مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة

Watch Now

Download

من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة

الكنيسة الكاثوليكية في مصر: من الإحسان إلى

التنمية الإنسانية المستدامة

يتناول هذا البحث التحول الذي شهدته الكنيسة الكاثوليكية في مصر في مجال العمل الاجتماعي، من نموذج الإحسان المباشر إلى نموذج التنمية الإنسانية المستدامة. ويسعى إلى توضيح مفهوم التنمية في السياق الكاثوليكي، وبيان أبعاده الاجتماعية والإنسانية والروحية، مع إبراز تجلياته العملية في الواقع المصري بواسطة مؤسسات مثل كاريتاس مصر وهيئة الإغاثة الكاثوليكيةCRS . وتنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أن العمل الخيري، على ضرورته في مواجهة الأزمات، لا يبلغ أثره الكامل إلا حين يتحول إلى مسار يقوم على التعليم والتمكين والحماية والاندماج الاجتماعي.

وتخلص الدراسة إلى أن الكنيسة الكاثوليكية في مصر تقدم نموذجًا تنمويًّا يتجاوز منطق الإعانة الآنية إلى منطق بناء الإنسان وتمكينه. ولا تتجلى قيمة هذا النموذج في حجم الخدمات المقدَّمة فحسب، بل في الرؤية التي تؤطره، والتي تنظر إلى الإنسان بوصفه صاحب كرامة وقدرة وحق. وتستمد هذه الرؤية عمقها من التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، ولا سيما من الرسائل البابوية التي أكدت أن التنمية لا تُقاس بالنمو الاقتصادي وحده، بل بقدرتها على تنمية «كل إنسان والإنسان كله»، وعلى تحويل المحبة إلى التزام بالعدالة والخير العام والتضامن.

المقدمة

لم يكن العمل الخيري يومًا عنصرًا هامشيًّا في رسالة الكنيسة، بل ارتبط بها منذ نشأتها بوصفه تعبيرًا عن خدمة الفقير والمريض والغريب والمُهمَّش. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة أعادت طرح سؤال يتجاوز حدود الإغاثة المباشرة: هل تقتصر مسؤولية الكنيسة على الاستجابة للحاجة الآنية، أم تمتد إلى تمكين الإنسان من استعادة قدرته على العيش الكريم؟ في هذا السياق، تقدم خبرة الكنيسة الكاثوليكية في مصر، ولا سيما عبر مؤسسات مثل كاريتاس مصر وهيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS، نموذجًا دالًّا على الانتقال من منطق الإحسان المباشر إلى منطق التنمية الإنسانية المستدامة.

وتقوم هذه الدراسة على فرضية مفادها أن خصوصية العمل التنموي الكاثوليكي في مصر لا تعود إلى حجم الخدمات المقدمة وحده، بل أيضًا إلى الرؤية التي تؤطر هذه الخدمات وتحدد غاياتها. فهذا العمل ينطلق من تصور للإنسان بوصفه كائنًا ذا كرامة وحقوق وقدرة على الفعل، ويتحقق ضمن أطر مؤسسية متخصصة، وينفتح على الشراكات المحلية والدولية، ويستجيب لاحتياجات الفئات الهشة بعيدًا عن أي تمييز. ومن ثمّ، تُفهم التنمية في المنظور الكاثوليكي بأنها امتداد للرحمة وليست نقيضًا لها؛ إذ تستجيب الرحمة للألم القائم، بينما تسعى التنمية إلى معالجة الشروط البنيوية التي تعيد إنتاجه.

