فكر التنمية السياسية في المجال العام
- Sermon By: الدكتور القس موريس يوسف
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
فكر التنمية السياسية في المجال العام:
أبراهام كايپر أنموذجًا!
واجه الإيمان المسيحي منذ بدايته تحديات عديدة. بعض هذه التحديات تعلقت بطبيعة الإيمان المسيحي ذاتهِ؛ ما هو صلب العقيدة المسيحية؟ ما هو جوهر هذا الإيمان؟ نتجت بعض التحديات الأخرى عن كيف يمكن أن يعاش هذا الإيمان المسيحي في العالم؟ ما هي علاقة الإيمان المسيحي بالثقافة والمجتمع، بالعلوم المختلفة والفنون، بالسياسية والتعليم؟ وما بين اللاهوت العقيدي والتطبيق العملي تعيش الكنيسة دومًا هذا التوتر الخلاق.
تتعاقب الأزمنة وتتغيّر التحديات التي تواجهها الكنيسة، لكن تظل دعوتها أن تكون ملحًا للأرض ونورًا للعالم هي بوصلة كنيسة الرب يسوع للقيام برسالتها ودورها في العالم. صارعت الكنيسة مع هذه الدعوة منذ مولدها حتى يومنا هذا. كيف نعمل مع الله لخلق عالم أفضل؟ كيف تتجسّد الكنيسة، جسد المسيح، للمجتمع؟ ما هي الطريقة الأمثل للتفاعل المجتمعي؟ كيف تكون الكنيسة أمينة لدعوتها في العالم دون أن تفقد هويتها أو تساوم عليها؟ صارعت الكنيسة عبر تاريخها الطويل مع هذه الأسئلة واتخذت خدمتها أشكالًا عديدة ما بين المد والجزر، الاندماج والتقوقع، الفعل ورد الفعل، المواجهة والمهادنة، الانسحاب والمشاركة.
لكن بغض النظر عن كيفية فهم الكنيسة لدعوتها في زمانها ومكانها، وبغض النظر عن كونها أصابت أو أخطأت، لعب الفكر اللاهوتي دورًا مركزيًّا في صياغة خارطة طريق، استراتيجية، لشكل ومضمون التفاعل المجتمعي سواء كان سلبًا او إيجابًا. تناقش هذه الدراسة فكر التنمية السياسية في المجال العام مع التركيز على اللاهوتي الهولندي أبراهام كايپر كنموذجٍ لهذا التفاعل الإيجابي. سأقدم أولًا نبذة مختصرة جدًّا عن كايپر ثم أعرض لثلاث أسس لاهوتية لفكر التنمية السياسية في المجال العام.
من هو أبراهام كايپر؟
وصفه أعداؤه بأنه “مقاوم ذو عشرة رؤوس ومائة يد”، كما وصفه أصدقاؤه بأنه “عطية سخية من الله لزماننا.” إنه اللاهوتي والسياسي الهولندي أبراهام كايپر (١٨٣٧-١٩٢٠م). لقد كان كايپر عبقريًّا حباه الله كثيرًا من المواهب التي استخدمها بأمانة واتضاع شديدين لخدمة الله وخير البشرية.
قبل موته عام ١٩٢٠م في سن الثالثة والثمانين، نشر أبراهام كايپر العديد من الكتابات اللاهوتية القيّمة، المقالات الأكاديمية، التحليلات الصحفية، عدة كتب تحوي عظاته، وعدة أجزاء تحتوي على مقالاته وخطبه البرلمانية. كانت مراسلاته الشخصية أيضًا كثيرة وغنية شملت الكثير من أفكاره ومشروعاته ورؤيته للكثير من الأمور. كان كايپر مخططًا رائعًا لديه القدرة على العمل على محاور عديدة في آن واحد.
