مفهوم الطلاق في العهد الجديد
- Sermon By: د. جون دانيال
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
الخلفية التاريخية
موضوع شائك وكثيرًا ما نتجنب الحديث فيه. لن أعرض أي شيء متعلق بتطبيقه أو عدمه، بل سأعرض بعض الخلفيات التاريخية عن موضوع الطلاق في زمن المسيح، ثم سأتناول بالتفصيل أهم نصوص العهد الجديد التي تناولت هذا الموضوع من حيث بنائها الأدبي مع تحليل للكلمات اليونانية ومعانيها الفنية. في هذا المقال أتكلم عن مفهوم الطلاق عند الرومان وعند اليهود في زمن المسيح.
الطلاق في العالم الروماني
كان الطلاق مسموحًا في العالم الروماني وتغيرت قوانينه وعاداته من عصر لعصر؛ ففي زمن المسيح كانوا يقولون: “الرجل الجبان هو فقط الذي لا يستطيع أن يطلق امرأة تصنع المشاكل”. بدأ يظهر أيضًا في منتصف القرن الأول إمكانية أن تطلق المرأة زوجها، وإن غياب سبب لاستمرار الزواج يبيح الطلاق، بل كان يمكن للرجل البحث عن زوج جديد لزوجته المطلَّقة. وهو ما بدأ يتبعه كثير من اليهود المتهلينين.
الطلاق في أرض فلسطين
كانت المرأة اليهودية تخشى الطلاق لأنه سيسبب لها كثيرًا من المعاناة الاقتصادية والاجتماعية، ولكن كان يباح للرجل الطلاق لأي سبب من أول عدم الطاعة إلى حرق الخبز. أما الربي فتبنى مدرسةً أخرى، وعلى الرغم من انتشار هذه المدرسة وسطوتها، لم يحبها يهود فلسطين مسألة الطلاق؛ لأنها تقول إن الزواج مبني على الإخلاص، وبالتالي غياب الإخلاص هو السبب الوحيد للطلاق. لكن وفق مدرسة شمعي كان يجب أن يكون الطلاق رسميًّا حتى تُمنح المرأة حق الزواج مرةً أخرى.
الخلفية التفسيرية
الحقيقة إن في دراسات العهد الجديد -وتحديدًا في الأمور المتعلقة بالبحث في الخلفيات- نحتاج أن نراجع الخلفيات اليهودية لأن مكان نشأة المسيحية والمسيح والتلاميذ كانوا يهودًا في الأصل. والخلفية اليونانية؛ إذ كانت الثقافة السائدة، كما إن الانتشار الأول للمسيحية كان في بيئة يونانية هيلينستية. كذلك الرومانية؛ حيث القوانين والحاكم كان رومانيًّا.
لكن في قضية الطلاق سنجد أن الموضوع متعلق في الأساس بالخلفية اليهودية سواء من حيث البناء أو الألفاظ. فإذا نظرنا لمصطلحات الطلاق اليونانية αποπέμπω -εκπέμπω apopempo – ekpempo لن نجدها إطلاقًا في العهد الجديد ولا في الترجمة السبعينية، وينطبق الشيء نفسه على المصطلح الخاص بطلب المرأة الطلاق apoleipo απολείπω. أما من حيث البناء فسنجد بعرض النصوص أن الخلفية هي يهودية بحتة، لذا فسأركز اليوم على الخلاف اليهودي في تفسير الطلاق.
ظهرت مدرستان في زمن المسيح؛ واحدة للربي شمعي والأخرى للربي هليل. وإن كانت المدارس الفريسية لم تختلف كثيرًا مسألة الزواج الثاني، ولكن الخلاف كان في مقدار الطعام والكسوة والمعاشرة، تفسيرًا لنص خروج 21: 10. لكن الخلاف كان عميقًا في مسألة الطلاق، ومحل الخلاف كان تثنية 24: 1. فمدرسة شمعي كانت ترى أن “عيب شيء” ترادف لـ”لم تجد نعمة في عينيه”، وبالتالي يكون الطلاق فقط بسبب الزنا. أما مدرسة هليل فكانت ترى أن “لم تجد نعمة” يقصد بها الزنا والثانية “عيب شيء” يقصد بها أي عيب يراه الرجل وبالتالي يكون الطلاق لأي سبب يراه الرجل. وبفهم هذا الخلاف سنستطيع بشكل كبير أن نفهم نصوص العهد الجديد في مسألة الطلاق.
في العهد الجديد 6 نصوص تتحدث عن الطلاق (متى 1: 19؛ 5: 31-32؛ 19: 1-12، مرقس 10: 1-12، لوقا 16: 18، 1كورنثوس 7: 10-15). سأعرض تحليل بناء تلك النصوص والألفاظ المستَخدَمة ومعانيها.
مصطلحات الطلاق في اليونانية
في الجزئين الماضيين تكلمنا عن الخلفية التاريخية والتفسيرية، أما هنا سنتكلم عن الخلفية اللغوية. في اللغة اليونانية لا توجد كلمة خاصة للطلاق ولكن استُعمِلت ألفاظ عدة لموضوع الطلاق، ولكل هذه الكلمات دلالاتٌ مختلفة غير الطلاق ولكن في سياق معين نفهم أنها تتكلم عن الطلاق.