ويرتبط هذا التحول ارتباطًا وثيقًا بما يمكن تسميته اللاهوت الاجتماعي الكاثوليكي، أي ذلك البعد من الفكر الكنسي الذي يقرأ قضايا الفقر والعدالة والعمل والكرامة الإنسانية لا بوصفها مشكلات اجتماعية محايدة فحسب، بل بوصفها أسئلة لاهوتية وأخلاقية تمسّ معنى الإنسان ودعوته ومكانه في الجماعة. فاللاهوت الاجتماعي لا يفصل بين الإيمان والعمل العام، ولا بين العبادة وخدمة الفقير، بل يرى أن محبة الله لا تكتمل إلا في محبة القريب، وأن الدفاع عن كرامة الإنسان والمشاركة في الخير العام هما من صميم شهادة الكنيسة في العالم. ومن هذا المنطلق، يصبح العمل التنموي امتدادًا عمليًّا للعقيدة المسيحية في الخلق والتجسد والخلاص: فالإنسان مخلوق على صورة الله، والمسيح اتحد بالإنسانية، والكنيسة مدعوة إلى أن تجعل هذا الإيمان حاضرًا في التاريخ عبر العدالة والرحمة وبناء المجتمع. وتؤكد خلاصة التعليم الاجتماعي للكنيسة أن الكنيسة لا تقدم حلولًا تقنية جاهزة، لكنها تقدم رؤية أخلاقية عن الإنسان والمجتمع، بينما تشدد الرسائل البابوية الاجتماعية على أن التنمية الأصيلة هي تنمية كل إنسان والإنسان كله، وأن المحبة لا تنفصل عن الحقيقة والعدالة والخير العام.

“لكي تكون التنمية أصيلة، يجب أن تكون كاملة؛ أي أن تعزز نمو كل إنسان والإنسان كله”. — رسالة البابا بولس السادس، ترقي الشعوب (Populorum Progressio)

تساعد هذه العبارة على فهم التحول الجوهري في العمل الاجتماعي الكاثوليكي: فالمقصود ليس فقط أن يحصل الإنسان على خدمة أو مساعدة، بل أن تُصان كرامته وتُفتح أمامه إمكانات المشاركة والاختيار والمسؤولية. ولذلك يصبح العمل التنموي الكاثوليكي تعبيرًا عمليًّا عن الإيمان بالإنسان، لا مجرد إدارة لمشروعات اجتماعية.

نطاق البحث

من الناحية الموضوعية، يقتصر هذا البحث على تحليل التحول الذي عرفه الدور الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في مصر من نمط العمل الخيري التقليدي إلى مقاربة التنمية الإنسانية المستدامة، مع التركيز على الأسس الفكرية واللاهوتية والمؤسسية التي تؤطر هذا التحول، وعلى تجلياته التطبيقية في مجالات التعليم، والتمكين، والحماية، وخدمة الفئات الهشة. كما يهتم البحث ببيان الكيفية التي أعادت بها هذه المقاربة تعريف الخدمة الاجتماعية الكنسية بوصفها فعلًا يهدف إلى بناء الإنسان وتعزيز قدرته على المشاركة والاستقلال، لا مجرد الاستجابة للحاجة الآنية.

ومن الناحية التاريخية، يتتبع البحث البدايات الحديثة للحضور الاجتماعي الكاثوليكي المنظم في مصر، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، بوصفها المرحلة التي بدأت فيها الملامح المؤسسية للعمل الاجتماعي الكاثوليكي تتبلور بصورة أوضح، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تزايد فيها توظيف مفهوم التنمية المستدامة إطارًا مرجعيًّا لتوجيه العمل الاجتماعي والإنساني. ومن ثمّ، لا يتناول البحث التاريخ الكنسي العام للكنيسة الكاثوليكية في مصر إلا بقدر ما يخدم فهم تطور رسالتها الاجتماعية والتنموية.

أما من الناحية المكانية، فينحصر البحث في السياق المصري، من حيث الواقع الاجتماعي والمؤسسي الذي تتحرك داخله الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها التنموية. غير أن هذا التحديد المكاني لا يفصل الخبرة المصرية عن بعدها الكنسي الأوسع، إذ تُفهم الكنيسة الكاثوليكية في مصر بوصفها جزءًا من الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، بما تحمله هذه الجامعة من مرجعية فكرية وروحية ومؤسسية تتجاوز الحدود المحلية، وتمنح العمل الاجتماعي في مصر ارتباطًا بشبكة أوسع من التعليم الاجتماعي الكاثوليكي والخبرة التنموية الكنسية العالمية.

