مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

حوار مع الدكتور القس يوسف سمير

Watch Now

Download

حوار مع الدكتور القس يوسف سمير

حوار مع الدكتور القس يوسف سمير الحاصل على جائزة صموئيل حبيب للتنمية 2026م

أجرى الحوار: القس عيد صلاح وجيهان عيد

تهنئ النسور الدكتور القس يوسف سمير لحصوله على جائزة صموئيل حبيب للتنمية، وبهذه المناسبة تجرى حوارًا معه، ويرتكز الحوار على أربعة محاوز محاور أساسية، وهي: الأول، الجائزة… من التنظير إلى التميز العملي. والثاني، التأصيل اللاهوتي لخدمة الإنسان وهو ملف هذا العدد. والثالث، الوعي التنموي المستنير (الكرامة والتمكين). الرابع، استشراف المستقبل ورسالة للجيل الجديد.  

المحور الأول: الجائزة… من التنظير إلى التميز العملي

كيف يعرِّف الدكتور القس يوسف سمير بنفسه؟

  • التعريف الذي أستريح له هو أنني راعي الكنيسة الإنجيليّة بمصر الجديدة، أستريح لهذا التعريف لأن قناعتي هي أن نجاح الكنيسة العامة في رسالتها إنما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنجاح الكنيسة المحلية. كما أن تأثير القسيس في خدمته المحلية وتركيزه فيها هو الانطلاق الحقيقي له في تأثيره في دوائر أوسع وأشمل.

ما شعوركم حين تلقيتم خبر فوزكم بجائزة صموئيل حبيب؟

  • كانت مشاعري مختلطة، فقد تلقيت خبر فوزي بالجائزة بعد يوم واحد فقط من انتقال والدتي للمجد، وكنت أتمنى وجودها بجانبي لتفرح معي بهذه الجائزة الغالية. ومن جهة أخرى شعرت بصدق أن هذه الجائزة لا تخصني وحدي لكنها تخص كنيسة مصر الجديدة كلها وجميع فرق الخدمة فيها التي آمنت بقيمة الخروج خارج أسوارها ودوائر راحتها لتذهب في محبة واتضاع لتطيع إرسالية الرب يسوع. ولا أستطيع أن أنسى شعوري العميق بالامتنان للهيئة القبطية بقيادة الدكتور القس أندريه زكي على ترشيحي الكريم لهذه الجائزة. وأخيرًا فقد كان شعوري الذي امتلك على ذهني وكياني هو الشكر الجزيل لأمانة الرب ودعمه لي طوال سنوات خدمتي السابقة التي ربما لا يعرف الكثيرون تفاصيلها لكن الله كان يرى ويعمل ولا ينسى.

حصولكم على جائزة القس صموئيل حبيب للتميز في العمل الاجتماعي يُعد اعترافًا بنجاح نموذج اللاهوت المُعاش. كيف استطاع القس يوسف سمير أن ينزل باللاهوت التنموي من رفوف المكاتب الأكاديمية إلى واقع الخدمة اليومية؟

  • لا شك أن العمل الرعوي والتواجد مع شعب الرب بمختلف احتياجاته والاشتباك الحتمي مع قضايا المجتمع والانطلاق خروجًا من أسوار الكنيسة ودوائر الراحة كلها عوامل ساهمت في إدراكي أنا والكنيسة المحلية متمثلة في رعاتها ومجلسها وقادتها وخدامها أن قضايا التنمية لا يمكن اختزالها في كتاب هنا أو دراسة هناك ولا يمكن حدها في نظرية لاهوتية جميلة ومنمقة، لكنها قبل أي شيء حياة على الأرض. كان الرب يسوع يؤمن عقليًّا ووجدانيًّا وأخلاقيًّا بقضية التنمية لكننا رأينا هذا الإيمان متمثلًا ومتجسدًا في خدمته الميدانية في قرى وبيوت الجليل إذ كان “يجول يصنع خيرًا”.

