مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الإيكوثيولوجيا

Watch Now

Download

الإيكوثيولوجيا

اللاهوت البيئي (الإيكوثيولوجيا) في ليتورجيا الكنيسة:
نحو وعي روحي ومسؤولية تجاه الخليقة 

تدرس الإيكوثيولوجيا العلاقة بين الإيمان والبيئة. كما يمكن وصفها بأنَّها حركةٌ اجتماعيةٌ وروحيةٌ في الوقت نفسه، إذ تستكشف تأثير المعتقدات الدينية في التفاعل البشري مع الطبيعة.[1] أثارت هذه الحركة انتقاداتٍ من المسيحيين للهيئات الدينية؛ بسبب إهمالها التدهور البيئي وتقصيرها في مواجهة الأزمات الإيكولوجية الراهنة. وردًّا على ذلك، عاد اللاهوتيون والفلاسفة إلى النصوص المقدسة؛ للبحث عن إشاراتٍ إيكولوجية. ووجدوا العديد من المقاطع التي تؤكد سيادة الله على الكون، وتدعو البشرية إلى الوكالة على الأرض وحماية الطبيعة. ويثير ذلك تساؤلًا عن سبب إغفال مثل هذه الرؤى الإيكولوجية في النصوص الدينية قرونًا عديدة. فهل كان الأمر حالةً من الغفلة التاريخية، أم أن هذه الآراء كانت تُعَدُّ متقدمةً جدًّا على زمانها؟ ولا أنكر وجود اهتمامٍ إيكولوجيٍّ في الماضي، لكنه لم يكن حاضرًا بقوة. ويفرض كلٌّ من العهدين القديم والجديد مسؤوليةَ البشرية تجاه الأرض. ومن الموضوعات الرئيسة في العهد القديم قصةُ الخليقة في سفر التكوين، وفي العهد الجديد تتحدث رسائل بولس عن استعادة جميع المخلوقات.

ولا يذكر الكتاب المقدس البيئة أو علومها صراحةً؛ لأنه ليس كتابًا علميًّا. وبدلًا من ذلك، يركز على الإنسان في إطار البيئة التي يعيش فيها. وعلى الرغم من عدم وجود تعليمٍ إيكولوجيٍّ مباشر أو صريح في الكتاب المقدس، فإن المرء يجد إشاراتٍ إلى اهتمام الإنسان بالبيئة. وعلى الرغم من أن كُتَّاب الأسفار المقدسة ربما لم يكونوا على درايةٍ بالمبادئ العلمية، فإن الكتاب المقدس يتناول كيفية تفاعل الإنسان مع البيئة والأرض، ويتجلى ذلك من خلال أحداثٍ ومقاطعَ مختلفة.

لقد عرفوا أهميةَ ترك الأرض بورًا في سنة السبت. وتفرقت قطعان إبراهيم ولوط، ثم لاحقًا قطعان يعقوب وعيسو؛ لأن «وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الْأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا» (تكوين 13: 2–13؛ 36: 6–8). وكان العبرانيون حريصين على ألَّا تدوس الماشيةُ المناطقَ النهرية أو تلوِّثها (تكوين 29: 1–8؛ حزقيال 34: 17–19). وكان سكان المناظر الطبيعية يعيشون منغمسين في بيئتهم المحلية الأصلية. أما نحن المعاصرين، وبشهاداتنا الجامعية، فقد نسارع إلى الاعتقاد بأن العبرانيين لم يكونوا يعرفون الإيكولوجيا.[2]

لذلك، تنتهي الأسفار المقدسة إلى رصد التفاعلات البشرية مع الطبيعة. فهي ليست وحيًا بوجود الله بطريقةٍ مباشرة فحسب، بل هي أيضًا وحيٌ بالله في الطبيعة والخليقة والحياة البشرية. ونتيجةً لذلك، وجَّه اللاهوتيون في الآونة الأخيرة اهتمامهم نحو خلاص البشرية في سياقٍ بيئي. وأعتقد أن هذا التأخر في المناقشات اللاهوتية أو الدينية حول البعد الإيكولوجي يرجع إلى التأثير المحدود للتعاليم المسيحية المبكرة في كيفية الانخراط مع العالم الطبيعي في خلال تلك المرحلة. وفي الوقت الحاضر، تعددت النقاشات والأمثلة، مما أدى إلى تفاعلٍ مثمر بين الدين والإيكولوجيا، ولا سيما في مجال الإيكوثيولوجيا المتخصص.

