من رواد التنمية والعمل المسكوني
- Sermon By: د. رامي عطا صديق
- Categories: دراسات متنوعة
من رواد التنمية والعمل المسكوني
الأنبا صموئيل (1920-1981م)
أول أسقف للخدمات العامة والاجتماعية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية
يُعد نيافة الأنبا صموئيل واحدًا من رواد العمل الاجتماعي والتنموي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، خاصة وأنه مر بكثير من الخبرات والتجارب الحياتية، ولعل الأبرز في حياته هو أنه كان أول أسقف لأسقفية الخدمات العامة والاجتماعية التي أسسها قداسة البابا كيرلس السادس في عام 1962م، وقد قدم الأنبا صموئيل من خلالها الكثير من المشروعات التنموية التي حققت نقلة نوعية في حياة كثيرين.
نشأته
ولد سعد عزيز (نيافة الأنبا صموئيل فيما بعد) في 8 ديسمبر سنة 1920م. وقد نشأ في كنيسة مار مرقس بالجيزة.
التحق للدراسة بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، ونال ليسانس الحقوق في عام 1942م، وعمل عقب تخرجه بالبنك الأهلي المصري، ولكنه ما لبث أن قدم استقالته لرغبته الشديدة في حياة التكريس.
حصل على دبلوم الكلية الإكليريكية في عام 1944م. حيث أعد له الأستاذ الأرشيدياكون حبيب جرجس (1976-1951م) مدير المدرسة الإكليريكية آنذاك -مع زميليه وهيب زكي والمهندس يسى حنا- منهجًا خاصًا ليدرسه الطلاب الجامعيون الراغبون في الدراسة بالإكليريكية.
عمل بعدها مُدرِّسًا للإكليريكية بأديس أبابا بالحبشة “إثيوبيا” من عام 1944م وحتى عام 1946م. وكان معه في الانتداب نفسه كل من: حافظ داود (القمص مرقس داود)، وكل من سعد عزيز ووهيب زكي مدرسين. ولكن نتيجة لبعض الاضطرابات السياسية التي حدثت في إثيوبيا في تلك الفترة، عاد إلى مصر. وخدم في مدارس الأحد بالجيزة، ثم أُسْنِدَت إليه أمانة اللجنة العامة للتربية الكنسية.
رُسِم راهبًا باسم “الراهب مكاري” وكان ذلك خلال شهر مارس 1948م، وهو بذلك يُعدُّ من أوائل الرهبان الجامعيين. ولقد ظل في كنيسة مار مينا بمصر القديمة لمدة ثلاث سنوات، وبعدها أرسله القمص مينا البرموسي المتوحد (قداسة البابا كيرلس السادس فيما بعد) إلى دير الأنبا صموئيل المُعترف بمغاغة- المنيا.
ولكن عندما رفض المجمع المقدس الاعتراف برهبنة هذا الدير، انتقل إلى دير السيدة مريم العذراء بوادي النطرون، المعروف باسم دير السريا، في عام 1950م. وبعد فترة غيَّر نيافة الأنبا ثاؤفيلس- رئيس الدير آنذاك- شكل الراهب مكاري الصموئيلي، فرسمه قسًّا باسم الراهب القس “مكاري السرياني” في عام 1950م. وفي تلك الفترة تعرَّف عليه المهندس سمير خير (لاحقًا نيافة الأنبا باخوميوس مطران البحيرة وقائم مقام البابا/ البطريرك عقب انتقال قداسة البابا شنوده الثالث في عام 2012م).
فلما رأى الأب الأسقف، الانبا ثاؤفيلس، أن الراهب مكاري ذو ثقافة وروحانية عالية ونشاط كبير، أسند إليه الإشراف على مكتبة دير السريان العامر الاستعارية.
ثم أحضر نيافته مطبعة، وكان القس مكاري يُعِد نبذات روحية وميامر، تُطبَع وتُوزَّع مجانًا على الكنائس في أعياد الميلاد والغطاس والقيامة.
كان القس مكاري السرياني يشرف على تحرير مجلة (ميناء الخلاص) التي كان يصدرها الراهب القمص مينا البرموسي المتوحد (لاحقًا قداسة البابا كيرلس السادس) في خلال فترة وجوده في كنيسة مار مينا بمصر القديمة، وكان يتولى توزيعها الشماس سليمان رزق (لاحقًا نيافة الأنبا مينا رئيس دير مار مينا). ويذكر أن القس مكاري السرياني رُسِمَ قمصًا في عام 1951م بيد نيافة الأنبا ثاؤفيلس رئيس دير السريان.
