مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الانحياز اللّاهوتيّ للمُستضعفين

Watch Now

Download

الانحياز اللّاهوتيّ للمُستضعفين

الانحياز اللّاهوتيّ للمُستضعفين

فعلُ عبادةٍ خالصٌ وأمانةٌ مُطلقةٌ للإنجيلِ

يمرُّ اللَّاهوت العربيّ المسيحيّ بمنعطفٍ فائق الدِّقة والحساسيَّة؛ حيث تتلاقى فيه أبعاد الخلاص الإلهيّ مع تطلعات الانعتاق الاجتماعيّ، وتدخل النِّعمة والعدالة في حوار جدليّ يربط بين السَّماء والأرض. ورغم أنَّ نبتة هذا السِّجال تضرب بجذورها عميقًا في نصوص العهدين القديم والجديد، إلَّا أنَّ تجسّده المعاصر اتّخذ مسارًا متفرّدًا، لارتباطه الوثيق بالهزات السياسيَّة والتَّحولات المجتمعيَّة التي شهدتها المنطقة العربيَّة، ولا سيما في فضاء القضيَّة الفلسطينيَّة وسياقها الضَّاغط. يحاول هذا المقال تقديم إجابة لسؤال لاهوتيّ عميق: هل يمكن أن يوجد لاهوت تحرير عربيّ متجذِّر في واقع الظُّلم والاستبداد، دون أن يفقد جوهر النِّعمة والسِّيادة الإلهيَّة كما فهمها اللَّاهوت الكالڨينيّ؟ وينطلق منه إلى تطبيق مُلِحٍّ يطرح نفسه أيضًا سؤالًا على الكنيسة العربيَّة في سياقها الرَّاهن: كيف يمكن للكنيسة العربيَّة أن تحافظ على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه تنحاز للضّعفاء؟[1]

سياقات التَّحرير: من أمريكا اللَّاتينيَّة إلى الجغرافيا العربيَّة

نشأ لاهوت التَّحرير في الأصل في أمريكا اللَّاتينيَّة مع جوستافو جوتييريز وليوناردو بوف، بوصفه ردًّا روحيًّا ولاهوتيًّا على البؤس الاجتماعيّ والاستغلال الطَّبقيّ والاستعمار الجديد. رأى جوتييريز أنّ الله ينحاز إلى الفقراء، وأنّ الخلاص في الكتاب المقدَّس لا يقتصر على الرُّوح، بل يشمل الإنسان في جسده ومجتمعه وتاريخه.[2] غير أنّ هذا الخط اللَّاهوتيّ حين انتقل إلى العالم العربيّ، تكيّف مع بيئة تختلف في عمقها السِّياسيّ والدِّينيّ. فالتَّحرر هنا لا يرتبط فقط بالفقر الاقتصاديّ، بل بالاحتلال وفقدان الأرض وتهميش الهُويَّة وتقييد الحُرِّيات داخل منظومات تشريعيَّة واجتماعيَّة مُركّبة.

في قلب هذا السَّياق، ظهر عدد من اللَّاهوتيين العرب الذين سعوا إلى صياغة رؤية مسيحيَّة للتَّحرير متجذّرة في أرض فلسطين والعالم العربيّ. لعلّ أبرزهم نعيم عتيق في كتابه “لاهوت التَّحرير الفلسطينيّ” A Palestinian Theology of Liberation، الذي قدَّم فيه قراءة فلسطينيَّة للكتاب المقدَّس ترى المسيح مُحرِّرًا للإنسان والتَّاريخ معًا، ومؤكدًا أنّ العدل ليس خيارًا سياسيًا بل فعلًا لاهوتيًّا أصيلًا.[3] وكذلك مِتري الرَّاهب، الذي أعاد قراءة نصوص الكتاب المقدَّس بعين فلسطينيَّة، مؤكدًا أنّ التَّجسُّد الإلهيّ يقدّس الجغرافيا ويُحوّل الأرض إلى مكان للشِّهادة.[4] ومعهما برزت أصوات عربيَّة أخرى، في لبنان ومصر والأردن، حاولت أن توازن بين الالتزام الوطنيّ والعمل الكنسيّ، بين الرُّوح والواقع.