المفهوم

يَتَكَوَّنُ مصطلح «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) من جزأين: الجزء الأول هو «إيكو» (Eco)، وهو مشتقٌّ من الكلمة اليونانية «أويكوس» (oikos)، التي تعني «المنزل». أمّا الجزء الثاني فهو «لوغوس» (logos)، ويعني «الدراسة». ومن اجتماع الجزأين ينشأ مصطلح «الإيكولوجيا» (Ecology)، الذي يشير إلى الدراسة العلمية للبيئة. واشتقاقيًّا، يمكن فهم الإيكولوجيا ecology  على أنها دراسةُ كيفية سكن الكائنات الحية مواطنَها أو منازلَها.[3] وقد أُطلِقَ اسم «الإيكولوجيا» (Ecology) عامَ 1866 على يد العالِم الألماني إرنست هيكل (Ernst Haeckel) (1834–1919). ثم جرى لاحقًا ربطُه باللاهوت في مصطلحٍ واحد هو «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology)؛ للتعبير عن العلاقة بين العلم والدين. وقد اتخذ هذا المصطلح شكلَه النهائي نحو نهاية القرن العشرين داخل الفكر المسيحي.[4]

وبحسب التحليل اللغوي، فإن «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) هي تأملٌ في «المنزل» الذي يضمُّ كل خليقة الله، ولا سيما العالم الطبيعي، بوصفه نظامًا مترابطًا؛ وذلك وفقًا لعالِم اللاهوت اللوثري هـ. بول سانتماير (H. Paul Santmire). وبوجهٍ عام، تُعَدُّ «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) تركيبًا بين «الإيكولوجيا» (Ecology) و«اللاهوت» (Theology)، بوصفها مرحلةً من مراحل اللاهوت السياقي.[5]

وعلى الجانب الآخر، يقدِّم جاي ماكدانيال (Jay McDaniel)، المتأثر بفلسفة ألفرد نورث وايتهيد (Alfred North Whitehead)، طريقةً لفهم شبكة الحياة بوصفها مقاربةً فلسفيةً يمكن لعلماء البيئة من ثقافاتٍ وأديانٍ مختلفة اتباعها. ويعدُّها حركةً لقياس مدى تمتُّع الناس بالحياة، ومدى قدرة الكائنات من حولهم على التفاعل مع شبكة الحياة. ويرى أن البشر يمكنهم أن ينعموا بالحياة مع الكائنات الأخرى بمعزلٍ عن البعد الاقتصادي. وبناءً على رؤية جاي ماكدانيال (Jay McDaniel)، فإن «الإيكولوجيا» (Ecology) ليست دينًا، بل موقفٌ من الحياة وفلسفةٌ لها، يمكن التعبير عنها بمنظوراتٍ دينيةٍ مختلفة، من قِبَل أشخاصٍ يبحثون عن حلولٍ خلَّاقة لمواجهة الاستهلاكية والحكومة المركزية الضخمة. أمّا «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) فهي قدرة الإنسان على الربط بين القداسة العمودية لله والانسجام الأفقي بين الكائنات الحية والبشر.[6]

1.    الأهمية

تُعَدُّ مسألةُ ما إذا كانت «الإيكولوجيا» (Ecology) ضروريةً ومهمةً سؤالًا جوهريًّا. وبعبارةٍ أخرى: هل من الضروري ربط الدين بالبيئة، ولا سيما بالليتورجيا؟ وأرى أن هذا الربط ضروري، ولا سيما في المجتمع المصري الذي يغلب عليه الطابع الديني، في حين يفتقر إلى الوعي البيئي. لذلك، قد يكون من المفيد تفعيل الدور الإيجابي للدين، أو الاستفادة من سلطته المعنوية، في إعادة توجيه عقول المصلين المصريين وقلوبهم نحو الاهتمام بالبيئة.

إن التهديد الذي يواجه مستقبل الإنسانية يعرّض جميع أشكال الحياة للخطر، ويؤثّر في الغذاء والهواء والماء، وفي التغيّرات المناخية الحادّة والاحتباس الحراري. والسلوك البشري هو المسؤول عن هذه السموم وغيرها.

