مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

السياق اللاهوتي للتوريث والتبني

Watch Now

Download

السياق اللاهوتي للتوريث والتبني

تمهيد

تبدأ الأسئلة الكبرى حول الميراث والتبنّي من نظرة الله إلى الإنسان: ما قيمته؟ وكيف تترجم الكنيسة هذه القيمة في واقعٍ يتقاطع فيه النص مع الحاجة، والإيمان مع القانون؟ فالإنسان -كما يقول كارل بارث- يحمل في ذاته “الصورة التي يسقط معها كل تفاضل”.[1] ومن هذه الصورة تتأسس كرامة مشتركة لا تختزلها العادات ولا التقاليد. والعدالة في الكتاب ليست قانونًا جامدًا، بل حركة قلب جريحة، كما يصفها أبراهام هيشل بقوله: “العدل عند الأنبياء ليس نظامًا، بل احتجاج على جرح أصاب الإنسان”.[2]

    ويأتي العهد الجديد ليضع الكلمة التي تُعيد صياغة الوجود: البنوة. فحين يعلن بولس أنّ المؤمنين نالوا “روح التبنّي”؛ لا يستخدم استعارة لغوية؛ بل يقدّم هوية جديدة، تقوم على المساواة أمام أب واحد لا يعرف الامتيازات الموروثة.

تنطلق هذه الدراسة من هذا القلب اللاهوتي:

أن الميراث علاقة قبل أن يكون مالًا،

وأن التبنّي خلاص قبل أن يكون إجراءً،

وأن العدالة، في جوهرها، هي وجه الله حين يقترب من الإنسان.

 

أولاً- الصورة الإلهية للمساواة: البنوة والكرامة والعدالة

    يبدأ التأمل المسيحيّ في قضايا الميراث والتبنّي من جوهر السؤال:

ما الإنسان، وما قيمته في نظر الله؟

ليس هذا السؤال تنظيرًا فلسفيًّا، بل مدخل يكشف بنيان الرؤية المسيحية كلّها؛ فالإنسان مخلوق “على صورة الله” (تكوين ١: ٢٧). وصورة الله ليست مِنَحًا طبقية، ولا امتيازًا ذكوريًّا، ولا رتبة تُعطى لبعضٍ دون آخر، بل هي إعلان لكرامة مشتركة لا تقبل تفاضلًا أو انتقاصًا.[3]

ومن قلب هذه الصورة تنشأ رؤية مسيحية واضحة: الاختلاف بين الذكر والأنثى اختلاف تنوّع، لا اختلاف تفاضل. اختلاف يستدعي المشاركة لا السيطرة، التكميل لا الإلغاء، والشركة لا الامتياز. ويضع لاهوت الخلق نفسه حدًّا لأيّ هرمية جندرية تتأسّس على العرف لا على الوحي.

ثم يأتي صوت الأنبياء ليضيف طبقة أعمق إلى معنى الكرامة؛ فالعدالة عندهم ليست قانونًا جامدًا، بل “فعلٌ يُنقذ”، وفعلٌ يرفض أن تتحول الشريعة إلى أداة تبرّر ظلمًا أو تُخفي تحيّزًا. إنّها عدالة تقف مع الضعيف، لأنّ قلب الله نفسه يقف معه.[4]

وحين نصل إلى العهد الجديد، نكتشف أنّ كل هذا البناء يقود إلى كلمة واحدة تتجاوز حدود القانون: البنوّة. يقول بولس الرسول: ” إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي” (رومية 8: 15). هنا لا تبدو البنوّة استعارة، بل نقلة وجودية، ولا يعود الإنسان عبدًا، بل ابنًا، ولا يعود غريبًا، بل وارثًا. وفي هذه النقلة، يسقط كل تمييز كان يقوم على الجنس أو النسب أو الامتياز الاجتماعي.

ولهذا يقول بولس: “لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28). إنها ليست عبارة إصلاحية، بل لاهوت هوية؛ فمَن صار ابنًا لله لا يمكن أن يُقاس بميزانٍ يرفِّع هذا ويُنقص ذاك.

ومن البنوّة تتولّد الوراثة: “فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا” (رومية 8: 17). وهذا يعني أن الميراث ليس توزيعًا اجتماعيًّا، بل امتدادٌ للهوية الروحية. ومتى صار الميراث ابنًا للبنوّة، صار التمييز بين الذكر والأنثى غريبًا عن روح الإنجيل.[5] وهكذا يُصبح الأصل اللاهوتي للمناقشة واضحًا. كرامة الخلق، وعدالة الأنبياء، وبنوّة العهد الجديد. ومن هذا الأصل يبدأ كل حديثٍ عن الميراث والتبنّي، بوصفهما ترجمةً قانونيةً لقيمةٍ لاهوتيةٍ عميقةٍ، لا كتشريع اجتماعي معزول.