موازين الكالفينيَّة: حذر لاهوتيّ ومرجعيَّة أصيلة

لكنّ اللَّاهوت الكالڨينيّ ينظر إلى هذه المحاولات بحذر نقديّ. فالكالڨينيَّة، في عمقها، ترى أنّ الله هو السَّيّد المُطلق على التَّاريخ، وأنّ كل ما يجري في العالم لا يخرج عن دائرة العناية الإلهيَّة. السِّيادة الإلهيَّة ليست دعوة إلى السَّلبيَّة، بل تأكيد أنَّ التَّحرير الحقيقيّ يبدأ من الدَّاخل، من تحرير الإنسان من عبوديَّة الخطيَّة قبل عبوديَّة الأنظمة. يرى كالڨن أنَّ العدالة الاجتماعيَّة، مهما بلغت قوتها، تظل ثمرة لنعمة الله في القلب، لا ثمرة لصراع بشريّ. فالإنسان لا يستطيع أن يُقيم ملكوت الله على الأرض إلَّا بقدر ما يخضع هو نفسه لملكوت الله في ذاته.[5]

ما يُميّز الرُّؤية الكالڨينيَّة في هذا المجال، هو هذا التَّوازن بين النِّعمة والعمل. فالنِّعمة تسبق العمل وتُؤسِّسه، والعمل يأتي استجابة لها لا بديلًا عنها. لهذا رفض اللَّاهوت الكالڨينيّ كلَّ محاولة لتحويل الخلاص إلى مشروع سياسيّ أو اجتماعيّ مستقل عن الفداء في المسيح. فالكنيسة مدعوة إلى أن تكون خميرة في العجين، لا حزبًا سياسيًا في البرلمان. ومع ذلك، لا ينفي هذا اللَّاهوت ضرورة مواجهة الظّلم، بل يدعو إلى أن يكون الدِّفاع عن المظلومين فعل عبادةٍ، لأنّ العدالة تَجَلٍّ لإرادة الله في التَّاريخ.[6]

أصبح هذا التَّوازن أكثر تعقيدًا في السِّياق العربيّ، بسبب البنية القانونيَّة والاجتماعيَّة التي يواجهها المسيحيون. فالميراث، والأحوال الشَّخصيَّة، وحقوق المرأة، والمواطنة، كلها ميادين اختبار لمدى تفاعل الكنيسة مع قضايا العدالة الاجتماعيَّة. ففي الأردن، وافقت المجالس الكنسيَّة في عام 2023 على مشروع قانون يمنح المساواة بين الرَّجل والمرأة في الميراث ضمن الإطار المسيحيّ، خطوة عُدّت تحوّلًا في التّفكير الكنسيّ العربيّ تجاه مفهوم العدل كمطلب إيمانيّ وليس سياسيًا فحسب.[7] وفي مصر، رفعت نساء قبطيَّات قضايا للمطالبة بتطبيق قوانين الميراث المسيحيَّة بدلًا من القوانين المستندة إلى الشَّريعة الإسلاميَّة، فبرزت إشكاليَّة التَّوازن بين المُواطنة والمعتقد.[8] أمَّا في فلسطين، فإن لاهوت التَّحرير يتَّخذ بُعدًا وطنيًا؛ إذ يربط التَّحرُّر السِّياسيّ بحقّ العودة وبالكرامة الإنسانيَّة، مؤكدًا أنّ الإيمان لا يمكن فصله عن الأرض والعدالة.[9]