وكما قيل: “إن الأزمة البيئية هي، في جوهرها، عَرَضٌ لمرضٍ روحيٍّ يجب مُعالجته إذا أردنا نحن وكوكبنا أن نُشفى.”[7]

لذلك، من الضروري أن يكون لـ ecotheology الإيكوثيولوجيا حضور داخل لاهوت الكنيسة المصرية، وأن يُطبَّق في ليتورجيا العبادة بواسطة الوعظ، والتسابيح، والصلوات، وأسرار الكنيسة. فهذه الليتورجيا ينبغي أن تُوقِظ الضمير المسيحي المصري ليُصلِح ويعتني بالبيئة.

لذلك، أطرح أولًا السؤال الآتي: لماذا «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology)؟ لأنها تُعَدُّ أساسًا لاهوتيًّا للتعامل مع الأبعاد الدينية والاجتماعية والسلوكية للإنسان، بحيث تجعل البيئةَ مسؤوليةً أوكلها الله إليه ليعتني بها. كما ينبغي التمييز بين «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) و«عناية الخليقة» (Creation Care)، إذ يكمن الفرق بينهما في النطاق والتركيز.

فـ ecotheology الإيكوثيولوجيا مجال واسع متعدد التخصصات يستكشف العلاقة بين اللاهوت والإيكولوجيا، ويَدمِج التعاليم الكتابية والليتورجيا والرؤى الأخلاقية لمعالجة التحديات البيئية العالمية. أمّا creation care عناية الخليقة فهي مفهوم لاهوتي محدّد يُركّز على دور الإنسان كوكيل على خليقة الله، استنادًا إلى وصايا كتابية كما تُشير نصوص تكوين 1: 28–31 ومزمور 24: 1، فإن ecotheology الإيكوثيولوجيا تُقدّم إطارًا أوسع، بينما تُركّز creation care عناية الخليقة على المسؤوليات العملية والروحية، بحيث يُكمّل كل منهما الآخر في تعزيز الوكالة البيئية ecological stewardship.

ثانيًا: تُعَدُّ الليتورجيا عنصرًا أساسيًّا؛ لأنها تربط بين اللاهوت والعبادة، وتُسهِم في تعزيز الوعي البيئي والاستجابة البيئية لدى المؤمنين. ونظرًا إلى الدور الجوهري للخليقة في اللاهوت المسيحي، ينبغي أن تتفاعل الليتورجيا مع القضايا البيئية. وعلى الكنيسة المصرية أن تدرس الليتورجيا؛ لتسليط الضوء على أهمية الخليقة في العبادة، وتعزيز دور الإنسان بوصفه وكيلًا على الخليقة.

ويُشجِّع هذا التوجُّه على النظر إلى الخليقة بوصفها عطيةً إلهيةً ينبغي استخدامها بمسؤولية؛ لتحقيق خير الإنسان والبيئة معًا، من خلال دمج الوعي البيئي في الممارسة الليتورجية.[8]

2.    الايكوثيولوجي والليتورجيا في الكنيسة المشيخية المصرية

في مجتمع الكنيسة المصرية، ولا سيما داخل الكنيسة المشيخية (Presbyterian Church)، تبرز إشكاليةٌ معقدة تتكوَّن من أربعة عناصر مترابطة: الليتورجيا، والوعي البيئي، واللاهوت، والتطبيق العملي. ويؤدي غيابُ أيٍّ من هذه المكوِّنات إلى اختلالٍ في هذه المنظومة.

إن وجود كلِّ عنصرٍ من العناصر الأربعة منفردًا غيرُ كافٍ. فبلا شك، عندما تكون الليتورجيا موجودةً بمعزلٍ عن الاعتبارات البيئية، فإن الكنيسة تفشل في معالجة هذه القضية على النحو الكافي. وكذلك، إذا وُجِد الوعي البيئي دون تمثيلٍ واضحٍ له في الليتورجيا، بقي اللاهوت غيرَ فعَّال، ومجردَ حبرٍ على ورق. ولتحقيق مقاربةٍ متكاملة، ينبغي أن تجد الليتورجيا والإيكولوجيا تطبيقًا عمليًّا في الحياة اليومية، بما يسهم في تنمية الوعي ودفع التغيير الحقيقي. وهكذا، فإن الجسر الذي يربط اللاهوت بالواقع العملي هو الليتورجيا. ومن ثم، تستطيع العبادة أن تؤثر في الأنشطة الأخرى في مختلف جوانب حياتنا، مثل السلوك في المنزل والعمل، وفي المزارع والحقول، وغيرها.

