقدسة، ولكنَّنا نُخالفهم بكُل اتِّضاع حينما نَجد أنَّهم يقولون أشياء تخْتَلِف أو تتعارَض كُليًّا مع الأسفار المقدسة. ولا نَعْتقد أنَّنا نخطئ ثقَتهم في ذلك، عالمين أنَّهم وبإجماع كليّ، لا يريدون أنْ تتساوى كتاباتهم بالأسفار المقدسة القانونية، وأنَّهم يُوْصُونَنا أنْ نَفْحَص مدى توافُق كتاباتهم أو تعارُضها مع الأسفار القانونية، وأنْ نَقْبَل منها ما يتوافَق ونَرْفُض ما لا يتوافق معها”.

أدرك المصلحون جيّدا، أنّ ما يُمَيِّز دَوْر الآباء القديسين الأوائل، هو مُسانَدتهم للكنيسة في انطلاقتها الأولى في أهمّ مراحلها، في عصر تميَّز بظهور البِدَع والهرطقات التي عَمِلَت على مُحاربة الإيمان المسيحي، وتشويه رسالة المسيح، فعمدوا إلى كتابات قوانين الإيمان التي تفسّر وتوضّح حقائق الإيمان المسيحي. اعتمد المصلحون الإنجيليون ثلاثة قوانين إيمان تاريخية، هي: قانون إيمان الرسل، قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني، وقانون الإيمان الأثناسي. وقد ترجموها إلى لغات شعوبهم، وتلوها في كنائسهم بلغات شعوبهم، بعد أن كانت تتلى باللغة اللاتينية. كتب مصلح إنكلترا، توماس كرنمار قائلًا: “يجب أن نقبل بشكل كامل، قوانين الإيمان الثلاثة: قانون الإيمان النيقاوي. قانون الإيمان الأثناسي. وقانون إيمان الرسل، لأنه مبرهنة من قبل الكتاب المقدس”. آمن المصلحون أنّ أهمية قوانين الايمان، تكمن في كونها: أولًا، تحفظ  سجلًّا للإنجازات اللاهوتية في معرفة الحقيقة. ثانيًا، تميّز بين التعليم الحقيقي والتعليم المضلّ. ثالثًا، تصلح لتكون أساسًا للشركة الكنسية بين المسيحيين الذين يشتركون في الإيمان نفسه. رابعًا، تستخدم كمستندات في التعليم المسيحي.

بمرور 1700 سنة، على كتابة قانون الإيمان النيقاوي عام 325م، تظهر كتابات المصلحين الإنجيليين المتنوّعين، أمثال مارتن لوثر، وجون كالفن وغيرهم، تأكيدهم وموافقتهم، على الحقائق اللاهوتية التي يعلنها قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما، الإيمان بعقيدة الثالوث الأقدس.

لكن لا بد أولًا من التذكير بالسياق الذي كُتِب فيه قانون الإيمان النيقاوي. كُتِب قانون الإيمان النيقاوي، لتوضيح لاهوت المسيح، وتفنيد فكر الهرطقة الأريوسية، التي ظهرت في القرن الرابع الميلادي. فأريوس أنكر لاهوت المسيح، ونفى أزليته مع الآب. ادّعى أريوس أنه كان للمسيح بداية في الزمن، لأنّ الله خلقه، بينما الله أزلي أبدي لا بداية ولا نهاية له. لهذا، استنتج أنّ المسيح لا يمكن أن يكون من طبيعة وجوهر الله. علّم أريوس، أنّ المسيح ليس إلهًا ولا إنسانًا، ولكنه بين الإله والإنسان، الأمر الذي أدّى إلى انقسام كبير في الكنيسة بين مؤيّدين ومعارضين لآريوس. عندها دعا الإمبراطور قسطنطين إلى انعقاد مجمع مسيحي في نيقية، لمعالجة هذه المشكلة. فاجتمع مئتا وعشرون أسقفًا سنة 325م. وعليه، قام المجمع بتوضيح الإيمان المسيحي، وصياغة عقيدة اللاهوت والتشديد على ألوهية المسيح. أقرّ مجمع نيقية هذه العبارات الهامة: “نؤمن بربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء…”. وهكذا أكدّت الكنيسة، أنّ المسيح ليس أدنى درجة من الله، بل هو إله كامل وُجِدَ من الأزل مع الله. كما أنه من نفس طبيعة وجوهر الله. على الرغم من أن قانون الإيمان النيقاوي، قد بدأت كتابته سنة 325م، إلاّ أنه لم ينتهِ في صيغته الحالية حتى سنة 381م؛ إذ عقد المجمع النيقاوي الثاني، للردِّ على هرطقة أخرى، أنكرت لاهوت الروح القدس. فما كان من المجمع النيقاوي الثاني إلاّ أن أكدَّ على لاهوت الروح القدس. وأضاف على قانون الإيمان النيقاوي، الفقرة المتعلّقة بالإيمان بالروح القدس، التي تنصُّ على ما يلي: “ونؤمن بالروح القدس. الرب المحيي. المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن…”.

نظر المصلحون الإنجيليون، إلى قانون الإيمان النيقاوي بسموّ كبير معتبرين إيّاه، تصريحًا أساسيًّا عن الإيمان المسيحي. وقد أعطوا له سلطة كبيرة في إيمانهم وتعاليمهم، ودفاعهم عن العقيدة المسيحية ضد الهرطقات، معتبرين إياه توضيحًا هامًّا للفكر اللاهوتي الكتابي.

أكّد المصلح مارتن لوثر، على عقيدة الثالوث، المتضمّنة في قانون الإيمان النيقاوي، قائلًا: “إنّ كنائسنا هي في توافق مشترك، في تعليمها مع قرار مجلس نيقية حول وحدة الجوهر الإلهي، وحول الأقانيم الثلاثة. لذا، يجب أن تُقبَل، ويُؤمَن بها دون أيّ شكوك”. وحول موضوع الإيمان بابن الله الوارد في قانون الإيمان النيقاوي، ذكر لوثر: “إنّ الكلمة المتجسّد، أي ابن الله، اتخذ الطبيعة البشرية في رحم العذراء المباركة مريم. لهذا، فإنّ هناك طبيعتين للمسيح: طبيعة إلهية، وطبيعة إنسانية، انضمتا إلى بعضهما، في شخص واحد، ومسيح واحد، دون انفصال بينهما. إله حقيقي، وإنسان حقيقي”. وحول مفهومه للمعمودية، أعلن لوثر أنّ مفهومه ينسجم مع المفهوم المتضمّن في الإيمان النيقاوي، “أنّ هناك معمودية واحدة لمغفرة الخطايا”.

اتُّهم المصلح جون كالفن خطأ من قِبَل البعض، أمثال كارولي، الذي اعتقد أنّ كالفن لم يكن مؤمنا بعقيدة الثالوث، مع أنه في جداله مع فرانسيسكو ستانكارو، ومايكال سيرفيتوس، دافع عن عقيدة الثالوث، بحسب المفهوم النيقاوي. استخدم كالفن الكتاب المقدس لدحض الآراء الأريوسية والهرطوقية حول الثالوث. اعتقد أنّ الآراء غير الثالوثية يجب دحضها. أعلن كالفن قائلًا: “لا شيء أكثر غباوة من تفاهة الأريوسيين، الذين مع أنهم أقرّوا بألوهية الابن، إلاّ أنهم أنكروا جوهره الإلهي”. (كان في فكر كالفن، أنّ الذين يحمون الهراطقة، والمجدّفين، هم نفسهم هراطقة ومجدّفون). عندما كتب المصلح جون كالفن كتابه الشهير “أسس الإيمان المسيحي”، عام 1536 والذي بقي يراجعه حتى العام 1558، لم يعتبر أنّ كتابه موجّه فقط للإنجيليين ليدافع عن عقائد الإصلاح، بل كان يكتب لكلّ المسيحيين. ضمّن في الجزء الأول من كتابه،  فصلًا عن عقيدة الثالوث، هو الفصل الثالث عشر، الأقسام 16-20. علّم كالفن، في كتابه “أسس الإيمان المسيحي”، أنّ “الأقانيم الثلاثة هم إله واحد. في جوهر واحد، وقد تواجد أزليًّا في ثلاثة أقانيم متمايزة. وأنّ علاقة كلّ منهم، تختلف عن الآخر. وأنّ كلًّا منهم مع تمايزه، يوجد في الآخر”. مما ذكره “هناك بشكل واضح، أشياء متمايزة في الأقانيم نفسها، وإلاّ لن يكون هناك ثالوث”. يوجِّه كالفن الانتباه إلى الأدوار المتمايزة في كلٍّ من الأقانيم، فيقول: “الآب هو المنشئ. والابن هو المدبّر الحكيم. والروح القدس هو المنفّذ القوي. وكلٌّ من هذه الأقانيم، هو الله نفسه”. حول عبادة المسيحيين لله المثلّث الأقانيم، أعلن كالفن قائلًا: “يمكن للإنسان المسيحي، أن يعبد الإله الواحد في كلٍّ من الأقانيم الثلاثة الذين تعاونوا في سبيل خلاصنا. فالروح الساكن في المسيحيين، يخولهم حتى يفهموا هذا، ويدركوا أنّ العلاقة بين الأقانيم، كونها شخصية، إنما هي طوعية، وليست نتيجة سببية طبيعية”.

استند كالفن على الكتاب المقدس، وقانون الإيمان النيقاوي، والتعريف الخلقيدوني لطبيعتي المسيح، وشهادة آباء الكنيسة، أمثال القديس أثناسيوس، وغيره من القدماء، الذين أكّدوا على عقيدة الثالوث. مع أنه كان لكالفن بعض التحفّظات على لغة بعض الكلمات المستخدمة، في قانون الإيمان النيقاوي. إلاّ أنه قبلها كما جاءت. آمن كالفن أنّ سلطة الكتاب المقدس، تعلو فوق كلّ السلطات، الكنسية والزمنية؛ فالكتاب المقدس هو المصدر الأول للعقائد والحقائق الكتابية والروحية. كان على قناعة تامة، بضرورة فهم الله، كما هو معلن في الكتاب المقدس، أي واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد. أعلن كالفن قائلًا: “إن لم نستوعب، طبيعة الثالوث، يصبح اسم الله فارغًا، يحلِّق في أذهاننا ليستثني الإله الحقيقي”. استخدم كالفن، الشهادة الكتابية ليعبِّر عن وحدانية جوهر الله. أشار إلى كلمة الله المتجسّد كأزلي. وطبّق اسم الله يهوه في العهد الجديد، لكي يظهر وحدة الكيان بين الآب والابن. علّق اللاهوتي المصلح، جون أوين، قائلًا: “رأى كالفن نفسه، ليس مطوّرا لعقيدة الثالوث القديمة، وإنما مدافعًا عنها من الهراطقة أمثال مايكال سيرفيتوس، وغيره”. رأى كالفن، في دراسته للكتاب المقدس، تمايزًا في أقانيم الثالوث. قال: “لو كان الكلمة هو ببساطة الله، ولم يكن لديه أي شيء خاص به، لما كان البشير يوحنا على صواب، عندما قال إنه كان دائمًا مع الله”. “في البدء كان الكلمة. وكان الكلمة عند الله. وكان الكلمة الله” (يوحنا 1: 1). وجد كالفن تنظيمًا في العلاقة بين أقانيم الثالوث؛ إذ عندما يذكرهم  كتّاب العهد الجديد، فإنهم يذكروهم بهذا التنظيم: الآب، والابن، والروح القدس. رأى أنّ هذا التنظيم، له علاقة بالتسلّسل، وليس بالمكانة، أو الكيان الإلهي. أعلن  قائلًا: “هذا التنظيم في الثالوث، لا يتعدّى على ألوهية الأقانيم، لأنه بهذه الطريقة من العلاقات التنظيمية، تحفظ وحدة جوهر الله”. رأى مثالًا على ذلك في قول المسيح لتلاميذه: “فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم. وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 19). وقول الرسول بولس: “كي يعطيكم، إله ربنا يسوع المسيح، أبو المجد، روح الحكمة والإعلان في معرفته” (أفسس 1: 17). رأى أنّ هذا التنظيم، ينسجم، مع التمايز في الأشخاص (الأقانيم)، ووحدة جوهر الثالوث.

كتب كالفن كثيرًا عن لاهوت يسوع المسيح. مما ذكره: “مع أنّ الآب متمايز بسمته الخاصة، إلَّا أنه عبَّر عن نفسه تعبيرًا كاملًا في ابنه يسوع المسيح. وقد جعل شخصه جليًّا فيه… ونحن نستطيع بسهولة أن نستدلّ على شخص الابن الذي يتمايز بنفسه عن الآب. ونفس المنطق، ينطبق على الروح القدس”. علّق كالفن على قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن المسيح، “الذي وهو بهاء مجد الله، ورسم جوهره، وحامل كلّ الأشياء بكلمة قدرته” (عبرانيين 1: 3)، بقوله: “عندما يدعو الرسول، ابن الله، على أنه بهاء مجد الله، فإنه بلا شكّ ينسب إلى الآب كيانًا يتمايز به عن الابن… وهذا ليس تمايزًا في الجوهر”.

وفي تعليقه على قول الرسول بولس: “فإن لم تكن قيامة أموات، فلا يكون المسيح قد قام… لأنه إن كان الموتى لا يقومون، فلا يكون المسيح قد قام” (1كورنثوس 15: 13 و16)، ذكر كالفن قائلًا: “لو لم يكن للمسيح نفس الطبيعة الجسدية معنا، فإنه لن يكون هناك قوة في جدل الرسول بولس، أنه إذا ما قام المسيح من الموت، فإننا أيضًا سنقوم. وإن كنّا لن نقوم، فإنّ المسيح لن يكون قد قام”. أيضًا أعلن كالفن أنه “عندما يتحدّث الكتاب المقدس عن المسيح، فإنه في أوقات ينسب إليه فقط ما يتعلّق بطبيعته الإنسانية. وفي أوقات أخرى، يتحدّث بشكل فريد عن طبيعته الإلهية. والطبيعتان موجودتان في شخص المسيح. وفي بعض الأوقات تتبادلان بينهما بعض الخصائص. وهذا ما أسماه، الكتّاب القدماء “مشاركة الخصائص”. يقدّم كالفن مثلًا عن مشاركة الخصائص بين طبيعتي المسيح، فيشير إلى قول الرسول بولس في أعمال الرسل: “احترزوا إذا لأنفسكم، ولجميع الرعية، التي أقامكم الروح القدس عليها، لترعوا كنيسة الله، التي اقتناها بدمه الكريم” (أعمال الرسل 20: 28). علَّق كالفن قائلًا: “إذا ما تكلّمنا بشكل حصري، فالرسول بولس يعرف تمامًا، أنّ الذي اقتنى الكنيسة بدمه الكريم هو يسوع المسيح. إلَّا أنه في سرّ هذا الاتّحاد، يمكن أن يقال بشكل له معنى هام، أنّ الله هو الذي اقتنى الكنيسة بدمه الكريم”. كان كالفن مولعًا بالإشارة إلى آيات كهذه وشبيهها، لأنه اعتقد أنها تعطي الشرف لسرّ يسوع المسيح، الشخص الفريد الذي لا يتكرّر، الذي وحده يمكنه أن يتوسّط بين إله قدوس، وشعب خاطئ. لم يحصر كالفن وساطة المسيح فقط في عمل الصليب، لكنه أصرّ أنّ الابن الأزلي كان يتوسّط لأجلنا قبل بدء العالم.

 

سمات الكنيسة الأربع في قانون الإيمان النيقاوي

فسّر المصلحون الإنجيليون سمات الكنيسة الأربع التي يذكرها قانون الإيمان النيقاوي “ونعتقد بكنيسة: واحدة، جامعة (كاثوليكية)، مقدّسة، رسولية”. وقد اختلفت تفاسيرهم عن التفاسير التقليدية التي كانت سائدة في كنيسة القرون الوسطى.

 

كنيسة واحدة

فسّر المصلحون الإنجيليون سمة الوحدة في الكنيسة، على أنها تشير إلى وحدة الإيمان في شخص يسوع المسيح رأس الكنيسة الوحيد. آمنوا أنّ كلّ يؤمن بالمسيح إيمانًا حقيقيًّا، فإنه يشترك في هذه الوحدة. نظر كالفن إلى وحدة الكنيسة، كعنصر حيوي في الكنيسة الحقيقية. قال: “ليس هناك سوى جسد واحد للمسيح، هو جسد الكنيسة. لذا، كلّ من يؤمن بالمسيح إيمانًا حقيقيًّا ويختبر خلاصه وغفران خطاياه، ينضمّ إلى جسد الكنيسة الواحد، ويصبح عضوًا في كنيسة المسيح غير المنظورة”.

اعتبر كالفن أنّ وحدة الكنيسة لا تكون في مكان ما (كأن تكون في روما أو في غيرها من الأمكنة)، ولا تستند على أسس قانونية، بل هي قناعة لاهوتية، لكن تكون وحدة الكنيسة عندما يعيش أعضاؤها في انسجام ووئام بعضهم مع بعض. في نسخته اللاتينية الأولى لكتابه “أسس الإيمان المسيحي”، دافع كالفن عن وحدة الكنيسة، قائلًا: “نحن نؤمن أنّ الكنيسة المقدسة الكاثوليكية الرسولية، تتشكّل من كل أعضاء جسد المسيح المختارين، إن كانوا ملائكة أم بشرًا، أحياء أم أموات. نحن نؤمن، أنّ هناك كنيسة واحدة، شركة واحدة، شعب واحد لله، حيث المسيح يسوع ربنا وسيدنا هو رأسها. نحن نؤمن، أنه به وبصلاح الله، اختيروا قبل تأسيس العالم، كيما يتوحّد الجميع في ملكوته”.

استخدم كالفن، للكنيسة لقب “الأم” التي توحّد أولادها المؤمنين والمؤمنات بالمسيح. أعلن قائلًا: “الكنيسة هي أمّنا جميعًا. وقد أغدق الله عليها كنوز نعمته السماوية… نتعلّم من لقب الأمّ للكنيسة كم هو من الضروري لنا أن نعرفها. ليس هناك سبيل آخر للوصول إلى حياة الإيمان، إن لم تحبل فينا الكنيسة وتلدنا وتغذينا من صدرها وتحفظنا تحت رعايتها، إلى أن ننتقل من هذه الحياة الجسدية الفانية ونصبح مثل الملائكة”. مع إيمانه بوحدة الكنيسة، إلاّ أنّ كالفن رفض تحمّل الأخطاء التي تجري في الكنيسة، تحت غطاء الوحدة الظاهرة. ذكر في إحدى عظاته، قائلًا: “نحن لم نخلق لأنفسنا، لكننا خلقنا بعضنا من أجل بعض. إلاّ أنّ هذا لا يعني أن نتحمّل الأخطاء تحت شعار الوحدة الظاهرة”.

اعتقد كالفن، أنّ وحدة الكنيسة، هي وحدة في الحقيقة. اشترك كالفن في مؤتمرات مسكونية للعمل من أجل إعادة الوحدة في الكنيسة، لكنه لم يساوم أبدًا على الحقيقة، لأنه اعتقد أن الوحدة هي وحدة في الحقيقة. لم ير كالفن في حركة الإصلاح الإنجيلي تقسيم للكنيسة، لكنّه نظر إليها على أنها إعادة تأسيس للكنيسة الحقيقية. في كتابه “سيرة جون كالفن”، يذكر الكاتب بروس غوردن، أنّ كالفن “فهم نفسه على أنه يمتدّ خارج جدران كنيسة جنيف. فهو رجل الكنيسة. واهتمامه بوحدة الكنيسة، كان شغفًا عميقًا لديه”.

 

كنيسة مقدّسة

إنّ سمة “القداسة”، هي السمة الأقل إشكالية في تفسير المصلحين لسمات الكنيسة الأربع. كان هناك نوع من الإجماع حول معنى هذه السمة. آمن المصلحون أنّ القداسة تنحدر من الله القدوس، الذي ينقل البعض من قداسته إلى حياة الناس الذين يؤمنون به ويحبّونه ويخدمونه. لهذا، فالقداسة هي نتيجة تقديس الله لنا. آمن كالفن، أنّ الكنيسة مقدّسة رغم الضعفات والسقطات التي تعاني منها. اعتقد أنّ قداسة الكنيسة هي عملية تدريجية. فالكنيسة تتقدّم يوميًّا في طريقها نحو القداسة التي رسمها الله لها. انتقد كالفن بشدّة، قناعات بعض راديكاليي الإصلاح الأنابيتست، التي تمثّلت بثقتهم الزائدة أنّ الكنيسة التي ينتمون إليها هي كنيسة مثالية، في أسلوب حياتها وأخلاقها. قال: “لا توجد كنيسة كهذه على الأرض. لقد أعطى يسوع المسيح نفسه للكنيسة، كيما يقدّسها ويطهّرها. والرب يقوم يوميًّا بتقديسها وبمسح البقع السوداء والتجعدات عن وجهها”. ذكر الكاتب بروس غوردن، في كتابه، “سيرة جون كالفن”، “إنّ قوة كالفن، وزملائه القسوس، تكمن في قدرتهم على خلق رؤية لجماعة تقيّة”.

       

كنيسة كاثوليكية

قال كالفن: “الكنيسة كاثوليكية، ليست لأنها رومانية، لكن لأنها جامعة”. فالكنيسة، تجمع مختاري الله المتّحدين معًا في المسيح، والمشتركين معًا في الجسد الواحد الذي رأسه المسيح”. آمن كالفن، أنّ مختاري الله، هم ليسوا فقط  أولئك الذين آمنوا بالمسيح وقبلوا خلاصه بعد مجيئه إلى الأرض، بل أنّ الكنيسة، أيضًا تضمّ وتجمع وتشمل، الآباء والأنبياء الذين وجدوا قبل مجيء المسيح إلى الأرض، معتبرًا إيّاهم جزءًا لا يتجزّأ من الكنيسة الجامعة.

 

كنيسة رسولية

تعرّف الكنيسة الكاثوليكية، سمة “رسولية”، لتعني بها أنّ الكنيسة نقلت وتنقل تعاليم المسيح والرسل، والنعمة الإلهية، وكل الإيمان المقدّس، من جيل الرسل: أولًا، من خلال الرسول بطرس الذي أعطي مكانة مميزة بين الرسل ودورًا قياديًّا رائدًا في الكنيسة، فكان البابا الأول. ثم رسم الرسول بطرس الأسقف الذي خلفه بابا، وهكذا دواليك، استمرت السلسلة من خلال الرسامة الأسقفية إلى زمن اليوم، في خطّ تاريخي متسلّسل ومتتابع لم ينقطع عبر الزمن. تعتبر الكنيسة الكاثوليكية، أنّ هذا التسلّسل التاريخي هو ضروري، وهو الوسيلة التي عيّنها الله، حتى يستطيع الأساقفة ممارسة خدمتهم وإرساليتهم الرسولية بشكل قانوني شرعي، في رسامة الأساقفة والكهنة الآخرين، لاستمرار خدمة الكنيسة في العالم. وبناءً على هذا المفهوم الذي يركّز على عدم الانقطاع التاريخي، تعتبر الكنيسة الكاثوليكية، أن الكنائس التي لا تنحدر من تسلّسل تاريخي، ليست كنائس بالمعنى الكامل للكلمة.

إلاّ أنّ المصلحين الإنجيليين: من مارتن لوثر وجون كالفن وغيرهما، رفضوا هذا التشديد على الجانب التاريخي التسلسلي في مفهوم رسولية الكنيسة، مؤكّدين أنّ “الرسولية”، لا تشير إلى التسلسل والتتابع في التاريخ، وإنما التتابع في إيمان الرسل، وشهادة الرسل وعقيدة الرسل، والإخلاص والوفاء لتعليم رسل الكنيسة الأوائل، بغض النظر إن كان هناك انقطاع تاريخي أم لا. اعتبر اللاهوتيون الإنجيليون أنّ هذا التفسير، إنما هو امتداد لعقيدتين من عقائد الإصلاح الإنجيلي، هما: “الكتاب المقدس وحده، والإيمان وحده”.

لم يجد المصلحون في الكتاب المقدس ما يثبت تفسير الكنيسة الكاثوليكية لمعنى سمة الرسولية، معتقدين أنّ الرسل لم يعلّموا تعليمًا كهذا. قال كالفن: “نحن لا ننكر بأنه كان هناك تسلسل وتتابع رسولي لم ينقطع في الكنيسة من بداية الإنجيل حتى يومنا هذا، لكن لا نوافق بأنّ هذا التسلسل، كان مرتبطًا بمظاهر خارجية. وبأنه كان وسيكون على يد الأساقفة”. وأضاف قائلًا: “كيف يؤكّدون أنّ هذا الرابط والتسلّسل التاريخي هو ضروري لمفهوم الكنيسة الرسولية؟ ليس هناك أي وعد مشابه لذلك في الكتاب المقدس. إذا ما أرادت الكنيسة أن تؤكّد على التتابع الرسولي، ليفتّشوا عنه في حياة أولئك الذين أودعوا عقيدة وتعاليم الرسل بإخلاص للذين خلفوهم. فنقاء العقيدة هو نفس الكنيسة”.

وقال كالفن أيضًا: “عندما تهمل قيادة الكنيسة، تعليم المسيح والرسل، فإنّ الله يمنح سمة الرسولية للذين يطيعون تعليم المسيح والرسل، وينقلونه بإخلاص للأجيال اللاحقة، ويخضعون لإرادة الله”. رأى كالفن، أنّ الأسقفية مركز خدمة لإفادة الآخرين، وليست مركز سلطة أو شرف لخدمة أنفسهم. قال كالفن: “إنّ مضمون رسولية الكنيسة، ليس الأشخاص الذين يشغلون مركز القيادة في الكنيسة، بل مفهوم لاهوتي يتعلّق بعقيدة الرسل. إنّ رسولية الكنيسة، ليست مسألة تقليد وتسلّسل تاريخي، وإنما مفهوم حفظ الله لكنيسته من خلال منح سلطته، لأولاده الذين يخلصون لتعاليم الرسل وينقلون تعاليمهم إلى الأجيال اللاحقة. فالتتابع الرسولي هو الاستمرار في إعلان رسالة الرسل. الاستمرار في نفس الاختبار الروحي للرسل. إنه الشركة في عطية الروح القدس الواحد مع الرسل. إنه الاستمرار في الولاء للرب الواحد مع الرسل. وبكلمة أخرى، التتابع الرسولي هو الحاجة إلى أن يعيش الرسل معنا كل يوم من خلال تعاليمهم”.

 

تحديات العقيدة وبناء الهويّة الإيمانيّة

 اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

مُقَدِّمَةٌ:

“أنا أؤمن” الذي جاء في إقرارات وقوانين الإيمان المسيحيّة، هذا الإعلان يحوي في داخله الكثير، المسيحيّون في أوربا يعرفون الإيمان Creed في اللاتينيّة، وهي كلمة مفتاحية Credo in Dum ومعناها أنا أؤمن في الله، والكلمة الإنجليزية Creed تأتي من الكلمة اللاتينيّة Credo هي تعبر عن إقرار الإيمان، وتلخص النقاط الرئيسية لإيمان المسيحيّين، ليس بطريقة شاملة، ولكنها بطريقة مقصودة.[1] ويوضح مجراث McGrath أنَّ عبارة “أنا أؤمن” تعني أربعة أمور: الموافقة والإقرار، والثقة واليقين، والالتزام الصادق، والطاعة الكاملة.[2]

وفي كتابه تاريخ العقيدة المسيحيّة يوضِّح لويس بركهوف Louis Berkhof تعبيرًا آخر عن العقيدة باستعماله كلمة دوجما Dogma وهي تأتي من الأصل اليونانيّ Dokein، وهي لا تعبر عن أنَّ هذا الأمر يظهر بالنسبة لي كوجهة نظر، أو يسرني أو يرضيني، ولكن الكلمة تحدّد أن هذا الأمر بالنسبة لي حقيقة ثابتة.[3] والعقيدة هي اختبار مسيحي حُدِّد في بعض الكلمات.[4]

ويحتوي العهد الجديد -حسب مجراث- على كثير من إقرارات الإيمان المختصرة مثل: متى 16: 16؛ أعمال 2: 38، 8: 12، 10: 48؛ 8: 16، 19: 5؛ رومية 10: 9؛ 1كورنثوس 12: 3، 2كورنثوس 4: 5؛ فيلبي 2: 11؛ كولوسي 2: 6.[5] وكلها خاصة بشخص المسيح والصياغات التي ظهرت في الكنيسة المبكرة عنه.

وعندما دخلت البدع والهرطقات الكنيسة ظهرت قوانين إيمان لتدافع الكنيسة عن عقديتها وإيمانها بشخص المسيح ولعلَّ قانون الإيمان النيقاوي الصادر عن مجمع نيقية 325م خير دليل على ذلك، فكان رد فعل لبدعة أريوس، ثم تلاه مجمع القسطنطينية 381م، ومجمع أفسس 431م، حول شخص الروح القدس، ومجمع خلقدونيّة 451م حول طبيعة المسيح، وهكذا كل مجمع مسكوني كان يناقش قضية إيمانيّة وكل قضية مختلفة عن الأخرى، ليكون لدينا رصيد إيمانيّ ثبت على مر الأزمنة.

تناقش هذه الورقة أهمية العقيدة، ودوائرها، وتحدياتها وارتباط هذا بتشكيل الهوية الإيمانيّة من السياق العام إلى الخاص، وتنتهي الورقة برصد ببليوجرافيّ للكتابات التي صدرت حول العقيدة الإنجيليّة من دار الثقافة بمصر.

أهمية العقيدة:

لكي نعرف أهمية العقيدة يجب أن نعود للتحليل الذي قدَّمه محمود عباس العقاد (1889-1964م) في كتابه “الإسلام في القرن العشرين” حول السؤال المهم لماذا انتشر الإسلام في ظل إمبراطوريتي: الروم والفرس؟ فتكون إجابته هي العقيدة، ويعطي صفتان لتلك العقيدة وهما: عقيدة صامدة وعقيدة شاملة. فيقول: “إنَّ العقيدة الإسلاميّة لم تكن قوة غالبة وحسب إبان النشأة والظهور، ولكنها كانت قوة صامدة بعد مئات السنين. ولا بد من تفسير لهذه القوة الصامدة كما لا بد من تفسير لتلك القوة الغالبة. فإنَّ القوة التي تصمد كالقوة التي تغلب في حاجتهما للتفسير، أو لعلَّ القوة التي تصمد أولى بالتفسير من القوة الغالبة لأنَّها تدافع فتقوى على الدفاع حيث لا عدَّة عندها للغلبة في معترك الصدام والصراع.”[6]

وهي أيضًا شاملة فيقول: “إنَّ شمول العقيدة في ظواهرها الفرديَّة وظواهرها الاجتماعيَّة هي المزية الخاصة في العقيدة الإسلاميَّة، وهي المزية التي توحي إلى الإنسان أنَّه “كل” شامل فيستريح من فصام العقائد التي تشطر السريرة إلى شطرين ثم تعيا بالجمع بين الشطرين على وفاق.”[7] وتوصف العقيدة الإسلاميَّة بالشمول لأنَّها تشمل الأمم الإنسانية جمعاء كما تشمل النفس الإنسانيّة بجملتها من عقل وروح وضمير.[8] ولذلك-يرى العقاد-فمهما تكن السياسة فالعقيدة أثبت منها.[9]

المناخ العام الذي نعيش فيه يعطي أولوية للعقيدة، ولا يجوز المساس بها، أو حتى الخروج عليها. وفي تاريخ وواقع الفكر المسيحي نجد أن للعقيدة أهمية كبرى في تشكيل الهوية الإيمانيّة ولعل الاستشهاد في سبيل الإيمان كان خير دليل على ذلك.

وقد ربط فايز فارس (1929-2012م) في مقدِّمة كتابه “حقائق أساسية في الإيمان المسيحيّ” بين العقيدة والنهضة بالقول: لقد كانت العقيدة المسيحيّة الكتابيّة هي أساس كل نهضة دينيّة وروحيّة في التاريخ، وربما يرجع الفتور الروحيّ الذي نرى بعض مظاهره هذه الأيام، إلى إهمال دراسة العقيدة المسيحيّة.”[10] ويربط رينالد شاورز بين العقيدة والسلوك بالقول: إنَّ العقيدة تحدِّد المواقف والممارسة، ولذلك النظام العقيديّ الذي ينحاز إليه المرء يُشَكّل فرقًا بالتأكيد. وفي ضوء هذا ينبغي على كل مؤمن أن يبحث بجد وإخلاص في الكتب ليقرِّر ما إذا كان اللاهوت العهديّ أم اللاهوت التدبيريّ هو الذي يقدم الرأي الكتابيّ.”[11]

دوائر العقيدة:

أميل دائمًا إلى القراءة السياقيّة للعقيدة في محيطها وواقعها الحالي، وفي تاريخ تشكيلها أيضًا، وفي هذا الأمر أجد ثلاث دوائر يجب أن نفكر فيها ونحن نتحدث عن العقيدة، وهي:

الدائرة الأولى: المسيحيّة داخل الإطار الإسلاميّ

العقيدة المسيحيّة في مقابل العقيدة الإسلامية، وهنا يجب التأكيد على العقائد المسيحيّة الأساسية في القرينة والسياق الإسلاميّ وهي الأكثر إلحاحًا في الفهم والوضوح، وقد ظهر علم الكلام الإسلاميّ في مقابل علم اللاهوت المسيحيّ وكل له منظومته الفكريّة وبناؤه ومصادره، وهذا التقابل أنتج لاهوت الجدال والمقارنات بين الأديان. وظهور كتب “الرد على النَّصارى”[12] والموقف المسيحيّ منها في الرد المقابل في كتابات مثل: البيان والإيضاح. وكان الحوار حول قضايا لاهوتيّة أساسية مثل: وحدانية الله، الثالوث، التجسّد، لاهوت المسيح، الصليب، القيامة، وما يتبع هذه العقائد من قضية الخطية والخلاص، وصحة الكتاب المقدَّس. وقضايا الحوار الدينيّ بين أتباع الديانات والثقافات، وكيف يكون الدين سببًا في السلام الاجتماعيّ، وبناء الجسور، ونبذ خطاب الكراهية.

الدائرة الثانية: العقيدة في المسيحيّة-المسيحيّة

في العقيدة المسيحيّة نجد العقيدة الإنجيليّة في مقابل الفكر التقليديّ بشقيه: الأرثوذكسيّ والكاثوليكيّ، وهو ما يميز الكنيسة الإنجيليّة في دائرة الإيمان المسيحيّ، الكتاب وحده في مقابل التقليد، المسيح وحده في مقابل القديسين، الإيمان وحده في مقابل الأعمال، النعمة وحدها في مقابل مجهود الإنسان، المجد لله وحده في مقابل التركيز على عظمة الإنسان. النسق العقائديّ في الفكر التقليديّ يختلف تمام الاختلاف عن النسق الإنجيليّ، ولا سيما في قضية الخلاص، فحين يتم الخلاص سرائريًّا في الكنيسة الأرثوذكسيّة على سبيل المثال يتم اختباريًّا في المفهوم الإنجيليّ.

كل كنيسة لديها ما يميزها في منظومتها العقائديّة ولا بد من أن تحترم كل كنيسة فكر وعقائد الكنائس الأخرى. ومعرفة عقائد الآخرين يعطي غنى وثراء، ويمكن أن تستفيد كل كنيسة من الكنائس الأخرى.

وفي مصر يذكر لبيب مشرقي (1894-1990م) بنوع من النقد الذاتيّ: “لقد بدأت الكنيسة الإنجيليّة في الأصل كنيسة مهاجمة”.[13] ويدعو مشرقي إلى شرح العقيدة بروح المحبة دون محاولة للتجريح والانتقاد المرّ.[14] وفي قضية التعامل مع الكنائس بعضها ببعض يعطي لبيب مشرقي ثلاثة جسور لهذه العلاقة لكي تستمر على الرغم من اختلافها، وهي: جسر المحبة، جسر الحوار، جسر التعاون في الخدمات المسيحيّة.[15] يقول اللّاهوتيّ الألمانيّ اللّوثريّ رَﭘِرتُوس مِيلادينُوس (1582م-1651م): “في الأساسيّات، وحدةٌ؛ وفي الثّانويّات، تعدّدٌ؛ وفي الكلّ، محبةٌ.” بالطبع أثرَّ على تشكيل العقيدة الإنجيليّة أمرين مهمين وهما: المسكونيّة، واللاطائفيّة.

المسكونيّة تحترم العقيدة، وتقبل المختلف، وتخلق حوارًا حول القضايا المختلف عليها وصولًا لتقارب وجهات النظر، أما اللاطائفيّة فهي لا تحترم العقيدة، وتخلق حالة من الميوعة الفكريّة واللاهوتيّة، وكلا الأمرين أثَّرا على العقيدة في الفكر الإنجيليّ المشيخيّ للكنيسة الإنجيليّة في مصر.

ومهما تعددت الكنائس تبقى الوحدة في الإيمان والمحبة والشركة، يظهر هذا في رسالة أفسس عن أسس الوحدة فيقول: “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ. وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ.” (أفسس 4: 1-7)

ثم غرض هذه الوحدة؛ إذ يقول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ.” (أفسس 4: 12-13).

الدائرة الثالثة: الدائرة الإنجيليّة-الإنجيليّة

هي دائرة الفكر المشيخيّ الإنجيليّ في مصر في وسط العقائد الإنجيليّة الأخرى. السؤال هو: ترى ما يميز الفكر المصلح في الفكر والعبادة واللاهوت عن الكنائس الأخرى؟ مجموعة الكنائس المصلحة (المشيخيّة، والأسقفيّة، الإرساليّة الهولنديّة)، مجموعة كنائس الإصلاح (كنيسة نهضة القداسة، كنيسة الإيمان، كنيسة المثال المسيحيّ، كنيسة الله)، مجموعة كنائس الإخوة (كنيسة الإخوة، كنيسة الإخوة المرحبين)، مجموعة الكنائس الرسوليّة (الكنيسة الرسوليّة، الكنيسة الخمسينيّة، كنيسة النعمة، كنيسة المسيح)، مجموعة الكنائس المعمدانيّة (المعمدانيّة للأقباط الإنجيليّين، المعمدانيّة المستقلة، المعمدانيّة الكتابيّة الأولى، الكرازة بالإنجيل). في وسط هذه الدائرة الإنجيليّة المتسعة يكون السؤال ما يميز الفكر والعقيدة المشيخيّة من ناحية العقيدة والعبادة والنظام؟

ومن الخاص إلى العام يكون البحث عن الهوية الإيمانيّة أمرًا في غاية الأهمية في تشكيل الوعي الروحيّ والأخلاقيّ.

التحديات التي تواجه العقيدة:

أمام أهمية العقيدة بل وضرورتها في الحياة توجد مجموعة من التحديات التي تواجهها وتواجهنا في آن واحد، هي:

التحدي الأول: الاجتزاء في مقابل الاتساق

التحدي الأول والأهم هو غياب الاتساق في مفهوم العقيدة Consistency وحلَّ محلَّه الاجتزاء fragmentations، أي تتكون قناعات وممارسات الشخص من كوكتيل عقائديّ مكون من جزئيات فيه من كل لون أو من كل حدب وصوب، هذه الظاهرة أسميتها الكوكتيليّة العقائديّة: فعلى سبيل المثال: نفكِّر في الإسخاتولوجيّ (الأخرويات) بطريقةٍ تدبيريّة، وفي العبادة والمواهب بطريقةٍ كاريزماتيّة، وفي الوحي بطريقةٍ إسلاميّة، وفي الانتماء بطريقةٍ لاطائفيّة، وفي الخلاص بطريقة أرمينيّة بلاجيوسيّة، وفي الفرائض بطريقة أرثوذكسيّة… إلخ. هذه الكوكتيليّة اللاهوتيّة والفكريّة أنتجت نصف عضو إنجيليّ والنصف الآخر توجهات أخرى.

الإصلاح الإنجيليّ خلق نسقًا واتساقًا فكريًّا ولاهوتيًّا في منظومة عامة، سُمِّت بالـFive Solas ، المبادئ الخمسة للإصلاح الإنجيليّ: الكتاب وحده، المسيح وحده، الإيمان وحده، النعمة وحدها، المجد لله وحده. هذه المبادئ أطلق عليها مكرم نجيب (1947-2019م) أنها مصادر ومنابع الروحانيّة الإنجيليّة.

عمومية الفكر المصلح وخصوصية الفكر الكالفينيّ:

في مقابل تعاليم أرمينيوس الذي كان تلميذًا لكالفن، دعت الحكومة الهولنديّة لعقد مجمع لاهوتّي لدراسة هذه الاختلافات، في مدينة دورترخيت Dordrecht الهولندية عام 1618م، ولمدة سبعة شهور وبعد انعقاد 154 جلسة توصل المجتمعون في مايو 1619م، إلى قرارٍ يدين أفكار أرمينيوس وأتباعه، وخرج هذا المجمع بوثيقة تُسَمَّى وثيقة النقاط -المبادئ- الكالفينيّة الخمسة”، وهي تُعَدُّ الأساس اللاهوتّي والعقيديّ للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في العالم، وتتلخص هذه المبادئ في هذه النقاط على اسم زهرة التيوليب Tulip[16]:

  • الفساد الكليَّ Total Depravity
  • الاختيار غير المشروط Unconditional Election 
  • الكفارة المحدودة Limited Atonement  
  • النعمة التي لا تُقاوَم Irresistible Grace
  • الضمان الأبدي أو “مثابرة القديسينPerseverance of the Saints

التحدي الثاني: الانعزال في مقابل الاندماج

قضية الاندماج والانعزال إحدى قضايا الأقليات في كل عصر وفي كل مكان، والسؤال: هل العقيدة تدعو الناس إلى الانسحاب من المجتمع وقضاياه؟ هل العقيدة تدعم التغيير الاجتماعيّ والعدالة الاجتماعيّة والمساواة، أم تكون حبيسة الكتب وتجلس في برجها العاجي؟ مفهوم سيادة الله الفكرة المحوريّة في الفكر المصلح والفكر الكالفينيّ تجعلنا مندمجين حاملين قضايا وهموم ومجتمعاتنا وآملين دائمًا في التغيير.

التحدي الثالث: الكتمان والجهل في مقابل الوضوح والإعلان 

الإنسان عدو لما يجهل والفكر المصلح ليس خطأً في ذاته، ولكن الخطأ كل الخطأ أنَّه أصبح غير معروف، غائبًا، أو نخاف في أوقات كثيرة في أن نعلَّم عنه، لو فتحت أي قضية إيمانيّة داخل الكنيسة -أي كنيسة محلية- ستجد من النقيض للنقيض.

أستدعي صوتًا من القرن العاشر لأول مَن كتب باللغة العربيّة وهو ساويرس بن المقفع في بداية كتابه مصباح العقل: “وسألتني أنْ أصف لك جمل أقاويلنا، وأبيّن عندك معاني ديننا. إذ كان ذلك أولى الأمور بنا، وأجلّ ما يجب أنْ نبيّنه ونفسّره، ليتذكَّر به الجاهل، ويستبّصر به العالم.”[17] 

يجب أن تتضح العقيدة من على المنبر، وفي الكتب والمجلات، وفي الفضائيّات ووسائل التواصل الاجتماعيّ. الكتمان والجهل غير مفيد. تحدي الانحسار في مقابل الانتشار.

التحدي الرابع: القولبة والنمطيّة في مقابل الواقعيّة والحيويّة

ما يؤثر على العقيدة هي النمطيّة والقولبة stereotype في مقابل حركة العقيدة وتفاعلها مع الواقع المتجدد، وهنا تساعدنا العقيدة من خروج من مأزق الناموسيّة والحرفيّة إلى التركيز على المبادئ المسيحيّة وتفعليها، نخرج من خارج الأطر والقيود التي تحد الفكر والإبداع، التعامل مع الروح القدس الخلاق الذي يخلق ويجدّد ويطور. الخروج من التصورات الذهنيّة حول متعاطي العقيدة بأنَّهم جامدون، مقولات تتردد مثل: المشيخيّون مثلًا جامدون، مع أن كلفن الآن يُعَرَّف في الغرب على أساس أنَّه لاهوتيّ الروح القدس.

التحدي الخامس: التعدديّة في مقابل الأحادية

العقيدة في مجتمع متعدِّد تتفاعل معه وتتشابك فكريًّا مع أطروحاته، من الدائرة الكبرى الإسلام، إلى الدائرة الصغرى الأفكار الإنجيليّة الأخرى، كيف نعيش العقيدة في وسط هذا التعدد، وكيف نعبر عنها في ظل الأمور المختلفة، فلسنا وحدنا، نفهم ونفهم، نعرف ونعرف، خطر الذوبان في التعددية وبين خطر الانغلاق في الأحادية.

التحدي السادس: تحدي الهوية في مقابل الهيولية

العقيدة تحدّد الهوية وترسم ملامحها، وتجيب على سؤال: من نحن؟ في مقابل الهيولية، اللاشيء، عبَّر الفنان الشعبي عن ذلك في أغنية شهيرة عندما نظر في المرآة، مخاطبًا لها، فقال:

أنا مش عارفني

أنا تهت مني

أنا مش أنا

لا دي ملامحي

ولا شكلي شكلي

ولا ده أنا

مما لا شك فيه أن العقيدة تحدد ملامح التفكير، وتساعد على وضوح الهوية الإيمانيّة، قد يقضي الإنسان عمره ولا يعرف من هو؟ ولا لأي فكر يعتقد؟ يقول الرسول بولس: “لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ.” (2تيموثاوس 1: 12).

التحدي السابع: الجمود في مقابل التطور، وتحدي تجدد الصياغة في مقابل الجمود

بعد أن ولدت بعامين كتب عبد المسيح استفانوس (1928-2021م) -أي منذ نصف قرن من الزمان- في مقال له بمجلة الهدى عام 1974م عنوان: انفتاح أم تسيب؟ يقول فيه عن العقيدة الإنجيليّة: وإذ نتحدث عن العقيدة الإنجيليّة والتعاليم التي تُقَدَّم في كنائسنا، وفي مؤتمراتنا، وما نطالعه في المجلات المختلفة، نتساءل مرة أخرى أهو انفتاح أم تسيب؟ لقد كانت كنيستنا قوية يوم أن كانت تعرف عقيدتها وتعرف ما تؤمن به. كانت هناك مبادئ إنجيليّة واضحة لا تردد فيها ولا تخاذل عنها. كان آباؤنا مستعدين لأن يقدموا حياتهم نفسها قبل أن يتنازلوا عنها. لكن نرى اليوم “النسبية” وقد دخلت إلى كل المجالات وأصبح البعض يتحدثون دون تردد عن الطرق المختلفة التي تؤدي إلى الحق، بل إنهم يشككون الإنجيل نفسه في عقيدته بل ويسخرون منه. إنهم يقولون له لماذا تتمسك بمفهومك لكلمة الله؟ لماذا لا يكون تفسير الآخرين هو الصواب وتفسيرك أنت هو الخطأ؟ ويستحثونه لئلا يتمسك ولا يتشبث. هكذا يصل بنا الانفتاح. أين نحن يا ترى من ذاك الذي قال إن قراءة صفحات قليلة من تاريخ الإصلاح أو تاريخ الكنيسة الإنجيليّة في بداية أيامها بمصر لكفيلة بأن تدفع أي واحد منا لأن يستفيق. ويذكر أن لنا عقيدة ومبادئ أساسية ثابتة لا تفريط فيها ولا مجال لتمييعها.[18]

التحدي الثامن: تحدي القدرة على النقد في مقابل اعتياد الفكر

يرصد جمال حمدان في كتابه شخصية مصر عبقرية الزمان والمكان طبيعة الشخصية المصرية بالقول: فشرط النجاح والبقاء في مصر -حسب رأي جمال حمدان في كتابه شخصية مصر عبقرية الزمان والمكان- أن تكون اتّباعيًّا لا ابتداعيًّا، تابعًا لا رائدًا، محافظًا لا ثوريًّا، تقليديًّا لا مخالفًا، ومواليًا لا معارضًا.” في النقيض يرى استفانوس أنَّ علم اللاهوت ليس دراسة عقلية مجردة، لكنه تفاعل شخصيّ وحياتيّ مع الحق الإلهيّ. وتعامل نقديّ مع إيمان جماعة المؤمنين وممارساتهم العملية، مما قد يتطلب إعادة النظر في بعض الموضوعات الجوهرية مثل الخلاص لا كاختبار فردي، بل بإعادة الشركة مع الله ومع المؤمنين في المجتمع. وكذلك إعادة النظر في تعبيراتنا عن الله المثلث الأقاليم كالإله الحي الذي يعمل ويقدّم ذاته للبشر لكل البشر، ويتعامل مع المجتمع من خلال المؤمنين. فالكنيسة المصلحة (المشيخيّة) لا تعتبر الإصلاح تمَّ وتحقَّق وانتهى الأمر. في الإصلاح مثلًا، فننظر دائمًا إلى الوراء. فشعار الكنيسة المصلحة (المشيخيّة) هو أنها مُصلَحة ولكنها في نفس الوقت مستمرة في الإصلاح وذلك في ضوء الفهم المتجدّد للكلمة المقدّسة وفي تفاعل مع متغيرات المجتمع، وبتوجيهات الروح القدس.[19]

وفي هذا السياق يرى هاني يوسف: إنَّ أكثر ما يمكن للكنيسة أن تخشاه هو إعادة تفسير عقيدتها، ولكن هذا بالضبط ما فعله المصلحون: نقد الذات عقائديًّا في ضوء كلمة الله، وديمومة الإصلاح تشير إلى الاحتياج إلى إعادة تفسير أجزاء العقيدة في كل عصر في ضوء كلمة الله نحو يسوع المسيح. وليس الهدف هو التغيير في حد ذاته، وإلا صارت طفولية كنسية. ولا الهدف هو إزالة ثوابت الإيمان، ولا يكون ذلك تدريبًا في الانتحار الإيمانيّ، بل، الهدف هو توضيح فهم الكنيسة لذاتها بهدف الشهادة عن عمل الله في العالم هنا والآن. الأمر الذي يتطلب معالجات أمينة وشجاعة على أساس كلمة الله، في ضوء المعطيات والتحديات المعاصرة داخل الكنيسة وخارجها. هذا ما فعله المصلحون. وما نحتاج أن نتعلمه منهم اليوم.[20] أما التحدي العملي بالنسبة لي يكمن في هذا السؤال هل العقيدة معصومة فلا تقبل المراجعة أو النقد أو التعديل؟ وإن لم تكن كذلك من يمتلك صلاحية النقد أو التعديل أو المراجعة؟[21]

التحدي التاسع: العلاقة بين الفكر والعقيدة والنصّ

من وجه نظري الشخصية من أكثر التحديات العلاقة بين (الفكر) و(العقيدة) و(النصّ). والمشكلة تقديس العقيدة كما النصّ تمامًا.[22] السؤال هل يمكن إعادة النظر في العقيدة؟ ما هي الضوابط لذلك؟ أو كيف نعبر عن العقيدة بمفاهيم تكون معقولة ومقبولة؟

التحدي العاشر: العلاقة بين العقيدة والواقع الحياتي المتغير

علاقة العقيدة بالواقع الحياتيّ المتغير. توصيف هذه العلاقة بين الثابت نسبيًّا (العقيدة) وبين المتغير بشكل مطرد (الواقع).[23] هذا التوتر سيستمر طالما وجدنا على هذه الحياة، وهو توتر خلاق.

وبعد عصر الإصلاح الإنجيليّ، كانت الكنائس المختلفة، تضع إقرارات إيمانها في ضوء ظروفها التاريخيّة والاجتماعيّة، ولعله من المناسب أن نذكر جانبًا من هذا التاريخ لتوضيح العلاقة بين نظام الكنيسة وإقرارات إيمانها وظروفها التاريخيّة:

  • فالنظام الإداريّ للكنيسة الذي توصل إليه جون كالفن، الملقب بأبي المشيخيّة، كان في الأصل محاولة منه لتنظيم الكنيسة في مدينة جينيف بعد الإصلاح الإنجيليّ. وكانت سويسرا عبارة عن مقاطعات مستقلة (Cantons) وكانت جنيف تدين كلها بالبروتستانتيّة، وقد حاول كالفن، وهو يجمع بين الزعامة الدينيّة والقيادة السياسيّة، أن يعمق الحياة الأخلاقية بين السكان، وذلك عن طريق برنامج ثقافيّ مكثف للقسّوس، مع التشديد في اختيارهم، والتدقيق في نظم التأديب الكنسيّ بمعرفة الشيوخ المدبرين، وفيما بعد وضع نظام الشمامسة لتوزيع الخيرات، وقد تعرَّض نظامه هذا للانهيار بسبب صرامته، لولا قبضته الشديدة كسلطة مدنيّة ودينيّة، ولولا تأييد الهاربين من الاضطهاد الكاثوليكيّ له، وكذلك اللاجئين من البلاد الأخرى إلى مدينة جنيف، وذلك باعتبار أنَّ النظام المشيخيّ جزء من نظام المدينة الإداريّ.[24]
  • كان انتقال النظام المشيخيّ إلى اسكتلندا له أسباب سياسيّة. فقد حاول الملوك، وبخاصة الملك جيمس الأول، ملك إنجلترا، أن يجعل اسكتلندا تقبل نظام الأساقفة، لأنَّه رأى أنَّ النظام المشيخيّ يشجع روح التحرر وسط الجماهير، ولما كانت اسكتلندا تسعى لتؤكد استقلاليتها عن إنجلترا، لذلك دافعت اسكتلندا عن النظام المشيخيّ وتمسكت به، وصدر إقرار إيمان اسكتلندي في عام 1560 وضعه ستة أشخاص، اسم كل واحد منهم “جون John”.[25]
  • عندما حدث صراع في ألمانيا بين اللوثريين والمصلحين، أصدرت الكنيسة المصلحة الإنجيليّة إقرار إيمان “هيدلبرج” في عام 1560م، تركز فيه على ما تقرُّه الكنائس المصلحة، بالمقابلة مع ما تقرُّه الكنائس اللوثرية.[26]
  • في الوقت الذي كانت فيه غالبية البرلمان الإنجليزي من “البيوريتان” المدققين دينيًّا وكان يضم عددًا كبيرًا من اللاهوتيين (1643-1649م)، أراد البرلمان الإنجليزيّ أن يُجري إصلاحًا قوميًّا وروحيًّا في البلاد، فأصدر البرلمان إقرار الإيمان “الوستمنستري”، وقانون الإيمان الوستمنستري المطوَّل والمختصر، وقد صدر في عام 1647م، وبموجب هذا الإقرار صارت كنيسة إنجلترا شكلًا وقانونًا كنيسة مشيخيّة، لكنها لم تكن كذلك في الواقع، فقد كان فيها كثيرون من المعمدانيين والمستقلين كما ضمت فيما بعد جماعات من “الأصدقاء” Friends وهو الاسم الشعبي للإخوة “الكويكرز” Quakars. وكان هذا كله في أثناء حكم البيوريتان لإنجلترا في عهد أوليفر كرومويل. ولكن بعد انتهاء حكمه وعودة الملكية إلى إنجلترا في عهد الملك شارل الثاني في سنة 1660م، عاد النظام الأسقفيّ إلى إنجلترا، ومما يذكر أنَّه بعد هذه الفترة بقليل، هاجر كثيرون من الأوروبيين إلى أمريكا، وكان بعضهم هاربًا من الاضطهاد الكاثوليكي، ومن بين من هاجروا كان أولئك الذين أسسوا الكنيسة المشيخيّة في شمالي أمريكا في الفترة ما بين 1713-1773م وهي الكنيسة التي بدأت العمل الإنجيليّ في مصر سنة 1854م، ولذلك لا غرابة أن كانت تحتفظ بقوانين الإيمان الوستمنستريّة، والتي مازالت الكنيسة المشيخيّة في مصر حتى الآن تعتبرها قوانين إيمانها. إلا أنَّ الكنائس المشيخيّة في العالم لم تنظر إلى قانون الإيمان الوستمنستري نظرة جامدة، ولم تعتبره قانونًا معصومًا، بل نظرت إليه باعتباره يعبر عن حاجة الكنيسة في فترة تاريخيّة معينة. لذلك فعندما سادت المبادئ النازية في ألمانيا شعرت الكنائس المصلحة بحاجتها إلى إقرار إيمان جديد، تواجه فيه مبادئ هتلر، وتعبر فيه عن مسؤوليتها التاريخيّة في توجيه شعبها، فصدر “إعلان بارِمنْ” Barmen Declaration في عام 1934م، أصدره سنودس الكنيسة في ألمانيا، ومن بين من أسهموا فيه بقدر كبير اللاهوتيّ الكبير “كارل بارت”، وهو من زعماء الدعوة إلى العقيدة المستقيمة بعد انتشار الآراء العصرية والنقديّة في القرن التاسع عشر، وقد نادى بارت بالعودة إلى الحق القويم ولذلك فإن هذه الحركة تسمى بالنيوأرثوكسية Neo-orthodoxy والنقطة الرئيسيّة في هذا الإعلان هي أن السيد المسيح هو كلمة الله الوحيد الذي يجب أن نثق به ونطيعه في الحياة وفي الموت، والتركيز هنا هو على شخص المسيح كما هو معلن في الكتاب المقدّس، أكثر من التركيز على الأسلوب القديم من حفظ قواعد وقوانين مبنية على آيات؛ ذلك لأن الكنيسة شعرت أنَّ جمودها يضعف من ولائها للسيد المسيح في مواجهة الفلسفات التي تحاول أن تستحوذ على ولاء الإنسان وتشعل طاقاته لخدمتها، بينما تعزل حياته الدينيّة في إطار من القواعد الدينيّة المحفوظة. كذلك فإنه الكنيسة المشيخيّة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد شعرت بعوامل الانقسام والصراعات التي تسود العالم، أصدرت إقرار إيمان جديدًا في عام 1967 والنقطة الرئيسية التي يدور حولها الإقرار هي: “المصالحة” Reconciliation باعتبار أنَّها عمل المسيح، وعمل الكنيسة في العالم، ومن هذا المنطلق انبثقت مختلف جوانب العقيدة. وهكذا نرى أنَّ الكنيسة المسيحيّة في العالم، استطاعت أن تميز علامات الأزمنة، وتفهم دلالة التاريخ، وتحاول أن تتجاوب مع عمل الله في التاريخ، بفكر متجدد.[27]

يقول جورج صبرا: إنَّ الكنائس الإنجيليّة في الشرق العربيّ بحاجة إلى تعبير معاصر للإيمان، أي إلى “اعتراف إيمان” ولكن هذا غير ممكن دون معرفة التعابير التاريخية لإيمانها. فلعلَّ هذا الكتاب [نؤمن ونعترف كتاب العقائد للكنائس الإنجيليّة المصلحة] يقدر أن يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه فيعرّف الإنجيليّين المصلحين على تراثهم اللاهوتيّ والعقيديّ ويحثهم على اعتراف إيمان معاصر؛ لأنَّ الكنيسة بحاجة إلى التعبير عن إيمانها في كل جيل وكل عصر؛ فإنها بذلك تستجيب لما فعله إلهها من أجل البشريّة في يسوع المسيح فتؤدي الشهادة له بالتسبيح والحمد والاعتراف.[28]

التحدي الحادي عشر: تشكيل العقيدة

السؤال هنا حول تشكيل العقيدة، وهو يتعلق بمراحل بناء وتطور الفكر العقيدي. وهل العقيدة تولد فقط من رحم النص الديني منفردًا أم هناك من يشارك النص في عملية ولادة واكتمال الفكرة العقيدية. (الهرطقات، الحضارة، الفلكلور الشعبي، بعض من بقايا الخرافات والأساطير، الخبرات الشخصية) هذا على سبيل المثال.[29]

خاتمة:

بدأت بكتاب الإسلام في القرن العشرين لعباس محمود العقاد، وسأنهي حديثي بمشروع د. حسن حنفي الذي أسماه من العقيدة إلى الثورة، يُمثِّل كتابُ «من العقيدة إلى الثورة» بأجزائِهِ الخمسةِ ثورةً على عِلمِ أصولِ الدِّين؛ فهو يَنقدُ منهاجَ هذا العِلمِ وأفكارَه، ويدعُو إلى تبنِّي أفكارٍ ومواقفَ جديدةٍ تُلائمُ العصرَ الحديث؛ فالحضارةُ الإسلاميةُ ليستْ حدَثًا وانتهى، بل هي حدَثٌ إبداعيٌّ ينشأُ في كلِّ مرَّةٍ يتفاعلُ فيها الإنسانُ معَ المتغيِّراتِ السياسيةِ والحضارية.[30]

لسْنا أمامَ عِلمٍ مقدَّس، بل أمامَ نتاجٍ تاريخيٍّ خالص، صَبَّ كلُّ عصرٍ ثقافتَه وتصوُّرَه فيه. وتَصوُّرُ القدماءِ تَصوُّرٌ تاريخيٌّ خالصٌ يُعبِّرُ عن عصْرِهم ومُستواهُم الثقافيِّ كما أن تَصوُّرَنا المعاصرَ يُعبِّرُ عن رُوحِ عصْرِنا ومُستوانا الثقافي.

يبقى السؤال مطروحًا حول من العقيدة للثورة وليس الثورة على العقيدة: ما هي هويتنا؟ ما هي رسالتنا؟ ما هو مستقبلنا؟

وعلى الرغم من تشديد الكتاب المقدّس الواضح على كلٍّ من نقاوة العقيدة وطهارة السلوك، نشأت بعض الأفكار الخاطئة بشأن العلاقة بين ما يؤمن به الشخص وكيف ينبغي أن يسلك، وتلك الأفكار الخاطئة تتضمن ما يلي:

  • العقيدة السليمة تؤدي تلقائيًّا إلى التقوى.
  • لا يهم كيف يسلك الإنسان ما دام يتبنى العقيدة السليمة.
  • العقيدة تقتل على المستوى الروحي.
  • لا توجد صلة بين إيمان المرء وسلوكه.
  • المسيحيّة حياة لا عقيدة.
  • العقيدة لا تمت بصلة للواقع.
  • العقيدة تسبب الانقسام.
  • العقيدة تنفر الآخرين.[31]

في مقابل هذا التوجه السلبيّ من نحو العقيدة، نؤكد أنَّ غياب التعليم الصحيح ووجود التعليم الكاذب سيؤديان دائمًا إلى السلوك الأثيم. فمن دون التعليم الصحيح، لا يوجد أساس كتابيّ للتفرقة بين الصواب والخطأ، ولا توجد سلطة عقيديّة تساهم في تقويم الخطية، ولا يوجد تحفيز كتابيّ على السلوك بالتقوى.[32]

أسَّس صموئيل حبيب (1928-1997م) اهتمامه بمحو الأمية على أساس لاهوتيّ وكتابيّ؛ ففي دراسة هامة له تحت عنوان: “الأساس اللاهوتيّ والكتابيّ للتربية الشعبيّة ومحو الأمية”، بنى في مدخل دراسته على نظرية اللاهوتي الألماني أرنست ترولش Ernst Troeltish الذي ظهر في بداية القرن التاسع عشر أول رواد دمج اللاهوت مع القضايا الفكريّة والاجتماعيّة لعصره، وقد سمى تفكيره اللاهوتيّ بلاهوت الاندماج Theology of Involvement. وأيضًا على مفهوم اللاهوتيّ الألمانيّ يورج مولتمان  Jurg Maltman ونظريته لاهوت الرجاء.[33]

وأسَّس حبيب مفهومه للتنمية على خمس حقائق مهمة، وهي:

  • خلق الله الإنسان على صورته،
  • التحرير هدف كتابيّ،
  • في تجسد المسيح دعوة للإنسانيّة الحقة،
  • شعب الله جماعة متحركة ديناميكيّة،
  • إقرار العدالة الاجتماعيّة لازم لإقرار إنسانيّة الإنسانيّة.[34]

المدخل الذي تبناه المرسلون الأوائل وطبقه أتباع المذهب الجديد في مصر هو التمايز العقائدي مع الكنيسة الأرثوذكسيّة، وفي الوقت نفسه التنبير على الجانب السلوكيّ الأخلاقيّ الذي أبهر المجتمع في حينه، فنسمع عن التقديس الصارم ليوم الرب، وعدم شراء أي شيء فيه، أو حتى الطبخ يوم الأحد ممنوع. بجانب المصداقية في الكلام، إضافةً إلى ذلك منع زيارات القبور والثالث والخمستاشر والأربعين والسنوية، بمعنى أنه كان للمصلحين في مصر طعم وشكل ولون. المشكلة عندما أُهمل الجانب العقائديّ، وضعُف الجانب السلوكيّ والأخلاقيّ، ماذا تبقى لنا؟

المصادر التي يمكن أن نستقي منها العقيدة الإنجيليّة: مدخل ببليجرافي

بعد تقديم المحاضرة سألني أحد الحاضرين عن هل هناك كتابات عن شرح العقيدة؟ فذكرت له بعضًا من الكتابات، ثم تتبعت بعد ذلك الكتابات التي نُشِرَت من خلال دار الثقافة، ثم دونت بعضًا منها في مقدمة كتاب: (“مفاهيم العقيدة الإنجيليّة إجابات مبسطة لأسئلة شائكة“، مجموعة من المؤلفين: د. ق. مكرم نجيب، د. مفيد إبراهيم سعيد، د. ق. د. ق. فايز فارس، د. ق. منيس عبد النور، د. ق. فهيم عزيز، تحرير القس عيد صلاح، 2023م). ثم تتبعت بعد ذلك بتوسيع نطاق البحث.