 

ثانيًا- الميراث بين النصّ والتاريخ: من أعراف القبيلة إلى رؤية الإنجيل

حين يقرأ بعضهم تشريعات الميراث في العهد القديم قراءة حرفية، قد يتخيّلون أنّ التمييز بين الذكر والأنثى جزءٌ من الإرادة الإلهية الثابتة. لكنّ هذه النظرة تختزل النص في ظاهرِه وتنسى حكمة تاريخِه. فالمجتمع العبري القديم كان مجتمعًا زراعيًّا–عشائريًّا، تتعلّق فيه الهويةُ بالأرض، وتُقاس فيه استمرارية العائلة بقدرتها على الحفاظ على ملكيتها. وفي هذا السياق، كان الرجل هو ممثّل الأسرة أمام القبيلة، لا لوصاية دينية، بل لبنية اجتماعية متوارثة.[6]

ومع ذلك، لا يمضي الكتاب وقتًا طويلًا، حتى يُفاجئ القارئ بحكاية تهزّ يقين العرف، حكاية بنات صلفحاد– خمس نساء يقفن أمام موسى، لا يطلبن امتيازًا، بل عدلًا. يقلن: لماذا يُمحى اسم أبينا لأنه لم يكن له ابن؟ فيستمع موسى… ويستمع الله…

ويقول الرب: “بَنَاتُ صَلْفَحَادَ مُحِقَّاتٌ” (عدد ٢٧: ٧). هكذا، في لحظة واحدة، تتحوّل الشريعة من نصّ إلى حوار، ومن عادة إلى عدالة.[7]

هذه القصة ليست استثناءً؛ بل نافذة نرى منها أنّ الشريعة ليست كتلةً صلبةً؛ بل مسارٌ يتحرَّك نحو استقامة القلب. وأنّ الوحي ليس صدى للعرف، بل تصحيحٌ له حين يعجز عن حماية الضعيف.

ومَن يتتبع خيط العدالة في الكتاب المقدّس يدرك أنّ الله لا يترك التاريخ لتوازنات القوة، بل يصنع داخل النص نفسه إمكانية لتجاوز البُنى الاجتماعية. ولهذا لم يكن غريبًا أن يجد العهد الجديد الميراثَ الحقيقي ليس فيما تُعطيه القبيلة، بل فيما يمنحه الله.

يقول بولس: “فإن كنّا أولادًا، فإننا ورثة أيضًا” (رومية 8: 17). الميراث هنا لا يُعطى للذكر لأنه ذكر، ولا يُنقص عن الأنثى لأنها أنثى؛ بل يُمنح لكل من صار ابنًا لله. إنه ميراث يُلغى فيه التفاضل لأنّ الأب واحد، والبنوّة واحدة، والكرامة واحدة.[8]

ولم يكن هذا التحوّل الروحي منفصلًا عن ممارسات الكنيسة الأولى؛ فالكنيسة، منذ القرون الأولى، لم تربط الميراث بجنس الشخص، بل تركته للقانون المدني، في حين ركّزت على ما هو أعمق: على المساواة في الكرامة، وعلى مسؤوليّة الجماعة تجاه الضعيف، وعلى خير الإنسان قبل تنظيم الممتلكات.[9]

وحين دخلت المسيحية في إطار القانون الروماني؛ لم تجد الكنيسة حرجًا في قبول أن المرأة ترث كما يرث الرجل. لأن القانون الروماني -على الرغم من عيوبه- كان قد منح النساء حقوقًا واسعة في التملك والتصرف. وهذا القبول التاريخي يكشف شيئًا مهمًّا، وهو أن الميراث لم يكن يومًا قضية عقائدية، بل مسألة اجتماعية قابلة للتغيير بحسب الزمان والمكان.[10]

وفي العصور اللاحقة، حين ظهر الإقطاع الأوروبي بمنطقه العسكري الذكوري، تراجعت حقوق النساء في الميراث، لكن ليس بقرار كنسي، بل بتأثير النظام السياسي الذي ربط الأرض بالحرب، والملكية بالسيف.[11] ومع الزمن، ومع نهضة الفقه المدني الأوروبي؛ عاد النقاش ليتجه نحو المساواة، وعادت الكنيسة -في العالم كله- لتتقبّل هذا الاتجاه باعتباره منسجمًا مع روح الإنجيل.

واليوم، حين تطالب الكنائس بالمساواة في الميراث؛ فهي لا تقلّد تيارًا عالميًّا، ولا تستورد أجندة غريبة، بل تعود إلى قلب النص، إلى الله الذي استمع لبنات صلفحاد، وإلى المسيح الذي أعلن وحدة الأبناء، وإلى إنجيلٍ فتح الباب للجميع، لا للذكور وحدهم.

