الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام
- Sermon By: د. سامية قدري
- Categories: دراسات متنوعة
هذا الكتاب هو رسالة تقدَّم بها الباحث الإيطالي “أرماندو سالفاتوري” عام ٢٠٠٠م للحصول على درجة الأستاذية في علم الاجتماع من إحدى الجامعات الألمانية. وقد كُتبت للحوار مع رسالة أخرى للأستاذية كتبها الفيلسوف والمفكر الألماني “يورجن هبرماس” عام ١٩٦٢م، الذي صك مفهوم المجال العام Public Sphere، ترجم هذا الكتاب الهام عالم الاجتماع المصري أحمد زايد، وصدر عن المركز القومي للترجمة عام ٢٠١٢م. جاءت ترجمة الكتاب في ٤٧٠ صفحة مُقسمة إلى: فصل تمهيدي يُناقش مفهوم المجال العام من حيث جذوره، كونه مجالًا ثالثًا للمجتمع، وجذوره المتقاطعة مع التراث والحداثة وستة فصول رئيسية وخاتمة.
يُعد هذا الكتاب واحدًا من أهم الكتب في العلوم الاجتماعية التي صدرت في أوائل الألفية الجديدة؛ لأربعة أسباب: الأول، أنه نموذج للجدل العلمي الذي يُشكل أحد الملامح الأساسية في الخطاب الأكاديمي الغربي. وثانيًا، إنه يُناقش مفهومًا ذا أهمية خاصة ومهمة في المجتمعات المعاصرة وهو مفهوم المجال العام الذي يُشير إلى كل المؤسسات والمنتديات المستقلة عن الدولة من ناحية، والقطاع الخاص من ناحية أخرى، وهو المكان الذي تتبلور فيه الأفكار وتنضج فيه الآراء التي تعين المجتمع على التفكير العقلاني والتواصل الجمعي من أجل تحقيق الصالح العام. وثالثًا، بحث الكتاب عن جذور المفهوم في التراث الفكري والفلسفي في مراحل ما قبل التنوير والحداثة الغربية، خاصةً في التراث المسيحي الكاثوليكي والإسلام السُّني؛ إذ أن الكتاب يُقدم لنا تحليلاً جينولوجيًّا للتراثات السابقة على الحداثة. وأخيرًا، تأكيد الكتاب على أهمية تأسيس خطاب ديموقراطي للدولة المدنية الحديثة قائم على التدبر والتواصل العقلي من أجل تحقيق الصالح العام للمجتمعات.
يبدأ الكتاب بفصل تمهيدي حول جذور مفهوم المجال العام كمجال ثالث للمجتمع، ذلك المفهوم الذي حظي باهتمام كبير من قبل الباحثين والمفكرين في خلال حقبة التسعينيات، التي شهدت نقاشات حول ضرورة نشر الديموقراطية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وفقًا للأمل الذي راود البعض بعد حرب الخليج الأولى، وأيضًا بروز دور الجماعات الإسلامية وحضورها في المجال العام، ومن ثم ظهرت الحاجة إلى بروز مفهوم المجال العام للتأكيد على قيمة التواصل الشفاف ومُمارسة الفهم الاتصالي بين الفاعلين من المستوى الأصغر للحياة الاجتماعية إلى المجالات الجمعية الأكثر تنظيمًا والتي يتم فيها التباحث والنقاش. ويُركز الفصل التمهيدي على مفهوم المجال العام كما صاغه يورجن هبرماس وأيضًا جذوره في التراث، خاصةً الديني، ما قبل الحداثة والتنوير الغربي.
ينظر سالفاتوري في الفصل الأول من الكتاب إلى التراث، لاسيما الديني، بوصفه أحد أركان التراث أو الركن الركين فيه، نظرة ميكروسكوبية في علاقته بالحضارة وذلك لكي يتوصل إلى فكرة أكثر عمومية للتراث تستغرق كل مستويات الفعل الإنساني على مستوى الممارسة والفكر. وفي سبيل تحقيقه لذلك، ينطلق من مفهوم هبرماس عن الفعل التواصلي وكذلك من فكرة عالم الحياة Life World، الفكرة التي تفتح آفاق التحليل السوسيولوجي (الاجتماعي) للديناميات الاجتماعية لصور التراث، خاصةً وأن عالم الحياة يتكون من النسيج الاجتماعي الذي تتطور فيه العقلانية العملية والذي يؤسس للإحساس بالعدالة والصالح العام، كما أنه المحرك للأخلاقيات الخطابية التي لها وظيفة نهائية هي أن تضع أسّسا لشرعية مأسسة القانون.