سبق ونشرت دار الثقافة عبر تاريخها عددًا كبيرًا من الكتب -سواء من كتَّاب مصريين أو كتابات مترجمة-التي تشرح العقيدة الإنجيليّة، والسرد الآتي هنا لهذه الكتابات هو على سبيل المثال وليس الحصر، وهي مرتبة بحسب صدورها، وعدد طبعاتها:

طريق الخلاص“، أ. عوض سمعان، وقد صدر في طبعتين هما: الأولى 1966م، والثانية 1978م. “الإيمان والأعمال“، أ. عوض سمعان، صدر في طبعتين: الأولى 1968م، والثانية، 1982م. “مجيء المسيح ثانية“، فايز فارس، 1969م. “ملكوت الله“، د. ق. فهيم عزيز، وقد صدر في ثلاث طبعات: الأولى 1970م، والثانية 1988م، والثالثة 2023م. “حقيقة إسرائيل عقيدة الكنيسة الإنجيليّة عن إسرائيل في الكتاب المقدّس“، ق. بشاي سعيد،1971م. “مفهوم إسرائيل في الكتاب المقدّس” مجموعة كتَّاب: ق. بشاي سعيد، نصيف طانيوس، ق. حبيب حكيم، ق. صموئيل وهبي، وصدر في طبعتين: الأولى 1971م. والثانية عام 1991م. “علم اللاهوت النظاميّ“، جيمس أنس، عام 1971م، “شرح أصول الإيمان“، اندراوس واطسون ود. ق. إبراهيم سعيد، صدر في طبعتين: الأولى بدون تاريخ، الثانية 2019م. “معنى إسرائيل في الكتاب المقدّس“، د. كمال رمزي إستينو، 1971م. “هل دولة إسرائيل الحديثة تحقيق لنبوة كتابية” برادلي واتكنز، ترجمة ش. عزرا مرجان، 1974م. “العقل يثبت صحة المسيحيّة“، كينيث بيلي، تعريب ق. باقي صدقة، 1972م) “أومن: فيلسوف كان ملحدًا يبرهن عقائد المسيحيّة” كليف س. ليوس، ترجمة د. ق. منيس عبد النور، 1973م، وصدر في طبعة أخرى بعنوان: “ملحد يؤمن: فيلسوف كان ملحدًا يبرهن عقائد المسيحيّة”، ترجمة د. ق. منيس عبد النور 1987م. “لماذا أؤمن؟ د. ق. إبراهيم سعيد، 1976م، وصدر في طبعة ثانية 2019م. “الكتاب المقدّس في الميزان“، إداور يونج، تعريب ق. إلياس مقار، 1977، وقد صدر الكتاب بعد ذلك في طبعتين بعنوان مختلف: “أصالة الكتاب المقدّس“، الأولى 1990م، والثانية 2019م. “عقيدتنا اللاهوتيّة“، إديسون ليتش، ترجمة د. ق. فهيم عزيز، 1977م، وصدر ملحق مع مجلة أجنحة النسور أغسطس سبتمبر 1966م، وصدر في طبعة ثانية 2024م. “الخلاص في الكتاب المقدَّس” نادية منيس، 1977 طبعة أولى، 1979 طبعة ثانية. “إقرار الإيمان الويستمنستري“، 1978م. “الخلاص” مرقس عبد المسيح (كينيث بيلي)، 1978م.  “مواهب الروح القدس أو الكاريسما“، د. ق. فهيم عزيز صدر في ثلاث طبعات: الأولى 1977م، الثانية 1987م، والثالثة 2015م. “إيماني أو القضايا المسيحيّة الكبرى“، ق. إلياس مقار، صدر في طبعتين: 1977م، الثانية 2016م. “إيماني الإنجيليّ دروس لراغبي الانضمام لعضويّة الكنيسة“، ق. إميل زكي، د. ق. فايز فارس، د. ق. منيس عبد النور، صدر في طبعتين: الأولى 1979م، والثانية 1988م. “قضاء الله ومسؤولية الإنسان” ق. بخيت متى، 1979م، وقد نُشِرَ الكتاب بعنوان آخر “عقيدة الاختيار” في طبعتين: الأولى 1990م، والثانية 2022م، والثالثة 2024م. “حقائق أساسيّة في الإيمان المسيحيّ“، د. ق. فايز فارس، 1979م. “المعموديّة والملء“، د. جون ستوت، ترجمة ق. رضا عدلي، صدر في طبعتين: الأولى 1979م، والثانية 1995م، والثالثة 2024م. “الخلاص في مفهومه الكتابيّ واللاهوتيّ“، د. ق. صموئيل حبيب، 1981م. “علم اللاهوت الكتابيّ” جرهارد فوس، ترجمة عزت زكي، 1982م. “الروح القدس“، د. ق. فهيم عزيز، صدر في طبعتين: الأولى 1982م، والثانية 1990م. “الكهنوت“، أ. عوض سمعان، 1985م.  “أضواء على الإصلاح الإنجيليّ“، د. ق. فايز فارس، 1986م. “كنيستي” ق. إميل زكي، 1986م. “إلهي ما أعظمك دراسة لاهوتيّة عن شخصية الله في الكتاب المقدّس“، د. ق. فايز فارس، 1986م. “محاضرات في علم اللاهوت النظاميّ“، هنري ثيسن، ترجمة د. فريد فؤاد عبد الملك، 1987م. “الحركة الكاريزماتية“، د. ق. مكرم نجيب 1987م. “يسوع المسيح ربنا“، جون ف. والفورد، ترجمة حزقيال بسطوروس، 1988م. “العلم يشهد” بيتر و. ستونر، تعريب أنيس إبراهيم، 1989م.  “جون كلفن دراسة تاريخيّة عقائديّة“، د. ق. حنا جرجس الخضري، 1989م. “المعموديّة بين المفهوم والممارسة“، د. ق. مكرم نجيب، 1990م. “هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح الثاني؟ د. ق. إكرام لمعي، 1990م. “هل حقًّا قام المسيح؟ جيمس مارتن، ترجمة د. ق. صموئيل حبيب، 1992م. “قضايا الروح القدس“، د. ق. مكرم نجيب، 1994م. “لاهوت التحرير دراسة وتقييم“، د. ق. صموئيل حبيب، 1994م. “إله واحد ورب واحد تفسير معاصر للإيمان الرسوليّ“، هانز جورج لينك، ترجمة بهيج يوسف، 1996م. “صليب المسيح“، جون ستوت، ترجمة نجيب جرجور، 1995م. “العبادة تأملات لاهوتيّة ورعويّة وعمليّة” رالف مارتن، ترجمة نكلس نسيم سلامة، 1997م. “هل يملك المسيح على الأرض؟“، 1997م. “أشهر النبوات“، ق. حمدي سعد، 1998م. “الاقتراب إلى الله“، د. ق. فايز فارس، 1998م. “المسيحيّة الحقيقية مبادئ حياة الإيمان”، رونالد ج. سايدر، ترجمة سلام منير حبيب، 1998م. “ماذا يقول الكتاب المقدّس عن المعجزات”. دوجلاس كونيللي، 1998م. “كيف يمكن لإله المحبة أن يرسل الناس إلى الجحيم؟” جون بنتون، ترجمة أدوارد وديع عبد المسيح، 1999م. “الإنجيليّون العرب والصهيونيّة“، د. ق. مكرم نجيب ود. عبد الوهاب المسيري، صدر في طبعتين: الأولى 1999م والثانية 2006م. “الموت: ماذا يحدث عندما نموت؟ أليك مونير، ترجمة إدوارد وديع عبد المسيح، 1999م. “كيف تجد الله في الظلام؟ 12 قصة تبين عناية الله في الظروف الصعبة”، إيرين هوات، ترجمة إدوارد وديع عبد المسيح، 1999م. “الكتاب المقدَّس في التاريخ العربيّ المعاصر”، د. ق. ثروت قادس، 1999م.

وفي بداية الألفيّة الثالثة صدرت الكتب الآتية: وحي الله وخيال الإنسان“، د. ق. إكرام لمعي، 2000م. “قراءة عربيّة للمجيء الثاني للمسيح المزاعم الصهيونيّة لنهاية التاريخ“، د. ق. مكرم نجيب، 2002م. “ستة أسئلة خطيرة لإحداث تغيير في رؤيتك للعالم“، بول بورثويك، ترجمة إدوارد وديع، 2002.  “العبادة رؤية شاملة لعلاقة الكنيسة الحميمية مع الله“، د. ق. فايز فارس، 2003م. “الخلاص” كريستوفر رايت، ترجمة وليم هارفي، 2005م. “الملكوت: هل تعبر الكنيسة اليوم عن ملكوت الله؟ دونالد كريبل، ترجمة وجدي وهبة، 2004م. “المجيء الثاني للمسيح ونهاية التاريخ”، د. ق. مكرم نجيب، 2006م. “الكتاب المقدّس والعقائد الأخرى رؤية كتابيّة للالتقاء مع الآخر“، إيدا جلاسر، ترجمة ماري عادل 2007م. “الإنجيليّون والحقيقة رؤية معاصرة للعقيدة“، جون ستوت، ترجمة وجدي وهبة، 2007م. “فلسفة تاريخ العبادة“، د. ق. يوسف سمير، 2007م. “أين ومتى يملك المسيح“، ق. عزيز توما، 2007م. “رجاء لأجل العالم نهاية الأيام والعقاب والأبدية”، رولاند شيا، ترجمة إدوارد وديع، 2007م. “ديانة القوة: هل المعجزات هي مصدر قوة الكنيسة؟”، تشالز كولسون، ج. إ. باكر، ر. س. سبرول، الستر مكجراث، ترجمة إدوارد وديع، 2008م. “الروح القدس والخدمة والشهادة الرب المحيي“، أيفان ساتيافراتا، ترجمة إيفا وهيب، 2008م. “لماذا أؤمن؟ إجابات منطقية عن الإيمان“، بول ليتل، ترجمة وجدي وهبة، 2009م. “هل يُلام الله؟ هل الله مسؤول عن كل ما يحدث في العالم من ألم؟” جريجوري أ. بويد، ترجمة سمير محفوظ بشير، 2009م. “من هو الله؟ إعلانات العهد الجديد عن الله”، دانيال ماريجورا، ترجمة الأب د. كميل وليم، 2009م.  “العقائد المشيخيّة شرح مختصر للأساسيّات الإيمانيّة“، دونالد كي ماكيم، ترجمة هدى بهيج، 2010م. “معرفة يسوع من خلال العهد القديم“، كريستوفر رايت، ترجمة هدى بهيج، 2010م. “الكرازة المعاصرة الناجحة: تصادمية، توافقية، أم دمجية؟”، دين فلمنج، ترجمة فينيس نيقولا، 2010م. “الكنيسة الهروب إلى الله أومن الله؟، جون ستوت، 2011م. “إسرائيل اختيار الله لماذا؟”، توماس رومير، ترجمة د. ق. يوسف سمير، 2011م. “الفكر اللاهوتي المسيحيّ في العهد القديم“، د. ق. صموئيل يوسف خليل، 2011م. “إعادة قراءة لاهوت الخلق في ضوء الحضور المسيحيّ في الشرق الأوسط“، ق. عيد صلاح، 2013م. “معرفة الروح القدس من خلال العهد القديم“، د. كريستوفر رايت، ترجمة ق. وائل حداد، 2014م. “المسيح إله أم إنسان؟ قراءة في فكر كارل بارت”، د. ق. حنا الخضري، 2014م. “أساسيّات الإيمان المسيحيّ فهم معاصر لمبادئ الكنيسة المصلحة“، ستيفن و. بلونكيت، 2012م “مقالة صغيرة في العشاء المقدّس، جون كلفن، ترجمة د. ق. جورج صبرا، 2014م. “رحلة معرفة الله مقدمة مبسطة لعلم اللاهوت“، كيللي م. كابك، ترجمة ق. جورج عزت، 2015م. “الكنيسة في النبوات“، حمدي سعد، 2016م. “قوانين الإيمان وإقراراته ودورها وتأثيرها في الكنيسة” د. ق. عبد المسيح إستفانوس، 2017م. “السؤال الصعب: هل يتعارض الكتاب المقدّس والعلم؟”، ق. ماهر مقار، 2017م. “الكنيسة الحية والفعالة“، ديفيد زاك نيرينغيي، ترجمة إليشوا حنا، 2018م. “الوحي والعصمة لفظًا أم معنى؟ د. فينيس نيقولا ود. إيهاب الخراط، 2018م. “العقائد الإنجيليّة من أفواه المصلحين“، سهيل سعود، 2019م. “مقدّمات علم اللاهوت“، د. ق. عبد المسيح إستفانوس، 2019م. لماذا تجسَّد الكلمة؟ للقديس أنسلم، ترجمة د. ق.  إبراهيم سعيد، 2019م. “بانوراما النعمة الإلهيّة خمس حقائق لفهم خلاص الله المجاني” د. ق. رفيق إبراهيم، 2020م. “الإصلاح الإنجيليّ في العبادة“، ق. سهيل سعود، 2021م. “هل يصوم الإنجيليّون؟ الصوم في المفهوم البروتستانتيّ” فريديريك رونيون، ترجمة فيكتور رفيق خلة، 2021م. “حتميات الإيمان المسيحيّ“، د. ق. رفيق إبراهيم، 2021م. “الروح القدس دراسة في علم اللاهوت والعقائد المسيحيّة“، فيلي-ماتي كاركاينين، ترجمة هدى بهيج، 2022م. “الروح القدس ختم الإيمان“، ق. سهيل سعود، 2022م. “الكنيسة في النبوات“، ق. حمدي سعد، 2022م. “المبادئ الأساسية للديانة المسيحيّة“، جون ستوت، ترجمة فينيس نيقولا، 2022م. “كلمة الله لعالم اليوم“، جون ستوت، ناردين موريس، 2022م. “إلهي إلهي لماذا تركتني؟ الشر والألم وصلاح الله“، فرتز لينار، ترجمة فيكتور رفيق خله، 2022م. “المسيحيّة الصهيونيّة“، د. ق. رفيق إبراهيم، 2023م. “عقيدة الإفخارستيا تنوع في مفاهيم المصلحين“، ق. سهيل سعود 2023م. “كنيسة بحسب فكر الله“، محسن منير، 2023م. “أقصر قفزة للإيمان: الأسّس المنطقية للإيمان بيسوع المسيح”، أ. ل. فان دن هيرك، ترجمة د. ق. إسحق وليم، 2023م. “أي إله هذا؟ إجابات على 10 اتهامات شائعة موجهة ضد الله”، مايكل واتس، ترجمة هدى بهيج، 2023م. “مفاهيم العقيدة الإنجيليّة إجابات مبسطة لأسئلة شائكة“، مجموعة من المؤلفين: د. ق. مكرم نجيب، د. مفيد إبراهيم سعيد، د. ق. د. ق. فايز فارس، د. ق. منيس عبد النور، د. ق. فهيم عزيز، تحرير القس عيد صلاح، 2023م. “لاهوت إرسالية العهد الجديد من الأناجيل إلى يوحنا بطمس”، إليان كوفيلير، إيمانويل ستيفيك، ترجمة كاترين كمال يعقوب، 2023م. “إسرائيل الله الماضي الحاضر المستقبل” د. بالمر روبسون، ترجمة القسّ حمدي سعد، 2025م. “المجيء الثاني للمسيح أبعاده وأحداثه“، فهيم عزيز، تحرير جرجس صبحي، 2025م.

[1] Alister McGrath, Affirming your Faith Exploring the Apostles Creed (England: Inter-Varsity Press, 1991), 9.

[2]  Ibid, 18-21.

[3] Louis Berkhof, The History of Christian Doctrines (USA: Baker Book House, 1992), 15.

[4] فهيم عزيز، المجيء الثاني للمسيح أبعاده وأحداثه، تحرير جرجس صبحي (القاهرة: دار الثقافة، 2025م)، 38.

[5] Alister McGrath, Affirming your Faith Exploring the Apostles Creed, 9.

[6] عباس محمود العقاد، الإسلام في القرن العشرين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م)، 11.

[7] المرجع السابق، 21.

[8] المرجع السابق، 30.

[9] المرجع السابق، 166.

[10] فايز فارس، حقائق أساسية في الإيمان المسيحيّ (القاهرة: دار الثقافة، 1979م)، 3.

[11] رونالد شاورز، حقًّا هناك فرق! مقارنة بين اللاهوت العهديّ واللاهوت التدبيريّ، ترجمة شيري عوض (القاهرة: مؤسسة FOI لخدمة الإنجيل، 2015م)، 248.

[12] يمكن الرجوع إلى كتاب عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلاميّ في الرَّدّ على النّصارى إلى نهاية القرن الرّابع الهجري – العاشر الميلاديّ (بيروت: دار المدار الإسلاميّ، 2007م).

[13] لبيب مشرقي، قصة العقيدة الإنجيليّة (القاهرة: المؤلف، 1986م)، 10.

[14] المرجع السابق، 11.

[15] المرجع السابق، 19-21.

[16] نصر الله زكريا، المبادئ الكالفينية الخمسة، متاح على موقع الإنجيليّن المشيخيين https://ep-church.com/index.php?option=com وتم الاطلاع عليه في 1 أغسطس 2023م

[17] الأنبا ساويرس ابن المقفَّع (القرن العاشر الميلاديّ)، تحقيق الأب سمير خليل اليسوعيّ، كتاب مصباح العقل (القاهرة: د. ن. سلسلة التراث العربيّ المسيحيّ (1)، 1978م)، 5.

 

[18] عبد المسيج استفانوس، انفتاح أم تسيب؟ (الهدى نوفمبر وديسمبر 1974م)، 167.

[19] المرجع السابق، 21.

[20] هاني يوسف، الإصلاح ماضي ومستقبل، في كتاب: محاضرات في الإصلاح الإنجيليّ، إعداد وتحرير وجيه يوسف (القاهرة: كلية اللاهوت الإنجيليّة، 2017م)، 17.

[21] أفرايم يعقوب، حوار، 6 يوليو 2023م.

[22] المرجع السابق.

[23] المرجع السابق.

[24] فايز فارس، مسيرة الفكر الإنجيليّ هل هي نقطة ثابتة ساكنة أم ديناميكيّة متحركة؟ تحرير القس عيد صلاح (ملحق النسور، أكتوبر 2022م)، 6.

[25] المرجع السابق.

[26] المرجع السابق، 7.

[27] المرجع السابق.

[28] چورچ صبرا. نؤمن ونعترف: كتاب العقائد الإنجيليّة المصلحة (لبنان: بيروت، كلية اللاهوت للشرق الأدنى، 1990)، 10.

[29] المرجع السابق.

[30] يمكن الرجوع لهذا المشروع للدكتور حسن حنفي وهو مكون من خمسة مجلدات.

[31] جون ماكآرثر وريتشارد مايهيو (محرران)، العقيدة الكتابيّة، ترجمة سامح عزمي وشيري عوض (كاليفورنيا: عزارا للنشر، 2022م)، 45.

[32] المرجع السابق.

[33] صموئيل حبيب، الأساس اللاهوتي والكتابي للتربية الشعبية ومحو الأمية (أجنحة النسور، ديسمبر 1978م، العدد 237)، 33-34.

[34] المرجع السابق، 34-39.

 

شذرات كتابية عدد الخريف

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي

شذرة كتابية (1) – أمام عيني الرب                       

تقسى قلبُ فرعون أكثر أمام عيني موسى،

تناقص عدد المحاربين أمام عيني جدعــون،

جف نهر كريث تدريجيًّا أمام عيني إيلـيا،

انتهت حياة الابن الغالي أمام عيني الشونمية،

لم تصطد الشباك شيئًا أمام عيني بطرس،

تحطمت سفينة رحلة روما أمام عيني بولس،

 كل هذه المشاهد الصعبة والمؤلمة كانت أمام عينّ الرب!

فتمجّد بفرعون وبمركباته وعبر الشعب في البحرِ،

تمجّد بالأعداد القليلة مع جدعون وصنع خلاصًا من المديانيين،

فتح بابًا جديدًا لإعالة إيليا مع امرأة أرملة صرفه صيدون،

سمع صلاة أليشع في العُلية وحملت الشونمية ابنها حيًّا،

تخرقت شبكة بطرس من السمك الكثير،

ونجي بولس ومن معه بقطعٍ وألواحٍ من سفينة مكسورة.

فلا ترتبك ولا تفشل، فالرب سيتمجد بقوة في وقته.

 

الشواهد الكتابية: (خروج 4: 21)، (قضاة 7: 3)، (ملوك الأول 17: 7)،

(ملوك الثاني 4: 21)، (لوقا 5: 5)، (أعمال 27: 41).

شذرة كتابية (2) –                      لحظات فارقة 

ما أصعبُها أزمة في حياة أرملة صرفة صيدون،

فلا طلٌّ ولا مطرٌ، سماء مُغلقة وأرضٌ يابسة،

لا أمل في اليوم، ولا رجاء في الغدِ،

يوجد معها فقط: قبضةُ دقيقٍ أخيرة، وكميةُ زيتٍ أخيرة،

وأعوادُ حطبٍ أخيرة، وتتمنى وجبةً أخيرة،

وتتوقع هي وابنها يومهما الأخير!

لكن ما أعجب إله الرجاء! يأتي بالوعد لها «كوار الدقيق لا يفرغ، وكوز الزيت لا ينقص، إلى اليوم الذي يعطي فيه الرب مطرًا على وجه الأرض».

فاطمئن ولا تخف، لأن بركة الرب ستكفيك حتى ولو معك قليل، إلهك قادر أن يسدد الأعواز، وستبقى بركته في حياتك غنية في أوقات الجفاف. هو وعد أنه لا شيء يعوزك من الخير، وقادرٌ أن يشدد إيمانك، وصبرك، إلى أن يأتيك بيوم المطر، فافرح.

 

الشواهد الكتابية: (ملوك الأول 17: 8-16) (مزمور 34: 10).

 

 

 

 

شذرة كتابية (3) –                  طوق النجاة

 

قالوا ليايرس: «ابنتك ماتت لماذا تتُعب المُعلّم»،

والرب يسوع قال: «لا تخف آمن فقط».

قالت مرثا: «يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام»،

والرب يسوع قال: «سيقوم أخوكِ».

قال مريض بركة بيت حسدا: «يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة»،

والرب يسوع قال: «قم احمل سريرك وامشِ».

أمام كل إحباط من واقع صعب في حياتك مثل يايرس،

وأمام كل فشلٍ من أُمنيات لم تتحقق مثل مرثا،

وأمام كل محاولات يائسة للخروجِ من أزمة مثل المريض،

يوجد رجاء، في شخصه القدير، في سلطانه العظيم، في لمسته الشافية، في كلمته الصادقة، يوجد رجاء إن آمنت به، وبكل ما سيصنعه من عجائب في حياتك.

 

الشواهد الكتابية: (مرقس 5: 35-36)، (يوحنا 11: 23، 39)،

(يوحنا 5: 7، 8)، (أيوب 11: 18).

 

 

شذرة كتابية (4) –                            

                                                     الرب له فكرٌ آخر…

 

ظن يوسف أن البركة لمنسى ابنه البكر، لكنها كانت لإفرايم.

ظن صموئيل أن أليآب هو الملك، لكن المسحَة كانت لداود.

ظن داود أنه يبنى بيتًا لاسم الرب، لكن التكليف كان لسليمان.

نعم، هناك مقاصد إلهية حكيمةٌ جدًّا،

مقاصد تفوق أفكارك المحدودة، ونظرتك القصيرة،

فدع الرب يغلق بابًا ويفتح آخر،

دعه ينير على خطوتك، ويرشدك للقرار والطريق التي تسلكها،

قد لا تفهم الآن، لكنك ستفهم فيما بعد،

ستفهم فيما بعد صدق اختياره، وروعة طرقه، وعلو أفكاره،

ستفهم أنه دائمًا في حياتك يوجد إله عظيم، وأمين، وصالح.

 

الشواهد الكتابية: (تكوين 48: 17)، (صموئيل الأول 16: 6)،

(أخبار الأيام الأول 17: 4، 11، 12).

"عقيدة الكنيسة في قانون مجمع نيقية: رجاء متجدّد للحوار المسكوني اليوم!"

 اسم الكاتب: د. القس/ موريس يوسف

راعي الكنيسة المشيخية بلاكرسانتا، لوس أنجلوس، كاليفورنيا

يشهد عام ٢٠٢٥م احتفال الكنيسة المسيحية بكافة طوائفها وفي أرجاء المسكونة بالذكرى الـ١٧٠٠ لصياغة وإقرار قانون الإيمان النيقوي، الذي وُلِد عام ٣٢٥م. يُعدُّ قانون الإيمان النيقوي وثيقة هامة صاغت ملامح الفكر اللاهوتي للكنيسة المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي، وقدّم بشكلٍ دقيق اللاهوت المسيحي للعالم كما دحض بعض البدع اللاهوتية والتعاليم غير الأرثوذكسية “غير الكتابية” مدافعًا عن الإيمان المسيحي الرسولي “الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (رسالة يهوذا ٣).

 

تناقش هذه الدراسة عقيدة الكنيسة أو الـEcclesiology طبقًا لوثيقة نيقية، كما تلقي الضوء على بُعدين هامين مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالفكر اللاهوتي الخاص بالكنيسة هما، أولًا: أهمية هذا الفكر للحوار المسكوني في القرن الحادي والعشرين؛ وثانيًا: أهمية هذا الأمر للفكر المرسلي. لكن قبل أن أعرض للفكر اللاهوتي الخاص بالكنيسة وفقًا لفكر مجمع نيقيّة وأهميته للحوار المسكوني والفكر المرسلي اليوم، أريد أن أقدم بإيجاز سريع نبذة مختصرة عن الظروف التاريخية التي قادت لعقد مجمع نيقية.

 

الظروف التاريخية لمجمع نيقيّة

في عام ٣٢٤م وحّد الإمبراطور الروماني قسطنطين الإمبراطورية الرومانية تحت راية واحدة بعدما بسط سيطرته على بعض المناطق الصغيرة التي أرادت الانفصال عن روما. هدأت أيضًا أمواج الاضطهادات التي لاقتها الكنيسة لأكثر من ثلاثة قرون بعد أن تحول قسطنطين واعتنق الديانة المسيحية في عام ٣١٢م وأصدر مرسومًا سُمِّي بـ”مرسوم ميلانو” الذي اعترفت فيه الإمبراطورية الرومانية بالمسيحية ديانةً مسموحًا بها رسميًّا، وبالتالي وقف كل أشكال الاضطهاد ضد المسيحيين بعد أن أعطاه الله انتصارًا في إحدى معاركه الرئيسية –معركة ميلڤيان بريدج Milvian Bridge– بعد أن رأى علامة الصليب في السماء وتحته عبارة “بهذه العلامة –أي علامة الصليب– سوف تنتصر.”[1]

 

يصعب الجزم بأن السبب وراء دعوة الإمبراطور قسطنطين لانعقاد مجمع نيقّية كان سببًا سياسيًّا -توحيد الإمبراطورية سياسيًّا عن طريق وحدتها لاهوتيًّا، أم أنَّ السبب لاهوتي -محاربة بدعة أريوس المتعلقة بطبيعة المسيح التي هدّدت بانقسام الكنيسة، أم الأمران معًا، لكن الأمر المؤكد منه أنَّ الإمبراطور قسطنطين هو من دعا لعقد أول مجمع مسكوني في تاريخ الكنيسة بعد مجمع الرسل الوارد ذكره في سفر أعمال الرسل الإصحاح الخامس عشر. اشترك في مجمع نيقية (مدينة إزنبق التركية حاليًا) ٣١٨ أسقفًا من أصل ١٨٠٠ أسقفًا كانوا يمارسون خدمتهم في أنحاء الإمبراطورية الرومانية آنذاك.

 

صحيح أنَّ الأريوسية كانت هي الشغل الشاغل لمجمع نيقية وعلى قمة أجندته، لكنَّ المجمع أيضًا ناقش قضايا أخرى مثل تحديد موعد نهائي لعيد القيامة وقبول معمودية الهراطقة من عدمها. لكن تظل الأريوسية هي شغل نيقية الشاغل. أريوس هو قس ليبي الجنسية وُلد عام ٢٥٦م في مدينة بطلميس الليبية، من أصل أمازيغي، درس اللاهوت في مدرسة أنطاكية على يد لوشيانوس. ترك آريوس أنطاكية وجاء إلى الإسكندرية وسيم كاهنًا بها على كنيسة بنكاليس. كان أريوس عالمًا مثقفًا وواعظًا مفوّهًا وخطيبًا ماهرًا، وزاهدًا متقشفًا، وبسبب أسلوبه جذب حوله الكثير من أهل الإسكندرية. هاجم أريوس في عظاته وتعاليمه عقيدة أزلية الابن وانبثاق جوهرهِ من الآب.

 

نادى أريوس أنَّ الابن، يسوع المسيح، ليس أزليًّا؛ إذ أنه يوجد وقت ما لم يكن الابن موجودًا فيه مع أنه موجود قبل وجود الخليقة ذاتها، وأنَّ هذه الأخيرة قد وُجدت به، إلا أنه غير أزلي. نادى أريوس أيضًا أنَّ الابن ليس من جوهر الآب، بل من جوهر آخر وأنَّ معرفته للآب محدودة وليست مطلقة، ولا يستطيع الابن أن يُعلن لنا مَن هو الآب بطريقة كاملة.  ولأن الابن ليس أزليًّا، فهو لا يملك الصفات الإلهية المطلقة مثل كونه كلي القدرة والعلم والحكمة.  نادى أريوس أيضًا بأن الروح القدس هو أدنى من الآب وهو مخلوق أيضًا غير أزلي.

 

لا أريد أن أستفيض في الكريستولوجي أو عقيدة المسيح في تعاليم أريوس؛ إذ أنها ليست موضوع هذه الدراسة، لكن، كما ذكرت، هذه الدراسة تعنى بعقيدة الكنيسة في فكر مجمع نيقية وأهميتها للحوار المسكوني اليوم وكذا للفكر المرسلي. “نؤمِنُ بكنيسَةٍ واحِدَةٍ مُقدَّسَةٍ جامعةٍ رَسوليَّةٍ…”  هكذا صاغ قانون الإيمان النيقوي عقيدة الكنيسة في عبارة قصيرة جامعة مانعة. قدَّم قانون الإيمان النيقوي عقيدة الكنيسة في أربعة محاور رئيسية:

 

أولًا: نؤمن بكنيسة واحدة

عانت الكنيسة طوال تاريخها من التشرذم والانقسام والفرقة، لكن تظل كنيسة الرب يسوع واحدة. قد تختلف الكنيسة في كيفية التعبير عن إيمانها وفقًا لمعطيات زمانها ومكانها، لكنها تظل كنيسة واحدة. في صلاتهِ الشفاعية، صلى الرب يسوع من أجل وحدة واتحاد جسده، الكنيسة، قائلًا: “كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ، وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ. وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي” (يوحنا 17: 18-٢١).

 

الكنيسة واحدة؛ في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب، في الماضي والحاضر والمستقبل، بكل طوائفها المختلفة والمتعدّدة هي كنيسة واحدة. لم تخلق الكنيسة هذه الوحدة من ذاتها، لكنها مدعوّة أن تبذل كل جهدها للحفاظ عليها. كتب الرسول بولس هذه الكلمات للكنيسة في أفسس: “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَد وَاحِد، وَرُوح وَاحِد، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبّ وَاحِد، إِيمَان وَاحِد، مَعْمُودِيَّة وَاحِدَة، إِله وَآب وَاحِد لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ” (أفسس 4: 1-٦).

 

يجب أن تتذكر كنيسة الرب يسوع دومًا وتحيا المبدأ القائل: “في الأساسيات وحدة، في الثانويات حرية، ولكن في كل شيء محبة.”  إنَّ وحدة الكنيسة لا تعني أن نكون نسخًا طبق الأصل بعضنا من بعض كأفراد وكطوائف، لكنها الوحدة في غنى وتنوع. هل تشعر الكنيسة المسيحية اليوم بوحدتها رغم تنوع طوائفها؟ ما الذي يمكن أن تفعله الكنائس المختلفة وقادتها لتعميق روح الوحدة؟

 

ثانيًا: نؤمن بكنيسة مقدسة

الكنيسة الحقيقية هي كنيسة مقدسة. يحمل هذا الوصف لطبيعة الكنيسة أمرين هامين. أولًا: تنبع قداسة الكنيسة من عمل روح الله القدوس فيها. لا عجب أنَّ الجزء الخاص بعقيدة الكنيسة في قانون الإيمان النيقوي يتبع مباشرةً الجزء الخاص بعقيدة الروح القدس حيث نقرأ: “ونُؤْمِنُ بالروحِ القدُسِ، الربِّ المُحيِي، المنبثِقِ من الآبِ والابْنِ، نسجُدُ لَهُ ونمجِّدُهُ معَ الآبِ والابْنِ، الناطِقِ بالأنبياءِ، ونؤمِنُ بكنيسَةٍ واحِدَةٍ مُقدَّسَةٍ جامعةٍ رَسوليَّةٍ”. جاءت الكنيسة للوجود بعمل الروح القدس في إحياء أنفسنا المائتة، ويستمر عمل الروح القدس في تنقية وتقديس الكنيسة في رحلة لا تنتهي حتى نتحد بذاك الذي طهرنا وغسّلنا من خطايانا بدمه، شخص ربنا يسوع المسيح.

 

الأمر الثاني الذي يجب أن نلاحظه بخصوص قداسة الكنيسة –الإكليسيا– الجماعة المدعوة، هو أنَّ الكنيسة مخصّصة، مكرّسة، ومفرزة “set apart” لخدمة سيدها، فالقداسة ليست امتيازًا، بل بالحري مسؤولية. إن فقدت الكنيسة هذا البُعد فقدت كل شيء، فالملح عديم الفائدة إن فسد، والنور لا جدوى منه إن وُضِع تحت المكيال. “أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَة مَوْضُوعَة عَلَى جَبَل، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى 5: 13-١٦). هل الكنيسة مقدسة بالفعل اليوم؟ هل تحيا الكنيسة القداسة قولًا وعملًا؟ هل تعكس الكنيسة حياة القداسة في العقيدة والسلوك؟

 

ثالثًا: نؤمن بكنيسة جامعة

للكنيسة المسيحية طبيعة شمولية، جامعة، كاثوليكية Katholikos. عكست الجماعة المسيحية الأولى –جماعة التلاميذ– هذه الطبيعة الشمولية، الجامعة، للكنيسة. اختار الرب يسوع المسيح الاثني عشر رسولًا من اليهود والأمم، المثقفين والبسطاء، الصغار والكبار، المتدينين وغير المتدينين. من كان يتخيل أن يجلس حول مائدة واحدة سمعان الغيور -الذي قاوم المحتل الروماني لبلاده وحاربه– مع متى العشار، جابي الضرائب الذي عمل لصالح الإمبراطورية الرومانية؟ يكفي أن نقرأ سفر أعمال الرسل لنرى تلك الطبيعة الجامعة للكنيسة المسيحية.

 

ينبغي أن ندرك جيدًا هنا أنَّ تحقيق هذه الطبيعة الشمولية للكنيسة على أرض الواقع ليست بالأمر الهين؛ فالبشر يجدون انسجامًا وتناغمًا وأمانًا مع من يشابهونهم في اللون واللغة، الثقافة والفكر، المعتقد والإيمان؛ والعكس صحيح، فنحن نتجنب من يختلف عنَّا. لديَّ خبرة شخصية أريد أن أشارك بها في عجالة هنا. في عام ٢٠٢٣م دُعيت بصفتي راعيًا أصيلًا للكنيسة المشيخية بلاكرسانتا، كاليفورنيا، وهي كنيسة كبيرة نسبيًّا تبعد حوالي ١٥ كيلو متر فقط عن مدينة لوس أنجلوس. كُلِّفت في السنة الأولى بصفتي راعيًا للكنيسة أن أقدّم رؤية استراتيجية مكتوبة للمجلس تتضمن خطة شاملة لنمو الكنيسة وكيف أرى الكنيسة والخدمة بعد خمس سنوات. عكفت على هذا الأمر لعدة شهور، دوَّنت ملاحظاتي، فتحت عينيَّ على كل ما رأيت من حولي، وبنهاية عامي الأول، قدّمت بالفعل رؤيتي للكنيسة للسنوات الخمس القادمة بأهداف واضحة وخطوات محدّدة لتحقيق هذه الرؤية. 

 

بنيتُ رؤيتي على حقيقة التنوع الديمغرافي (التنوع السكاني) الموجود بهذه البلدة. منذ خمسين عامًا فقط، كان سكان هذه البلدة الصغيرة من الأوروبيين ذوي البشرة البيضاء، وكذا الكنيسة المشيخية بالبلدة. في العقود الأربعة الماضية –مثلما حدث في كثير من البلدان في الولايات المتحدة– تغيرت التركيبة السكانية تمامًا وأصبح اليوم ثلث السكان من ذوي البشرة البيضاء، وثلث من المهاجرين الأرمن “أرمن من الشرق الأوسط، وأرمن من أرمينيا ومن إيران”، والثلث الأخير من الكوريين من الجيل الثاني والثالث. تغيّر المجتمع تغيرًا جذريًّا وتغيّرت التركيبة السكانية للبلدة، لكن لم تتغير الكنيسة؛ فهي إلى الآن ٩٠٪ من البيض ولم تقم بالكثير لجذب أصحاب الثقافات الأخرى. كانت رؤيتي هي خلق كنيسة واحدة متعددة الثقافات –كنيسة جامعة– يشعر فيها الجميع بالترحاب والتقدير بغض النظر عن اللون والثقافة واللغة، والمستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والمهني. كانت الرؤية صادمة للبعض؛ إذ إنها كسرت حاجز المألوف وتحدّت فهم الجماعة المسيحية للاهوت الكنيسة. النموذج السائد في الولايات المتحدة أنه عندما يتواجد هذا التنوع الثقافي في منطقة ما فإن كل مجموعة عرقية تعقد اجتماعات خاصة بها، كل بلغتهِ، مع أنَّ هذه الجماعات تتشارك فقط في مكان العبادة لكن ليست لها علاقة مباشرة بعضها ببعض. لم أقدم هذا النموذج لكنني قدمت نموذجًا تتشارك فيه الثقافات المختلفة العبادة والخدمة والإرسالية معًا. تبنَّى المجلس هذه الخطة وأصبحت بالفعل رؤيتنا للخدمة في السنوات الخمس المقبلة.

 

تتخطى الكنيسة بحسب فكر الله كل الحدود الجغرافية واللغوية والعرقية والثقافية فهي كنيسة جامعة، كاثوليكية. قدّم يوحنا الرائي رؤيته الإسخاتولوجية للكنيسة، الكنيسة المنتصرة في السماء، بهذه الكلمات: “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: “مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ” (رؤيا 5: 9). إنَّ الكنيسة الظافرة في السماء هي كنيسةٌ من كل الأمم، والقبائل، والشعوب، والألسنة.  تتحدَّى طبيعة الكنيسة الجامعة، الكاثوليكية، خدمة الكنيسة في مصر في محاور عديدة أذكر منها اثنين على الأقل. أولًا: ماذا قدمت الكنيسة للمهاجرين المسيحيين من السودان وسوريا وفلسطين في الأعوام الخمسة عشر الماضية لكي تحيا طبيعتها الجامعة؟ ثانيًا: ماذا يمكن أن تفعل الكنيسة المشيخية في مصر لتكون تعبيرًا صادقًا عن مجتمعاتها بأطيافه المختلفة؟ لوقت طويل كانت الكنيسة المشيخية هي كنيسة أصحاب الياقات البيضاء.

 

رابعًا: نؤمن بكنيسة رسولية

كنيسة الرب يسوع هي كنيسة رسولية Apostolic تضرب بجذورها في عمق الزمن لتجد أساسًا راسخًا في التعليم الرسولي. عبّر الرسول بولس عن طبيعة الكنيسة الرسولية في أفسس 2: 20-٢١ قائلًا: “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ”. تقاس أصالة الكنيسة وأمانتها بمدى تمسكها بالتعليم الرسولي.

 

بينما أدركت الكنيسة الأولى أهمية التعليم الرسولي، لم تعطِ كنيسة اليوم التعليم الكتابي مكانه ومكانته في حياة الجماعة المسيحية. “وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أعمال 2: 42). هناك أزمة تعليمية كبيرة في معظم كنائسنا اليوم فاختلط الحبل بالنابل.

ماذا لو عاشت الكنيسة المسيحية اليوم الفكر اللاهوتي الخاص بالكنيسة بحسب مجمع نيقية؟ ماذا لو عاشت الكنيسة هذه الأبعاد الأربعة؟ ماذا لو أصبحنا حقًّا كنيسة واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية؟ هناك -في رأيي- نتيجتان حتميتان: صدق وعمق الحوار المسكوني، وهو أمرٌ ما أحوجنا إليه. تواجه الكنيسة اليوم تحديات كبيرة من الخارج، فما أحوجها إلى تماسك داخلي يجعلها قادرة على مواجهة التحديات والضغوط المجتمعية التي لا تنتهي!

 

الأمر الثاني الذي أتوقع حدوثه إن عاشت كنيسة اليوم فكر نيقية بخصوص الكنيسة –أن نكون كنيسة واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية– هو ازدهار الفكر المرسلي. ستقدم الكنيسة نموذجًا أصيلًا، صادقًا، أمينًا، لمجتمعاتها لمؤسسة لا ترفع فقط شعارات الوحدة والقداسة، الشمولية والأصالة، لكنها ستحيا بالفعل كل هذه القيم السامية.

 

ستظل للكنيسة دومًا مكانة خاصّة ومتميّزة في قلب الله، فهي كما يقول الكتاب في ١تيموثاوس 3: 15: “بَيْتِ اللهِ… كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ”. إنها ذاتها، ليس بالضرورة ما تقوم به، إرسالية الله للعالم. يقول داريل جودر، أستاذ الإرساليات بكلية لاهوت برنستون، نيو جيرسي: “إنَّ الكنيسة لا تقوم فقط بعمل مُرسَلِي، لكن الكنيسة هي ذاتها الإرساليّة.”[2]

 

قائمة المراجع

 

Behr, John. The Nicene Faith: Formation of Christian Theology.  Crestwood, NY: St.

Vladimir’s Seminary Press, 2004.

 

Guder, Darrell L. “Missional Theology for a Missionary Church,” Journal for Preachers

22, no. 1 (1998): 3-11.

[1] John Behr, The Nicene Faith: Formation of Christian Theology (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 2004), 49.

 

[2] Darrell L. Guder, “Missional Theology for a Missionary Church,” Journal for Preachers 22, no. 1 (1998): 5.

 

قانون الإيمان في العبادة الإنجيليَّة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: القس أمير إسحق

بدايةً، نستطيع القول إنَّ الإنسان مخلوقٌ عاقلٌ حُرٌّ مستقلٌّ، وكائنٌ ليتورجيٌّ أيضًا. فهو مخلوق لديه الميل ليعبُد الله ويخدمه ويرضيه ويمجِّده، على المُستويَين الفرديّ والجماعيّ. وهو عاقلٌ وحُرٌّ ومُستقلٌّ ليكون ليتورجيًّا، أي مُنظَّمًا في عبادته، ومُنظِّمًا لها. لذلك، العلاقة قويَّة بين اللِّيتورجيا والأنثروبولوجيا، لأنَّ حياة الإنسان ذات طابع ليتورجيّ دائم.

        أمَّا العبادة الحقيقيَّة فهي التي تُقدَّم للإله الحقيقيّ وحده، الأمر الذي شدَّدت عليه أوَّل الوصايا: “للرَّبِّ إلهك تسجُد وإيَّاه وحده تعبُد”. والعهد القديم يقدِّم برنامجها اللِّيتورجيّ، أي العبادة بشكل مُنظَّم. وتأتي ليتورجيَّة العهد الجديد لتكون أسمى من كلِّ ما سبقها من ليتورجيَّات، بسبب الكشف الكامل عن شخصيَّة الله المعبود في شخص ابنه يسوع المسيح. من مُميزاتها تلاوة صلوات جماعيَّة مكتوبة إلى جوار الصَّلوات الحُرَّة الارتجاليَّة. قد يَظنّ بعضٌ أنَّ ترديد الصَّلوات المكتوبة يُقيِّد العلاقة مع الله، وكأنَّ الاستجابة الإلهيَّة مشروطة بألفاظٍ محدَّدة استُخدِمت في الماضي. لكن التَّمييز واجبٌ بين التِّكرار الجافّ وبين كتابة صلوات مُعاصرة تعبِّر بصِدقٍ عن شُكرِ وتسبيحِ واحتياجاتِ الكنيسة اليوم، وبين إعلان الإيمان، سواء في مُمارسة السِّرَّين –المعموديَّة والعشاء الرَّبانيّ- أو في تلاوة قانون الإيمان.

        وأمَّا تلاوة قانون الإيمان -الذي كتبه آباء في الأجيال الأولى، والذي يُشدِّد على الإيمان المشترَك بين جميع المؤمنين، ويربط أعضاء الجسد الواحد معًا- فهي أحد أهمّ عناصر العبادة اللِّيتورجيَّة، وهي الموضوع الأساس في هذا المقال، الذي سأتناول فيه، بنعمة الرَّبّ، ثلاثة محاور: تمييز وتعريف المُصطلح؛ الأساس الكتابيّ واللَّاهوتيّ؛ فلسفة تلاوة قانون الإيمان.

أوَّلًا: تمييز وتعريف المُصطلح

ما الفرق بين قانون الإيمان؛ وإقرار الإيمان؛ وشرح أصول الإيمان، وهي المفاهيم التي تُستعمَل كثيرًا في اللَّاهوت والعبادة المسيحيَّة؟ وما أهمّ قوانين الإيمان؟ هذه هي الفروق الدَّقيقة بينها:

  1. قانون الإيمان: نصٌّ ثابتٌ مُختصَرٌ رَسميٌّ تُعلِنه الكنيسة تعبيرًا عن إيمانها المشترَك بين جميع المؤمنين، وغالبًا يُتلى في العبادة الجماعيَّة. طابعه ليتورجيّ، ويتميَّز بأنَّه يُركِّز على حقائق الإيمان المسيحي الأساس. مثل: قانون الإيمان الرَّسوليّ؛ وقانون الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ.
  2. إقرار الإيمان: هو وثيقة إيمانيَّة أشمَل وأطول نسبيًّا مِن قانون الإيمان. طابعه عقائديّ، ويُعبِّر عن الفكر اللَّاهوتي والعقائديّ لطائفة ما، فيقدِّم شرحًا منهجيًّا لمُعتقداتها. ويُستخدم في التَّعليم الكنسيّ؛ ورسامة الخدام وتنصيبهم؛ ويُميِّز بين عقائد الطَّوائف. يشمل مواضيع مثل: العهد؛ الكتاب المقدَّس؛ الأسرار/ الفرائض؛ الأخلاق؛ الكنيسة؛ السُّلطة… إلخ. ويتضمَّن ردودًا على هرطقات أو انحرافات ظهرَت زمن كتابته. مثل: إقرار الإيمان الوستمنستري؛ وإقرار إيمان أوغسبورغ.
  3. شرح أصول الإيمان: هو شرحٌ تعليميّ وتربويّ للأسُس العقائديَّة المسيحيَّة تفصيلًا. ويأتي في صيغة سؤال وجواب، يأخذ الطَّابع التَّعليميّ المنهجيّ، وهو موجَّه غالبًا إلى المؤمنين حديثيّ الإيمان، لأنَّه تعليمٌ مبسَّط ومنظَّم للمبادئ الإيمانيَّة. يشرح عقائد مثل: مَن هو الله؟ ما معنى الفداء؟ لماذا نُصلِّي؟ ما هي الكنيسة؟ وهكذا يجمع بين التَّعليم الكتابيّ واللَّاهوت العمليّ. مثل: التَّعليم المختصَر لوستمنستر؛ التَّعليم الهايدلبرغي.

        وهكذا نرى أنَّ طابع قانون الإيمان “ليتورجيّ”؛ وطابع إقرار الإيمان “عقائديّ”؛ وطابع شرح أصول الإيمان “تربويّ تعليميّ”. الأوَّل مُختصَر؛ الثَّاني أطوَل نسبيًّا؛ والثَّالث مُفصَّل.

قانونا الإيمان: الرَّسولي والنِّيقاويّ-القسطنطينيّ

قانون الإيمان الرَّسولي هو أقدَم وأبسَط صيغة إيمانيَّة مسيحيَّة جامعة. يأتي في نحو 12 عبارة تركِّز على: أحداث حياة المسيح؛ والثَّالوث الأقدس؛ والكنيسة؛ والحياة الأبديَّة. كلّ عبارة فيه مُستمدَّة مُباشرةً من نصوص العهد الجديد. له مكانة خاصَّة في تاريخ الكنيسة، لأنَّه: نصٌّ إيمانيٌّ مُختصَر، ترجع جذوره إلى القرون المسيحيَّة الأولى. سُمِّي “الرَّسوليّ” لأنَّه يُلخِّص إيمان الرُّسل، لا لأنَّهم كتبوه. أمَّا قانون الإيمان النِّيقاويّ فقد صِيغَ أوَّلًا في مجمع نيقيَّة (325م.)، الذي انعقد لمواجهة هرطقة أريوس الذي أنكر أزليَّة وألوهيَّة المسيح. وكان يُستخدَم أساسًا في تعليم الموعوظين (خاصَّة الذين يستعدُّون للمعموديَّة)، وفي العبادة الجماعيَّة.

        وأمَّا قانون الإيمان النِّيقاويّ-القسطنينيّ فهو أطول وأكثر تحديدًا لاهوتيًّا. هو الذي صِيغَ أوَّلًا في مجمع نيقيَّة، واستُكمِل في مجمع القسطنطينيَّة (381م.) بهدف مواجهة الهرطقات التي قلَّلت من ألوهيَّة الرُّوح القدس. وهو أطول وأكثر تفصيلًا من قانون الإيمان الرَّسوليّ. ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة: الآب الخالِق؛ الابن الفادي؛ الرُّوح القدس الرَّبّ المُحيي. وهو الأوسع انتشارًا في العبادة المسيحيَّة. ويمكننا القول إنَّ قرارات مجمع نيقيَّة كانت نقطة إنقاذ للإيمان الرَّسوليّ مِن تحريفٍ جوهريّ؛ وأعطَت الكنيسة صيغة واضحة للإيمان بالمسيح بوصفه إلهًا حقًّا من إلهٍ حقّ.

ثانيًا: الأساس الكتابيّ واللَّاهوتيّ

هل هناك ما يدعَم فكرة وجود قانون إيمان كتابيًّا ولاهوتيًّا؟ مِن المهمّ لنا -نحن الإنجيليِّين- أن نؤسِّس مُعتقداتنا وعبادتنا على أسُس كتابيَّة ولاهوتيَّة واضحة. هناك سندٌ كتابيٌّ واضحٌ وقويٌّ للفلسفة اللَّاهوتيَّة والرُّوحيَّة الكامنة وراء وجود قانون إيمان، ومِن ثَمَّ تلاوته في العبادة الجهوريَّة. حتَّى وإن لم يُذكَر “قانون إيمان” بالاسم في الكتاب المقدَّس، فإنّ مبدأ إعلان الإيمان المشترَك، والاعتراف العلنيّ، والتَّعليم العقائديّ الجماعيّ، كلّها متأصِّلة في الكتاب المقدَّس. وهذه أبرز الأسُس الكتابيَّة:

 

  1. مبدأ الاعتراف العَلنيّ بالإيمان

(روميَّة 10: 9): “لأنَّك إن اعترفتَ بفمك بالرَّبّ يسوع، وآمنتَ بقلبكَ أنَّ الله أقامَه من الأموات، خَلَصتَ”. هذا هو جوهر قانون الإيمان: الإيمان القلبيّ والاعتراف العلنيّ، فرديًّا وجماعيًّا. فالاعتراف الفَمَويّ ليس اختيارًا، بل جزءٌ أصيلٌ من الإيمان الذي يخلِّص.

  1. مبدأ الإيمان الواحد المشترك

 (أفسُس 4: 4-6): “جسدٌ واحدٌ وروحٌ واحدٌ، كما دُعيتُم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. ربٌّ واحدٌ إيمانٌ واحدٌ معموديَّةٌ واحدةٌ، إلهٌ وآبٌ واحدٌ للكلِّ”. يبرز بولس هنا وحدة الإيمان باعتبارها ركيزةً أساس للجماعة، وهو ما تُعبِّر عنه الكنيسة عندما تتلو قانون الإيمان الواحد بصفتها جماعة واحدة.

  1. مبدأ تسليم الإيمان الرَّسوليّ

 (1كورنثوس 15: 1-4): “وأعرِّفكم أيُّها الإخوة بالإنجيل الذي بشَّرتكم به، أنَّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتُب، وأنَّه دُفن، وأنَّه قام في اليوم الثَّالث حسب الكتُب…”. هذا النَّص يُعدُّ من أقدَم صِيَغ الإيمان المُبكِّرة في العهد الجديد، وكان يُتلى في الكنائس الأولى، ويُشبه قانون الإيمان في جوهره، الذي يعكس ذلك التَّسليم العقائديّ الرَّسوليّ.

  1. مبدأ الاعتراف المشترَك في العبادة

 (عبرانيِّين 10: 23): “لنتمسَّك بإقرار الرَّجاء راسِخًا، لأنَّ الذي وعد هو أمينٌ”. “إقرار الرَّجاء” تعبيرٌ آخَر عن الإيمان المعلَن بصوتِ الجماعة، وهو ما يُجسِّده قانون الإيمان.

  1. مبدأ الاحتكام إلى معيار الإيمان المستقيم

 (2تيموثاوس 1: 13): “تمسَّك بصورة الكلام الصَّحيح الذي سمعتَه مِنِّي، في الإيمان والمحبَّة التي في المسيح يسوع”. يوصي بولس تيموثاوس هنا أن يحفَظ “صورة” التَّعليم الصَّحيح، وهي الصُّورة التي عبَّرت عنها الكنيسة لاحقًا بصِيَغ مثل قانون الإيمان.

  1. مبدأ تسليم التَّعليم عَبر الأجيال

 (2تيموثاوس 2: 2): “وما سمعتَه منِّي بشهودٍ كثيرين، أودِعهُ أناسًا أمَناء، يكونون أكْفاء أن يُعلِّموا آخَرين أيضًا”. يُظهِر هذا النَّصّ أهمِّيَّة نقل التَّعليم الإيمانيّ مِن جيل إلى جيل، وهو ما يفعله قانون الإيمان بصورة مركَّزة ومُعلَنة.

  1. مبدأ وحدة الاعتراف رغم التَّنوُّع

 (1كورنثوس 12: 3): “وليس أحدٌ يقدِر أن يقول: يسوعُ رَبٌ إلَّا بالرُّوح القدس”. فتلاوة قانون الإيمان ليست مُجرَّد تكرارٍ ذِهنيّ، بل عملٌ روحيّ نُعلِنه بقيادة الرُّوح القدس للكنيسة.

 

أمثلة كتابيَّة لصِيَغ إيمانيَّة مُختَصرة

اعتراف بطرس: “أنتَ هو المسيح ابنُ الله الحيّ” (متَّى 16: 16)؛ اعتراف توما: “ربِّي وإلهي” (يوحنَّا 20: 28)؛ ترنيمة عقائديَّة لاهوتيَّة: “وبالإجماع، عظيمٌ هو سِرُّ التَّقوى: الله ظهر في الجسد؛ تبرَّر في الرُّوح؛ تراءى لملائكةٍ؛ كُرِزَ به بين الأمم؛ أومِنَ به في العالم؛ رُفِعَ في المجد” (1تيموثاوس 3: 16)؛ والنَّشيد المسيانيّ عن اتِّضاع المسيح وارتفاعه: “فليكُن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا: الذي إذ كان في صورةِ الله لم يحسِب خُلسةً أن يكون مُعادلًا لله، لكنَّه أخلى نفسه…” (فيلبِّي 2: 6-11).

إذن، وجود قانون إيمان وتلاوته في جماعة المؤمنين ليس مجرَّد اختراعٍ طقسيٍّ لاحِقٍ، بل استمرارٌ لما علَّمه الكتاب المقدَّس بوضوح عن: إعلان الإيمان؛ الاعتراف العَلَنيّ؛ التَّعليم المُشترَك؛ تسليم الإيمان؛ ووحدة جماعة المؤمنين حول الإيمان القويم.

 

ثالثًا: فلسفة تلاوة قانون الإيمان

بناءً على ما تقدَّم يبقى السُّؤال: “ما هي فلسفة تلاوة قانون الإيمان في العبادة الكنسيَّة وفوائده؟” سؤالٌ لاهوتيٌّ وليتورجيٌّ عميق، يرتبط بجوهر الهويَّة الكنسيَّة وتكوين جماعة المؤمنين وشهادتهم الإيمانيَّة. إنَّ قانون الإيمان هو صوتُ الكنيسة الجماعيّ في إعلان إيمانها الرَّسوليّ. وتلاوته لا تُعدُّ طقسًا تقليديًّا، بل فِعلًا روحيًّا واعيًا يربط المؤمنين بإيمان الكنيسة الجامعة عبر الأجيال. تقوم فلسفة هذه الممارسة على هذه الفوائد:

  1. هويَّة الكنيسة ووحدتها

تلاوة قانون الإيمان تربط الجماعة الكنسيَّة بـ”الإيمان المُسلَّم مرَّة للقدِّسين” (يهوذا 3). وتعبِّر عن وحدة الكنيسة الجامعة عبر العصور والطَّوائف، إذ يُتلى القانون ذاته (الرَّسولي، أو النِّيقاويّ-القسطنطينيّ) في كنائس مُتعدِّدة. فيُعلن جميع المؤمنين إيمانهم، وكأنَّهم يقولون: “نؤمن كما آمَن الآباء، ونُعلن إيماننا كما أعلنته الكنيسة في مجامعها الجامعة، وفي عصورها المختلفة، وبجميع طوائفنا”.

  1. الاشتراك الجماعيّ في الإيمان

لا يُتلى قانون الإيمان فرديًّا، بل جماعيًّا، ليدلّ على أنَّنا “نحن نؤمن” وليس فقط “أنا أؤمن”. يعكس ذلك جماعيَّة الخلاص؛ ووحدة الجسد الواحد الذي فيه نُعبِّر معًا عن الإيمان الواحد المشترك. “لأنَّنا جميعنا بروحٍ واحد أيضًا اعتمَدنا إلى جسدٍ واحدٍ” (1كورنثوس 12: 13). وذلك لا يمنع أن يُردَّد فرديًّا وعائليًّا.

  1. الاحتكام إلى معيار ثابت

يُشكِّل قانون الإيمان مَرجعيَّة كتابيَّة ولاهوتيَّة وإيمانيَّة مَوثوقة، ضدَّ البدَع والانحرافات متى ظهرَت. وبوصلة لاهوتيَّة ضدَّ الضَّبابيَّة الفكريَّة والنِّسبيَّة الرُّوحيَّة. فحين يتلوه المؤمنون، فإنَّهم يقولون: “هذا هو الإيمان الذي نحتَكِم إليه ونسير في نوره”. وكلّ قانون إيمانٍ هو اختصارٌ لحِقبة طويلة من الصِّراع الفِكريّ واللَّاهوتيّ ضدَّ البدع والتَّشويش. لذلك، فتلاوته هي عمليَّة تذكيرٍ دائمٍ بمسؤوليَّتنا التي أشار إليها الرَّسول يهوذا: “أكتُب إليكم واعظًا أن تجتهدوا لأجل الإيمان المُسلَّم” (يهوذا 3).

  1. الاحتفال بالإيمان

تلاوة قانون الإيمان هي بمثابة ترنيمةٍ لاهوتيَّةٍ احتفاليَّةٍ بحقائق الفداء والتَّجسُّد والقيامة. تُتلى غالبًا بعد العظة الكتابيَّة، كاستجابةٍ للإعلان الإلهيّ مِن الكلمة المقدَّسة وشرحها بالاستقامة. “نؤمن بإلهٍ واحدٍ…” ليست جُملة تعليميَّة فقط، بل نشيدٌ يُعلَن أمام السَّماء والأرض والجموع.

  1. التَّربية والتَّنشئة الإيمانيَّة

التِّكرار الأسبوعيّ لقانون الإيمان يُرسِّخ العقيدة في الذِّهن والوجدان. فهو مدرسة لاهوتيَّة مُختصَرة يتعلَّم منها الكبار والصِّغار حقائق الإيمان الأساس. هو مادَّة مبادئ التَّعليم المسيحيّ، ويُعلِّم ما نؤمن به بترتيب منطقيّ: الله الآب؛ الابن؛ الرُّوح القدس؛ الكنيسة؛ والرَّجاء.

  1. الاستعداد لخدمة العشاء الرَّبانيّ

بعض الكنائس، وعند مُمارسة سِرّ/ فريضة العشاء الرَّبانيّ، تبدأ بتلاوة قانون الإيمان، كإعلانِ إيمانٍ جماعيّ مشترَك، وإعدادٍ قلبيّ لكلِّ مؤمن، قبل الاشتراك في ذلك السِّرّ المقدَّس. وكأنّ المؤمنين يقولون: “لا يمكننا التَّقدُّم إلى مائدة الرَّبّ المقدَّسة والاشتراك معًا فيها، إلَّا ونحن ثابتون ومتأصِّلون في الإيمان المستقيم، ومشترِكون معًا فيه”.