الجائزة تحمل اسم الرائد الراحل الدكتور القس صموئيل حبيب، واضع اللبنات الأولى للفكر التنموي الكنسي في مصر. كيف تصفون تطور هذا الفكر بين جيل الرواد والجيل الحالي؟ وما الذي يحتاجه خدام التنمية اليوم للحفاظ على هذا الإرث وتطويره؟

  • في رأيي الشخصي أن هناك تكاملًا جميلاً ومطلوبًا بين ما كان وما نحن عليه الآن. فنحن ندين لجيل الرواد، ولا شك أن الدكتور القس صموئيل حبيب يعد من أبرز وجوهه، بالجميل من جهة إشعال شرارة العمل التنموي ووضع لبناته الأولى والتأصيل اللاهوتي/ الأكاديمي في أروقة الكنيسة الإنجيليّة بمصر. فلولا هذا الجهد الكبير لأضحت كل محاولات التنمية عبارة عن أنشطة متجذرة ومتشرذمة لا فلسفة من ورائها ولا هدف كبير يدعمها. ومن جهة أخرى نشكر الرب كثيرًا لأجل رعاة وخدام وكنائس آمنوا بقيمة التنمية وبجدواها وبنوا على الفكر عملًا وجهدًا وخططًا مدروسة تطمح لأن تصبح التنمية خدمة أصيلة من خدمات الكنيسة تحقق به رسالة السيد في أن تكون نورًا للعالم وملحًا للأرض.

التميز في العمل الاجتماعي يتطلب مرونة وابتكارًا. في رأيكم ما المعايير اللاهوتية والإنسانية التي جعلت من خدمتكم نموذجًا يستحق التميز والتكريم وسط تحديات مجتمعية واقتصادية معقدة؟

  • يمكنني تلخيص الإجابة عل هذا السؤال في عدة نقاط سريعة وتلغرافية:
  1. الإيمان بقيمة الإنسان عند الله. وهذا الإيمان يتطلب التعامل مع الناس بمحبة وقبول واحترام مع اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم الاجتماعية وعقائدهم الدينية وحالتهم الاقتصادية أو العلمية. في إصحاحين متتاليين في إنجيل يوحنا تعامل الرب يسوع مع نيقوديموس الذي كان على رأس الهرم المجتمعي في ذلك العصر (يوحنا ٣)، ومع المرأة السامرية التي مثلت قاع المجتمع في زمن يسوع (يوحنا ٤). وفي الموقفين تعامل الرب يسوع مع الاثنين بكل اللطف والاهتمام والاحترام والمحبة.
  2. الاقتناع الثابت بأن التنمية جزء لا يتجزأ من دور الكنيسة ورسالتها. إن قناعتي الشخصية أن التنمية ليست، كما دأب البعض على تسميتها، إنجيلًا اجتماعيًّا، بل جزء من إنجيل المسيح الشامل. فالخلاص الإلهي في الكتاب المقدس يأتي في بعض السياقات ليشير إلى الخلاص والإنقاذ من الظلم والفقر والمرض وغيرها من أزمات الحياة الكبرى.
  3. الإدراك الواعي بأن عمل التنمية ليس تفضلًا من كبير على صغير، أو من غني على فقير، أو من ممتلئ على محتاج، لكنه صورة جميلة من صور الأخوة والشركة المسيحية. ولذلك فإن العمل التنموي يتطلب التواضع الذي يقترب من المتألم لا ليتصدق أو يمن عليه بالعطايا لكن ليشاركه في ألمه ويعبر عن تعاطفه معه إحساسه به.

كثيرًا ما تُمنح الجوائز تقديرًا لمحطة مضت، لكنها في العمل التنموي تمثل تكليفًا لمستقبل قادم. كيف يرى القس يوسف سمير الخطوة التالية لخدمته بعد هذا التكريم؟

  • لا أستطيع أن أدعي أنه سيحدث اختلاف كبير بين ما قبل الحصول على الجائزة وما بعدها؛ لأن العمل التنموي في الكنيسة المحلية في مصر الجديدة له رؤية ثابتة وخطة مستمرة نمضي فيها قدمًا بنعمة المسيح. إن ما فعلته هذه الجائزة هي أنها بمثابة تشجيع إلهي على صحة وتأثير ما فعلته وتفعله خدمة التنمية في خدمة الكنيسة المحلية.

