مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي

Watch Now

Download

التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي


اجتماعات إخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج
رؤية رعويّة أوليّة

يسعدني أن أشارك بهذه الورقة ضمن هذا الملف المعني بالتنمية، والتي تأتي تحت عنوان: اجتماعات إخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج رؤية رعوية أولية». وتسعى هذه الورقة إلى تقديم رؤية رعوية وعملية لهذا الملف من خلال ثلاثة محاور رئيسة: الأول، توصيف الواقع الحالي ورصد أبرز التحديات والإشكاليات المرتبطة به؛ والثاني، عرض رؤية مستندة إلى خبرة رعوية امتدت لما يقرب من ثلاثين عامًا في خدمة الفقراء والمحتاجين ومرافقتهم؛ والثالث، اقتراح مجموعة من الحلول والتوجهات العملية التي يمكن أن تسهم في تطوير إدارة هذا الملف وتحقيق أهدافه بصورة أكثر فاعلية واستدامة.
واعتمدت هذه الورقة على المنهج التحليلي القائم على الرصد والوصف والتحليل، مع الاستفادة من الخبرة الميدانية المتراكمة في العمل الرعوي والاجتماعي، بهدف فهم الواقع كما هو، وتشخيص مَوَاطِن القوة والقصور فيه، ثم اقتراح بدائل عملية قابلة للتطبيق. وتنطلق الورقة من قناعة راسخة بأهمية الدور الذي تضطلع به الكنيسة في خدمة الفقراء والمحتاجين، ليس فقط من خلال تقديم المساعدات والإغاثات الآنية، بل أيضًا عبر الإسهام في تمكين الإنسان وتنميته، بما يعزز كرامته وقدرته على المشاركة الفاعلة في المجتمع. ومن ثمّ، فإن التحدي المطروح لا يكمن في القيام بدور الكنيسة الاجتماعي والاقتصادي تجاه الفقراء، بل في كيفية ممارسة هذا الدور بصورة متوازنة وفعالة تحقق أهداف الخدمة والتنمية معًا.
المحور الأول: الوصف الحالي
قامت بعض الكنائس المصريّة في كافة المذاهب والطوائف بعمل اجتماعات سُمَّيت بـ “إخوة الرب”، ولاقت هذا الاجتماعات دعمًا خاصًّا لدرجة أن هذا الدعم يفوق ميزانيات بعض الكنائس المحليّة التي بها هذه الاجتماعات، وقد قَدَّمَت مساعدات مقدرة للفقراء والمحتاجين، لا أحد ينكر ذلك.
لكن طريقة التعامل مع هذا الملف في الكنائس خلقت روحانيّة تشبع الداعم، وتسعد الموزع، دون فائدة تعود على هؤلاء غير الدعم الماديّ، فأصبح لديهم روحانيّة الاستكانة، فجل هذه الاجتماعات تركّز على الدعم الماديّ بكافة أنواعه. وعلى الرغم من هذا الدعم المقدّم إلا أن حال هؤلاء لم يتغير بل يزداد الاحتياج بطبيعة الحال عامًا بعد الآخر.
لدى هذ القطاع من الخدمة سمات مشتركة حول الحالة الاجتماعيّة، والخلفية الدراسيّة والتعليميّة والمهاريّة، والوعي الثقافيّ المحدود، والدخول المعدومة، معظمهم/ن يرفض العمل إن وجد، ويأتي للكنيسة بحثًا عن الأخذ فقط. لديهم قصص صادقة، والبعض منهم يختلق قصصًا للحصول على دعم ما.
تأتي خطورة هذه الاجتماعات في كونها تعمق روح العزلة عن الكنيسة المحليّة، والشعور والاحساس بالرفض أو التعالي عليهم، وفي الوقت نفسه تخلق طبقة طفيليّة كل هدفها هو الدعم الماديّ بكافة أشكاله، وتخلق نوعًا من العنصريّة في الكنيسة الواحدة نجد فئة منعزلة عن فئة، وفئة كل هدفها تأخذ الدعم من فئة أخرى. فهذه الخدمة تكرس العنصريّة والطبقيّة والطفيليّة وأصبح التصدي لهذه الظاهرة يشكل مشكلة كبيرة في الكنيسة المحليّة.