  1. الشَّهادة والإعلان أمام العالم

تلاوة قانون الإيمان بصوتٍ عالٍ هي نوعٌ من الاعتراف العَلنيّ بالإيمان المسيحيّ، وخاصَّة في الاجتماعات العامَّة التي يحضرها مؤمنون وغير مؤمنين. هي وقفةٌ ضدَّ الشُّكوك الإيمانيَّة، والتي ما أكثرها اليوم، وإعلانٌ أنَّ الكنيسة لا تزال تحفَظ وديعة الإيمان الصَّحيح النَّقيّ. استنادًا إلى قول المسيح: “مَن يعترفُ بي قدَّام النَّاس أعترفُ أنا به قدَّام أبي الذي في السَّماوات” (متَّى 10: 32).

مِن ثمَّ، فإنَّ تلاوة قانون الإيمان، سواءٌ في العبادة العامَّة، أو عند مُمارسة العشاء الرَّبانيّ، هي أكثر من مجرَّد ترديد عقائديّ. إنَّها: إعلانُ انتماءٍ كنسيٍّ؛ ونشيدٌ جماعيّ؛ وشهادةٌ علنيَّةٌ؛ ومدرسةٌ إيمانيَّةٌ؛ وبوَّابةٌ للمائدة المقدَّسة. ففي كلِّ مرَّة نتلو فيها قانون الإيمان في الكنيسة، لا نُكرِّر كلماتٍ مَحفوظةً وحسب، بل نُعلِن انتماءنا لإيمان الكنيسة الجامعة، ونشهَد للحقّ الذي يُحرِّرنا.. والتِّكرار الأسبوعي يُنقَش في القلب؛ ويُحفَر في الذَّاكرة؛ ويَضبِط بوصلَتنا اللَّاهوتيَّة في عصر التَّشويش والتَّشكيك العقائديّ.

 

دعوة للتَّجاوب

(تمهيد للمُتعبِّدين لتلاوة قانون الإيمان، يتلوه الرَّاعي أو الخادم القائد):

“أيُّها الأحبَّاء، قانون الإيمان النِّيقاويّ ليس مجرَّد وثيقةٍ قديمةٍ تعود إلى القرن الرَّابع، بل هو صرخة حيَّة للكنيسة في كلِّ عصرٍ… ونحن الآن في حضرةِ الله الآب، وبشهادةِ الابن، وفي شركة الرُّوح القدس،

لنتمسَّك بإقرار الرَّجاء، لأنَّ الذي وعدنا بالإيمان والخلاص، هو أمينٌ.

ولنقِف الآن معًا، كما وقفَت الكنيسة مُنذ عصورها الأولى،

لنُعلِن إيماننا الواحد، الجامع، الرَّسولي،

الذي تسلَّمناه مِن الآباء، ونعيشه في الجسد الواحد،

وبه نشهد للحقِّ، ونترجَّى المجد، ونتهيَّأ للوليمة السَّماويَّة.

فلنَقِف بخشوعٍ، ولنُصْغِ بقلوبٍ مؤمِنة، ولنقُل معًا:” 

        (ثم يبدأ الشَّعب معًا):

“نؤمنُ بإلهٍ واحدٍ، الله الآب… إلخ”.

        (وفي الختام يردِّدون):

“أيُّها الرَّبُّ سيِّدُنا.. كما نطقَ الرُّسل قديمًا بإيمانهم،

وكما تمسَّكَت كنيستك عبر العصور بالرَّجاء المُبارَك،

أعِنَّا نحن أيضًا أن نُعلِن إيمانَنا بكَ بثباتٍ وصِدقٍ،

لا بشفاهِنا فقط، بل بحياتنا أيضًا… آمين”.

 

قراءة كتابية في مجمع نيقية كيف حفظ قانون الإيمان النيقوي المسيحية على مر العصور
للدكتور رامي حسين هلسه

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: جرجس صبحي

نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، الآبِ ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ السَّمَاءِ وَالْأرْضِ، كُلَّ مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسوعَ الـمَسيحِ، ابْنِ الله الْوَحيدِ، الـمَوْلُودِ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حقٍّ، مَوْلُودٌ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلْآبِ فِي الْجَوْهَرِ، الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، الذي مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرِ، وَمِنْ أَجْلِ خَلاصِنَا، نَزَلَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَأَنَّسَ، صُلِبَ عَنَّا فِي عَهْدِ بِيلاطسَ الْبُنْطِيّ، تَأَلـمَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَهُوَ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ الله الآبِ، آتٍ ثَانِيَةً فِي الـمَجْدِ لِيَدِينَ الأحْيَاءَ وَالأمْواتَ، الَّذي لَيْسَ لـمُلْكِهِ انْقِضَاءٌ. وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الـمُحَيِي، الـمُنْبَثِقِ مِنَ الآبِ، الَّذِي هُوَ مَعَ الآبِ وَالابْنِ يُسْجَدُ لَهُ وَيُمَجَّدُ، النَّاطِقُ بالأنبِياء. وبِكَنِيسَةٍ وَاحِدَةٍ، مُقَدَّسَةٍ، جَامِعَةٍ، رَسُولِيَّةٍ، وَنَعْتَرِفُ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لـمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَنَنْتَظِرُ  قِيَامَةَ الـمَوْتَى وَالْحَيَاةَ فِي الدَّهْرِ الآتي. آمِينَ.

        بهذه الكلمات أعلن المسيحيون إيمانهم عبر سبعة عشر قرنًا. لكن كيف جاءت إلينا هذه الصياغة، وكيف تطورت؟ وما الظروف والسياقات التاريخية والتحديات الدينية واللاهوتية التي نشأت فيها؟ وهل هذه التحديات تهمنا اليوم في أي شيء؟ وهل تتناقض مع مبدأ “الكتاب المقدس وحده”؟ كل هذه الأسئلة نجدها في دراسة فريدة من نوعها يقدم الدكتور رامي هلسه، هذه القراءة الكتابية في مجمع نيقية، مركِّزًا على دور قانون الإيمان النيقوي في حفظ الإيمان المسيحي على مر العصور.

هذا الكتاب -الذي سيتاح قريبًا بين أيدي القراء العرب- في 396 صفحة، صادر عن دار الهيئة الإنجيلية للنشر والتوزيع JETS (الأردن) بالشراكة مع دار الثقافة (مصر) ودار منهل الحياة (لبنان). ليمثل بذلك ثمرة شراكة مسيحية عربية فعَّالة لثلاث من أهم دور النشر المسيحية في المنطقة العربية.

ويجمع أسلوب الكتاب بين التأمُّل والعمق والدقَّة اللاهوتيَّة، ويأخذك هذا الكتابُ في رحلةٍ إلى قلبِ مَجمَع نيقية، الذي عُقِد عام 325م، أي قبل 1700 عام، وهناك وُلِدَ قانون الإيمان النيقويِّ في مواجهة تعليم أريوس المُنكِر للاهوتِ المسيح. يُرشدُنا الدكتور رامي هلسه إلى فهْمِ السياق التاريخيِّ واللاهوتيِّ الذي أحاط بذلك الحدث المفصليّ، موضِّحًا أنَّ القانون لم يكُنِ اختراعًا جديدًا، بل كان تأكيدًا نقيًّا لِما أعلَنَه الكتاب المقدَّس عن شخص المسيح: “إلهٌ حقّ، من إلهٍ حقّ، مولود غير مخلوق”.

أما عن المؤلف، الدكتور رامي هلسه، فهو أكاديميٌّ وباحثٌ مُتخصِّصٌ بالدِّراسات الدِّينيَّةِ، والنَّقدِ النَّصِّيِّ، والمخطوطات. عمل باحثًا مشاركًا ما بعد الدُّكتوراه في جامعة هارفرد، وحصل على درجة الدُّكتوراه في دراسات المخطوطات من جامعة سانت أندروز في المملكة المُتَّحدة، ودرجة الماجستير في اللاهوت من الولايات المُتَّحدة، ودرجة البكالوريوس في الطِّبِّ والجراحة البشريَّة. نُشِرَت أعمالُه في مجلَّات أكاديميَّة مُحكَّمة، كما قدَّم أبحاثًا مُحكَّمة ومحاضرات في جامعات ومؤتمرات أكاديميَّة في كُلٍّ من المملكة المُتَّحدة والولايات المُتَّحدة. صدر له بالإنجليزيَّة كتابٌ أكاديميٌّ عن المخطوطات من منشورات دار دي غرويتر (De Gruyter). وهو نائب رئيس لجنة العلاقات بين الأديان في الاتِّحاد المعمدانيِّ العالمي. متزوِّج بالسيدة ريتشل ولهُ ابنان وابنة.

يقدم الكتاب رؤية شاملة لمجمع نيقية وقانون الإيمان النيقوي، فهو لا يكتفي بسرد التاريخ والملابسات والإرهاصات السابقة لانعقاد مجمع نيقية، وتفاصيله وجلساته وقراراته وحضوره… فكل هذه معلومات يجب ألا تخلو منها أي دراسة تتناول هذه القضية.

لهذا يستعرض الكتاب استكشافًا شاملًا للمسيحية الباكرة، متتبعًا الأحداث التاريخية متتبعًا الأحداث التاريخية الحاسمة والمباحثات اللاهوتية والتطورات الكنسية التي بلغت أوجها في صياغة قانون الإيمان النيقوي؛ فهو ينظر لقانون الإيمان النيقوي كبناء أرسيت أساساته عبر ثلاثة قرون من تطور الفكر المسيحي. وعلى هذا الأساس تُبنى فصول الكتاب بحيث يتصل كل فصل بما سبقه موضحًا الكيفية التي قدمت بها الأوضاع التاريخية المتداخلة والتأملات اللاهوتية في النهاية صورة متكاملة موحدة للإيمان القويم النيقوي.

في الفصل الأول بعنوان “من الاضطهاد إلى الرعاية الإمبراطورية”، ويكشف كيف تحولت المسيحية من ديانة أقلية مضطهدة إلى ديانة تتمتع بحظوة إمبراطورية. وكيف أثر الاضطهاد الذي أثير في عهد أباطرة الرومان -مثل نيرون ودقلديانوس- في تشكيل هوية المسيحيين، مؤسسًا لجماعةٍ متماسكة صامدة. ويستعرض أيضًا الانقسامات الداخلية الباكرة والهرطقات، مثل الجدل الميليتي (Melitiam)، والجدل الدوناتي (Donatist)، والحركات الفكرية المختلفة مثل الغنوصية (Gnosticism) والمرقيونية (Marcionism) شارحًا للمعتقدات الرئيسة لكل هرطقة منها ومتتبعًا السياق التاريخي، والنقاط البارزة، وتفنيد أفكارها، ومبينًا أن هذه الجدالات أسهمت مباشرةً في ضرورة صياغة إقرارات إيمانية رسمية مثل قانون الإيمان النيقوي.

الفصل الثاني بعنوان “من الجدل إلى القانون” يتوسَّع توسُّعًا طبيعيًّا انطلاقًا من السياق التاريخيِّ الذي تناوَلَه الفصل الأوَّل، ليركِّز على النزاعات اللاهوتيَّة في القرن الرابع، ولا سيَّما الجدل الأريوسيّ. ويُظهِر الفصل الكيفيَّة التي تداخلَتْ بها السياقات السياسيَّة واللاهوتيَّة، مسلِّطًا الضَّوءَ على دَورِ قسطنطين المحوريِّ في الدعوة إلى انعقاد مَجمَع نيقية. وبتحليلٍ مفصَّل للمباحَثاتِ اللاهوتيَّة الرئيسة، ولا سيَّما حول المصطلح “هوموسيوس” (ὁμοούσιος؛ أي من الجوهر نفسه)، يوضِّح الفصل سببَ كَونِ الوضوحِ العقائديِّ أمرًا مركزيًّا لضمانِ وَحدة الكنيسة واستقرار الإمبراطوريَّة. وفي هذا السياق، يظهر قانونُ الإيمان النيقويُّ فكانَ استجابةً حاسمةً في مواجهةِ هذه التحدِّيات، مُمهِّدًا الطريق للإيضاحات اللاهوتيَّة اللاحقة.

الفصل الثالث بعنوان “عن الآب”، يرتبط بسلاسةٍ بالفصول السابقة، متناوِلًا الجوانب الأساسيَّة في قانون الإيمان النيقويِّ المتعلِّقة بالله الآب. ويركِّز هذا الفصل على فهْمِ ألوهيَّة الآب وعلاقته بالابن والروح القدس، وهو أمرٌ ضروريٌّ لاستيعاب المقصَد اللاهوتيِّ للقانون استيعابًا تامًّا. ويعالج الفصلُ الفهمَ المغلوطَ الجوهريَّ المتعلِّق بالتوحيد والثالوث، موضِّحًا أنَّ الله واحدٌ في الجوهر، لكنَّه مثلَّث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس. وبالاستعانة بهذه التوضيحات اللاهوتيَّة، يوفِّر الفصل أساسًا متينًا يمكِّن القرَّاءَ من فهْمٍ متكاملٍ للبيانات العقائديَّة التي يُعبِّر عنها قانون الإيمان النيقويّ، ويُعزِّز تقديرَهم للوَحدة والاتِّساق اللاهوتيّ ما بين أقانيم الثالوث.

الفصل الرابع “عن الابن” يواصلُ منطقيًّا من الفهم المؤسَّس عن الآب، ليتعمَّق في دراسة طبيعة المسيح الإلهيَّة البشريَّة. ويردُّ هذا الفصلُ ردًّا مباشرًا على الجدل الأريوسيِّ الذي نوقِش سابقًا، موضِّحًا سبَبَ تشديد قانون الإيمان النيقويِّ على أنَّ الابن “مولود سرمديًّا، غير مخلوق”. وبواسطة دحْضِ مثل تلك المفاهيم اللاهوتيَّة المغلوطة الشائعة، يُبرز هذا الفصل أهمِّيَّةَ التعريفات الكريستولوجيَّة الدقيقة لضمانِ سلامةِ الإيمان القويم. كما يقدِّم الفصلُ تأمُّلاتٍ روحيَّةً تُظهِرُ كيفيَّةَ تأثير الدقَّة اللاهوتيَّة في الحياة المسيحيَّة العمليَّة، مؤكِّدًا أنَّ فَهْمَ العقيدة الصحيحة بدقَّةٍ ينعكِسُ في السلوكِ المسيحيِّ العمليّ.

الفصل الخامس بعنوان “عن الروح القدس”، يواصِلُ مباشرةً المباحَثاتِ في الفصلَين السابقَين حول الآب والابن، مُكمِّلًا الإطارَ الثالوثيَّ لقانون الإيمان النيقويّ. ويُوضِّح هذا الفصل سبَبَ كَونِ الفهمِ الصحيح لأقنوميَّةِ الروح القدس وألوهيَّتِه أمرًا حيويًّا في ما بعد مَجمَع نيقية (post-Nicaea)، وذلك لضَمانِ تكامُلِ الإيمان المسيحيّ وانسجامه. ويُعالِج الفصل أيضًا المفاهيم المغلوطة التي نشأتْ بسببِ الأُطُر اللاهوتيَّة غير الكافية، مُشدِّدًا على أنَّ الدقَّة الثالوثيَّة ضروريَّةٌ لفَهْمٍ راسخٍ للرُّوحانيَّة المسيحيَّة وحياةِ الجماعة الكنسيَّة.

الفصل السادس بعنوان “عن الكنيسة” يُكمِل الدورة اللاهوتيَّة، مستعرضًا الكيفيَّة التي تؤلِّف بها التوكيدات العقائديَّة لقانون الإيمان النيقويِّ هُوِيَّةَ الكنيسةِ ورسالتَها عمليًّا. ويوضِّح هذا الفصل كيف أنَّ لاهوتَ الثالوث في القانون يؤثِّر مباشرةً في الفهم الكنسيِّ (الإكليسيولوجيّ)، مسلِّطًا الضَّوءَ على سِماتِ الكنيسة الأربع: واحدة مقدَّسة جامعة رسوليَّة. وبمعالَجةِ المفاهيم المغلوطة الشائعة بشأن دور الكنيسة، وفحْصِ الممارسات الأساسيَّة، مثل المعموديَّة، يُظهِر هذا الفصلُ الأهمِّيَّةَ العمليَّة المستمرَّة للَّاهوت النيقويّ. ويُبرِزُ استكشافُ موضوعات الأُخرويَّات (الإسخاتولوجيَّة) أنَّ هذه التوكيدات العقائديَّة تحمل آثارًا دائمةً في الحياة المسيحيَّة.

يقدِّم القسمُ الختاميُّ من الكتاب وثائقَ تاريخيَّةً أساسيَّة، مثل مرسوم ميلانو وقانون مَجمَع نيقية، ما يُوفِّر للقرَّاء موادَّ مرجعيَّةً قيِّمةً لمواصلة الدراسة. وبهيكلةِ الفصول بصورةٍ متدرِّجة، بحيث يبني كلٌّ منها على الموضوعات والحُجج السابقة، يعرض هذا الكتاب سردًا مترابطًا شاملًا. ويوضِّح بجلاءٍ أنَّ الصراعات التاريخيَّة، والجدالات اللاهوتيَّة، والحلول الكنسيَّة قد تضافرت معًا لتتجلَّى في الصياغات العقائديَّة الحاسمة لقانون الإيمان النيقويّ، ما أثَّر بعمقٍ في مسارِ المسيحيَّة وممارساتها.

ولا يفوت الكاتب أن يفتح لنا في كل فصل نافذةً أو عدة نوافذ نلتقي فيها مع واحد من أبطال الإيمان الأولين، لنعرف سيرته وتأثيره، وتتعرف على تضحيات بلغت حد الموت لأجل الحفاظ على الإيمان القويم في وجه اضطهادات عنيفة؛ فعلى مدار الكاتب تلتقي مع ترتليان، وقبريانوس أسقف قرطاج، ويوسابيوس القيصري، وغريغوريوس النزينزي، وأثناسيوس، أبي الإيمان القويم… وغيرهم.

ورغم عمق الدراسة التاريخية واللاهوتية لا يترك الكاتب فرصة التلاقي مع الرب، فهو لا يقدم مادةً أكاديمية فقط تهتم بالجداول والمقارنات والخرائط والدراسة اللغوية والسياقية، بل يضعنا أمام صلوات وتأملات حول طبيعة الله الذي نؤمن به، وكيف أن قانون الإيمان يحمل إلينا ثمرة إيمان قويم مستمر ومتواصل من جيل إلى جيل، اجتمع حوله المؤمنون بمختلف أطيافهم، وصلت به الكنيسة في مختلف الأزمنة؛ إذ خاضت في تاريخها في مياه مضطربة من الارتباك والجدالات والتحولات الثقافية، لكن الله كان يقود شعبه بأمانة نحو الوضوح والوحدة.

ويلفت الكاتب انتباهنا إلى ما تواجهه الكنيسة في عصرنا الحالي من تحديات عقائدية وأخلاقية وثقافية تختلف جذريًّا عما واجهه آباء القرن الرابع الميلادي، من مسائل فلسفية وفكرية وإنسانية وأخلاقية؛ مثل العلمانية والتكنولوجيا وهوية الإنسان والجنسانية، والوصاية البيئية… وأن كل هذه القضايا تتطلب تأملًا لاهوتيًّا دقيقًا وتفاعلًا متعمقًا مع الكتاب المقدس، مشيرًا إلى أن القيمة المتبقية لقانون الإيمان النيقوي تكمن ليس فقط في صياغاته العقائدية بل في منهجه ومقاربته النموذجية؛ إذ عندما تواجه الكنيسة تحديات عقائدية ينبغي لها أن تعود دومًا إلى الكتاب المقدس، بوصفه السلطان الأعلى، وأن تخوض في صلاة جماعية مخلصة تطلب فيها إرشاد الروح، وتشارك في حوار متأنٍّ ومتواضع مع المؤمنين الآخرين. لهذا يقدم لنا قانون الإيمان النيقوي مخططًا عامًّا ونموذجًا لاهوتيًّا ومنهجيًّا يوجه الكنيسة في استجابتها الأمينة الكتابية والجماعية إلى التحديات المتجددة في كل عصر، ويساعدنا على حِفْظِ قناعاتنا واستقرارنا وسط حالةِ عدمِ اليقين الثقافيِّ والتحوُّل الحاصل في الأيديولوجيَّات.

يذكرنا هذا الكتاب بالمسؤولية العميقة الملقاة على عاتق كل جيل للحفاظ على وديعة الإيمان الصالحة والتعبير عنها بوضوح والعيش وفقها بنزاهة وتواضع؛ فهو ليس مجرَّدَ دراسةٍ في التاريخ الكنسيّ، بل هو دعوةٌ إلى إعادةِ اكتشافِ كنزٍ من تراث الإيمان يحملُ في طيَّاته وضوحًا إنجيليًّا عميقًا، ما يمنحُ المؤمنين المعاصرين أساسًا راسخًا لبناءِ هُوِيَّةٍ لاهوتيَّةٍ أمينةٍ قادرةٍ على مواجَهةِ الانحرافات العقائديَّة بثباتٍ وشجاعة، وذلك في عالمٍ حيث تزدادُ التحدِّيات، وتطلبُ الكنيسة صوتًا نقيًّا متجذِّرًا في الحقّ.

 

مجمع نيقية بين المصادر القديمة والإضاءات الحديثة قراءة في كتاب: Fontes Nicaenae Synodi (2024)

 اسم الكاتب:جورج إسحق

يُعَدّ مجمع نيقية الأوّل (325م) منعطفًا تاريخيًّا بارزًا في مسار المسيحيَّة، ليس فقط لكونه أوّل مجمع مسكونيّ يجمع الأساقفة من شتى أنحاء الإمبراطورية الرُّومانيَّة، بل لأنَّه شكَّل نقطة تلاقٍ بين الدِّين والسِّياسة، وبين العقيدة والسُّلطة الإمبراطوريَّة. فقد دعا الإمبراطور قسطنطين الكبير إلى عقد المجمع في مدينة نيقية (Nicaea) في بيثينيا، في إطار جهوده لتوحيد الإمبراطورية دينيًّا بعد أن توحّدت سياسيًّا تحت سُلطته.

السَّبب المباشر لانعقاد المجمع كان النَّزاع اللَّاهوتيّ الذي أثاره الكاهن السّكندريّ أريوس، الذي أنكر أزليّة الابن، وعدَّه مخلوقًا أسمى، لكنَّه ليس مساويًا للآب في الجوهر. هزَّ هذا الجدل الكنيسة في الإسكندريَّة، وسرعان ما انتشر منها إلى أنحاء الإمبراطوريَّة، مُهدِّدًا وحدة الكنيسة ومكانتها في المجتمع الرُّومانيّ. ومع ذلك، لم تقتصر أعمال المجمع على القضيَّة الأريوسيَّة، بل تناولت موضوعات تنظيميَّة وطقسيَّة، مثل تحديد موعد الاحتفال بعيد القيامة، ومعالجة الانقسامات المحليَّة كالأزمة الميليتيَّة في مصر، وسنّ عشرين قانونًا كنسيًّا لتنظيم الحياة الكنسية والانضباط الأسقفيّ.

أبرز ما خرج به المجمع كان صياغة “قانون الإيمان النيقاويّ”، الذي أكد أنَّ الابن “ὁμοούσιος τῷ Πατρί”  (مساوٍ للآب في الجوهر). أصبح هذا التَّعريف العقديّ حجر الزَّاويَّة في اللَّاهوت المسيحيّ، وأساسًا لكلِّ المجامع اللَّاحقة التي رسّخت عقيدة الثَّالوث. ومن هنا، لم يكن مجمع نيقية مجرد اجتماع عابر، بل لحظة تأسيسيَّة أعادت رسم ملامح الإيمان المسيحيّ، وأعطت الكنيسة لغة عقديَّة موحدة في مواجهة الانقسامات.

أما عن أثره التَّاريخيّ، فقد كان مزدوجًا: فمن جهة، رسّخ المجمع سلطة الكنيسة الجامعة في تحديد الإيمان، ومن جهة أخرى، أدخل السُّلطة الإمبراطوريَّة طرفًا فاعلًا في النِّزاعات العقديَّة، وهو ما فتح الباب لاحقًا لعلاقة متشابكة بين الكنيسة والدَّولة امتدت قرونًا طويلة. كما أنَّ قرارات المجمع انعكست على تطور الليتورجيَّا، والجدل اللَّاهوتيّ، وبناء الهُويَّات الكنسيَّة، بحيث أصبح نيقية معيارًا يُحتكم إليه في كل جدل عقديّ لاحق.

وعليه، نستطيع القول إنَّ نيقية لم يكن مجرد حدث عقديّ ضيّق، بل كان لحظة تلاقت فيها السِّياسة بالدِّين، والتَّقليد بالابتداع اللَّاهوتي، ما يفسّر استمرار تأثيره حتَّى اليوم. وأنا إذ أكتب هذه القراءة، أجد نفسي أعود إلى نيقية لا باعتباره حدثًا ماضيًا فقط، بل بصفته منعطفًا فكريًّا ما زال يُلقي بظلاله على تاريخ العقيدة المسيحيَّة.

مصادر مجمع نيقية: الكتاب والمُحرِّر

يأتي كتاب Fontes Nicaenae Synodi: The Contemporary Sources for the Study of the Council of Nicaea (304–337)  إضافةً محوريَّةً في ميدان الدِّراسات النّيقويَّة، وذلك لعدة أسباب جوهريَّة. أوّلها أنّه يصدر في لحظة تاريخيَّة ذات دلالة؛ إذ يتزامن مع الذِّكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية (325–2025م)، ما يفتح المجال لإعادة قراءة هذا الحدث المؤسِّس في تاريخ المسيحيَّة بعيون جديدة. وثانيها أنّ الكتاب لا يكتفي بإعادة نشر الوثائق المعروفة، بل يسعى إلى جمع النُّصوص المُعاصرة للمجمع (رسائل، قوانين، مراسيم إمبراطوريَّة، نصوص لاهوتيَّة) وترتيبها في إطار زمني يغطي من عام 304 حتى وفاة قسطنطين في 337م، وهو نطاق زمنيّ أوسع من معظم المراجع الكلاسيكيَّة.

في رأينا، تكمُن أهميَّة العمل أيضًا في منهجيَّته النَّقديَّة؛ فهو يوفّر نصوصًا باليونانيَّة واللَّاتينيَّة والسّريانيَّة مصحوبة بترجمة إنجليزيَّة حديثة، مع هوامش نقديَّة دقيقة توضّح اختلافات المخطوطات. هذه المقاربة المزدوجة تمكّن الباحث من التَّعامل مباشرة مع المادة الأصليَّة، وفي الوقت ذاته تتيح للقارئ غير المختص في اللّغات القديمة الوصول إلى مضمون النُّصوص. من وجهة نظري، يشكّل هذا توازنًا نادرًا بين الصَّرامة الأكاديميَّة والانفتاح على جمهور أوسع من القُرَّاء.

كما يتميّز الكتاب كذلك بإعادة ربط النُّصوص الجديدة بالرُّموز المرجعيَّة التي استخدمها هانز أوبتز  Hans-Georg Optiz في عمله الكلاسيكيّ وثائق تاريخ النِّزاع الأريوسيّ  Urkunden zur Geschichte des Arianischen Streites المنشور بين 1934-1935م. هذه الخطوة ليست تفصيلًا تقنيًّا فحسب، بل هي جسرٌ يربط بين الدِّراسات التَّقليديَّة والدِّراسات الحديثة، ويتيح للباحثين مقارنة مباشرة بين النُّصوص كما حُفظت في القرن العشرين وبين إعادة تحريرها وَفق معايير القرن الحادي والعشرين.

من هنا، يمكن القول إنَّ أهميّة Fontes Nicaenae Synodi  تتجاوز مجرد كونه تجميعًا جديدًا للمصادر؛ فهو مشروع لإعادة كتابة تاريخ نيقية من خلال نصوصها الأولى، بمنهج نقديّ يوازن بين التَّحقيق العلميّ والدِّراسة التَّاريخيَّة–اللَّاهوتيَّة. ولهذا فإن الكتاب يُعدّ اليوم مرجعًا لا غنى عنه لكلِّ دارس لتاريخ المجامع المسكونيَّة، وعقيدة الثَّالوث، وتاريخ الكنيسة في القرن الرَّابع، بل وأداة قيِّمة للباحثين العرب الذين يسعون إلى إعادة قراءة نيقية في سياقهم المحلي.

يحمل الكتاب عنوان: Fontes Nicaenae Synodi: The Contemporary Sources for the Study of the Council of Nicaea (304–337)، وقد حرّره Samuel Fernández Eyzaguirre ونشرته دار Brill-Schöningh في بادربورن – ألمانيا عام 2024. صدر في نسختين: إلكترونيَّة في يونيو، ومطبوعة في يوليو، وجاء في حوالي 302 صفحة، متضمّنًا نصوصًا أصليَّة في اليونانيَّة واللَّاتينيَّة والسّريانيَّة مع ترجمات نقديَّة إلى الإنجليزيَّة. أتى نشر الكتاب في إطار الاستعداد لإحياء الذكرى الـ 1700 لانعقاد مجمع نيقية عام 2025، ما يضاعف من قيمته الأكاديمية والاحتفاليَّة.

من اطلاعنا على بيانات النشر، نجد أنَّ الكتاب يعبّر عن مرحلة جديدة في تحرير مصادر نيقية، حيث يجمع بين الدِّقة الأكاديميَّة والقدرة على الوصول إلى جمهور أوسع من الباحثين بفضل التَّرجمة الإنجليزيَّة. لعلَّنا نراه قريبًا في ترجمة عربيَّة رصينة تليق بالعمل، وتروي عطش القارئ والباحث العربيّ!

أمَّا عن مُحرِّر العمل صموئيل فرنانديز Samuel Fernández  فهو أحد أبرز الباحثين في مجال لاهوت القرون الأولى. يعمل فرنانديز أستاذًا في جامعة كاثوليكيَّة في تشيلي، سِيمَ كاهنًا عام 1992، وحصل على الدكتوراه في اللَّاهوت وعلوم آباء الكنيسة من معهد أوغسطينوس لآباء الكنيسة في روما عام 1997. وهو حاليًا محاضر دائم في كلية اللَّاهوت بالجامعة البابويَّة الكاثوليكيَّة في تشيلي، وكان عميدها بين عامي 2004 و2009. تشمل مجالات بحثه الأصول السَّكندريَّة، وتاريخ التَّفسير الآبائيّ، وأزمة الأريوسيَّة في القرن الرَّابع، وتطور اللَّاهوت الثَّالوثيّ. كرّس جزءًا من بحثه لمراجعة وترجمة نصوص آبائيَّة، مثل كتاب “في المبادئ الأولى” لأوريجانوس (2015)، و”رسالة المجمع” لهيلاري بواتييه (2019)، و”في المجمع” لأثناسيوس (2019)، والأعمال اللَّاهوتيَّة لمارسيلو الأنقيريّ -أسقف أنقرة ق.4 (2022). باحث مسؤول عن خمسة مشاريع لمؤسسة فونديسيت، ومؤلف مقالات علميَّة منشورة. ويهتم خصوصًا بتراث أوريجانس وأزمة الأريوسيَّة وكتابات أثناسيوس وهيلاريوس. وقد تميّزت أعماله السَّابقة بالمنهج النَّقديّ الصَّارم، الذي يسعى لإعادة النُّصوص إلى لحظتها التَّاريخيَّة بعيدًا عن التَّفسيرات المتأخرة.

من سيرته، أرى أنَّ مُحرِّر Fontes Nicaenae Synodi  يمثل جيلًا جديدًا من الباحثين الذين يحاولون ربط النَّقد النَّصيّ بتاريخ الفكر، وهو ما يجعل عمله أكثر حيويَّة من مجرد تحرير تِقنيّ.

بنية الكتاب ومحتواه

يتألف الكتاب من مقدِّمة منهجيَّة تحدّد إطار الفترة 304–337 (من أزمة الميليتيان إلى وفاة قسطنطين)، ثمّ قسم النُّصوص الذي يجمع الرَّسائل والقوانين والعقائد والمراسلات الإمبراطوريَّة. وتُقدَّم هذه النُّصوص بلغاتها الأصليَّة مع ترجمة إنجليزيَّة موازية وهوامش نقديَّة توضّح الفروق بين المخطوطات. يُختتم العمل بببلوجرافيا وفهارس دقيقة، كما يضيف المُحرِّر جداول مقارنة تربط النُّصوص الحديثة بالرُّموز التَّقليديَّة (Urk./Dok.)  المستعملة في طبعات Opitz، مما يُسهِّل على الباحثين المُعاصرين عمليّة المقارنة.

لا يخدم هذا التَّرتيب -في رأينا- الباحث المُختصّ فحسب، بل يفتح المجال أمام القارئ الأكاديميّ العامّ لفهم الخلفيَّات التَّاريخيَّة واللَّاهوتيَّة بطريقة منظَّمة.

تُثير قراءة المصادر الأولى لأي مجمع مسكونيّ تحديات منهجيَّة. فالنُّصوص ليست مُحايدة، بل نتاج صراعات داخليّة، وغالبًا ما نُقلت عبر تقاليد لاحقة تحمل أبعادًا تفسيريَّة خاصّة. هنا يبرز سؤال المنهج: هل نقرأ نصوص نيقية من خلال عدسة أثناسيوس وسُقراطس،[1] أم نحاول العودة إلى سياقها الأصلي؟

يقدِّم Fontes Nicaenae Synodi  محاولة للإجابة عن هذا السُّؤال عبر إعادة النُّصوص إلى لحظة إنتاجها (iuxta propria principia). ومن زاويتي كباحث، أرى أنَّ هذا المنهج يُعيد الاعتبار إلى صوت المعاصرين، ويجنبنا الوقوع في أسر الرِّوايات اللّاهوتيَّة اللاحقة التي أعادت صياغة المجمع لصالح أطراف معينة.

ولعل من أبرز إسهامات العمل هي اتساع نطاق التَّغطية فيه، ليشمل قضايا غير الأطروحات الأريوسيَّة، مثل الانقسام الميليتيّ،[2] واعتماد منهج نقديّ يُعيد قراءة النُّصوص في ضوء سياقها الأصليّ، وتقديم ترجمات حديثة تساعد الباحثين غير المُختصّين في اللّغات القديمة، فضلًا عن توفير أدوات مقارنة دقيقة مع المراجع الكلاسيكيَّة.

في الحقيقة، لا يمكن فهم قيمة كتاب مثل Fontes Nicaenae Synodi  إلّا من خلال إدراك الأثر البعيد لمجمع نيقية. فقد أسس هذا المجمع لإطار عقديّ ظلّ معيارًا للإيمان: ألوهيّة الابن، وحدة الجوهر مع الآب، وإدانة المذاهب المعارضة. ومن هنا، صار قانون الإيمان النِّيقاويّ حجر الزَّاوية في كلِّ الصِّراعات العقديَّة اللَّاحقة، من القسطنطينيَّة (381م) إلى مجمع خلقيدونيَّة (451م).

تتيح قراءة المصادر المعاصرة لنا أن نفهم كيف تبلورت هذه العقائد في لحظتها التَّاريخيَّة، ليس من خلال عدسة اللَّاهوت اللَّاحق فحسب. نرى أنَّ هذا البُعد يعيد إلى الباحث المعاصر القدرة على التَّمييز بين ما هو أصيل في نيقية وما أُضيف لاحقًا عبر قرون.

مقارنة مع العمل الكلاسيكيّ لأوبتز

يبقى عمل Hans-Georg Opitz (1934–1935) علامة بارزة في تاريخ الدِّراسات النِّيقاويَّة، إذ جمع في إطار مشروع Athanasius Werke  وثائق الصِّراع الأريوسيّ، وأمدّ الباحثين بنصوصٍ أصبحت المرجع الأساس لعقود. غير أنّ مقارنته بعمل Fernández تكشف فروقًا جوهرية، ففي حين ركّز أوبتز حصريًّا على النِّزاع الأريوسيّ، بينما توسّع فرنانديز ليغطي الفترة الأوسع (304–337). كما ظلّ منهج أوبتز وفيًّا للتَّحرير التَّقليديّ اعتمادًا على ما كان متاحًا من مخطوطات آنذاك، في حين استفاد فرنانديز من النَّقد النَّصيّ الحديث وقدَّم ترجمات وهوامش توضيحيَّة تسهِّل إعادة قراءة النُّصوص.

تتَّضح قوّة عمل فرنانديز عند النَّظر في تفاصيل نصّيَّة مُحدَّدة. ففي رسالة أريوس إلى يوسابيوس النِّيقوميديّ، يورد أوبتز الصِّيغة: « υἱὸς ξ οκ ντων στίν»، بينما يُثبت فرنانديز قراءة تبدو أوسع: « υἱὸς ξ οκ ντων γεγονέναι φησί»؛ أي إنَّ الابن “قد صار” من العدم، وهو تفصيل يعكس بدقة موقف أريوس.

الأمر ذاته يظهر في مرسوم قسطنطين بعد المجمع. ينقل أوبتز عبارة مختصرة: «να μόνοια τς κκλησίας διαμείν»، أي “لتبقى وحدة الكنيسة”. أما فرنانديز فيعتمد صيغة أكثر ثراءً تقول: «να τ μόθυμον κα ερήνη τς κκλησίας φυλάττοιτο»، أي “ليُحفظ اتحاد الرُّوح وسلام الكنيسة”. الفارق في اللَّفظ يكشف عن أبعادٍ سياسيَّة–لاهوتيَّة ربما لم يلتقطها أوبتز.

حتَّى في قانون الإيمان النِّيقاويّ نفسه، ورغم تطابق عبارة «μοούσιον τ Πατρί»، يُظهر فرنانديز تفاصيل نصّيَّة طفيفة مثل أداة الرَّبط «δ» في «ναθεματίζομεν δ τος λέγοντας» هذه الإضافة الصَّغيرة تُلمِّح إلى أنَّ هذه النُّصوص لم تكن جامدة، بل عاشت في تقاليد متعدِّدة.

ختامًا نقول،

لم يكن لمجمع نيقية أثر عالمي فحسب، بل ترك بصمته بعمق في مصر. حيث كانت الإسكندريَّة مركز النِّزاع الأريوسيّ، ومنها خرجت الصِّياغة اللَّاهوتيَّة التي دافع عنها القدِّيس أثناسيوس الرَّسوليّ. كذلك، تزامن المجمع مع الأزمة الميليتيَّة في مصر، وهو ما يجعل دراسة نصوص هذه الفترة كما في هذا العمل دراسةً أساسيَّةً لفهم التَّاريخ القبطيّ. لذا نرى أنَّ هذا البُعد المصريّ يجعل من الكتاب مرجعًا مُهمًّا للباحث العربيّ عامَّة، والمصريّ خاصّةً، إذ يربطنا مباشرة بمصادر تعكس جذور تراثنا الكنسيّ. ونؤكِّد أنَّ ترجمته أو دراسته بالعربيَّة ستسهم في إعادة إحياء التُّراث المسيحيّ العربيّ-القبطيّ.

في الأخير نقول، إنَّ هذا العمل يمثل إضافة ثريَّة للمكتبة الأكاديميَّة، لأنه لم يكتفِ بتقديم النُّصوص فحسب، بل يعيدها إلى سياقها التَّاريخيّ، ويضعها في مقارنة منهجيَّة مع طبعات سابقة. من هنا، أرى أن الجمع في القراءة بين هذا العمل وعمل أوبتز -على سبيل المثال- يضمن للباحثين صورة أشمل وأكثر توازنًا. أمَّا في السِّياق المصريّ، فإن قيمة هذا الكتاب لا تقتصر على البحث الأكاديميّ فحسب، بل تنسحب إلى التَّعليم الكنسيّ واللَّاهوت العمليّ، إذ يساعد على ربط الحاضر بجذور العقيدة الأولى.

لائحة المراجع

Ayres, Lewis. Nicaea and Its Legacy: An Approach to Fourth-Century Trinitarian Theology. Oxford: Oxford University Press, 2004.

“Documents Concerning the Melitian Schism.” FourthCentury.com. Accessed September 6, 2025. https://www.fourthcentury.com/documents-concerning-the-meletian-schism.

Fernández, Samuel. ed. Fontes Nicaenae Synodi: The Contemporary Sources for the Study of the Council of Nicaea (304–337). Paderborn: Brill | Schöningh, 2024.

“First Council of Nicaea (325).” Encyclopaedia Britannica. Accessed September 03, 2025. https://www.britannica.com/event/First-Council-of-Nicaea-325.

Opitzو Hans-Georg. Urkunden zur Geschichte des arianischen Streites. Athanasius Werke, vols. 3.1–2. Berlin: De Gruyter, 1934–1935.

[1] سُقراطس القسطنطينيّ (Socrates Scholasticus، نحو 380–بعد 439م) مؤرخ كنسيّ وُلِد في القسطنطينيّة، واشتهر بكتابه التَّاريخ الكنسيّ في سبعة كتب، الذي استأنف فيه عمل أوسابيوس القيصريّ وغطّى أحداث القرن الرَّابع وأوائل الخامس، ويُعدّ من أهم مصادر الجدل النِّيقاويّ وما بعده.

[2] ظهر الانقسام الميليتيّ في مصر أوائل القرن الرَّابع بقيادة ميليتيوس أسقف ليكوبوليس، بسبب خلافه مع بطرس السَّكندريّ حول إعادة قبول المرتدين في الاضطهاد الكبير 303-311م؛ وقد أدان مجمع نيقية (325م) حركته وسمح له بالاحتفاظ بلقبه الأسقفيّ مع تقييد سلطاته، لكن الانقسام استمر وتداخل لاحقًا مع النزاع الآريوسيّ.

 

مجمع نيقية: نهاية أم بداية؟

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: القس مدحت فايز

مقدمة

ربما ليس في تاريخ الكنيسة حدث أكثر شهرة من المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م، تلك اللحظة التي استطاعت فيها الكنيسة، بمعونة الروح القدس، أن تتأمل في أساس إيمانها، وأن تتناقش وتجادل، وتصدر إقرارا حفظ الإيمان المسيحي، وأصبح أرضية راسخة لكل النقاشات اللاهوتية اللاحقة. لذلك، ونحن نحتفل اليوم بذكرى مرور 1700 عام على هذا الحدث، ندرك أن مجمع نيقية لا يزال يمثل أساسًا للكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية الواحدة، كما يمثل إقرار إيمان نيقية إطارًا لاهوتيًّا تتفق عليه الكنائس على اختلاف عقائدها وطوائفها. ولهذا، فهناك قيمة عظمى في الاقتراب من تاريخ هذا المجمع ومحاولة فهمه بطريقة أدق وأعمق، لعل ذلك يكون سببًا في مساعدتنا على التعامل مع قضايانا اللاهوتية المعاصرة، بالإضافة إلى أنه يساعدنا على بناء جسور بين الطوائف المسيحية المختلفة وخلق إطار لاهوتي مسكوني حقيقي.

والسبيل أمامنا للاقتراب من مجمع نيقية هو أن نفهمه في ضوء الخلفية اللاهوتيّة والتاريخيّة والسياسيّة للمسيحيين في القرن الرابع. فقد مثّل الربع الأوّل من القرن الرابع الميلادي نقطة تحوّل كبيرة في حياة الكنيسة. فبعد أن بدأ القرن الرابع باضطهاد شديد للكنيسة على يد الإمبراطور دقلديانوس، فيما يُعرف باسم “الاضطهاد الكبير” (303–311م)، والذي عزم فيه دقلديانوس على القضاء التام على الكنيسة، فدمّر المباني الكنسيّة، وأحرق الكتب المقدّسة، وسجن وقتل الأساقفة-جاء الإمبراطور قسطنطين ليعلن بداية عصر جديد للكنيسة. وقد بدأ ذلك العصر بمرسوم ميلان عام 313م، الذي أعلن فيه الإمبراطور قبول المسيحيّة ديانةً قانونيّة، وأعاد الممتلكات المصادَرة إلى الكنيسة، وأطلق سراح الأساقفة من السجون.

ولذلك، لم يكن المسيحيون يتصوّرون أنّه بعد سنوات قليلة ستواجه الكنيسة تهديدًا أشدّ خطورة من تهديدات الأباطرة، وحربًا أكثر ضراوة من الاضطهاد، مما ستسبب في اضطراب الكنيسة في كل العالم لمدة تزيد على نصف قرن؛ فقد كان التهديد هذه المرة من داخل الكنيسة نفسها، إذ اندلعت الحرب بين الأساقفة بعضهم مع بعض بسبب الجدال المعروف باسم “الهرطقة الأريوسيّة”.

  • بداية الصراع مع أريوس

تبدأ المرحلة الأولى من الجدل على يد أريوس، وهو كاهن ليبيّ الأصل كان مسؤولًا عن كنيسة في حي بوكاليس بالإسكندرية القديمة في مصر. وبحسب رواية أبيفانيوس، فقد عُيِّن أريوس في منصبه في زمن البابا بطرس، الذي استُشهد في الاضطهاد عام 311م. ويقول أبيفانيوس إن أريوس عُرف برقة أسلوبه في الكلام، مما جعله مقنعًا وجاذبًا للسامعين، وكان مسؤولًا عن تفسير الكتاب المقدس في كنيسته (The Panarion of Epiphanius of Salamis, 3.1).  ويقترح روان وليامز أنه من خلال المصادر التاريخية يمكن تتبّع نشاط أريوس العلني إلى ما قبل عام 313م، وأنه كان نشطًا في الخدمة في الإسكندرية لمدة عقد قبل بداية الخلاف (Rowan Williams, Arius: Heresy and Tradition, 32).

يرجّح الباحثون أن الخلاف بدأ رسميًّا عام 318م، وتمحور الجدال حول الصياغة اللاهوتية الصحيحة لوصف طبيعة أقنوم الابن وعلاقته بالله الآب. كان هناك مجموعتان رئيسيتان في هذا الجدل: مجموعة تناصر أريوس، ومجموعة تتبع البابا ألكسندروس، أسقف الإسكندرية في ذلك الوقت. وقبل أن نناقش آراء أريوس اللاهوتية، يجب أن ننظر إلى الوضع الكنسي داخل الإسكندرية في ذلك الوقت. فإذا أخذنا رواية أبيفانيوس على محمل الجد، فإن أريوس كان له أتباع كثيرون؛ إذ نجح “في جذب سبعين عذراء من الكنيسة دفعة واحدة، كما استمال سبعة من القسوس واثني عشر شماسًا” (Epiphanius of Salamis, 3.1). وفي خطابه الأول للأسقف ألكسندروس، يضع أريوس قائمة بالكهنة والشمامسة والأساقفة الذين يساندون موقفه اللاهوتي (خطاب أريوس إلى البابا ألكسندروس، 6). كما أن أريوس كان قادرًا على صياغة أفكاره اللاهوتية في صورة أشعار وأناشيد وترانيم حققت له شعبية بين عامة المسيحيين. وبغضّ النظر عن عدد التابعين لأريوس، فمن الواضح أنه استطاع جذب عدد كافٍ جعل الخلاف يتحوّل إلى تهديد حقيقي لوحدة الكنيسة في الإسكندرية.

أفكار أريوس

ما هي إذًا تعاليم أريوس التي كانت شرارة اشتعال هذا الجدل؟ لقد تم التخلّص من معظم كتابات أريوس، ولذلك يعتمد الدارسون فقط على الخطابات التي كتبها، والتي، على الرغم من قلتها، إلا أنها كافية لتعطينا فكرة واضحة عن أفكاره. ففي خطابه إلى يوسابيوس أسقف نيقوميديا، يشرح أريوس عقيدته عن أقنوم الابن، فيقول: “الابن ليس أزليًّا (غير مولود)، ولا يُعتبر جزءًا من الله الأزلي… لكنه موجود بمشيئة وإرادة الله قبل الأزمنة والدهور، مملوء من الحق والنعمة، إله، الابن الوحيد غير المتغيّر. وقبل أن يولد أو يُخلق لم يكن موجودًا، لأنه غير أزلي. فالابن له بداية، بينما الله ليس له بداية” (خطاب أريوس إلى أوسابيوس 3–4). يبدو من نص الخطاب أن النقطة الأساسية التي يهمّ أريوس الحفاظ عليها هي وحدانية الله وفردانيته. وفي خطابه إلى ألكسندروس، يصف أريوس الله بهذه الكلمات: “نُقِرّ بإلهٍ واحد، وحده غير مولود، وحده سرمدي، وحده بلا بداية، وحده الإله الحق، وحده الذي له عدم الموت، وحده الحكيم، وحده الصالح، وحده السيد، الديّان على الجميع، الحاكم والمدبّر، الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل، العادل والصالح، إله الناموس والأنبياء والعهد الجديد”. بينما يؤمن أن الابن: “ليس أزليًّا، ولا مساوٍ للآب في الأزلية، ولا شريكًا له في عدم الولادة، كما أنه لا يشترك مع الآب في الوجود” (خطاب أريوس إلى ألكسندروس 2–4).

فالله، وفق فهم أريوس، هو الكائن الوحيد الأزلي (الذي ليس له بداية)، البسيط، غير المركب، وغير القابل للتجزئة أو الانقسام. وهو أيضًا الكائن الوحيد الحر بشكل كامل، وهو وحده مصدر كل شيء. وبالتالي، فإن التعليم بأن الابن أيضًا كائن منذ الأزل يعني، إما أن هناك إلهين، أو أن الله غير بسيط ويمكن أن ينقسم إلى جزأين: أب وابن. وعليه، اعتقد أريوس أنه لا يمكن التعليم بأن الابن غير مخلوق، بل هو مخلوق قبل كل الدهور، ومخلوق بإرادة الله. وقد استخدم أريوس الجملة الشهيرة: كان هناك وقت لم يكن الابن موجودًا فيهكشعار للاهوته.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن كثيرين يعتقدون أن هرطقة أريوس كانت في تعليمه بأن الرب يسوع ليس إلهًا، وإنما هو مجرد إنسان مثل باقي البشر، وقد اختاره الله لينقل رسالته، شأنه شأن باقي الأنبياء. وقد انتشرت هذه الفكرة بشكل خاص بعد نشر روايات مثل عزازيل للكاتب يوسف زيدان، وشفرة دافنشي لدان براون. إلا أن القراءة الدقيقة لأفكار أريوس تؤكد أنه لم يدّعِ أن يسوع هو مجرد إنسان، بل اعتقد أن للابن مكانة متوسّطة بين الله والخليقة: “فهو مخلوق، لكن ليس كواحد من الخليقة”، بل يصفه بأنه “خليقة الله الكاملة” (خطاب أريوس إلى ألكسندروس، 2.) ويشرح خالد أنطونيوس أنه حتى لو أقرّ أريوس بوجود الثالوث في طبيعة الله، فإنّه بالنسبة له يوجد جوهر أو أقنوم واحد منهم يمثّل الله بشكل كامل وحقيقي، وأن الوحدة بين الأقانيم الثلاثة هي وحدة في الإرادة، وليست وحدة في الجوهر. وبناءً على ذلك، يمكن الجمع بين ألوهية الابن، وفي الوقت نفسه التأكيد على وجود اختلاف في درجة الألوهية بين الأقانيم الثلاثة )Anatolios, Khaled. Retrieving Nicaea: The Development and Meaning of Trinitarian Doctrine, 48)

تفسير الكتاب المقدس

قبل الخوض في تفاصيل المجمع من المهم أن ندرك العلاقة بين هذا الجدال والكتاب المقدس؛ لأن الهرمنيوطيقا (علم التفسير) من أهمِّ المفاتيح لفهم طبيعة وأصل هذا الجدل اللاهوتي، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بكيفية تفسير الكتاب المقدَّس. ويرجِّح كثيرٌ من الباحثين أنَّ المشكلة بين أريوس وألكسندروس كانت، في جوهرها، مشكلةً تفسيرية. ويتَّضح ذلك على وجه الخصوص إذا علمنا أنَّ أريوس كان مسؤولًا عن تفسير نصوص الكتاب المقدَّس في الكنيسة. ففي قلب الصراع كانت تكمن إشكاليةٌ حول كيفية التعامل مع النصوص الكتابية التي تشير إلى المسيح بصفاتٍ بشرية؛ إذ لم يقبل أريوس أن يكون الابن -الذي تجسَّد، ووُلِد، وجاع، وعطش، وتعب، وصُلِب، ومات- في ذات مرتبة الألوهية مع الله، الذي هو بلا جسد، ولا يتعب، ولا يكل، ولا يموت. ومن أكثر النصوص التي استُخدمت في ذلك السياق ما ورد في سفر الأمثال 8: 22: “الرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ”. ولعلَّ القارئ المعاصر يتعجَّب من كون هذا النص سببًا في جدلٍ لاهوتيٍّ كبير حول الثالوث الأقدس وعلاقة الابن بالآب. غير أنَّه في الكنيسة المبكرة، كان هناك تقليدٌ راسخ يرى أنَّ نصوص الحكمة في سفر الأمثال، ولا سيَّما التي تُشخَّص “الحكمة”، تشير إلى الأقنوم الثاني، أي الابن. وتكمن الإشكالية التفسيرية هنا في فعل “قَنَانِي”، الذي تُرجم في النسخة السبعينية إلى الفعل اليوناني ἔκτισέν (خلقني). وبالنسبة لأريوس وأتباعه، فإنَّ استخدام هذا الفعل يعني بالضرورة أنَّ الابن مخلوق، أي أنَّه أوَّل خليقة الله، وبالتالي لا يمكن أن يكون مساويًا لله في الجوهر؛ إذ لا يمكن، بحسب منطقهم، أن يتساوى الخالق مع المخلوق. )Young, Frances M. Exegesis and Theology in Early Christianity., 107.)

وقد أدرك أنصار نيقية خطورة هذا التحدي، فاجتهد القديس أثناسيوس الرسولي، خليفة البابا ألكسندروس على كرسي الإسكندرية، في دحض التفسيرات الأريوسية للنصوص الكتابية وتقديم تفسير أرثوذكسي لها. ويقول في رسالته الأولى ضد الأريوسيين: “لكن بما أنهم يتعلّلون بالأقوال الإلهية، ويفرضون عليها تفسيرًا منحرفًا، محرّفين إياها بحسب فكرهم الخاص، صار من الضروري أن نرد عليهم لكي تُثبَت صحة الأقوال الإلهية، ونُظهر أنها تحوي الفكر المستقيم، بينما أولئك يفكرون تفكيرًا ضالًّا” (أثناسيوس، المقالة الأولى ضد الأريوسيين، 37). وكانت الاستراتيجية الأساسية لأثناسيوس هي ما يُسمّى بـ”التفسير الجزئي”، أي اعتبار النصوص محل الجدل إشارة إلى المسيح المتجسد، لا إلى جوهر طبيعته الإلهية في ذاته. فعلى سبيل المثال، يرى أن الفعل “قناني” في سفر الأمثال 8: 22، يشير إلى التجسد، لا إلى كينونة الابن الأزلية، إذ يقول في تفسيره لهذا النص: “لأن الكلمة هنا لم يتحدث من خلال سليمان مشيرًا إلى جوهر الألوهة، ولا إلى ميلاده الأزلي والحقيقي من الآب، بل يشير إلى ناسوته وعمل تدبير خلاصنا”. وخلاصة الأمر أن هذه النصوص كلّها تشير إلى حدث التجسد، كما قال أثناسيوس: “فلو لم يكن قد صار إنسانًا، لما كانت هذه الأقوال تُقال عنه” (أثناسيوس، المقالة الثانية ضد الأريوسيين،44).

في عام 319-320م، عَقَدَ ألكسندروس مجمعًا محليًّا في الإسكندرية بحضور نحو مئة أسقف من مصر وليبيا. وقد تمسّك المجمع بتعليم البابا ألكسندروس ورفض تعاليم أريوس وأتباعه، وعزلهم من الكنيسة. وعلى الرغم من أن مجمع الإسكندرية كان حاسمًا في الوقوف ضد أريوس وتعاليمه، إلا أنه لم ينجح في إنهاء الجدل. فاستمر أريوس وأتباعه في نشر أفكارهم في الإسكندرية وخارجها. وهناك عدة أسباب ساهمت في استمرار الجدل منها:

  1. يبدو أن سلطة بابا الإسكندرية على الكنيسة في مصر وليبيا لم تكن قد ثبتت بنفس القوة التي ستتحقق لاحقًا على يد خلفائه من الباباوات أثناسيوس، وثاوفيلوس، وكيرلس في القرنين الرابع والخامس. يوضح الأب جون بيير أن المجتمع الكنسي في مصر كان لا يزال يعاني من الانشقاق المليتي، الذي بدأ بين البابا بطرس والأسقف مليتوس من ليكوبوليس (أسيوط). ويعتقد بعض الدارسين أن أريوس قد انضم إلى مليتوس لدعم موقفه اللاهوتي. كما كان هناك صراع بين أسقف الإسكندرية والكهنة داخل المدينة، حيث حاول بعضهم التصرف باستقلالية عن البابا. ) Behr, John. The Nicene Faith: Formation of Christian Theology, Volume 2. , 62.) وربما كان القانون السادس من قائمة القوانين الملحقة بمجمع نيقية، والذي ينص على الإقرار قانونيًّا بالتقليد القديم المتعلق بسيادة أسقف الإسكندرية على مناطق مصر وليبيا والمدن الخمسة، قد وُضع خصيصًا لمساعدة كنيسة الإسكندرية على مواجهة هذا الأمر. (قوانين نيقية، 6).
  2. السبب الثاني، والأهم، هو أن أريوس كان قادرًا على التواصل مع مجموعة من الأسماء المهمة والمؤثرة في المشهد الكنسي في ذلك الوقت، وعلى رأسهم يوسابيوس أسقف نيكوميديا وآخرون. الذين إما دعموا موقفه اللاهوتي مباشرةً، أو لم يكونوا مقتنعين بموقف الإسكندرية بشكل كافٍ. ولذلك، ما بدأ جدلًا محليًّا تحوّل إلى جدل عام في الإمبراطورية كلها، وخاصة في الجزء الشرقي منها.
  3. السبب الثالث هو تدخل الإمبراطور قسطنطين في الأمر؛ فمنذ أن أصبح قسطنطين الإمبراطور الأوحد على الإمبراطورية الرومانية، أولى اهتمامًا خاصًّا بالمسيحية، ورأى أن من واجبه التدخل للتوصل إلى حل لهذا الصراع. كان هدف الإمبراطور الأساسي الحفاظ على وحدة الكنيسة في الإمبراطورية، وما قد تحققه هذه الوحدة من سلام واستقرار سياسي. من ناحية أخرى، لم يفهم قسطنطين أهمية الخلاف اللاهوتي بين أريوس وألكسندروس، فأرسل لهما خطابًا عام 324م موضحًا أنه يرى هذا الخلاف “بلا أهمية ولا يستحق هذا الصراع العنيف”، واعتبره مجرد “خلاف لغوي أحمق”، ورأى أنه من الأفضل عدم الدخول في هذا النوع من “الأسئلة المتهورة”، وبالتأكيد لا يجب أن توضع أمام العامة غير المتخصصين في اللاهوت. (خطاب قنسطنطين إلى ألكسندروس وأريوس، 4-6). ثم أرسل قسطنطين هوسيوس أسقف قرطبة إلى الإسكندرية كوسيط للوصول إلى حل سلمي.

 

الدعوة لمجمع نيقية

عندما فشلت وساطة الإمبراطور في تحقيق هدفها، لم يجد الإمبراطور بدًّا من الدعوة إلى مجمع للأساقفة من كل أنحاء الإمبراطورية لحسم الخلاف بشكل نهائي. ولا بد للقارئ أن يدرك أن فكرة المجامع اللاهوتية لم تكن مبتدعة في تاريخ الكنيسة الأولى؛ فقد نظّمت الكنيسة منذ نشأتها مئات المجامع على المستويين المحلي والدولي. وربما يكمن الفرق الوحيد هنا في أن الدعوة إلى المجمع جاءت من الإمبراطور شخصيًّا، ووجّهت لكل الأساقفة من كل ربوع الإمبراطورية، وهذا ما جعل نيقية المجمع المسكوني الأول. وهناك بعض الملاحظات الهامة التي يجب طرحها قبل مناقشة نتائج المجمع:

  1. كان مجمع نيقية البداية الأولى للشكل الجديد والمعقّد لعلاقة الإمبراطورية بالكنيسة. فقد أصبح قسطنطين الإمبراطور الأوحد على كل الإمبراطورية الرومانية عام 324م، وبالتالي، بدعوته لمجمع نيقية عام 325م، أكد على سلطته الروحية بصفته ممثلًا لله على الأرض، ليس فقط في الأمور المادية، بل أيضًا في الأمور الروحية. وكان قسطنطين نفسه حاضرًا في الجلسة الافتتاحية في 20 مايو 325م. ويصف يوسابيوس المؤرخ الكنسي، الذي كان شاهد عيان على فعاليات المجمع، قسطنطين وكأنه ملاك سماوي من الله، داخلًا للمجمع كمحارب وكان يجلس على كرسي ذهبي في وسط الأساقفة. (Eusebius, Life of Constantine, 3.10). وعلى الرغم من إعلان قسطنطين أنه لن يتدخل في قرارات المجمع، إلا أنه كان بالتأكيد مؤثرًا فيها. ومن الناحية العملية، اختبر الأساقفة لأول مرة مباركة الإمبراطورية، إذ أرسل لهم الإمبراطور العربات والخيول لنقلهم إلى مقر المجمع، واستقبلهم في قصره وأغدق عليهم الهدايا. يصف الدكتور القس حنا الخضري مشهد الأساقفة قائلًا: “وكم كان المنظر غريبًا وعجيبًا ومدهشًا، بل مؤثرًا للغاية عندما اجتمع هؤلاء الأساقفة، وكان يعرض بعضهم على بعض التشوهات الجسدية، وآثار الجروح والضربات والجلدات التي تركتها فترة الاضطهادات العنيفة القاسية. والآن كل شيء قد تغيَّر بل إن الإمبراطور نفسه حاضر معهم يأمر جيشه بحراستهم والعناية بهم” (حنا الخضري، تاريخ الفكر المسيحي، ج2، 626.) لكن كانت تلك الخطوة بداية لتدخل الأباطرة الرومان في مسار وقرارات المجامع الكنسية لاحقًا، وبالذات مع أبناء قسطنطين بعد موته.
  2. كان عدد الأساقفة الحاضرين غير معروف على وجه التحديد. يقول يوسابيوس إن أكثر من 250 أسقفًا كانوا حاضرين، لكن أثناسيوس ومؤرخي الكنيسة في القرن الخامس يقولون إن العدد كان أكثر من 300، وبالتحديد 318 أسقفًا. ومن المرجح أن استخدام رقم 318 هنا كان للربط بعدد المصاحبين لإبراهيم في تكوين 14: 14، وقد ربط بعض آباء الكنيسة من المدرسة الرمزية بين الرقم 318 وعمل المسيح على الصليب (انظر رسالة برنابا). على أية حال، كان هناك أيضًا حاشية مصاحبة لكل أسقف، بالإضافة إلى الإمبراطور وحاشيته، مما قد يجعل عدد الحاضرين حوالي 2000 شخص. وهو عدد كبير جدًّا ويببن اختلاف نيقية عن اي مجمع سابق (David M. Gwynn، Reconstructing the Council of Nicaea, 93).
  3. بجانب الجدال حول طبيعة أقنوم الابن، ناقش المجمع عدة أمور، وأهمها توقيت الاحتفال بعيد القيامة، والانشقاق المليتي داخل كنيسة الإسكندرية. كما كان هناك 20 قانونًا ملحقًا بإقرار إيمان نيقية، وكانت معظم هذه القوانين تهدف إلى تنظيم الكنيسة في ضوء الوضع الجديد بنهاية الاضطهاد. ولصغر مساحة هذه المقالة، سيكون التركيز فقط على إقرار إيمان نيقية وتبعاته بعد انتهاء المجمع.
  4. كان أثناسيوس حاضرًا للمجمع بصفته سكرتيرًا للبابا ألكسندروس، بينما توجد بعض الإشارات إلى أن أثناسيوس كان مشاركًا فعالًا في المجمع نفسه. يعتقد كثير من الدارسين أنه من غير المرجح أن يكون أثناسيوس الشاب، ذو السبعة والعشرين عامًا، قد حظي بفرصة الكلام داخل المجمع، لكن على أي حال، كان لوجود أثناسيوس ومقابلته للأساقفة من جميع أنحاء الإمبراطورية دور هام في تجهيزه لاهوتيًّا وسياسيًّا لتكملة مسيرة نيقية والدفاع عنها.