وعمل القمص مكاري (لاحقًا الأنبا صموئيل) مُدرسا للإكليريكية، وعمل رئيسًا لقسم الدراسات الاجتماعية للمعهد العالي للدراسات القبطية الذي تأسس في عام 1954م.
دراسته في الخارج
حصل القمص مكاري السرياني (نيافة الأنبا صموئيل فيما بعد) على منحة دراسية من جامعة برنستون Princeton University، بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث شجعه قداسة البابا يوساب الثاني- البطريرك الـ 115 من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1946-1956م)، الذي اشتهر بحبه للعلم وتشجيعه له على هذه المنحة، وبالفعل تمكن الراهب مكاري السرياني من الحصول على درجة الماجستير في التربية في عام 1955م، وكان موضوع الرسالة عن “التربية المسيحية في الكنيسة القبطية”.
ريادة وتأسيس
من أبرز أعماله أنه أنشأ معهد ديديموس للمكفوفين، وجهزه بمكتبة خاصة مُعدة بطريقة “برايل” المناسبة للمكفوفين.
كما أسس ما يُعرف بالدياكونية الريفية في صيف عام 1959م، وتوجه بكل قلبه لخدمة القرية وتنميتها روحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
ولقد استدعاه قداسة البابا كيرلس السادس- البطريرك الـ 116 من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1959-1971م)- ليكون ضمن سكرتاريته الخاصة، فكان هو المسؤول عن استقبال الضيوف وترتيب لقاءاتهم، ومتابعة التعاون مع كنائس العالم، والاشتراك في المؤتمرات العالمية وتمثيل الكنيسة القبطية فيها.
رسامته أسقفًا
سامه قداسة البابا كيرلس السادس أسقفًا للخدمات العامة والاجتماعية، مع نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم في نفس اليوم، في 30 سبتمبر 1962م. فكان الأنبا صموئيل بذلك مؤسسًا لأسقفية الخدمات بمصر التي امتد نشاطها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا.
ويُذكر أنه كان يتابع بناء الكاتدرائية المرقسية الجديدة بالعباسية، حيث المقر الحالي للبابا/ البطريرك. وقد زار معظم عواصم العالم مقدمًا خدمات جليلة للكنيسة ووطنه، وكان عضوًا في اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي، ومُثَّل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في عدة مؤتمرات بالخارج.
وبعد نياحة البابا كيرلس في عام 1971م، كان ضمن الثلاثة الأسماء التي أُلْقِيَت عليها القرعة الهيكلية لاختيار البابا/ البطريرك.
وفاته ورحيله
توفي الأنبا صموئيل ورحل عن عالمنا، حيث اغتيل في حادث المنصة الشهير في يوم 6 أكتوبر 1981م، عندما كان حاضرًا العرض العسكري مع الرئيس محمد أنور السادات، وذلك خلال الحادث الإرهابي الذي وقع آنذاك، وكان يستهدف الرئيس السادات.
وفي الكاتدرائية المرقسية بالعباسية يوجد كنيستان؛ كنيسة السيدة العذراء والأنبا رويس، وكنيسة السيدة العذراء والأنبا بيشوي، ويتوسطهما مدفنة بها مثوى جسد الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والاجتماعية، إلى جانب رفات البابا أثناسيوس الرسولي، وجسد الأنبا غريغوريوس أسقف الدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العلمي، وجسد القمص ميخائيل إبراهيم كاهن كنيسة مار مرقس بشبرا مصر الذي اعترف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقداسته مؤخرًا.
أسقفية الخدمات
أُنشِئَت أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية (بليس) BLESS في عام 1962م، في عصر قداسة البابا كيرلس السادس (1959-1971م)، وذلك لخدمة الفقراء والمجتمعات المحرومة، وكان أول أسقف لها هو نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات حتى حادث رحيله في عام 1981م.
إنجازات الأنبا صموئيل في الأسقفية
كانت قضية الخدمة الاجتماعية والعمل التنموي تشغل بال الأنبا صموئيل منذ فجر شبابه، وكان ينشغل بمشكلات الناس ويعمل على حلها، وكان هدفه دائمًا خدمة الجميع بغض النظر عن الجنس أو اللغة أو الدين، وكان يركز على البعيدين والفئات المهمشة، كما كان يهتم باحتياجات المرضى ويتابع حالاتهم بكل عطف.