في الفكر اليوناني الكلاسيكي كانوا يستعملون ألفاظ كـ εκπέμπω -αποπέμπω apopempo – ekpempo وهذه الأفعال تعني حرفيًّا يُخرج خارجًا أو يُطرَد ولكن في سياقات معينة فهمنا أنه يقصد الطلاق، فهذان المصطلحان يركزان على موضوع الطلاق في الفكر اليوناني وهو طرد أو إخراج الزوجة من بيت الزوجية لتعود لبيت ولي أمرها κύριος kyrios الأول.
في الترجمة السبعينية استُعمِل لفظان الأول هو εξαποστέλλω exapostello (تثنية 24: 1، 3) وهو يتشابه جدًّا مع المصطلح اليوناني الكلاسيكي.
أما المصطلح الثاني فهو βιβλίον αποστασίου vivlion apostasiou (تثنية 24: 1، 3، إشعياء 50: 1، إرميا 3: 8) كترجمة للتعبير العبري “سِفِر كريتوت” وهو ما يترجمه فاندايك “كتاب طلاق”. والكلمة αποστάσιον apostasion تعني “مخالصة” وتستخدم في كل عقود البيع، فالتعبير كله يعني “ورقة مخالصة” لكن أصبح في الدوائر اليهودية مفهوم يختص بوثيقة الطلاق فقط. وقد أخذ كتاب الأناجيل التعبير كما هو (متى 5: 31، 19: 7، مرقس 10: 4).
أما في العهد الجديد فنجد ثلاثة أفعال أخرى مختلفة:
الفعل απολύω وهو حرفيًّا بمعنى يُطْلق أو يحرَّر وقد ورد في العهد الجديد بهذه المعاني لكنه ورد أيضًا في (متى 1: 19، 5: 31، 32، 19: 3، 7، 8، 9، مرقس 10: 2، 4، 11، 12، لوقا 16: 18).
رأى يوسيفوس أن هذا الفعل هو الأنسب للقارئ اليوناني في القرن الأول ليفهم معنى “كتاب طلاق” فبدلًا من عكس الترجمة السبعينية التي تستخدم βιβλίον αποστασίου vivlion apostasiou، يستخدم يوسيفوس γραμμάτιον ἀπολυομένη ghrammation apolyomeni (اليهود القدماء 15: 259). وهذا ما يدلل على أن الفعل كان يُستَخدَم تقنيًّا للطلاق وليس التسريح.
أما الفعل الثاني المستخدم للطلاق فهو الفعل χωρίζω chorizo بمعنى يفرِّق أو يفصل وله معانٍ كثيرة خارج موضوع الطلاق لكنه أشار للطلاق في تفريق ما جمعه الله (متى 19: 6، مرقس 10: 9). كما استخدمه بولس للدلالة على المفارقة بين الزوجين (1كورنثوس 7: 10، 11، 15).
الفعل الثالث هو الفعل αφηιμι aphiemi ويعني الترك، الغفران وقد ورد أيضًا عند بولس كمعنى تقني للطلاق الرسمي ويترجمه فاندايك “يترك” (1كورنثوس 7: 11، 12، 13).
الأناجيل المتفقة
“فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا” (متى 1: 19). يتحدث هذا النص عن خطبة مريم ليوسف وهو لم يرغب في فضحها بل أراد أن يطلقها سرًّا. نفهم من هذا النص أن الخطبة في المجتمع اليهودي كانت مثل كتب الكتاب في مجتمعنا الآن ويحتاج إلى شيء رسمي لإنهائه. كان في العادة إذا اكتشف الرجل يهودي زنا الخطيبة يذهب إلى محكمة المجمع ويطلب إنهاء الخطوبة. لكن نفهم من فكرة تركها سرًّا أنه لم يرد الذهاب إلى محكمة المجمع وفضحها.
وفي إنجيل متى 5: 31-32؛ 19: 1-12 المحور الأساسي في فهم النص هو فهم قضية العهد في الزواج. يضع متى على لسان الفريسيين في سؤالهم “لكل سبب” إشارةً لرغبتهم أن يعرفوا هل ينتمي لمدرسة شمعي أم هليل. يحاول البعض حديثًا ترجمة απολύω apolyw بمعنى تسريح وليس تطليق. كأن وصية المسيح هنا تتكلم عن أن الطلاق يجب أن يكون رسميًّا، لكن واضح أن هذا غير صحيح من دراسة الكلمة في الأدب الهيلينستي ومن كتابات يوسيفوس الذي يستخدم اللفظ نفسه للطلاق الرسمي.
أما عن علة الزنا λόγος πορνείας loghos porneias فهي تعني ممارسة أي فعل جنسي وليس فقط الجماع intercourse (تخيل لو طبقنا مفهوم المسيح عن الزنا في الآيات السابقة متى 5: 27-30). لكن الفعل يزني μοιχεύω moichevo يعني أن يخون شريكه. فنفهمها كالتالي: “لا طلاق إلا لسبب الممارسات الجنسية خارج الزواج، ومن يطلِّق امرأته لسبب غير ذلك يجعلها عرضة للخيانة ومن يتزوج بمطلقة -لم تُطلَّق بسبب الزنا-كأنه يزني لأنها مازالت على ذمة الزوج الأول”.
مرقس 10: 1-12 (لوقا 16: 18)
يركز مرقس على قساوة القلب كما يركز هو ولوقا على أن العهد لا يُكسر وقدسية فكرة العهد في الزواج ما يجعل أي زواج مبني على زواج سابق باطل؛ لأن العهد الأول لم يُكسر.