 

قانون الإيمان النيقاوي

بعد نقاشات لاهوتية استغرقت عدة أسابيع، أصدر المجمع إقرارًا للإيمان يُعرف بـ”قانون الإيمان النيقاوي”. وينص الإقرار على الآتي:

“بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى. نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء. تأنّس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي. تألم وقُبِر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء. نعم، نؤمن بالروح القدس، وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين”.

كما يلاحظ القارئ أن الإقرار، رغم كونه ثالوثيًّا من حيث إقراره بإيمان الكنيسة بالآب والابن والروح القدس، إلا أنه يركز على شخص أقنوم الابن بشكل أساسي. حتى إن الجزء الخاص بالروح القدس في الإقرار يكتفي بالقول: “نؤمن بالروح القدس”، وسيتم تعديله في مجمع القسطنطينية عام 381م. وبالتالي، يركّز الإقرار على علاقة الله الابن بالله الآب؛ فالابن (المولود من الآب قبل كل الدهور) هو مولود غير مخلوق لتأكيد تفرده عن باقي الخليقة. كما أن طبيعته هي نفس طبيعة الآب، فهو نور من نور، إله حق من إله حق. وأخيرًا، لضمان تأكيد هذه الفكرة، يصف الإقرار الابن بأنه مساوٍ للآب في الجوهر، والكلمة اليونانية المُستَخدَمة هنا هي ὁμοούσιον (هوموأوسيوس) والتي تعني “نفس الطبيعة” أو “نفس الجوهر”. وكان الهدف الرئيسي من استخدام هذا المصطلح هو ضمان إدانة أريوس وأتباعه. Lewis Ayres, Nicaea and Its Legacy: An Approach to Fourth-Century Trinitarian Theology. 90

ما بعد نيقية

كان إقرار إيمان نيقية حاسمًا في إدانة أريوس وعزله، وفي تثبيت لاهوت كنيسة الإسكندرية. وقد يتوقع القارئ أن الجدل قد انتهى عند هذه اللحظة، لكن التاريخ يخبرنا أن الفريق الأريوسي، بقيادة يوسابيوس النيقوميدي، نجح في إقناع الإمبراطور قسطنطين بقبول أريوس مرة أخرى. أما الإمبراطور قنسطانطيوس، ابن قسطنطين، فكان أريوسيّ الإيمان، واستعمل سلطته لتغيير صيغة إقرار إيمان نيقية، ولإجبار جميع الأساقفة في الشرق على القبول بالصيغة الجديدة، حتى إن القديس جيروم قال متعجبًا: “لقد استيقظ العالم بأسره وتعجّب حين وجد نفسه أريوسيًّا”. وقد واجه البابا أثناسيوس الرسولي، خليفة البابا ألكسندروس، حربًا شديدة بسبب تمسكه بإيمان نيقية، لا سيما على يد الإمبراطور قنسطانطيوس الثاني، مما أدى إلى نفيه من كرسيه في الإسكندرية خمس مرات. وكانت معظم حياة أثناسيوس مكرَّسة لكتابة الدفاع عن إقرار إيمان نيقية وتفنيد آراء أتباع أريوس.

لكن المشكلة الأكبر بعد نيقية لم تكن مع الأريوسيين، بل كانت بين أتباع نيقية أنفسهم (Behr, 9). فقد كان هناك تيار لاهوتي يرفض لاهوت أريوس لكنه غير موافق على استخدام تعبير “مساوٍ للآب في الجوهر”، ومنهم يوسابيوس القيصري على سبيل المثال. وكان التحديان الكبيران لتعبير “من نفس الجوهر” اللذان سمحا باستمرار الجدل حول علاقة الابن بالآب لمدة نصف قرن تقريبًا وحتى مجمع القسطنطينية هما:

أولًا: تحدٍّ كتابي

مصطلح “من نفس جوهر الآب” غير موجود حرفيًّا في الكتاب المقدس، ولذلك حاول البعض رفضه باعتباره غريبًا عن النصوص المقدسة. يوضح أثناسيوس في دفاعه عن هذا المصطلح أن الآباء في مجمع نيقية حاولوا الاقتصار على المصطلحات الموجودة في الكتاب المقدس، لكنهم لم يستطيعوا إيجاد تعبيرات تبيّن خطأ العقيدة الأريوسية بشكل كافٍ. ومع ذلك، يؤكد أثناسيوس أنه حتى وإن لم تَرِد هذه التعابير بنصها الحرفي في الأسفار المقدسة، فإنها تحوي المعنى نفسه الموجود في تلك الأسفار، وبالتعبير عن هذا المعنى فإنها تنقله إلى الذين لم تتأثر قدرتهم على الإصغاء للعقيدة الصحيحة(Athanasius, De decretis, 21) . ويشرح توماس ف. تورانس الفكرة نفسها قائلًا:

“لهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير -على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة- عن “الحق” الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرّد مقاومة الأثر المدمّر لدخول أنماط من الفكر البشري -التعسفي والاعتباطي- غير المتدين في طريقة “معرفة” الله. هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح “هوموأوسيوس” (ὁμοούσιος) من خارج الكتاب المقدس. ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن “الحقيقة” الكتابية والإنجيلية”. (توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ص 35).

 

ثانيا: تحدٍّ لاهوتي

على الرغم من أن الهدف من استخدام تعبير هوموأوسيوس (ὁμοούσιος) كان التأكيد على ألوهية أقنوم الابن ومساواته لأقنوم الآب، إلا أن هذا التعبير بدا للكثيرين إشكاليًّا. فقد فهمه بعضهم على أنه يشير إلى وجود كائنين إلهيين، مما يتعارض مع عقيدة التوحيد، بينما فهمه آخرون على أنه ينفي أي تمايز بين الآب والابن، وهو ما قاد إلى الهرطقة السابيلية التي نادى بها سابليوس، والتي تقول إن الله الواحد ظهر في ثلاثة أشكال مختلفة: الآب في زمن الخلق، والابن في زمن التجسد، والروح القدس بعد القيامة. ويشير لويس إيريس إلى أن ديونيسيوس الإسكندري قد رفض هذا المصطلح ذاته في سياق حملته ضد بعض الأتباع المحليين للسابيليانية ليشدد على التمييز بين الآب والابن. (Lewis Ayres, 94).

إضافة إلى ذلك، رأى بعضٌ أن المصطلح ذاته يحمل طابعًا ماديًّا عند الحديث عن جوهر الله، وهو أمر مرفوض لاهوتيًّا، خاصة وأن التعبير سبق أن أُدين في سياق إدانة تعليم بولس السميساطي. (Lewis Ayres, 94)  فعلى سبيل المثال، يظهر يوسابيوس القيصري في رسالته إلى كنيسته في قيصرية أنه عارض هذا التعبير حتى اللحظة الأخيرة في مجمع نيقية، ولم يوافق عليه إلا بعد أن تأكد من أن المقصود به ليس أن الابن “جزء” من الآب؛ لأن ذلك يعني أن الجوهر الإلهي مركب، مادي، وقابل للانقسام، وهو ما نفاه يوسابيوس بقوله: “ليس كما في الأجسام، ولا كما في الكائنات الفانية، إذ لا ينقسم الجوهر الإلهي بهذه الصورة”. وقد أوضح يوسابيوس أنه وافق في النهاية على استخدام المصطلح رغبةً في تحقيق السلام والوحدة داخل الكنيسة (خطاب أوسابيوس القيصري الي كنيسته، 7-11).

وهكذا كانت السنوات التالية لمجمع نيقية مليئة بالجدل اللاهوتي، وأحيانًا السياسي. يصف الأب جون بيير السنوات العشرين التي تلت المجمع بأنها كانت “معركة في الظلام”؛ إذ لم يكن أي طرف يفهم ما يقصده الطرف الآخر (John Behr, 69). ويصف لويس إيريس مصطلحات نيقية بأنها “نافذة على الارتباك والتعقيد في الجدالات اللاهوتية في أوائل القرن الرابع”. (Lewis Ayres, 92). ولهذا عمل أثناسيوس والآباء الكبادوكيون على شرح وتطوير هذه المصطلحات حتى استقرار الأمر في مجمع القسطنطينية عام 381م.

خاتمة

عنوان هذا المقال هو “مجمع نيقية: نهاية أم بداية؟، وهو مُقتَبَسٌ من مقال لللاهوتي كارل رانر بعنوان خلقيدونية: نهاية أم بداية؟. في مقاله، يوضح رانر أنه بالرغم من أن صياغة إقرار الإيمان تمثل نهاية للجدال وانتصارًا يمنحنا إيمانًا واضحًا ويمنح الكنيسة أمانًا وطريقًا أوضح لشرح الإيمان، إلا أنها في الوقت ذاته يجب أن تكون نقطة بداية لمزيد من الأسئلة، ومزيد من التأمل والنقاش حول إعلان الله عن نفسه. ولأن الله أعظم من أن ندركه بذواتنا، فإن رحلة الأسئلة التي تقود إلى إدراك أعمق لسر الله لا يمكن أن تتوقف.  (Rahner, Karl. Chalcedon Ende oder Anfang?, 149-200)

إن هدف هذه الدراسة ليس مجرد عرض تاريخي لأحداث الماضي يأخذ فيه القارئ دور المشاهد السلبي، بل الهدف أن ندرك أن مجمع نيقية هو فصل من قصة متعددة الفصول. تحاول الكنيسة دائمًا أن تتأمل وتعبِّر عن سر المسيح، السر العظيم الذي لا لاستقصاء عظمته. وقد أجاب إقرار إيمان نيقية عن بعض الأسئلة، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب لمزيدٍ منها، وهكذا استمرت رحلة اكتشاف سر المسيح. لذلك، ننظر إلى إقرار إيمان نيقية اليوم طامحين أن نكون نحن أيضًا جزءًا من هذه القصة، نطرح أسئلتنا ونجتهد في لاهوتنا حتى يكشف لنا الله عن سر المسيح بطريقة أعمق، حتى نقول مع الرسول بولس: “لَكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ” (فيلبي 3: 13).

المراجع المستخدمة

المصادر العربية:

  1. أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الأريوسيين، ترجمة: نصحي عبد الشهيد وآخرون، القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس، 2015.
  2. أريوس، خطاب إلى البابا ألكسندروس.
  3. أريوس، خطاب إلى يوسابيوس أسقف نيقوميديا.
  4. الخضري، حنا. تاريخ الفكر المسيحي، ج1، القاهرة: دار الثقافة، 1981.
  5. تورانس، توماس. الإيمان بالثالوث: الفكر اللاهوتي الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولى، ترجمة: عماد موريس اسكندر، القاهرة: مكتبة بناريون، 2007.
  6. قنسطنطين، خطاب إلى ألكسندروس وأريوس.

(النص اليوناني والترجمة الانجليزية للخطابات المستخدمة هنا موجودة على https://www.fourthcentury.com/documents-of-the-early-arian-controversy/)

المصادر الأجنبية:

  1. Anatolios, Khaled. Retrieving Nicaea: The Development and Meaning of Trinitarian Doctrine. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2011.
  2. Athanasius of Alexandria. A Defense of the Nicene Definition (De Decretis). Translated by Blessed John Henry Newman; revised by Archibald Robertson. Grand Rapids, MI: Assumption Press, 2014.
  3. Ayres, Lewis. Nicaea and Its Legacy: An Approach to Fourth-Century Trinitarian Theology. Oxford: Oxford University Press, 2004.
  4. Behr, John. The Nicene Faith: Formation of Christian Theology, Volume 2. Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 2004.
  5. Eusebius of Caesarea. Life of Constantine. Translated and with introduction and commentary by Averil Cameron and Stuart G. Hall. Oxford: Clarendon Press, 1999.
  6. Gwynn, David M. “Reconstructing the Council of Nicaea.” In The Cambridge Companion to the Council of Nicaea, edited by Young Richard Kim, 90– Cambridge: Cambridge University Press, 2021.
  7. Rahner, Karl. Theological Investigations, Volume 1: God, Christ, Mary, and Grace. Translated by Cornelius Ernst. London: Darton, Longman & Todd, 1961.
  8. Williams, Frank. The Panarion of Epiphanius of Salamis, Books II and III: De Fide. Leiden: Brill, 2012.
  9. Williams, Rowan. Arius: Heresy and Tradition. Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing Co., 2002.
  10. Young, Frances M. Exegesis and Theology in Early Christianity. Farnham (Surrey) / Boca Raton, FL: Routledge (Ashgate Variorum), 2012.

 

مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος): نموذج لرحلة نضال الكنيسة من أجل الإيمان

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: عادل زكري

مقدمة

في كتابه “ما يؤمن به المسيحيّون”، يعدد اللاهوتي مايكل بيرد[1] جوانب عديدةً لأهمية أن يكون لدينا قانون إيمان مُوحَّد نتلوه في صلواتنا الفردية أو الجماعية، من بينها ما يلي:

  • يقول بيرد: “قوانين الإيمان توفر أفضل تقليدٍ يعيننا على قراءة الكتاب المقدس”[2]، لأن قانون الإيمان يعمل كإطار مفاهيمي conceptual framework يُقرأ من خلاله الكتاب المقدس. ونحن بحاجة إلى هذا الإطار طوال الوقت لسببٍ بسيط وهو أنه لا أحدَ منا يقتربُ من الكتاب المقدس خُلوًا من الافتراضات المسبقة.
  • يقول أيضًا: “قد رَسَمت قوانين الإيمان خطًّا بين الإيمان المستمد من الكتاب المقدس والذي يُفهم في ضوء شهادة الرسل، وأي إيمان مختلفٍ يَظهر نتيجة دمج إحدى الفلسفات الوثنية بقراءات غير مترابطة من الكتاب المقدس”،[3] وبالتالي وضعت قوانين الإيمان حدودًا آمنة للإيمان الصحيح وما يقابله من نُسخ مزيفة من المسيحية.
  • “قوانين الإيمان… معيارٌ ذهبيٌّ يتيح لنا أن نحمي الأجزاء الأكثر أهمية من إيماننا”.[4] قد يختلف المسيحيون في أمور فرعية أو تقاليد محلية، لكن ما يُعبّر عن جوهر المسيحية ويُحِّدد قوامها الرئيس لا بد أن يُدرج في قانون الإيمان.
  • “قانون الإيمان يرغمنا على أن نرى إيماننا على أنه جزءٌ من الصورة الكبيرة، وجزءٌ من مقاصد الله الكبرى”.[5] لذا نجد أن قانون الإيمان يبدأ بالخلق وينتهي بحياة الدهر الآتي.
  • “تلاوة قوانين الإيمان تعني أننا نقف في صفٍّ واحدٍ متراصٍّ يمتد من يسوع والرسل إلى الكنائس في وقتنا الحاضر”.[6]

هذه النقاط الخمس تمثل جزءًا يسيرًا من نقاط كثيرة يعرضها الكاتب مايكل بيرد وتبرز أهميةَ وجودِ قانونٍ للإيمان يجتمع حوله المسيحيّون ويعبِّر عن هويتهم وطبيعة الجماعة التي ينتسبون إليها. غير أن صياغة ووضع هذه القوانين لم تكن رحلة سلسة، ولم تكن رفاهيةً أو نُزهةً، بل كانت أشبه بالنحت في الصَّخر. أود في هذه الورقة أن أدلل على هذا المعنى من خلال تقصي رحلة أحد أهم المصطلحات الواردة في قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني،[7] والذي صار معيارًا لأرثوذكسية الإيمان المسيحي عبر كل العصور، وهو مصطلح “هوموأوسيوس” ὁμοούσιος والذي يُترجم “مساوٍ للآب في الجوهر”، أو “واحد مع الآب في الجوهر”. لكننا سنكتشف أنه يحوي معاني أكثر من هذا، ناضلت الكنيسةُ من أجل ترسيخها في مقابل معانٍ أخرى كانت مخالفةً للإجماع المسيحي في ذلك الوقت.

 

اعتراضات مبكرة على مصطلح “هوموأوسيوس”

يتبيّن لدى القارئ لكتابات الآباء في أعقاب مجمع نيقية أنه كانت هناك معارضة شديدة لمصطلح “هوموأوسيوس”، الأمر الذي دعا القديس أثناسيوس (ت 373م) إلى إبداء بعض المرونة تجاه من لديهم تحفظات تجاه المصطلح. يقول القديس أثناسيوس في كتابه “عن مجمعي ريميني وسلوقيا”: “لكنّ الذين يقبلون كل مقررات مجمع نيقية ويترددون فقط في قبول تعبير “هوموأوسيوس”، فلا ينبغي أن يُعاملوا معاملة الأعداء. وفي الحقيقة نحن لا نقاومهم كما نقاوم المهووسين بالأريوسية، أو المعادين للآباء، ولكننا ندخلُ في حوارٍ معهم كإخوة مع أخوة، فكرهم كفكرنا، لكنهم في مأزقٍ بشأن المصطلح نفسه” (فقرة 41).[8] يتضح من الكلام السابق أنه لم يكن الجميع مرتاحين لهذا المصطلح، ويبدو أن المصطلح نفسه كان يُفسَّر بطرقٍ مختلفة بين فريق وآخر.

القديس باسيليوس القيصري (ت 379م) أيضًا في إحدى رسائله التي كتبها حوالي عام 370م، أي بعد مجمع نيقية بعقود، يتعرَّض فيها لوجود مثل هذه الموجة من الاعتراضات على المصطلح، ويقول: “نحن ورثة أولئك الذين في نيقية أعلنوا الإعلان العظيم للدين الحق. وقد تمّ قبول تعليمهم عمومًا دون اعتراض، لكن مصطلح “هوموأوسيوس” الذي قَبِله البعض على مضض، لا يزال حتى اليوم غير مقبول قبولًا كُليًّا. ويجوز للمرء أن يُلقي باللوم على الذين يرفضونه، مع الاعتراف في الوقتِ عينه بأن لهم شيئًا من العذر. غير أن امتناعهم عن اتباع الآباء، ورفضهم اعتبار قرارهم أقل مرجعية من حكمتهم الخاصة هو أمرٌ يستحق اللوم بسبب ما فيه من كبرياء مفرط” (رسالة 52: 1). سنلاحظ في لغة كل من القديس أثناسيوس والقديس باسيليوس بعض المرونة اللازمة في فترةٍ كانت الكنيسة، ولا أبالغ إذا قلت المسيحيّة كلها، في مهب الريح بسبب خطر الأريوسية. لكن لماذا وُجِد البعض في مأزقٍ بشأن مصطلح “هوموأوسيوس”؟ هناك أربعة اعتراضات على المصطلح ظهرت في هذه الحقبة، وهي كالتالي:

  • مصطلح “هوموأوسيوس” ليس مصطلحًا كتابيًّا

يبدو أن هؤلاء الناس كان لديهم مبدأ معيّن، وهو: إذا لم ترد اللفظة في الكتاب المقدس فلن نؤمن بها. لكن ليسمح لي القارئ أن أقول إن هذا المبدأ معيبٌ وناقصٌ، لأن لفظة “ثالوث” نفسها لم ترد في الكتاب المقدس، فهل نتوقف عن استخدامها؟ حاول أثناسيوس أن يقول لهم إن الأهم هو المعنى المتضمَّن في المصطلح، وهل تتفق المضامين مع الكتاب المقدس أم لا. فإذا قبلنا المضامين فلن تشكّل المصطلحات مشكلة. في النهاية لابد من توظيف بعض العناصر من الثقافة المحيطة حتى تُسمع رسالة الإنجيل. يقول أثناسيوس: “أعلم جيدًا أنهم إن كانوا يقبلون المعنى الذي يقصده المجمع، فسوف يقبلون تمامًا المصطلحات التي يُقدَّم بها هذا المعنى… وإذا كانوا لا يزالون يعترضون قائلين إن مثل هذه التعبيرات غير كتابية… دعهم يلومون أنفسهم في هذا الأمر، لأنهم هم الذين وضعوا المثال مبتدئين حربًا ضد الله بكلمات ليست من الكتاب المقدس… (لكن) حتى إذا لم تكن هذه التعبيرات موجودة… في الكتاب المقدس، إلا أنها تتضمن وتحوي معنى الأسفار المقدسة” (فقرة 21).[9]

هذه الإشكالية تسلط الضوء على إمكانية استخدام الفلسفة ومصطلحاتها ونقاشاتها في شرح الأمور العقائدية. يبدو أن المجتمعين في نيقية رأوا حاجة للاستعانة بالفلسفة كخادمة للسر. وهذا يشير أيضًا إلى أن الآباء قد عملوا على تعميد أو مَسحنة المصطلحات الفلسفية. أو كما يقول عالم الآبائيات برستيج Prestige “كانت الفكرة تُقطع لتتناسب مع الإيمان المسيحي، وليس أنّ الإيمانَ يتم تقليمه ليتناسب مع المفهوم المستورد”.[10]

  • رُفض مصطلح “هوموأوسيوس” في مجمع سابق

كان بولس الساموساطي قد حُرم في مجمع بأنطاكية عُقد عام 268م. ويحكي لنا أثناسيوس هذه الخلفية فيقول: “لأن هؤلاء الذين عزلوا الساموساطي فهموا تعبير “هوموأوسيوس” بمعنى مادي… (بمعنى) لا بد من وجود ثلاثة جواهر، واحد سابق على كليهما، والآخران منه. لهذا السبب في تحذيرهم المعقول من سفسطة بولس، فقد أعلنوا أن المسيح ليس “هوموأوسيوس”” (فقرة 45).[11] كما يُستشف من الاقتباس السابق، فإن الذين حرموا الساموساطي وأنكروا أن الابن “هوموأوسيوس” قد فعلوا هذا بناءً على معانٍ خاطئة متعلقة بالمصطلح. لقد رأى الساموساطي أن المصطلح يفيد بوجود “جوهر سابق” على الآب والابن، وهذا المعنى مرفوض فيما يتعلق بالثالوث.

يستشهد أثناسيوس بالرسول بولس الذي “كتب بطريقة معينة عن الناموس إلى أهل رومية، وبطريقة أخرى إلى العبرانيين”،[12] فبالمنطق نفسه يخلُص إلى أن “كل مجمع كان لديه شرحٌ معقول وبسببه تحدَّث هؤلاء بطريقة معينة وأولئك بطريقة أخرى”.[13] خلاصة الأمر، أن المصطلح ذاته يُفهم بأكثر من طريقة؛ بطريقة ما رُفض سابقًا، وبطريقة أُخرى قُبِل في نيقية.

القديس باسيليوس القيصري أيضًا تعرض لهذه المسألة وقال الآتي: “إن أعضاء المجمع الذين اجتمعوا لمناقشة قضية بولس الساموساطي، وجدوا نقيصة في المصطلح بكونه غير ملائم. لأنهم أكدوا أن “هوموأوسيوس” يحوي فكرة عن ما هو من الجوهر وما هو منحدر منه، لأن الجوهر عندما ينقسم تكون الأقسام الناتجة “هوموأوسيوس” مع بعضها. وهذا التفسير جائز منطقيًّا في حالة البرونز والعملة المعدنية المصنوعة منه، لكن في حالة الله الآب والله الابن فليس هناك مسألة الجوهر الأسبق والتالي، فمجرد هذا الفكر أو النطق بمثل هذه الأمور هو كفرٌ بيِّن” (رسالة 52: 1).[14] الاقتباس السابق يشير إلى أن هناك تفسيرًا فلسفيًّا لفكرة الجوهر -من منظور أفلاطوني- يجعل للجوهر وجودًا سابقًا مستقلًّا عن تعييناته أو مصاديقه (أو أقانيمه)، وهذا ما رُفض من أجله المصطلح سابقًا.

وفقًا لباسيليوس لنتخيّل وجود كتلة من البرونز صُنِعَت منها عملتان متطابقتان مثلاً، ستصير العملتان “هوموأوسيوس” مع أحدهما الآخر، لكن في نفس الوقت الجوهر كان يمثل كيانًا ثالثًا سابقًا ومستقلًّا عنهما. لذلك هذه النظرة ستجعل من الثالوث رابوعًا (جوهر + 3 أقانيم) وهو ما رفضه آباء الكنيسة في مواضع عديدة؛ لأن الله ليس لديه سابق ولاحق. ومن ثَم نفهم أن المجمع الذي عزل الساموساطي رفض مصطلح “هوموأوسيوس” لأسباب صحيحة، وليس ما يمنع من استدعاء نفس المصطلح مرة أخرى في مجمعٍ آخر، لكن هذه المرة بمعانٍ صحيحة. نستطيع أن نتفهّم نفسية هؤلاء الرافضين للمصطلح، فقد رفضه آباؤهم سابقًا في مجمع كنسي، لذا وجب وصحّ أن يُظهر لهم أثناسيوس بعض المرونة، خاصة وأن أسباب رفضهم هذه المرة يمكن تفهُّمها.

  • فسّر البعض مصطلح “هوموأوسيوس” على أنه يؤدي إلى تقسيم الجوهر

امتدادًا للشرح السابق، إذا كان الابن “هوموأوسيوس” مع الآب ὁμοούσιον τῷ Πατρί أو “هوموأوسيوس تو باتري” كما يقول قانون مجمع نيقية، فقد فهم بعضٌ أنه يتضمن تجزئة أو انقسامًا للجوهر. انقسام الجوهر ينسف أمورًا كثيرة في العقيدة المسيحية؛ أولها: واحدية الله -أي أن الله واحد؛ ثانيًا: ستجعل الله عُرضة للتركيب composition الذي هو خاصية المخلوقات المادية. ثالثًا: التركيب يصحبه قابلية الانحلال والتفكك. رابعًا: التركيب يجعل “الكل” Whole أعظم من “أجزائه” Parts، وهذا مرفوضٌ في فهمنا للأقانيم؛ إذ إنَّ كل أقنوم له الملء الإلهي كله وليس جزءًا منه.

هذا المعنى الخاطئ الخاص بالتجزئة يرفضه يوسابيوس القيصري في رسالة له عن مجمع نيقية؛ إذ يقول: “إن عبارة “هوموأوسيوس تو باتري” تقوم على أساس متين إذا ما فُسِّرت تفسيرًا سليمًا، لا على نحو الأجسام، ولا كما هو شأن الحيوانات الفانية، ولا من جهة تقسيم أو انقسام في الجوهر، ولا بأي ألم أو تغيُّر أو تحوُّل في جوهر الآب أو قدرته؛ إذ إن طبيعة الآب غير المولودة منزّهة عن كلّ هذه الأمور. بل إن عبارة “هوموأوسيوس تو باتري” تُفيد بأن ابن الله لا يُشبِه البتة الخليقة المصنوعة، بل هو، من كلِّ وجهٍ، مشابه فقط للآب الذي ولده، وليس من أقنوم أو جوهر آخر، بل من جوهر الآب نفسه. وقد بدا مناسبًا القبول بهذا المصطلح على هذا النحو من التفسير؛ إذ إنني أعلم أن بعض الأساقفة والعلماء اللامعين من القدماء قد استخدموا هذا التعبير ὁμοούσιος في الجدالات العقائدية الخاصة بالآب والابن”.[15] يعلِّق عالم الآبائيات برستيج على هذا النص ويقول إن يوسابيوس هنا يقصد بالعلماء اللامعين: البابا ديونسيوس السكندري (ت 265م) والعلامة أوريجانوس (ت 254م).[16]

  • فسَّر البعض مصطلح “هوموأوسيوس” على أنه يؤدي إلى السابيلية

السابيلية تقول بأقنومٍ واحد، أو في واقع الأمر تقول إن الأقانيم هي مجرد أسماء ليس لها واقع حقيقي، أي أنها تنادي بأقنوم واحد يقوم بأكثر من دور، وتخلط بين الأقانيم. جدير بالذكر أن المؤرخ سقراتيس (380- 450م) يشخِّص لنا حالة الاضطراب حول هذه المصطلح، ويؤكد أن مصطلح “هوموأوسيوس” كان سببًا في انزعاج البعض، وأن الأطراف المختلفة حينما بدأت في فحص هذا المصطلح “بدأوا في النزاع بعضهم ضد بعض… فالذين اعترضوا على مصطلح “هوموأوسيوس”، اعتقدوا أن الذين يتمسكون به يتبنون آراء سابليوس… لذا اعتبروهم مجدفين لأنهم يقوضون أقنومية ابن الله. أمّا مؤيدو هذا المصطلح فقد وصفوا معارضيهم بأنهم ينادون بتعدد الآلهة، وابتعدوا عنهم باعتبارهم يجلبون الوثنية” (التاريخ الكنسي 1: 23).[17] ردًّا على هذا الاتهام بالسابيلية، يشرح أثناسيوس هذا الأمر كالتالي “أننا لا نعتقد بابن-آب a Son-Father كما يفعل السابيليون، داعين إياه monoousion وليس homoousion وبذلك يدمرون وجود الابن… ولا يمكننا أن نتخيَّل ثلاثة أقانيم منفصلة بعضها عن بعض، لئلا نعتقد بتعدد آلهة كالوثنيين… ومع ذلك… الآب ليس هو الابن، ولا الابن هو الآب…” (بيان الإيمان فقرة 2).[18] كما ذهب باسيليوس إلى أن هذا المصطلح -على عكس ما يقولون- يصحح أخطاء سابيليوس: “إن هذا المصطلح يصحح أخطاء سابيليوس… لأن مِن المستحيل أن يكون هناك مَن له نفس الجوهر (هوموأوسيوس) مع نفسه، لأن الواحد إنما يكون له نفس الجوهر مع آخر” (رسالة 52: 3).[19]

وفي خلفية هذه الاعتراضات اقترح البعض، ومنهم شخص يُدعى باسيليوس الأنقري، مصطلح “شبيه أو مشابه في الجوهر” أو “هوموي أوسيوس” ὁμοιοούσιος كبديل عن “هوموأوسيوس”، والفرق بين المصطلحين هو حرف واحد فقط هو اليوتا (ι) في اليونانية. يقول أثناسيوس: “القول بأنه مشابه بحسب الجوهر لا يشير إلى معنى “مِن الجوهر”، الذي يدلل بشكل أفضل على أصالة الابن في علاقته بالآب… القصدير هو فقط مشابه للفضة، والذئب مشابه للكلب، والعملة المطلية بالبرونز مشابهة للذهب الحقيقي… قول “مشابه” فقط لا يوصل بالضرورة معنى “مِن الجوهر”. لكن مَن يقول “هوموأوسيوس” فإنه يعبّر عن معنى المصطلحين “مشابه في الجوهر” و”من الجوهر”” (فقرة 41).[20]

المعاني الصحيحة التي يؤكدها مصطلح “هوموأوسيوس”

من خلال النقاش السابق نستطيع أن نوجز المعاني الصحيحة التي أرادها آباء الكنيسة من مصطلح هوموأوسيوس ὁμοούσιος كالآتي:

  • أن الابن ليس من العدم، أي ليس مخلوقًا، كما قال أريوس بل كما قال أثناسيوس: “الابن هو مِن الآب”،[21] أي مِن جوهر الآب، وليس الأمر مجرد تشابه أو تماثل في الجوهر.
  • كما يؤكد المصطلح على عدم الانفصال مطلقًا؛ إذ يرفض أثناسيوس تشبيه هذه الوحدانية بالبشر الذين يشتركون في الطبيعة البشرية بالمعنى العام، ويقول “لأن الأجساد التي يشبه كل منهما الآخر يمكن أن تنفصل وأن تبتعد عن بعضها البعض، مثل الأبناء البشريين بالنسبة لوالديهم… لكن لأن ميلاد الابن ليس بحسب طبيعة البشر، وهو ليس فقط مثل الآب، بل وأيضًا غير منفصل عن جوهره، وهو والآب واحدٌ… فإن المجمع إذ وعى وفَهم ذلك، كتبَ بطريقة مناسبة تعبير “هوموأوسيوس””.[22]
  • كما يؤكد المصطلح على المساواة الكاملة في الألوهة وأن الابن ليس جزءًا، إذ يقول أثناسيوس عن الابن صورة الآب إن “صورة الألوهة ليست جزءًا من كلٍّ، بل إن ملء ألوهة الآب هو كيان الابن، فالابن هو إلهٌ كامل” (ضد الأريوسيين 3: 23: 6).[23]
  • ثم يكمِل أثناسيوس كلامه مؤكدًا على أن المصطلح يفيد في التأكيد على وحدة العمل الواحد أيضًا، إذ يقول: “لأن الابن هو مِن ذات جوهر الآب… هكذا فالأعمال التي عملها الابن هي أعمال الآب لأن الابن هو صورة ألوهة الآب الذي عُملت به الأعمال”.[24]
  • ويكمل أيضًا فيؤكد معنى آخر وهو الإعلان المتطابق “ولذا فمَن ينظر إلى الابن يرى الآب لأن الابن يوجد ويُرى داخل ألوهة الآب”.[25] بمعنى إنه إذا لم يكن المسيح هوموأوسيوس مع الآب، فلن يمكننا الحصول على هذه المعرفة الفريدة عن الله التي أُعلنت بابنه.
  • كما أن المصطلح يؤكد أيضًا على الغيرية otherness أو التمايز الحقيقي بين الأقانيم حتى لا يعني في مضمونه هرطقة سابيلية. وهذا ظهر جليًّا في رفض الآباء لمن يفسرون المصطلح على أنه يعني “آب-ابن”. وبالتالي فالمصطلح يخدم في تأكيد واحدية الجوهر من جهة وتمايز الأقانيم من جهة أخرى.
  • هناك أهمية سوتيريولوجية (أو خلاصية) للمصطلح أيضًا؛ إذ قاومت الكنيسة أريوس الذي رأى في الابن مخلوقًا، لأن خلاصنا في هذه الحالة سيكون في مهب الريح؛ فكيف يمكن لمخلوق مفتقر للنعمة أن يخلصنا؛ “لا يستطيع مخلوقٌ أن يخلِّص مخلوقًا على الإطلاق”.[26] لذا فبالتأكيد على أن الابن “هوموأوسيوس” مع الآب، أي من نفس طبيعته وجوهره وواحد معه في العمل والإرادة والقوة، نضمن أن يكون خلاصنا هو من الله.

هوموأوسيوس كمفتاح هرمنيوطيقي للكتاب المقدس

في كل ما سبق رأينا أن “هوموأوسيوس” يعبِّر بشكل دقيق عن المعطيات الكتابية عن عقيدة الثالوث القدوس، لكن اللاهوتي الاسكتلندي البروتستانتي توماس تورانس (1913- 2007م)، والذي تشبّع بفكر آباء الكنيسة الأوائل، يقول بشيء لافتٍ للانتباه جدًّا، وهو إن “هوموأوسيوس” أصبح “أداة تفسيرية” للكتاب المقدس. يقول تورانس إن صيغة هوموأوسيوس ترجع أهميتها إلى “أنها قدَّمت في تعبير محدَّد العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب، تلك العلاقة التي بُنيت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسّر (وتُربط) نصوصه المختلفة”.[27] ويقول أيضًا: “بمجرد استقرار هذا التعبير كأداة لاهوتية… بدأ يساهم أيضًا كمرشد لفهم الكتب المقدسة”.[28] لكن تورانس يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير حين يصرّح بأنه لولا هوموأوسيوس “لفقد الإنجيل الأساس الفعلي لإعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا في المسيح يسوع، وهذا الأساس هو ما يجعل الإنجيل يصير إنجيلًا (أي بشارة مفرحة حقيقية)”.[29] ثم يضيف تورانس:[30] “إن الكنيسة عندما تدخل في مثل هذا الإدراك اللاهوتي (الذي يقدمه مفهوم هوموأوسيوس)، تكون قد وضعت قدميها على الأساس الرسولي الثابت، وتكون قادرة على أن تسلِّم للجيل التالي التعليم الصحيح كما تسلمته من الجيل السابق من دون تحريف أو تشويه”.[31]

هوموأوسيوس كنقلة انقلابية على المنظور اليوناني القديم للوجود

كان العالم اليوناني القديم ينظر إلى الوجود بمنظور ثنائي dualism: عالم المعقولات (νοητὸς κόσμος) وعالم المحسوسات (αἰσθητὸς κόσμος)، وهذه الثنائية كانت ذات تأثير عميق على الفكر الفلسفي اليوناني. وكان الإله وفقًا لهذه النظرة لا ينتمي إلى عالم المحسوسات ولا يمكنه الاتصال بها إلا عبر سلسلة متدرجة من الوسطاء. لذا يمكن اعتبار أريوس مخلصًا إلى هذه النظرة الثنائية، وأنه وإن اعتبر الابن كأعظم هؤلاء الوسطاء إلا أنه رأى أنه ينتمي في النهاية لعالم المخلوقات. لذا فإن مصطلح “هوموأوسيوس” قد أكّد ورسّخ أن الابن هو مِن كيان الله وفي صميمه، وهو ما يتضمن إمكانية اتصال الله بالعالم. هذا المفهوم أحدث ثورة مفاهيمية كاسحة على الفكر اليوناني القديم؛ شيء أشبه بالثورة الكوبرنيكية في عالم الكوزمولوجيا.[32] ويمكننا تخيُّل هذا الحوار التالي بين أثناسيوس وأريوس:

أريوس: لملء الفجوة بين الله والخليقة نحتاج إلى كائن وسيط.

أثناسيوس: لا نحتاج لكائن وسيط؛ لأن الله محب للبشر “فيلانثربوس” (φιλανθρώπως).

أريوس: تنازل الابن يعني بالضرورة أنه أدنى من الآب.

أثناسيوس: تنازل الابن استعلان لمحبة الله للبشر “فيلانثروبيا” (φιλανθρωπία).

أريوس: يد الله ثقيلة… ولأنه منزه جدًّا لا يستطيع التعامل مع الخليقة مباشرة، فلذلك خلق الابن من أجل أعماله.

أثناسيوس: لو كان الابن مخلوقًا لما استطاع تحمُّل يد الله الثقيلة أيضًا (لأنه مخلوق في النهاية)، ولو تحمَّل يد الله الثقيلة مع كونه مخلوقًا، إذن يمكن لكل المخلوقات أن تتحملها؛ لذا فإن حُجتك مغلوطة.

أريوس: الضعفات التي ذُكرت عن الابن تضعه في دائرة المخلوقات.

أثناسيوس: هذه النقائص تختص بناسوته الذي أخذه بالتدبير لأجل خلاصنا. كما أن ألقابه الأخرى (مثل الصورة، والبهاء، القوة، والحكمة…) تضعه في دائرة الألوهية.

أريوس: المعمودية بالآب والابن والروح القدس، لا تعني بالضرورة مساواة في الجوهر بين الثلاثة أقانيم.

أثناسيوس: لو كان الابن والروح مخلوقين (من العدم) فكيف يقدران على أن يعكسا مسار البشرية الذي اتجه نحو العدم بالسقوط… فاقد الشيء لا يعطيه!

خاتمة

وهكذا أيها القارئ العزيز، أصبح مصطلح “هوموأوسيوس” معيارًا للفهم الصحيح لرسالة الإنجيل، البشارة المفرحة للعالم. البشارة التي تقول إن الله ظهر في الجسد، وخيَّم وسط شعبه (يوحنا 1: 4)، وكلمنا في ابنه (عبرانيين 1: 2). البشارة التي تقول إن الله تعطف على خليقته وخلصهم بابنه وبتقديس روحه. لقد وفّر لنا المصطلح أداة تفسيرية لفهم الكتاب المقدس، بل ونظّارة ترى الوجود بشكل مختلف عن الفلسفات القديمة والحديثة التي تنادي باستحالة اتصال الله بخليقته بشكل ذاتي. هذه الرحلة الصعبة لهذا المصطلح تجعلنا نقدّر ونحتفي بما جاهد الآباء من أجله، وتجعلنا نتضع أمام النعمة الإلهية العاملة بهم وفيهم.

[1] مايكل بيرد (Michael F. Bird) هو لاهوتي إنجيلي معاصر من أستراليا، معروف بأعماله في مجالات العهد الجديد، الكريستولوجيا، واللاهوت النظامي. ينتمي إلى التيار الإنجيلي البروتستانتي، ويتّسم نهجه بالتوازن بين الموقف التقليدي في العقيدة والتفاعل النقدي مع الدراسات الأكاديمية الحديثة.

[2] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون: التأمل في قانون الإيمان الرسولي، ترجمة رمزي عياد (الأردن: أوفير، 2025)، 23.

[3] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 25.

[4] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 38، 39.

[5] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 43.

[6] مايكل بيرد، ما يؤمن به المسيحيون، 47.

[7] نسبة إلى مجمع نيقية 325م ومجمع القسطنطينية 381م؛ إذ يرى الكثيرون أن آباء مجمع القسطنطينية استخدموا صيغة إيمان مجمع نيقية ونقحوا وعدلوا وأضافوا عليها. يمكن القول بأن قانون مجمع نيقية كان يتألف من ثلاثة بنود رئيسية: بند خاص بأقنوم الآب، والثاني خاص بأقنوم الابن، وثالث خاص بأقنوم الروح القدس. لكن قانون مجمع القسطنطينية قدَّم بعض الإضافات مثل عبارة “بالروح القدس ومريم العذراء”، وعبارة “في عهد بيلاطس البنطي”، وعبارة “ليس لملكه انقضاء”، وتوسَّع في البند الثالث الخاص بأقنوم الروح القدس بإضافة عبارة “الرب المحيي المنبثق من الآب، مسجود له وممجد مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء”، وكانت هذه الإضافات رد فعلٍ على الهرطقات التي ظهرت آنذاك ضد ألوهية الروح القدس مثل هرطقة مقدونيوس. ثم أضاف القانون بندًا رابعًا يتعلق بالكنيسة والمعمودية ورجاء الحياة الأخرى بالقيامة من الأموات.

[8] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، ترجمة د. عادل زكري (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2025)، 63.

[9] القديس أثناسيوس الرسولي، دفاع عن قانون إيمان مجمع نيقية، إعداد القس أثناسيوس فهمي جورج (إيبارشية أيرلندا: المؤلف، 1998)، 46-47.

[10] G. L. Prestige, God in Patristic Thought, (London: S.P.C.K, 1952), xiv.

[11] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 68.

[12] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 68.

[13] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 69.

[14] St. Basil, Letters, Trans. by Deferrari, 331.

[15] As cited in John Anthony McGuckin, We Believe in One Lord Jesus Christ, vol. 2 of Ancient Christian Doctrine (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2009), 70.

[16] G. L. Prestige, God in Patristic Thought, (London: S.P.C.K, 1952), 211.

[17] As cited in J. N. D. Kelly, Early Christian Doctrines, 5th rev. ed. (London: Adam and Charles Black, 1968), 239- 240.

[18] https://www.newadvent.org/fathers/2821.htm.

[19] St. Basil, Letters, Trans. by Deferrari, 331.

[20] القديس أثناسيوس الرسولي، عن مجمعي ريميني وسلوقيا، 64.

[21] القديس أثناسيوس الرسولي، دفاع عن قانون إيمان نيقية، 46.

[22] القديس أثناسيوس الرسولي، دفاع عن قانون إيمان نيقية، 46.

[23] القديس أثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، ترجمة د. صموئيل كامل، ود. نصحي عبد الشهيد، ود. مجدي صموئيل، الطبعة الثانية (القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس، 2017)، 293. جدير بالذكر أنه يوجد في هذه الفكرة رد على الفكرة المغلوطة التي ينقلها القرآن عن الثالوث المسيحي؛ إذ يقول في صورة الزخرف 15 “وجعلوا له من عباده جزءًا”؛ لأننا نؤمن أن الابن ليس في جوهره عبدًا، بل في التدبير فقط، لكنه من حيث ألوهيته هو صورة الله الكاملة والذي لا يشكّل جزءًا من الألوهة، لأن جوهر الله غير المادي واللانهائي هو غير قابل للتجزئة أو التقسيم.  

[24] القديس أثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، 293.

[25] القديس أثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، 293.

[26] القديس أثناسيوس ، الرسالة إلى أدلفيوس فقرة 8 راجع: المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، تعريب أ صموئيل كامل عبد السيد ود نصحي عبد الشهيد (القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس، 2017)، 31.

[27] توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة د عماد موريس (القاهرة: بناريون للتراث الآبائي، 2010)، 187.

[28] توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، 191.

[29] توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، 200.

[30] الشيء الآخر الذي ينوه له توماس تورانس في كتابه “الإيمان بالثالوث” أن القديس أثناسيوس “لم يتردد في تطبيق مصطلح هوموأوسيوس على الروح القدس كما هو الحال بالنسبة للابن. وتبعه في ذلك آخرون من لاهوتي ما بعد نيقية خاصة ديديموس وإيفاجريوس وغريغوريوس النزيانزي وإبيفانيوس” (الإيمان بالثالوث، 234)، وهذا حدث بالفعل في ستينيات القرن الرابع في رسائل القديس أثناسيوس للقديس سيرابيون أسقف تيمويس” (الروح القدس) خاص بالله الذي هو واحد، فهو من نفس الجوهر (هوموأوسيوس)” (1: 27)، راجع القديس أثناسيوس، الرسائل عن الروح القدس، ترجمة د. موريس تواضروس، د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس، 2018)، 94.

[31] توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، 192.

 

[32] For more on this idea cf. A. Bryden Black, The Lion, the Dove, & the Lamb: An Exploration into the Nature of the Christian God as Trinity, foreword by Alister E. McGrath (Eugene, OR: Wipf and Stock, 2012).

 

من قانون إيمان نيقية 325م إلى إقرار الإيمان الإنجيليّ في مصر 2006م: التأكيد على الثوابت الإيمانيّة الجامعة المشتركة

 اسم الكاتب:القسّ عيد صلاح

لقد وضع مجمع نيقية سنة 325م، والذي اكتمل لاحقًا في مجمع القسطنطينيّة سنة 381م، ما يُعرَف بـ”قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطينيّ”، الذي شكّل الأسَّس والثوابت الإيمانيّة كما وردت في كلمة الله المقدّسة، وأضحى معيارًا جامعًا للكنيسة الجامعة في مواجهة البدع والانقسامات. ومنذ ذلك الحين ظهرت عبر التاريخ المسيحيّ صيغ متعدّدة من القوانين والإقرارات الإيمانيّة التي هدفت إلى التعبير عن العقيدة الصحيحة وحماية الهويّة الروحية للمسيحيّين في مختلف العصور والسياقات.

ومع انطلاق حركة الإصلاح الدينيّ الإنجيليّ في القرن السادس عشر، عادت الكنيسة إلى هذه المنابع الإيمانية والثوابت العقائديّة، فصاغت بدورها إقرارات إيمان جديدة عبّرت من خلالها عن تمسّكها بتعاليم الكتاب المقدّس وبالتراث العقائديّ للكنيسة الجامعة. ويمكن مراجعة نماذج من هذه الإقرارات في كتاب جورج صبرا، نؤمن ونعترف: كتاب العقائد الإنجيليّة المصلح (بيروت: كلية اللاهوت للشرق الأدنى، 1990م). وفي هذا السياق برز كتابان مهمّان في الدراسات العربيّة الحديثة حول قوانين وإقرارات الإيمان، وهما: عبد المسيح استفانوس، قوانين الإيمان وإقراراته ودورها وتأثيرها في الكنيسة (القاهرة: دار الثقافة، 2017م). جوزيف موريس حبيب، إقرارات الإيمان المسيحيّة: دراسة تاريخيّة ولاهوتيّة لقوانين وإقرارات الإيمان عبر العصور المسيحيّة (القاهرة: المركز المعمدانيّ للترجمة والنشر، 2016م).

وفي مصر وبداية مع الكنيسة الإنجيليّة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت قوانين الإيمان بدأت في “كتاب الاعتراف بحرية الإيمان وإنكار عبودية الشيطان”، وكاتبه هو مؤلف “كتاب الرفش القوصي”، وقد صدر الكتابان في مجلد واحد، رغم أن كتاب الرفش القوصي لم يذكر اسم المؤلف أو المؤلفين، لكن أغلب الظن أن من قام بكتابة الكتاب هو الشيخ فام اسطفانوس الذي كان هو قائد الكنيسة في مدينة قوص، وربما ساهم معه بعض الإخوة من قوص، أو واحد أو أكثر من المرسلين الأمريكان.[1]

ونورد هنا نموذجًا يعبر عن بواكير الصياغات حول الإيمان المسيحيّ الإنجيليّ في الكتاب المقدس، عام 1869م؛ إذ يقول:

إننا نؤمن بأن الكتاب المقدَّس أي كتاب العهد القديم والعهد الجديد هو كتاب الله المعطى بوحي الروح القدس وهو القانون الوحيد لإيماننا وأفعالنا إذ يحتوي على كل تعليم ضروري لخلاصنا ولا يجوز لنا الزيادة ولا النقصان منه لأية حجة كانت لأنه كافٍ لإرشادنا للإيمان الحقيقي والأعمال الصالحة” (إشعياء 8: 20).

فبناءً على ذلك لا يسوغ لنا أن نزيد عليه أو نحذف منه شيئًا لا بالفكر ولا بالقول ولا بالفعل متحرّزين من ذلك الويل على كل من يزيد عليه وكل من ينقص منه الذي به قد خُتم الكتاب (رؤيا 22: 18)، ومجتهدين أن نسلك حسب المكتوب فيه ولا نفتكر فوق ما هو مكتوب (1كورنثوس 15: 6) وأن نمتثل لقوله تعالى (تثنية 15: 2) لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها. وأيضًا قوله (12: 32) كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه، ومن حيث إنه لا يمكن أن ينقص المكتوب وإلهنا صادق في جميع أقواله ويجب علينا أن نحفظ جميع وصاياه فلا يُحسب رفض شيء من الأشياء المكتوبة إلا عدم إيمان وكبرياء ومن حيث إن كل ما ليس من الإيمان فهو خطية (رومية 15: 23) والإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله (رومية 10: 17)، فإذا كل ما هو خارج عن الكتاب الموحي به من الله بما أنه ليس من الإيمان فهو خطية.

ونعتقد أيضًا أن كل ما هو ضروري للخلاص ولسعادتنا الحاضرة والمستقبلة هو ظاهر وواضح في الكتاب المقدس بحيث أن من يسلك في هذا الطريق حتى الجهال لا يضل (إشعياء 35: 8)، وكل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملًا متأهبًا لكل عمل صالح (2تيموثاوس 3: 16، 17).

فيجب علينا أن نتمسك كل تمسك بهذا الكتاب المقدس الجليل الشأن وأن نسلك بكل اجتهاد حسب هذا القانون الكامل والذين يفعلون ذلك فعليهم سلام ورحمة وعلى إسرائيل الله (غلاطية 6: 16). وأما من جهة تلاوة ومطالعة الكتب المقدسة فمكتوب فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي (يوحنا 5: 39) وأيضًا فتشوا في سفر الرب واقرأوا. واحدة من هذه لا تُفقد لا يغادر شيء صاحبه لأن فمه هو قد أمر وروحه هو جمعها (إشعياء 35: 16)، فعلينا أن نقبل الكلمة بكل نشاطٍ متمثلين بأهل بيريَّة الذين مدحهم الرسول قائلًا: “وكان هؤلاء أشرف من الذين في تسالونيكي فقبلوا الكلمة بكل نشاط فاحصين الكتب كل يوم هل هذه الأمور هكذا؟” (أعمال 7: 11) وقابلين نصيحة القديس يعقوب: “لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم” (يعقوب 1: 21).

وقد وضعت الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر، في صدر دستورها إقرار إيمانها، وقد جُمِعَت كل هذه الوثائق في كتاب: عيد صلاح، دساتير الكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر نصوص ووثائق 1879-2015م (القاهرة: مجلس الشئون الدستوريّة والقضائيّة والقانونيّة، 2015م). والجزء الأول هو الخاص بالعقيدة في 44 مادة من الدستور.

مادة 1 في الله:

“نؤمن بأنه يوجد إله واحد، حيّ، حقيقيّ، روح، ذات، واجب الوجود، سرمديّ، غير متغيّر، خالق الكون، وحافظه، وضابطه. إله غير محدود في المحبة والرحمة والقداسة والبر والعدل والحق والحكمة والقدرة. نؤمن بأن الإله الواحد كائن في ثلاثة أقانيم الاَب والابن والروح القدس وأن هؤلاء الأقانيم جوهر واحد متساوون في القوة والمجد.”

مادة 2 في الكتاب المقدس:

نؤمن بأنَّ الكتب المقدسة-أي كتب العهد القديم والعهد الجديد-هي كلمة الله، وكلها موحى بها، لفظًا ومعنىً، وأن كتبتها وهم مسوقون بالروح القدس، كتبوا بمقتضى نواميس العقل البشريّ. وأنها نصّ مُؤتمن للإعلان الذي أعلنه الله عن ذاته بمقتضي نعمته، وهي تشهد للمسيح، وأنها قانون معصوم للإيمان والأعمال والمرجع الأعلى ذو السلطان للحق الإلهيّ الروحيّ.

مادة 11 في الله الآب:

نؤمن بأن الاَب هو الأقنوم الأول في اللاهوت في رتبة الوظيفة والعمل. وأنَّه -بكيفية لا تدرك- هو الاَب للابن الوحيد بالولادة الأزلية وأنَّ منه ومن الابن ينبثق الروح القدس. وأنَّه في وحدة وشركة متبادلتين مع الابن والروح القدس. وأنَّه المبدع الأصلي في الخلق والفداء. ونؤمن بأنَّه آب لجميع البشر، من حيث هم خليقته الأدبية العاقلة المصنوعة على شبهه. وبأنَّه أحب البشر محبة تفوق إحسانه العام، فأعد لهم خلاصًا مشتركًا كلَّفه تضحية ذاتية لا يعبّر عنها، وأن الناس مع كونهم خُطاة وقد فقدوا امتيازات البنوية وأنكروا التزاماتها؛ إلّا أنَّه لا يزال موجودًا فيهم آثار صورة أبيهم السماوي ولا يزالون يتمتّعون بنصيب في عنايته وجوده. نؤمن بأبوية الله بمعنى ممتاز بالنسبة لأولئك الذين يصيرون أولادًا له بالتجديد والتبني، والذين يُلبّون نداء محبته بروح البنوة، وأنَّه بعلاقته الأبوية مع هؤلاء يُتمّم رغائبه نحو البشر. وأنَّه يرحب بهم للدخول في الشركة معه ويجعلهم شركاءه في قداسته، ويُتمّم لهم قصده الصالح في كل ما يختص بخيرهم الزمني والأبدي.

مادة 12 في الرب يسوع:

نؤمن بأنَّ الرب يسوع هو ابن الله الأزلي ببنوة طبيعية ضرورية كائنة في جوهر اللاهوت. وأنَّه بمحض اختياره أخلى نفسه من مجده وجلاله الإلهيين، وصار إنسانًا باتخاذه لذاته جسدًا حقيقيًّا ونفسًا حقيقية بلا خطية. إذ حُبل به بقوة الروح القدس ووُلد من مريم العذراء. وأنَّه لذلك إله حق وإنسان حق ذو طبيعتين كاملتين متميزتين-اللاهوت والناسوت-متحدين في أقنومه الواحد لا تفترقان البتة. وأنَّه بصفته الإله المتأنس هو الوسيط هو الوسيط الوحيد بين الله والناس الذي به وحده ينبغي أنَّ نخلُص. ونؤمن بأنَّ الرب يسوع المسيح مُسح بالروح القدس ليكون لنا نبيًّا وكاهنًا وملكًا كاملاً أبديًّا. وأنَّه أعلن إرادة الله ومشورته. وأنَّه لأجل فدائنا أكمل كل بر بطاعته المقدسة وبذبيحته الكفارية لأجل خطية العالم. وأنَّه بعد موته على الصليب ودفنه قام من الأموات بجسده وصعد إلى السماء حيث يشفع في شعبه على الدوام. وأنَّه حالٌ في المؤمنين ساكنُ في قلوبهم مانح لهم جدة الحياة والقوة، جاعلاً إياهم شركاء فيه وفيما له. وأنَّه جالس عن يمين الله، رأسًا لكنيسته وملكوته، وله سلطان على جميع المخلوقات العاقلة وغير العاقلة. وأنَّه سيأتي ثانية في مجد ليُبطل الشر ويرد كل شيء.

مادة 13 في الروح القدس:

نؤمن بأنَّ الروح القدس كائن ذو شخصية حقيقية، وهو الأقنوم الثالث في اللاهوت منبثق من الاَب والابن، يُؤمن به ويُحب ويُطاع ويُعبد مع الاَب والابن، وأنَّه اشترك في عمل الخلق. وهو رب كل حياة ومُعطيها. وأنَّه حاضر مع البشر في كل مكان ليرغّبهم في عمل الخير ويمنعهم عن الشر. وأنَّه تكلم بالأنبياء والرسل وأوحى إلى جميع كتبة الأسفار المقدسة ليعصمهم عن الخطأ في تدوين فكر الله وإرادته. وأنَّه قد كانت له علاقات خاصة مع الرب يسوع المسيح، إذ بقوته اتخذ ابن الله طبيعتنا بدون أن يتدنّس بالخطية. وبإرشاده وبمعونته وبتعضيده تمم المخلص عمله كوسيط وأن إليه موكولة خدمة الإنجيل بكيفية خاصة فيصحبها بقوته المقنعة، ويفعل برسالته في عقول الناس وضمائرهم، حتى لا يبقي عذر للذين يرفضون الرحمة المُقدّمة لهم فيها. ونؤمن بأنَّ الروح القدس هو العامل الوحيد الفعال في تخصيص الفداء، إذ يُبكّت الناس على الخطية، ويُنيرهم في معرفة الحقائق الروحيّة، ويسوقهم للإصغاء إلى دعوة الإنجيل، ويتحدهم بالمسيح، ويسكن فيهم بصفته مصدر الإيمان والقداسة والتعزية والمحبة. وإنَّه يمكث في الكنيسة كشخص حي جاعلاً فرائضها فعّالة مانحًا أعضائها مواهب ونعمًا متنوعة، داعيًا خدامها وماسحًا إياهم للخدمة المقدسة، مؤهلاً سائر الموظفين لعملهم الخاص، وأنَّه به تُحفظ الكنيسة وتُبنى وتمتد في كل العالم وتتمجَّد أخيرًا في السماوات مع المسيح.

إقرار الإيمان الويسمنستري

وقد قامت الكنيسة الإنجيليّة في مصر بترجمة إقرار وستمنستر الذي صدر في عام 1646 وهو من أهم الوثائق التي تقدم العقائد المسيحيّة من خلال الفكر اللاهوتي المُصلَح بحسب تعاليم الكتاب المقدس. يتميّز هذا الإقرار بغنى مضمونه، وشموليّة ودقة تعاليمه، واستناده على النصوص الكتابيّة لكل حقيقة لاهوتيّة يذكرها كل بند في الإقرار. وهو من ضمن الأسّس للتعاليم المشيخيّة في العالم. صدر مترجمًا عن دار الثقافة في القاهرة، تحت عنوان: “إقرار الإيمان الويسمنستري” (القاهرة: دار الثقافة، 1978م). وصدر مترجمًا عن خدمة الصورة تحت: “إقرار إيمان ويسمنستر مع دليل الأسئلة والأجوبة الموجز” عام 2024م. وهو من الوثائق اللاهوتيّة الهامة في تاريخ الفكر المصلح.

إقرار الإيمان للكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر عام 2006م

من الثابت أنَّ الكنائس البروتستانتية (الإنجيليّة) تقوم على صياغة إقرارات الإيمان الخاصة بها والتي تحدّد هويتها وانتماءها. يذكر مكرم نجيب أن كل جماعة من المؤمنين لها موقف معين، وزمن معين عبَّرت عن إيمانها طبقًا لاحتياجها والتحديات التي تواجهها بأسلوبها الخاص ومن هنا ظهر التنوع في إقرارات الإيمان.[2] ويرى نجيب أيضًا أنَّ علم اللاهوت أو التفكير الدينيّ المسيحيّ له مضمون ثابت، وله قوالب وصياغات متجدِّدة، لأنه يرتبط بالجغرافيا والتاريخ، أي الزمان والمكان.[3]

يشير جورج صبرا إلى إنَّ الكنائس الإنجيليّة في الشرق العربيّ بحاجة إلى تعبير معاصر للإيمان، أي إلى “اعتراف إيمان” ولكن هذا غير ممكن دون معرفة التعابير التاريخية لإيمانها. فلعل هذا الكتاب يقدر أن يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه فيعرّف الإنجيليّين المصلحين على تراثهم اللاهوتي والعقيدي ويحثهم على اعتراف إيمان معاصر لأن الكنيسة بحاجة إلى التعبير عن إيمانها في كل جيل وكل عصر فإنها بذلك تستجيب لما فعله إلهها من أجل البشرية في يسوع المسيح فتؤدي الشهادة له بالتسبيح والحمد والاعتراف.[4]

وهذا ما جعل الكنيسة الإنجيليّة في مصر تعيد صياغة إيمانها في ضوء المستجدات المعاصرة، ففي تاريخ الكنيسة الإنجيليّة في مصر وضعت الكنيسة إقرار إيمانها عام 1879م، وكانت هناك محاولات سابقة على ذلك ورد في كتاب الرفش القوصي لوضع دستور إيمان مسيحي، وقد أشرنا إليه سابقًا، وفي عام 1902م تشكلت لائحة المجلس الملّي الإنجيليّ، ثم في عام 1913م، ثم أعيدت صياغته في عام 1932م، وأيضًا في عام 1967م، ثم الدستور الحالي 1986م.[5]

وبناء على هذا دعا الدكتور القسّ عبد المسيح استفانوس (1929-2012)[6] في خطاب حفل تخرج كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة عام 1982م بالدعوة نحو علم لاهوت إنجيليّ مصريّ معاصر، وبعدها شكل السنودس لجنة لاهوتيّة لهذا الأمر، وذلك بحسب القرارات السنودسيّة الآتية: (64 / 111؛ 48 / 113؛ 49 / 113؛ 31 / 114؛ 36 / 115؛ 38 / 116) وقد استمر العمل والدراسة على إقرار الإيمان أكثر من ربع قرن من الزمان ليخرج لنا هذا الإقرار في عام 2006م.

ووفق قرار سنودس النيل الإنجيليّ ص1 /131ناقش السنودس الخاص التقرير المُقدم من لجنة القضايا اللاهوتية المُشكَّلة من السنودس، والتقرير الناتج عن لقائي إطسا وقصر الدوبارة، والموقَّع من أكثر مائتين من أعضاء السنودس. وبعد مناقشات مستفيضة؛ قرر السنودس: التأكيد على أن مواد إقرار الإيمان بدستور الكنيسة (44 مادة)، وإقرار الإيمان الإنجيلي (2006م)، هما المرجعية اللاهوتية لإيمان الكنيسة وعقائدها. أي أنَّ هذا القرار جمع ما بين الـ 44 مادة الواردة في الدستور، والصياغة الجديدة التي قبلها السنودس ونُشِرَت في كتاب خاص عام 2007م تحت عنوان: إقرار الإيمان الإنجيليّ للكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر، والذي صدر عن مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ بسنودس النيل الإنجيليّ، ليكون المرجع اللاهوتي للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر، وهو الملحق الذي ننشره في هذا العدد الخاص بمناسبة مرور 1700 عام على مجمع نيقية تأكيدًا على الثوابت الإيمانية الجامعة المشتركة بين كافة المؤمنين على مستوى العالم، يقع الإقرار الإيمان في 74 مادة تغطي كافة الجوانب العقائدية واللاهوتية وكل مادة ملحق بها الشواهد الكتابية الخاصة بها. ونشير هنا بالدور المحوري الذي قام به اللاهوتيّ الكبير الطيب الذكر الدكتور عبد المسيح استفانوس، مع أعضاء اللجنة المعاونين له في صياغة هذا الإقرار الذي قبله السنودس في عام 2006م.