ملف إخوة الرب لم يؤخذ فقط على أساس طبقي في الكنيسة المحليّة وبل للتميز بين الكنائس في قرية أعرفها جيدًا، وفي شارع واحد فيها تم التميز بين الفقراء الأرثوذكس والفقراء الإنجيليين في المساعدة لبناء البيوت الخاصة بهم، حتى كان السؤال من أحد المسلمين أليسوا كلهم مسيحيين!
الكلمات الواردة في هذه المشاركة مثل: طفيليّة، وانعزاليّة، وعنصريّة، وطبقيّة، ليس المسؤول عنها فئة اجتماعات إخوة الرب فقط ولكن أيضًا الكنيسة المحليّة والعامة التي دعمت وشجعت هذا الأمر دون رغبة في التحسين، فالنقد الموجه هنا للكنيسة أولاً ولمترددي اجتماعات إخوة الرب ثانيًا. وفي عرضي في المحور الثاني أسجل بعضًا من خبرتي الشخصية في تعامل الكنيسة مع قضية الفقر والفقراء.
المحور الثاني: خبرتي الرعويّة مع هذه الخدمة
نشأت في قرية الناصرية بني مزار المنيا، تقع بين النيل والجبل، بها فقراء ولكن لم تكن هذه الظاهرة موجودة، فقد ضمت الكنيسة الفقراء والأغنياء، أصحاب الأراضي والأجراء، المتعلمين والأميين، الرجال والنساء، لم يكن في كنيستنا نوع من الطبقيّة أو الطفيليّة أو العنصريّة بأي شكل، نعم، كانت الكنيسة تساعد في بعض الحالات الحرجة من قبيل المشاركة والشركة بين أعضاء الجسد الواحد.
وهكذا كانت الخدمة في قرية إدمو-المنيا وعبر ثماني سنوات ونصف، كن النساء الفقيرات يساعدن الكنيسة من معاش السادات، فكانت المرأة تقدم عشورها للكنيسة، يوم استلام المعاش، قبل الذهاب للمنزل. وبالمثل في الرعويّة الثانية في المنيا في الكنيسة الإنجيليّة الثالثة في المنيا لم يكن بها هذه الطبقيّة. فكان التأكيد على الكرامة الإنسانيّة مدخلاً مهمًّا في التعامل مع الحالات الحرجة الفقيرة التي يمكن للكنيسة أن تؤدي واجبها ناحية من تعرفهم ويمرون في ظروف صعبة من منطلق شركة الجسد الواحد.
بدأت المشكلة والدهشة بل الصدمة -بالنسبة لي- حين أتيت إلى القاهرة في عام 2017م، ورأيت في الرعويّة الثالثة -الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس- التي شرفني الرب برعايتها، أنه بها كنيسة محتفلة في يوم الثلاثاء من كل أسبوع، الذي فيه تكتظ الكنيسة بهذا الاجتماع، وصل الاجتماع حاليًا إلى 500 سيدة، و200 طفل، و70 فتاة من سن ثانوي وإعدادي. وكذلك يكون يوم الثلاثاء به ثلاثة اجتماعات: السيدات، الأطفال، البنات وأجمالي العدد يصل إلى نحو 770 نفسًا.
ولاحظت أن الدعم الذي يصل لهذا الاجتماع يفوق ميزانية الكنيسة السنويّة. عبر ثماني سنوات تابعت هذه الخدمة، وحاولت أن يكون اليوم والميعاد لهذه الخدمة موحدًا في كل الكنائس، لتفادي فكرة اللف على الكنائس، ولكي تخدم كل كنيسة عددًا محدودًا من هؤلاء، وتقدم لهم خدمة متميزة، واهتمامًا رعويًّا متميزًا ومركزًا، وفكرت أن أبدأ بالكنائس الإنجيليّة في دائرة عين شمس، ولكن كانت المفاجأة أنهم رفضوا ذلك!
وبالتالي هذه الخدمة -كما أراها- خلقت مجموعةً مختلفةً ومنعزلةً عن الكنيسة، وجدت الأمان في وجودها معًا بعيدًا عن الكنيسة، ولم تستطع كسر هذه العزلة، فأصبحت فئةً معزولةً طفيليّة، التعامل معها بهذه الصورة يكرس للعنصريّة، لم يأتِ من هؤلاء للكنيسة المحليّة ويندمجوا فيها على الرغم من التنبيه عليهم مرات كثيرة ومشاركة الخدام القائمين على الخدمة بهذه الرغبة. وأصبح الاقتراب من هذه الخدمة يمثل مشكلةً حقيقية. فلا تستطيع الكنيسة أن تغلق هذه الخدمة وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تلبي الاحتياجات التي تزداد يومًا بعد يوم نتيجةً للظروف الاقتصاديّة التي تواجه بلادنا. فلا بد في التفكير في بعض من الحلول للتعامل مع هذه الظاهرة، وهذا هو المحور الثالث الذي أود الحديث فيه.