ومن وجهة نظري، تبرز في الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر قضيتان رئيسيتان. تتعلق الأولى بليتورجيا الكنيسة: هل تمتلك الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر ليتورجيا؟ وإن وُجدت، فهل تتضمن ليتورجيا الصلاة توجُّهًا بيئيًّا؟ أما الثانية، فتتمثل في التساؤل عمّا إذا كان بيان الإيمان (Confession of Faith) أو دستور الكنيسة (Constitution) يعالجان القضايا البيئية بأيِّ صورة.

في دستور الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، لا نجد مادةً واحدةً، ولا حتى بندًا، يتحدث عن علاقة الإنسان بالطبيعة المحيطة به ومسؤوليته المباشرة تجاهها. فهل يُعبِّر بيان الإيمان عن معتقد الكنيسة؟ وهل يمكن أن نتوقع أن يُشير إلى إيمان الكنيسة بمسؤولية الإنسان وشراكته مع الله في العناية بالخليقة، سواء في المادة الخامسة الخاصة بالخلق (Creation)، أم في المادة السادسة الخاصة بالعناية الإلهية (Providence)؟

وبعبارةٍ أخرى، نتيجة غياب الاهتمام بالبيئة، لا توجد في الدستور فقرةٌ واحدةٌ تتحدث صراحةً عن البيئة. ومع ذلك، نجد أساسًا لاهوتيًّا في المواد التي تتناول الخلق والعناية الإلهية، يمكن الاستناد إليه بوصفه أساسًا إيكوثيولوجيًّا داخل الليتورجيا.

تُقِرُّ هذه المواد بمسؤولية الله وتؤكدها، لكنها لا تُركِّز على مسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة. ويحتوي الدستور على عبارتين غير مباشرتين قد تكونان متصلتين، لكنهما لا تحظيان عادةً باهتمامٍ في مناقشات الدستور أو في سياق العبادة، وهما: «قابلًا للشركة معه…» و«فهو مسؤولٌ أدبيًّا». ومن غير الملائم إخراج هاتين العبارتين من سياقهما للقول إنهما تعبِّران عن اهتمامٍ بيئيٍّ صريح، غير أنه يمكن تأويلهما بما يدعم المسؤولية اللاهوتية في العناية بالخليقة.

إذا فسَّرنا هاتين المادتين تفسيرًا سلبيًّا، وجدنا أن الله هو القائم بالرعاية، وبذلك يتقلص دور الإنسان، ولا يُسلَّط أيُّ ضوءٍ على مسؤوليته. فتُصبح المسؤولية كلُّها مُلقاةً على الله، ومن ثمَّ يُصبح الله متَّهَمًا بكل فسادٍ يحدث في الطبيعة. وعلى الرغم من أن الدستور يلامس جوانبَ مميزةً من حياة الإيمان في هذا العالم وفي الحياة الأبدية، فإنه لا يتضمن مادةً تتحدث عن تمتُّع الإنسان بامتياز كونه مخلوقًا على صورة الله، وما يترتب على هذا الامتياز من مسؤوليةٍ تتمثل في مشاركته الله في العناية بالخليقة.

الإيكولوجيا في الكنيسة الإنجيلية المشيخية

إذا اعتبرنا اللاهوت المشيخي المصري فرعًا من اللاهوت المشيخي العام، فمن المنطقي أن يكون له أساسٌ لاهوتيٌّ يربط الإنسان بوكالته على الطبيعة، بما يعكس مسؤوليته في العناية بالخليقة. ومع ذلك، وبوجهٍ عام، لم يظهر أيُّ أدبٍ لاهوتيٍّ يعالج قضية البيئة قبل النصف الثاني من القرن العشرين.[9] وحتى مع تزايد الوعي بالقضية البيئية العالمية وبروز التأملات الإيكوثيولوجية، فإن حالة اللامبالاة ما تزال مستمرةً حتى يومنا هذا؛ إذ لا نجد لها حضورًا في اللاهوت المشيخي المصري.

وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من ظهور حركاتٍ اجتماعيةٍ تُطالِب بحماية البيئة، فإن الدور المشيخي يكاد يكون غائبًا تمامًا عن المشهد البيئي. ورغم وجود حملاتٍ فرديةٍ تهدف إلى زيادة الوعي البيئي، فإن التراث اللاهوتي للمشيخيين المصريين لم يُحرِز تقدمًا ملحوظًا في مجال الإيكولوجيا.

وبناءً على ذلك، ومن أجل معالجة البعد الليتورجي للقضية البيئية، يحتاج المشيخيون في مصر إلى لاهوتٍ ليتورجيٍّ يستكشف العلاقة بين الله والإنسان والطبيعة.

التاريخ المصري في خدمة الكنيسة

يُساعِد التاريخُ المصريُّ اللاهوتَ الكنسيَّ على تنمية الإحساس بالطبيعة؛ لأن الجذور المصرية تمنح الإنسانَ المصريَّ رابطًا إيكولوجيًّا بها. ولن يكون هذا الفكرُ غريبًا إذا استعانت به الكنيسةُ في لاهوتها؛ إذ إن التاريخَ والثقافةَ المصريَّين القديمَين قد اعتبرا النيلَ كيانًا مقدَّسًا، ووضع المصريون القدماء أسسًا للحفاظ عليه. وكان لديهم وعيٌ إيكولوجيٌّ؛ إذ كانوا يعتقدون أن من يُلوِّث النيلَ لن يدخل الفردوس. وقد صرَّح هيرودوت: «مصر هبةُ النيل».[10] وهنا تكمن ميزةٌ مهمَّة؛ فالإرث الإيكولوجي للثقافة المصرية القديمة حاضرٌ بالفعل في حضارتنا المصرية. وللأسف، لا تستفيد الكنيسةُ المشيخية من هذا التراث الثقافي الغني.

يمكن عزو تدهور الوضع الإيكولوجي داخل الكنيسة المشيخية إلى عوامل اجتماعية ولاهوتية في مصر؛ إذ إن انتقال المجتمع المصري من الزراعة، بوصفها مصدرًا أساسيًّا للمعيشة، إلى التصنيع قد لعب دورًا مهمًّا. فقد أُهمِلَت الأراضي الزراعية، وتحوَّل كثيرٌ منها إلى مبانٍ خرسانية. كما تراجعت الصلة بالدورات الزراعية الموسمية، وأصبحت خارج دائرة الاهتمام.

ورغم هذا التفسير، فإنه يدفعنا إلى التساؤل: ماذا تقول الكنيسة المشيخية عن البيئة؟ وكيف تُفسِّر قصة الخلق؟ وما تفسيرها لمفهوم سيادة الإنسان على المخلوقات؟

3.    الإيكوثيولوجيا التفسير والقضايا اللاهوتية

أُؤكِّد على قضيتين أساسيتين: تفسير وفهم قصة الخلق، والإسخاتولوجيا (Eschatology). وقد اخترتُهما لسببين على الأقل: أولًا: لصعوبتهما وأهميتهما، بوصفهما أساسًا لاهوتيًّا محوريًّا، ليس في اللاهوت البيئي فحسب، بل أيضًا لفهم الحياة الإيمانية للإنسان بوجهٍ عام. وثانيًا: لأن الإسخاتولوجيا تتسم بالغموض؛ ولذلك ينبغي أن يكون تفسيرها، أو فهمها اللاهوتي، واضحًا.

أولًا: في العهد القديم، تُروى قصة الخلق في ضوء مسؤولية آدم بوصفه وكيلًا لله. وكانت سيادته قائمةً على العناية بالخليقة، لا على الهيمنة عليها أو استغلالها. وينبغي أن يركِّز التفسير ليس فقط على لعنة الأرض، بل أيضًا على الفداء؛ حتى تتضح الصورة الكاملة، وهي أن الأرض الملعونة لها فداءٌ في المسيح يسوع. كما يجب إعادة تفسير العداوة التي نشأت بين آدم والطبيعة بعد السقوط في ضوء التوبة. ويجب التأكيد على أن الخليقة تُعلِن الله، ولذلك لا ينبغي تشويهها؛ لأنها تُعَدُّ إحدى وسائل إعلانه. ومن ثم، تؤدي الخليقة دورًا مهمًّا في تحديد العلاقة بين الله والإنسان، بحيث يستطيع الإنسان أن يدخل في شركةٍ مع الله ويتواصل معه من خلال الخليقة؛ فالخليقة هي الحضور المنظور لله. وفي الفصل الرابع، سأشرح بمزيدٍ من التفصيل لاهوت الخلق وعلاقته بالإيكولوجيا.