القسّ عيد صلاح

عين شمس القاهرة، في 6 سبتمبر 2025م

***

 

 

إقرار الإيمان للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر 2006م

الإعلان الإلهيّ

 (1) نؤمن أن الله سامٍ ومرتفع فوق الجميع، لم يره أحد قط ولا يستطيع الإنسان أن يراه. وما كان للبشر أن يعرفوا الله حق المعرفة لو لم يعلن هو عن نفسه لهم، وإن إعلانه هذا كان متدرجًا. أعلن نفسه إعلانًا عامًّا، فالخليقة تتحدث عن مجده وعن أعماله، وتاريخ الشعوب وقيام الإمبراطوريات وسقوطها تعلن مشيئته، والإكتشافات العلمية المتزايدة والمتنوعة تُظهر عظمته، وضمير الإنسان يُحدِّثه عن الله. إلا أن هذه كلّها قد تقود الإنسان إلى قدرٍ من المعرفة عن الله وقد لا تقوده، فلا يدرك كلَّ هذه بكلِّ أبعادها سوى المؤمن. إلا أن الله أعلن نفسه إعلانًا خاصًّا لنوح ثم لإبراهيم ولنسله المختار ودخل في عهد معهم على أساس محبته ونعمته لا سواهما، وأنجز أعمال الفداء لشعبه القديم وتعامل معهم ووجههم بالقدر الذي كان يمكن لهم أن يُدركوه كجماعة بدائية، ليكونوا شعبًا خاصًّا له، يحملون رسالة الخلاص لكل البشرنؤمن أن الله كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة، واستخدم شخصيات مختلفة يحملها ويدفعها ويوجهها روحه القدوس لتدوين تاريخ تعامله مع شعبه، ومع مختلف الأشخاص والشعوب والممالك، وذلك متضمَّن في كتابات العهد القديم.

 

الشواهد: (أي29: 11)، (يو1: 18؛ كو 1: 15؛ 1يو4: 12)، (خر33: 20)، (عب1: 1 – 3، رو1: 19، 20). (مز19: 1). (أم21: 1؛ دا2: 21؛ 4: 34، 35 (رو 2: 15)، (رو1: 21)، (تك12: 1؛ أع 4: 2)، (تث7: 7، 8) (خر 14: 13)، (خر19: 5، 6؛ إش42: 6، 7)، (عب1: 1)، (2تي3: 16؛ 2بط1: 21)، (عب1: 1 –3؛ أع3: 24).

 

(2) نؤمن أنه لمَّا اكتمل كلُّ الإعداد الذي رآه الله في حكمته، أعلن ذاته إعلانًا كاملًا تامًّا في يسوع المسيح، كلمة الله الذي صار بشرًا، وحلَّ بين الناس. وقاد روح الله القدوس كتّابًا مختلفين ليقدّموا للأجيال، بوحي منه، شهادةً لهذا الإعلان الإلهي الكامل والتوجيهات اللازمة لشعبه في كتابات العهد الجديد، التي تُشكِّل مع كتابات العهد القديم الكتاب المقدس، الذي هو المرجع الوحيد المؤتمن لهذا الإعلان الإلهي. ولا زال الله يعلن نفسه بصورة متجددة لكل عصر ولكل جيل من خلال الكلمة المقدسة بعمل الروح القدس. ونؤمن أن الله وضع على عاتق المؤمنين به مسئولية إعلان شخصه للعالم اليوم، إذ يعيشون بمقتضى كلمته المقدسة قولًا وعملًا بقوة روحه القدوس، ويقرُّون بها دستورًا وحيدًا للإيمان والسلوك في الحياة.

الشواهد: (غل4: 4؛ يو1: 14، 18)، (2تي3: 16؛ 2بط1: 20، 21) (تث29: 29)، (يو14: 26؛ 16: 13)، (مت28: 19، 20؛ 2تي3: 16، 17؛ 1يو4: 12، 13).

 

 (3) نؤمن أن إعلان الله ذاته إعلانًا كاملًا في المسيح يسوع هو هو لا يتغير، وأنه لا توجد إضافات جديدة لهذا الإعلان الإلهي الذي يقدمه الكتاب المقدس. إلا أن الكنيسة على مر العصور والأجيال وهي تواجه المتغيرات المختلفة جغرافيًّا وتاريخيًّا، كثيرًا ما ألزمها الزمان والمكان لأن تعبّر عن إيمانها في لغة حديثة وبأساليب متجددة. بل إنه يجب على الكنيسة أن تستخدم في رسالتها التعليمية تعبيرات معاصرة وهي تقدم وتشرح الإيمان المسيحي. كما أن الكنيسة وهي تواجه البدع والتعاليم المخالفة أو المنحرفة، سواء من الداخل أو من الخارج، عليها أن تعبِّر عن إيمانها وتدافع عنه جيلًا بعد جيل بما يتناسب مع العصر، وتقتضيه الحاجة. ولذلك عبّرت عن إيمانها فى العصور الأولى عن طريق قوانين الإيمان المسكونية التى تقر بها كل الكنائس. إلا أن كنائس حركة الصلاح رأت الحاجة لإقرارات إيمان مكمّلة وموضحة لعقائدها. والكنيسة الإنجيلية بمصر تتمسك بقوانين الإيمان المسكونية، وتُقدِّر كثيرًا إقرارات الإيمان المشار إليها، تعبيرًا عن جذورها المتأصلة في تاريخ الكنيسة على مر العصور، وفي مختلف بلاد العالم، وهذا ما يسعى لأن يُقدمه إقرار الإيمان الإنجيلي اليوم، على أن تكون للصياغة الجديدة تطبيقاتها العملية في العبادة، وأسلوب إدارة شئون الكنيسة، والعلاقات المختلفة، وكذلك دور الكنيسة في المجتمع.

 الشواهد: (2بط1: 19)

 

 (4) نؤمن أن الإعلان الإلهي لا يهدف لتقديم مجرد حقائق وتعاليم ووصايا للبشر. لكنه لقاءٌ شخصي يولّد الإيمان ويتفاعل معه، ويقود إلى فهم الحقائق الروحية. فالإيمان والمعرفة متلازمان. ونؤمن أن الكتاب المقدس يُبرز الإيمان كعطية الله المجانية ليقرِّر الإنسان بإرادة شخصية أن يضع ثقته في الإله الواحد الحي الحقيقي الذي أعلن نفسه إعلانًا كاملًا في المسيح يسوع. فالإيمان هو الذي ينير الطريق للعقل والفكر والعواطف لتسير في الطريق الصحيح المأمون، فلا أمان بعيدًا عن الإيمان. والإيمان التزام بعلاقة وثيقة بالإله الواحد الحي الحقيقي، وتسليم النفس في طاعة وفرح وحرية من عبودية الآلهة المزيفة التي يصنعها البشر لأنفسهم. وليس الإيمان تسليمًا أعمى أو قفزةً في الظلام، لكنه ثقة ويقين وعلاقة شخصية بها نعلم ونفهم فنتكلَّم. والإيمان بالإله الحي إيمان حي يثمر في حياة المؤمن، في علاقته الشخصية بالرب، وفي العلاقة مع جماعة المؤمنين، والعلاقة بالمجتمع بالمشاركة الفعَّالة في الامتيازات كما وفي حمل المسئولية بكافة جوانبها عن فهم ودراية وإدراك، بتوجيه من اقتناع واعٍ. فإقرار إيماننا هو تعبير عن استعدادنا لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا فنشهد ونكرز برسالة الإنجيل.

 

الشواهد: (2أخ 20: 20؛ إش 7: 9)، (مز 116: 10، 1كو4: 13)، (1بط 3: 15).

 

الروح القدس والكلمة

 (5) نؤمن أن الإعلان الإلهي والإيمان والمعرفة والثقة ترتبط جميعًا بالروح القدس والكلمة المكتوبة، وأن الروح القدس لا ينفصل أبدًا عن الكلمة، كما أن الكلمة لا يمكن أن تنفصل عن الروح القدس.فنؤمن أن الذين قاموا بتدوين الكلمة المقدسة أناس أفرزهم الله، ودفعهم روحه القدوس وهيمن عليهم، مستخدمًا مواهبهم المتباينة، والأسلوب والمفردات المميزة لكل منهم ولعصرهم حتى أمكن أن تُنسب كلمات الكتاب المقدس للروح القدس. ونؤمن أن روح الله هو الذي أوحى بالكلمة المقدسة. وكأن الله نفخ في الكلمات البشرية نسمة منه، كما نفخ قديمًا في آدم، فأصبحت تلك الكلمات حية ومحيية، صادرة من فمه هو. ونؤمن أن روح الله القدوس مرتبط أيضًا بفاعلية الكلمة. فالروح هو الذي ينير الأذهان لقبول الكلمة. كما نؤمن أن الروح القدس لا زال يتحدَّث إلى المؤمنين اليوم من خلال الكلمة المقدسة، لا من خلال رؤى أو أحلام أو اختبارات أو إعلانات أو رسائل جديدة، فالكلمة النبوية أثبت تمامًا ودائمًا لذلك فهي الدستور الوحيد المعصوم ذو السلطة الكاملة للإيمان والعمل والرؤى والإعلانات التي نقرأ عنها في العهد الجديد كانت كلها قبل اكتمال تدوين الكلمة. ولذلك فنحن نرفض كل ما يتعارض مع نص أو روح وتعليم الكتاب المقدس مهما كان مصدره أو تاريخه. والروح القدس لا ينفصل أبدًا عن كلمة الله، وأي توجيه أو تعليم أو اختبار لا يتوافق مع الكلمة يجب رفضه. فقد ترك الروح القدس بصماته المميزة لشخصه في الكلمة المقدسة، ولا يمكن أن يصدر منه أو عنه ما يتعارض مع ما سبق أن قدَّمه.كما نؤمن أن الروح القدس الذي أوحى بالكلمة المقدسة هو الذي يمنح المؤمنين الثقة واليقين في صحة الكلمة، وصدق وعود الله للمؤمنين به.

 

الشواهد: (2بط 1: 21)، (أع 1: 16)، (إش51: 16، 59: 21؛ إر1: 9؛ أع 3: 21، 4: 25)، (يو5: 39)، (تث13: 1-4؛ غل1: 8، 9)، (1يو4: 1ـ3)، (2كو1: 20ـ22؛ 1يو2: 27).

 

إيماننـا بشـأن الله

 (6) نؤمن بإله واحد حي حقيقي، الآب، الذي منه جميع الأشياء ونحن له. وهو الألف والياء، البداية والنهاية. وإذ نؤمن بالله الواحد الحي الحقيقي، الذي لا إله غيره، فإننا له وحده نسجد وإياه وحده نعبد. بل نحبه من كل القلب ومن كل النفس ومن كل الفكر ومن كل القدرة. هو الإله الخالق والفادي والذي يقدّس الحياة. ونؤمن أن هذا الإله الحي الواحد الحقيقي حاضرٌ في كل مكان وعالمٌ بكل الأشياء، ولا تحده حدود، ولذلك فلا يحتاج المؤمنون لأن يأخذوا وضعًا معينًا أو أن يتجهوا في اتجاه معين وهم يتقدمون إليه في الصلاة. وعلى أساس إيماننا بالإله الواحد فإننا نقدم العبادة والسجود له وحده دون سواه. ونرفض كل عبادة أو سجود لغيره سواء من الملائكة أو البشر أيًّا كانوا. وكذلك نرفض تقبيل التماثيل أو الصور مهما كانت تسميتها، ونرفض السجود أمامها وتقديم أي شكل من أشكال العبادة لها، فذلك لا يجوز إلا للإله الواحد الحي الحقيقي دون سواه، حسب وصيته المقدسة إلا أن هذا لا يعني أن نُقصِّر في تقديم الإكرام لمن تُعلمنا الكلمة المقدسة بأن لهم الإكرام والذكر الطيب.

 

الشواهد: (يو1: 3، رو11: 36؛ 1كو8: 6؛ 11: 12؛ كو 1: 16)، (رؤ1: 8)، (تث 6: 13، 14؛ مت 4: 10)، (مر12: 29، 30)، (خر20: 3؛ كو 2: 18؛ عب2: 5؛ رؤ19: 10، 22: 9)، (خر20: 12؛ دا 9: 23؛ لو 1: 42، 48؛ يو12: 26؛ رو13: 7؛ 1تي 5: 17؛ 1تس5: 12، 13؛ عب 13: 7، 17؛ 1بط 2: 17)، (خر20: 4، 5؛ إش 42: 8؛ 48: 11؛ أع 10: 25،26).

       

 (7) ونؤمن أن الإله الواحد الحي الحقيقي، هو الآب، أبو ربنا يسوع المسيح والذي منه ينبثق الروح القدس أي ينبع ويفيض تلقائيًّا. فهو في ذاته في الأزل، ولأجلنا في الزمن، الإله الواحد الذي أعلن لنا ذاته بطريق مثلث: الآب والابن والروح القدس. وإيماننا بالثالوث هو نتيجة اختبار المؤمنين وتفاعلهم مع التجسد ومع حلول الروح القدس في يوم الخمسين وإن كان العقل البشري المحدود لا يستطيع أن يستوعب طبيعة الله التي تفوق إدراك البشر، فلا مجال لرفض عقيدة الثالوث لمجرد أن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعبها. فمن ذا الذي يستطيع أن يستوعب أن الله حاضر في كل مكان، وعالم بكل شيء، وسامع لدعاء جميع البشر في كل مكان وفي كل آن؟! ونؤمن أننا نعتمد في معرفتنا لشخص الله على ما أعلنه هو لنا عن ذاته، إذ أخبرنا عنه الابن الوحيد القريب من قلب الآب. ولم يكن ذلك مجرد كلام أو رسالة ولكنه كان هو نفسه، بميلاده المعجزي، وحياته المتفردة، وموته على الصليب، وقيامته المجيدة، وصعوده… تجسيدًا لفكر وحكمة الله، حتى أنَّ من رآه وتعامل معه يكون قد رأى الله وتعرّف على شخصه.فالآب كائن بذاته، لا هو مولود ولا منبثق. إنه الأصل والمصدر، وقد أعلن لنا عن ذاته في المسيح يسوع، الذي هو الله معنا، وذلك بالروح القدس الذي هو الله فينا، بينما يظل هو هو الآب، الله الذي هو فوقنا. ووحدانية الله وحدانية غنيَّة، لا هي وحدانية حسابية ولا هي وحدانية العُزلة والانفراد، فهو الواحد في ثالوث والثالوث في الواحد. ولذلك فهو المتكلِّم والمحبُّ في ذاته من الأزل، ومن قبل تعامله مع خلائقه، لأنه لا حاجة له إلى غيره. وعلى أساس كيانه الذاتي الأزلي كثالوث يعلن لنا نفسه في قلب الزمن بطرق ثلاث متحدة لا انفصال فيها. فهو الإله الواحد ذو الجوهر الواحد المثلث الأقانيم. ولا يمكن وأن نُفكِّرَ في الواحد دون أن تحيط بنا أمجاد الثلاثة، ولا أن نميِّز بين الثلاثة دون أن يتجه فكرنا إلى الواحد. والابن يخضع للآب ويطيعه من منطلق “علاقة” الابن بالآب، لا لأن “طبيعته” مختلفة أو أنه مختلف في الجوهر. وكذلك الروح القدس، روح المسيح، ينبثق أي ينبع ويفيض من الآب ويرسله الابن للمؤمنين.

 

الشواهد: (أف1: 3؛ 1بط 1: 3)، (يو15: 26)، (يو1: 14)، (أع 2: 17، 18) (يو1: 14)، (يو14: 9)، (يو15: 26).

 

سيادة الله والعناية الإلهية

 (8) نؤمن أن إلهنا هو الآب القادر على كل شيء، ضابط الكل، الممسك بزمام الكون وكافة الأمور، والإيمان به يعطي الحياة معنى وقيمة وهدفًا إذ يحقق مقاصده الصالحة والرحيمة، ويمنح الثقة في الحياة وفي الممات لأن وعوده صادقة وعهوده أمينة. ونؤمن أن سيادة الله تظهر جليًّا في خلقه للكون، وإعلانه عن ذاته، وفي عمل الفداء ونتائجه، إذ لم يكن مضطرًا لأي من هذه. كما تظهر أيضًا في عمل الدينونة. ونؤمن أن سيادة الله لا تنفي حرية الإنسان، فإذ خلق الله الإنسان في البدء على صورته منحه الحرية ليطيعه مختارًا لا مكرهًا، ووضع على عاتقه مسئولية قراراته، وهي مسئولية لا يستطيع الإنسان أن يتنصل منها حتى بعد أن سقط في الخطيئة.ونؤمن أن الله في عنايته يحفظ كل خلائقه، كما أنه يدير شئون الكون دون تناقض مع النظام الذي أوجده هو فيه. إلا أنه يوجه كل شيء نحو هدف معين حسب قصد مشيئته وعلمه السابق. فإذ عيَّن النهاية، رتب البداية، والطريق إلى الهدف، لأن منه، وبه، وله كل الأشياء. وهو لا يحقق أهدافه بكيفية ميكانيكية، أو دون اعتبار لحرية خلائقه، وهذا هو المفهوم الكتابي لقضاء الله.

الشواهد: (عد23: 19؛ رو11: 29؛ 1كو1: 20)، (إش40: 12، 13، 21، 23؛ 42: 5)، (تك2: 16، 17)، (تث30: 19؛ يش 24: 15)، (إش 40: 26)، (أع 4: 27، 28؛ رو8: 28ـ30)، (رو11: 36).

 

 (9) ونؤمن أن إلهنا سيد التاريخ، لكنه لا يتعامل مع الأمور كما يتعامل معها البشر في نطاق الزمن، كماض وحاضر ومستقبل. وتتعقد الأمور أمامنا، وتتشابك الحقائق، عندما نحاول أن نتفّهم سيادة الله وعنايته وكلَّ تعامله مع الإنسان، وكأنه بشر مثلنا يتعامل ويتفاعل بمقتضى الزمن: الماضي والحاضر والمستقبل. ونؤمن أن سيادة إلهنا للتاريخ لا تعني أن العناية الإلهية تشمل أحداثًا دون أحداثٍ. فهو الذي يفتح ولا أحد يُغلق، كما أنه هو أيضًا الذي يغلق ولا أحد يفتح. وانتصارات وانكسارات شعبه في القديم، والصحة والمرض، والسعة والضيق في حياة المؤمنين تقع كلها داخل نطاق عنايته الفائقة وهو الذي يهتم بالأحداث والأمور الكبيرة، كما يعتني بأصغر التفصيلات. وتوقيته يفوق الإدراك. فهو الذي معه أمرنا. ونؤمن أن العناية الإلهية لا تعني حصانة المؤمن من كل المخاطر والشرور. فالله الذي يُعطي، هو أيضًا الذي يأخذ. يستطيع أن يحفظ من الأتون ويستطيع أن يحفظ في الأتون. يهب المؤمنين به الانتصار على تجارب الحياة وشرورها، كما يهبهم ما يفوق الانتصار في قلب ظروف الحياة الصعبة أحيانًا أخرى كما أن نجاح الأشرار لا يزعزع ولا يزحزح ثقتنا في العناية الإلهية.

 

الشواهد: (رؤ3: 7)، (مت30:10)، (عب13:4)، (أي 1: 21)، (دا 3: 17)، (دا 3: 27، 28).

 

 (10) ونؤمن أن ثقتنا في عناية الله لا تعني أن نكفّ عن الصلاة. فأبونا السماوي الذي جعلنا شركاء الطبيعة الإلهية، وأجلسنا مع المسيح في السماويات، يستحثنا لأن نصلي، وأن نصلي بلجاجة، فنشارك في الجهاد ضد قوات الشر والخطية لتحقيق ملكوته ولإتمام مشيئته الصالحة. كما أن إيماننا الراسخ بعناية الله يدفعنا للثقة أن حاضرنا ومستقبلنا في يده هو. ولذلك فنحن نرفض التعامل مع كل ادعاءات كشف المستقبل بالنسبة لنا أو غيرنا بمختلف الصور والأشكال مهما كانت. أما الدراسات المستقبلية فنحن نشجعها تمامًا.

 

الشواهد: (2 بط 1: 4)، (أف 6: 18؛ كو 1: 24)، (أف 2: 6).

 

سيادة الله ومحبته ومشكلة الشر والألم

 (11) نؤمن أن أبوة الله بكل ما تنطوي عليه من الحب والعناية والرعاية لا تتعارض مع سيادته وقدرته على كل شيء، وضبطه لكل الأشياء. إن الكوارث الطبيعية، والكراهية والظلم والأنانية والألم بين البشر كثيرًا ما تثير الشكوك والتساؤلات في كون الله أبًا محبًا، وفي نفس الوقت قادرًا على كل شيء. ولا يقدم الإيمان إجابة فلسفية منطقية تُقنع العقل في مواجهة هذه التساؤلات، ولكنه يقدم إجابة عملية في انتصار الله على قوى الشر والألم والموت في المسيح، بتجسده، وحياته، وصلبه، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه في السماويات. ونؤمن أن المسيح يسوع في كل حياته على الأرض وبصفة خاصة قُرب نهايتها احتمل كافة الآلام التي يمكن أن يمر فيها البشر، سواء كانت نفسية أو جسمانية أو غيرها. ولم يكن هيرودس وبيلاطس وشعب اليهود وحدهم هم الذين رفضوا المسيح، بل شاركت كل البشرية في ذلك. ولم تبلغ مشكلة الشر والألم ذروتها بمثل ما بلغته في الصليب. وإننا نؤمن أن المسيح تعرَّض لكل التجارب وقَبِلَ كلَّ الآلام كممثِّل للجنس البشري ليكفّر عن خطية العالم. فانتصر بشخصه وبصليبه على كل قوات الشر الروحية، ليُهيء الفداء لشعبه فالألم عنصر أساسي في نسيج تاريخ الخلاص، لأن الغفران ليس شيئًا هينًا. وبقدر جسامة جرم البشرية كانت عظمة تكلفة غفران الله في المسيح. إلا إننا نؤمن أن آلام الفداء عبَّرت أيضًا من زاوية أخرى عن تضامن الله في المسيح مع الجنس البشري في مواجهة الألم، فهو الإله الذي يتألم معنا. وإذ تألم مثلنا فهو يتفهَّم ضعفاتنا، ويعرف ما نعانيه ويرثى لآلامنا، لأنه مُجرَّب في كل شيء مثلنا، وإن يكن بلا خطية. ونؤمن أنه إذ تألم المسيح من أجلنا ومعنا فإنه يدعونا لأن نتألم معه ونتألم لأجله، ودعوة التلمذة له هي دعوة إنكار الذات وحمل الصليب هذا وإن كنا نعلم أن الشر قد بلغ ذروته في الصليب، ففي الصليب، أيضًا، في ضوء القيامة، ذروة النصر على كل قوى الشر والخطية والألم. فنحن نؤمن أن المعركة الفاصلة قد حُسمت، ونحن نحيا على رجاء اكتمال إعلان النصر النهائي، إذ يصالح الله الخليقة كلها لنفسه في المسيح، ويجدد كل شيء، فتتحقق السماء الجديدة والأرض الجديدة.

 

الشواهد: (مز22: 1؛ 44: 23 – 25؛ 73: 2++؛ إر12: 1++؛ حب1: 2++)، (عب2: 10)، (أع 4: 25ـ28)، (رو5: 17، 18)، (2كو2: 14؛ كو2: 15)، (2كو5: 21؛ 9: 15)، (إش 63: 9)، (عب 4: 15)، (مت 16: 24)، (كو2: 15)، (رو8: 19 –21؛ 2كو5: 18-21؛ رؤ21: 1).

 

إيماننا بشأن الخلق

 

 (12) نؤمن أن إلهنا الكامل في ذاته، والغني تمامًا وأبدًا عن أي من سواه، لمجده وفي محبته ونعمته، دون سبب خارج عن ذاته، قرر في حرية مطلقة أن لا يكون منفردًا، فخلق العالم كله من العدم. فإننا بالإيمان نفهم أن الخليقة قد جُبلت بإتقان بكلمة الله، فلم يتكون ما نراه، من شيء كان موجودًا من قبل. فهو خالق الكل، الزمان والمكان.ونؤمن أن عقيدة الخلق تُبرز سيادة الله المثلث الأقانيم: الآب خالق السماء والأرض، والابن، كلمته، الذي به كان كل شيء، والروح القدس، الرب المحيي. فلم يكن الله في حاجة للإنسان، ولكنه لمجرد محبته ونعمته أفسح المجال لوجود البشر، للشركة معه. ونؤمن أن الله الذي خلق العالم يعتني به. فلا زال الله يعمل، إنه لم يخلق العالم ثم تركه وشأنه. إنه حامل كل الأشياء بكلمة قدرته، واهتمامه بالخليقة يبلغ ذروته في عمل الفداء. ونؤمن أيضًا أن إلهنا الذي خلق الأرض وكل ما يُرى، هو الذي خلق السماوات وكل ما لا يرى.

 

الشواهد: (تك 1 :1، يو 1:1-4)، (عب11: 3)، (تك1: 1)، (يو1: 3)، (تك1: 2؛ مز 104: 30)، (تك2: 7، 8)، (يو5: 17)، (يو5: 17)، (كو1: 17؛ عب1: 3)، (كو1: 14-20).

 (13) ونؤمن أنه إذ ائتمنا الله على الخليقة وضع علينا مسئولية العناية بها والمحافظة على البيئة، واستخدام الموارد الطبيعية استخدامًا مسئولًا، ورفض كل مواد وأدوات الدمار. وإيماننا بالله خالقنا يدفعنا لأن نتذكر دائمًا أنه هو الخالق ونحن خليقته، ويجب أن يكون هو وحده في مركز الدائرة والمهيمن عليها.وإيماننا أن الله خالقنا يدفعنا لأن ندرك أن جميع البشر من كل الأجناس والألوان، والديانات، الرجال والنساء، متساوون أمامه، يجب أن يهتم كلٌّ منهم باحتياجات الآخر، واحترام وتوقير الخالق يدفعنا لاحترام حقوق الآخرين مهما كانت انتماءاتهم، بل ويوجه كل تعاملنا مع كل خليقة الله. ونعترف أن إيماننا أن خليقة الله جيدة لا يعني أن نغمض عيوننا عن الشر والخطية والألم في العالم.

 

الشواهد: (مز68: 5)، (مت23: 9)، (رؤ4: 11).

 

 (14) نؤمن أن قصة الخليقة كما يُقدمها لنا الكتاب المقدس ليست لإشباع فضولنا عن كيف خلق الله العالم، ولا لتكون مرجعًا علميًّا في أي مجال من مجالات العلوم، ولكنها تعبِّر أساسًا عن الإيمان بالله والثقة بربنا يسوع المسيح، ورفض الثقة بالذات أو بأيِّ من المخلوقات أو الخوف والفزع منها. ونؤمن أن لغة الإيمان ولغة العلم ليستا بالضرورة متناقضتين، بل إن كلًا منهما يُثري الآخر. وعقيدة الخلق وعقيدة عناية الله المستمرة تعبّران عن التغيُّر المستمر في الكون. والعلم يدرك اليوم محدوديته، وإيماننا بالله يوضح لنا أن أعمال الله وأهدافه تسمو فوق محدودية مركزية الإنسان، ليكون الله دائمًا في مركز الدائرة. وهذا لا يقلل من شأن الحياة الإنسانية التي يهتم العلم بجوانبها المتعددة، بل إن الإيمان يدعو إلى إعادة تقييم الخليقة، مما يهتم به العلم أيضًا.

 

الشواهد: (تك1:1؛ يو1: 3؛ رو1: 19، 20؛ كو1: 16؛ عب11: 1- 3).

 

الخليقة والزواج والأسرة

 (15) نؤمن أن قصة الخليقة تقدم لنا المفهوم الصحيح للزواج وللأسرة، فالله الذي قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض” رسم الزواج ليكون ارتباط رجل واحد بامرأة واحدة في شركة دائمة، وحب متبادل، وأمانة كاملة، تجعل من الاثنين جسدًا واحدًا، أي كيانًا واحدًا، لا يقبل النقصان ولا يقبل الزيادة لأنّ من جمعهما الله أي قرنهما معًا لا يفرقهما الإنسان. لذلك نرفض تعدد الزوجات أو الأزواج ليكون الزواج مكرَّمًا، دون إهدار لشخصية المرأة أو شخصية الرجل. ورغم أن الله “يكره الطلاق” إلا انه سمح به في حال الخيانة الزوجية وإن كان لم يغلق الباب أمام توبة الطرف المخطئ. وتعتمد الكنيسة في رعايتها لأسرها وفي مواجهة المشكلات العائلية على توجيهات الروح القدس والكلمة المقدسة في التعامل مع كافة الحالات، داخل إطار واضح وضوابط تحددها الكنيسة العامة. وتحدد الكلمة المقدسة إطار العلاقة بين الأزواج والزوجات فلا يهتم كل طرف بما هو لنفسه، بل بما للآخر. كما توضح الكلمة المقدسة ما يجب أن تكون عليه العلاقات المتبادلة بين الآباء والأبناء في توازن واضح. كما يوصينا الكتاب المقدس بضبط الغرائز الجنسية وينهانا عن كل العلاقات والممارسات الجنسية بعيدًا عن الزواج، كما يوصينا بتجنب كل ما يثير الغرائز الجنسية، بمختلف الصور والأشكال مما يضع مسئولية كبيرة على عاتق الوالدين والكنيسة للقيام بدورهم في التربية المسيحية. وتؤكد الكلمة المقدسة أنه في المسيح زالت الفوارق بين الرجال والنساء وانتهى دور الشريعة الطقسية إذ علينا أن نثبت في الحرية التي حررنا المسيح بها. أما العلاقات الجنسية المثلية بين رجل ورجل أو امرأة وامرأة[7]، ومعاشرة الحيوانات فكتابنا المقدس يدين كل هذه العلاقات إدانة قاطعة.

 

الخليقة والعبادة والشهادة

 (16) كما أننا نؤمن أن الخليقة بجملتها خليقة الله، وتخضع له. ونرفض مبدأ الازدواجية التي تمجّد العقل والنشاط الفكري، وتنظر باحتقار للمادة والعمل اليدوي. ويريدنا أن نحب الرب من كل القلب ومن كل النفس ومن كل الفكر ومن كل القدرة. ونؤمن أننا لسنا بحاجة لأن ندعو لتغليب الروح على الجسد بتناول أنواع من الطعام دون غيرها، فكل خليقة الله جيدة وصالحة. كما أننا نؤمن أن الرب ينتظر من المؤمنين حياة النشاط في الشهادة لشخصه، والعمل المثمر والخدمة وتحمُّل المسئولية في المجتمع، لا حياة الانسحاب منه. ونؤمن أنه من قبل أن توجد الخليقة، قبل تأسيس العالم، كان هنالك العهد الإلهي، عهد النعمة، واختيار المؤمنين في المسيح يسوع ليكونوا قديسين وبلا لوم أمامه، وتعيينهم مسبقًا ليكونوا أبناء الله، وفقًا لما سُرَّت به مشيئته، لمدح نعمته المجيدة. وهذه تعبيرات الإيمان التي قد لا يستوعبها العقل تمامًا. ونؤمن أن إله العهد القديم، الخالق، هو نفسه إله العهد الجديد، الفادي، فالله هو الخالق وهو نفسه الفادي، في آن معًا. وأن شعب الرب في العهد القديم الذي ارتبط بعهد مع الله، يهوه، والكنيسة التي ارتبطت بعهد مع المسيح، وسيط العهد الجديد هما شعب واحد، والعهد واحد، عهد نعمة؛ والأساس واحد، أساس محبة الله للإنسان، والفداء واحد بدم المسيح.

 

المفهوم الكتابي للإنسان

 

الإنسان على صورة الله

 (17) نؤمن أن الله وقد ترك بصمات مجده في الخليقة، جبل الإنسان على صورته، وهي صورة تتحقق كانعكاس لصورة الله، وكأن الإنسان مرآة. لذلك فنحن نؤمن أن الإنسان لا يحقق إنسانيته، ولا الغاية التي خُلق لأجلها، إلا في شركةٍ مع الله، وتجاوبٍ معه، فيعكس صورته.

 

 ونؤمن أن الله خلق الإنسان على صورته ليذكِّرنا دائمًا أننا لسنا لذواتنا، فنمجد الله في أجسادنا وأرواحنا. وعلى صورته لنعطي ما لله لله. فنحن وكلاء ولسنا مالكين، لا لأنفسنا ولا للخليقة. فقد أوجد الله آدم في جنة عدن ليعملها ويحفظها، فيُفلح الأرض ويعتني بالجنة. نؤمن أنه الله خلق الإنسان على صورته. ففي الخليقة الجديدة في المسيح، يعود المؤمن ليكون على صورة خالقه، يتصف بالبر والمعرفة والقداسة. إلا أن صورة الله التي خُلق عليها الإنسان تظهر بشكل أوضح في المسيح يسوع ففيه نرى الإنسانية كما يجب أن تكون، وكما أرادها الله أن تكون.

 

الشواهد: (تك1: 28)، (تك2: 24؛ مت19: 4-6؛ أف5: 31)، (مت19: 6)، (1كو7: 10، 11؛ 11:11؛ عب13: 4)، (مل3: 16)، (مت5: 31، 32؛ 19: 8، 9؛ مر10: 11؛ لو16: 18)، (1كو10: 4؛ 13: 5؛ في2: 4)، (مت5: 28)، (رو13: 11-14؛ 1كو9: 25، 27؛ غل5: 19؛ 1تي5: 22؛ 2تي2: 23؛ عب13: 4)، (أع 10: 28؛ 15: 5، 9، 10، 28ـ29) (لا 12: 1ـ8؛ 15: 19ـ30)، (غل3: 28)، (غل5: 1)، (لا 18: 22، 23؛ 20: 13، 15، 16؛ رو1: 26، 27؛ 1كو6: 9؛ 1تي1: 10)، (تك2: 15)، (مر12: 30)، (أف1: 3 – 6؛ 1بط1: 2)، (1بط2: 10)، (أف2: 13) ، (تك1: 27)، ( 1كو6: 19، 20)، ( مت22: 20؛ مر12: 17؛ لو20: 25 )، (تك2: 15).

 

 (18) ونؤمن أن الله الذي خلق الإنسان على صورته مثلث الأقانيم، ولذلك لا يحيا الإنسان في عزلة وانفراد، بل في تعايش مع الآخرين ومع كل الخليقة أيضًا. كما أنه يعيش في حوار مستمر مع الآخر كشخص. ونؤمن أنه إذ خلق الله الإنسان على صورته، فإن إنسانية الإنسان تتحقق في اللقاء مع الله والتجاوب مع دعوة محبته. لأن الإنسان يستمد قيمته من مخاطبة الله له. ونؤمن أنه إذ خلق الله الإنسان على صورته ميَّزه عن سائر الخليقة، ووضعه على قمة الخليقة ومنحه الحرية ومعها المسئولية ليتجاوب مع الله باختياره. إلا أن الحرية التي وهبها الله للإنسان يجب أن يضع لها باختياره حدودًا من منطلق روح المسئولية. ونؤمن أن الكتاب المقدس عندما يتحدث عن الروح والنفس والجسد في الإنسان، لا يقصد أن يتحدث عن أجزاء أو مكوّنات يمكن الحديث عن أحدها بمعزل عن الآخر. فالإنسان وحدة واحدة متكاملة. إنه شخص. والجسد والنفس والروح جوانب من الكيان الإنساني كله في حياته، وأنشطته وعلاقاته المختلفة بالله والعالم. وهذه الجوانب المختلفة كلها في تفاعل مستمر بعضها مع بعض. وعندما يتحدث الكتاب المقدس عن الجسد لا يعني دائمًا شيئًا ماديًّا. ولكنه كثيرًا ما يقصد الجانب المتدني في الإنسان ككل، ولا يتحدث الكتاب المقدس عن الجسم البشري، الجانب المادي، باعتباره في ذاته معوِّقًا للجانب الروحي في الإنسان. بل إنه يفترض في المؤمنين العناية بأجسادهم ورعايتها، لتُستخدم لمجد الله. وإذ خلق الله الإنسان على صورته عليه أن يكون مبدعًا خلاّقًا، وإذ أعطاه أن يتسلط على الخليقة، لكنه يظل تحت سلطان الله فعليه أن يتعامل مع الخليقة بروح الوكالة، فيحافظ عليها ويعتني بها، ويعمل على تنميتها، ويصونها من الخراب والتلوّث على مثال الخالق الأمين.

 

الشواهد: (1كو6: 19، 20) (1تس5: 23)، (1كو6: 20؛ أف5: 29)، (تك2: 15)، (1أخ16: 32،33؛ مز96: 12،11، 98: 8؛ إش55: 12؛ رو8: 21).

 

المفهوم الكتابي لسقوط الإنسان

 (19) رغم أن الإنسان خُلق على صورة الله، إلا أنه يشعر بالاغتراب عن خالقه وعن أخيه الإنسان، بل إنه يحيا منقسمًا على نفسه في حرب داخلية، فهو يعرف ما يجب أن يكون عليه، ولكنه يدرك واقعه الذي يتناقض مع ذلك. كما يدرك أن هنالك نشازًا في حياته، وأنه فقد التوازن بين عقله وعواطفه وإرادته، فهي تتعارض فيما بينها، وتتفاعل في داخله دوافع الغيرة والحسد والكراهية والكبرياء واحتقار الذات التي لا يستطيع أن يسيطر عليها تمامًا. ويعلمنا الكتاب المقدس أن السبب في ذلك هو سقوط الإنسان والخطيئة التي شوّهت صورة الله التي خُلق عليها. فنحن نؤمن أن الله خلق الإنسان ليحيا في شركة معه، يشكره ويمجده، ويستمتع ببركاته، ويكون الله مركز حياته ووجوده. إلا أن الإنسان وضع الذات في مكان الله “ليكون كالله”، ورفض قبول المحدودية البشرية. وإذ أخطأ الهدف وسادت الكبرياء والذات على حياته، تجاوز الحدود التي رسمها له الله فانفصل عنه، وفقد الشركة معه، وأصبح “مبدأ” الخطية والانحراف جزءًا من طبيعته. ونؤمن أن الكتاب المقدس يعلمنا أن الله أعطى الإنسان الشريعة لترشده في طريق الخير والحياة والشركة معه. ولكنه عصى الله، فأصبحت الشريعة التي كان هدفها أن تقوده للحياة، مؤدية به إلى الموت أي الانفصال عن الله. ويتحدث الكتاب المقدس عن الخطيئة وكأنها مرض خبيث استشرى في كل الجنس البشري حتى أصبح الإنسان يولد بالإثم وكل البشر زاغوا وفسدوا، ليس من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد. والخطايا الفردية التي تصدر عن البشر هي الثمرة الطبيعية للطبيعة البشرية الخاطئة، وتنبع من داخل الإنسان. ولذلك فنحن نؤمن أن الخطيئة هي مشكلة الإنسان العظمى، ولا تجد لها حلًا بمزيد من المعرفة والتعلّم أو بقوة الإرادة، أو ممارسة أعمال الخير، أو الإصلاحات الاجتماعية. والخطيئة في عموميتها كما يُقدمها لنا الكتاب المقدس، والتي اصطلح اللاهوتيون على تسميتها الخطيئة الأصلية، لا تعني أن البشر يرثون جرمها الذي يستحق العقاب، فهذا قد حمله المسيح على الصليب، بل تعني التضامن الذي يجمع الكل معًا في حال البُعد عن الله، وفقدان الشركة معه. وإن كانت العلاقة به لا تنقطع، إلا أنها تكون علاقة اغتراب يحيا البشر فيها تحت غضب الله وتحت حكم الموت. فهي الميل أو الانحراف المتوارث نحو الخطيئة، وهو الذي يظهر عاجلًا أو آجلًا في كل طفل يولد. ويعلمنا الكتاب المقدس أن هذه الخطيئة العامة المتوارثة أفسدت الطبيعة البشرية فسادًا تامًا وشوهت صورة الله في الإنسان. وهذا لا يعني أن الإنسان وصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه من شر، ولكنه يعني أن الخطيئة تغلغلت إلى جميع جوانب حياته، ولها تأثيرها السيء حتى على الأعمال التي يعتبرها البشر أعمالًا صالحة. كما يعني أيضًا أنه لا وسيلة لإعادة الإنسان للاتجاه الصحيح إلا بعمل نعمة الله في القلب. ولا يحدثنا الكتاب المقدس عن أي شخص نجا من وصمة ولطخة الخطيئة سوى يسوع المسيح وحده الذي “لم يعرف خطية”. ولا يحدثنا عن أي شخص آخر حُبلَ به بلا دنس. إلا أننا نؤمن أن كتابنا المقدس رغم كل تنبيره على فساد الطبيعة البشرية يؤكد تمامًا وفي نفس الوقت مسئولية الإنسان (تث30: 15؛ مز37: 27؛ أم14:14).

الشواهد: (تك4: 14)، (رو7: 15-19)، (يع4: 2)، (تك1: 28)، (تك3: 5)، (تك3: 23)، (في2: 15)، (تث30: 15، 16؛ رو7: 12)، (رو 7: 10؛ 2كو 3: 6،7)، (رو1: 18؛ أف5:5، 6؛ كو3: 6)، (مز51: 5)، (في2: 15)، (رو3: 24؛ 5: 8؛ أف2: 8)، (2كو5: 21؛ عب4: 15)، (1بط1: 19)، (مز14: 3)، (مت15: 19).

 

إيماننا بشأن شخص المسيح

 (20) نؤمن أن الحياة الأبدية هي معرفة الإله الحقيقي وحده والرب يسوع المسيح معرفة الإيمان والثقة والطاعة. وهي معرفة لا تتحقق إلا بعمل الروح القدس في القلب. ونؤمن أن المسيحية تتميز بإيمانها برب واحد يسوع المسيح ابن الله، رب الكنيسة ورأسها الوحيد.

 ورغم أننا نتحدث أولًا عن إيماننا بالله الآب، إلا أن إيماننا بربنا الواحد يسوع المسيح، الله الابن، هو الذي يكشف لنا الطريق لمعرفة الآب. فلا سبيل لمعرفة الآب إلا عن طريق الابن، والذي يعرف الابن يعرف الآب. وعقيدتنا بشأن الابن هي حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، وتمثل المكان المركزي في التعليم المسيحي. ونؤمن أن اعترافنا برب واحد، يسوع المسيح يعني أن تكون له السيادة والسلطان في حياتنا الشخصية والعائلية وفي علاقاتنا الكنسية وكل معاملاتنا في المجتمع، وفي استخدامنا لكل وسائل العصر، فنثبت فيه ونرتبط به في ثقة تامة وطاعة كاملة. وكل ما نقوم به من قول أو عمل فإنما نفعله باسمه، مقدمين به الشكر لله الآب. وإذ نؤمن برب واحد يسوع المسيح فإننا نصلي باسمه ونتعبد باسمه في الروح القدس، في ثقة أنه حيّ ويشفع في المؤمنين. وإيماننا بيسوع يوضِّح عمله لأجلنا كمؤمنين به، وإيماننا بالمسيح يوضح لنا أنه الممسوح، أي المعيَّن والمفرز من الله ليكون نبيّنا الأعظم الذي يعلِّمنا ويكشف لنا مقاصد الله ومشيئته، وليكون رئيس كهنتنا الأوحد الذي افتدانا بذبيحة جسده، الذبيحة الواحدة التي لا تتكرر ويشفع فينا لدى الآب، وليكون ملكنا الأبدي الذي يسود على حياتنا، كما يدافع عنا ويحفظنا في دائرة الخلاص.

 

 الشواهد: (يو17: 3)، (1كو12: 3)، (1كو8: 6؛ أف 5: 23)، (مت11: 27؛ لو 10: 22؛ يو 1: 18)، (يو14: 9)، (كو3: 17)، (عب 7: 26 – 27)، (عب7: 25)، (رو8: 30، غل 1: 6؛ 1تس2: 12؛ تي 1: 9؛ 1بط1: 15)، (يو 14: 13، 14)، (عب7: 25؛ 1يو2: 1).

 

ألوهية الرب يسوع المسيح

 (21) نؤمن أنه إذ أعلن الله ذاته لنا، استخدم تعبيرات بشرية ليقرِّب الحقائق لمداركنا. ونؤمن أنه مهما سما تفكيرنا ودققنا في تعبيراتنا، فلن يمكن لنا أن نجد المفردات التي تعبِّر تعبيرًا دقيقًا شاملًا عن شخصه المبارك في ذاته، وعن تعامله مع خلائقه، وعن تجسُّد الرب يسوع المسيح. فكيف يمكننا أن ندرك ما يفوق إدراك البشر؟! لذلك فنحن نؤمن أن معرفتنا لله هي معرفة إيمانية. إنها ليست معرفة أكاديمية، ولا لإشباع الفضول فينا. إنها معرفة الثقة والطاعة. ونؤمن أن الأساس اللاهوتي لحديث الكتاب المقدس عن الآب والابن بمختلف العبارات والمفردات هو الإعلان الإلهي في المسيح يسوع. ونؤمن أن إقرارنا أن يسوع المسيح هو ابن الله الوحيد إنما لنؤكد أنه هو والآب واحد. ولن نفرِّط أبدًا في إيماننا بوحدانية الله. وإقرارنا أن المسيح يسوع مولود من الآب قبل كل الدهور، وأنه مولود غير مخلوق فيه تأكيد للفارق الشاسع بين “المولود” و “المخلوق”. فهو الكلمة الذي به كان كل شيء. “الكلمة” التي هي الفكر الإلهي المنطوق، كالحديث عن الفكر وبنات الأفكار مع الفارق الشاسع طبعًا.

الشواهد: (يو 14: 10؛ 16: 15).

 

تساؤلات بشأن ألوهية الرب يسوع

 (22) ونعلم أنه على مر العصور، ظهرت من داخل الكنيسة ومن خارجها بعض التعاليم المنحرفة التي رفضت الإيمان بألوهية الرب يسوع المسيح. كانت دوافع بعضها أخلاقية حتى يمكن الدعوة للتمثُّل بالمسيح، الإنسان. بينما كان دوافع بعضها الآخر عقلانيًّا باعتبار أن العقل لا يستطيع أن يقبل فكرة التجسد. وفي مواجهة من يرفضون عقيدة التجسد ويقتبسون بعض كلمات الكتاب المقدس فإننا نؤكد إيماننا الراسخ بألوهية الرب يسوع المسيح الذي يجب أن تكون له الأولوية في كل شيء كما يتحدث عنه سفر الرؤيا أنه الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء، أي الممسك بزمام كل الأمور. وأنه تجثو باسم يسوع كل ركبة، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربٌ، لمجد الله الآب. أما الحديث عن كونه بكر كل خليقة فلا يعني مطلقًا أنه أول من خلقه الله، فالتعبير عن ذلك يتطلب لفظًا آخر. والقرينة توضِّح أنه صورة الله الذي لا يُرى في علاقته بالآب، وبكر كل خليقة، في علاقته بالمخلوقات. تمامًا كما يتحدث في رسالة فيلبي عن كونه في “صورة الله” وفي “صورة عبد”. والحقيقة الأولى في الحالين تحدد إطار الحقيقة الثانية. فهو بكر كل خليقة من حيث المقام لا الزمان، وهذا ما يؤكده مدلول كلمة “بكر” في كل الكتاب المقدس. كما أن الحديث عن كون المسيح “بداءة خليقة الله” يجب أن يُفهم مرتبطًا بكل القرينة. فهو منشئ ومبدىء الخليقة. مولود غير مخلوق. “كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” وهو الجالس مع الآب في عرشه. أما بعض من يرفضون عقيدة التجسد لأسباب عقلانية، باعتبار أن العقل لا يستطيع أن يقبل فكرة التجسد فواضح أن منْ يؤمن بميلاد المسيح من عذراء، وأنه شفى المرضى وأقام الموتى؛ وأن الله حاضر في كل مكان، وأنه السميع المجيب، ولا يحده الزمن، وقد ظهر بنفسه أو من خلال غيره في صورة نارٍ مشتعلة في عليقة دون أن تحترق، وكلها أمور تفوق إدراك البشر، فليس لمثل هذا أن يرفض حقيقة أن المسيح “كلمة الله” صار بشرًا، لأسباب عقلانية. وشاء الله أن يعلن نفسه، وأن يتعّرف البشر عليه، بأن يصبح “كلمة الله” إنسانًا. ونؤمن أن الكنيسة نبَّرت على أن المسيح يسوع له الجوهر نفسه الذي للآب، ولم تقبل مطلقًا بما هو أقل من ذلك، لأن الخلاص لا يتحقق إن لم يكن صادرًا من الله نفسه.

 

الشواهد: (كو 1: 18)، (رؤ1: 8)، (في2: 10،11)، (رؤ1: 17؛ 2: 8؛ 22: 13)، (كو1: 15)، (كو1: 15)، (يو1: 3)، (رؤ3: 21).

 

التجسد

 (23) نؤمن أن الله في سيادته ومحبته لم يسمح للخطية ولقوات الشر أن تُفسد خطته المباركة لأن يحيا الإنسان في شركة معه. ويتحدث المسيح عن نفسه أنه “ابن الإنسان” تعبيرًا عن اتحاده بالجنس البشري، وفي نفس الوقت عن سموه عن سائر البشر، كالشخص السماوي الذي يتحدث عنه سفر دانيال. ففي المسيح يسوع نرى الأزل والزمن مجتمعين. وكممثل للإنسانية كلها يحدثنا عنه الكتاب المقدس باعتباره “آدم الأخير” و”الإنسان الثاني”، البداية الجديدة للإنسانية، بل فيه تحققت الإنسانية الجديدة والمجتمع الجديد. ولكنه في نفس الوقت تعيَّن، أي تبيَّن وأُعلن أنه “ابن الله” ونؤمن أننا في الإنسان يسوع المسيح نرى الإنسانية كما يجب أن تكون وكما أراد الله لها أن تكون. لذلك فهو المثال والنموذج والمقياس لعلاقتنا بالله وعلاقاتنا مع البشر وفي المجتمع.

الشواهد: (مت 16: 13؛ 17: 9)، (دا 7: 13)، (1كو15: 45)، (أف1: 10؛ 3: 9-11)، (1كو 15: 47)، (رو1: 4)، (أف5: 1؛ كو 2: 6، 7؛ 3: 10؛ 1بط 1: 15؛ 1يو2: 6).

 

اللاهوت والناسوت

 (24) وإيماننا أن “الله ظهر في الجسد” وأن “الكلمة صار جسدًا” يعني التنبير على طبيعة الرب يسوع المزدوجة: الإلهية والإنسانية، دون خلط بين الطبيعتين أو مزج لهما لتصبحا طبيعة واحدة عند التجسّد، أو تغيّر إحدى الطبيعتين إلى الأخرى، أو الفصل بين الطبيعتين، أو وجود انقسام بينهما. فيسوع المسيح شخص واحد له طبيعة وإرادة إلهية كاملة تامة، كما أن له طبيعة وإرادة إنسانية كاملة تامة. فلو لم تكن للمسيح يسوع الطبيعة الإلهية الكاملة لَمَا كان خلاص البشرية كاملًا. ولو لم تكن له الطبيعة البشرية الكاملة لَمَا انتفعت الإنسانية بالخلاص. وإذ نؤكد إيماننا بالألوهية الكاملة والإنسانية الكاملة للرب يسوع، فإننا نقر أن هذا يفوق إدراك البشر الذي لا يتجاوز حدود خبراتهم الخاصة. ونؤمن أنه بميلاد المسيح وبالتجسد تحقق للبشرية أن يكون الله معنا، عمانوئيل. بل أن يكون واحدًا منا، مولودًا تحت أحكام الشريعة، حتى أنه كما يرث الابن ديون والديه، ورث يسوع ديوننا نحن البشر. وحقق الله ما لم تستطع الشريعة أن تحققه بسبب ضعف الطبيعة البشرية، فأرسل ابنه في جسد يشابه جسدنا المثقّل بالخطيئة، ليتعامل مع الخطيئة ويدينها عن طريق ذلك الجسد.

 

الشواهد: (1تي 3: 16)، (يو1: 14)، (1 تي 2: 5)، (إش7: 14؛ مت 1: 23)، (غل 4: 4)، (رو 8: 3).

       

إيماننا بشأن عمل المسيح ومبادرة النعمة

 

 (25) نؤمن أنه بعد أن سقط آدم في الخطيئة، فكممثل للجنس البشرى، وعده الله في محبته ونعمته أن نسل المرأة يسحق رأس الحية. وبهذا الوعد دخل الله في علاقة عهد مع الإنسان، هو عهد النعمة الذي لا يعتمد على الإنسان، ولا يتقيد بأية شروط، فالنعمة تسبق كل شيء. واكتملت وتبلورت حقيقة النعمة في تجّسد المسيح يسوع وفي حياته وتعليمه وكل ما عمله لأجل خلاصنا. ونؤمن أنه قبل تجسد المسيح أعطى الله في نعمته لشعبه وسيلة الاقتراب إليه واستعادة الشركة معه، وذلك عن طريق الذبائح والنظام الكهنوتي إلا أن هذه جميعًا لم تصلح أساسًا للخلاص، بسبب عجز الإنسانية. فأصبح دورها دور المؤدِّب أي المربي والمعلِّم الذي يقود ويوجِّه إلى المسيح يسوع. ونؤمن أنه مهما كان حديثنا عن المسيح وعن عمله من أجلنا نحن البشر فلن نقدر أن نقدّم التعبير الشامل عن كل ذلك بكل أبعاده. وإذ نسعى لندرك أبعاد محبة المسيح نكتشف أنها تفوق الإدراك والمعرفة. والصور المختلفة التي يقدمها الكتاب المقدس عن عمل المسيح، توضح اكتمال الخلاص بكل جوانبه: فالمسجونون يطلِق سراحهم، والضائعون يجدهم، بل ويقدم نفسه فداءً عنهم، والعبيد يشتريهم ليفتديهم ويحررهم، والمدينون يفي دينهم، والمستعبدون لقوات الشر ينتصر لهم عليها، والبشرية المائتة يهبها غلبة على الموت، بل حياة جديدة وشركة الطبيعة الإلهية والملكوت السماوي، وأعداء الله يصالحهم، بل يجعلهم أحباء. وإذ يعلن حبه في الصليب، يحرّك مشاعرهم وكل كيانهم نحوه. كما نؤمن أنه أعلن بحياته وتعاليمه إرادة الله للبشر فنادى برسالة محبة الله والانتماء لملكوته، وقدّم الحق ودافع عنه، وناصر المظلومين والفقراء والمقهورين والمهمَّشين، وحذّر الجميع من دينونة الخطية وعقابها، فقام بوظيفة النبي لنا، ورسم لكنيسته وللمؤمنين كأفراد دورهم النبوي بعمل روحه وتوجيهات كلمته. ونؤمن أيضًا أنه بالتجسد صار المسيح يسوع ممثلًا للبشرية المتمردة على الله، والتي ليس لها الحق، ولا توجد لديها في ذاتها الرغبة والإرادة للمثول في حضرته. فاتحد مع الخطاة وشاركهم جرمهم وقَبِلَ عقاب ولعنة الموت الروحي، أي الانفصال عن الله الحيَ على الصليب، مع أنه هو نفسه لم يعرف خطيئة، وقدَّم ذبيحة نفسه كفارة لخطيئة البشر. وبذلك أصبح هو الذبيحة الإلهية الواحدة الكاملة، التى لا مجال لتكرارها أو الحديث عن ذبائح من بعدها مهما كانت مسمياتها. فهو حمل الله الذي مات على الصليب بدلًا عن كل البشر، فحمل خطيئة العالم. واكتمل تمامًا وبصفة نهائية الفداء من جُرم وعقاب وسلطان ولوثة الخطيئة، والخلاص من كل نتائجها، وتحقق للإنسانية المتمردة أن تتصالح مع الله.

 

الشواهد: (تك 3: 15)، (غل 4: 4)، (غل 24:3)، (أف3: 9)، (2كو9: 15؛ أف3: 19)، (لو 4: 18)، (لو 15: 4، 5، 32)، (كو1: 14)، (رو8: 15؛ 1كو6: 20؛ يو8: 36)، (كو2: 14)، (كو1: 13؛ 2: 15)، (لو12: 32)، (رو5: 10، 11؛ 2كو5: 18-21؛ كو1: 20)، (يو12: 32)، (مت27: 46)، (2كو5: 21)، (عب7: 27، 28؛ 9: 14؛ 10: 10، 14)، (يو1: 29)، (2كو 5: 18)، (مر3: 35؛ يو4: 34)، (يو8: 32)، (مت25: 40؛ لو13: 3؛ 12: 11، 12)، (2بط1: 4).

 

مركزية القيامة

 (26) نؤمن أن قيامة المسيح كانت الرسالة المركزية التي نادى بها المؤمنون الأوائل. ونؤمن أنه رغم كل ما قد يثيره البعض من جهة حقيقة قيامة المسيح فإن شجاعة المؤمنين الأوائل في الشهادة للقيامة والتغيير الجذري الذي حدث في شخصية التلاميذ، والتجديد المذهل في حياة بولس الرسول، وتحوّل المؤمنين الأوائل للعبادة يوم الأحد، ونشأة الكنيسة نفسها ونموها كلها حقائق تدعم إيماننا بالقيامة. ونؤمن أنه بالقيامة تمت نصرة الحياة على سلطان الموت، وقُدِّمت الإجابة الحاسمة لتساؤلات البشر وحيرتهم بشأن الموت والقبر وتمت هزيمة الشر والظلام. كما أن القيامة قدمت تأكيدًا لألوهية الرب يسوع وتحقيقًا لنبوات العهد القديم. ونؤمن أن قيامة المسيح أكَّدت للمؤمنين أنه هو الحي الحاضر في كل مكان ليعط المؤمنين ضمانًا وتأكيدًا ورجاءً حيًّا فقيامة المسيح هي العلامة والوعد بقيامة المؤمنين ونصرتهم على الموت. ونؤمن أن المسيح قام كممثل للبشرية. وفي ممارسة المعمودية نعبرّ عن أن المؤمن يموت ويُدفن مع المسيح حتى كما أُقيِم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، يسلك المؤمن في الحياة الجديدة المتجددة دائمًا ولذلك فنحن نؤمن أن من يقومون روحيًّا مع المسيح تتجه أفكارهم إلى كل ما يسمو ويرتفع بالحياة. كما نؤمن أننا إذ نمارس فريضة العشاء الرباني ونُخبر بموت الرب إلى أن يجيء، فإننا نعبّر بذلك عن مركزية القيامة. فهي بداية المجتمع الجديد والإنسانية الجديدة لأن المسيح المقام هو آدم الأخير. وبقيامة المسيح في أول الأسبوع أصبح المؤمنون يذكرون قيامته في أول الأسبوع وأصبح ليوم الأحد مكانه الخاص في العبادة المسيحية.

 

الشواهد: (أع 2: 32)، (أي14:14؛ 2تي1: 10)، (رو4:1)، (أع2: 76)، (رو1: 4؛ 1كو15: 17)، (1بط3:1)، (1كو15: 55)، (رو 6: 4)، (كو3: 1-4)، (1كو 15: 45)، (أع 20: 7؛ 1كو16: 2).

 

صعود المسيح

 (27) نؤمن أننا إذ نتحدث عن صعود المسيح يسوع إلى السماء لا نقصد أن نصف بذلك موقعًا أو أبعادًا جغرافية ندركها ونحددها بحواسنا أو نرصدها بأدواتنا. فنحن نقصد أساسًا بالصعود والارتفاع حقيقة الرفعة التى بلغها المسيح بعد إتضاعه وتجسده، وطاعته الكاملة حتى الموت، موت الصليب، والتي لأجلها رفَّعه الله، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم”. وحديثنا عن السماء هو للتعبير عن ” حضرة الله ” الذي يملأ الكون كله فهو الذي أوجده، ولكنه ليس جزءًا منه.

 

الشواهد: (في 2: 7 -11؛ أف 1: 20 –22)

 

المسيح رئيس الكهنة الأعظم

 (28) نؤمن أنه بالتجسد صار المسيح يسوع رئيس كهنتنا الأعظم الذي فتح الطريق لكل المؤمنين، مرة واحدة وإلى الأبد، لعلاقة مباشرة مع الله وبذلك فلا حاجة إلى العودة إلى كهنوت بشري خاص من بعده، إذ جعل المؤمنين به مملكة كهنة محققًا بذلك كهنوت جميع المؤمنين. ونؤمن أن صعود المسيح إلى السماء كان تعبيرًا عن انتهاء عهد الذبائح التى رسمتها الشريعة، ودور الكهنوت فإن المسيح إذ قدّم نفسه لأجل العالم أجمع لا لأجل شعب بعينه من الشعوب، إلى حضرة الله الحقيقية لا الرمزية وبذلك فهو وسيط عهد جديد فكهنوته كهنوت لا يزول وذبيحة نفسه وقد قدمها “مرة واحدة وإلى الأبد” لا تترك أي مجال لتقديم ذبائح أخري أو حتى للحديث عن تكرار ذبيحة المسيح بأي صورة أو أي تعبير ” لأنه بقربان واحد (بتقدمة واحدة) قد أكمل إلى الأبد المقدسين. ونؤمن أن المسيح بصعوده وجلوسه عن يمين الآب هو رئيس كهنة إلى الأبد، وكهنوته لا يزول ونؤمن أنه هو رئيس الكهنة الواحد الذي يجب ألا يدَّعى أحد لنفسه أنه رئيس كهنة من بعده، أو في مكانه.

 

الشواهد: (عب7: 26، 27؛ 8: 1؛ 9: 11)، (رؤ1: 6؛ 5: 10)، (1 بط 2: 9)، (عب 9: 24)، (عب 9: 15)، (عب 7: 22)، (عب 7: 24)، (عب 7: 27؛ عب 9: 12، 21؛ عب 10: 10)، ” (عب 10: 14)، (عب 7: 24).

 

المسيح الشفيع الواحد

 (29) ونؤمن أن المسيح بقيامته وصعوده وجلوسه الدائم عن يمين الآب هو شفيعنا المبارك، الشفيع الواحد الحي دائمًا فشفاعته كاملة تامة لأنه هو الوسيط الواحد والشفيع الوحيد. فإن المسيح دخل للسماء عينها “ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا” وإذ هو جالس عن يمين الله فإنه يشفع فينا وشفاعته كاملة وكافية. بل إننا نؤمن أنه لا يشفع فينا فقط ولكنه كرئيس كهنتنا يرثي لضعفاتنا، فهو يتعاطف معنا، ويتفهّم تجاربنا وآلامنا لأنه تجرّب في كل شيء مثلنا، بلا خطية. ونؤمن أن المسيح يسوع بصعوده لم يعد محدودًا بالزمان والمكان البشريين، وأصبح في النطاق الإلهي الذي لا يحده زمان أو مكان. وحضوره يتحقق عن طريق الكلمة والفرائض المقدسة. وأصبح المؤمنون يتحدثون عن نوع جديد من الزمن هو “الأيام الأخيرة” (2تي 3: 1؛ 2بط : 3) أو “الزمان الأخير” (يه 18).