 

 ثالثًا- التبنّي: حين يتحوّل الخلاص إلى بنوّة، والبنوّة إلى عدالة

إذا كان الحديث عن الميراث يقودنا إلى التساؤل عن الكرامة والمساواة، فإنّ الحديث عن التبنّي يقودنا إلى قلب السرّ المسيحي نفسه؛ فهو ليس إجراءً قانونيًّا، ولا بديلاً اجتماعيًّا عن الإنجاب، بل لغة الخلاص، وطريقة الله في كشف ذاته.

في العهد القديم، لا يظهر التبنّي بوصفه نظامًا مدنيًّا منظّمًا؛ لكنّ روحه تسري في الحكايات الكبرى. فها هو موسى، الطفل الذي عَبَر النهر، يُنتَشل من بين الأمواج إلى حضن أميرة من بيت فرعون. لم يكن ذلك إنقاذًا من موت فحسب، بل خلقًا جديدًا لهوية جديدة. طفل وُلِد مرتين؛ مرة من أمّه، ومرة من رحمة غريبة فتحت له بيتًا لا يشبه أصله.[12]

وقصة أستير ليست بعيدة عن هذا الإيقاع؛ فهي فتاة فقدت والديها، فقَبِلها مردخاي ابنةً له، لا لأن الدم يجمعهما، بل لأن القلب اتّسع. ومن هذا التبنّي خرج خلاص شعبٍ بأكمله. يُذكّرنا هذا بأنّ العائلة، في المنظور الكتابي، ليست فقط ما تصنعه البيولوجيا، بل ما يصنعه الأمان، والرحمة، والانتماء.

غير أنّ العهد الجديد هو الذي يرفع التبنّي إلى قمّته، ويحوّله من رمز اجتماعي إلى إعلان لاهوتي. فبولس لا يستخدم كلمة عابرة؛ بل يستعير مصطلحًا قانونيًّا رومانيًّا دقيقًا: “υἱοθεσία” التي تشير إلى الوضع البنوي القانوني الكامل.[13] هذا المصطلح في القانون الروماني لا يعني الرعاية أو الكفالة؛ بل يعني نقل الشخص نقلًا كاملًا إلى أسرة جديدة- اسمًا، ونسبًا، ومكانة، وميراثًا، وحقوقًا.

وحين يقول بولس إنّ المؤمنين أخذوا “روح التبنّي” (رومية 8: 15)؛ فهو لا يقدّم استعارة شعرية؛ بل يصف التحوّل الجذري الذي يحدث في الإنسان: طفلٌ بلا حماية يصير ابنًا، وتائهٌ بلا هوية يصير وارثًا، وإنسانٌ هشّ يجد أخيرًا اسمًا يليق به. وفي هذا الإعلان تكمن مساواة لا يمكن إنكارها؛ فالبنوة ليست درجات، ولا تُمنَح بحسب الجنس أو العرق أو الاستحقاق. إنّها نعمة تُعطى للجميع، ولهذا يكون ميراثها للجميع.

وهنا يتضح الرابط اللاهوتي بين الميراث والتبنّي: لا تمييز في البنوّة، ولا تمييز في الميراث.[14] لكن التبنّي في المسيحية ليس حقيقة روحية فحسب، بل دعوة أخلاقية. فالله الذي يقدّم ذاته كـ”أب اليتامى” (مزمور 68: 5)، يطلب من شعبه أن يعكس صورته، أن يفتحوا بيوتهم قبل قوانينهم، وقلوبهم قبل سجلاتهم، وأن يكونوا عائلة للهشّ والمهمش، ولمَن فقدوا السند. ولذلك يصف يعقوب “الديانة الطاهرة” بأنها افتقاد اليتامى والأرامل (يعقوب 1: 27). الافتقاد ليس شعورًا بالشفقة، بل التزام عائلي؛ أن تقول للضعيف: لك مكان في حياتي. لك اسم. لك مستقبل.

[1] Karl Barth, Church Dogmatics, III/4,118

[2] Abraham J. Heschel, The Prophets, 287.

 

[3] Karl Barth, Church Dogmatics, III/4116–120,

[4] Abraham J. Heschel, The Prophets, 285–289,

[5] James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, 390–395,

[6] Gerhard von Rad, Old Testament Theology, vol. 1, 271–274,

[7] Tikva Frymer-Kensky, Reading the Women of the Bible, 248–252

[8] James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, 390–395

[9] Basil of Caesarea, Homilies on Social Justice, 45–49

[10] Barry Nicholas, An Introduction to Roman Law, 88–91

[11] Georges Duby, Medieval Marriage, 66–72

[12] Everett Ferguson, Backgrounds of Early Christianity, 63–68

[13] Barry Nicholas, An Introduction to Roman Law, 134–142.

[14] N. T. Wright, Paul and the Faithfulness of God, 804–809