ثانيًا: فيما يتعلق بتفسيرات الإسخاتولوجيا (Eschatology)، ثمة حاجةٌ إلى تنقية الأفكار المرتبطة بها، ولا سيما تلك التي تدعو إلى دمار الأرض وخرابها؛ إذ يحمل المسيحيون الإنجيليون المعاصرون رؤًى مختلفةً عن المستقبل، تؤثر في مواقفهم تجاه البيئة. فـالتدبيرية (Dispensationalism) تميل إلى اعتبار تدهور البيئة مؤشرًا على اقتراب المجيء الثاني للمسيح ونهاية الزمان. أما عقيدة ما بعد الألفية (Postmillennial Doctrine) فترى أن العالمين الطبيعي والبشري سيتحسنان تدريجيًّا حتى عودة المسيح، وتضع على عاتق المسيحيين مسؤولية الإسهام في تحقيق هذا التحسن. بينما ترى الألفية (Millennialism) والعقيدة الألفية السابقة التاريخية (Historical Premillennial Doctrine) أن إمكانات التحسن البيئي والاجتماعي تظل محدودةً في العصر الحاضر.[11]

ما دام أصحابُ الفكر التدبيري يتمسكون بإسخاتولوجيا تفهم العالم على أنه قائمٌ تحت حكمٍ إلهيٍّ بالموت والدمار، فلا ينبغي أن نتوقع أيَّ تغييرٍ كبيرٍ في موقفهم تجاه البيئة أو الحركة البيئية. فسيستمرون في تفسير المشكلات البيئية بوصفها من أوائل ثمار التعبير الوشيك عن غضب الله على العالم، وستُعَدُّ الدعوات إلى المشاركة في جهودٍ مستمرةٍ لمعالجة المشكلات البيئية غيرَ مجديةٍ، في أفضل الأحوال، ومعارضةً لمشيئة الله، في أسوئها.[12]

وفي الخطاب البيئي، يظهر نوعان عامَّان من الموضوعات الأخروية الأبوكاليبتية. أحدُ أنواع الخطاب الديني الشائع بين التدبيريين (Dispensationalists) هو الخطاب الأبوكاليبتي، الذي يُقيِّم التدهور الأخلاقي والسياسي والاقتصادي في العالم، ويرى في هذا التدهور مؤشرًا على اقتراب نهاية الزمان. ولذلك، ترى هذه المدرسة التفسيرية أن الكارثة البيئية تُجسِّد ما سبق أن تنبأ به الكتاب المقدس في تفسيرها الإسخاتولوجي، بدءًا من الكارثة الكونية في سفر الرؤيا، وانتهاءً بالنبوءة عن سقوط أورشليم في الأناجيل الإزائية. وتذهب دوائرُ أخرى أكثر تطرفًا إلى الاعتقاد بأن «الاختطاف» (Rapture) و«هرمجدون» (Armageddon) يمثلان عقابًا إلهيًّا وتعبيرًا عن غضب الله، وهما خارج نطاق سيطرة البشر.[13]

4.    الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية المشيخية

يُعرَّف مفهوم الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية، أو بصورةٍ أوسع في العبادة المسيحية، بأنه الاستجابة الجماعية للشعب لكلمة الله. وتتضمن هذه الاستجابة قبولَهم لهذه الكلمة، التي توحِّدهم بوصفهم شعب العهد، أي الكنيسة، في كلٍّ من العهد القديم والعهد الجديد. وبناءً على ذلك، فإن الليتورجيا والكنيسة مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن الفصل بينهما. فالليتورجيا تُعَدُّ التجسيد المنظَّم والمرئي للعبادة، الذي تُعبِّر الكنيسة من خلاله عن رؤيتها للعالم.

