مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

موقف المسيح من الفئات المهمشة

Watch Now

Download

موقف المسيح من الفئات المهمشة

لم تكن رسالة يسوع المسيح يومًا تنظيرًا فكريًّا معزولًا عن أنين الأرض، بل كانت انحيازًا إلهيًّا صارخًا لكرامة الإنسان المسحوق؛ انحيازًا تجسد في صُلب بيانه الافتتاحي في بداية خدمته الجهارية عندما قرأ في المجمع من الكتاب المقدس، ورسم آنذاك فيه ملامح ملكوتٍ يبدأ من القاع صعودًا إلى القمة “روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية…” (لوقا 4: 18).

 

مقدمة: التنمية كفعل تجسد

في المشهد الثقافي المعاصر، غلبت على أدبيات التنمية الرؤية المادية القائمة على الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، مستبعدة في كثير من الأحيان الجوهر الإنساني والروحي. لكن التنمية من منظور مسيحيّ تنطلق من أرضية مغايرة تمامًا؛ أرضية تتخذ من شخص يسوع المسيح وخدمته على الأرض نموذجًا راديكاليًّا (جذريًّا) لإعادة بناء الإنسان والمجتمع. لم يكن المسيح مجرد مصلح اجتماعيّ، بل كان لاهوتيًّا ممارسًا، قرأ واقع زمانه بعين الرحمة الإلهية وسعى لتفكيك بنى التهميش والإقصاء.

إن مفهوم “التنمية” في فكر الملكوت يتجاوز مجرد تحسين ظروف المعيشة، ليصل إلى “استرداد الكرامة” وإعادة المُبعَدين إلى قلب الجماعة. إن قراءة موقف المسيح من الفئات المهمشة ليست مجرد استرجاع تاريخيّ، بل هي الأساس المعياري لأي فكر تنمويّ مسيحيّ معاصر يسعى لتحقيق العدالة واسترداد “صورة الله” في الإنسان التي شوهتها الهياكل الطبقية والدينيّة والاجتماعيّة.

أولًا: سوسيولوجيا التهميش في سياق العصر القديم

لفهم حجم الثورة التي أحدثها يسوع، لا بد أولًا من قراءة خريطة التهميش في فلسطين القرن الأول. لقد كان المجتمع محكومًا بنظام صارم من “النقاء الدينيّ” والطبقية الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لم يكن التهميش مجرد حالة فقر ماديّ، بل كان منظومة متكاملة تقصي الأفراد بناءً على تصنيفات لاهوتيّة واجتماعيّة جامدة:

  1. المرض والعلة الجسدية: كان يُنظر إلى البرص والعمى والنزف ليس بوصفها أعراضًا طبية، بل علاماتٍ على اللعنة الإلهية أو الخطيئة الموروثة. كان الأبرص، على سبيل المثال، يُجبر على العيش خارج الأسوار، صائحًا “نجس نجس”، مما يعني موتًا مدنيًّا واجتماعيًّا قبل الموت الجسدي.
  2. النوع الاجتماعي (الجندر): عاشت المرأة في ظل مجتمع ذكوري أبوي، فكانت تُعامل بوصفها مِلكًا لزوجها أو أبيها، ومُستبعَدة من التعليم الدينيّ الرسمي، ولم تكن شهادتها تُقبل في المحاكم. التهميش هنا كان “بنيويًّا” يحرمها من الفاعلية في المجتمع.
  3. الموقع الاقتصاديّ والسياسيّ: العشارون (جامعو الضرائب) والخطاة العلنيون كانوا منبوذين دينيًّا ووطنيًّا. اعتُبروا خونة ومتعاونين مع المستعمر الرومانيّ، وبالتالي سقطوا من حسابات “الخلاص” الدينيّ ومن الحقوق الاجتماعيّة.

في هذا المشهد، لم يكن المُهمَّش مجرد “فقير”، بل كان “غير مرئي”. ومن هنا بدأت تنمية المسيح: بجعل هؤلاء مرئيين ومقبولين ومقدَّرين.

 

ثانيًا: التفكيك الهيكلي للإقصاء

لم يكتفِ المسيح بتقديم الوعظ للمهمشين، بل سلك نهجًا “تفكيكيًّا” للمنظومة التي أنتجت التهميش. التنمية المسيحية الحقيقية لا تكتفي بمداواة الأعراض، بل تضرب جذور المرض الاجتماعيّ.

  1. كسر حاجز “النجاسة” (قصة الأبرص):

في مرقس 1: 40-42، نجد الأبرص يركع أمام المسيح قائلًا: “إن أردت تقدر أن تطهرنيّ”. الفعل الصادم هنا لم يكن الشفاء بحد ذاته، بل أن يسوع “مد يده ولمسه”. بحسب القانون السائد، كان يسوع بمجرد اللمس يصبح “نجسًا” بحسب الطقس. لكن المسيح هنا يعيد صياغة المفهوم: قداسة المسيح هي التي تُعدِي الأبرص بالطهارة، وليس نجاسة الأبرص هي التي تُعدِي المسيح. هذا الفعل هو قمة التنمية الاجتماعيّة؛ إنه كسر للعزلة النفسية والمجتمعية التي فرضها الدين “المؤسَّسيّ” على المريض.