المحور الثالث: بعض من الحلول
من خبرتي ومتابعتي، أحاول وضع بعضٍ من المبادئ والحلول لإدارة هذا الملف، مثل: فك الارتباط بين المجيء للكنيسة والدعم الماديّ، والانتقال من فكر الإغاثة إلى منطق التنمية، والتحول من العزلة إلى الاندماج، بالإضافة إلى ضرورة غلق كافة الاجتماعات المسمَّاة بإخوة الرب وعمل مكاتب رعاية اجتماعيّة، ثم إنشاء مرصدٍ دراسيّ. وهي بالطبع رؤيةٌ رعويّةٌ أوليّةٌ تنضج مع الآراء والأفكار التي تُقدَّم في هذا المؤتمر، لعلَّ وعسى نخرج بأفكار قابلة للتطبيق.
أولاً: فك الارتباط بين المجيء للكنيسة والدعم الماديّ
ربط الكنيسة بمكان دعمٍ ماديٍّ فقط لا يغير من هؤلاء شيئًا حتى لو حُلَّت لهم بعض المشاكل الجزئيّة. يحكي جون ستوت عن خطورة هذا الأمر في كتابه “الكرازة في العالم المعاصر” عن خبرة المرسلين في الصين حين كانوا يدعون الناس للكنيسة وفي النهاية يعطون لكل من حضر كيسًا من الأرز، وعندما ضربت السفينة في عرض البحر إبان الحرب العالمية الثانية، ذهب المرسلون كعادتهم، وحضر الصينيون أول ليلة، ولكن وهم خارجون لم يأخذوا الأرز، فلم يحضروا الليلة الثانية، فعندما ذهب المرسلون إليهم ليسألوهم عن غيابهم، فقالوا: نحن نعرف المسيحيّة أم أرز!
هكذا هو الحال حين نربط بين المجيء إلى الكنيسة والدعم المادي فقط، ولكن الرجاء هو في التغيير الروحيّ المنشود بمفهومه الشامل، وهو تقديم رسالة الخلاص المغيرة لهم، التي من خلالها يتغير الإنسان روحيًّا وسلوكيًّا. مثل ما عبر الرسول بولس من قبل عن هذا التغيير بالقول: “لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (أفسس 4: 28). التحول هنا من شخص كان يستغل الآخرين إلى عامل يساعد من له احتياج التحول هنا تحولًا جذريًّا.
ثانيًا: تحول الخدمة من فكر الإغاثة إلى منطق التنمية
الفرق بين الإغاثة التنمية كبير؛ فالأولى لحظية وقتية اعتماديّة، أما الثانية فدائمةٌ ومستقلَّةٌ وتحرُّرية. نعم تحتاج بعض الحالات إلى إغاثةٍ في تدخلٍ طارئٍ لأزمات صحيةٍ أو علاجية، فهي مثل سكب جردل ماء على حريق كبير، ربما تقدم حلًّا وقتيًّا، لكن لا يجب أن تكون الإغاثة منهج تفكير وأسلوب حياة لإدارة هذه الخدمة لا بد أن تقوم برحلة تنمية فكريّة وسلوكيّة وروحيّة، ومحاولة تغيير نمط التفكير، فالسلوك مرتبط بالأساس بطريقة التفكير، فإذا تغير التفكير تغير معه السلوك.
عَبْر هذ الرحلة يتغير الفكر وتتحول هذه الكتلة من الاستهلاك إلى الإنتاج بواسطة إعطاء سنارة لا سمكة. في هذه الرحلة يتعلّم الإنسان فكر الكرامة الإنسانية بصفته مخلوقًا على صورة الله، يكون فيها منتجًا، يقول الله في سفر التكوين: “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تكوين 1: 27).
