إدارة المعرفة والتنمية
- Sermon By: د. محمد رؤوف حامد
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
عندما وصلتني رسالةُ الدعوة إلى الكتابة في هذا الموضوع، «إدارة المعرفة والتنمية»، تلاحقت في ذهني أحداثٌ وتناولاتٌ عديدة، تتداخل مع بعضها بوضوح، وكأنها جميعًا قد جرت بالأمس، بينما تعود في الواقع إلى فترةٍ زمنيةٍ تمتد إلى نحو نصف قرن.
من أكبر ما جذب انتباهي من هذه التاريخيات مكالمةٌ هاتفيةٌ وصلتني في منتصف عام 2017، أثناء وجودي في مهمةٍ بيروقراطيةٍ مع أحد المديرين في مؤسسةٍ حكوميةٍ كبيرة. ولأن الرقم الذي ظهر على هاتفي المحمول كان غريبًا، لم أُجب عن الاتصال، مفضلًا التركيز في المهمة التي كنت بصددها. ومع تكرار رنين الهاتف من الرقم نفسه، اضطررت إلى الرد، فإذا بالمتحدث يفاجئني، بصوتٍ عالٍ تنطوي نبرته على حدةٍ واضحة، مستفسرًا:
• هل أنت الدكتور “فلان…”؟
– نعم، أنا “فلان…”، مَن المتحدث؟
• أنا صبري الشبراوي.
– حضرتك أستاذ الإدارة؟
• أيوه أيوه.
كان ذلك مفاجئًا لي؛ إذ أعرف هذا الاسم جيدًا، بينما لم تكن بيننا أيُّ علاقةٍ أو معرفةٍ سابقة. إنه أحد كبار أساتذة الإدارة، وكان قد عاد إلى مصر هو وأسرته الأمريكية بعد أن عمل سنواتٍ في الولايات المتحدة واليابان وغيرهما، حيث التحق، مؤخرًا، أستاذًا بالجامعة الأمريكية في القاهرة.
أيضًا، كان هذا الرجل، قبل هذه المكالمة بأيامٍ عدة، قد حاز جائزة النيل في العلوم الاجتماعية، وهي أرفع جائزةٍ تمنحها الدولة في مصر.
ومن دون مقدمات، فوجئت به يسألني، بصوتٍ عالٍ يكاد يبلغ حدَّ الصراخ:
• أنت صاحب كتاب “إدارة المعرفة.. رؤية مستقبلية”؟
– نعم يا افندم.
• قل لى .. هل قررت وزارة التعليم تدريس هذا الكتاب في أي من المرحلتين الإعدادية أو الثانوية؟
– لا يا افندم، ماحصلش.
وإذا بالدكتور الشبراوي يصيح غاضبًا، ناقدًا المسؤولين عن التعليم، بكلماتٍ يملؤها لومٌ شديدٌ وقاسٍ.
طبعًا، شكرته على فضله، وعلى أهمية رأيه بالنسبة إلى كتاب العبد لله، وعلى كريم مكالمته، وتواعدنا على اللقاء. وبالفعل، تشرفت بعد ذلك بفترةٍ بلقائه في منزله بالمعادي، حيث أمضيت وقتًا طيبًا معه في مكتبته، التي خصص لها الدور الأرضي.
بالنسبة إليَّ، كان للمكالمة الهاتفية من الدكتور الشبراوي معنًى جميل؛ باعتبارها قادمةً من أحد كبار أساتذة الإدارة، ولا سيما أنه أحد أبرز الخبراء في التنمية البشرية. وفي الوقت نفسه، جسَّد اهتمامه أحد الملامح التي تكررت، وتشرفت بها، بشأن القبول والاهتمام اللذين حظي بهما هذا الكتاب منذ صدوره عام 1998، أي قبل هذه المكالمة الطيبة بنحو عقدين من الزمان.
وبينما كانت ثورةُ الدكتور الشبراوي، في المكالمة الهاتفية، تتعلق بعدم إدراج الكتاب ضمن المقررات الدراسية في المدارس، فإن الموضوع نفسه، أي «إدارة المعرفة»، يُعد في حدِّ ذاته ثورة. ولا يتعلق هذا الاعتبار بهذا الكتاب وحده، وما تلاه من تداعيات في العديد من الجرائد والمجلات والندوات، في مصر وخارجها، وإنما يتعلق أيضًا بالعلاقات الجدلية/التكاملية بين «المعرفة» من جانب، وسائر مجالات الحياة، وفي مقدمتها التنمية، من جانبٍ آخر.