في عام ١٨٦٧م، وضع كايپر اللبنة الأولى لتأسيس أول مؤسسة لدراسة تاريخ الإصلاح الإنجيلي في هولندا. في عام ١٨٦٨م وُلدت Marnix Vereeniging أول مؤسسة سلطت الضوء على تاريخ الإصلاح بهولندا. كان كايپر أيضًا ناشطًا في المسيرة التعليمية فانضم لاتحاد المدارس المسيحية القومية التي دافعت عن حرية التعليم المسيحي في المدارس الخاصة وساعدت في ارتقاء التعليم في هولندا. في عام ١٨٨٠م، أدرك أهمية التعليم المُصلَح الجامعي فأسّس جامعة مسيحية هي “جامعة أمستردام الحرة The Free University in Amsterdam”. ساعد كايپر أيضًا في ميلاد كنيسة مصلحة جديدة عام ١٨٨٦م تكونت أساسًا من كنائس محلية وأفراد ضاقوا ذرعًا بالكنيسة المصلحة التابعة للدولة والتي لم تكن إلًا بوقًا لسياسة الحكومة الهولندية. لم يغفِل كايپر الفقراء والطبقة الكادحة فنظّم عام ١٨٩١م مؤتمرًا كبيرًا ناقش فيه دور الكنيسة نحو الفقراء والمهمشين. شملت اهتمامات وانشغالات كايپر أيضًا عالم الصحافة فعمل محررًا عامًّا لما يقرب من خمسة عقود لإحدى الجرائد القومية التي كانت تصدر يوميًّا. شغل كايپر منصب رئيس وزراء هولندا في الفترة من عام ١٩٠١م حتى عام ١٩٠٥م. ألبس كايپر الكالڤينية الكلاسيكية ثوبًا بهيًّا ومكّنها من التحدث بلغة العصر والذي عرف بـ “الكالڤينية الجديدة أو Neo Calvinism”.
السؤال الذي تجيب عنه هذه الدراسة هو: ما الذي جعل أبراهام كايپر، وهو اللاهوتي الكالفيني المُجدِّد والأستاذ الجامعي، أن ينشغل بفكر التنمية السياسية في المجال العام؟ ما الأسس اللاهوتية التي بنى عليها كايپر دعوته للمجال السياسي؟ أعرض في هذه الدراسة أنَّ نقطة انطلاق كايپر للانشغال بالشأن العام هو فكر الكالڤينية الجديدة، والتي لا تختلف في جوهرها عن الكالڤينية الكلاسيكية، بل استكمالًا لها وبعث روحٍ جديدة قادرة على مخاطبة الثقافة الهولندية والأوربية في القرن التاسع عشر. ولا سيما في أعقاب الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، نشر كارل ماركس أجندته الشيوعية عام ١٨٤٨م، ونشر تشارلس داروين كتابه “في أصل الأنواع On the Origin of Species” عام ١٨٥٩.
لا يختلف اثنان اليوم أنَّ مصدر إلهام هذا الرجل وعطائه هي رؤية روحية عميقة وجدت جذورها في اللاهوت المصلَح بشكل عام والفكر الكالڤيني بشكلٍ خاص. ثلاثة أسس كان لهم أعظم الأثر في تشكيل الفكر اللاهوتي لكايپر بخصوص التفاعل المجتمعي وفكر التنمية السياسية في المجال العام. هذه العقائد الثلاث هي: عقيدة سلطان الله المطلق، عقيدة النعمة العامة، وعلاقة تصالحية بين الإنجيل والحضارة.
أولًا: عقيدة سلطان الله المطلق
شكّلت عقيدة سلطان الله المطلق العمود الفقري لفكر كايپر اللاهوتي. آمن كايپر أنَّ الله ملك، صاحب سلطان مطلق، غير محدود. لا يقتصر سلطان الله علي المجال الروحي فقط، بل يشمل أوجه الحياة كلها؛ الفكر والثقافة، الكنيسة والمجتمع، الروحي والزمني. ألهمت هذه البديهية اللاهوتية الراسخة الهدف الأسمى الذي تبناه كايپر لحياته وهو تجديد وإحياء الكنيسة والأمة الهولندية لخلق عالم أفضل. عبّر كايپر عن هذا الهدف قائلًا: “لديَّ رغبة واحدة قد امتلكت قلبي وحياتي. دافع واحد قد أصبح هو الحافز لعقلي وروحي. لتُفارقني أنفاس الحياة إن أردت أن أتخلى عن هذه الضّرورة المقدسة التي وضعها الرَّبُّ عليَّ. على الرغم من كل المقاومة التي نجدها في العالم اليوم، لتُعلن طرق الرَّبِّ في البيت، في المدرسة، وفي الدَّولة لخير كل الناس؛ لتُحفر طرق السيد الرَّبّ كما لو أنها محفورة في ضمير هذه الأمَّة كما يشهد عنها الكتاب المقدَّس والخليقة، حتَّى تعود الأمَّة لله”.