 

الشواهد: (عب 7 :25؛ 1يو2: 1)، (عب9 :24)، (رو 8: 34)، (عب4: 15)، (يو14: 16 –18؛ 14: 26؛ أع 2 :22، 33).

 

المسيح الملك

 (30) ونؤمن أن صعود المسيح وجلوسه عن يمين الآب هما مصدر فرح للمؤمنين فجلوس المسيح عن يمين الآب تعبير عن كونه قد أُعطي له كل سلطان في السماء وعلى الأرض فهو ملك الملوك ورب الأرباب وهو الممسك بزمام الأمور، القادر على كل شيء ولذلك فالمؤمنون يتفاعلون مع الحياة بكل جوانبها ومع التاريخ بكل أحداثه بثقة ويقين. وكذلك فهم يؤمنون أن كل ما يحدث له معنى وله قصد وله هدف. كما نؤمن أنه باعتباره الملك فإنه يسود علينا، ويسوس حياتنا. ومن منطلق قبوله لنا نقبل بعضنا بعضًا لمجد الله الآب، ونصبح معًا مواطنين في مملكته. ونؤمن أن المسيح الملك يبني ملكوته، في الخفاء، وكبناء لم يكتمل بعد، لا نستطيع أن ندرك أو أن نتفهم شكله النهائي. إنه ملكوت مختبىء، ولكنه حقيقي لا رجعة فيه إلى أن يكتمل ولذلك فقد نقف في حيرة أحيانًا لأننا لا نعلم كل الحقائق ولكننا نثق أننا سنفهم فيما بعد

 

الشواهد: (لو 24: 52)، (رؤ 17: 14)، (رؤ1: 8)، (رؤ 1: 5)، (رؤ19: 16)، (2كو6: 11 – 13؛ أف5: 2، 21؛ كو 3: 12 – 14؛ 1بط4: 8 – 10)، (أف2: 19؛ في3: 20)، (مت 13: 33؛ مر4: 27)، (1كو 15: 25)، (يو 13: 7)، (مر 9: 24).

 

المسيح الملك والمؤمنون

 (31) ونؤمن أن سيادة المسيح الملك تعني انه ليس للكنيسة ملك أو رأس أو رئيس آخر سواه. ونؤمن أن جلوس المسيح عن يمين الآب ممثلًا لإنسانيتنا، يحقق لنا أن نجلس معه كمؤمنين في السماويات بما يعنيه ذلك من إمتيازات، وما ينطوي عليه من مسئوليات والتزامات، ويعبِّر عن المنزلة السامية التي رفعتنا إليها النعمة، مما يدفعنا لمزيد من حياة القداسة. ونؤمن أن جلوس المسيح عن يمين الآب يمنحنا ثقة أكيدة، لأنه ملكنا الذي يحمينا ويدافع عنا في مواجهة كل الأعداء وكل الظروف والأحوال، كما يتطلب منا استجابة الخضوع والطاعة. بل إننا نؤمن أن سيادة المسيح التى يصورها لنا جلوسه عن يمين الآب تضع علينا كمؤمنين مسئولية الكرازة لتوصيل الرسالة للجميع ولكنها في نفس الوقت تقدم المشجع والدافع لتأدية الرسالة فسيادته دائمة ورفقته مؤكدة

 

الشواهد: (أف4: 15؛ 5: 23؛ كو 1: 18)، (أف2: 6)، (مت28: 18، 19)، (مت 28: 20)، (كو3: 1).

 

التبرير

 (32) ونؤمن أنه بحياة المسيح وبعمله الكفاري يتحقق التبرير لكل من يؤمن به فيختبر السلام مع الله ومع النفس، لا على أساس ما يقوم هو به، بل على أساس كفاية ما قام به المسيح. فالمذنب المجرم الملوم يتم النطق ببراءته إذ يُحسب له بر المسيح، وينال هذا بالإيمان، الذي هو أيضًا عطية الله، إذ أنه لو لم يعمل الروح القدس في قلبه، ولو لم يُنر ذهنه، لَمَا كان يمكن له أن يؤمن من تلقاء ذاته. وهذا الإيمان ليس مجرد التصديق والقبول العقلي، بل الثقة الكاملة من كل القلب.

 

الشواهد: (رو5: 1؛ كو 1: 20)، (رو4: 4، 5؛ 11: 6؛ أف2: 8؛ كو 1: 14)، (رو3: 24؛ كو 2: 14)، (أف 2: 8)، (عب11: 1)، (لو 24: 45؛ أع16: 14).

 

التقديس والحرب الروحية والضمان الأبدي

 (33) ونؤمن أنه بالتبرير يحل الروح القدس في المؤمن ويسكن فيه ويقدس حياته، فيصبح جسده وكل كيانه هيكلًا لروح الله القدوس ويصير هو ابنًا لله بالتبني، وعضوًا في الأسرة السماوية بإمتيازاتها ومسئولياتها، فيحيا حياة جهاد الإيمان، في كفاح حقيقي، تعبيرًا عن الشكر للرب وفي حياة الشركة معه ومع المؤمنين، والشهادة لفضل محبته ورحمته. فينمو في النعمة وفي معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، بعمل روح الله الذي يسكن فيه ويملأ كيانه كلما ازداد تكريسًا، وكلما واجه التحديات الروحية، فالذي بدأ هو الذي يكمِّل. ونؤمن أن حقيقة التبرير ويقين المؤمن لا يتأسسان على اختبار خاص أو يوم معيّن، رغم أن هذا يحدث في أحيانٍ كثيرةٍ. فالأساس دائمًا هو النعمة ووعود الله الصادقة مع تحذيراته الواضحة، وختم الروح القدس، وشهادته الداخلية في حياة المؤمن. وما عربون الروح القدس إلا ليعطي المؤمن مزيدًا من الثقة والطمأنينة واليقين.

 

الشواهد: (رو8: 15، 16؛ غل4: 5، 6)، (أف2: 19)، (1كو9: 25 – 27؛ في1: 27، 30؛ 1تي6: 12؛ 2تي2: 5)، (1بط2: 9)، (أف2: 1 – 5)، (2كو5: 18)، (في1: 6)، (رو11: 29 – 31)، (2كو1: 22؛ أف1: 13)، (رو8: 16)، (أف1: 14)، (2كو1: 22؛ أف1: 14)

 

الاختيار أساس الخلاص

 (34) ونحن نؤمن أن مبادرة النعمة تؤكد لنا أن أساس خلاصنا يتجاوز أفكار البشر ومناقشاتهم ومنطقهم، لأنه ليس قضية فلسفية، ولكنه اعتراف وإقرار بفضل النعمة الغالية التي كلفت الله الكثير، والتي إزاءها يشكر المؤمنون الرب ويحمدونه لأنه اختارهم في المسيح يسوع، وهذا يدفعهم لمزيد من التواضع، مما لا يترك مجالًا للافتخار والتعالي. فتتزايد فيهم الرغبة في إعلان فضله عليهم دون توانٍ أو كسل، وفي غيرة واجتهاد لنشر بشارة الخلاص ليختبر كثيرون نفس عمل النعمة التي فاضت عليهم. فالاختيار دائمًا لهدف ولرسالة. وفي كل الأحوال هناك أمران ينبغي أن نحرص عليهما: (1) أن يكون كل المجد لمحبة الله المقدسة التي تفوق كل الحدود، (2) وأن تكون لكل مؤمن به ثقة راسخة مؤسسة على شخص الله، لا على اجتهاد أو جهاد بشري، لأنه هو وحده الأمين، والذي يبقى أمينًا دائمًا، لن يقدر أن يُنكر نفسه. وبعيدًا عن هذا الأساس الراسخ يظل الإنسان في حال الخوف وعدم الاستقرار، لا يختبر السلام الحقيقي ولا راحة الضمير، والتبرير بالإيمان وحده، وفضل النعمة دون سواها يؤكدان أن كل ما يعبِّر به المؤمن عن شكره بالصور والأعمال المختلفة لا يعدو كونه أداء واجب يلتزم به المؤمن.

 الشواهد: (رو11: 33 – 36)، (2كو8: 9)، (أف1: 3، 4؛1بط1: 2،3)، (رؤ 13: 8)، (1كو6: 11؛ تي3: 3 – 27)، (1تي1: 12 – 16)، (1بط2: 9)، (رو3: 24)، (1تي1: 16؛ تي3: 3-5)، (2تي2: 13)، (2كو9: 11 – 15).

 

 

إيماننا بشخص الروح القدس وعمله

 (35) نؤمن بالروح القدس، الأقنوم الثالث في اللاهوت، ونؤمن أن العلاقة بين الروح القدس والآب والابن تتصف أساسًا بشركة الحياة والمحبة. ولذا فنحن نؤمن أن الروح القدس ينبثق من الآب، وأن الابن يرسله للمؤمنين. ولذا فهو يُعرف بكونه روح المسيح. وإذ نؤمن بالروح القدس فإننا نسجد له ونحبه ونطيعه ونمجده مع الآب والابن، وعن طريق الروح نعرف أن يسوع هو الابن. وبالروح نعرف الآب، فندعوه في مودة “يا أبي” أو “أبانا”.

الشواهد: (يو15: 26)، (يو16: 14، رو8: 9؛ في1: 19)، (2كو3: 17، 18)، (يو1: 33، 34؛ 1كو12: 3)، (رو8: 15، 16؛ غل4: 6؛ مت6: 9)

 

الرب المحيي: الخليقة الأولى والخليقة الجديدة

 (36) فنؤمن أن الروح له دور واضح في منح الحياة للخليقة وهو الذي يقدسها لتمجد الله ويمنح المواهب الطبيعية المتميزة للبشر، وهو حاضر في كل مكان وهو مصدر كل الأفكار وكل الرغبات المقدسة وبعيدًا عنه يصبح البشر جسدانيون مما يؤدي بهم إلى الموت الروحي. وهو أيضًا الرب المحيي من موت الخطية فهو الذي يجدد البشر بأن يبكت على الخطية، ويدفع للتوبة، ويُقنع، ويمنح القدرة على قبول المسيح بالإيمان في القلب ليصبح كل من يؤمن إنسانًا جديدًا كما أراد الله للإنسان أن يكون، وذلك على صورة الله في المعرفة والبر والقداسة الحقيقية. وبقبول المسيح في القلب بالإيمان بعمل الروح القدس يصبح المؤمن مبررًا أمام الله فيحل عليه الروح القدس ويسكن فيه، بل يجعل منه هيكلًا مقدسًا له ويختمه بخاتمه.

 

الشواهد: (تك1: 2؛ مز33: 6؛ مز104: 30)، (خر35: 31)، (مز19: 1)، (غل5: 22؛ أف5: 9)، (مز139: 7)، (يو3: 5، 6؛ غل5:11– 21)، (حز37: 9؛ رو8: 9؛ أع2: 38، 1كو12: 13؛ 2كو4: 6)، (يو16: 8؛ أع 16: 14)، (أف4: 24؛ كو 3: 10)، (1كو6: 11)، (أع10: 44)، (أع 2: 18، 33) (1كو3: 16).

مترادفات عن اختبار الروح القدس

 (37) ونؤمن أن الحديث عن انسكاب، أو حلول، أو موهبة، أو عطية، أو سكنى، أو ختم الروح القدس هو استخدام لمفردات مترادفة تعبّر بصور متعددة عن غنى الارتباط بين الروح القدس والمؤمن عند قبول المسيح بالإيمان في القلب. والحديث عن معمودية الروح القدس يقدِّم نفس المضمون. ولذلك فنحن نؤمن أن الحديث عن معمودية الروح القدس كاختبار تالٍ لاختبار الحياة الجديدة في المسيح بعمل الروح القدس، يتعارض تمامًا مع تعليم الكتاب المقدس. أما الامتلاء من الروح القدس فيمكن أن يكون صفة يتصف بها المؤمن أو اختبار يمكن أن يتكرر في حياة المؤمن لمواجهة موقف معين أو للقيام بعمل خاص.

الشواهد: (أع 2: 17، 38؛ 10: 44؛ أف1: 13)، (مت3: 11)، (أع6: 5؛ 11: 24)، (أع2: 4؛ 4: 31؛ 13: 9؛ أف5: 18).

 

 الروح القدس وتقديس المؤمنين

 (38) ونؤمن أن الروح القدس هو المحرر من استعباد الخطية، وبواسطته يصبح المؤمنون أبناء الله بالتبني، بكل ما لذلك من امتيازات وهو الذي يمنح الفرح وحياة البر والصلاح ويحث المؤمنين لأن يمتنعوا عن سائر صور الشر. ونؤمن أن الروح القدس هو الذي يشجع المؤمنين، ويحامي ويدافع عنهم، فهذا هو معنى المعزي.ونؤمن أنه بقبول إنجيل الخلاص يُختم المؤمنون بختم الروح القدس تأكيدًا لملكيته لهم وتوثيقًا للعلاقة بهم فيعمل الروح القدس في حياتهم لتتقدس بالسعي المستمر لخلع القديم ولبس الجديد. ولذلك فأننا نؤمن أن الطبيعة البشرية القديمة لا تعود لأن تتسيد على المؤمنين. كما أننا من الجانب الآخر لا نؤمن أن القداسة الكاملة تتحقق للمؤمنين في هذه الحياة. لذلك فنحن نؤمن أنه رغم أن الروح يعطي الحياة الجديدة في المسيح ويجعل من المؤمنين باكورة الخليقة الجديدة، إلا أن المؤمنين يئنون مع كل الخليقة وينتظرون في توقع ولهفة اكتمال التبني بفداء الأجساد بمجيء المسيح ثانية لتتغير أجسادهم المتواضعة لتكون على صورة جسد المسيح المجيد.

 

الشواهد: (رو8: 14 – 17)، (رو14: 17؛ غل5: 22؛ أف5: 9)، (1تس5: 22)، (أف5: 3 – 5؛ كو3: 8)، (يو14: 16)، (أف4: 22،23؛ كو3: 8 – 10)، ( رو6: 12 – 23 )، (رو7: 25؛ 1يو1: 8 )، (رو8: 22، 23)، (2بط3: 11، 12؛ رؤ22: 17، 20)، (في3: 21).

 

الروح القدس ومسئولية المؤمنين

(39) ونؤمن أن الروح القدس لا زال ينطق بفم الكنيسة اليوم وهي تقوم بدورها النبوي بتقديم إنجيل الخلاص في وعظها، والدعوة للحياة الجديدة في المسيح، وإعلان الحق الإلهي في مواجهة الانحرافات والشر والظلم والطغيان. نؤمن أن الروح القدس وهو الرب، معطي الحياة، يذكِّرنا بأن الحياة عطية من الله لذلك فيجب علينا أن نتعامل مع كل الخليقة بمسئولية واحترام، فنحافظ عليها ضد سوء الاستخدام، ونعمل على الحفاظ على البيئة، واحترام حقوق الإنسان بما في ذلك الطفل والمرأة والفقير والمهمَّش. ونؤمن أننا كمؤمنين علينا أن نتسلح بسيف الروح الذي هو كلمة الله وأن نواظب على الصلاة في الروح. ونؤمن أن كلمة الله المكتوبة والوعظ بها لا يمكن أن تأتي بثمر ما لم يفتح الروح القدس الأذهان والقلوب لقبول الكلمة. كما نؤمن أن الروح القدس نفسه هو الذي يمنح المؤمنين الثقة في وعود الله، ويقين النعمة.

 

الشواهد: (تث15: 11؛ 24: 14، 21؛ غل3: 27 – 29؛ كو3: 11؛ 1يو3: 17)، (أف6: 17)، (أف6: 18)، ( لو24: 45؛ أع16: 14)، (2كو1: 20؛ رو8: 16).

 

الروح القدس والعبادة

 (40) نؤمن أن السجود للروح القدس وتمجيده مع الآب والابن يتطلب منا أن نتعبّد بالروح والحق لأن هذا هو السجود الحقيقي الذي يطلبه الله، وهو سجود لا يتقيد بمكان أو زمان. ونؤمن أنه إذ يحل الروح القدس في المؤمنين فإنه يجعل أجسادهم هياكل روحية يسكن فيها فلا يعودون بحاجة إلى هيكل أرضي يبنيه البشر، يتوجهون نحوه أو يذهبون إليه ليتعبدوا لله. كما نؤمن أن جماعة المؤمنين يكوِّنون معًا بيتًا روحيًّا، مبنيًّا منهم كحجارة حية لتقديم ذبائح روحية فلا يحتاجون للالتزام بمواصفات معينة لمبنى العبادة، ولا بساعات معينة ولا اتجاه معين للصلاة. كما أن العبادة بالروح تحقق الحرية للمؤمنين وبذلك لا يحكم عليهم أحد بشأن مأكل أو مشرب، أو من جهة أعياد أو مواسم أو الامتناع عن الزواج. ونؤمن أن الرب يريد منا في عبادتنا أن نصلي بالروح ونصلي بالذهن أيضًا، وأن نرتل بالروح ونرتل بالذهن أيضًا. وبذلك فإنه يحذِّرنا من تغيب الوعي والحواس أو تغليب العواطف والانجراف في التيارات المختلفة.

 

الصلاة

 ونؤمن أننا في عبادتنا بالروح يجب أن تكون صلواتنا نابعة من القلب، وألا نكرر صلوات أو عبارات بعينها مهما كانت. وقد قدم الرب لنا نموذجًا نتعلم منه كيف نصلي لا لأن نردده مرات ومرات.ونؤمن أننا في عبادتنا بالروح فإن الروح القدس يعين ضعفاتنا في وقت الصلاة، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي. ونؤمن أن روح الله يريد منا أن يكون هنالك تجديد دائم في العبادة فهو الروح المحيي والمجدد.

 

الصوم

 نؤمن بأن الصوم هو الإنقطاع التام عن كل أنواع الطعام والشراب لفترة محددة من الزمن هى عادة يوما كاملًا، وذلك لتعميق الشركة مع الرب، أو للصلاة لأجل موضوع معين يشغل فكر المؤمن أو الكنيسة، سواء فى مواجهة خدمة معينة أو نشاط فردى أو جماعى. فصام الرب يسوع قبل بداية خدمته الجهارية، وصامت الكنيسة قبل بداية عملها المرسلى الكرازى. أو الصوم فى مواجهة مشكلة معينة. ونؤمن أن الصيام يجب أن يكون مصحوبا بالصلوات وبعلاقة وثيقة مع الكلمة المقدسة. كما يجب على المؤمنين أن لا يعملوا لكي يظهروا أمام الناس أنهم صائمين بل لأبيهم الذي فى الخفاء.

الشواهد: (يو4: 20 – 24)، (1كو3: 16؛ 2كو6: 16)، (1بط2: 5؛ رو12: 1)، (2كو3: 17)، (كو2: 16 – 23؛ 1تي4: 2؛ عب13: 9)، (1تي4: 3)، (1كو14: 15)، (أف4: 14)، (مت6: 6؛ لو18: 13، 14)، (مت6: 7)، (مت6: 9؛ لو11: 2ـ4)، (مت6: 7)، (رو8: 26)، (مت 4: 2)، (مت 16: 16-18)، (أع 14: 23)، (أع 13: 2).

 

الروح القدس والمواهب والثمر

(41) نؤمن أن الروح القدس إذ يجعل المؤمنين أعضاء جسد المسيح، فإنه يمنح كل عضو موهبة ليؤدي وظيفته بكفاءة في الجسد.ونؤمن أن مواهب الروح القدس كثيرة ومتنوعة، يشير العهد الجديد إلى عدد كبير منها. وهذا يجعلنا ندرك مدى وفرة هذه المواهب وتنوعها، ودورها الهام في الكنيسة.ويتضح من دراستنا للعهد الجديد أن الروح القدس أعطى بعض المواهب لعصر معين تنتهي من بعده. ومثال ذلك موهبة الرسولية، التى انتهت بعصر الرسل. ونؤمن أن الروح القدس يمنح المواهب لمواجهة احتياجات الكنيسة من حيث الزمان والمكان. ولذلك فنحن نؤمن أن الروح يمنح مواهب متجددة تناسب احتياجات كل عصر وكل جيل، كما تناسب المواقع المختلفة.

 ونؤمن أن الروح القدس يوزع المواهب كما يشاء هو، لا كما يريد البشر، كما أنه يستخدم المواهب الطبيعية ويقدسها وينميها. ونؤمن أن مواهب الروح القدس عطايا، وإنها ليست مطلقًا مكافآت ولذلك فإنها يجب أن تدفعنا للشكر والتواضع، لا للافتخار والتباهي. ومسئوليتنا هي أن نتعامل معها كوكلاء ائتمنوا عليها، لا كمالكين يتصرفون فيها كيفما شاءوا، أو لنفعهم الشخصي. وواجبنا هو أن نستثمر المواهب أفضل استثمار ونعمل على تنميتها وألا نحتقرها مهما كانت، ولا نهملها بحياة الكسل، أو بأعذار لا مبرر لها. ونؤمن أن الروح القدس يوزع مواهب متنوعة وبدرجات متفاوتة على المؤمنين تتناسب مع كونهم أعضاء مختلفون في جسد المسيح الواحد. وبذلك تعمل المواهب على بلوغ التكامل لتحقيق وحدة الجسد مع تعدد الأعضاء، ووحدة الكنيسة مع تعدد المواهب. وهنالك مواهب أساسية لبنيان المؤمنين والكنيسة، وينبّر بولس الرسول بإعطائها الأولوية.

 

الشواهد: (رو12: 5، 6؛ 1كو12: 11 – 13)، (رو12: 6 – 8؛ 1كو12: 8 – 10، 28 – 31؛ أف4: 11، 12؛ 1بط4: 10، 11)، (1كو12: 28؛ أف4: 11)، (كو12: 11؛ أف4: 11؛ مت25: 14 – 30)، (مت25: 16؛ لو19: 13)، (1كو4: 7)، (مت 25: 18؛ لو19: 20)، (مت25: 15؛ 1كو12: 11، 12)، (1كو12: 25 – 27)، (1كو12: 31).

 

التكلم بألسنة

 (42) فيما يتعلق بالتكلم بألسنة، أي بلغات، فإن كلمة الله توضح لنا أن هنالك فارق واضح بين التكلم بألسنة في يوم الخمسين وبين الإشارات للتكلم بالسنة في رسالة كورنثوس الأولى. ففي يوم الخمسين سمع كل واحد من الحاضرين عن أعمال الله العظيمة بلغته التي وُلد فيها، وحلول الروح القدس على المؤمنين في يوم الخمسين حدث فريد لا يتكرر. أما الحديث عن التكلم بألسنة في رسالة كورنثوس الأولى الأمر الذي يضعه بولس الرسول في آخر قائمة المواهب كما إن التكلم بألسنة في كنيسة كورنثوس لم يكن كلامًا مفهومًا لدرجة أن بولس الرسول اعتبره مجرد كلام في الهواء، وأن الشخص العادي لو استمع إلى مثل هذا الكلام لأعتبر المتكلمين مختلي العقل ولذلك استحث المؤمنين بوضوح على عدم التكلم بألسنة في اجتماعات الكنيسة.كما أن بولس الرسول يستحث من يتكلمون بألسنة على أن يترجم الواحد منهم ما نطق به، أي أن يعبّر عما يتفاعل في داخله بكلمات مفهومة بدلًا من الألفاظ غير المفهومة. وفي سياق الحديث عن التكلم بألسنة تستحث كلمة الله المؤمنين مكررًا لأن ينصرفوا عما يصدر عن انفعالات لا إرادية غير واعية قد تؤدي إلى النطق بالتجديف وأن يحذروا تغييب العقل في نشوة روحية، وأن تكون العبادة في الكنيسة عبادة البالغين الناضجين، فتكون بذهن واعٍ تمامًا أي بفهم وإدراك. كما تحذّر كلمة الله من التكلم بألسنة لنفع أو بناء شخصي ولذلك تُنبّر كلمة الله مشددًا على الاهتمام بما يبني الكنيسة وبمجد الله وأن يكون استخدام المواهب دائمًا بصورة لائقة ومنظّمة، فالانفعال الشخصي النابع عن إحساس عميق بمحبة الله ونعمته، مما قد لا تستطيع مفردات اللغة أن تستوعبه أو تعبِّر عنه، غير ممنوع ما دام يتم بين المؤمن والرب.

الشواهد: (1كو12، 14)، (أع 2)، (أع2: 6، 8، 11)، (1كو12: 10)، (1كو14: 2، 9)، (1كو14: 9)، (1كو14: 23)، (اكو14: 19، 23)، (1كو14: 5)، (1كو 12: 2،3)، (1كو 14:14-16)، (1كو14: 19،20؛ أف4: 14)، (1كو14: 23-25)، (1كو 14: 3-5؛12؛26؛ أف4: 12؛ 1بط4: 11)، (1كو14: 2).

 

الشفاء

 (43) نؤمن أن الله خلق كل شيء حسنًا. إلا أن الخطية أفسدت كل شيء وجلبت الشقاء للإنسان. ورغم أننا نعلم أن هناك خطايا تورّث أمراضًا، إلا أننا نُخطىء لو اعتبرنا أن كل الأمراض التي تصيب البشر سببها خطية وقعوا هم أو أحد أسلافهم فيها وكان هذا هو نفس الخطأ الذي وقع فيه أصدقاء أيوب. ورغم أننا نؤمن أن الله يريد الصحة والقوة للبشر، إلا أن كلمة الله توضح لنا أن الله في حكمته قد يسمح للمؤمنين أحيانًا بأن يعانوا من أمراض مختلفة وذلك لخيرهم ولمجده من خلالهم. فحتى بولس الرسول الذي كان يُؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض كان يعاني من ضعف جسدي يبدو أنه كان منفرًا كما أنه كان يعاني من حالة مؤلمة عبّر عنها بكلمة “شوكة في الجسد”، و”ملاك الشيطان يلطمني”، حتى أنه “تضرع” إلى الرب ثلاث مرات لتفارقه تلك “الشوكة” إلا أن الرب في حكمته رأى أن تبقى “الشوكة”، إذ تكتمل قوة الله في ضعف الرسول، بعمل نعمته الكافية. كما أن تيموثاوس كان يعاني أيضًا من “أسقام كثيرة” وأبفروديتس وصل به المرض للاقتراب من الموت. كل هذا يوضح لنا خطأ القول إن خطة الله للمؤمنين هي دائمًا الصحة والعافية وأن عدم الشفاء هو بسبب عدم الإيمان. فقد يكون المرض ضمن خطة الله للمؤمنين. ونؤمن أن الرب يوجه الكنيسة لأن تصلي بثقة وإيمان لأجل المرضى على أن تستخدم كل السبل الطبية المتاحة. ولذلك فليس من الحكمة ولا من الإيمان أن نترك جانبًا علاجًا طبيًّا واضحًا لعلاج مرض ما والاكتفاء بالقيام ببعض الممارسات والصلوات! أو أن نترك الوسائل الطبية التي أنعم الله بها على البشر جريًا وراء مفاهيم خاطئة للكتب المقدسة.

 

الشواهد: (تك1: 31)، (تك3: 17-19)، (خر20: 5)، (يو 9: 3)، (أي8: 2، 3)، (يو11: 4؛ رو28:8)، (أع12:19)، (غل4: 13،14)، (2كو12: 7-10)، (1تي5: 23)، (في2: 26،27)، (1كو10: 13؛ 2كو4: 16، 17)، (يع 5: 14، 15 قارن: لو 10: 34)، (قارن: 1تي 5: 23).

 

إخراج الشياطين

(44) نؤمن بأن الكلمة المقدسة تحدثنا عن أن أبليس وجنوده كثّفوا هجومهم على الرب يسوع أيام تجسده بصورة قوية، فأخذ أبليس يجرب الرب يسوع فى البرية تجربة بعد الأخرى، أنتهت بفشله. إلا أن أبليس عدو مكابر مثابر ففارق يسوع ” إلى حين”، وتابع تجاربه من خلال الأرواح الشريرة لتعترض خدمة الرب يسوع فى صورة جنون أو صرع أو قيود وما إلى ذلك. فطرد يسوع الأرواح الشريرة، وحرر منها من كانت قد سكنت فيهم. وأستمر أبليس يحارب يسوع حتى وهو معلق على الصليب ونؤمن أن الكلمة المقدسة تؤكد لنا أن الرب يسوع بتجسده وتعاليمه ومعجزاته وصلبه وقيامته وجلوسه على يمين الآب جرد الرياسات والسلاطين وكل قوات العدو حتى أُخضع كل شىء تحت قدميه. وبذلك فالشيطان وكل جنوده أعداء مهزومون. وجاء يوم الخمسين وتحققت نبؤة يوئيل وأنسكب الروح القدس على كل بشر فى حدث تاريخى هام لا يتكرر. وإذ وُِلدت الكنيسة، تغيرت الصورة تماما. ففى تعامل الشيطان وجنوده مع الأنسان بكل جوانب تكوين شخصيته من جسد ونفس وروح، رغم كونها مترابطة إلا أنه بعد أن كثّف هجومه ضد الجسد، كجانب محسوس ملموس، إذا به يتحول فى حربه ليكثف هجومه ضد النفس والروح فى الأنسان ولذلك فبدل الحديث عن سكنى الشيطان للجسد، أصبح الحديث عن مكايد إبليس وأفكاره، وعن الأهواء والشهوات وعن كون مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع ظلمة هذا الدهر ومع أجناد الشر الروحية فى السماويات وغير ذلك. وأصبحت مسئولية المؤمنين لا فى موقف سلبي من طرد الشياطين، بل أن يعملوا كسفراء عن المسيح، يطلبون عن المسيح لأن يتصالح الجميع مع الله، فتصبح أجسادهم هياكل لروح الله القدوس يسكن فيها ويقدسها. ولذلك فإذ نقرأ عن مواهب الروح القدس فى كل مواضعها فى العهد الجديد لا نجد إشارة لإخراج الشياطين، بل تحذيرات متكررة وتوجيهات لحرب الشيطان وجنوده فى مجال النفس والروح. إلا أن الكلمة المقدسة توضح لنا أنه ما دام المؤمنون فى الجسد فإن الحرب الروحية حقيقة مؤكدة ومستمرة بصور وأشكال مختلفة، حتى يتعثر البعض فى رحلة الإيمان. لكن الروح الله يؤيدهم ويحفظهم، إذ يسكن فيهم ويضمن لهم الأنتصار على كل قوات الشر. وعلى الكنيسة أن تشجع التائبين وترحب بهم.

الشواهد: (2 كو 11: 14)، (لو 4: 1-13)، (لو 11: 14)، (لو 13: 10 -13)، (رو 12: 3-8)، (1 كو 12: 4-11)، (أف 4: 7-16)، (بط 4: 10 + رو 7: 14-25، غل 5: 17)

 

الروح القدس والثمر

 (45) نؤمن أن الروح القدس عندما يحل في قلب المؤمنين ينتج في حياتهم ثمرًا يتناسب مع شخصه. ويقدم لنا بولس الرسول قائمة توضح عدة جوانب من ثمر الروح القدس في حياة المؤمنين. ونؤمن أنه برغم ما لمواهب الروح القدس من أهمية ومن دور في حياة المؤمنين فإن الثمر هو المؤشر الحقيقي لنوعية الحياة. فتذكرنا كلمة الله أننا نتعرف على المؤمنين من خلال ثمارهم لا من خلال مواهبهم. كما أننا نلاحظ أنه عندما تحدث بولس الرسول إلى كنيسة كورنثوس عن موضوع مواهب الروح القدس الذي انشغلت به تلك الكنيسة كثيرًا سيما التكلم بألسنة إذا به يوجهها بعد حديثه العام عن المواهب إلى المحبة وهي الثمرة المتميزة والأساسية بين ثمار الروح القدس. وبعد أن انتهى من قصيدة المحبة الرائعة عاد ليتحدث عن المحبة كأسلوب حياة، وعن موهبة الوعظ بكلمة الله باعتبارها من أهم المواهب التي يجب أن يسعى المؤمنون نحوها. كل هذا يوضح أهمية ثمر الروح القدس في حياة المؤمنين وفي حياة الكنيسة وأن المقياس السليم لها جميعًا ليس هو المواهب ولكنما مدى نضج ثمر الروح ووضوحه في تطبيقات عملية يلمسها من يتعاملون معهم.

الشواهد: (غل 5: 22،23)، (مت7: 16)، (1كو12: 14)، (1كو 12: 31)، (1كو13)، (1كو1:14).

 

إيماننـا بشـأن الكنيسـة

 

الكنيســة

 (46) نؤمن أن الرب أوجد لنفسه في كل عصر وجيل شعبًا خاصًّا، اختار أفراده ودعاهم للخلاص، وافتداهم الرب يسوع، وضمهم الروح القدس إلى جسد المسيح رأسهم الحي، وقدسهم ليكونوا جميعًا كنيسة الله، يمجدونه ويتعبدون له، وأوكل إليهم مسئولية الشهادة لشخصه وتقديم رسالة الإنجيل قولًا وعملًا، وأيدهم بقوة الروح القدس ليقدموا نفس رسالة المسيح وبنفس أسلوبه ويعلنوا للجميع أعمال الله العظيمة في حياة توقع مستمر لتحقيق الرجاء المبارك بمجيء المسيح ثانية بمجد. فالكنيسة تقدم صورة مسبقة لملكوت الله الذي تنادي به وتعلنه وتتوقع تحقيقه.

 

 المسيح رأس الكنيسة

 ونؤمن أن المسيح وحده هو رأس الكنيسة ورئيسها ولذلك فكل حديث عن أي إنسان كرأس الكنيسة أو كرئيسها، أو كالنائب الذي يمثل المسيح، يتعارض مع كلمة الله.

 

الكنيسة: جماعة العهد

 ونؤمن أن الرب جعل الكنيسة جنسًا اختاره من بين البشر، وكهنوتًا ملكيًّا، وأمة مقدسة، وشعبًا امتلكه بنفسه ولنفسه وبذلك فالكنيسة أصبحت شعب الله، أبناء إبراهيم الحقيقيين وإسرائيل الجديد. فهنالك استمرارية في تحقيق غرض الله في الخلاص. ورجاء نسل إبراهيم الجسدي هو في قبول المسيح مخلصًا، لا أن يقيم لهم مملكة أرضية.

 

الشواهد: (1كو10: 31)، (يو17: 18؛ يو20: 21)، (1بط2: 9)، (تي2: 12، 13؛ 2بط3: 11، 12)، (غل3: 7 – 9، 29)، (1بط2: 9)، (كو 1: 18؛ أف1: 22؛ 5: 23)، (غل6: 16)، (رو11: 23)، (مت23: 8 – 10، 1بط5: 2-4؛ 2تس3،4).

 

العلاقة بين المؤمن والكنيسة

 (47) نؤمن أن العلاقة الشخصية المباشرة بين المؤمن والمسيح، رأس الكنيسة، أساسية وجوهرية. كما نؤمن أن الروح القدس إذ يسكن في أبسط المؤمنين يرشده ويوجهه من خلال الكلمة المقدسة وهذا يؤكد قيمة المؤمن الشخصية كفرد، مما تنبر عليه كلمة الله بصور كثيرة. إلا أن علاقة المؤمن الرأسية بالمسيح تستتبعها بالضرورة العلاقة الأفقية مع الكنيسة التى هي بيت روحي، هيكل مقدس، بناء من حجارة حيه هم المؤمنون وهي جسد المسيح الذي يشكّل المؤمنون أعضاءه. لذلك فنحن نؤمن أن كل مؤمن ملتزم بالانضمام إلى عضوية الكنيسة، أي إلى جماعة المؤمنين. وشركة مع الآب مما يجعله في شركة مع سائر المؤمنين في ارتباط وعلاقة مستمرة بل شركة حقيقية برغم كافة الاختلافات، أو كأعضاء جسم الإنسان، التى تشكّل معًا برغم كل اختلافاتها جسدًا واحدًا تعمل فيه كل الأعضاء في اتحاد وتوافق وانسجام فكل عضو يقوم بدعم الآخرين وهو في نفس الوقت يحتاج إلى دعمهم. لذلك فنحن لا نقبل حياة العزلة بعيدًا عن شعب الرب بكل أعضائه مهما كانت الدوافع أو الأسباب. لأن الكنيسة وهي منتشرة في كل أنحاء العالم تقوم بإرسالية تقديم محبة الله. فهي علامة نبوية لأنها وسيلة حضور الرب في العالم، ليحقق التغير المنشود.

 

الشواهد: (يو16:14)، (إش13:41؛ 43: 1، 2)، (1بط2: 5)، (2كو13: 14)، (1يو1: 3)، (أع2: 42؛ 1يو1: 3)، (في2: 1 –4).

الكنيسة غير المنظورة

 (48) ونؤمن أن الكنيسة كجماعة المؤمنين الحقيقيين في كل العصور والأجيال وكل بلاد العالم هي الكنيسة غير المنظورة، شركة المؤمنين عروس المسيح ملء الذي يملأ الكل في الكل.

الكنيسة المجاهدة والكنيسة المنتصرة

 ونؤمن أنه علينا أن نميزّ بين الكنيسة المجاهدة، أي جماعة المؤمنين الأحياء الموجودين في العالم والكنيسة المنتصرة، أي جماعة المؤمنين الذين انتقلوا واستراحوا من أتعابهم. ورغم إيماننا الراسخ بوحدة الكنيسة في كل العصور والأجيال، ومشاركة المؤمنين الأحياء في الصلاة بعضهم لأجل بعض إلا أن كلمة الله تعلمنا أن نتقدم بطلباتنا إلى الله مباشرة باسم المسيح لذلك فلا يجوز أن نتفدم بصلواتنا للمؤمنين الذين سبقونا واستراحوا ليعودوا مرة أخرى للجهاد معنا أو من أجلنا.

الكنيسة المنظورة

 ونحن نؤمن أيضًا أن الرب يسوع قصد أن تكون له في كل عصر وجيل وفي كل أنحاء العالم كنيسة منظورة، هي جماعة حية، لا بناء مادي، من رجال ونساء من كل الأعمار والأجناس والخلفيات. إلا أن كلمة الله تعلمنا أن الكنيسة المنظورة قد يدخل في عضويتها أشخاص يدَّعون الإيمان بالمسيح بل يدَّعون القيام بأعمال عظيمة باسمه ولكنهم لا ينتمون إليه حقًّا. إلا ان البناء المادي يُمثّل في أماكن كثيرة من العالم شهادةً وامتدادًا وتواجدًا لكنيسة المسيح. وإدراكًا لكون الكنيسة في العالم وإن لم تكن من العالم فنحن نؤمن بحاجة الكنيسة المستمرة إلى المراجعة والإصلاح بعمل الروح القدس من خلال الكلمة المقدسة. وفي عالم مليء بالشر والخطية تحيا الكنيسة كعلامة على عناية الله وإعلان محبته للعالم.

 

الشواهد: (1يو1: 3؛ أف3: 16 – 18)، (أف5: 27، 32؛ رؤ19: 7)، (أف2: 32)، (أي14: 14؛ 2تي6: 12)، (2تي4: 7، 8؛ رؤ7: 9؛ رؤ14: 13)، (يع5: 16)، (في4: 6)، (يو16: 23، 24)، (مت7: 22، 23؛ 1يو2: 19)، (يو17: 14 – 16)، (1يو4: 12).

 

العلامات المميزة للكنيسة الحقيقية

 (49) نؤمن أن الكنيسة الحقيقية تتميز بصفات محددة تقدمها كلمة الله. فنحن نؤمن أن الكنيسة الحقيقية والأمينة لرسالتها تقدم رسالة الإنجيل بصورة صحيحة فتتمسك بالتعليم الصحيح. كما نؤمن أن الكنيسة الحقيقية والأمينة تمارس الفريضتين المقدستين اللتين رسمهما الرب يسوع بصورة صحيحة وفي إطار صحيح، بمرافقة تعليم الكلمة المقدسة وسط شعب الرب مع التنبير على وعود الله الصادقة والأمينة، التى أعطى الرب الفريضتين لشعبه لتكونا علامة وختمًا لها لتشجيع المؤمنين وتثبيتهم في الإيمان.كما نؤمن أيضًا أن الكنيسة الحقيقية والأمينة تمارس قواعد الانضباط في السلوك المسيحي كما تقتضي كلمة الله، بما يُعرف بالتأديب أو التهذيب الكنسي، لِمَا في ذلك من فوائد وبركات كثيرة لمجد الله ونمو الكنيسة وتقدمها. ونؤمن أن الكنيسة الحقيقية والأمينة هى الكنيسة التى تقوم بدورها الكرازى لتوصيل رسالة محبة الله للبشر. فكانت آخر وصية للمؤمنين “أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر “

 

الشواهد: (غل1: 7، 8؛ 1تي4: 13 – 16؛ 2تي3: 14 – 17)، (مت24: 18، 19؛ 1كو11: 23 – 26) , ( مت 28: 19، 20)

وحدة الكنيسة

 (50) ونؤمن بوحدة الكنيسة، وهي وحدة لم تعتمد حتى في عصور المسيحية الأولى على رئاسة بشرية كما أنه كان هنالك تفاعل مع الظروف المختلفة، وتطور مستمر في أسلوب الخدمة يختلف من مكان إلى مكان. ونؤمن أن وحدة الكنيسة مرتبطة بوحدانية الله الآب والابن والروح القدس فالآب هو الذي أراد أن تكون الكنيسة شعبًا خاصًّا له والابن هو الذي افتدى هذا الشعب وجعله جسده الحي والروح القدس هو الذي جعل المؤمنين هيكلًا مقدسًا لسكناه في شركة متميزة. ولذلك فإنه كما أن وحدانية الله وحدانية في تعدد فإن الكنيسة واحدة رغم التعدد الذي قد يميز إحدى طوائفها عن الطائفة الأخرى. لذلك فكل من تتوافر فيهم العلامات الأساسية المميزة للكنيسة الحقيقية هم ضمن الكنيسة الواحدة. وهذا لا يعني نمطًا واحدًا وأسلوبًا واحدًا في العبادة والعمل.

 

الشواهد: (أع 15: 6 – 29)، (يو17: 21)

 

الكنيسـة مقدسـة

 (51) نؤمن أن الكنيسة هي هيكل الله الجديد الذي هو جسد المسيح الذي حل بصفة نهائية محل الهيكل اليهودي القديم بكل قدسيته فالكنيسة مقدسة باعتبارها هيكل الله. ونؤمن أن الكنيسة مقدسة لأن الذي دعى المؤمنين من العالم، أفرزهم وخصصهم لشخصه، ولذلك فالكنيسة تختلف عن المؤسسات البشرية لأنها تستمد أساسها، لا من طبيعة أفرادها ومؤهلاتهم وخلفياتهم، بل من سيادة الله في دعوته للمؤمنين ليكونوا قديسين مهما كان حالهم فالمؤمنون جميعًا قديسون، من تقرر الكنيسة منحهم لقب قديس أو قديسة. ونؤمن أن الكنيسة مقدسة لأن روح الله يسكن في المؤمنين. ونؤمن أنه وإن كانت الكنيسة مقدسة باعتبارها هيكل الله الجديد، جسد المسيح، وباعتبار سكنى روح الله فيها، إلا أنها مقدسة كواجب والتزام لما يجب أن تكون عليه. حتى في وسط جيل منحرف ومنحل يضيء المؤمنون كالنجوم الساطعة. فالكنيسة معرضة دائمًا لأن تسمح للعالم بأن يشكِّل حياتها وأنشطتها وأسلوب خدمتها تحت تأثير العادات والأفكار والحضارة السائدة في المجتمع. ولذلك فهي مدعوة كجماعة وكأفراد لأن لا تسمح للعالم بأن يشكّل حياة المؤمنين أو أن يحدد مبادئ الكنيسة وممارساتها.ونؤمن أن كون الكنيسة مقدسة لا يعني أن أعضاءها قد تحرروا تمامًا من الخطية. فحياة الإيمان حياة جهاد مستمر، وضبط للنفس وموت مستمر عن الخطية، وحياة جديدة متجددة باستمرار ووضع الذات جانبًا، وحمل الصليب يوميًّا وكأن نهاية الحياة قد أوشكت وحياة السهر والانتظار المتواصلين. ليحقق المؤمنون خطة الله المباركة لحياتهم. فنحن نؤمن أن إبليس عدو مهزوم ولكنه لا زال يحارب المؤمنين، وعلى المؤمنين أن يقاوموه راسخين في الإيمان. ولذلك فمن واجب الكنيسة أن تقبل التائبين توبة حقيقية وتشجعهم.

 

الشواهد: (يو2: 18 – 22؛ أف2: 21)، (1كو3: 16، 17)، (رو1: 7؛ 1كو1: 2، 2كو1: 1؛ أف1: 1؛ في1: 1؛ كو1: 2)، (رو8: 7؛ 1كو1: 2؛ 2كو1:1؛ أف1:1؛ في1:1)، (1كو6: 19)، (إش35: 8؛ 1تس4: 3؛ 1يو3: 3؛ لا11: 44،45؛ 19: 2؛ 20: 7)، (غل5: 22، 23؛ أف5: 9، 10؛ في1: 9 – 11)، (في2: 15)، (مت5: 13)، (رو12: 2)، ( 1كو9: 25؛ أف6: 12، 13؛ في2: 12، 13 )، (رو6: 11؛ 22؛ رو12: 1 –2؛ أف5: 8؛ كو3: 5)، (مر8: 34؛ لو9: 23)، (مر13: 33، 35؛ رو13: 11؛ 1بط4: 7؛ 2بط3: 12)، (أف2: 10)، (1بط5: 8؛ رو7: 14 – 25)، (2كو2: 5 – 8).

 

الكنيسة المقدسة والحاجة إلى الانضباط

 (52) نؤمن أنه من واجب الكنيسة أن ترعى حياة الأفراد والجماعات. كما أنه من واجبها أن تعمل دائمًا على انضباط حياة المؤمنين، وقد عُرف ذلك باسم التأديب الكنسي. وهذا ينبغي أن لا يعني دورًا سلبيًّا، بل أن يقوم بدور إيجابي في تهذيب المؤمنين في الحياة المسيحية. والحاجة إلى الانضباط في حياة الأفراد وفي حياة جماعة المؤمنين تنبع من حرصنا على الاحتفاظ بوحدة الكنيسة، وبصورتها المشرقة في المجتمع تنفيذًا لوصية الرب أن يتجنب الأثم كل من يُسمِّي اسم المسيح، وكذلك لردع الآخرين لتجنّب الخطايا المختلفة.والتأديب الكنسي ضروري حتى لا يتأثر الأتقياء بمعاشرة ومخالطة الأشرار أو المتهاونين وحتى لا يقع غضب الله على الكنيسة، متى تهاونت في التعامل مع أدناس أعضائها. ونؤمن أن التأديب الكنسي يعمل على خلاص الروح وإن كان هناك عقاب مؤقت في هذه الحياة كما يدفع المخطئ إلى الخجل، فالعودة إلى الرب، فيعود إلى الشركة مع المؤمنين في الكنيسة. ونؤمن أن العمل على الانضباط في الحياة المسيحية يجب أن لا يأخذ صورة المحكمة بل صورة العائلة، والمدرسة، والمستشفى. وأن يكون هنالك دور إيجابي للكنيسة للتربية منذ الصغر في تعاليم الرب وتحذيراته.

 

الشواهد: (2تس3: 6،14، 15)، (أف4: 2، 3)، (نش6: 10؛ أف1: 4؛ 5: 26، 27؛ 1تس4: 12)، (2تي2: 19-21)، (رو2: 24؛ تي2: 5؛ يع2: 7)، (تث13: 11؛ 1تي5: 20؛ تي1: 13)، (1كو5: 6ـ13)، (مز78: 31؛ 95: 11؛ إر21: 12؛ أف5: 6، 7؛ عب 3: 11؛ 4: 3)، (1كو 5:5)، (2تس 3: 14)، (أف 6: 4)

 

الكنيسة المقدسة والتوبة والاعتراف

 (53) ونؤمن أن الاعتراف بالخطية سواء ارتبط بالتناول من العشاء الرباني أو لم يرتبط يجب أن يكون في إطار ما تقدمه الكلمة المقدسة. فهنالك خطايا لها طابع الخصوصية الشخصية وهذه نعترف بها لله إلا أن هنالك خطايا ترتبط بعلاقاتنا بأشخاص معينين، وهذه يجب معالجتها بصورة شخصية مع من أسأنا إليه؛ أو من أساء إلينا وكل هذا في إطار علاقتنا الشخصية بالرب.أما عن سلطان الحِل والربط فواضح من كلمة الله أنه لم يكن لبطرس وحده ولا لخلفائه هو أو غيره هذا الحق في أشخاصهم. فنحن نؤمن أن الحِل والربط أو ما يسمونه “سلطة المفاتيح” تتحققان بتقديم وعود الإنجيل التي تقدم “الحِل” من ناحية، وتقدم تحذيرات الكلمة المقدسة التي تُعبّر عن الربط أو الغلق من الناحية الأخرى. وهذا لا يتطلب الاعتراف على يد بشر معينين، يتم الحل والربط بواسطتهم شخصيًّا أو عن طريقهم. غير أن الاعتراف المتبادل والصلاة المتبادلة بين المؤمنين لهما فوائد روحية ونفسية تشجعها كلمة الله (يع5: 16) ولذلك تُنبّر الكنيسة على العمل الرعوي وتشجع خدمة المشورة.

 

الشواهد: (مز 19: 12؛ 90: 8)، (مز 139: 23، 24؛ 1يو1: 9)، (أي42: 8؛ مت 5: 23، 24؛ 1تي2: 8؛ 1بط 3: 7)، (مت18: 15ـ17؛ لو 18: 3)، (مت 16: 17؛ 18:18؛ يو20: 23)، (لو 24: 47-49؛ 2كو5: 18ـ21؛ 1تس1: 5)

 

الكنيسة الجامعة

 (54) نؤمن أن الكنيسة جامعة أي تشمل جميع البشر من كل قبيلة ولسان وكل بلاد العالم ولا تتقيد بعصر أو بجيل. فمن مشرق الشمس إلى مغربها اسم الرب ممجد وفي الكنيسة تزول كافة الفوارق.

رسولية الكنيسة

 ونؤمن أن الكنيسة رسولية لأنها تتمسك بتعليم الرسل، وبالإيمان المسلَّم مرة للقديسين. والكنيسة رسولية لأنها تقبل أن تأخذ على عاتقها جيلًا بعد جيل، المسئولية العظمى التي كلف الرب يسوع الرسل بها فهي لا تعتمد في رسوليتها على تسلسل بشري تشوبه الضعفات والنقائص، بل على التمسك بالتعليم الرسولي الصحيح والسليم المؤسس على كلمة الله. ونؤمن أنه كما كانت للرسل شخصيات متنوعة ومواهب مميزة، فالكنيسة مدعوة لأن تعبر عن رسوليتها في خدمتها للعالم بصور وأشكال متنوعة.

الشواهد: (رؤ7: 9)، (مز113: 3؛ مل1: 11)، (غل3: 28)، (أع 2: 42)، (يه3)، (2تي2: 2)، (مت28: 16 – 20)

 

رسولية الكنيسة والوظائف الكنسية

 (55) نؤمن أن الرب يسوع وحده هو رأس الكنيسة ورئيسها. ونؤمن أن الرب ينتظر من المؤمنين أن يكون تدبير أمور الكنيسة دائمًا بلياقة ونظام واضحين ولذلك يعطي الروح القدس مواهب متنوعة لخير وبنيان الكنيسة. ولذلك تعمل الكنيسة على أن يخدم الأعضاء بعضهم بعضًا بحسب الموهبة المعطاة لكلٍ منهم من الروح القدس الذي يدعو الأفراد لخدمات معينة، وفي نفس الوقت يوجه جماعة المؤمنين لدعوة نفس هؤلاء الأفراد لنفس الخدمة التي دعاهم الروح القدس إليها وأهلّهم لها. وتوضح لنا كلمة الله أن الكنيسة حرصت من البداية على أن تكون هنالك قيادات في الكنائس المختلفة كإجراء تنظيمي.

الوظائف الكنسية والنظام المشيخي

 ويحدثنا العهد الجديد عن عدة وظائف كنسية دون تحديد واضح للمهام التي تقوم بها كل وظيفة. وقد ظهرت في الكنيسة بعض الأنظمة لإدارة شئون الكنيسة. فهنالك النظام الأسقفي أو الرئاسي، وهنالك النظام المشيخي الذي ينبّر على الأسلوب الديمقراطي ليسير العمل بالانتخاب نابعًا من الشعب، وإنما في رابطة تجمع بين الكنائس في المواقع المختلفة، وهنالك النظام الاستقلالي أو الجمهوري الذي يعتبر كل كنيسة محلية وحدة مستقلة تدبر شئون نفسها بنفسها، دون ارتباط إداري بأحد ودون تدخل من أحد. ونؤمن أن النظام المشيخي هو أقرب النظم لنصوص الكتاب المقدس وروح الكلمة المقدسة فللشيوخ دور واضح سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد. إلا أننا نؤمن تمامًا أن الوظائف الكنسية لا يتعدى دورها النواحي التنظيمية والإدارية، مما يتطلب الأمانة والالتزام بالمسئولية من جهة الموظفين واحترامهم وإكرامهم من جانب شعب الرب وهم يستمدون صفتهم هذه من رئيس كهنتنا الأعظم الرب يسوع المسيح.

 

الشواهد: (أف5: 23؛ كو1:  18)، (1كو14: 40)، (1كو13: 7؛ أف4: 12)، (1بط4: 10، 11)، (أع13: 2)، (أع14: 23؛ تي1: 5)، (خر24: 1ـ18؛ تث19: 1ـ13؛ أع15: 19ـ21؛ أع20: 17ـ 38؛ 1تي5: 17ـ22)، (1تس5: 12؛ عب13: 17)، (أع20: 28؛ 1بط5: 2، 3)، (1بط2: 5، 9؛ رؤ1: 6)

الكنيسة والسلطة المدنية ومسئولية المواطنة

الإطار التاريخي وسيادة الله

 (56) أن تاريخ الإنسانية يقدّم قصة تعامل الله مع البشر ومع كل خليقته. فهو الإله الذي يعمل دائمًا ويحقق مقاصده السامية. فلا مكان للصدفة لا في الأحداث الكبيرة ولا الصغيرة. ويُطمئن الرب المؤمنين بعبارات مشجعة بأنه لا يسقط عصفور إلى الأرض إلا بإذنه، وأن شعور رؤوس المؤمنين جميعها محصاة.

المؤمنون ومسئولية المواطنة

 ونؤمن أن الله أوجد الإنسانية في مجتمعات تحكمها أنظمة مختلفة، لكنها جميعها تخضع لسلطة الله وهي مستمدة منه. فالسلطة المدنية ترتيب إلهي لمجده ولخير البشرية وتقدمها، لإقامة العدل والحرية والأمن والسلام وضمان حقوق الإنسان وتكافؤ الفرص، وكذلك تأديب المذنب ومكافأة المواطن الصالح. والمؤمنون مطالبون بالخضوع للسلطة المدنية، بل بالصلاة وتقديم الطلبات لأجل الحكَّام وكل المسئولين على كافة المستويات، ليحيا الجميع حياة هادئة مطمئنة، ولتتوفر فرص عبادة الله.ونؤمن أن الحكام يخدمون مقاصد الله سواء عن قصد أو غير قصد، بطريق مباشر أو غير مباشر. وهكذا كان نبوخذ نصَّر وكورش وهيرودس وبيلاطس وغيرهم على مر العصور والأجيال. كما نؤمن أنه على المؤمنين أن يعبِّروا عن خضوعهم وولائهم كمواطنين، بأن يقوموا بجميع الالتزامات المطلوبة منهم كسداد الضرائب والمساهمة في المشروعات والخدمات الوطنية، والمشاركة في مسئوليات وامتيازات المواطنة كالتصويت في الانتخابات، وإبداء الرأي، والعمل على تنمية الموارد، والحفاظ على البيئة، وتشجيع التعليم والبحث العلمي، وتقدم المجتمع، والقيام بالخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية وكل ما يعمل على تقدم البلاد وازدهارها. ونؤمن أنه في مواجهة ما قد يقابله المؤمن من ضياع الحقوق والقهر والظلم فإنه يرى في المسيح كإنسان أعزل أمام بيلاطس، القدوة التي يتمثل بها. كما أننا نؤمن أنه على كل مؤمن كفرد، وعلى المؤمنين كجماعة أن يقوموا بدور نبويّ في الدفاع عن الحق والإنذار والتحذير، وكذلك التشجيع، تأسيسًا على كلمة الله وتوجيه روحه القدوس، وأن يُطالبوا بحقوق الآخرين وحقوقهم بروح الوداعة ودون تراخٍ. وعلى كل مؤمن أن يكون نموذجًا للمواطن الصالح الذي يؤدي عمله بأمانة، وبروح الالتزام، وبنيَّة طيبة كأنه يقدِّم خدماته للرب لا للبشر.

الشواهد: (2مل8: 4، 5؛ دا 6: 1)، (مت10: 29، 30؛ لو12: 6، 7)، (رو13: 1 – 7؛ 1بط2: 13 – 17)، (جا8: 1-14؛ رو13: 1-7؛ 1تى2: 1، 2؛ تي 3: 1؛ 1بط2: 13،14)، (2أي36: 22؛ عز1: 1؛ دا2: 22؛ 4: 34، 35؛ أع4: 26 – 28)، (مت17: 24 – 27؛ 22: 17 – 21)، (إر29: 7؛ رو13: 6؛ في4: 8؛ 1تي2: 1، 2؛ تي3: 1؛ 1بط2: 15 – 17)، (رو12: 17 – 21؛ 1بط2: 21-23)، (مت5: 44)، (تث24: 14؛ مز82: 3؛ إش1: 17؛ إر7: 5، 6؛ 22: 3؛ عا 5: 15؛ 6: 1 – 17؛ زك7: 9؛ 8: 16؛ 1تي5: 3)، (1بط3: 15)، (مت5: 13 – 16)، (في2: 14 – 15؛ كو3:22 – 24)

 

المتغيرات المختلفة وأولوية طاعة الله

 (57) وإذ نسعى كمؤمنين لأن نقدٍّم ما لقيصر لقيصر وما لله لله، إلا أن عقيدتنا الراسخة في كافة الأحوال أنه يجب أن تكون الأولوية دائمًا لطاعة الله لا طاعة البشر. وفي مواجهة العولمة وما تمثّله من هيمنة على كافة نواحي الحياة مثل تشجيع روح المنافسة وفرض المبادئ والقيم المعاصرة وكأنها المرجعية التي تتحكم في تفكيرنا وأسلوب حياتنا كسطوة القوة، والنزعة الاستهلاكية، والسعي وراء وسائل الراحة والرفاهية بلا ضوابط، والنظر لكل شيء بل للإنسان نفسه وكأنه سلعة تجارية. تقف الكنيسة في مواجهة كل هذا وقفة جادة دفاعًا عن الفقراء والمظلومين والمهمشين في تضامن وتكافل حقيقيين فلا تسمح للعصر لأن يشكّل حياتها وحياة مجتمعها بل تعمل على تغيير ينبع من الداخل لتحقيق اختبار حقيقي لإرادة الله لها وللمجتمع. ونؤمن أنه من واجب الكنيسة أن تتفاعل مع المجتمع الكنسي العام، ومع سائر الديانات فإن دورها كنور وكملح يستوجب ذلك. ولذلك فعلى الكنيسة أن تُشارك في الحوارات بين الطوائف والمذاهب المسيحية المختلفة، فالكنيسة المصلحة تُدرك أنها فى حاجة دائمة إلى ذلك، كما تدرك أن جسد المسيح فيه أعضاء كثيرة ومتنوعة، ومجال العمل المشترك يتسع لمشاركة الجميع، فتتحقق الوحدة في الخدمة، والوحدة في الهدف. أما حوارات الأديان فيجب أيضًا أن يكون للكنيسة دور فاعل فيها، دون تنازلات أو مساومات في الحق الكتابي. وعلى الكنيسة أن تقوم بخدمة المجتمع بالصور والأشكال المختلفة، فالدياكونية، أي الخدمة، جانب أصيل في حياة الكنيسة.

الشواهد: (أع6: 29)، (رو12: 2)، (مت5: 13، 14)، (أع1:6؛ 29:11؛ 2كو 4:8؛ 9: 1؛ 2تي11:4)

 

إيماننا بشأن الفرائض المقدسة

 (58) نؤمن أن الرب يسوع أمر المؤمنين الأوائل، وبالتالي الكنيسة، بممارسة فريضتين هما المعمودية والعشاء الرباني ولذلك فنمارس في كنيستنا الإنجيلية هاتين الفريضتين ولا نطلق عليهما كلمة “سر” لأن من يستخدمون هذه الكلمة يقدمون لها مدلولًا يبتعد بنا كثيرًا عن المفهوم الكتابي الإنجيلي للمعمودية وللعشاء الرباني. كما إن الإضافات الأخرى للفرائض المقدسة، مما يسمونه “أسرار الكنيسة”، لا نجد في الكتاب المقدس نصًا يأمرنا بممارستها باعتبارها فضلًا عن كونها لم تكن معروفة في الكنيسة المسيحية في القرون الأولى. كما أن كلمة فريضة كلمة تتردد كثيرا فى العهد القديم كالفصح مثلاً الذي حل العشاء الربانى فى محله يشار إليه كفرسضة أبدية ونؤمن أن الفرائض المقدسة تقدم لنا بكيفية محسوسة وملموسة صورة لنعمة داخلية يمنحها الله للمؤمنين. فالفرائض المقدسة تقدم لنا بصورة عملية شهادة الرب لنا أنه يحبنا ويريد لنا أن نرتبط به، فيميز بيننا وبين من ينتسبون للعالم. ونؤمن أن الفرائض المقدسة ترتبط تمامًا بوعود الله الصادقة والأمينة وتعبِّر عنها، وإنه لضعف إيماننا أعطانا الرب الفريضتين المقدستين كعلامة خارجية، يؤكد الروح القدس لقلوبنا داخليًّا عن طريقهما وعود محبة الله، مما يقوي إيماننا ويزيد من ثقتنا به. كما نؤمن أن كل فريضة مقدسة هي بمثابة ختم قارن يؤكد لنا أن الوعود التي تقدمها لنا الكلمة المقدسة، ورسالة الإنجيل التي نستمع إليها في كلمة الوعظ، صادرة من الرب بنفسه. ونؤمن أن الفرائض المقدسة ليست لها فاعلية في ذاتها فبرغم إيماننا أن نعمة الله غير مشروطة، إلا أن الحديث عن الفرائض وكأن لها فاعلية في ذاتها ومن ذاتها يتجاهل حرية عمل الروح القدس في القلب، كما يغفل أهمية استجابة الإيمان. كما إننا نؤمن أن الفرائض المقدسة لا تستمد فاعليتها من الشخص الذي يقوم بإجراءها، ما دامت تتم بالصورة التي رسمها الرب يسوع في إطار تقديم كلمة الله والصلاة. إلا إننا نؤمن أنه لتتم خدمة الكلمة والفرائض المقدسة بنظام وترتيب يقوم القسوس كخدام رسميين افرزتهم الكنيسة وخصصتهم لخدمة الكلمة والفرائض المقدسة بمباشرة إجراء الفريضتين، كإطار تنظيمي لا أكثر ولا أقل.