نبذة تاريخية عن الحضور الكاثوليكي في مصر

يمكن تتبع الحضور الكاثوليكي في مصر، بمفهومه التاريخي الأوسع، عبر مسارات متعددة ومتداخلة؛ غير أن صورته المؤسسية الحديثة تبرز بوضوح منذ الزيارة الشهيرة التي قام بها القديس فرنسيس الأسيزي إلى معسكر السلطان الملك الكامل الأيوبي في دمياط سنة 1219، في سياق الحملة الصليبية الخامسة. وقد اكتسبت هذه الزيارة قيمة رمزية كبرى في الذاكرة الفرنسيسكانية والكاثوليكية بوصفها لحظة لقاء وحوار في مناخ الحرب.

وارتبطت هذه الذاكرة لاحقًا بتعزيز الحضور الفرنسيسكاني في مصر، ثم باستقراره في القاهرة منذ القرن السابع عشر، ولا سيما مع وجود دير الموسكي الذي تشير المصادر الفرنسيسكانية إلى استقراره منذ سنة 1632. ومع القرن الثامن عشر بدأت تتشكل بصورة أوضح جماعات كاثوليكية شرقية في مصر، إلى جانب الحضور اللاتيني، ثم شهد القرن التاسع عشر خطوة مؤسسية حاسمة مع إنشاء النيابة الرسولية لمصر سنة 1839، وتنامي أدوار الرهبانيات والإرساليات الكاثوليكية في مجالات الرعاية والتعليم والخدمة الاجتماعية.

وفي هذا السياق، اتسع الحضور الكاثوليكي تدريجيًّا في المجال الصحي أيضًا، من خلال إنشاء مؤسسات علاجية وخدمية متنوعة، شملت مستوصفات وعيادات ومراكز طبية اجتماعية ارتبطت بخدمة الفئات الفقيرة والمهمشة، ولا سيما في المدن الكبرى وبعض المناطق ذات الهشاشة الاجتماعية. وفي السياق القبطي الكاثوليكي، تشير المراجع الكنسية إلى تعيين نيابة رسولية للأقباط الكاثوليك سنة 1741، ثم إلى إعادة تنظيم البطريركية القبطية الكاثوليكية في أواخر القرن التاسع عشر، مع تثبيت الكرسي البطريركي سنة 1895 وتعيين البطريرك كيرلس مقار سنة 1899.

أما في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فقد اتخذ الحضور الكاثوليكي في مصر طابعًا أكثر تنوعًا وتنظيمًا، من خلال تعدد الكنائس الكاثوليكية ذات القانون الخاص، واتساع مؤسسات التعليم والصحة والخدمة الاجتماعية، إلى جانب أدوار هيئات مثل كاريتاس مصر، المسجلة سنة 1967، وهيئة الإغاثة الكاثوليكية التي بدأ حضورها الإغاثي في مصر سنة 1956 ثم تطور لاحقًا نحو برامج التنمية المستدامة.

وتكشف المواد التعريفية الرسمية لكاريتاس مصر عن وجود مراكز طبية اجتماعية في مناطق فقيرة بالقاهرة الكبرى، تقدم خدمات صحية واجتماعية بأسعار ميسورة، إلى جانب خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة، ومحو الأمية، وتمكين النساء، بما يدل على تداخل الخدمة الصحية مع التنمية المجتمعية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الدور الصحي والاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في مصر لا يُفهم بوصفه إضافة ثانوية إلى النشاط الكنسي، بل بوصفه ترجمة عملية لمبدأ الكرامة الإنسانية، حيث تتكامل الرعاية الطبية الأساسية مع الحماية الاجتماعية والتأهيل والخدمة الموجهة إلى الجميع دون تمييز.