يستمر سالفاتوري عبر الفصل الثاني في الحديث عن التراث ولكن في المُمارسة والفعل التواصلي، خاصةً في الخطابات الإبراهيمية كخطابات نبوية اجتمعت فيها أشكال من الخيال النثري والأسطوري، ومن ثم فقد شكلت هذه التراثات مصدرًا تاريخيًّا ومؤسسيًّا للرابطة الاجتماعية الأساسية بين الذات والآخر، وبوصفها أساسًا لتكوين رابطة ثلاثية مع العالم الرباني.
يحمل الفصل الثالث عنوانًا عامًّا ومبهمًا “العقل العام للإنسان العادي” ولكنه يدور حول مفهوم المصلحة العامة في العصر المحوري، العصر الذي تشكلت فيه مفاهيم التاريخ، ونماذج المجتمع والمصلحة العامة المشتركة، خاصةً مع ظهور المسيحية وبزوغ الإسلام وتكوين نظرات دينية أكثر رسوخًا وأحكامًا وثوريًّا؛ فقد سعت المسيحية، اللاتينية تحديدًا، إلى تمكين الشخص العام كفاعل في العقل العام، كما دمج الإسلام التفكير العقلاني مع التفكير العام. يذهب سلفاتوري إلى أن أحد الخصائص الأساسية للمسيحية والإسلام وللحركات والجماعات التي ظهرت داخلهما تمثلت في وجود توجه نحو التبشير الذي يختلف عن النماذج المرتبطة بجماعة معينة كما في الاختراق المحوري الذي ارتبط بالنماذج اليهودية والإغريقيّة. ويناقش الفصل قضية العلاقة بين العقلانية العملية والعدل، فقد كان العدل موضعًا محوريًّا في هذا المشروع، لكونه يُعبر عن المساواة بين جميع البشر في جماعة عالمية تُنظَّم على نحو مُقدس. وقد أظهر ذلك من خلال تراث الآباء: جريجوري، سان أوغسطين، توما الأكويني… وغيرهم. كما ناقش الفكرة من خلال الحركات الرهبانية الجديدة، الفرنسيسكان والدومينيكان، باعتبارها حركات أدائية في عملية نشر تعاليم الكنيسة الكاثوليكية إلى الطبقات الحضرية عبر الوعظ والجدل والنقاش، وساعدهم في ذلك دراسة القانون، والمنطق، وعلوم الدين وتعليمها في الجامعات الجديدة.
وفي الفصل الرابع، ناقش سلفاتوري صناعة التراث في الإسلام ودور الشريعة في تشكيل الرابطة الجمعية والتواصل في التراثات الخطابية من خلال بناء علاقة ثلاثية من الأنا والآخر والله. فقد كان ظهور الإسلام تعبيرًا عن آخر تجسيدات العصر المحوري وتأكيدًا على الرسالة التي بعث بها الله للأنبياء السابقين، خاصةً في الديانتين اليهودية والمسيحية، والتي عكست منذُ النبي ومن جاء بعده من الفقهاء القضايا التي تتصل على نحو مباشر بنظام الحياة الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، ناقش الكتاب عبر الفصل ذاته التيار الصوفي، باعتباره أخطر التحديات لهيمنة فقهاء السنة من ناحية، ولكونه أعاد تفسير التوتر بين المستويات العملية والروحية في التراث الإسلامي؛ فقد ربطت الصوفية بين الممارسات الجمعية التي تتعلق بنشاط يربط بين ذوات الأفراد ويجمعهم في تجمعات وشبكات جنبتهم الوقوع في براثن التزمت والتحيز النخبوي.
ينقلنا سالفاتوري، عبر الفصلين الأخيرين إلى إعادة بناء مفهوم الصالح العامPublic Good وتشكيل المجال العام الحديث من خلال التراث الفكري الحديث كما عبر عنه فلاسفة التنوير في الغرب، كانط، وفيكو وأسبينوزا وصولاً إلى هبرماس. وبعد أن قدم لنا جينولوجيا تاريخية لمفهوم المجال العام، يُقدم لنا في الفصل الختامي تصورًا لنظريةٍ تعدديةٍ للمجال العام تسهم في خلق مناخ عام من التواصل بين البشر في مختلف أنحاء الكون.