وفي ضوء كل هذه الاهتمامات وضع نيافته محاور خدمة الأسقفية، وبدأ في وضع هذه الأهداف موضع التنفيذ، يرصدها الكاتب والباحث ماجد كامل في كتابه (مائة شخصية قبطية على أرض مصر- الجزء الثاني)، على النحو التالي:
1- خدمة الأحياء الشعبية: وكانت تهدف إلى تطوير قدراتهم ومساعدته على مقاومة العادات الضارة مثل (التدخين- وتعاطي المخدرات والإدمان).
2- خدمة الحضانات: فلقد كان نيافته منذ فجر شبابه مُهتمًّا بالطفولة، وكان هدفه هو ترك الطفل في مكان آمن حتى تعود والدته من العمل، وكان يحرص على المستوى التربوي اللائق للنهوض بمستوى الطفل وأسرته صحيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا.
3- مراكز التدريب الريفية: كان الاهتمام بالقرية هو محور حياته منذ أن بدأ حياة التكريس.
4- خدمة جامعي القمامة: وكان هدفه هو تحسين أحوال معيشتهم، وكان يفتخر دائمًا أنهم إخوته ولحم من لحمهم وعظم من عظامهم.
5- مراكز التدريب المهني: وكان هدفه تنمية مهارات الشباب وقدراتهم حتى يعتمدوا على أنفسهم، تحت شعار “ساعد الناس ليساعدوا أنفسهم”، وكان يضع المثل الصيني دائمًا أمام عينيه: “لا تعطِ الجائع سمكًا، بل علِّمْه كيف يصطاد السمك”.
6- مراكز محو الأمية: وهي الخدمة التي نمت جدًّا في عهده.
7- الأسرة المسيحية: حيث وضع كتابات كثيرة في الاستشارات الأسرية، ووضع برامج تنمية أسرية للشباب والمقبلين على الزواج، ولقد استعان بكبار أساتذة التربية وعلم النفس في ذلك الأمر.
8- منح دراسية للشباب لفتح آفاق العمل والرزق أمامهم.
إنجازاته في العمل المسكوني
كان الأنبا صموئيل رائدًا في هذا المجال، فقد مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العمل المسكوني، نظرًا لإجادته التامة للغة الإنجليزية، فضلًا عن عقليته المنفتحة، حيث اختاره البابا يوساب الثاني لتمثيل الكنيسة القبطية في المؤتمر الثاني لمجلس الكنائس العالمي المنعقد في إيفانستون Evanston في أغسطس 1954م، وكان معه في الوفد نفسه كلٌّ من القمص صليب سوريال، والدكتور عزيز سوريال عطية (وهو الوفد الذي عرف في كتب التاريخ بالثلاثة S The Three). ثم جاءت فرصة عمره لإشباع رغبته في الدراسة العلمية، حين حصل على منحة لدراسة الماجستير.
وله جهود أخرى في هذا المجال منها:
• المشاركة في دعم الحركة المسكونية: من خلال مجلس كنائس الشرق الأوسط، وانضمام الكنيسة القبطية له، وقد أصبح رئيسًا لمجلس كنائس الشرق الأوسط حتى رحيله.
• المشاركة في تأسيس مجلس كنائس كل إفريقيا: حيث كان نائبًا لرئيسه لفترات طويلة، وفي عام 1976م اجتمع المجلس في القاهرة والإسكندرية، ومن مقر الكنيسة المرقسية بالإسكندرية اجتمع المجلس وأصدر بيانًا يعلن فيه تطلعه إلى أن تكون كنيسة الإسكندرية رائدة الكنائس الإفريقية، حيث إنها تقدم نموذجًا للتراث الإفريقي منذ فجر المسيحية.
• شارك مراقبًا في أعمال مجمع الفاتيكان الثاني بروما، وكان عضوًا بارزًا في لجنة الحوار بين الكنيسة القبطية والفاتيكان، وفي كل من لجنتي التعاون بين الكنيسة القبطية وكل من الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية في مصر.
• شارك في العديد من المؤتمرات الوطنية، كما اهتم بتأسيس كنائس قبطية في بلاد المهجر لخدمتهم هناك.
• اهتم بوضع القانون الأساسي الذي تقوم بمقتضاه الكنائس وتلتزم به كي يظل ولاؤها الأول لمصر والوطن، وفي سبيل تفعيل تلك الخطوة اهتم بإنشاء دورية تحمل اسم “أبناؤنا في الخارج” لربطهم بالكنيسة الأم وتراثها العريق.