تبدو هذه المواقف الكنسيَّة وكأنَّها تسير في اتجاه رؤية إصلاحيَّة متدرِّجة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات فكريَّة ولاهوتيَّة. فبعض التَّيارات في لاهوت التَّحرير العربيّ تميل إلى استخدام أدوات تحليل اجتماعيّ واقتصاديّ ذات جذور ماركسيَّة أو قوميَّة، مما يُضعف مرجعيّتها الكتابيَّة في نظر اللَّاهوت الكالڨينيّ. بينما يدعو الفكر المُصْلَح الكالڨينيّ إلى أن تُشتق العدالة من طبيعة الله وصفاته، لا من نظريات الصِّراع الطَّبقيّ أو من إملاءات السُّوق. فالكتاب المقدَّس هو المصدر الأوَّل لكلِّ فهمٍ للعدل، والنِّعمة هي البنية التي تمنح الفعل الأخلاقي شرعيَّته ومعناه.[10]

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنَّ الدَّعوة المُصْلَحة التي حملها كالڨن في القرن السَّادس عشر كانت في جوهرها “تحريريَّة.” فقد حرّر الضَّمير من سلطة الإكليروس، وربط الإيمان بحريَّة الإنسان أمام الله، وعدَّ العمل الاجتماعيّ امتدادًا للعبادة. لهذا فإنّنا نرى أنَّ اللَّاهوت الكالڨيني قادرٌ على تجديد ذاته في السِّياق العربيّ، بحيث يتبنّى لغة العدالة من دون أن يفقد لاهوت النَّعمة. فالتَّحرير من الظّلم يمكن أن يكون ثمرة التَّبرير، والعدل الاجتماعيّ يمكن أن يُفهم بوصفه استجابة للجسد الواحد الذي يُعيد المسيح تشكيله في الكنيسة والعالم.

من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير ما يمكن تسميته “لاهوت التَّحرير المُصْلَح العربيّ.” يُعيد هذا اللَّاهوت ترتيب العلاقة بين العقيدة والعمل، فيضع الخلاص في المركز، لكنّه يُدرك أنَّ النِّعمة التي لا تُترجم عدالةً في المجتمع تبقى عقيمة. يمكن لهذا اللَّاهوت أن ينطلق من ثلاثة محاور:

أولها، أنَّ الكتاب المقدَّس هو المرجعيَّة العُليا التي تُعيد تعريف مفهوم التَّحرير بمعناه الرُّوحيّ والإنسانيّ.

ثانيها، أنَّ الكنيسة ليست كيانًا روحيًّا منعزلًا، بل مسؤولة عن التَّعليم والمناصرة والعمل التَّشريعيّ ضمن حدود الشِّهادة الإنجيليَّة.

ثالثها، أنَّ العدالة الاجتماعيَّة ليست صراعًا ضدّ الله، بل تَجَلٍّ لحضوره في العالم، لأنَّ الرَّبَّ نفسه هو “مُجْرِي الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ.” (سفر المزامير 103: 6).

في ضوء ذلك، يمكن النَّظر إلى التَّجارب الفلسطينيَّة واللّبنانيَّة والأردنيَّة والمصريَّة كميادين عمليَّة للاهوت التَّحرير المُصْلَح. في فلسطين، يمثل نضال الكنيسة من أجل الكرامة الوطنيَّة نموذجًا لاهوتيًّا يجمع بين الشِّهادة والرَّجاء. وفي لبنان، حيث تتقاطع الطائفيَّة مع السِّياسة، يمكن للاهوت المُصْلَح أن يُعيد تعريف الحريَّة على أساس الشِّركة لا الامتياز. وفي مصر والأردن، تشكّل قضايا الميراث والمساواة والتَّمثيل البرلمانيّ اختبارًا حقيقيًّا لمدى قدرة الكنيسة على تطبيق العدالة الإنجيليَّة في المجال القانونيّ. هذه الأمثلة لا تُعبّر فقط عن صراع اجتماعيّ، بل عن اختبار لمدى تجسد الإيمان في الفعل التَّاريخيّ.