 

  1. ثورة النوع الاجتماعي (السامرية كنموذج):

في حوار المسيح مع السامرية (يوحنا 4)، كسر يسوع ثلاثة حواجز في آن واحد: الحاجز العرقي (يهودي وسامرية)، والحاجز الجندري (رجل وامرأة في العلن)، والحاجز الأخلاقي (امرأة لها ماضٍ مضطرب). المسيح هنا لم يكتفِ بالحديث معها، بل جعل منها “كارزة/خادمة” لمدينتها. التنمية هنا انتقلت من تقديم المعونة (الماء) إلى تمكين الشخص ليكون هو نفسه مصدر تغيير لمجتمعه.

 

  1. إعادة تعريف القيمة (العشارون والخطاة):

دخول المسيح بيت زكا العشار لم يكن مجرد زيارة اجتماعية، بل كان اعترافًا بشرعية وجود هذا الشخص في الجماعة. رأى المسيح في زكا “ابنًا لإبراهيم” في الوقت الذي لم يرَ فيه المجتمع سوى “خائن”. هذا هو “التقدير الإيجابي” الذي يُعد حجر الزاوية في أي عملية تنموية بشرية.

 

ثالثًا: من “الإحسان” إلى “التمكين” (المنظور التنموي للمعجزات)

في العمل التنموي التقليديّ، غالبًا ما يسقط القائمون عليه في فخ “الإحسان” (Charity) الذي يخلق تبعية. أما معجزات المسيح وتعامله مع المهمشين، فقد كانت تنتمي لمدرسة “التمكين” (Empowerment).

  • استرداد المكانة الاجتماعيّة: عندما شفى المسيح “نازفة الدم” (لوقا 8)، لم يتركها تمضي سرًّا. بل أصر على إظهارها ومناداتها “يا ابنة”، بهذه الكلمة أعاد لها نسبها الروحي والاجتماعي. لقد أصبحت الآن قادرة على العودة لبيتها، دخول الهيكل، والتعامل مع جيرانها دون وصمة. الشفاء الجسدي كان البوابة لاستعادة المواطنة الكاملة.
  • تحويل المتلقي إلى فاعل: في معجزة إشباع الجموع، طلب المسيح من التلاميذ: “أعطوهم أنتم ليأكلوا”، فاستخدم الموارد المتاحة (خمس خبزات وسمكتين) من طفل بسيط. هذا هو جوهر التنمية: استخدام الموارد المحلية، مهما بدت ضئيلة، لتحقيق الاكتفاء من خلال البركة والتدبير الإلهي.
  • الشفاء بوصفه استردادًا للعمل: شفاء المفلوج أو مريض بيت حسدا لم يكن لمجرد الراحة، بل لكي “يحمل سريره ويمشي”. السرير الذي كان يحمله صار هو يحمله. التنمية المسيحية تهدف لتحويل الإنسان من “عبء” على المجتمع إلى “عضو فاعل” قادر على الإنتاج والخدمة.

 

رابعًا: كنيسة المسيح ورسالتها التنموية المعاصرة

إن كانت الكنيسة هي “جسد المسيح” المستمر في الزمان، فإن موقفها من المُهمَّشين يجب أن يكون نسخة كربونية من موقف رأسها. التحدي في القرن الحادي والعشرين وما بعده، هو تحديد فئات التهميش الحديثة والتعامل معها بمنظور تنمويّ مسيحيّ.

  1. المُهمَّشون اقتصاديًّا ورقميًّا: في عصر الذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا الفائقة، تبرز فئة جديدة من المُهمَّشين وهم الذين لا يملكون الوصول للمعرفة أو الأدوات التقنية. التنمية المسيحية اليوم يجب أن تشمل سد “الفجوة الرقمية” كجزء من رسالة العدالة.
  2. اللاجئون والمُشرَّدون قسريًّا: المسيح الذي كان لاجئًا في مصر يطالب كنيسته اليوم بأن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ليس فقط بالدعم المادي، بل بالدفاع عن حقوقهم في الكرامة والاندماج.
  3. ذوو الإعاقات المتنوعة: الانتقال من فكرة “الشفقة” إلى فكرة “الإتاحة” (Accessibility). الكنيسة التنموية هي التي تهيئ بيئتها المعماريّة والروحيّة ليكون ذوو الإعاقة شركاء في الخدمة وليسوا مجرد متلقين لها.
  4. المُهمَّشون أخلاقيًّا واجتماعيًّا: أولئك الذين يقذفهم المجتمع المعاصر بـ”أحجاره” المعنوية (مدمنو المخدرات، السجناء السابقون). دور الكنيسة هو خلق “مدن ملجأ” توفر فرصة ثانية للبدء من جديد.

 

خامسًا: نحو لاهوت “العدالة التنموية”

يُعلمنا موقف المسيح أن التنمية لا يمكن أن تنفصل عن العدالة. لم يكن المسيح يوزع الصدقات، بل كان يعلن “سنة الرّب المقبولة” (سنة اليوبيل)، وهي السنة التي تُرَدُّ فيها الأراضي لأصحابها ويُعتق فيها العبيد وتُلغى فيها الديون.

اللاهوت التنمويّ المسيحيّ هو لاهوت “قلب الموازين”: “أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين”. إنه لاهوت يرفض القبول بالأمر الواقع الذي يهمش الإنسان لصالح المادة. ليس العمل التنمويّ في الكنيسة “نشاطًا إضافيًّا” تقوم به لجنة البر، بل هو جوهر وجود الكنيسة، إننا نخدم المسيح نفسه في “أصغر هؤلاء الإخوة”. فإن التنمية المسيحيّة ليست تبرعًا فضفاضًا بل التزام أصيل بالعدالة ومن دونها يظل فكرنا اللاهوتيّ مجرد كلمات رنانة تفقد روح الإنجيل الحي.