من هنا، يبزغ تقديري لدورية «النسور» وللقائمين عليها؛ لاهتمامهم بمسألة «إدارة المعرفة والتنمية». ومن منطلق هذا التقدير، أسعد بأن أخطو مع القارئ الكريم في رحلةٍ طويلة، ولكنها موجزة، بخصوص هذه المسألة.
أولًا: الوصول إلى نظرية “التقدم الأُسِّيُّ”
في أثناء دراستي للدكتوراه في وارسو، كنتُ مهمومًا ببدء ظهور اتجاهٍ يُنبئ بتخلي المبعوثين عن العودة إلى الوطن بعد حصولهم على الشهادة. لقد قادني ذلك إلى عقد ندوةٍ (في 6 يونيو 1976)، تحت مظلة اتحاد الطلاب المصريين في بولندا، استهدافًا للحث على العودة إلى مصر، والمساهمة في تنميتها بواسطة المعرفة العلمية التي يكونون قد حصلوا عليها في خلال دراساتهم للدكتوراه.
نشأ هذا الجهد من خلال اتجاهٍ تلقائيٍّ للعمل بما ينبغي أن يكون، وبصدق النوايا الطيبة لدى غالبية المبعوثين.
وقتها، لم أكن قد انتبهت بعد إلى عِظَم أهمية المعرفة بالنسبة إلى التنمية. وبعدها بعدة أشهر، وبعد حصولي على الدكتوراه في النصف الأول من عام 1977، صار لديَّ من البال والوقت ما يمكن أن يساعدني في السعي إلى الإجابة عن سؤالٍ كان يشغلني من قبل، وهو: «كيف يمكن لمجتمعٍ (أو لبلدٍ) غير متقدم أن ينتقل إلى مسار التقدم، بحيث يصل، مع مرور الزمن، إلى أن يصبح مشاركًا للدول المتقدمة في التنافسية؟».
بزغ هذا التساؤل من أحاسيس متباينة بشأن مستقبل البلدان النامية، كما كانت تُسمَّى آنذاك، والتي يُطلَق عليها حاليًّا «بلدان الجنوب».
كنتُ أحسُّ بأن المعرفة العلمية لا بد أن تكون قد وصلت إلى رؤًى ومساراتٍ تحمل الإجابة عن تساؤلي، وأن عليَّ السعيَ إلى التعرُّف إلى هذه المعرفة.
وبينما كنتُ مرافقًا لرفيقة حياتي، الدكتورة سلوى عبد الله متولي، أثناء استكمالها أبحاثَ الدكتوراه، كنتُ أسعى، من خلال تعاونٍ جميلٍ من زملائي الطلاب المصريين الذين كانوا يدرسون في «الإس جي بي آي إس (SGPiS)» (الجامعة البولندية الكبرى في الاقتصاد والمجالات ذات الصلة)، إلى التعرُّف إلى الكتب التي يمكن أن تكون ذات صلةٍ بتساؤلي، وكذلك إلى متابعة ما يُنشر في الدوريات العلمية.
استمر ذلك على مدى أكثر من عام، ولم أصل إلى إجابةٍ عن تساؤلي، لا من خلال المعرفة العلمية المتاحة، ولا من خلال المناقشات العميقة والمطولة مع الدارسين والمتخصصين.
بعد ذلك، في الربع الأخير من عام 1978، اضطرتني ظروفي إلى ترك عائلتي الصغيرة في وارسو والسفر للتدريس في جامعة الفاتح (طرابلس – ليبيا). وبينما انشغلت بإعداد المحاضرات، لم يتخلَّ ذهني عن البحث عن إجابةٍ لتساؤلي المتعلق بالطريق الذي يمكن أن تسلكه بلدان الجنوب للالتحاق بمسار التقدم، ومنافسة البلدان المتقدمة.
مع انشغالي بهذا السؤال، على مدار الساعة، وعلى مدى أكثر من عام، صار له مكانٌ رئيسيٌّ ظاهرٌ في وعي العبد لله. كنتُ أحمله معي في كل الأماكن، وفي معظم اللقاءات، الأمر الذي أظنه قد انعكس على ما في داخلي من اللاوعي.
وبينما كنت على هذا الحال، سواء أثناء قيامي بواجباتي العلمية والتعليمية في ليبيا، أو خلال سفرياتي القصيرة المتتابعة إلى وارسو لأكون مع عائلتي الصغيرة، إذ أتاني تفتُّحٌ ذهنيٌّ ذاتيٌّ داخليٌّ على «فرضية» تختص بالإجابة عن السؤال طويل الأجل، الذي جرت الإشارة إليه في السطور السابقة.