الشواهد: (مت28: 19؛ مر16: 15، 16)، (لو22: 19؛ 1كو11: 23-34)، (خر 12: 24)، (رو4: 11)، (1كو14: 40)

 

المعموديــة

(59) نؤمن أننا نمارس المعمودية في كنائسنا لأن الرب يسوع أمر بذلك. نؤمن أن العهد الجديد يقدم بعض أحداث العهد القديم الهامة بأنها صورة للمعمودية المسيحية. كما أن العهد الجديد يبرز كيف أن المعمودية بمفهومها الصحيح حلت محل الختان في العهد القديم لكنما بمعناه الأعمق. وإذ قبل الرب يسوع أن يعمده يوحنا بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، أعلن وأكد بذلك ارتباطه الوثيق بنا، ليكون الممثل الحقيقي لنا، لننال نحن بركات عهد النعمة التي اكتملت بموته.

معنى ودلالة المعمودية

 ونؤمن أن المعمودية علامة وختم لعهد النعمة، العهد الواحد، رغم اختلاف العلامة والتطبيق والممارسة في العهد القديم. ونؤمن أن المعمودية هي الفريضة التي بموجبها نُقبل في شركة الكنيسة، بين جماعة المؤمنين، أي المجتمع الكنسي، ونُقبل كأبناء لله. ونؤمن أن المعمودية تشير لحقيقة خطية الإنسان، حتى نبحث عن خلاصنا خارج أنفسنا. ونؤمن أن المعمودية تتم باسم الآب والابن والروح القدس، أي تعبيرًا عن ارتباطنا بالإله المثلث الأقانيم. فالآب هو الذي يتنازل لكي يدخل معنا في عهد أبدي بنعمته إذ يتبنانا كأولاده. والابن لأنه هو الذي يؤكد لنا أنه يغسلنا بفعل دمه من خطايانا، ويطهرنا ويمحو كل ذكر لخطايانا، وهو الذي يمنحنا أن نشارك في موته وقيامته لبناء مملكته وهدم مملكة الشيطان، فتخضع رغباتنا لإرادته. والروح القدس لأنه يؤكد لنا أنه يسكن فينا ويقدسنا لنكون أعضاء في جسد المسيح ويهبنا أن نختبر ما حققه المسيح لنا من غسل خطايانا وتجديد حياتنا يوميًّا إلى أن نمثل في حضرة الله بلا عيب ولا دنس. كما أن الروح القدس هو الذي يُوجد الثمر في حياتنا ويدفعنا للخدمة تعبيرًا عن شكرنا لفضل النعمة. ونؤمن أن المعمودية المسيحية كعلامة الانضمام لجسد المسيح تؤكد وحدة الكنيسة وتحارب الانقسامات وتدفع المؤمنين للسمو فوق كل الاختلافات مهما كانت والارتباط الوثيق بالكنيسة في أنحاء العالم. ولذلك فنحن نرفض إعادة المعمودية. ونؤمن أن المعمودية بما تشير إليه من الموت مع المسيح والقيامة معه تذكرنا وتدفعنا لعدم التساهل مع الخطية. كما نؤمن أيضًا أن المعمودية كعلامة وختم لتأكيد وتحقيق عهود الرب معنا ولنا، تشجعنا متى تعثرت حياتنا روحيًّا حتى لا نيأس ولا نفشل، فنتذكر معموديتنا. ونؤمن أن خلاصنا يتحقق باتحادنا مع المسيح، لا بالمعمودية. فالمعمودية لا تمنح الميلاد الثاني ولكنها تشير إليه، ونحن نغتسل من خطايانا بدم المسيح والمعمودية علامة وختم لهذه الحقيقة.

الشواهد: (مت28: 19؛ مر16:16)، (1بط4: 20-21)، (1كو10: 1، 2)، (تث10: 15، 16؛ 30: 16؛ إر4:4؛ كو2: 11)،(مت3: 13-15)، (لو12: 50)، (رو4: 16؛ غل3: 29)، (1كو12: 13)، (يو1: 12)، (2كو6: 11؛ عب9: 14؛ 1يو1: 7؛ رؤ1: 5)، (إش43: 25؛ 44: 22؛ أع 3: 19)، (غل2: 20)، (2كو10: 4، 5)، (1كو1: 13)، (غل5: 22)، (1كو12: 13؛ غل3: 27، 28؛ كو3: 11)، (أف4: 5)، (رو6: 1ـ5)، (1بط3: 21).

 

كيف تتم المعمودية؟

 (60) نؤمن أن المعمودية المسيحية تتم بالماء، باسم الآب والابن والروح القدس، وبيد من تفرزهم الكنيسة وتخصصهم لخدمة الكلمة والفرائض المقدسة كإجراء تنظيمي. وتتم المعمودية في الصلاة المرفوعة لأجل من يتم عمادهم، ولتكون ممارسة المعمودية بالماء سبب بركة روحية للمعمدين. وبينما يرى البعض أن المعمودية يجب أن تكون بالتغطيس، ويقولون إن الموت مع المسيح والقيامة معه تعبّر عنهما المعمودية بالتغطيس أفضل تعبير بالإشارة إلى إلا أن نفس الفصلين الكتابيين يتحدثان أيضًا عن المعمودية كالاتحاد مع المسيح في موته وعن الصلب معه وعن الختان غير المصنوع بيد وكلها تعبيرات تصويرية للحديث عن المعمودية ولا تشير للتغطيس. أما القول بأن الفعل اليوناني المعبّر عن المعمودية لا يعني سوى التغطيس، فهذا يتجاهل أن الفعل يمكن أن يعني يبل أو يغمس أو يصبغ بل إنه من الواضح أن المعنى في مواضع كثيرة هو “الغسل” ولهذا فنحن نؤمن أن الفكرة الأساسية التي تشير إليها المعمودية في كلمة الله هي التطهير وهو الذي يتضح من كلمة الله بأنه يمكن أن يتم بالرش أو بالسكب أو بالتغطيس ولهذا فنحن نؤمن أنه في الحديث عن المعمودية يجب أن لا يكون التركيز على الأسلوب الذي تتم به المعمودية بل إلى الحقيقة نفسها والمضمون. كما إننا نؤمن أن حديث يوحنا المعمدان عن المعمودية وإشاراته لمعمودية الروح القدس تؤكد لنا أن المعمودية لا تعني بالضرورة فكرة التغطيس. كما أن الحديث عن حماية السحابة لشعب الرب القديم والعبور في البحر، كما في أرض يابسة، واعتبار هذين معمودية لموسى، أي ارتباط الشعب الوثيق بموسى لا يترك مجالًا للحديث عن أن المعمودية يجب أن تتم بالتغطيس. وواضح أيضًا أنه ليس من المتصور أن الثلاثة آلاف نفس الذين اعتمدوا في يوم الخمسين قد تمت معموديتهم بالتغطيس. ولو كان التغطيس بغرض التعبير عن غسل الخطايا، لكان الاغتسال يوضح ذلك بصورة أفضل وأكمل.

الشواهد: (رو6: 3-6؛ كو2: 12)، (رو6: 5، 6)، (كو2: 11)، (لو16: 24)، (يو13: 26؛ رؤ19: 13)، (لو12: 50)، (مر7: 2ـ5؛ 8؛ عب9: 10)، (حز36: 25؛ يو3: 25، 26؛ أع 22: 16؛ تي3: 5؛ عب10: 22؛ 1بط3: 21)، (لا14: 7؛ عد8: 7؛ حز36: 25؛ عب 9: 13؛ 19-22؛ 10: 22)، (مت4: 1؛ يو1: 37)، (أع2: 4)، (أع 2: 17، 23)، (أع 10: 44؛ 11: 15)، (1كو10: 1، 2)، (أع 9: 18؛ 10: 47؛ 16: 33، 34)، (رو 6: 3-6)، (كو 2: 12).

 

من هم الذين يُعمَّدون؟

(61) نؤمن أن العهد الجديد يعلِّم أن من يرغبون في الدخول إلى دائرة شعب الرب بالإيمان بالمسيح مخلصًا وفاديًا يجب أن يُعمدوا لأن المعمودية هي علامة وختم عهد النعمة والانضمام لشعب الرب الجديد، الكنيسة. وهؤلاء يكونون من البالغين وتتم معموديتهم كأفراد، وهذا ما نمارسه اليوم مع من يُقبلون إلى الإيمان من البالغين. إلا أن من يرتبطون بعائلات ممن يتحدث عنهم العهد الجديد فكانت تتم معمودية البيت كله معًا تعبيرًا عن الترابط والتضامن الذي يجعل أفراد البيت وحدة واحدة. كما إننا نؤمن أن حديث الرسول بولس عن كون شعب الرب القديم الذي كان يشمل الكبار والصغار، وشعب الرب الجديد قد أصبحا واحدًا في المسيح يؤكد لنا قبول أبناء المؤمنين ضمن شعب الرب. فأصبح المؤمنون بالمسيح رعية مع القديسين تمامًا كما يعتبر الطفل منتميًا لوطن والديه. ومعمودية كل أهل البيت هي علامة وختم للتعبير عن أن بركات المعمودية، أي الارتباط بشعب الرب، تمتد من الوالدين إلى الأبناء. كما نؤمن أن معمودية أبناء المؤمنين تقدم لنا صورة عن مبادرة النعمة، إذ تعبر عن محبة الله لنا قبل أن تظهر من جانبنا أية بادرة محبة أو ثقة، فنحن نحب لأنه هو أحبنا أولًا. أما من يعتبرون أن المعمودية هي أساسًا إعلان إيماننا ويرفضون معمودية أبناء المؤمنين فيفرِّطون في حقيقة مبادرة النعمة، إذ يُصبح الإنسان في مركز الدائرة بدلًا من الله، وإن كنا نؤمن أيضًا أن المعمودية لا تمنح الولادة الجديدة، فالأطفال الذين يموتون قبل أن تتم معموديتهم لا يؤثر هذا على علاقتهم بالرب. نؤمن أن المعمودية تضع على عاتق الكنيسة وعلى عاتق الوالدين مسئولية كبيرة، هي مسئولية التعليم والتدريب فالرب الذي قال: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” قال أيضًا: “وعمدوهم… وعلموهم جميع ما أوصيتكم به” وإذ يتحدث الرب عن عهده مع إبراهيم يقول: “لأني عرفته (اخترته) لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا برًا وعدلًا…”.

الشواهد: (مر16:16)، (أع 8: 38؛ 9: 18؛ 22: 16)، (أع 10: 48؛ 16: 15؛ 16: 33؛ 18: 8؛ 1كو1: 16)، (أف2: 15)، (أف2: 19)، (1كو7: 14)، (أع 2: 38، 39؛ 1كو12: 13؛ كو2: 11، 12)، (1يو4: 19)، (مت28: 19،20)، (تك18: 19).

 

العشـاء الربانـي

 

 (62) نؤمن أن الرب يسوع الذي رسم فريضة المعمودية رسم أيضًا بنفسه فريضة العشاء الرباني.

 

العشاء الرباني وعيد الفصح

 نؤمن أن العشاء الرباني ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمائدة عيد الفصح. الذي يتحدث عنه سفر الخروج بإعتباره ” فريضة أبدية ” احتفالًا بعهد الرب بأن يخلص شعبه. ونؤمن أن الرب يسوع استخدم عبارة “العهد الجديد بدمي” ليؤكد أن علاقة الرب بشعبه هي دائمًا علاقة عهد هو عهد النعمة. إلا أنه من الناحية الأخرى أكد أن العشاء الرباني يضع إطارًا جديدًا لهذا العهد يختلف تمامًا عن القديم، أصبح لنا في العهد الجديد ذبيحة واحدة لا تكرر، هي ذبيحة المسيح، ولذلك فلا حاجة إلى الحديث عن ذبائح من بعدها ولا يجوز القول بتكرارها بأي صورة من الصور وعلى أساس تقديم جسد يسوع مرة واحدة نحن مقدسون. ولذلك فنحن نؤمن أن الذبائح التي أصبح علينا أن نقدمها كمؤمنين إنما هي ذبائح الشكر لله والتسبيح، اعترافًا بفضل تلك الذبيحة الواحدة الكافية كما وأن نقدم ذبائح فعل الخير وتقديم المساعدات للآخرين كتعبير عملي عن شكرنا للرب يفرِّح قلب إلهنا بل أن نقدم ذواتنا لله في عبادة واعية. كما نؤمن أنه لنا في العهد الجديد رئيس كهنة أبطل دور الكهنوت البشري تمامًا لأن كهنوته لا يزول وهو يضمن عهدًا أفضل ويفتح الطريق لعلاقة مباشرة مع الله وبذلك فلا عودة للحديث عن كهنوت بشري خاص من بعده. فالمؤمنون قد أصبحوا مملكة كهنة يقدمون ذبائح روحية مما يؤكد كهنوت جميع المؤمنين. إذ يحق لكل مؤمن أن يتقدم مباشرة إلى الله. فلذلك فنحن نؤمن أنه لا أساس للحديث عن المؤمنين باعتبارهم فئتين أكليروس أي الذين اتخذهم الله نصيبًا له أو صار الله نصيبهم وهم الكهنة، وعلمانيين أي الشعب. فالمؤمنون جميعًا هم شعب الرب وهم أنفسهم جميعًا نصيب الرب أو من اتخذوا الرب نصيبًا، وإن كان كل واحد يقوم بدوره الخاص كعضو في جسد المسيح. ولذلك فنحن نؤمن أنه لا مجال للحديث عن العشاء الرباني كتقديم ذبيحة تتطلب كاهنًا ومذبحًا يُقدم عليه جسد المسيح. فنحن لا نملك ما نقدمه للرب لننال بركات الفداء فقد اكتملت هذه بصليب المسيح. ولكننا نأتي في العشاء الرباني بأيد فارغة، لنتناول من مائدته إذ يقدم لنا ذاته لنتغذى روحيًّا على شخصه المبارك.وإذ نؤمن أن الصورة الواضحة التي قَصَدَ الرب يسوع أن يقدمها لنا عن العشاء الرباني هي صورة مائدة لا مذبح بكل أبعاد وغنى هذه الصورة.

الشواهد: (مت26: 26-29؛ مر14: 22-25؛ لو 22: 14ـ21؛ 1كو11: 23ـ25)، (خر 12: 17)، (عب7: 27؛ 10: 10، 14)، (1كو5: 7)، (يو1: 39؛ 1بط1: 19)، (عب10: 10)، (عب13: 15)، (عب13: 16)، (رو6: 13؛ 12: 1؛ 1بط2: 5)، (عب7: 24؛ 8: 11)، (عب6: 22ـ 25)، (عب2: 17، 4: 14ـ 16؛ 10: 19ـ23)، (رؤ1: 5؛ 5: 10)، (خر19: 6؛ 1بط2: 9)، (عب7: 25؛ 9: 15؛ 1تي2: 25؛ 1يو2: 1)، (تث32: 9)، (رو12: 4، 5؛ 1بط4: 10)

 

معنى ودلالة العشاء الرباني

(63) نؤمن أن العشاء الرباني أحد وسائط النعمة. فإذ تُعبّر المعمودية عن أن الحياة المسيحية تتأسس على نعمة الله وأن المعمودية هي علامة وختم انضمام الأفراد لشعب الرب، فإن العشاء الرباني يُعبّر عن حاجتنا الدائمة لأن نتغذى روحيًّا لننمو. ونؤمن أن العشاء الربانى يؤكد لمن يتناولون منه أنهم موضوع محبة الله وان كل وعود العهد وكل غنى الإنجيل، وكل بركات الخلاص هى لهم. ونؤمن أن العشاء الرباني تذكار لذبيحة المسيح، وهي ليست مجرد ذكرى لحدث تم في الماضي وانتهى، لكنها ذكرى حية، فذبيحة المسيح تتخطى حدود الزمان والمكان فأثرها لا زال باقيًا في الحاضر، بل ويمتد للمستقبل. بل إن وليمة العشاء الرباني هي وليمة شكر وحمد وتسبيح تدفعنا لأن نتطلع للرجاء المبارك بمجيء المسيح ثانية واكتمال ملكوت الله ولأن نتطلع إلى الوليمة السماوية مع المسيح. ونؤمن أنه بالصلاة والشكر يخصص الخبز والخمر لاستخدام العشاء الرباني، لغذاء المؤمنين روحيًّا إلا أن الخبز يظل خبزًا والخمر تظل خمرًا وهذا ما يؤكده حديث بولس الرسول عن العشاء الرباني ونحن لا نتغذى على الرب يسوع بأفواهنا ومعدتنا، وإنما بالإيمان بقلوبنا وعقولنا، فنحن نؤمن أن حضور المسيح يتحقق في قلوب المؤمنين لا في الخبز والخمر، وهو حضور ديناميكي يعمل بقوة ليعمّق وحدتنا الحية به وبالمؤمنين باعتباره الرأس ونحن أعضاء جسده.

الشواهد: (كو 11: 26)، (1كو11: 24-26)، (عب9: 13)، (1كو10: 16، 17)، (1كو11: 26)، (مت26: 29؛ 1كو11: 26)، (رؤ19: 9)، (1كو10: 17؛ 11: 26-28).

 

العشاء الرباني والتناول منه

 (64) نؤمن أن من يتناولون هم من سبق أن تعمدوا فانضموا لشعب الرب على أساس نعمة المسيح، واعترفوا بخطاياهم وأدركوا أن غفران خطاياهم بعمل المسيح، وأعلنوا إيمانهم، والتزموا بالارتباط بجماعة المؤمنين، وحمل المسئوليات وقبول التبعات المترتبة على هذا الارتباط، من امتحان النفس ومسئولية الشهادة والكرازة. وكما رأينا أن المعمودية تشبه حق انتماء الأطفال لوطن الوالدين، وإن كان الطفل لا يمارس إمتيازات ومسئوليات المواطنة سوى في وقت لاحق، كذلك يكون التناول من العشاء الرباني بإمتيازاته ومسئولياته في السن التي يدرك فيها من سبق عماده هذه الحقائق وعلى الوالدين أن يراعوا ذلك. ونؤمن أن من يتناولون من المائدة هم الذين يحسون بحاجتهم لتقوية إيمانهم ويرغبون في إصلاح حياتهم، ولذلك فعلى الكنيسة أن تشجع التائبين، وتشجع امتحان النفس في ضوء كلمة الله، لا لتثبيط الهمم والامتناع عن التناول، ولكن للتأكد من الرغبة الصادقة في الإصلاح، فالاستحقاق يتأسس على نعمة الله.إلا أننا نؤمن أيضًا أنه على الكنيسة أن لا تتهاون مع من لا يدركون معنى وقيمة التناول من المائدة، فيتعاملون معها باستخفاف. فنحن نؤمن أن العشاء الرباني يكشف لنا ما يجب أن تكون عليه حياتنا في علاقتنا بالرب، وبجماعة المؤمنين في كل مكان، فنشهد لفضل النعمة ونحدّث الناس عن عمل الفداء قولًا وعملًا.

الشواهد: (1كو11: 28)، (1كو11: 6)، (1بط2: 9)، (1كو11: 26)

 

إيماننا بشأن الأخرويات: الرجاء المسيحي

القيامة العامة

 (65) نؤمن أن هنالك قيامة عامة لجميع البشر وهنالك دينونة عامة إذ يجيء المسيح ثانية بمجد ليدين الأحياء والأموات. ونؤمن أننا ننتظر القيامة على أساس الرجاء الذي لنا في المسيح يسوع من جهة الراقدين الذين سبقونا أو الذين يرقدون الآن، فلا نحزن كغيرنا من البشر ممن ليس لديهم هذا الرجاء ولذلك فعند انتقال أحبائنا نجتمع كمؤمنين حول الرب في خدمة تعزية مما تقدمه لنا كلمة الله، فنحن لا نُقيم صلوات لأجل المنتقلين ولا جنازات ولا تذكارات ولا نؤبّنهم مما يبتعد بنا عن التعزيات التي تقدمها كلمة الله بعمل الروح القدس. ونؤمن أن الرجاء المسيحي لا يحده زمان أو مكان فالمؤمنون مواطنو السماء حتى وهم يعيشون على الأرض. ونؤمن أن الحياة الأبدية تبدأ بالقيامة من موت الخطية، وتكتمل بقيامة الجسد، ولذلك يتحدث المسيح عن الموت كرقاد انتظارًا للقيامة. ونؤمن أن كلمة الله لا تحدثنا عن خلود النفس وفناء الجسد. ولذلك نؤمن بقيامة الأجساد، وأنه بذلك يكتمل فداء المؤمنين.

الشواهد: (دا12: 2؛ يو5: 28، 29؛ أع 24: 15؛ 1كو15: 12-22؛ عب9: 27)، (يو5: 22، 27؛ أع17: 31؛ 2كو5: 10)، (1كو15: 19؛ 1تس4: 13)، (1كو15: 19)، (في3: 20؛ 2كو5: 6)، (يو5: 25؛ أف2: 5؛ يو17: 3)، (يو11: 11؛ 1كو15: 51؛ 1تس4: 13، 14)، (رو8: 23).

 

الحالة بين الموت والقيامة

(66) نؤمن أن المؤمنين المنتقلين يرقدون في الرب، فيتحقق لهم ما آمنوا به ويختبرون التواجد في حضرة الله فينتقلون من الكنيسة المجاهدة إلى الكنيسة المنتصرة فينتهي جهادهم ويستريحون من أتعابهم وتنقطع صلتهم بالأحياء فى الأرض، ويكملون حالا فى القداسة ويكونون فى سلام فى حضرة المسيح وفى شركة معه إلى أن يكتمل فرحهم وابتهاجهم في القيامة العامة والدينونة العامة أما أرواح من رفضوا بركات عمل المسيح ولم يتوبوا فيستمرون فى موضع عذاب، ادراكا منهم لجسامة رفضهم محبة الله ونعمته.

الشواهد: (رو 8 : 21 ؛ رو11 : 32 ؛ 1تس 4 : 7 – 15 ؛ رؤ 19 : 7)، (1كو 15 : 49، في 3 : 21)، (رو8: 19،21)، (2بط9:3)، (رو24:8؛ 1كو9:2)،(أع7: 60، 13: 36، 1كو15: 6،18،20،51؛ 1تس4: 13-15؛ يو11:11)، (لو16: 19-31؛ لو23: 43؛ 2كو5: 8؛ في1: 22-24، أع7: 59)، (لو23: 42،43؛ في1: 21-25؛ 2تي 4: 7،8؛ رؤ14: 13).

 

جسـد القيامـة

 (67) نؤمن أن هنالك ارتباط بين أجساد البشر في هذه الحياة وجسد القيامة، يشبهه الكتاب المقدس بالحبة التي يتم زراعتها والنبتة التي تنمو أو الخيمة والبناء كما أن الكتاب المقدس يخبرنا أن جسد القيامة للمؤمنين سيكون مشابهًا لجسد المسيح المقام.

حياة الدهر الآتي

 ونؤمن أن كلمة الله تذكرنا أن هنالك الكثير مما لا نستطيع أن ندركه تمامًا في هذه الحياة ولكننا نحيا حياة الثقة. نؤمن أن حياة الدهر الآتي حياة خدمة وأنها حياة حيث يكون المسيح وفي حضرة الله.

الشواهد :(1كو15: 35ـ 44)، (1كو5: 1)، (في3: 21؛ 1يو3: 2)، (يو14: 2؛ عب11: 1)،(رو8: 24؛ 1كو13: 12)، (رؤ22: 3، 4)، (يو14: 1ـ3).

 

الرجاء المبارك

 (68) نؤمن أن أحداث التاريخ لا تسير في حلقة مفرَّغة، كما نؤمن أنها لا تتصف بالعشوائية، أو إن التاريخ ينتهي بفوضى. فالله هو رب التاريخ ويقود أحداثه نحو هدف يحقق مقاصده. وتاريخ تعامل الله مع الخليقة يبلغ تمامه في ذاك الذي منه بدأت لأنه هو الألف والياء الأول والآخِر، وهو الذي منه وبه وله كل الأشياء. كما نؤمن أن ميلاد المسيح وحياته وموته وقيامته وصعوده هي أهم أحداث الماضي، وهي التي نضم إليها ماضينا الملوث لتصنع منه حياة جديدة، كما نؤمن أن أهم حقيقة في الحاضر هي أن المسيح جالسُُ عن يمين الآب يشفع فينا، ويملك على الكون، ممسكًا بزمام كل الأمور جاعلًا حياتنا مختبئة معه في الله فإننا نؤمن أن أهم حدث يجب أن ننشغل به وننتظره في المستقبل هو مجيء المسيح ثانية بمجد، إذ يُستعلن للجميع ربًا وملكًا فهذا هو الرجاء المبارك الذي يتطلع المؤمنون إليه.

الشواهد: (رؤ1: 11، 17؛ 22: 13)، (رو11: 36)، (كو3: 3)، (في 2 : 9 – 11 ؛ رؤ1 : 5 – 7)، (تي2: 13).

 

المجيء، الظهور، الاستعلان الاختطاف

 (69) ونؤمن أن العهد الجديد يتحدث عن مجيء المسيح ثانية بألفاظ مختلفة منها المجيء بمعنى التواجد الشخصي؛ والاستعلان، والظهور بمعنى الظهور المجيد وكذلك الظهور بمعنى المجيء الظاهر، والإتيان بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان آخر، والمجيء بمعنى الوصول. ورغم تعدد هذه المفردات إلا أنها تعبِّر عن حقيقة واحدة، دون فاصل زمني بينها. ولذلك فإن تفسير الكلمة المقدسة يرتبك لو حاولنا أن نكتشف اختلافات بين هذه التعبيرات. ونحن نؤمن أن اختطاف المؤمنين وقيامة الراقدين عند مجيء الرب ثانية لا يحدثان سرًا، دون أن يدري بهما الآخرون. فالمجيء الثاني مجيء شخصي، ومجيء علني مجيد فهو سيأتي منتصرًا بقوة وسلطان، أما موعد مجيئه فهو غير معروف بل ويباغت كل توقعات البشر مما يدعو المؤمنين للسهر المتواصل.

الشواهد: (1كو15: 23؛ 1تس4: 15؛ يع 5: 7)، (2تس 1: 7؛ 1بط1: 7، 13)، (1تي 6: 14؛ 2تي4: 1)، (كو3: 4؛ 1بط5: 4؛ 1يو 3: 2)، (لو19: 13)، (رؤ2: 25)، (مت24: 37؛ لو17: 26،30؛ مت24: 44، قارن أيضًا 2تس2: 8؛ 1يو2: 28)، (أع 1: 11؛ 1تس4: 16)، (مت24: 36)، (مت24: 42؛ مر13: 33؛ 1تس5: 2ـ7).

 

المجيء الثاني والنبوات

 (70) نؤمن أن الرجاء المبارك لا يدفعنا لأن ننشغل بأحداث ستقع، بل لأن نتطلع إلى شخص سيأتي كما وعد. لذلك فنحن لا نوجه اهتمامنا لأن نربط بين حوادث تاريخية وبعض العبارات الكتابية لنصل إلى جداول زمنية نحدد على أساسها موعد المجيء. إن مثل هذا قد يُشبع الفضول البشري، ولكنه سوف يُبعدنا عن النشاط في الوكالة المسيحية والصلاح في السلوك والفرح في كافة الظروف، في شوق وتوقع دائم لذلك المجيء. وإذ تبرد محبة الكثيرين فإن المجيء الثاني يدفعنا كمؤمنين للسهر واليقظة المستمرة وكافة التطبيقات العملية في حياة الإيمان والطاعة والمحبة والكرازة ونحن نخدمه في شخص أخوته وأخواته ونشهد له بالكلام وبالعمل.ونؤمن أن الكتاب المقدس يحدثنا عن المجيء الثاني في كتابات نبوية أحيانًا وفي كتابات رؤوية في بعض الأماكن. فالكتابات الرؤوية لا يمكن التعامل معها في معانيها الحرفية، كما أن التفسير الصحيح للكلمة المقدسة يستوجب أن نتعامل مع الكتاب المقدس ككل، لا مع عبارات بعينها نحدد من خلالها فهمًا معينًا لكل الكتاب. ونؤمن أنه بالمجىء الثانى يكتمل خلاص وتمجيد كل المؤنين ليصبحوا على صورة المسيح، بل ويكتمل تحرر كل الخليقة التى تنتظر فى ترقُّب ولهفة أن يُعلن أبناء الله، لتُعتَق من الاستبعاد لسلطان الفناء، حتى لا تنتهي إلى “لاشىء”. كمؤمنين فإننا نقبل بشكر كل ساعة ويوم وسنة يتأخر فيها مجىء المسيح ثانية لإتاحة فرصة التوبة للخطاة، وتقديم مزيد من الفرص للكرازة بالإنجيل، والتجاوب مع نعمة الله. وفى كل هذا نؤمن أن الرجاء المسيحى يتجاوز حدود “التعريف” وحدود الإدراك. أما نبوات العهد القديم ووعود الرب لإبراهيم ولنسله فقد كان اختيار الله لهم على أساس محبته ونعمته. وذلك لرسالة خاصة لا ترمي للانعزال ولا للتعالي، فوعد الرب صريح أنه في إبراهيم تتبارك جميع شعوب العالم وكل وعود الرب كانت مشروطة بالطاعة والأمانة للرب وإذ جاء المسيح “ابن داود”، “ابن إبراهيم” موضوع عهد الله، تحققت فيه كل وعود العهد القديم وزالت الفواصل وانتهي التمييز بين اليهود وغير اليهود بل أمكن الحديث عن المؤمنين والكنيسة باعتبارهم إسرائيل الله الجديد ويتحقق فيهم ما كان الله ينتظر أن يتحقق في شعبه القديم.

الشواهد : (يو14: 3؛ أع 1: 11)، (لو 19: 13)، (تي2: 12-14؛ 1يو 3:3؛ 2بط3: 11،14)، (تي2: 13؛ رؤ22: 20)، (مت12:24)، (مت24: 42، 25: 13؛ مر13: 33، 35؛ لو21: 36؛ 1تس5: 2-6؛ رؤ3: 3، 16: 15)، (مت 25: 40)، (تث7: 7، 8)، (تك12: 3)، (إش42: 6)، (تك17: 1؛ خر19: 5، 6؛ تث4: 1؛ 7: 9، 10)، (مت1:1)، (غل3: 16)، (أف2: 14ـ16)، (غل6: 16)، (خر19: 5، 6؛ 1بط2: 9، 10)، ( رو 8 : 21 ؛ رو 11 : 32، ا تس 4: 7 – 15 ؛ رؤ 19 : 7 )، ( 1 كو 15 : 49، فى 3 : 21 )، ( 8 : 19، 21 )، (2 بط 3 : 9 )، ( رو 8 : 24 ؛ 1 كو 2 : 9 ).

 

القيامة العامة والدينونة العامة

 (71) نؤمن أن المسيح إذ يأتي ثانية بمجدٍ، فإنما يأتي بقوة وسلطان ليدين الجميع. والدينونة، وإن كانت تشير أحيانًا إلى العقاب إلا أنها تعني أيضًا القضاء أو المحاسبة أو الجزاء سواء للثواب أو للعقاب.

يقين الدينونة

 وبقدر ما تحذّرنا كلمة الله ضد تحديد موعد المجيء الثاني للمسيح، بقدر ما تؤكد لنا حقيقة القيامة العامة لجميع الأموات، وحقيقة الدينونة العامة لجميع البشر مما يمتنع معه الإشارة إلى للقول بفناء الأشرار. ونؤمن أن يقين الدينونة يؤثر على حاضر الحياة وعلى مستقبلها، فيدفعنا لحياة الوكالة، ويفسح المجال لأن يحقق الفداء دوره في كل جوانب الحياة، سيما في عالم تقدم في العلم والمعرفة والتكنولوجيا، فأصبحت “وسائل” الحياة أسهل وأيسر بينما أصبح “هدف” الحياة غامضًا لدى كثيرين. وازاء يقين الدينونة لا يمكننا أن نغمض عيوننا عن الفقر والظلم والقهر وسائر ما يعاني منه بعض البشر، فلا نقف موقفًا سلبيًّا ازاء مثل هؤلاء وكأن “السماء” سوف تعوّضهم عن كل ذلك بعد الممات. فالدينونة تذكّرنا بمسئولياتنا هنا والآن. ونؤمن أنه في القيامة العامة يدين الله سرائر الناس. والدينونة تشير إلى هدف الله النهائي وإعلان هذا الهدف، حيث يطرح المسيح جميع الأعداء لدينونة أبدية يقضي فيها قضاءً نهائيًّا على قوي الشر.

الشواهد: (يو3: 17– 19؛ رو 8: 1)، (عب9: 27؛ مت25: 31)، (دا 12 :2؛ مت13: 41ـ43؛ 25: 31-43؛ يو5: 29؛ أع 24: 15؛ 2كو 5: 10، عب9: 27)، (مل4: 1)، (مت 25: 41 – 46)، (رو16:2)، (1كو4: 5)، (1كو15: 25؛ رؤ 19: 19 –21؛20: 10).

 

المؤمنون والدينونة

 (72) وفي ضوء القيامة العامة والدينونة العامة لا نواجه المشاكل والصعوبات استنادًا إلى شجاعة تنبع من داخلنا كموقف وجودي جاد، ولكنما بشجاعة الواثق بأن هنالك خطة وهدف وغاية من وراء كل هذه، ولكوننا دائمًا معه وهو يمسك بيدنا اليمني حتى في أحلك الأحوال. والمؤمنون ينتظرون الديّان برؤوس مرفوعة، فالديان هو الذي مات لأجلهم وقام، وهو الذي سبق أن أُدين لأجلهم وأزال عنهم اللعنة. ونؤمن أن الدينونة هي للرب وحده. ولذلك فنحن لا ندين الآخرين، ولا نستبق الأحداث، ولا نسترسل في وصف الدينونة وما يليها. إلا أن هذا لا يقف حائلًا دون المصارحة الأخوية والنقد البناء ودور الكنيسة الإيجابي. ونؤمن أنه انطلاقًا من الإيمان الراسخ بكفاية ذبيحة المسيح الكفارية، فإن الحقيقة المركزية في الحديث عن الدينونة يجب أن تكون دائمًا حقيقة النعمة. فالخلاص لا يتحقق نتيجة للأعمال الصالحة، وإن كانت الأعمال الصالحة هي الثمر الطبيعي للخلاص، حتى لا يفتخر أحد. كما أن الخلاص بالنعمة يجعل المؤمن يحيا في سلام، وينتقل من هذا العالم في ثقة ويقين. والبركات الروحية المختلفة، بل سكنى الروح القدس في المؤمنين يقدم لهم الختم والعربون، فتتوطد ثقتهم ويثبت يقينهم في الحاضر ولا يخافون من دينونة في المستقبل. ونؤمن أن الدينونة بالنسبة للمؤمنين إنما هي لتقييم مدى الوكالة وتقديم المكافآت. فتكتمل للمؤمنين سعادتهم، ويكتمل “المجتمع المفدي” الذي هو ملكوت الله. وتواجد المؤمنين معًا في حضرة الله هو اكتمال السعادة الحقيقية للمؤمنين. ومما يشجعنا كمؤمنين أن الرب لا ينظر إلينا في الدينونة على أساس ما أنجزناه في الحياة، بل على مدى أمانتنا في الوكالة

الشواهد: (مز2: 4؛ 73: 23؛ إش4 :10)، (2كو5: 21)، (مت 7: 1؛ رو 14: 10-15؛ 1كو 4: 5)، (مت18: 15-17، لو17: 3، 4؛ رو14: 13؛ 1كو5: 1ـ 5 مع 2كو2: 5ـ 8؛ تي2: 15)، (عب9: 26؛ 10:10)، (أف 2: 8)، (غل3: 1-14؛ أف2: 8،9)، (رو5: 1؛ 2تي1: 12)، (أف1: 13،14؛ رو8: 1)، (رو14: 10-12؛ 1كو3: 9-15؛ 1كو4: 5؛ 1كو15: 41)، (رؤ 19: 6-8)،(مت7: 21-23؛ رؤ2: 10).

 

المنتقلون وحسم المواقف

 (73) ونؤمن أنه على أساس كلمة الله المقدسة ووعود الله الصادقة والأمينة واعتمادًا على نعمة الله، فإن المؤمنين المنتقلين لا يحتاجون إلى شفاعة قديسين أو ملائكة، ولا لصلوات أفراد المؤمنين، أو صلوات وخدمات الكنيسة، أو صدقات أو إحسانات تقدم باسمهم، ليختبروا الراحة والسعادة الكاملة. فعمل المسيح الكفاري الكامل وشفاعته الأكيدة في المؤمنين فيهما الضمان الكافي والاطمئنان والسلام. وبعيدًا عن هذه، يسود القلق وعدم الاستقرار، رغم كل ما قد يبذله البشر، بدافع طبيعتهم الإنسانية التي لا تتوافق مع قبول النعمة المجانية. كما أننا على نفس الأساس نثق أنه لا مجال للحديث عن مكان يذهب إليه الأطفال غير المعمدين أو المؤمنين الذين شابت حياتهم بعض الضعفات، ليتطهروا فيه عن طريق عذابات قد تطول وقد تقصر، يحتاجون خلالها لأعمال صالحة وصلوات يقدمها الأحياء نيابة عنهم، ولشفاعة ملائكة، وشفاعة قديسين يُقال إنهم أنجزوا في حياتهم ما يزيد عما يطلبه الله من سائر المؤمنين، مما يتيح للكنيسة عن طريق صلواتها وممارساتها، أن تحقق للمنتقلين على أساس هذه “الزوائد” تخفيف عذابهم وتقصير فترته. فإننا نؤمن أن الأساس الراسخ المتين هو أساس النعمة وكل تعليم أو ممارسة بعيدًا عن ذلك يخدش مجد الله من ناحية، ويترك المؤمن في حال الفزع وعدم الاستقرار بعيدًا عن يقين النعمة من الناحية الأخرى. ونؤمن أن الموت الجسدى إذ يضع حدًا فاصلًا للمؤمنين بين حياة الجهاد في الأرض، وحياة الراحة الأبدية، ويضع حدًا فاصلًا للأشرار إذ يُغلَق باب التوبة وتحسم المواقف. فمن وصلتهم رسالة الإنجيل ولم يؤمنوا يختبرون حال البعد عن الله، ويدركون مقدار المحبة الإلهية التي رفضوها. وهذا هو العذاب الأبدي بعينه، ولا يمكن لشفاعة ملائكة أو قديسين أو صلوات أو حسنات أن تعود عليهم بأي نفع. ونؤمن أن حقيقة الدينونة العامة تقدم تحذيرًا للأشرار حيث يكشف الرب حقيقة كل أدعياء الإيمان مهما بلغوا من درجات التقوى الظاهرية والأعمال التى قد تُبهر البشر فالرب ينظر إلى القلب وعقاب الأشرار حاسم أبدي.والعلاقة في كل الحالات علاقة شخصية فردية وتحذر كلمة الله كل إنسان من أن يضيّع الفرصة المتاحة له في هذه الحياة ولا تتكرر. وتعلّمنا كلمة الله أن من لم تصل إليهم رسالة الإنجيل يعاملهم الله بقدر النور الذي وصل إليهم وعلينا أن نترك هذا لحكم الرب.

الشواهد: (1تي2: 5؛ عب7: 24،25؛ 10:10؛ 1يو2:1)، (عب13: 9)، (مت25:10؛ لو 16: 19 – 31)، (مر9: 43،48؛ مت10: 28؛ لو16: 19-31، 2تس1: 8، 9)، (مت7 :21-23)، (1صم 16: 7)، (مر9: 43،48؛ مت10: 28)، (غل6: 3-5؛ رو14: 12)، (عب2: 1-3؛ مت12: 32؛ 2كو5: 10؛ عب9: 27)، (رو1: 19-23؛ 2: 14،15)، (1كو4: 5).

 

الملك النهائي للمسيح

 

 (74) نؤمن أنه بمجيء المسيح إلى أرضنا متجسدًا أسس الملكوت: ملكوت الله الذي هو هو ملكوت السماوات. ونؤمن أنه بذلك بدأ في أن يحوّل الأنظار بعيدًا عن المملكة الأرضية التى كانت تشغل الأفكار في عصره. ولذلك فإننا نرفض كل دعوة لأن نتطلع إلى مملكة أرضية للمسيح، يُتوّج هو فيها ملكًا زمنيًّا. ونؤمن أنه إذ يملك المسيح بمجيئه ثانية بمجد، فلن يكون لملكه نهاية ولذلك فالحديث عن مُلكٍ للمسيح يدوم لألف سنة، حديث رمزي يرد في سفر الرؤيا وهو سفر مكتوب بلغة رؤوية، نضل السبيل لو حاولنا أن نفهمها بمعناها الحرفي، ودون اعتبارٍ لكل ظروف الكتابة. ونؤمن أن ملكوت الله الذي بدأ بالمجيء الأول للمسيح في التجسد يكتمل ويبلغ تمامه بمجيء المسيح ثانية. فالرجاء المسيحي يتطلع دائمًا إلى اكتمال الأمور مما يتحقق بمجيء المسيح ثانية في ملكوت أبيه. ونؤمن أن مُلك المسيح النهائي يشمل دائرة الملكوت الذي أسسه بتجسده وعمل الفداء، ليملك في قلوب المؤمنين عن رغبة منهم وبإرادة حرة، كما يكتمل بأن يشمل الخليقة كلها، إذ يسود عليها سيادة لا تُحدّ، فيخضع له الأبرار والأشرار وجميع الكائنات وحتى الشياطين، فيعترف الجميع بمجد الله وملكه وسلطانه وتخضع له كل القوي، وتجثو له كل ركبة. وإذ يملك المسيح ملكًا نهائيًّا وتكتمل حقيقة كونه ملك الملوك ورب الأرباب تتحقق السماء الجديدة والأرض الجديدة.

الشواهد: (مت 13: 31؛ مر4: 30)، (يو18: 36)، (إش4:2؛ 11: 6– 9؛ 65: 17 – 25؛ مي 4: 3)، (رو17:14)، (لو1: 33)، (رؤ20: 2، 3، 4، 5، 6)، (مر10: 42 ـ45)، (إش45: 3)، (إش 45: 3 ؛1كو 15: 25؛ في 2: 9 ـ 11؛ أف1: 21، 22؛ 1بط 3: 22)، (رؤ19: 9 –16)، (إش66: 22؛ 2بط3: 13؛ رؤ21: 1).

 

[1]  ثروت وهيب، مقدمة كتاب الرفش القوصي، دراسة غير منشورة.

[2] مكرم نجيب، إشكاليّات الفكر الدينيّ الراهنة في المجتمع المصريّ رؤية تجديديّة (القاهرة: دار الثقافة، 2004م)، 46.

[3] المرجع السابق، 45.

[4] چورچ صبرا، نؤمن ونعترف: كتاب العقائد الإنجيليّة المصلحة (لبنان: بيروت، كلية اللاهوت للشرق الأدنى، 1990)، 10.

[5] للرجوع إلى هذه النصوص والوثائق، يرجى الرجوع إلى: عيد صلاح، دساتير الكنيسة الإنجيليّة بمصر نصوص ووثائق 1879-2015م (القاهرة: المجلس القضائيّ والدستوريّ، 2015م).

[6]  يمكن الرجوع إلى دراسة عيد صلاح، الدكتور القس عبد المسيح (1929-2021م) رحلة من البحث والتعليم، مجلة النسور، عدد الشتاء 2025م، ص 29-36.

[7] بشأن قرار الكنيسة المشيخيّة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، الخاص بالسماح بزواج المثليين، يرى سنودس النيل الإنجيليّ ضرورة إعلان رأيه وموقفه من هذا القرار، صدر هذا البيان عن سنودس النيل الإنجيليّ في دورته الحالية مايو 2015م والذي يتلخص فيما يلي:

أولاً: يدرك سنودس النيل الإنجيليّ ويحترم سلطان الكنيسة المشيخيّة بالولايات المتحدة الأمريكية واستقلاليتها وكذلك باقي الكنائس التي تربطه بها علاقة شراكة أو تعاون، ويرى السنودس أن إعلان الرأي في الممارسات الكنسية وأمور العقيدة بين الشركاء، لاسيما في حال الاختلاف، لا يعد تدخلا أو تعديًا على استقلاليّة أي كنيسة، بل هو أمر ضروري إن أردنا أن نرتقي بالعلاقة لمستوى من النضج يليق بشركاء خدمة.

ثانيًا: يحرص سنودس النيل الإنجيليّ على العلاقة التاريخية التي تربط كنيستنا المشيخية المصريّة بالكنيسة المشيحيّة بأمريكا، وعلى ميراث طويل وتاريخ مجيد من خدمة مرسلين أتقياء أسسوا العمل المشيخيّ في مصر وساهموا في بناء الكنيسة ومؤسّساتها ونهضتها. كما نقدِّر العديد من المواقف العادلة والمشرِّفة للكنيسة المشيخيّة بالولايات المتحدة الأمريكيّة؛ ولا سيما ما يختص بالصراع العربيّ الإسرائيليّ في الشرق الأوسط.

ثالثًا: يعلن سنودس النيل الإنجيليّ أن الكنيسة المشيخية بمصر تتمسك بالتفسير المستقر والمتوارث من آباء الكنيسة والمصلحين في شأن نصوص الكتاب المقدّس المتعلقة بالزواج المسيحيّ، والتي تعتبر الزواج هو نظام أسسه الله منذ الخليقة يرتبط فيه رجل واحد بامرأة واحدة في عهد مقدس أمام الله والناس فيصيران جسدًا واحدًا. وترى الكنيسة أن القصد الإلهي في هذا الشأن قد ظهر جليًّا منذ البدء في تنوع واختلاف جنس المعين الذي أعطاه الله لآدم عن آدم نفسه، ونفهم أن تعاليم العهد الجديد عن الزواج قد أتت منسجمة تمامًا ومؤيدة لهذه الحقيقة.

رابعًا: يرى السنودس أن علاقتنا التاريخية، تسمح لنا بل تلزمنا أن نعبر بصراحة في المحبة لأخوتنا في اللـ PCUSA عما تسبب فيه هذا القرار لنا من جرح داخل الكنيسة وإحراج خارجها في ثقافة شرق أوسطية لا تقبل هذا الأمر.

من اجلنا ومن اجل خلاصنا

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: د. القس نصرالله زكريا

نحتفل هذا العام بمرور ألف وسبعمئة عامٍ على انعقاد “مجمع نيقية Council of Nicaea“، وقد سُمي مجمع نيقيّة بهذا الاسم نسبة إلى مكان انعقاده في مدينة “نيقيّة[1] عاصمة مقاطعة بيثينية، في الشمال الغربي لآسيا الصغرى، وبدأ المجمع فعالياته في العشرين من مايو عام 325م، وذلك بناءً على دعوة من الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، ويُعدُّ هذا المجمع الكنسي، هو المجمع المسكوني الأول، إذ حضره ممثلو كافة قيادات الكنيسة حول العالم، وتراوح عددهم ما بين 250 إلى 318 أسقفًا غالبيتهم من الشرق. ومع أنَّ مجمع نيقية لم يكن المجمع المسيحي الأول في التاريخ[2]، إلَّا أنَّه يُعدُّ حجر الزاوية في العقيدة المسيحيّة، في سياق عبارة “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، ركَّز المجمع على أهميّة عمل المسيح في الفداء والخلاص. هذا التأكيد عكس جوهر العقيدة المسيحيّة، حيث يُعدُّ عمل المسيح أمرًا أساسيًّا لخلاص الإنسان وتجديد العلاقة مع الله.[3] هدف المجمع إلى تحديد علاقة الأب بالابن.

لم يحظَ “مجمع نيقية” بتلك الأهميّة العظمى، بسبب شخص الداعي إليه، بل في الموضوعات والخلافات والقضايا اللاهوتيّة التي شغلت الرأي العام الكنسي آنذاك، ومدى تأثيرها على السياسي والديني، على الإمبراطورية، وعلى الإيمان المسيحي ذاته؛ إذ احتدمت الخلافات بين أريوسArius [4] وأتباعه من جهةٍ وبين ألكسندروس الأول Pope Alexanderos I[5] وأتباعه من جهةٍ أخرى، حول طبيعة شخص يسوع المسيح!، أو بمعنى آخر: “من هو يسوع المسيح؟ هل هو حقًّا إله، أم شيء أقل من ذلك؟“، بالإضافة لعددٍ آخر من الموضوعات اللاهوتيّة، ومنها: تحديد موعد الاحتفال بعيد القيامة، صحة معمودية الهراطقة، وقد اختتم المجمع فعالياته في الخامس والعشرين من أغسطس 325م، وقد كان قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم أبرز نتائج ومُخرجات هذا المجمع المسكوني.

ولقانون الإيمان النيقاوي ثلاث صور؛ الأولى وهي النسخة التي أقرها مجمع نيقيّة عام 325م، والثانيّة تلك التي نُقِّحت وأُقرَّت في مجمع القسطنطينيّة عام 381م، وفيها أُضيفت بعض العبارات في شأن أقنوم الروح القدس وعمله، أمَّا الثالثة وهي التي تعتمدها الكنيسة الغربيّة أُقرت في مجمع توليدو سنة 589م. وفيها أضيفت لفظة «والابن» إلى العبارة الدالة على انبثاق الروح من الآب.[6] ويُعدُّ قانون الإيمان النيقاوي، هو القانون الوحيد الذي اتفق عليه القادة المسيحيون وأقرَّته الكنائس الكاثوليكيّة الرومانيّة والأرثوذكسيّة الشرقيّة والأنجليكانيّة ومعظم الكنائس البروتستانتية. لقد أسس قانون الإيمان تأكيدات حيوية للحقيقة: أن يسوع هو “إله حق من إله حق”، “مولود غير مخلوق”، و”من جوهر واحد مع الآب”.[7]

ينص قانون الإيمان النيقاوي، ويُسجِّل عبارة تقول: “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، لتُعبِّر عن الهدف من تجسد المسيح وصلبه، وحين يقول إنَّ يسوع المسيح “نزل من السماء… وصار إنسانًا من أجلنا ومن أجل خلاصنا”. هذا يعني أنّ تجسد يسوع، وصيرورته إنسانًا، لم يكن مجرد حدثٍ، بل عمل مقصود لخير البشريّة. وهكذا تُجسِّد عبارة: “الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء” جوهر الفهم اللاهوتي لمجمع نيقية فيما يتعلق بتجسد يسوع المسيح وأهميته لخلاص البشرية.[8] كما تؤكِّد تلك العبارة على أن يسوع ليس مجرد إنسان، بل هو أيضًا إلهٌ في صورة إنسان، جاء إلى الأرض ليخلص البشرية من الخطيئة والموت. وقد أكَّد المجمع على أنّ المسيح هو الابن الوحيد لله، المتجسد من أجل خلاص الإنسان، مشددًا على أهمية عمله الفدائي في تحقيق الخلاص للبشر. وبعباراتٍ أخرى تُلقي هذه العبارة “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء”، الضوء على النقاط الرئيسية التالية حول دور يسوع:

النزول من السماء: يسوع ابن الله، “نزل من السماء” إلى الأرض.  “الإخلاء

التجسد: “تجسد” (اتخذ شكلًا بشريًّا) من الروح القدس ومن العذراء مريم.

الخلاص: نزوله وتجسده كانا من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا.

الصلب والموت والقيامة: تؤكد هذه العبارة أيضًا على معاناة يسوع وموته وقيامته.

ومع أنَّ قانون الإيمان النيقاوي ليس نصًّا كتابيًّا ورد في الكتاب المقدس، إلاَّ أنَّه يُعدُّ قانونًا كتابيًّا بمعنى أنَّه يتوافق مع رسالة الإنجيل ويلخص الحقائق الكتابيّة، على الرغم عن عدم وجوده صراحة في الكتاب المقدس.[9] كما أنَّ الجماعات التي تُسمي نفسها مسيحيّة ولكنَّها لا تقبل قانون الإيمان النيقاوي هي جماعاتٌ عادةً ما تتبنى معتقداتٍ غير تقليديةٍ حول طبيعة الله الثالوثيّة.[10]

الأساس الكتابي

عبارة “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، تلخص عدة موضوعات كتابيّة رئيسيّة. فنقرأ في إنجيل لوقا بوضوح الغرض الفدائي لمجيء وتجسد المسيح، حيث يكتب البشير “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا 19: 10)، وهو ما يؤكده البشير يُوحنا قائلًا: “لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.” (يوحنا 3: 17)، أي أنَّ الله أرسل ابنه لكي يخلُص العالم من خلاله؛ ذات الرسالة والإيمان يكررهما الرسول بولس في كتاباته، مؤكدًا مرارًا وتكرارًا، تأكيدً واضحًا وحاسمًا على بذل المسيح لذاته “من أجلنا”. يُسجِّل هذا الإيمان في رسالة روميّة قائلًا: “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (روميّة 4: 25)، وكذلك في غلاطيّة قائلًا: “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا” (غلاطيّة 1: 4)، وبالمثل يكتب في رسالته إلى أهل كنيسة أفسس: “كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً.” (أفسس 5: 2)، بينما يصِفُ في رسالته إلى تلميذه تيطس شخصًا بذل نفسه لأجلنا ليفدينا من كل إثم وخطية، فيقول: “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ” (تيطس 2: 14).

وربما تتجلى الصلة بين التجسد والخلاص أكثر وضوحًا في الرسالة إلى العبرانيين حين نقرأ “فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ” (عبرانيين 2: 14-15). هنا، يرتبط تجسّد المسيح “باللحم والدم” ارتباطًا مباشرًا بهدفه الفدائي؛ إذ أصبح إنسانًا تحديدًا لإنقاذ وخلاص البشر. تستكشف رسالة العبرانيين أهميّة تجسد المسيح، مستخدمةً لغةً أصبحت أساسًا للنقاشات اللاهوتيّة اللاحقة، مثال: “مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ” (عبرانيين 2: 17).

لقد تطلّب الخلاص أن يتجسّد الكلمة في إنسانيتنا ويشاركنا فيها بشموليةٍ لا تَبقى فيها أيّ بُعدٍ من أبعاد التجربة الإنسانيّة دون أن تُلامسها الرحمة الإلهيّة. وكطبيبٍ يُضطرّ إلى دخول الحجر الصحيّ لشفاء المرضى، انغمس المسيح في أعماق حالتنا.

“ما لا يُتخذ لا يُسترد” وهكذا تبلورت هذه الرؤية الكتابيّة لاحقًا في مبدأ أصبح القاعدة الأساسيّة في الجدل حول المسيح بعد مجمع نيقية. وقد عبّر عنها غريغوريوس النزينزي Gregory of Nazianzus[11] بوضوح في رسالته ١٠١ إلى كليدونيوس، قائلَا: “ما لم يتّخذه لم يشفِه، بل ما اتحد بألوهيته يُخلّص أيضًا“. فإذا لم يتّخذ المسيح جانبًا من الطبيعة البشريّة (العقل، الإرادة، العواطف، الجسد)، فإن هذا الجانب ظلّ دون خلاص.[12]

وهكذا فإنَّ عبارة “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، تُجسّد غاية التجسد. فلم يتخذ المسيح الطبيعة البشريّة بدافع الفضول الإلهي أو التجربة الكونية. بل كان لتجسده هدف خلاصي مُحدّد، يتجلّى في كل جانب من جوانب اللاهوت المسيحي.

من أجلنا ومن أجل خلاصنا” تُخبرنا أن اتخاذ الله جسدًا بشريًّا يُظهر محبة ملموسة، حتى إن تلك المحبة اتخذت عظامًا ودمًا، جوعًا وعطشًا، ضحكًا ودموعًا. في يسوع المسيح، صار كلمة الله الأزلي إنسانًا من أجلنا ومن أجل خلاصنا، ودخل قصتنا ليُغيّرها من الداخل. يُبرّر سرّ التجسد رجاءنا الأصيل في أن لا شيء في التجربة الإنسانيّة يتجاوز نطاق الفداء الإلهي، لأنّ كل ما هو إنساني حقًّا قد اتخذه الله نفسه في المسيح.

الرائع أنّ عبارة “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا” تؤكد أنَّ جميع البشر خطاة، ويحتاجون لمخلصٍ من خارج تلك البشرية الساقطة، لكنَّه يجب لذاك المخلص أن يكون بشرًا، وهكذا تؤكِّد تلك العبارة على أن يسوع المسيح قرر أن يتخذ صورة بشريّة ليحرر ويُخلِّص البشر، وهي تعني أيضًا أنَّ المسيح لم يأتِ ليخلص المسيحيين فحسب، بل جميع البشر. وتشرح هذه العبارة لماذا أرسل الله ابنه ليخلص الإنسان من الخطيئة ويقدسه؟ ويمكننا دراسة هذه العبارة كملخصٍ لقانون الإيمان، فهي تُعلّم المسيحيين أهميّة إيمانهم ومعتقدهم من أجل الخلاص والحياة الأبدية. 

لقد أُدرجت عبارة “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا” في قانون الإيمان كوسيلة لتوضيح الفكرة الرئيسية للقارئ. لذا، فهي بمثابة افتتاحية لقانون الإيمان. تُعرّف هذه العبارة القارئ بالموضوع من خلال تعريفه بمحبة الله ونعمته. لهذا السبب أرسل الله ابنه ليموت من أجل الإنسان. يلاحظ القارئ أن المسيح جاء ليخلص الإنسان ويطلب ما قد هلك.

من الجدير بالذكر أن هذه العبارة تُكمل العقيدة، إذ تُفسر سبب إرسال الله ابنه. وهذا يعني أن تمجيده وقيامته وحكمه الأبدي جزءٌ أساسي من القصة الحالية. يدرك كل مؤمن أن يسوع كان موجودًا قبل مجيئه إلى الأرض، وهو الآن في السماء ينتظر يوم القيامة. سيعود ليدين البشر على جميع خطاياهم. تدعم هذه العبارة جميع فصول الإيمان الأخرى، مما يُتيح سرد رسالة كاملة لجميع المسيحيين.[13]

في التجسد، تُلبّي المحبة الإلهية حاجة الإنسان في أعمق مستوياتها. ويدخل الكلمة الأزلي في ملء الحالة الإنسانية. فهو لا يُقدّم تعاطفًا إلهيًّا مع معاناة الإنسان فحسب، بل يختبرها بنفسه. ولا يغفر ضعف الإنسان عن بُعد فحسب، بل يتحمّله في ذاته، مُحوّلًا إياه من الداخل.

وهكذا يُغيّر التجسد تجربتنا في المعاناة والحدود والفناء. فعندما نواجه الألم، نعلم أنّ المسيح قد دمج هذا الألم في تجربته الشخصية. وعندما نصارع الضعف البشري، نتذكر أنّ المسيح قد تحمّل هذا الضعف وفداه. وأخيرًا، عندما نواجه الموت، نثق بأنَّ المسيح قد ضمّ حتى هذا العدو الأخير إلى نطاق عمله الفدائي.

تَأَنُّسُ المسيح لا يعني أنَّه لم يعُد إلهًا بتَأَنُّسِهِ، فهو لم يتخلَّ عن طبيعته الإلهيّة، بل يعني أنه تَأَنَّسَ باكتسابه الطبيعة البشرية بالإضافة إلى طبيعته الإلهية. جمعٌ لا نقصان. في المسيح تمَّ إدراك أن الألوهية والإنسانيّة لا يتعارضان. لم يكن على ابن الله الاختيار بين كونه إلهًا وإنسانًا. كان بإمكانه أن يكون كليهما في آنٍ واحد. الكلمة الأزلي صار إنسانًا. لقد لخص جون كالفن الأمر بشكل لا يُنسى: “لقد لبس المسيح مشاعرنا إلى جانب جسدنا”[14]. صار إنسانًا: أي أنّه الإله الأزلي، اتخذ جسدًا وصار إنسانًا كاملًا، بحيث اتحدت طبيعتان كاملتان، غير مختلطتين، غير متغيرتين، غير منقسمتين، غير منفصلتين معًا في شخص واحد.

من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، كما تنصّ عليه قوانين الإيمان الكنسيّة. لم يكن التجسد مظهرًا، بل طريقًا للخلاص. فهو ليس سيدنا بكونه إلهًا فحسب، بل أصبح الآن أيضًا، بفضل كونه إنسانًا، ذبيحتنا وبديلنا. هو ليس خالقنا فحسب، بل فادينا أيضًا. هو الحمل المذبوح الذي مات من أجل خطايانا، لا من أجل خطاياه.

يا له من أمرٍ مدهش أن ابن الله الإلهي لم يتبنَّ جزءًا من إنسانيتنا فحسب، بل اتخذها كلها، ثم حملها إلى الصليب من أجلنا. لقد اتخذ يسوع جسدًا بشريًّا ليخلص أجسادنا، وعقلًا بشريًّا ليخلص عقولنا. لولا أنه صار إنسانًا في عواطفه، لما استطاع أن يخلص عواطفنا. ولولا أنه اتخذ إرادة بشريّة، لما استطاع أن يخلص إرادتنا. وكما سبق الإشارة إلى قول غريغوريوس النزينزي: “ما لم يتّخذه لم يشفِه“. لقد اتخذ المسيح إنسانيتنا كاملة، ليخلصها ويستردها كاملة. 

لقد صار يسوع المسيح إنسانًا كاملًا ليخلصنا بالكامل. وهكذا، فإنّ التجسد شهادة أبدية على أن الابن الإلهي الكامل وأبيه هما سندنا الدائم. والتجسد دليل دائم على أن يسوع، في انسجام تام مع أبيه، سندنا الدائم. وقد أظهر محبته لنا بأنه، ونحن بعد خطاة، اتخذ طبيعتنا في شخصه الواحد ومات من أجلنا.[15]

إنّ مجمع نيقيّة وما صدر عنه من قانون إيمان، لتذكير قوي بأنّ على كل جيلٍ أن يسعى من أجل الإيمان الحقيقي. لقد وقفت الكنيسة الأولى بثباتٍ في الدفاع عن ألوهيّة المسيح ووحدانيّة الثالوث، واضعةً أساسًا لا يزال يُشكل العقيدة المسيحيّة حتى اليوم. في عالمٍ لا يزال فيه التشويش اللاهوتي قائمًا، ولا تزال فيه جماعاتٌ تُشكك في طبيعة المسيح، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى معرفة ما نؤمن به ولماذا؟[16]

هل من جدوى أو فائدة لاستخدام قانون الإيمان النيقاوي اليوم؟

إنَّ قانون الإيمان النيقاوي ليس مجرد أثر من الماضي. بل سيبقى نبض الكنيسة، وعمودها الفقري، واعترافًا بهُويّة يسوع. في عصرٍ يميل إلى اختزال يسوع إلى مجرد معلمٍ حكيمٍ أو صوفيٍّ مستنير، تبقى العقيدة ثابتة: يسوع المسيح هو الله الحق، المولود غير المخلوق، من جوهر واحد مع الآب.

كما أنّ تلاوة قانون الإيمان النيقاوي في كنائسنا اليوم تتسق وما سجَّله كاتب العبرانيين، “لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ”. (عبرانيين 10: 23)، فتلاوة قانون الإيمان النيقاوي معًا ككنيسة، يُشجع الكنيسة على تذكّر أساس إيماننا الراسخ في المسيح، وفيمن هو شخص المسيح، وكيف عبَّرت الكنيسة عن ذلك الإيمان في كلماتٍ واضحة، مختصرة متفقٌ عليها، كما تؤكد تلاوة قانون الإيمان في الكنيسة معًا وجماعة واحدة على واحديّة ووحدانيّة وعالميّة الإيمان المسيحي[17].  

وإذا كان التحدي لا يزال كامنًا في تحديد معتقداتنا وإيماننا بشأن يسوع المسيح هو السؤال الأهم الذي يواجه الناس في حياتهم. ففي النهاية، “الابن هو بهاء مجد الله ورسم جوهره” (عبرانيين 1: 3)، ولذلك عندما ننظر إلى يسوع، ننظر إلى الله. فمن دون الثقة بأن يسوع هو الله، متحدًا في الجوهر مع الآب، لا يمكننا الجزم بقدرة يسوع على التحدث باسم الله، وغفران خطايانا باسم الله، وإعلان تبريرنا باسم الله، أو القيام بأي شيء يجعلنا أبناءً للآب”[18].