عُقدة المِنشَار: هل يتعارض الولاء للإنجيل مع الانحياز للضّعفاء؟

يبقى السُّؤال المُلحّ والبالغ الحَرج: كيف يمكن للكنيسة العربيَّة أن تحافظ على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه تنحاز للضّعفاء؟ تُمثّل هذه التساؤليَّة “عُقدة المِنشَار” والتَّحدي الأكبر الذي يواجه أي فكرٍ إنجيليٍّ مُصلَح؛ فالخوف التَّقليديّ والمشروع من أنَّ الانحياز الاجتماعيّ والسِّياسيّ للضّعفاء قد ينزلق بالكنيسة نحو لاهوت ليبراليّ يفرغ الإنجيل من محتواه الخلاصيّ والرّوحيّ. بيد أنَّ طرح الإجابة من داخل البيت اللَّاهوتيّ المُصلَح يبرهن بصورة قاطعة على أنَّ الولاء للإنجيل والانحياز للمهمشين ليسا قطبين متنافرين يحتاجان إلى مواءمة أو تسوية أيديولوجيَّة، بل هما التزامان متكاملان ينبعان بشكل عضويّ من صُلب العقيدة المُصلَحة نفسها عبر أربعة محاور تفصيليَّة، هي:

أولًا: النِّعمة العامَّة وفك الاشتباك بين الخلاص والإصلاح

تنبع المخاوف التَّقليديَّة لدى اللَّاهوتيين الإنجيليّين من فكرة الانحياز الاجتماعيّ من هواجس مشروعة تتعلّق بـ “تسييس الخلاص” أو اختزال عمل المسيح الفدائيّ في أُطرٍ ماديَّة زمنيَّة، وهو الانزلاق الذي وقعت فيه بعض تيارات لاهوت التَّحرير الكلاسيكيّ في أمريكا اللَّاتينيَّة. بيد أنَّ الفكر المصلح يمتلك ترياقًا لاهوتيًّا يحسم هذه المعضلة دون الانكفاء على الذَّات أو التّخلي عن المظلومين، ويتمثّل هذا التّرياق في عقيدة “النِّعمة العامَّة” (Common Grace) كما صاغها أبراهام كايپر. تمثل النِّعمة العامَّة عمل الله السِّياديّ المستمر في كبح جماح الفساد الكُلي (Total Depravity) في العالم بعد السّقوط، ورعاية العدالة، ومنح البشر الفضائل المدنيّة والقوانين الصّالحة التي تحمي الخليقة من التّحلل والانهيار.[11] من خلال هذا المنظور اللَّاهوتيّ، لا تحتاج الكنيسة العربيَّة إلى دمج “الخلاص الرُّوحيّ الأخرويّ” بـ “التَّحرير السّياسيّ الماديّ” لتبرير نضالها من أجل المستضعفين، بل تميز بينهما بوضوح، واضعة الخلاص (النِّعمة الخاصَّة) كعمل فريد للمسيح في تجديد القلوب، وهو مركز رسالتها، بينما ترى في الدِّفاع عن المظلوم وتعديل القوانين الجائرة تفعيلًا أمينًا للنِّعمة العامَّة.

يمنح هذا التّمييز الدَّقيق الكنيسة في العالم العربيّ مرونة حركيَّة واسعة للعمل في الفضاء العامّ؛ إذ يرفع عنها الحرج اللّاهوتيّ في التّعاون مع الأطراف غير المسيحيَّة، أو مؤسسات المجتمع المدنيّ، أو الأنظمة التشريعيَّة القائمة، لانتزاع حقوق الفئات المهمَّشة مثل النّسوة المطالبات بالمساواة في الميراث في مصر والأردن، أو حماية العمالة المستضعفة. فالكنيسة هنا لا تدعي أنها “تبني ملكوت الله بأدوات بشريَّة”، بل تعلن أنَّ الله، في نعمته العامّة، يستخدم حتَّى البنى المدنيَّة والقوانين الوضعيَّة لإجراء عدله.[12] هكذا تحافظ الكنيسة على ولائها المُطلق لمركزيَّة الصّليب والخلاص، وفي الوقت ذاته، تنخرط بجرأة في معارك العدالة الاجتماعيَّة كوكيل إلهيّ مكلّف برعاية الأرض وحراسة الحقّ؛ فالكنيسة لا تمارس السياسة لتخليص النفوس، بل تمارس العدالة لأنّ إلهها المخلص هو نفسه رب العدالة والإنصاف.