وجد كايپر في الكالڤينيَّة الجديدة أو الـ – Neo Calvinism وهي الكالڤينيَّة بعد عصر الحداثة أو الـ Modernity أو الكالڤينيَّة في ضوء الحداثة- منهاجًا مُتميزًا للتفاعل المجتمعيّ. تهدف الكالڤينيَّة الجديدة إلى بناء رؤية كونيَّة شموليَّة مركزها الله. تبدأ هذه الرؤية بقناعة كاملة ويقين راسخ بسلطان الله، فكل أركان هذا الكون الشَّاسع، وكل نشاط بشريّ سواء كان دينيًّا أو عالميًّا، ينبغي أن يكون خاضعًا لسلطان الله. طوّر كايپر فكرة شموليَّة مجال سلطان الله أو Sphere Sovereignty لكي يؤكد حقيقة أنَّ سلطان الرَّبِّ يسوع يشمل كل ركن وكل مجال من مجالات الحياة المختلفة سواء كانت الأسرة، الكنيسة، الدَّولة، مجالات التعليم والفلسفة والفنون، العلوم واللَّاهوت. في خطابه الافتتاحي في أثناء حفل تدشين جامعة أمستردام الحرة أو The Free University of Amsterdam عام ١٨٨٠م قال كايپر كلمته الشهيرة “لا يوجد جزء واحد من عالمنا الفكريّ في انفصال عن الباقي، ولا يوجد سنتيمتر واحد في كل الوجود الإنساني لا يعلن عليه الرَّبُّ يسوع – كُلِّيّ السُّلطان– هذا لي!”.
بالنسبة لـكايپر، لم تكن الكالڤينيَّة مُجرد طائفة أو حتَّى نسق فكريّ وعقيديّ. الكالڤينيَّة أكبر وأشمل من هذا بكثير. في وجهة نظري، الكالڤينيَّة هي عالم في ذاتها وطريقة لرؤية الحياة تمكِّننا من فهم الواقع الإنساني بكل تناقضاته. طبقًا للكالڤينيَّة الجديدة، لكل واحد من شعب الرَّبِّ دعوة خاصَّة ومحدَّدة من الله طبقًا لوظائفهم في الحياة. عندما نقوم بوظائفنا في الحياة من هذا المنظور، فإنّ الله يسترد، ويجدِّد، ويفدي المجالات الطبيعيَّة والروحيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة للخليقة. يعمل المؤمنون في العالم في كل هذه المجالات المختلفة، كل بحسب دعوته، لكي يحضروا العالم للمسيح الذي تخضع له كل الخليقة بحق الخلق والفداء.
يعطي هذا النموذج المُصلَح للمسيحيين ما يحتاجون ليكونوا وكلاء حكماء في المجتمع وفي الوقت نفسه يحمي الكنيسة كمؤسسة من القيام بدور الوصاية على أعضائها وإملائهم أيَّة سياسات عامَّة. نبّر كايپر أيضًا على احتياج الدَّولة أن تمارس سلطانها في مجالها الخاصّ وفي المسؤوليات المنوطة بها. يقول كايپر: “يجب ألَّا تكون الدَّولة مثل الأخطبوط الذي يخنق كل أوجه الحياة. يجب على الدَّولة أن تؤدي رسالتها فيما أؤكل إليها، وبالتالي تحترم وتعضِّد كل أشكال الحياة التي تنمو باستقلاليّة داخل الكيان الأكبر”. تعتبر عقيدة سلطان الله المطلق هي الركيزة الأساسيَّة للتفاعل المجتمعي والذي يمكّن تلاميذ المسيح في العالم من القيام بمسؤولياتهم وأدوارهم المختلفة في المجتمع.