إشكالية البحث

تتمثل إشكالية هذا البحث في تفسير التحول الذي شهده العمل الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في مصر من نموذج الإحسان المباشر إلى نموذج التنمية الإنسانية المستدامة، مع بيان الأسس الفكرية والمؤسسية التي أسهمت في هذا التحول، وقياس انعكاسه على طبيعة الخدمة المقدمة للفئات الهشة. وينبثق عن ذلك سؤال رئيس هو: ما الذي يميز النموذج التنموي الكاثوليكي في مصر عن الممارسة الخيرية التقليدية؟

أهداف البحث
  • توضيح مفهوم التنمية الإنسانية المستدامة في السياق الكاثوليكي.
  • تحليل التحول من الإغاثة المباشرة إلى التمكين وبناء القدرات.
  • إبراز الخصوصية المؤسسية والشراكات التي يقوم عليها العمل التنموي الكاثوليكي في مصر.
  • بيان صلته بمبادئ الكرامة الإنسانية وأهداف التنمية المستدامة.
  • الاستناد إلى نماذج تطبيقية من الواقع المصري لتفسير طبيعة هذا التحول.
منهجية البحث

يتناول هذا البحث العمل التنموي في الكنيسة الكاثوليكية من زاوية اجتماعية تحليلية، مع الاستفادة من أبعاده الروحية واللاهوتية والتاريخية بوصفها خلفية مفسرة له. ولتحقيق ذلك، يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي لملاءمته طبيعة الموضوع؛ إذ لا يقتصر على عرض الوقائع والبرامج، بل يسعى إلى تفسير دلالاتها وبيان الأطر الفكرية والمؤسسية التي وجَّهت التحول من الإحسان المباشر إلى التنمية الإنسانية المستدامة.

ويقوم هذا المنهج على تتبع تطور العمل التنموي الكاثوليكي في مصر، وقراءة بعض النماذج المؤسسية والتطبيقية في ضوء مفاهيم التعليم الاجتماعي الكاثوليكي ومبادئ التنمية المستدامة. كما يستند البحث إلى تحليل مضمون عدد من الوثائق والمصادر المرجعية الرسمية ذات الصلة، وبخاصة الرسائل البابوية الاجتماعية، بهدف تفسير طبيعة هذا التحول، وخصائصه، وأبعاده الاجتماعية والإنسانية.

الإطار المفاهيمي البابوي للتنمية في الكنيسة الكاثوليكية

لفهم العمل التنموي الكاثوليكي فهمًا دقيقًا، ينبغي الانطلاق من التعليم الاجتماعي للكنيسة، لا الاكتفاء بوصف الأنشطة والبرامج. فالرسائل البابوية الاجتماعية لا تطرح خطابًا أخلاقيًّا عامًا فحسب، بل تقدم رؤية متكاملة للإنسان والمجتمع والعدالة والخير العام. وفيما يلي أبرز الأفكار البابوية التي تساعد على تفسير هذا العمل وتحديد أسسه الفكرية.

تُعد رسالة ترقي الشعوب (Populorum Progressio)، 26 مارس 1967، للبابا بولس السادس من النصوص المؤسسة لفهم التنمية في الفكر الكاثوليكي، إذ تؤكد أن التنمية الأصيلة لا تعني مجرد تحسين الظروف المادية، بل تعني تنمية «كل إنسان والإنسان كله». ومن ثمّ، فإن العمل التنموي في المنظور الكاثوليكي لا يُختزل في تقديم المال أو المساعدات، بل يشمل التعليم، والصحة، والكرامة، والمشاركة الاجتماعية.

أما رسالة المحبة في الحقيقة (Caritas in Veritate)، 29 يونيو 2009، للبابا بندكتس السادس عشر، فتبرز أن المحبة لا تنفصل عن العدالة والخير العام، وأن الكنيسة كلها منخرطة في تعزيز التنمية الإنسانية المتكاملة. وتكشف هذه الرؤية أن العمل التنموي ليس نشاطًا ثانويًّا أو هامشيًّا، بل جزء أصيل من رسالة الكنيسة في المجتمع.