الدور الوطني لنيافته
يمكن القول إن الأنبا صموئيل كان هو صوت الكنيسة في مصر والخارج لدعم القضايا الوطنية، وعندما وقع الاعتداء الغاشم في يونيو 1967م، أوفد قداسة البابا كيرلس السادس نيافته ليقوم بجولة بين الكنائس المختلفة في سويسرا وألمانيا وإنجلترا وأمريكا وكندا، ففي سويسرا أجرى نيافته اتصالات مع هيئة الصليب الأحمر الدولية في جنيف بشأن الجرحى والأسرى، ولقد طالب نيافته بعقد اجتماع خاص لدراسة الموقف، فقرر المجلس عقد جلسة خاصة لذلك يوم 3 أغسطس 1967م تمهيدًا لاجتماع اللجنة المركزية للمجلس.
وفي ألمانيا شرح وجهة النظر العربية، فأوضح لهم عدالة القضية الفلسطينية، كما أوضح لهم أن العرب ساميون ولا يوجد لهم عداء نحو السامية. وفي أمريكا وكندا شرح وجهة النظر المصرية نحو القضية المصرية والعربية.
كما زار بعض أساتذة اللاهوت الذين كانت تخضعهم الدعاية الصهيونية وتجمع توقعاتهم لتأييدها، وكان من ثمار هذه الجهود أن أرسل بعض رؤساء الكنائس برقيات إلى قداسة البابا كيرلس السادس يظهرون فيها اهتمامهم بالموقف في الشرق الأوسط ويرسلون بعض الأدوية والمعونات، كما تقابل مع رئيس أساقفة كنتربري في لندن ثم البابا بولس السادس وشرح لهم القضية بالكامل.
تابع المؤتمرات الدولية منها مؤتمر كريت في أغسطس 1967م، والمؤتمر الرابع لمجلس الكنائس العالمي الذي عُقد في مدينة أوبسالا بالسويد في يوليو 1968م. ولقد كان من نتيجة كل هذه الجهود المتواصلة أن بدأ الرأي العام يتفهم الحق العربي، وشعرت إسرائيل بهذا التغيير فتخوفت من الموقف، وأودعت وثيقة سرية نشرت صحيفة (الأهرام) جزءًا منها في 3 يوليو 1969م، حذرت فيه الصهيونية من التأثير الخطير للكنائس على الرأي العام العالمي والتغير الذي حدث بالتعاطف مع العرب. كما جاء في قرارات مجلس الكنائس العالمي في اجتماع اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي بإنجلترا في أغسطس 1969م حيث جاء في فقرتها الثالثة “يؤمن مجلس الكنائس العالمي بأن الدول الكبرى بدعمها إنشاء دولة إسرائيل دون حماية حقوق الفلسطينيين أوقعت على الفلسطينيين العرب ظلمًا يجب إزالته”.
وفي حرب أكتوبر 1973م، عَقَد قداسة البابا شنوده (البطريرك الـ 117 من بطاركة لكنيسة القبطية الأرثوذكسية 1971-2012م) اجتماعًا مع الكهنة والجمعيات القبطية لحثهم على الإسهام في دعم المجهود الحربي، وطلب من كل كنيسة وجمعية تقديم تقرير يومي له عما تقدمه، كما شكل لجنة لجمع التبرعات ولجنة للإعلام الخارجي.
وقدمت الكنائس والجمعيات القبطية مبلغ 15 ألف جنيه، وأوفد قداسته نيافة الأنبا صموئيل لتسليمها للدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف في ذلك الوقت. كما قدَّمت الكنيسة 100 ألف بطانية لوزارة الشئون الاجتماعية، و30 ألف جهاز نقل دم لوزارة الصحة. وكان نيافته مرافقًا دائمًا لقداسة البابا شنوده في كل اللقاءات التي كان يلقيها الرئيس السادات في مجلس الشعب، كما حضر حفل رفع العلم المصري فوق العريش في 26 مايو 1979م مع قداسة البابا شنوده الثالث.
سافر نيافته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في خلال فترة التوتر عام 1980م لتهدئة مشاعر الأقباط الغاضبين هناك.
وخلال فترة الصدام بين الرئيس الراحل محمد أنور السادات (1970-1981م) وقداسة البابا شنوده الثالث (1971-2012م)، في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، كان نيافة الأنبا صموئيل واحدًا من بين الخمسة أساقفة الذين عُيِّنوا لإدارة شؤون الكنيسة آنذاك، وعُرف بميله لتحقيق السلام والتصالح بين الكنيسة والدولة، وإزالة أسباب الخلاف وسوء الفهم.