تتمثل هذه الفرضية في أن ما أصبو إليه من إجابةٍ عن هذا التساؤل لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال إحداث تقدمٍ أُسِّيٍّ (أي متسارعٍ بدرجةٍ أُسِّيَّة).
تكوَّنت لديَّ قناعةٌ بهذه الفرضية. ومن خلال البحث والتفكر في «التقدم الأُسِّي» بوصفه مفهومًا، وإمكانًا، وكيفيةً، تبلورت رؤيةٌ كانت تكتمل يومًا بعد يوم، في أبعادها وبنيتها.
وبينما كانت الفكرة تقترب، أو ربما كانت قد اقتربت، من اكتمالها التأسيسي، أي أصبحت واضحةً في أساسياتها بوصفها فرضيةً منطقيةً تصلح لأن تكون ذات جدوى تطبيقية، بمعنى أنها غدت فكرةً قادرةً على التلامس مع وقائع التقدم ومتطلباته، أصبح من الضروري أن أنقلها إلى أقرب الناس إلى العبد لله؛ ممن أثق بصدقهم الأخلاقي والمعرفي، ويحملون في داخلهم هموم الصالح الإنساني العام.
وبالفعل، نقلت فكرة «التقدم الأُسِّي» إلى شخصيتين صديقتين عزيزتين: الأستاذ الدكتور فتح الله الشيخ، أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الفاتح آنذاك (والأستاذ المتفرغ حاليًّا بجامعة جنوب الوادي)، والدكتورة سلوى عبد الله متولي، رفيقة الحياة، وأستاذة علم الأدوية (الفارماكولوجيا)، رحمها الله.
هذا، ويمكن تعريف التقدم الأُسِّي بأنه الاستخدام الأمثل للزمن، والجهد، والموارد، والمعارف، والمعلومات، والعلاقات… إلخ، بحيث تُركَّب هذه العناصر بعضها مع بعض بطريقةٍ تجعل الإنجاز يتحقق ويتقدم كمًّا وكيفًا بسرعةٍ أُسِّيَّة.
كانت هذه هي خلفيات نشأة «التقدم الأُسِّي» بوصفه رؤيةً نظريةً. ثم تتابع بعد ذلك عرضُه ومناقشتُه في صالوناتٍ ثقافية، كان من أبرزها صالونا الدكتور شكري عياد في المعادي، والدكتور عبد المنعم تليمة في بين السرايات، وكذلك في منتدياتٍ فكريةٍ وأكاديمية، وفي بعض الجامعات ومراكز البحوث، مثل: كلية العلوم بجامعة القاهرة، ومؤتمر الفلسفة بكلية الآداب بجامعة حلوان، ومركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. هذا فضلًا عن تناول «التقدم الأُسِّي» بالكتابة في بعض الصحف والدوريات الثقافية، ومن أبرزها جريدة «الأهرام» ومجلة «العربي» الكويتية. ومع مرور الوقت، ظهرت أطروحة «التقدم الأُسِّي» في صورة فصولٍ ضمن بعض الكتب، كما تناولتها برامجٌ حواريةٌ إذاعيةٌ وتلفزيونية.
وهكذا، تواصل الطرح الثقافي والفكري لـ«التقدم الأُسِّي» بوصفه نظريةً، الأمر الذي تُوِّج بصدور كتابٍ مستقلٍّ بعنوان: «التقدم الأُسِّي: إدارة العبور من التخلف إلى التقدم» (المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1998).
وبالتوازي مع تقديمه بوصفه أطروحةً، جرى تطبيق «التقدم الأُسِّي» -ضمن نطاق التعاملات والمسؤوليات التي باشرها كاتب هذه السطور- في مجالين: التعليم الجامعي، والبحث العلمي.
في المجال الأول، جرى تطبيق «التقدم الأُسِّي» في العملية التعليمية أثناء العمل بكلية الصيدلة الليبية في أواخر السبعينيات. هذا، ويمكن التعرف إلى طبيعة المخرجات (التعليمية والبحثية) من خلال فصلٍ خُصِّص لها في كتابٍ صدر باللغة الإنجليزية عن دار نشر Cambridge Scholars Publishing، ثم تُرجم إلى العربية لاحقًا بعنوان: «الإسهامات العربية في الثقافة العالمية» (مكتبة الإسكندرية، 2020).
وأما في مجال البحث العلمي، فقد جرى تطبيق منهجية «التقدم الأُسِّي» في إنشاء وإدارة مركز الإتاحة الحيوية للأدوية بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية خلال الفترة (1988–1994)، وكان أول مركزٍ من نوعه في مصر والعالم العربي.