وفي رسالة الله محبة (Deus Caritas Est)، 25 ديسمبر 2005، يؤكد البابا بندكتس السادس عشر أن المحبة الكنسية تحتاج إلى تنظيم ومهنية، ولا ينبغي أن تبقى مجرد عاطفة عابرة. وتساعد هذه الفكرة على فهم الطابع المؤسسي الذي يميز عمل هيئات مثل كاريتاس وCRS، حيث تتحول الرحمة إلى ممارسة منظمة تتسم بالاستمرارية والفاعلية.

وتضيف رسالة فرح الإنجيل (Evangelii Gaudium)، 24 نوفمبر 2013، للبابا فرنسيس بُعدًا اجتماعيًّا واضحًا، إذ تؤكد أن الإيمان لا يكتفي بمواساة الفقراء، بل يقتضي إدماجهم في المجتمع. ومن ثمّ، تصبح التنمية وسيلة لنقل المُهمَّشين من موقع التلقي والهامشية إلى موقع المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية.

أما رسالة كن مسبحًا (Laudato Si’)، 24 مايو 2015، فتربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة البيئية، وتؤكد أن قضايا الفقر لا يمكن فصلها عن قضايا الاستدامة. وبهذا المعنى، يتسع مفهوم التنمية في الفكر الكاثوليكي ليشمل البيئة، والصحة، والعدالة، والمسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.

وأخيرًا، تؤكد رسالة كلنا إخوة (Fratelli Tutti)، 3 أكتوبر 2020، أن الأخوة الاجتماعية تتجاوز الحدود الدينية والقومية، وتدعو إلى خدمة الإنسان بوصفه أخًا في الإنسانية. وتفسر هذه الرؤية توجه المؤسسات الكاثوليكية إلى خدمة الجميع دون تمييز، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة مثل اللاجئين والمهمشين.

وتتضافر هذه الوثائق في تأكيد أن التنمية، في المنظور الكاثوليكي، ليست إجراءً إداريًّا محايدًا، بل فعل محبة منظّم بالعدالة. فالكنيسة لا تكتفي بأن تسأل: ماذا يحتاج الإنسان الآن؟ بل تضيف: ما الشروط التي تحول دون عيشه بكرامة؟ وكيف يمكن مساعدته على أن يصبح شريكًا في بناء حياته ومجتمعه؟ ومن هذا المنطلق، يمكن الانتقال من الإطار الفكري إلى السمات العملية التي تميز الخبرة التنموية الكاثوليكية في مصر.

من إغاثة الحرب إلى بناء السلام الاجتماعي: التنمية بوصفها الاسم الجديد للسلام

لا يُفهم التحول من الإغاثة إلى التنمية في الفكر الكاثوليكي بوصفه مجرد انتقال من أداة عملية إلى أداة أخرى، بل بوصفه تحولًا في فهم السلام نفسه. ففي رسالة ترقي الشعوب صاغ البابا بولس السادس إحدى العبارات المؤسسة لهذا التصور حين أعلن أن «التنمية هي الاسم الجديد للسلام»، وهو تعبير يكشف أن السلام لا يتحقق فقط بغياب الحرب أو توقف العنف، بل بقيام أوضاع اجتماعية أكثر عدلًا تُتاح فيها للإنسان فرص العيش الكريم، والتعليم، والعمل، والحماية، والمشاركة. ومن ثمّ، تصبح التنمية في هذا المنظور بناءً لشروط السلام داخل المجتمع، لأنها تعالج الجذور التي تنتج الفقر والتهميش والهشاشة، ولا تكتفي بتخفيف آثارها الظاهرة.