يقودنا هذا الانخراط الواعي في الفضاء العامّ بوعاء النِّعمة العامَّة، بالضّرورة إلى إعادة ترسيم الحدود بين الكنيسة وبقيَّة مؤسسات المجتمع، لكيلا تذوب الكنيسة في اللّعبة السياسيَّة ولا تنعزل عنها، وهو ما ينظّمه الفكر المُصلَح بدقة عبر هندسة مجتمعيَّة فريدة تُعرف بنطاق السّيادة.

ثانيًا: نطاق السيادة كحصن ضدّ الاستبداد والتّهميش

إذا كانت الكنيسة مُطالبة بالانحياز للضّعفاء دون أن تفقد هويتها الإنجيليَّة، فإن نظرية “نطاق السّيادة” (Sphere Sovereignty) التي طوّرها اللَّاهوت المُصلَح تقدِّم الإطار الهيكليّ الأنسب لتحقيق هذا التَّوازن. تتلخص هذه الرّؤية في أنَّ الله هو صاحب السّيادة المطلقة والوحيدة على كلِّ التّاريخ والكون، وأنَّه قد فوَّض سلطات محدودة ومستقلة لنطاقات مجتمعيَّة مختلفة: فالدّولة لها نطاق السَّيف والعدالة المدنيَّة، والكنيسة لها نطاق الكلمة والأسرار، والعائلة لها نطاق التَّربية والرّعاية، وهكذا؛ بحيث لا يحقّ لأي نطاق أن يتغوَّل على الآخر أو يبتلعه.[13] وفي البيئة العربيَّة التي تتَّسم غالبًا بالمركزيَّة الشَّديدة وتغوّل السلطات السياسيَّة أو الأبويَّة أو حتَّى الدّينيَّة، على الفضاءات الخاصَّة بالأفراد، يصبح هذا المفهوم قوة تحريريَّة هائلة وأداة نقديَّة شرعيَّة في يدّ الكنيسة. إنَّ وَلاء الكنيسة للإنجيل يفرض عليها أن تصرخ في وجه أيَّة سلطة تحاول احتكار السّيادة التي لا تليق إلِّا بالله وحده، وهي تفعل ذلك لحماية المساحات الروحيَّة والمدنية للمهمشين.

بناءً على ذلك، فإن انحياز الكنيسة للمرأة في قضايا الأحوال الشّخصيَّة، أو مساندتها للمستضعفين الذين سحقتهم التّروس الاقتصاديَّة أو القوانين الجائرة، لا يعني تحوّل الكنيسة إلى حزبٍ سياسيٍّ يطمع في السّلطة، بل يعني ممارستها لدورها النَّبوي كـ “ضميرٍ لاهوتيٍّ” يذكِّر الدَّولة بحدودها الممنوحة لها من الله. عندما تطالب الكنيسة بتطبيق المساواة القانونيَّة في الميراث أو التَّبني، فهي لا تخترع لاهوتًا غريبًا عن النَّص، بل تعلن أنَّ نطاق الأسرة والأحوال المدنيَّة يجب أن يخضع للعدل الإلهيّ، وأنَّ الدَّولة لا تملك تفويضًا لاهوتيًا لتشريع الظلم.[14] الكنيسة هنا تحمي المهمَّش ليس عبر الانخراط في صراع هويّات، بل عبر إعادة الأوتاد اللَّاهوتيَّة إلى مواضعها الصَّحيحة؛ ترفض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وتقف سدًا منيعًا أمام تمدّد الدّولة أو الأعراف السّائدة على حساب كرامة الفرد وصورته الإلهيَّة.