إنَّ احتفالنا بذكرى مجمع نيقية ليست فقط مجرد مناسبة للتذكر؛ بل هي مناسبة لتجديد إيماننا، والابتهاج بالإيمان الذي أُوكل إلينا، وتقديم الشكر لمن وقفوا -غالبًا وحيدين وفي خطر جسيم- من أجل الحقيقة.

 

ملاحق:

لقد كانت هناك ثلاث صيغ من قانون الإيمان النيقاوي، كل منها جاء بعد مجمع من المجامع الكنسيّة: الصيغة الأولى جاءت بعد مجمع نيقية في عام 325. ثم الثانية أُقِرَّت بعد مجمع القسطنطينية في عام 381م، والثالثة والأخيرة جاءت بعد مجمع توليدو Toledo في عام 489م. نستعرضها جميعًا في الملاحق الثلاثة الآتية:

 

الملحق الأول:

الصورة الأولى لقانون الإيمان النيقاوي، وتقول: “نؤمن بإلهٍ واحد آب ضابط الكل، خالق كل الأشياء: ما يُرى ما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن اللَّه، المولود من الآب، المولود الوحيد أي من جوهر الآب. إله من إله، نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر (في الأصل: ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض. الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسّد وتأنّس وتألم، وقام أيضًا في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء. وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات. وبالروح القدس.

“وأما الذين يقولون إنه كان زمان لم يوجد فيه (ابن اللَّه)، وإنه لم يكن له وجود قبل أن وُلد، وإنه خُلق من العدم، أو إنه من مادة أخرى أو جوهر آخر، أو إن ابن اللَّه مخلوق، أو إنه قابل للتغيير، أو متغير، فهم ملعونون من الكنيسة الجامعة الرسولية”.

الملحق الثاني:

الصورة الثانية، وتُسمى بقانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني. وهي مؤلفة من صورة القانون النيقاوي السابق ذكرها، مع تغيير جزئي في الجملة الأولى، وإضافة بعض العبارات في شأن أقنوم الروح القدس وعمله، وترك اللعنة الختامية. وقد شاعت نسبة هذه الصورة الجديدة لقانون الإيمان إلى مجمع القسطنطينية الذي التأم بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس سنة 381م ضد الذين أنكروا لاهوت الروح القدس. وقد أُدخل التغيير على قانون الإيمان النيقاوي الأصلي نحو ذلك التاريخ. وما أُضيف من العبارات أُخذ من مؤلفات كنسيّة، ولكننا لا نملك برهانًا على أن ما وقع فيه من تغيير أحدثه المجمع القسطنطيني، ولكننا نعلم أن مجمع خلقيدونية صدَّقه سنة 451م. وتقبل الكنيسة اليونانية الأرثوذكسيّة الآن القانون النيقاوي على هذه الصورة: (الاختلافات موضحة بالخط الأحمر المائل):

«نؤمن بإلهٍ واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض. كل ما يُرى وما لا يُرى. وبرب واحد، يسوع المسيح، ابن اللَّه الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. نورٌ من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر (في الأصل: ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء (أي تجسد بواسطة الروح القدس من مريم العذراء). وتأنّس. وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقُبر. وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. وأيضًا يأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه. وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة. جامعة. مقدسة. رسولية. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. ونترجى قيامة الموتى، والحياة في الدهر العتيد. آمين».

الملحق الثالث:

الصورة الثالثة (أي اللاتينية) وهي المقبولة الآن في الكنائس الغربيّة والإنجيلية وهي تختلف عن الثانية في ما يأتي فقط: (1) في إعادة العبارة «إله من إله» التي كانت في القانون النيقاوي الأصلي وحُذفت من الصورة النيقاوية القسطنطينية اليونانية. (2) لفظة «والابن» أُضيفت إلى العبارة الدالة على انبثاق الروح من الآب، بواسطة مجمع توليدو في أسبانيا سنة 589م وبالتدريج قبلتها كل الكنيسة الغربية ثم كل الكنيسة الإنجيلية من دون إثبات من مجمع مسكوني، غير أنّ الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية لم تقبلها. وتلك الصورة تقول:

“أومن بإلهٍ واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، وكل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن اللَّه الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر (ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وتأنس وأيضًا صُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي. وتألم وقُبر وقام أيضًا في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء. وهو جالس عن يمين الآب، وسيأتي أيضًا بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات. الذي ليس لملكه انقضاء. وأومن بالروح القدس الرب والمحيي، المنبثق من الآب والابن. (كلمة «والابن» أضافها لقانون الإيمان القسطنطيني مجمع الكنيسة الغربية في توليدو سنة 589م). المسجود له والممجد مع الآب والابن معًا، الناطق بالأنبياء. وأومن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنتظر قيامة الموتى، وحياة الدهر العتيد. آمين».

الملحق الرابع

خمسة أسباب تجعل المنظور الأريوسي خاطئًا من الناحية اللاهوتيّة والكتابيّة:

  • ألوهية المسيح: يُقدّم العهد الجديد أدلةً دامغةً على الطبيعة الإلهية ليسوع. على سبيل المثال، تنصّ شهادة إنجيل يوحنا ١: ١-١٤ على أن “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ.. وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا” مما يُناقض مباشرةً تأكيد الأريوسيين بأنّ يسوع مخلوق فحسب.
  • عقيدة الثالوث: تُعدّ عقيدة الثالوث، التي تُعلّم أن الآب والابن والروح القدس واحد في الجوهر ومتميزون في الأقانيم، جوهرًا أساسيًّا في العقيدة المسيحيّة. يُشدّد قانون الإيمان النيقاوي على مساواة الابن مع الآب ومشاركتهما في الأزلية، بينما تُقوّض الآريوسية هذه الوحدة بادّعاء أن يسوع من جوهر مختلف.
  • عمل المسيح الفدائي: تعتمد فاعلية ذبيحة المسيح الكفارية على طبيعته الإلهية. بصفته إلهًا متجسّدًا، يملك يسوع السلطة على مصالحة البشرية مع الله. لو كان مجرد كائن مخلوق، لكانت ذبيحته تفتقر إلى القيمة اللانهائية اللازمة لإرضاء العدالة الإلهية والقداسة.
  • إجماع الكنيسة الأولى: يعكس رفض الآريوسية إجماع الكنيسة الأولى، كما هو منصوص عليه في قانون الإيمان النيقاوي. وقد أكَّد مجمع نيقية على ألوهية المسيح كأساس للعقيدة المسيحيّة، مسلطًا الضوء على الأهمية اللاهوتية لهذا الفهم للإيمان المسيحي القويم.
  • طبيعة العبادة: العبادة لله وحده، ويشير العهد الجديد بوضوح إلى أن يسوع قَبِل أن يُعبَد (مثلًا، متى ٢٨: ١٧، رؤيا ٥: ١٢-١٤). فلو كان يسوع مخلوقًا، لكانت عبادته مخالفة للوصية الأولى، التي تُشدّد على عبادة الله وحده.

 

 

 

[1] نيقية:Νίκαια  هي مدينة إغريقيّة قديمة تقع على ساحل الأناضول الغربي في تركيا عند بحر مرمرة وتسمى إزنيق حديثًا.

[2] نقرأ عن أول مجمع في التاريخ المسيحي في سفر أعمال الرسل الإصحاح الخامس عشر، نحو عام خمسين ميلادية، وكان موضوعه مناقشة مشكلة التهوُّد، والتي كانت تنادي بضرورة أن يتحول الأممي إلى اليهوديّة ويُختتن حسب عادة موسى والناموس، كخطوة تمهيديّة وضرورية لنوال الخلاص والتمتع بالحياة المسيحيّة؛ وكان الرسول يعقوب -أسقف أورشليم وأعلى رتبة كنسيّة في ذلك الوقت- قائدًا لذلك المجمع وقد اتخذ قرارًا جريئًا أزال تلك العقبة أمام كل مَن يُريد الإيمان بالمسيح والمسيحيّة (أعمال 15: 1-35).  يعتبر المؤتمر الكنسي المسيحي الأول سواء على مستوى المكان أو الزمان. (حضور المؤتمر الرسول بطرس ويوحنا وبولس وبرنابا، وغيرهم من تلاميذ المسيح ورسله الموجودين في أورشليم آنذاك).

[3] www.solas-cpc.org

[4]  أريوس، وُلِدَ في القيروان في ليبيا عام 256م، ثم سيم قسيسًا وتميَّز بالزهدِ. ويُعدُّ مؤسس الأريوسية، التي تقول إن يسوع المسيح لم يكن أزليًّا مع الله الآب، بل خُلِقَ من الله الآب، توفي آريوس في القسطنطينيّة عام 336م. مع أن الأريوسية بحد ذاتها ليست شائعة اليوم، إلا أنّ بعض الحركات والجماعات الدينية المعاصرة قد تتشارك معتقدات مماثلة بشأن طبيعة يسوع.

[5] وُلد ألكسندروس الأول بالإسكندرية، لا يُعرف الكثير عن سنواته الأولى. لكنَّه خدم كاهنًا وسيم قسًّا، ثم بابا للإسكندرية وبطريركًا للكرازة المرقسيّة، وهو البابا رقم “19” في تاريخ باباوات كنيسة الإسكندرية، وقد واجه الإسكندر نفسه ثلاثة تحديات رئيسية خلال فترة رئاسته، الأولى بقيادة إريسنتيوس، والتي طعنت في توقيت عيد الفصح، والثانيّة قضية ميليتيوس، والثالثة بدعة أريوس والتي كانت سببًا رئيسيًّا في الدعوة لانعقاد مجمع نيقيّة، وقد توفي ألكسندروس في الإسكندرية في تاريخ 17 أبريل 326م.

[6] قانون الإيمان النيقاوي: موقع الإنجيليون المشيخيون. https://ep-church.org/confession-of-the-nicene-faith

[7]Angela Mackenzie, Celebrating 1,700 Years of the Nicene Creed. https://www.solas-cpc.org/celebrating-1700-years-of-the-nicene-creed/

[8] www.solas-cpc.org

[9]Emily Hall. What Exactly Is the Nicene Creed, and Is it Biblical? https://www.biblestudytools.com/bible-study/topical-studies/where-did-the-nicene-creed-come-from.html

[10] بعض المجموعات الحاليّة، التي غالبًا ما تدعي أنَّها مسيحيّة، ومع ذلك تتمسك بتعاليم أريوس ولا تؤمن بالحقائق الكتابيّة ولا تقر بمخرجات مجمع نيقية، هي: “المورمون أو ما يُطلق عليها، كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، شهود يهوه، والوحدويون، والعالميون”.

[11]  غريغوريوس النزينزي، وُلِدَ في نازينزوس عام 329، في مقاطعة كبادوكيّة الرومانية، رُسِم قسيسًا بناءً على رغبة والده، وكان عالم لاهوت مسيحيًّا رومانيًّا مبكرًا وأسقفًا خدم كرئيس أساقفة القسطنطينية من عام 380 إلى 381. ساعد في الدفاع عن الإيمان المسيحي القويم في مواجهة الأريوسيّة، وهو أحد ثلاث شخصيَّات في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية نال لقب “اللاهوتي”، رقد في مسقط رأسه في 25 يناير 390م.

[12] Bryan Hollon, We Believe: For Us and For Our Salvation, He Came Down from Heaven. https://anglicancompass.com

[13] -,-. Christians Beliefs: “For Us Men and For Our Salvation” Essay. https://ivypanda.com/essays/christians-beliefs-for-us-men-and-for-our-salvation

[14] David Mathis, He Came Down from Heaven. https://www.citieschurch.com/sermons/he-came-down-from-heaven

[15] David Mathis, He Came Down from Heaven. https://www.citieschurch.com/sermons/he-came-down-from-heaven

[16] Angela Mackenzie, Celebrating 1,700 Years of the Nicene Creed. https://www.solas-cpc.org/celebrating-1700-years-of-the-nicene-creed/

[17] Philip Schaff , The Creeds of Christendom, With a History and Critical Notes, Volume 1, Harper 1919.

[18] ZondervanAchademic.com .

ويأتي ليدين الأحياء والأموات مفهوم وتأثير الأخرويات (الإسخاتولوجي) في مجمع نيقية 325م

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب: القس رفعت فتحي

يُعَدّ مجمع نيقية (325م) لحظة مفصلية في التاريخ العقائدي للمسيحية؛ إذ شكّل المرجع الأول لصياغة قانون إيمان مسكوني جامع. ورغم أنَّ المحور الرئيس للمجمع كان الكريستولوجيا ومواجهة الأريوسية، فإن البعد الأخروي حضر بوضوح من خلال العبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. يهدف هذا البحث إلى تتبّع حضور الأخرويات في نيقية، في ضوء المصادر النصية والجدالات اللاهوتية، وتحليل أثرها الليتورجي والرعوي، مع إبراز كيف تحوّلت تلك العبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” إلى عنصر تأسيسي في رجاء الكنيسة الجامعة عبر العصور.

المحور الأول: قراءة في التأثير الإسخاتولوجي لمجمع نيقية

تمهيدٌ منهجيّ: ما الذي نملكه فعليًّا عن نيقية؟

تبدأ أيّ دراسة أخروية لمجمع نيقية من واقعٍ نصّيٍّ لا بدّ من التصريح به: لم تحفظ لنا العصور الوسطى محاضر جلسات نيقية الأصلية، بل وصلتنا ثلاثة عناصر أساسية:

(أ) نصّ قانون الإيمان النيقاوي كما تداولته مصادر القرن الرابع وما بعده؛

(ب) عشرون قانونًا انضباطيًّا  (canones)؛

(ج) رسائل ووثائق مرتبطة بالمجمع (رسائل قسطنطين، الرسالة السينودسيّة إلى مصر… وغيرها). أما محاضر المناظرات التفصيلية فمفقودة، وما بين أيدينا هو سرديات لاحقة (سقراط، سوزومين، ثيودورت، أعمال نيقية المنحولة عند جلاسيوس القيزقي)، تختلف في القيمة التاريخية ويجب قراءتها نقديًّا[1]. وقد لخّص فيليب شاف[2] هذا الواقع مبكرًا مؤكّدًا أنَّ المتوفر هو قانون الإيمان النيقوي والعشرون قانونًا الذين صدروا عن المجمع وبعض الرسائل، مع جداول مقارنة لنص 325م ونص 381م وطبيعة الإضافات فيه.

من هنا، فإن أيّ حديثٍ موثّق عما دار في المناقشات الأخرويّة داخل القاعة يجب أن يستند إمّا إلى:

 (1) ما يمكن استنباطه يقينيًّا من نصّ القانون النيقاوي نفسه، أو

(2) الشهادات المباشرة لأساقفةٍ حضروا المجمع (مثل رسالة أوسابيوس القيصري إلى كنيسته)، أو

(3) السرديات التاريخية الأقرب زمنًا، مع وعيٍ بحدودها ومقاصدها الجدلية).

 

أوّلًا: نصّ قانون الإيمان النيقاوي (325م) وموضع العبارة الأخروية

تُجمِع الطبعات النقدية والمواقع المتخصصة في نصوص الكنيسة الأولى على أنّ صيغة نيقية 325م -على خلاف الشائع في بعض المقرّرات الحديثة- تشتمل بالفعل على العبارة الأخروية داخل فقرة المسيح: “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. ἔρχεσθαι κρῖναι ζῶντας καὶ νεκρούς. ويظهر ذلك بوضوح في النسخ اليونانية/اللاتينية التي توردها، حيث يرد السطر ضمن مقطع الاعتراف بالابن قبل “والروح القدس”، مع (الأناثيمات) بعدها.

       كما أن جداول شاف المقارنة تُظهر أنّ الختْم الروحاني لصيغة 325م كان “ونؤمن بالروح القدس”، دون فقرات الكنيسة الواحدة والمعمودية وقيامة الأموات وحياة الدهر الآتي، التي أضيفت في 381م؛ لكنْ عبارة المجيء للدينونة موجودة في متن الفقرة الخاصّة بالمسيح في 325م نفسها. وهذا يفسّر الجمع بين ملاحظتَين تبدوان متعارضتين ظاهريًّا لدى الدارسين:

(أ) نهاية قانون 325م عند “والروح القدس”؛

(ب) وجود عبارة “لِيدين الأحياء والأموات” داخل الفقرة الكرستولوجية (التي تتحدث عن المسيح).

   وتزداد الصورة وضوحًا إذا قرأنا قانون قيصرية الذي عرضه يوسابيوس القيصري على المجمع -والذي قبله الأساقفة بعد إضافة صيغٍ مضادّة للأريوسية؛ إذ يحتوي بدوره على عبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. هذا يبيّن أن العبارة الأخروية لم تكن اختراعًا لاحقًا، بل كانت حاضرة في صيغ المعمودية والتعليم ما قبل نيقية، ثم حافظ عليها نص 325م.

ثانيًا: مقارنة موجزة مع صيغة 381م (القسطنطينية) في البُعد الأخروي

أما قانون 381م (المشهور كنسيًّا في الاستعمال الليتورجي)، فقد استبقى العبارة الأخروية عينها في فقرة الابن (وأيضًا يأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات)، وأضاف -وهذا مهم لبحثنا- فقرةً أخروية صريحة في الختام: “ونترجّى قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي”. هذه الإضافة لا تعني غياب الأخرويات عن 325م، بل تعني أنّ مجمع 381م نقل الموضوع الأخروي، من كونه جملة ضمن الكرستولوجيا، إلى كونه أيضًا خاتمة لاهوتية-ليتورجية للقانون برمّته، مؤطِّرًا رجاء الكنيسة ككل[3].

بعبارةٍ أخرى: نيقية (325) تقرّ بالمجيء الثاني والدينونة داخل بند المسيح، فيما القسطنطينية (381) تُجمِل إيمان الكنيسة بالحياة الآتية وقيامة الموتى في خاتمةٍ عامة، فتغدو الأخرويات أفقًا كنسيًّا لا ملحقًا كرستولوجيًّا فحسب.

ثالثًا: أين تظهر الأخرويات في “قرارات” المجمع (القوانين الانضباطية)؟

لا تتناول قوانين نيقية العشرون مسائل أخرويةً بصورةٍ مباشرة، فهي قوانين انضباطية تتصل بالرسامة، والتنقل الكهنوتي، وقبول التائبين… وغيرها. ومع ذلك، يحظى القانون 20 بأهميةٍ رمزية-أخروية، حين يقرّر الوقوف للصلاة يوم الأحد وفي عيد الخمسين (البنتيكوست)، أي الامتناع عن الركوع، وهو تقليد تشرح خلفيته مصادر آبائية معتبرة (باسيليوس الكبير) بوصف الوقوف تذكارًا للقيامة، علامةً لعصرٍ جديد هو عربون الدهر الآتي. ومن ثم، يحمل القانون بُعدًا إسخاتولوجيًّا-ليتورجيًّا واضحًا: فالوقفة الأسبوعية للمؤمنين هي إعلانٌ كنسيٌّ   لسلطان القيامة والرجاء في التمجيد.[4]

وإلى جانب القانون 20، ترتبط قرارات عيد الفصح (حسم الجدل القمري/اليهودي) بالرجاء الأخروي بصورةٍ تقليدية عبر ربط الفصح بقيامة المسيح، وإنْ كانت وثائق نيقية نفسها تحسمه في إطار وحدة الكنائس، أكثر من كونه نقاشًا أخرويًّا؛ وتكفي قراءة خطاب قسطنطين إلى كنيسة الإسكندرية بعد المجمع، لندرك أنَّ الدافع لتوحيد عيد القيامة هو سياسي-كَنسيّ، بقدر ما هو لاهوتي، مع لغة قطعية تجاه التقويم اليهودي. لكن في كل الأحوال، يُبنى توحيد الفصح على مركزية القيامة تاريخ الخلاص ورجائه.[5]

ليس ضمن القوانين الانضباطية تعاليم أخروية، لكن البنية الليتورجية التي يرسّخها القانون 20، وموقع الفصح في خطاب قسطنطين، يكشفان بوضوح أن الإعلان الذي يُعبّر عن القيَامة (وقوفُ الأحد) والتقويم الفِصحي، هما حاملان لاهوتيان لرجاء القيامة والحياة الآتية.

رابعًا: الشهادات المعاصرة واللاحقة المبكّرة: ماذا قال الحاضرون وما الذي فهموه أخرويًّا؟

  • يوسابيوس القيصري: رسالة إلى الكنيسة وتقريرٌ عن نصّ القانون النيقوي

ترك يوسابيوس شهادةً ثمينة، حين كتب إلى جماعته في قيصرية يشرح لهم لماذا وافق على صيغة المجمع، وكيف فُهمت الألفاظ الثقيلةek tēs ousias, homoousios ، لكن الأهم لبحثنا أنه يُورد في نصّه مقاطع الإيمان التي تشمل “المجيء لدينونة الأحياء والأموات”، مما يُظهر أنّ هذا البند كان بديهيًّا في تعليم الكنيسة القيصريّة، ثم صار جزءًا من النصّ المعتمد. شهادة يوسابيوس هنا بريئة من الجدل الأخروي، لكنها تؤكد حضور “المجيء والدينونة” كبند اعترافي أصيل.

  • أثناسيوس الإسكندري: في قرارات نيقية (De Decretis) و(عن المجامع)

لا يركّز أثناسيوس في مؤلفاته الدفاعية على الأخرويات كمبحثٍ مستقل، بل يوظّف قانون نيقية لإثبات ألوهية الابن ومساواته للآب؛ غير أنّه ينقل نص الرمز ويؤطّر عمل نيقية باعتباره “حَصْرًا للهرطقة” عبر الأناثيمات. ومن ثَمّ، فإن وجود “المجيء للدينونة” في نصّ 325م، يُعدّ عنده جزءًا من “إنجيل الخلاص”، الخلاص الذي لا يمكن أن يقوم بلا إلهٍ مخلّصٍ قادرٍ على الإحياء والدينونة، الأمر الذي يسنده بالكتاب والليتورجيا. وإن لم يكن نصّ القانون  De Decretis بحثًا إسخاتولوجيًّا، إلا أنه يُثبت -بالمصادفة النصية- وجود العبارة الأخروية في القانون النيقوي وتداولها المبكر.[6]

  • المؤرخون الكنسيّون: سقراط، سوزومين، ثيودورت

تُورد التواريخ الكنسيّة (القرن الخامس) نصّ قانون الإيمان النيقوي ومجرياتٍ من المجمع، وتهتم ببناء “سرديةٍ أرثوذكسية” تبرز قَطع نيقية مع الأريوسية. لا نجد في سردهم “مناظراتٍ أخروية” بذاتها، لكننا نجد تثبيتًا لنصّ قانون الإيمان بوصفه معيار الإيمان؛ وبما أن قانون الإيمان يشتمل على “المجيء للدينونة”، فإن الأخرويات حاضرة كجزءٍ عضوي من “المسيح الحقّ الإله الحقّ”، الذي سيأتي لدينونة الأحياء والأموات. وعند قراءة هذه التواريخ ينبغي التمييز بعناية بين الوقائع والقراءات اللاهوتية المتأخرة.[7]

  • جلاسيوس القيزقي (القرن الخامس): “أعمال نيقية” المنقولة

تحتوي هذه “الأعمال” على مادة غزيرة لكنها غير موثوقةٍ دائمًا، إذ يُرجّح الباحثون وجود إسقاطاتٍ لاهوتية لاحقة إلى زمن نيقية (خاصةً قضايا الروح القدس). قيمتها التاريخية ثانوية في مسألة الأخرويات، لكنها دليل على كيفية تلقّي المجمع لاحقًا، حيث يتضخّم النصّ ويُعاد تفسيره وفقًا لجدالات القرنين الخامس والسادس.[8]

خامسًا: الطبيعة الأخروية في قانون 325م: ملاحظات لاهوتية

  1. اتحاد الأخرويات بالكرستولوجيا: إدراج “المجيء للدينونة” داخل بند “الابن” يعبّر عن “المركزية المسيحية” للأخرويات: فالآتي للدينونة هو ذاته “إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، مولودٌ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”، مما يجعل الدينونة فعلَ الله نفسه في المسيح، لا حدثًا كونيًّا “منعزلًا”. إنّ ربط الدينونة بألوهية الابن هو أحد أوجه جدلية نيقية مع الأريوسية: فمَن جعل الابن “مخلوقًا”؛ اضطر منطقيًّا إلى إضعاف معنى دينونته الكونية؛ أمّا مَن أقرّ بألوهيته فدينونته كونية خلاصية.
  2. الحدث الأخروي والرجاء الكنسي: عدم ذكر “قيامة الأموات والحياة الآتية” في خاتمة 325م لا يعني غيابهما من الإيمان الرسولي، بل يعني أنّ قانون 381م (مجمع القسطنطينية)، أراد نقل ذلك من السياق المحليّ (نصوص معمودية متنوّعة) إلى “معيارٍ مسكونيٍّ جامع”. والمقارنة النصّية بين 325 و381 تُظهر تطوّرًا في “بنية” قانون الإيمان أكثر مما تُظهر تبدّلًا في جوهر الإيمان الأخروي[9]
  3. الليتورجيا كحاملٍ إسخاتولوجي: يضبط القانون (20) وضعية الجسد في الصلاة بوصفها “علامة قيامة”؛ وهذا يبيّن أن الأخرويات في نيقية ليست بندًا اعترافيًّا فحسب، بل ممارسة جسدية-جماعية أسبوعية تجعل “الآتي” حاضرًا “سَرْمديًّا” في زمن الكنيسة. من هنا سيُطوّر الآباء (باسيليوس، ثم كيرلّس الأورشليمي) تأويلاتٍ وعظية تربط الرجاء الأخروي بالحياة المسيحية العملية.[10]

سادسًا: ما لم يناقشه مجمع نيقية في الأخرويات (تصحيح وتوضيح)

من الشائع في بعض الأدبيات الشعبية القول إن نيقية “أدان الألفيّة” أو “حسم تفاصيل المجيء الثاني”، وهذا لا سند له في الوثائق المحفوظة. فليس في يوجد في قوانين نيقية العشرين، ولا في رسائله ولا في نصّ قانون الإيمان النيقوي، أيّ ذكرٍ لرفض الفكر الألفي أو تقرير تفاصيل زمنية/تأويلية لسفر الرؤيا. صحيح أنّ تيارًا آبائيًّا قويًّا (أوريجانس، يوسابيوس) انتقد الفكر الألفي وهاجم حرفية بابياس، لكن هذا تيارٌ سابق/لاحق لا قرار مجمعيًّا به في 325م. لذا ينبغي التفريق بين:

 (أ) “مزاجٍ لاهوتيٍّ عام” في القرن الرابع يميل ضدّ حرفية المُلك الألفي، وبين

(ب) “قرار مجمعي” لا وجود له في نيقية.[11]

سابعًا: التلقّي المبكّر بعد نيقية: كيرلس الأورشليمي أنموذجًا

يمثّل كيرلس الأورشليمي (†386م) شاهدًا مبكرًا على كيف تُفهَم الجملة النيقوية “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”، كجزءٍ عضوي من كرازة المعمودية. في “المحاضرات التعليمّية”، يخصّص كيرلس عظة كاملة للبند “وسيأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات”، ويشرح بُعده الرعوي: رجاء المكافأة، ورهبة الحساب، وأثر الإيمان بالقيامة على الطهارة الأخلاقية. هذا التلقّي -على أبواب 381م- يبيّن أنّ الأخرويات النيقوية صارت جزءًا من تعليم الموعوظين لا مجرد سطرٍ في قانون الإيمان.

الخُلاصة:

  • نصّ قانون إيمان 325م يشتمل صراحةً على عبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” داخل فقرة الابن؛ هذا ثابت في الشهود اليونانيّة/اللاتينيّة للنص كما تداولتها مصادر مبكّرة وجداول مقارنةٍ نقدية.[12]
  • قرارات المجمع الانضباطية لا تتناول الأخرويات نظريًّا، لكن قانون الـ20 يُرسّخ ممارسةً ليتورجية تحمل معنى القيامة والدهر الآتي (الوقوف يوم الأحد وبين الخمسين).[13]
  • السرديات المعاصرة/اللاحقة المبكرة (يوسابيوس، أثناسيوس، سقراط/سوزومين/ثيودورت) تُثبت حضور البند الأخروي في قانون الإيمان، دون أن تنقل لنا “مناقشات أخروية” مستقلة؛ لأن موضوع نيقية المركزي كان ألوهية الابن ومساواته للآب.[14]
  • في مجمع القسطنطينية 381م يكتمل البناء بإضافة خاتمةٍ أخرويةٍ صريحة (قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي) دون أن يبتدع مضمونًا غير موجودٍ ضمنيًّا في 325م.[15]

المحور الثاني: الخلفيات الكتابية والجدالات اللاحقة والتلقّي المبكر

أوّلًا: الخلفية الكتابية لعبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”

  • الجذور في العهد الجديد

تعتمد العبارة النيقوية على تقاليد كتابية واضحة:

  • في أعمال الرسل 10: 42 يقول بطرس عن المسيح: “وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بأنَّ هذا هو المعيَّن من الله ديّانًا للأحياء والأموات”.
  • في 2تيموثاوس 4: 1 “أوصيك أمام الله والرب يسوع المسيح، العتيد أنْ يدين الأحياء والأموات، عند ظهوره وملكوته”.
  • وفي 1بطرس 4: 5 يرد أنَّ “الذين سوف يُعطون حسابًا للذي هو مستعد أن يدين الأحياء والأموات”.

هذه النصوص الثلاثة شكلت قاعدةً ليتورجية وإيمانية منذ القرون الأولى، وهذا ما يُفسّر حضور العبارة في إقرار المعمودية المحلية (مثل قيصرية) قبل 325م. إنَّ إدراجها في قانون نيقية لم يكن اجتهادًا بل امتدادًا لسلطة الكتاب المقدّس.

  • البُعد الكنسي-الرعوي

إنَّ وجود النصوص الكتابية في قانون الإيمان النيقوي، يُحوِّل الأخرويات من “تعليم وعظي” إلى “مادة إيمانية جامعة”. أي أنّ المؤمن الذي يتلو قانون الإيمان، لا يكتفي بالإيمان بألوهية الابن؛ بل يعترف بأنَّ الدهر الحاضر محكوم بانتظار المجيء الثاني والدينونة. هذا البعد الرعوي هو ما سيطوّره كيرلس الأورشليمي لاحقًا.

ثانيًا: الجدل الأريوسي والبعد الأخروي

  • أريوس ورؤية المسيح

أريوس (†336م) كان يُعلّم بأنَّ الابن مخلوق، سابق للخليقة لكنه ليس أزليًّا كالآب. هذا التعليم، لو طُبّق على بند “المجيء للدينونة”، فسوف يُنتج إشكالًا: كيف يكون الديّان الكوني مخلوقًا؟ أليس الدينونة من خصائص الله وحده؟

  • رد أثناسيوس

أثناسيوس الإسكندري، في كتابه ضد الأريوسيين (Orationes contra Arianos)، يُصرّح أنَّ الدينونة تعبير عن ألوهية الابن:

“الذي يدين العالم لا يمكن أنْ يكون من العالم، والذي يُقيم الأموات لا بد أنْ يكون هو نفسه واهب الحياة”.[16] وبذلك يربط القديس أثناسيوس بين عبارة نيقية الأخروية، وبين جوهر الجدل مع الأريوسية: فالمسيح الديّان لا يمكن أنْ يكون أقل من “إله حق من إله حق”.

  • توظيف العبارة الأخروية في الصراع

 من هنا لم تكن العبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” حيادية، بل أداة لاهوتية: فإنَّ أي محاولة أريوسية لفصل الابن عن جوهر الآب، تُفرّغ العبارة من معناها. أمّا النيقويون فاستثمروها لتثبيت مساواة الابن للآب.

ثالثًا: التلقّي الليتورجي (325–400م)

  • كيرلس الأورشليمي (†386م)

  في المحاضرة التعليمّية الخامسة عشرة يشرح كيرلس العبارة النيقوية بندًا بندًا، ويربطها بالمسؤولية الأخلاقية:

“الديّان يأتي بمجد عظيم. لنتّخذ الاستعداد إذًا، لنُحسَب مستحقين أن نقف عن يمينه”.[17] هنا تتحوّل الأخرويات من مجرد عقيدة إلى حافز للتوبة والسلوك المسيحي.

  • يوحنا ذهبي الفم (†407م)

يُكثر ذهبي الفم من التذكير بالديّان في عظاته، مستعملًا العبارة النيقوية لتشجيع المؤمنين على الرحمة وضبط النفس. في عظته على متى 25 يؤكد أنَّ “الابن الديّان” سيحاسِب على أعمال المحبة تجاه المساكين. هذا التوسّع يبيّن كيف أصبحت الأخرويات النيقاوية جزءًا من خطاب الكنيسة الأخلاقي.

  • أوغسطينوس (†430م)

في كتابه مدينة الله (De Civitate Dei 20–22)، ينطلق أوغسطينوس من الإيمان النيقاوي بأنَّ المسيح ديّان الأحياء والأموات، ليبني منظومة كاملة عن القيامة والدينونة والحياة الأبدية؛ إذ يرى أنَّ هذا الاعتراف هو “الحدّ الفاصل بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية”.[18]

رابعًا: النقاشات التي لم يخضها نيقية

كما ذكرتُ في الجزء الأول، لم يناقش المجمع موضوع الألفيّة أو التفاصيل الزمنية للمجيء الثاني. لكن من المهم الإشارة إلى أنَّ بعض خصوم الألفية (كيوسابيوس)، استثمروا روح نيقية لتعزيز رفضهم للتفسير الحرفي لسفر الرؤيا 20. ومع ذلك، لا نجد قرارًا رسميًّا.

خامسًا: تحليل نقدي لموقع الأخرويات في نيقية

  1. المركزية المسيحانية: الأخرويات النيقوية ليست قائمةً بذاتها، بل مدمجة في الكريستولوجيا. هذا يكشف عن قناعة أنَّ حدث المجيء الثاني لا ينفصل عن هوية الابن.
  2. البعد الرعوي: القوانين الانضباطية (وخاصة القانون 20) تُترجم الأخرويات إلى ممارسة أسبوعية: الوقوف علامة القيامة.
  3. التطوّر نحو الشمول: بإضافة مجمع القسطنطينية 381م؛ صارت الأخرويات أكثر وضوحًا. لم تعد مجرد “دينونة” بل “قيامة” و”حياة الدهر الآتي”.
  4. التلقّي التاريخي: من كيرلس إلى أوغسطينوس، تحوّلت العبارة إلى محور تعليمي وأخلاقي وليتورجي، مما يدل على قوتها وتأثيرها.

الخلاصة

يظهر بجلاء أنَّ مجمع نيقية لم يكن مجمعًا “أخرويًّا” بالمعنى الضيق، لكنه لم يكن غريبًا عن الأخرويات؛ فقد ثبّت العبارة الكتابية الكبرى “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”، وجعلها جزءًا من صلب الكرستولوجيا، ليؤكّد أن ديانته الكونية مرتبطة بألوهيته. لاحقًا، صارت هذه العبارة أساسًا لليتورجيا والتعليم والرعاية في الكنيسة، وتحوّلت من جملة في قانون الإيمان النيقوي إلى أفق شامل لعقيدة الرجاء المسيحي.

المحور الثالث: التلقّي بعد نيقية (القرنان الخامس-السابع)

أوّلًا: استمرارية العبارة الأخروية النيقوية في التقليد الكنسي

 منذ 325م، بقيت عبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” بندًا ثابتًا في كافة صيغ قوانين الإيمان والطقوس المعمودية، عبر الكنائس الشرقية والغربية. وظلّت “النيقية” هي القاعدة، وإن كانت نصوص 381م (القسطنطينية) قد أضافت عناصر أخروية أوسع.

  • في مجمع خلقيدونية (451م) استُخدم قانون 381م، مما يعني أنَّ العبارة النيقاوية الأخروية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من القانون المسكوني.
  • في مجمع القسطنطينية الثاني (553م) والثالث (680–681م) استمرّ القانون نفسه دون تعديل، مع التركيز على تفسيره الأرثوذكسي ضد النسطورية والمونوثيلية (التي نادت بأن المسيح له إرادة واحدة)[19] إذن: العبارة الأخروية صارت بمثابة “ختمٍ مسكوني” لا جدال حوله، وظلّت مركزية في كل ليتورجيا.

ثانيًا: التوسّع الكريستولوجي وتأثيره الأخروي

  • بعد خلقيدونية

بعد جدال الطبيعة/الطبيعتين، صار واضحًا أنَّ المسيح الديّان هو نفسه الشخص الواحد لله الكلمة المتجسد. هذا جعل الدينونة حدثًا “مسيحانيًّا-تجسديًّا”: أي أنَّ الذي وُلد من العذراء، وصُلب وقام، هو نفسه الذي سيأتي في المجد.

  • البعد الرعوي

في وعظ لاون الكبير (†461م)، نقرأ أنَّ “الديّان هو نفسه المخلّص، لكي لا يخاف المؤمنون بل يترجّون”. هذا الدمج بين الخوف والرجاء هو عنصر لاهوتي-أخروي كلاسيكي.

  • أثر النقاش الكريستولوجي

جدالات “الطبيعة الواحدة” و”الطبيعتين” لم تكن بعيدة عن الأخرويات؛ لأن السؤال المحوري كان: هل الذي يديننا هو إلهٌ فقط؟ أم إنسانٌ فقط؟ أم الكلمة المتجسد؟ الإجابة الأرثوذكسية[20]: هو شخص واحد يجمع الطبيعتين، إله كامل وإنسان كامل، ولذا فهو الديّان العادل.

ثالثًا: التوسّع الليتورجي

  • الطقس الشرقي

في القداس الإلهي للقديس باسيليوس، نقرأ: “وننتظر قيامته من بين الأموات، ومجيئه الثاني من السماوات، المخوف المملوء مجدًا”. هذا النص يعكس أنَّ العبارة النيقوية (ليدين الأحياء والأموات) اندمجت في سياق أعرض: المجيء الثاني كرجاءٍ منتظر في الليتورجيا.[21]

  • الطقس الغربي

في القداس اللاتيني (Missa Romana)، يرد بعد التقديس:

Et iterum venturus est cum gloria judicare vivos et mortuos.[22]. وهذا يبيّن استمرارية العبارة النيقوية حرفيًّا في قلب العبادة.

  • الأعياد

ارتبط عيد الفصح ارتباطًا مباشرًا بالقيامة والرجاء الأخروي. وقد أسّس نيقية (325م) قاعدة الاحتفال بالفصح منفصلًا عن الحساب اليهودي، وهو ما جعل القيامة مركز الزمن الكنسي، وبالتالي مركز الأفق الأخروي.

رابعًا: التلقّي الشعبي والوعظ الآبائي

  • الوعظ الشعبي

عظات غريغوريوس النزينزي[23] وغريغوريوس النيسي[24] تُظهر بجلاء كيف تحوّلت الأخرويات النيقاوية إلى جزء من التعليم الشعبي. كانوا يُذكّرون الشعب أنَّ المسيح، الذي يؤمنون به في قانون الإيمان، سيأتي ليدينهم، وأنَّ هذا الإيمان يتطلب توبة واستعدادًا دائمًا.

  • الرهبنة

الحركة الرهبانية (أنطونيوس الكبير، باخوميوس، لاحقًا بنديكتوس)، استثمرت فكرة الدينونة في الحياة النسكية: الرهبان يعيشون “كما لو كانوا في اليوم الأخير”. أي أنَّ العبارة النيقوية صارت “مفتاح حياة” يومية.

  • الأيقونات

من القرن السادس، بدأت تظهر الأيقونات التي تُصوّر المجيء الثاني (Deisis) في الوسط: المسيح الديّان، وعن يمينه العذراء، وعن يساره يوحنا المعمدان. هذه الأيقونات تُجسّد بصريًّا عبارة نيقية.

خامسًا: النقد الأكاديمي الحديث

  • محدودية النص النيقاوي

يرى بعض الباحثين (لويس آيرِس)[25] أنَّ مجمع نيقية لم يقصد وضع منظومة أخروية، بل اقتصر على العبارة التقليدية. أي أنَّ قيمة نيقية الأخروية تكمن في تثبيت العبارة ضمن “النص المعياري” أكثر من صياغة لاهوت أخروي جديد.

  • البعد اللاهوتي الضمني

لكن آخرين (ياروسلاف بيليكان)[26] يلاحظون أنَّ مجرد دمج العبارة مع ألوهية الابن كان خطوة جذرية: فالإيمان الأخروي صار مرتبطًا مباشرة بألوهية المسيح، لا مجرد تقليد يهودي-مسيحي عام.

  • النقد النصّي

تثير مسألة “أين تنتهي صيغة 325م؟” نقاشًا نصّيًّا: بعض النسخ تنتهي عند “والروح القدس”؛ لكن أغلب النسخ المعتمدة تُدرج “ليدين الأحياء والأموات”. هذا الجدل العلمي يوضح أنَّ العبارة الأخروية ليست إضافة لاحقة بل جزء أصيل من النصوص الأقدم (كما في قانون قيصرية).

 

الخلاصة

  • استمرّت العبارة الأخروية النيقاوية كجزء مركزي من قانون الإيمان في كل المجامع اللاحقة.
  • جدالات الطبيعة (خلقيدونية وما بعدها) أعطت العبارة عمقًا: الذي يديننا هو المسيح المتجسد، الإله الحق والإنسان الحق.
  • الليتورجيا الشرقية والغربية ضمّنت العبارة في قلب العبادة (القداس والفصح).
  • التلقّي الشعبي (وعظ، رهبنة، أيقونات) جعل الأخرويات النيقاوية جزءًا من الحياة اليومية.
  • النقد الأكاديمي يرى أنَّ مجمع نيقية لم يضع نظرية أخروية، بل ثبّت العبارة كجزء من قانونٍ مسكوني، وهو ما فتح الباب لتطوّرات لاحقة.

المحور الرابع: من يوحنا الدمشقي إلى غريغوري الكبير- استمرارية العبارة الأخروية

أولًا: يوحنا الدمشقي (†749م) وتثبيت العبارة في العقيدة الشرقية

يُعتبر يوحنا الدمشقي أبرز لاهوتي بيزنطي في القرن الثامن، وقد جمع التعليم النيقاوي-القسطنطيني في كتابه “المقالة الإيمانية الأرثوذكسية” (De Fide Orthodoxa).

  • في الكتاب الرابع، يورد قانون الإيمان بنصّه الكامل: “ونؤمن بيسوع المسيح… الذي صُلِب… وقام… وصعد… وهو آتٍ ليدين الأحياء والأموات”.[27]
  • ثم يشرح معنى الدينونة: أنَّ المسيح يجمع جميع الناس أمام كرسيه، ويجازي كل واحد بحسب أعماله.

هنا نرى استمرار العبارة النيقاوية في أكثر صيغة منهجية للعقيدة الشرقية. لم يضف يوحنا جديدًا على النص، بل فسّره، رابطًا الدينونة بالقيامة العامة والجزاء الأخروي.

ثانيًا: غريغوري الكبير (†604م) في الغرب اللاتيني

في الغرب، لعب غريغوري الكبير (بابا روما) دورًا مهمًّا في تثبيت العبارة النيقوية في اللاهوت الرعوي:

  • في عظاته على الأناجيل (Homiliae in Evangelia) يكرّر عبارة  «Et iterum venturus est judicare vivos et mortuos». [28]حيث يربط المجيء الثاني بالخوف المقدّس: “فلنستعدّ لملاقاة الديّان الذي لا يرحم الأشرار، لكنه يجازي الأبرار بالمجد”.[29]  هذا التركيز على “الخوف من الدينونة” أثّر بشدّة في الروحانية الغربية، وجعل العبارة النيقوية محورًا للوعظ الأخلاقي.

ثالثًا: تطوّر الليتورجيا الغربية- من الرمز إلى الطقس

  • قانون الرسل Symbolum Apostolicum

في الغرب، صار قانون الرسل هو النص الأساسي للمعمودية، ويحتوي أيضًا على العبارة النيقاوية[30]: Inde venturus est judicare vivos et mortuos. هذا يعني أنَّ كل معتمد في الكنيسة اللاتينية يُلقَّن هذه العبارة منذ البداية.

  • القداس الروماني

في القرن التاسع، أُدرج قانون الإيمان (نيقاوي-قسطنطيني) في القداس الروماني بعد الإنجيل، ليُتلى علنًا. هذا القرار جعل العبارة الأخروية تُتلى كل أسبوع أمام الشعب، مثبتةً الوعي الجماعي باليوم الأخير.

رابعًا: التوسّع الشعبي والرمزي

  • الأدب المسيحي المبكر في العصور الوسطى

كتب البيذ المبجّل (†735م) -راهب أنجلوساكسوني لاهوتي ومؤرخ- تعليقات على قانون الإيمان، حيث يفسر عبارة الدينونة بأنَّ “المسيح وحده، بصفته الله والإنسان معًا، قادر أن يقيم الموتى ويدينهم”.[31]

  • الأيقونات والجداريات

من القرن التاسع فصاعدًا، أصبح تصوير “المجيء الثاني” مشهدًا أساسيًّا في الجداريات (خاصة في الأبرشيات البيزنطية). حيث يظهر “المسيح الديّان” محاطًا بالرسل، بينما تُعرض مشاهد الدينونة والقيامة. هذه الجداريات صارت بمثابة “كاتشيزم بصري” للشعب (قانون إيمان).

  • الشعر والتراتيل

في الغرب، طوّر التسلسل اللاتيني (Dies Irae) في القرن الثالث عشر، لكن جذوره تكمن في الوعي الأخروي النيقوي: “اليوم الرهيب الذي فيه سيأتي الديّان”. العبارة النيقاوية إذًا مهّدت لولادة تقاليد أدبية-شعرية كاملة.

خامسًا: التحليل النقدي- الفوارق بين الشرق والغرب

  1. في الشرق: العبارة النيقاوية بقيت في إطارها اللاهوتي-التفسيري (يوحنا الدمشقي)، مرتبطة بالقيامة والدهر الآتي.
  2. في الغرب: تحوّلت العبارة إلى أداة وعظية-أخلاقية (غريغوري الكبير)، وكانت تُركّز على الخوف من الدينونة أكثر من رجاء القيامة.
  3. في الليتورجيا: كلا التقليدين (الشرقي والغربي) حافظا على النص بحرفيته، لكن استخدامه الليتورجي كان أوسع في الغرب من خلال (إدماجه في القداس الأسبوعي).

الخلاصة

  • أكّد يوحنا الدمشقي في الشرق وغريغوري الكبير في الغرب أنَّ العبارة النيقوية الأخروية هي أساس التعليم المسيحي.
  • الليتورجيا (قداس باسيليوس والقداس الروماني) جعلت العبارة تُتلى باستمرار، مغروسة في وعي الشعب.
  • الأيقونات والأدب المسيحي وسّعوا العبارة من نصّ عقائدي إلى خيال لاهوتي حيّ.
  • تمايزت الروحانية: ركّز الشرق على الرجاء، في حين ركّز الغرب على الخوف، لكن كليهما انطلقا من النص النيقوي.

المحور الخامس: من اللاهوت المدرسي إلى الإصلاح

أولًا: اللاهوت المدرسي وتوما الأكويني (†1274م)

في القرون الوسطى، ظلّ قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني النص المركزي في التعليم الكنسي، وظهرت شروح مطوّلة له ضمن لاهوت المدرسة (Scholasticism).

  • توما الأكويني والخلاصة اللاهوتية (Summa Theologica)
  • يشرح الأكويني عبارة “Et iterum venturus est judicare vivos et mortuos[32] في الجزء الثالث، المسألة 59 وما يليها.
  • يرى أن الدينونة هي من خصائص المسيح كـ«الرأس» للكنيسة، لأنه هو الذي اتحدت فيه الطبيعة الإلهية والإنسانية.
  • يفسّر “الأحياء” بمعنى الأحياء بالجسد عند مجيء المسيح، و”الأموات” بمعنى الذين قاموا للحساب.

“إنما يليق بالمسيح أن يكون الديّان، لأنه بصفته ابن الإنسان عاش بيننا، وبصفته ابن الله يعرف القلوب والأسرار”.[33]

  • الإسهام المدرسي

من خلال الأكويني وسائر اللاهوتيين (بوناڤنتورا، بيير لومبارد)، أصبحت العبارة النيقوية “مفتاحًا” لتطوير مبحث كامل عن الدينونة: خصائصها، أطرافها، نتائجها.

ثانيًا: التوسّع الفني والثقافي

  • الفن الغربي
  • الفن القوطي (Gothic Art) جعل “مشهد الدينونة الأخيرة” (Last Judgment) موضوعًا مركزيًّا في واجهات الكاتدرائيات الكبرى (شارتر، نوتردام دو باريس).
  • المشهد عادةً يُظهر المسيح الجالس على العرش، “ديّان الأحياء والأموات”، مُحاطًا بالرسل، والناس ينقسمون إلى أبرار وأشرار.
  • الأدب والتراتيل
  • Dies Irae (اليوم الرهيب)– تسلسل لاتيني شاع في القرون الوسطى، مُقتَبَس من العبارة النيقاوية، يصوّر اليوم الأخير كرعب كوني حيث يُستحضر الجميع للحساب.
  • هذا النص الشعري أثّر في اللاهوت الشعبي الغربي، وربط العبارة النيقاوية بالرهبة أكثر من الرجاء.

 

ثالثًا: نحو الإصلاح البروتستانتي

  • لوثر (†1546م)

في شرحه لقانون الإيمان (الجزء الثاني من الكتاب الصغير للتعليم المسيحي)، يفسّر عبارة مارتن لوثر “الديّان” قائلًا: “أنا أؤمن أن يسوع المسيح… سيعود ليدين الأحياء والأموات. وهذا يعطيني الرجاء، لأن الذي يجيء ديّانًا هو نفسه الذي مات لأجلي”.[34] إذن، لوثر أعاد صياغة العبارة النيقاوية في إطار  “البر بالإيمان”، ليحوّلها من عنصر خوف إلى عنصر رجاء.

  • كالفن (†1564م)

   جون كالفن في كتابه “أسس الديانة المسيحية” (Institutes II.16)  يشرح العبارة بعمق:

  • الدينونة الأخيرة هي ختام تاريخ الخلاص.
  • المسيح الديّان هو نفسه الوسيط والمخلّص.
  • رجاء المؤمنين في المجيء الثاني مرتبط بالثقة في عمل المسيح الكفاري.[35]
  • الموقف المشترك

احتفظ كلٌّ من لوثر وكالفن بالعبارة النيقاوية دون تغيير، وأكّدا أنها جزء لا يتجزأ من “قانون الإيمان الجامع” الذي لم يلغِه الإصلاح، بل أعاد تفسيره.

رابعًا: الكاثوليكية في مجمع ترنت (1545-1563)

ردّ مجمع ترنت على الإصلاح بالتأكيد من جديد على قانون نيقية، بما في ذلك العبارة الأخروية. وقد جعلها قاعدة للتعليم الكاثوليكي الرسمي. وهكذا ظلّت العبارة جسرًا مشتركًا بين الكاثوليك والبروتستانت، رغم الخلافات حول الخلاص والأعمال.

خامسًا: التحليل النقدي

  1. في اللاهوت المدرسي: العبارة الأخروية النيقاوية تحوّلت إلى مبحث فلسفي-لاهوتي كامل، محلّل بتفصيلات عقلانية.
  2. في الثقافة الشعبية: الفن والتراتيل ركّزت على “رهبة اليوم الأخير”، مع تصوير بصري قوي.
  3. في الإصلاح: أعاد لوثر وكالفن التوازن من الخوف إلى الرجاء، لكن دون نفي الدينونة.
  4. في الكاثوليكية: بقيت العبارة مركزية في التعليم الرسمي، علامة على الوحدة مع التقليد النيقاوي.

الخلاصة:

  • ظلّت عبارة نيقية “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” حجر زاوية في اللاهوت الغربي.
  • بين الأكويني وديز إيره ولوثر، بقيت العبارة حاضرة في الفكر والفن والوعظ.
  • مع الإصلاح، لم تُلغَ العبارة بل أُعيد تفسيرها في ضوء “التبرير بالإيمان”.
  • صارت العبارة “قاسمًا مشتركًا” بين الكاثوليك والبروتستانت، مما يبيّن قوتها المسكونية.

المحور السادس: الخاتمة والتقييم النقدي

أولًا: المسار التاريخي للأخرويات النيقاوية

  1. نيقية (325م):
  • ثُبّتت العبارة الكتابية: “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” داخل بند المسيح.
  • لم يكن هدفها صياغة منظومة أخروية مستقلة، بل التأكيد على أنَّ الديّان هو نفسه الابن “إله حق من إله حق”.
  • القوانين الانضباطية (خصوصًا القانون 20) ترجمت الرجاء الأخروي إلى ممارسة ليتورجية (الوقوف يوم الأحد كإعلان قيامة).
  1. القسطنطينية (381م):

أضافت عبارة “ونترجّى قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي”، لتوسّع الأفق الأخروي من الدينونة إلى القيامة والرجاء.

  1. القرون 4–7:
  • كيرلس الأورشليمي ويوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس شرحوا البعد الرعوي للعبارة: الدينونة ليست فقط رهبة بل دعوة إلى التوبة.
  • الأيقونات والليتورجيا البيزنطية واللاتينية جعلت العبارة حيّة في الوعي الشعبي.
  1. القرون 8–11:
  • يوحنا الدمشقي في الشرق وغريغوري الكبير في الغرب رسّخوا العبارة ضمن التعليم الأرثوذكسي والكاثوليكي.
  • الليتورجيا الغربية أدخلت قانون الإيمان في القداس الأسبوعي، بينما احتفظت به الليتورجيا الشرقية في نصوص الإفخارستيا الكبرى.
  1. القرون 12–15 (المدرسة اللاتينية):
  • الأكويني وبوناڤنتورا حلّلوا العبارة فلسفيًّا، رابطين بين طبيعة المسيح ودينونته.
  • الفن القوطي والتراتيل (Dies Irae) جسّدوا العبارة في صور رهيبة عن اليوم الأخير.
  1. الإصلاح (القرن 16):
  • لوثر[36] وكالفن[37] احتفظا بالعبارة، وفسّراها في ضوء “التبرير بالإيمان”: المسيح الديّان هو نفسه المخلّص.
  • الكنيسة الكاثوليكية في مجمع ترنت أعادت تثبيت النص، ما جعل العبارة نقطة التقاء بين الطوائف.

ثانيًا: التحليل النقدي

  1. المركزية المسيحانية (الكريستولوجية):

أبرزت العبارة النيقوية أنَّ الأخرويات المسيحية ليست “مستقبلًا غامضًا”، بل حدث مرتبط بالمسيح نفسه.

  1. الاستمرارية الكتابية:

النصوص (أعمال 10: 42، 2تيموثاوس 4: 1، 1بطرس 4: 5) كانت حاضرة في قانون الإيمان، ما يثبت تجذّره في الكتاب المقدّس لا في اجتهاد المجمع.

  1. البعد الليتورجي:

الممارسة (الوقوف يوم الأحد، تلاوة القانون في القداس) جعلت العبارة جزءًا من حياة الكنيسة اليومية، لا مجرد نظرية.

  1. التنوع الثقافي:

ركّز الشرق على الرجاء والقيامة، في حين ركز الغرب على رهبة الدينونة. هذا التنوع أثمر توازنًا بين الرجاء والخوف.

  1. المسكونية:

على الرغم من الانقسامات اللاهوتية، ظلّت العبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” بندًا مشتركًا لم يُمسّ، من نيقية إلى اليوم.

 

ثالثًا: موقع الأخرويات النيقاوية في اللاهوت اليوم

  • في اللاهوت الأرثوذكسي: العبارة حاضرة في القداس الإلهي، وتُفهم في ضوء “المجيء الثاني كحضور للدهر الآتي”.
  • في الكاثوليكية الحديثة (مجمع الفاتيكان الثاني)[38]: يركّز التعليم المسيحي على الرجاء: “المسيح هو الديّان الذي مات وقام لأجلنا”.
  • في البروتستانتية: تُستخدم العبارة في قانون الإيمان كجزء أساسي من وحدة الكنيسة الجامعة.

  وبذلك، يظلّ البعد الأخروي النيقاوي خيطًا ذهبيًّا يربط المسيحية الجامعة عبر العصور.

رابعًا: الخاتمة

   يمكن القول إن مجمع نيقية (325م) لم يقدّم نظرية جديدة عن الأخرويات، لكنه أنجز ما يلي:

  1. ثبّت العبارة الكتابية عن الدينونة في نص مسكوني جامع.
  2. ربط الأخرويات مباشرة بألوهية الابن.
  3. أطلق مسارًا طويلًا من التلقّي اللاهوتي والليتورجي والفني.
  4. أنتج صيغةً مسكونية حافظت على وحدتها رغم الانقسامات العقائدية.

   وهكذا، تظلّ عبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” من إرث نيقية الأهم، إذ صارت البوابة التي من خلالها دخلت الكنيسة كلها إلى الرجاء الأخروي المشترك، حتى يومنا هذا.

توضّح هذه الدراسة أنّ مجمع نيقية لم يقدّم منظومة تفصيلية عن الأخرويات، لكنه نجح في تثبيت عبارة مسكونية جامعة: “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. هذه الصياغة لم تقتصر على مواجهة الأريوسية، بل جسّدت وحدة الكنيسة الجامعة، إذ وجدت صداها في الليتورجيا الشرقية والغربية، وفي التعليم اللاهوتي والرعوي، وفي الوجدان الشعبي للمؤمنين. لقد عبرتْ هذه العبارة النيقوية حدود الزمان والمكان والطوائف، لتصبح جسرًا حيًّا يجمع الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت في إيمان واحد بالرجاء الأخروي. وهكذا يظل البعد الأخروي النيقوي شهادة على البُعد المسكوني الذي أراد نيقية أن يرسّخه في قلب الكنيسة.

 

أهم المراجع:

  • Athanasius. Orationes contra Arianos. In Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 4. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. Oxford: Parker, 1892.
  • Ayres, Lewis. Nicaea and Its Legacy: An Approach to Fourth-Century Trinitarian Theology. Oxford: Oxford University Press, 2004.
  • Basil of Caesarea. On the Holy Spirit. Translated by David Anderson. Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 1980.
  • Basil the Great. Anaphora (Eucharistic Prayer). In Liturgies Eastern and Western.
  • Bede the Venerable. Expositio Symboli Apostolorum. In Patrologia Latina, vol. 91. Paris: Garnier, 1862.
  • Calvin, John. Institutes of the Christian Religion. Edited by John T. McNeill. Translated by Ford Lewis Battles. Philadelphia: Westminster Press, 1960.
  • Cyril of Jerusalem. Catechetical Lectures. In Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 7. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. New York: Christian Literature Publishing, 1894.
  • Eusebius of Caesarea. Letter to the People of Caesarea. In Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 1.
  • Eusebius of Caesarea. The Life of Constantine. Translated by Averil Cameron and Stuart G. Hall. Oxford: Clarendon Press, 1999.
  • Gregory the Great. Homiliae in Evangelia. In Patrologia Latina, vol. 76. Paris: Garnier, 1849.
  • Gregory of Nazianzus. Orations. In Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 7. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. New York: Christian Literature Publishing, 1894.
  • Gregory of Nyssa. On the Soul and Resurrection. In Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 5. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. New York: Christian Literature Publishing, 1893.
  • Kelly, J. N. D. Early Christian Creeds. 3rd ed. London: Longman, 1972.
  • Kinzig, Wolfram. A History of Early Christian Creeds. Berlin: De Gruyter, 2024.
  • Leo the Great. Sermons. In Patrologia Latina, vol. 54. Paris: Garnier, 1846.
  • Luther, Martin. Small Catechism. In Luther’s Works, vol. 36. Philadelphia: Fortress Press, 1959.
  • Markus, R. A. Gregory the Great and His World. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
  • McGrath, Alister E. Reformation Thought: An Introduction. 4th ed. Oxford: Wiley-Blackwell, 2012.
  • Meyendorff, John. Byzantine Theology: Historical Trends and Doctrinal Themes. 2nd ed. New York: Fordham University Press, 1983.
  • Pelikan, Jaroslav. The Christian Tradition: The Emergence of the Catholic Tradition (100–600). Chicago: University of Chicago Press, 1971.
  • Pelikan, Jaroslav. The Christian Tradition: The Growth of Medieval Theology (600–1300). Chicago: University of Chicago Press, 1978.
  • Schaff, Philip, ed. The Creeds of Christendom, vol. 1. New York: Harper and Brothers, 1877.
  • Socrates Scholasticus, Sozomen, and Theodoret. Ecclesiastical Histories. In Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series.

 

 

 

[1] Kelly,J.N.D.Early Christian Creeds,3rd.pp215-220.

[2] Philip Schaff, The Creeds of Christendom, vol. 1 (New York: Harper, 1877), 325/381

 

[3] (fourthcentury.com

[4] newadvent.org

[5] earlychurctextes.com

[6] newadvent.org

[7] ccel.org/ccel/schaff/creeds1

[8] roger-pearse.com

[9] fourthcentury.com

[10] newadvent.org

[11] wikisource.org

[12] ccel.org/ccel/schaff/creeds1

[13] newadvent.org

[14] catholic.com/encyclopedia/councils-of-nicaea

[15] fourthcentury.com

[16] Athanasius, Orationes contra Arianos II.22, in Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 4, 367.

 

[17] Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures XV, in Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, vol. 7 , 105–110.

 

[18] Augustine, De Civitate Dei 20–22, in Corpus Christianorum Latina, vol. 48

 

[19] Leo the Great, Sermons 28.2, in Patrologia Latina 54.

 

[20] (المقصود بالأرثوذوكسية هنا الإيمان المستقيم الذي أقرته الكنيسة الجامعة ضد الأريوسية).

[21] Basil the Great, Anaphora (Eucharistic Prayer), in Liturgies Eastern and Western.

 

[22] أي: (وأيضًا سيأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات)

[23] Gregory of Nazianzus, Orations 39, in Nicene and Post-Nicene Fathers, vol. 7.

 

[24] Gregory of Nyssa, On the Soul and Resurrection, in Nicene and Post-Nicene Fathers, vol. 5.

 

[25] Ayres, Lewis. Nicaea and Its Legacy: An Approach to Fourth-Century Trinitarian Theology.

 

[26] Pelikan, Jaroslav. The Christian Tradition: The Emergence of the Catholic Tradition (100–600).

 

[27] John of Damascus, De Fide Orthodoxa IV.27, in Patrologia Graeca 94.

 

[28] وأيضًا سيأتي ليدين الأحياء والأموات

[29] Gregory the Great, Homiliae in Evangelia I.1, in Patrologia Latina 76.

 

[30]ومن هناك-من السماء- سيأتي ليدين الأحياء والأموات

[31] Bede the Venerable, Expositio Symboli Apostolorum, in Patrologia Latina 91.

 

[32] وأيضًا سيأتي ليدين الأحياء والأموات

[33] Thomas Aquinas, Summa Theologica III, q. 59.

 

[34] Martin Luther, Small Catechism, in Luther’s Works, vol. 36

[35] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, II.16, ed. John T. McNeill, trans

[36] Luther, Small Catechism.

 

[37] Calvin, Institutes of the Christian Religion.

 

[38] Vatican Council II. Catechism of the Catholic Church.