ثانيًا: عقيدة النّعمة العامَّة
تمثِّل عقيدة النّعمة العامَّة اللَّبِنَة الثَّانية في فكر كايپر بخصوص دور الفكر اللّاهوتيّ في خلق آليَّة للتفاعل المجتمعيّ عامَّةً وفي تطور فكر التنمية السياسية خاصَّةً. على الرغم من اتساع الفجوة بين عالمين مختلفين تمامًا، العالم في صورته السَّاقطة والعالم في صورته المفديَّة، إلَّا إنّ هناك رجاء في رَتق الفجوة بينهما. هناك نقطة التقاء مُهمة بين المسيحيّ والعالم، بين عالم المؤمنين وعالم غير المؤمنين. نقطة الالتقاء هذه لا يمكن أن تكون إنكارًا أو تقليلًا من آثار الخطيَّة على عالمنا وكأن السقوط لم يحدث ولم تدخل الخطيَّة عالمنا لأنَّه وقتها سنكون أنصاف بيلاجيون [نسبة إلى بيلاجيوس] مما يتنافى مع العقيدة الكالڤينيَّة بفساد الإنسان الكامل. بالإضافة إلى مفهوم سيادة الله وسلطانه، رأى كايپر في مفهوم النّعمة العامَّة أو Common Grace الدور الإلهيّ في خلق عالمٍ أفضل. إنَّ المرض عِضال، كل الرأس مريض وكل القلب سقيم، وبالتالي هذا التناقض والتضاد بين ما هو كائن وما يجب أن يكون يحتاج فيها عالمنا إلى تدخل إلهيّ. بالطّبع التعليم عن النّعمة العامَّة لم يكن تعليمًا جديدًا قدمه كايپر فقد نادي به المصلح چون كالڤن من قبله، لكنَّ كايپر توسّع فيه ووظّفه كآليَّة للتواصل والتفاعل المجتمعيّ.
لكن ما المقصود بـ”النّعمة العامَّة”؟ بالإضافة إلى النّعمة المُخلِّصة، وهي عطيَّة الله الخاصة لمختاريه، هناك أيضًا نوع آخر من النّعمة التي أسبغها الله على كل البشر. بينما نجد أنَّ النّعمة الخاصة تُجدِّد قلوب المختارين وتُغيَّرها، نجد أنَّ النّعمة العامَّة تُقيِّد نتائج الخطيَّة المُدمرة في قلوب البشر عامَّةً وتمكّنهم أن يطوروا وأن يتبنّوا بعض المُبادرات الخيِّرة. من خلال النّعمة العامَّة، يمكن أن يقدم كل إنسان أشياء إيجابيَّة تُضيف للخير والصّالح العامّ كما أمرنا الله قبل السقوط.
من هذا المنظور يمكننا أن نقول إنَّ الحضارة والتقدم في مجالات الحياة المختلفة والإبداع لا ينبع من الشرّ أو الشيطان، بل من الله الذي أعطى نعمته بغنى لخلائقه. ففي حين نَجد أنَّ الأشخاص غير المُجدِّدين عاجزون عن فعل ما هو صالح روحيًّا، لكنهم قادرون على القيام ببعض الصّلاح مدنيًّا واجتماعيًّا. “كِلتا المجموعتين شُركاء مع الله وأدوات في يد الله.” بهذا المفهوم يتَّضح لنا كيف أنَّ كايپر لم يُعادِ حركة التنوير إذ إنها بالفعل أسقطت أنظمة قديمة وكانت السبب المباشر في ميلاد أنظمة اجتماعيَّة ديمقراطيَّة خفّفت أعباء البشر ومعاناتهم الاقتصاديَّة والسياسيَّة. ومع ذلك انتقد كايپر بعض ملامح عصر النهضة خاصَّةً معاداتها للدين ومناداتها باستقلاليَّة الإنسان كبديل لسلطان الله المطلق على حياتنا.