ومع ذلك، فإن هذا الرّفض للتَّغوّل والاستبداد لا يمكن أن يترجم في السّياق المُصلَح إلى فوضى أو ثورة راديكاليَّة تُطيح بالسِلم المجتمعيّ، بل يجد مساره العملي في قنوات شرعيَّة ومؤسسيَّة، رسم معالمها چون كالڨن نفسه من خلال رؤيته لـ المقاومة التَّشريعيَّة.

ثالثًا: المقاومة التَّشريعيَّة عبر “الوكلاء الشَّرعيين” وأنسنة القوانين

لطالما عاب اللَّاهوت الإنجيليّ المحافظ على لاهوت التَّحرير الكلاسيكيّ ميله الجارف نحو الثّورة العنيفة، وتبنيه لأدوات التّغيير الرّاديكاليَّة التي قد تؤدي إلى إراقة الدّماء وتفكيك المجتمعات تحت عباءة “تحرير المظلومين”. هنا يبرز الفكر المُصلَح الكالفينيّ ليقدم نموذجًا مُغايرًا ومُبهرًا في آنٍ واحد؛ إذ لم يكن چون كالڨن يومًا مُهادنًا للظّلم، لكنه قنن آليات مقاومته في كتابه العُمدة أُسس الدّين المسيحيّ، عبر مفهوم “الوكلاء الأدنى” (Magistrates) يرى كالڨن أنَّ مقاومة الطغيان والظلم الاجتماعيّ ليست فوضى شعبويَّة يقودها الأفراد بمفردهم، بل هي واجب لاهوتيّ يقع على عاتق الوكلاء والقضاة الذين أقامهم الله داخل بنيان الدّولة لكبح جماح الحُكَّام الطّغاة وحماية حقوق الشّعب المستضعف.[15] في السياق العربيَّ المعاصر، يترجم هذا الفكر إلى إستراتيجيَّة رصينة للانحياز للمهمشين عبر “المقاومة التَّشريعيَّة والقانونيَّة المستنيرة”.

لكي تحافظ الكنيسة العربية على أمانتها للإنجيل، لا تقود مظاهرات غوغائيَّة ولا تتبنى خطابات تحريضيَّة، بل تقوم بدور أعمق وأكثر استدامة: إنَّها تبني وتؤهل لاهوتيًّا وفكريًّا وقانونيًّا رعيّتها من المحامين، والقضاة، والنّشطاء، والنّواب، وتدفع بهم كـ “وكلاء شرعيين” إلى ساحات القضاء وقاعات البرلمانات ومراكز صياغة القوانين. إنّ دفاع القبطيَّات في مصر أمام المحاكم لتطبيق الدستور والمطالبة بالمساواة في الميراث، أو التّحركات المجمعيَّة الكنسيَّة في الأردن لتعديل القوانين، هي النماذج الحيَّة الممثلة للمقاومة الكالڨينيَّة الدستورية. تنحاز الكنيسة هنا للضّعيف عبر توفير الغطاء اللَّاهوتيّ والفكريّ والمعنويّ لمعارك قانونيَّة طويلة النَّفس تهدف إلى “أنسنة القوانين” وتنقيتها من شوائب التَّمييز والتَّهميش. لا يفرغ هذا المسار الإنجيل من معناه الرّوحيّ، بل يظهره كقوة دافعة للإصلاح المؤسسيّ المُستدام الذي يحمي الضّعيف لا بوعود عابرة، بل بنصوص دستوريَّة وقانونيَّة مُلزمة للجميع.

لكن هذه المعركة القانونيَّة والتَّشريعيَّة الطّويلة، لا يمكن أن تنجح أو تستمد قوّتها الروحيَّة من مجرَّد السّعي وراء مصالح فئويَّة، بل يجب أن تتأسس على نظرة أنثروبولوجيَّة خارقة للعادة، ترى في كلِّ فردٍ مظلوم بعدًا سماويًّا يتجاوز تصنيفات الاقتصاد والسياسة.