الليتورجيا ليست مجرد جهدٍ فردي، بل هي عملُ الجماعة. وهي البعد الروحي للعبادة، متجاوزةً الأشكالَ الخارجية إلى التعمق في الجوهر. ويرى كالفن أن العبادة تبدأ داخل الكنيسة، لكنها تمتد إلى الحياة اليومية، وأن على الجميع المشاركة فيها.[14]

إن مفهوم الليتورجيا واسعٌ؛ إذ يشمل العالم بأسره، ويُتيح رؤيةً إيجابيةً للطبيعة وللكائنات غير البشرية. ويتوافق هذا الفهم مع رؤية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي ترى الليتورجيا نشاطًا جماعيًّا يرتبط بالعالم خارج الكنيسة. ويرى كلٌّ من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الإنجيلية أن الليتورجيا ممارسةٌ عمليةٌ يومية، وليست مجرد طقوس. ويمكن لهذا الفهم المشترك أن يُسهِم في تعزيز الوحدة داخل الجماعة المسيحية، وتشجيع التعاون في القضايا المجتمعية والبيئية، ودعم المصالحة التي تعود بالنفع على الإنسان والبيئة.

[1] Jay McDaniel, “Ecotheology and World Religions,” in Ecospirit, ed. Laurel Kearns and Catherine Keller, Religions and Philosophies for the Earth (New York: Fordham University Press, 2007), 5, https://doi.org/10.2307/j.ctt13x00gt.

[2] Holmes Rolston, “The Bible and Ecology,” Interpretation: A Journal of Bible and Theology 50, no. 1 (January 1996): 16–26, https://doi.org/10.1177/002096439605000103.

[3] H. Paul Santmire, “Ecotheology,” in Encyclopedia of Science and Religion; ed. J. Wentzel van Huyssteen (New York: Macmillan Reference USA, 2003), 237, 247.

[4] Ernst Conradie, “The Four Tasks of Christian Ecotheology: Revisiting the Current Debate,” Scriptura: Journal for Biblical, Theological and Contextual Hermeneutics 119, no. 1 (April 20, 2020): 1–13, https://doi.org/10.7833/119-1-1566.

[5] Ernst M. Conradie, Christianity and Theology Ecological: Resources for Further Research (Stellenbosch: African Sun Media, 2006), 3.

[6] Jay McDaniel, “Ecotheology and World Religions,” in Ecospirit: Religions and Philosophies for the Earth, ed. Laurel Kearns and Catherine Keller, Religions and Philosophies for the Earth (New York: Fordham University Press, 2007), 22, https://doi.org/10.2307/j.ctt13x00gt.

[7] Nelson Bock, “An Eco-Theology: Toward a Spirituality of Creation and Eco-Justice,” CrossCurrents 63, no. 4 (December 2013): 434, https://doi.org/10.1111/cros.12049. 1.

[8] Jonah Yabanad Stephen, “Ecological Liturgy: Meaning, Uses, and Applications,” in Ecological Liturgy and the Church in Africa, ed. Emmanuel Chinedu Anagwo (Port Harcourt: Cornel Printz Resources, 2021), 37.

[9] Christopher Hamlin, “Ecotheology before Ecology and Environmentalism: Reclaiming the Missing Heritage of Natural Theology,” in Theology and Ecology across the Disciplines on Care for our Common Home, ed. Celia Deane-Drummond and Rebecca Artinian-Kaiser (London: T&T Clark, 2018), 25

[10] Mostafa El-Sheekh, “River Nile Pollutants and Their Effect on Life Forms and Water Quality” in The Nile: Origin, Environments, Limnology, and Human Use. Monographiae Biologicae 89. ed., H. J. Dumont (Dordrecht: Springer, 2009), 395.

[11] Janel M. Curry-Roper, “Contemporary Christian Eschatologies and Their Relation to Environmental Stewardship,” The Professional Geographer 42, no. 2 (1990): 157–69, https:// doi:10.1111/j.0033- 0124.1990.00157.x.

[12] Al Truesdale, “Last Things First: The Impact of Eschatology on Ecology,” Perspectives on Science and Christian Faith, 46, no. 2 (June 1994): 116– 22. accessed April 8, 2024, https://www.asa3.org/ASA/PSCF/1994/ PSCF6-94Truesdale.html#9

[13] Pilario F. Daniel, “Ecology and the Apocalypse,” in Fragile World: Ecology and the Church, ed. William T. Cavanaugh (Eugene, OR: Cascade Books, 2018), 271–76.

[14] James J. De Jonge, “Calvin the Liturgist: How ‘Calvinist’ Is Your Church’s Liturgy?” Reformed Worship, accessed January 24, 2024, https://www.reformedworship.org/article/september-1988/calvin-liturgist-howcalvinist-your-churchs-liturgy