أمام ملف الفقراء داخل الكنيسة نسير في اتجاهين: الإغاثة والتنمية، ولا بد من الانتقال من فكر الإغاثة إلى منطق وعقل التنمية المستدامة، حينها سيتغير الحال. يتحول فيها الإنسان من مستهلكٍ لمنتج، من الإحساس بالقلة إلى الإحساس بالقيمة، من البطالة إلى العمل والانتاج… وغيرها.
ثالثًا: التحول من العزلة إلى الاندماج
هذه الاجتماعات تُقَولِب ناسها ومرتاديها وتضعهم في مستوى معيَّن لا يمكن أن يتخطَّوه، يميلون إلى العزلة، وإيجاد مساحةٍ من الأمان في وجودهم معًا. التحدي أمام هذه الخدمة والقائمين عليها هو كيف يقودونهم من العزلة إلى الاندماج في الكنيسة المحليّة.
في المقابل، يجب أن تغير الكنيسة طريقة تفكيرها في قبول هؤلاء معهم في الكنيسة في شركة الجسد الواحد. بالطبع الأمر ليس سهلاً، لأن الذي تراكم على مدار سنين لا يمكن أن يُحل في خلال أيام أو شهور.
نحتاج إلى العمل في اتجاهين: كسر الصور النمطية عنه هذه الفئة، وخلق الاستعداد لديهم أن يكونوا جزءًا مهمًّا وحيويًّا في الكنيسة المحليّة مشاركين فيها، ويُكسر معها فكر الاستكانة والاستهانة بهذه الكتلة البشرية التي يمكن أن تستثمر في خدمة الملكوت. والاتجاه الثاني أن تفسح الكنيسة المحليّة المكان لخلق الاندماج معًا في شركة وشراكة حقيقيَّتين. قد يحتاج الأمر لسنوات لكن لا بد من تنظيم برامج حول معنى الكنيسة، وكيفية التعامل مع الآخر المختلف، وأهمية وقيمة العمل، والكرامة الإنسانية… وغيرها.
وفي صورة أكثر عمليةً يمكن للكنيسة كل سنة أن تتبنى عددًا محددًّا من هذه الاجتماعات وتدمج مرتاديها في الكنيسة، عبر برنامج تدريبي وتأهيلي نفسيًّا واجتماعيّا وروحيًّا، السيدات في الاجتماعات العامة واجتماعات المرأة في الكنيسة، والأطفال في مدارس الأحد في الكنيسة، وكذلك البنات في اجتماعات إعدادي وثانوي بالكنيسة. كل سنة عدد محدود في خلال عشر سنوات قادمة تختفي هذه الظاهرة تمامًا.
رابعًا: إلغاء كافة الاجتماعات المسمَّاة بإخوة الرب وعمل مكاتب رعاية اجتماعيّة
لتحقيق البنود السابقة يجب إلغاء كافة اجتماعات إخوة الرب في الكنائس المحليّة، ربما يكون هذا صعبًا لدى البعض (الخدام والمخدومين) ولكن يجب التمهيد له، والبحث عن بدائل تقيِّم الوضع حقيقيًّا.
والبديل هو أنه في الوقت الذي يتم فيه ذلك تؤسس كل كنيسة مكاتب متخصصة للرعاية الاجتماعيّة تدرس الحالات، وتقيِّم الاحتياجات، وتحيل بعض الحالات إلى العلاج على نفقة الدولة، وتخلق فرصًا للتوظيف والعمل وفق الإمكانيات، وتطلق تدريبات على الحرف والمهارات، وتوفير قروض لبعض المشروعات الصغيرة… وغيرها.
خامسًا: مرصد دراسي
يتوافق مع ما سبق إنشاء مرصد دراسي للتعامل في حلحلة هذه الظاهرة في تحولاتها بنجاحاتها واخفاقاتها، والدروس الإبداعية في التعامل معها، ورسم رؤية لمستقبلها وكيفية استثمار هذه الكتلة في زيادة الوعي بذاتها. مع التأكيد على دور الكنيسة المحليّة في الاستيعاب والقدرة على الدمج. ورصد حالات النجاح في تحويل هذه الكتلة المهمشة من العزلة إلى الاندماج، ومن الإغاثة إلى التنمية. وعمل لقاءات للقائمين على هذه الخدمة لتوعيتها والاستفادة من خبرات الآخرين. كما يُعِدُّ هذا المرصد دراساتٍ ميدانيةً لمعرفة تفكير المخدومين واحتياجاتهم وأحلامهم ومشكلاتهم، والعمل على دراستها وتحليلها وإيجاد حلول لها.