المحور الثاني: التأصيل اللاهوتي لخدمة الإنسان (ملف العدد)

نبدأ من فلسفة العدد؛ كيف يؤصل الفكر اللاهوتي المستنير لمفهوم ‘الإنسان’؟ وكيف تختلف الرؤية التنموية القائمة على دافع روحي عن تلك القائمة على مجرد العمل الإنساني أو الخيري التقليدي؟

  • كما ذكرت في الإجابة عن سؤال سابق، يُعد العمل التنموي جزءًا أصيلًا من إنجيل المسيح الشامل. فالعهد الجديد يقدم لنا الرب يسوع المسيح أولًا وقبل كل شيء مخلصًا وفاديًا للإنسان من خطاياه وآثامه ليمنحه البر الإلهي بواسطة عمله الكفاري على الصليب. لكن العهد الجديد لا يكتفي بهذه الحقيقة فقط، فهو يقدم لنا خدمة المسيح الفدائي وهي تؤثر في كل جوانب الحياة الإنسانية. فعلى مر سنوات خدمة المسيح العلنية والتي تجاوزت ثلاث سنوات تعامل المسيح مع الأمراض الجسدية؛ شفى كثيرين ممن أصابتهم أمراض عديدة: “فذاعَ خَبَرُهُ في جميعِ سوريَّةَ. فأحضَروا إليهِ جميعَ السُّقَماءِ المُصابينَ بأمراضٍ وأوجاعٍ مُختَلِفَةٍ، والمَجانينَ والمَصروعينَ والمَفلوجينَ، فشَفاهُمْ” (متى ٤: ٢٤)، والاحتياجات الإنسانية الضرورية فأجرى معجزتين كبيرتين أشبع في الأولى خمسة آلاف وفي الثانية أربعة آلاف شخص (متى ١٤: ١٣-٢١؛ ١٥: ٣٢-٣٩). وفي كل هذه المواقف والمعجزات وغيرها لم يفرق السيد بين شخص وآخر، ولم يوجّه محبته لفرقة دون الأخرى لأنه كان مهتمًّا بالإنسان بصفته إنسانًا بغض النظر عن لونه وشكله ومعتقده. أولم يكن هو الذي علَّم في الموعظة على الجبل قائلًا: “سمِعتُمْ أنَّهُ قيلَ: تُحِبُّ قريبَكَ وتُبغِضُ عَدوَّكَ. وأمّا أنا فأقولُ لكُمْ: أحِبّوا أعداءَكُمْ. بارِكوا لاعِنيكُمْ. أحسِنوا إلَى مُبغِضيكُمْ، وصَلّوا لأجلِ الّذينَ يُسيئونَ إلَيكُمْ ويَطرُدونَكُمْ، لكَيْ تكونوا أبناءَ أبيكُمُ الّذي في السماواتِ، فإنَّهُ يُشرِقُ شَمسَهُ علَى الأشرارِ والصّالِحينَ، ويُمطِرُ علَى الأبرارِ والظّالِمينَ”.

ويجب الالتفات إلى أن العمل التنموي الذي نعتبره جزءًا من إنجيل المسيح الشامل يختلف تمامََا في دافعيته عن العمل التنموي/ الاجتماعي. فالعمل القائم على لاهوت الفداء والخلاص يقتضي في أدائه بالمحبة الإلهية المضحية التي تحب دون تفرقة ودون انتظار للمكافأة أو الإشادة. فهي تنظر فقط لخير الآخر دون النظر لنفسها وتخدم باتضاع وهي تضع نفسها عند أقدام من تخدمهم لتغسلها كما فعل يسوع، وهي في ذلك تختلف عن أي عمل تنموي آخر يقوم بدوره من موقع الأعلى الذي يتفضل بعطاياه على الآخرين الأقل منه.