رابعًا: أنثروبولوجيا الصورة الإلهيَّة كبديلٍ لاهوتيٍّ للصِّراع الطَّبقيّ

سقط لاهوت التَّحرير التَّقليديّ في فخ الاختزال عندما اعتمد على التَّحليل الماركسيّ الذي يرى الإنسان من خلال “الطبقة الاقتصاديَّة” فقط (بروليتاريا مقابل برجوازيَّة)، مما جعل الانحياز للفقراء انحيازًا ماديًا مشحونًا بالصِّراع والكراهية الطَّبقيَّة. أمَّا لاهوت التَّحرير بالفهم المُصلَح، فيقدِّم بديلًا أنثروبولوجيًّا (علم الإنسان اللَّاهوتيّ) يتّسم بالعمق والقداسة، يرتكز على عقيدة “الإنسان كحامل لصورة الله” (Imago Dei) يشدد الفكر المُصلَح على أنَّ الإنسان، رغم سقوطه وفساد طبيعته بالكامل، لم يفقد بالكليَّة تلك الصِّبغة الإلهيَّة التي تجعل لكرامته وحياته حُرمة مطلقة أمام الله.[16] بناءً على ذلك، فإن الكنيسة العربيَّة عندما تنحاز للضّعفاء —سواء كانوا نساءً يُعانين من تهميشٍ تشريعيّ، أو لاجئين هاربين من ويلات الحروب، أو أقليات مسحوقة— فهي لا تفعل ذلك بناءً على أيديولوجيا سياسيَّة متغيّرة، بل بناءً على حقيقة عقديَّة ثابتة: إنَّ الظّلم الواقع على هذا الإنسان هو إهانة موجهة مباشرة إلى الخالق الذي وضع صورته فيه.

[1] بذرة هذا المقال نشرت لنا سابقًا في موقع ائتلاف الإنجيل، بعنوان “قراءة كالفينية في لاهوت التَّحرير المعاصر“، وقد كان تركيزها على منصب على الجانب اللاهوتي، أما هنا فالدراسة تتوسع في إجابة السؤال التطبيقي لواقع الكنيسة، مقدمة وصفة مقترحة تمكنها من ممارسة دورها دون تفريط عقديَّ أو نظاميّ.

[2] Gustavo Gutiérrez, A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation (Maryknoll, NY: Orbis Books, 1973).

[3] Naim Stifan Ateek, A Palestinian Theology of Liberation: The Bible, Justice, and the Palestine-Israel Conflict (Maryknoll, NY: Orbis Books, 2017).

[4] Mitri Raheb, Faith in the Face of Empire: The Bible through Palestinian Eyes (Bethlehem: Diyar, 2014).

[5] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, ed. John T. McNeill (Philadelphia: Westminster Press, 1960).

[6] “John Calvin’s Theology of Social Justice,” Christian Reformed Church in North America (CRCNA), accessed October 2025, crcna.org.

[7] “Christian Leaders Unanimously Approve Bill Granting Gender Equality in Inheritance Procedures,” The Jordan Times, June 2023.

[8] Egyptian Initiative for Personal Rights, “Female Share: The Inheritance of Egyptian Christian Women between the Constitutional Text and Court Doctrine,” Cairo, 2022.

[9] Kairos Palestine Document, “A Moment of Truth: A Word of Faith, Hope, and Love from the Heart of Palestinian Suffering,” Bethlehem, 2009.

[10] Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism (Grand Rapids: Eerdmans, 1931).

[11] Ibid, 112-115.

[12] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, Book 2, §§ 14-16.

[13] Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism, 90-94.

[14] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، “حظ الأنثى: إرث المسيحيات المصريات بين النص الدستوري وعقيدة المحاكم” (القاهرة، 2022)، 15-18. يمكن الاطلاع عليه في:  https://eipr.org/publications

[15] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, Book 4, Ch.20, § 31.

[16] Ibid, book 1, Ch. 15, §§ 3-4.