وتتجسد هذه الفكرة بوضوح في خبرة هيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS، سواء في نشأتها العالمية أو في حضورها داخل مصر. فقد وُلدت الهيئة أصلًا في سياق الحرب العالمية الثانية، حين تأسست سنة 1943 تحت اسم War Relief Services لتقديم العون للاجئين والمتضررين من الحرب، وهو ما يكشف أن بدايتها ارتبطت بمنطق النجدة الإنسانية في لحظة الانهيار والنزاع. غير أن تطورها اللاحق لم يقتصر على الاستمرار في الإغاثة، بل اتجه إلى إعادة تعريف رسالتها على نحو أوسع؛ إذ أخذت تنتقل تدريجيًّا من الاستجابة لنتائج الحرب إلى الإسهام في معالجة الشروط الاجتماعية التي تجعل المجتمعات عرضةً للتفكك والحرمان. وهكذا لم تعد الهيئة معنية فقط بتقديم المعونة عند الطوارئ، بل أصبحت منخرطة في بناء مسارات للتعليم، والصحة، وسبل العيش، والحماية، والتمكين، بما يجعل تدخلها أقرب إلى بناء سلام اجتماعي مستدام منه إلى مجرد استجابة ظرفية.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا نُظر إلى المسار التاريخي للهيئة بوصفه مسارًا لتحول العمل الإنساني ذاته. فالاسم الأول للهيئة، المرتبط بالحرب والإغاثة، يعكس أولوية إنقاذ الإنسان من أخطار العنف والتشريد والجوع؛ أما تطورها المؤسسي اللاحق، واعتماد اسمها الحالي سنة 1955، فيعكسان انتقالًا من الاستجابة لنتائج الحرب إلى الاشتغال على شروط الحياة التي تمنع إعادة إنتاجها اجتماعيًّا. ومع اتساع عملها في العقود التالية إلى مجالات التنمية الريفية، والأمن الغذائي، والتعليم، والصحة، والشراكات المجتمعية، أصبحت الهيئة تمثل نموذجًا مؤسسيًّا يربط بين الإغاثة والتنمية في مسار واحد: يبدأ بحماية الإنسان المهدد، لكنه لا يتوقف عند إنقاذه، بل يمتد إلى تمكينه من استعادة مكانه في المجتمع بوصفه فاعلًا لا مجرد متلقي مساعدة. وفي هذا المعنى، يمكن القول إن تطور هيئة الإغاثة الكاثوليكية يكشف كيف يمكن لخبرة وُلدت في أزمنة الحرب أن تنضج لتصبح أداة لبناء سلام اجتماعي قائم على العدالة والكرامة والتنمية الإنسانية الشاملة.

ومن هنا تكتسب عبارة البابا بولس السادس معناها التفسيري الكامل؛ فحين يقال إن التنمية هي الاسم الجديد للسلام، فالمقصود أن السلام الحقيقي لا يُبنى فقط بالمصالحات السياسية أو بانتهاء المواجهات المسلحة، بل أيضًا بإنشاء بنية اجتماعية تسمح للإنسان بالخروج من دوائر الفقر والجهل والإقصاء. وعلى هذا الأساس، يغدو العمل التنموي الكاثوليكي في مصر، كما يظهر في خبرات مؤسسات مثل CRS، مساهمة في صنع السلام الاجتماعي بقدر ما هو مساهمة في تقديم الخدمة. فهو لا يواجه الحاجة المباشرة فقط، بل يعمل على إعادة بناء الروابط الاجتماعية، وتعزيز القدرة على الاعتماد على الذات، وفتح المجال أمام الفئات الهشة للمشاركة والاندماج، وبذلك تتحول التنمية من برنامج اجتماعي إلى رؤية للسلام المؤسس على العدالة والكرامة الإنسانية.

الطابع المؤسَّسي المنظم بوصفه ترجمة عملية للمحبة

من أبرز سمات العمل التنموي الكاثوليكي في مصر أنه لا يقوم على مبادرات فردية أو استجابات موسمية، بل يتحرك ضمن إطار مؤسسي منظم تقوده هيئات متخصصة تمتلك برامج واضحة وقطاعات عمل محددة وفئات مستهدفة بدقة. وتُعد كاريتاس مصر مثالًا بارزًا في هذا السياق؛ إذ تُظهر موادها التعريفية الرسمية أنها تعمل عبر برامج متعددة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وتشمل مجالات الإعاقة، ومحو الأمية، وتمكين المرأة، والصحة، والتمويل الصغير، وخدمة اللاجئين والمهاجرين، بما يعكس فهمًا للتنمية بوصفها عملية شاملة تتداخل فيها الأبعاد التعليمية، والاجتماعية، والاقتصادية.

وتُعد كاريتاس الدولية Caritas Internationalis واحدة من أوسع الشبكات الكاثوليكية العاملة في المجال الإنساني والاجتماعي على المستوى العالمي. وترجع جذور هذه الشبكة إلى تأسيس منظمات كاريتاس الوطنية الأولى في أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم تبلور إطارها الدولي سنة 1951 مع إنشاء الكونفدرالية الدولية في روما برعاية الكرسي الرسولي. وتضم الشبكة اليوم 162 منظمة عضوًا تعمل في أكثر من 200 دولة وإقليم، وتنسق بين الاستجابة للطوارئ وسياسات التنمية والمناصرة من أجل العدالة والكرامة الإنسانية. وقد تطور دورها من تقديم الإغاثة في الأزمات إلى تبني مقاربة أشمل تشمل التنمية المستدامة، ومرافقة الفئات المهمشة، والدفاع عن الحقوق، وبناء السلام الاجتماعي، الأمر الذي يجعلها الذراع الإنسانية والاجتماعية الأبرز للكنيسة الكاثوليكية في السياق العالمي.

ويكتسب هذا الطابع المؤسسي جذره اللاهوتي من الرسالة البابوية الله محبة (Deus Caritas Est)، حيث يؤكد البابا بندكتس السادس عشر أن محبة القريب، المتجذرة في محبة الله، ليست واجبًا فرديًّا فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية الجماعة الكنسية كلها في مختلف مستوياتها، من الجماعة المحلية إلى الكنيسة الجامعة. ويعني ذلك أن العمل الخيري الكنسي لا يجوز أن يُترك للعفوية أو للعاطفة العابرة وحدهما، بل يحتاج إلى تنظيم يضمن الاستمرارية، والفاعلية، والمهنية، واحترام كرامة المستفيدين. ومن هذا المنظور، يصبح التنظيم المؤسسي ذاته جزءًا من التعبير العملي عن المحبة، لا مجرد وسيلة إدارية لتنسيق الخدمات.

«محبة القريب المتجذرة في محبة الله هي أولًا وقبل كل شيء مسؤولية كل مؤمن، لكنها أيضًا مسؤولية الجماعة الكنسية كلها». — البابا بندكتس السادس عشر، رسالة الله محبة.

وتشير هذه التعددية المؤسسية إلى أن العمل الكاثوليكي لا ينظر إلى الفقر بوصفه مجرد نقص في الموارد المالية، بل ظاهرة مركَّبة تتداخل فيها عناصر التعليم، والصحة، والعمل، والحماية، والتمييز، وضعف الفرص. ومن ثمّ، فإن الاستجابة للفئات الهشة لا يمكن أن تقتصر على تقديم المساعدة المباشرة، بل تتطلب منظومة متكاملة من التدخلات تتعامل مع الإنسان في أوضاعه الاجتماعية المختلفة، وتربط بين الرعاية والتمكين والاندماج داخل المجتمع.

ويظهر ذلك بوضوح في البرامج المُخصَّصة للأشخاص ذوي الإعاقة، مثل برنامج SETI، الذي يعكس انتقالًا من منطق الرعاية إلى منطق الدمج والمشاركة الاجتماعية. كما يتضح في مشروعات محو الأمية، مثل Learn to be free، التي تتعامل مع التعليم بوصفه مدخلًا إلى الوعي والاستقلال. كذلك تكشف مشروعات تمكين المرأة، ومن بينها Take a Step، عن ربط واضح بين التنمية والحقوق والحماية والقدرة على اتخاذ القرار. أما برامج التمويل الصغير الموجهة إلى النساء الأكثر هشاشة، فتُبرز التحول من تقديم العون المؤقت إلى خلق فرص إنتاج ودخل. وفي مجموعها، تكشف هذه البرامج أن المؤسسية هنا لا تعني تضخم البناء التنظيمي، بل تعني القدرة على تحويل المحبة إلى تدخلات متخصصة وممتدة، تستجيب لحاجات متداخلة وتستهدف بناء الإنسان لا مجرد سد العوز الآني.