اسم الكاتب : القس جادالله نجيب
كان “الذكاء الاصطناعي” مجرد حلم طرحه المخرجون في أفلام الخيال العلمي حتى منتصف القرن العشرين، إلا أنه أصبح اليوم واقعًا ملموسًا نلجأ إليه في كثيرٍ من الأوقات حتى إن كنا في بعض الأحيان لا ندرك ذلك. في كتابه، الواقع: العوالم الافتراضية ومعضلات الفلسفة، يرى الفيلسوف الأميركي- الأسترالي (ديفيد تشالمرز)[1] أن الواقع الافتراضيَّ في العقود القليلة المُقبِلة سيكون غير قابلٍ للتمييز indistinguishable عن الواقع الفيزيائي (المادي) الموصوف بأنه واقع حقيقي، وسيغدو جهدًا لا معنى له إذا حاولنا التفريق بين العالمين؛ فالواقع الافتراضي سيكون واقعًا أصيلًا كما الواقع الحقيقي. ويسجل مثالًا مثيرًا للدهشة عن فيلسوف صيني يُدعَى (زوانج زو) عاش في الصين في القرن الرابع قبل الميلاد. كتب (زو) عن حلمٍ رآه في منامه تحول فيه إلى فراشةٍ، وبعدما استيقظ من منامه ابتدأ يسأل نفسه: هل هو حقًّا (زوانج زو) الذي حلم بأنه صار فراشةً، أم أنَّه فراشة حلمت بأنها صارت (زوانج زو)؟ يعلق (تشالمرز) أننا أبعدُ ما نكون عن بلوغ إجابةٍ دقيقةٍ لهذا السؤال حتى في يومنا هذا، ويضيف قائلًا: “عالم الحلم هو نوعٌ من العالم الافتراضي؛ لكنه من غير حاسوبٍ!”، ثم يكمل: “العالم الذي نعيش فيه قد يكون عالمًا افتراضيًّا. لستُ أقول إنه عالمٌ افتراضيٌّ حتمًا؛ لكن كونه عالمًا افتراضيًّا هو احتمالٌ لا يمكننا استبعاده”.[2] إلا إن هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل سيكون تدريجيًّا. والسؤال الحتميُّ هو إذا كان العالم الافتراضي يتماشى مع الواقع، فهل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعيُّ واعيًا في يومٍ ما، أي يتجاوب مع عواطف الإنسان ومشاعره؟ يجيب (ديفيد تشالمرز) بسؤالٍ مقابلٍ عن ماهية الوعي أصلًا، الذي مازال لغزًا، لذلك لا نعرف بعد كيف يمكن أن ينشأ الوعي في نظامٍ رقميٍّ؛ لأننا لا نعرف أصلًا كيف ينشأ الوعي في أنظمتنا البيولوجية.[3]
كتب (تشالمرز) كتابه عام 2021، وها العالم اليوم في عام 2024 يشهد تفاعلاتٍ غير مسبوقةٍ في مجال الذكاء الاصطناعي الذي غيَّر خريطة العالم، وفرض عليه أن يقف عند فجرِ حقبةٍ جديدةٍ، ستغير حياة البشرية والطريقة التي تعيش وتعمل بها في عددٍ كبيرٍ من المجالات والقطاعات المختلفة، مع الإقرار في الوقت نفسه أننا ننتظر مستقبلًا غامضًا محفوفًا بالمخاطر.
يحوي عنوان هذا المقال موضوعَيْن: الأول هو الذكاء الاصطناعي والثاني علاقة الذكاء الاصطناعي بالتلمذة المسيحية. وسنتعرض إلى تعريف الذكاء الاصطناعي، والمساهمين في ظهوره على الساحة العالمية، ثم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. ثم تعريفًا للتلمذة المسيحية، وكيفية تسخير الذكاء الاصطناعي في بناء برامج التلمذة، وما التميز الذي تحدثه التلمذة أكثر من الذكاء الاصطناعي؟
ما الذكاء الاصطناعي (AI)؟
تحديد ما إذا كانت الآلة التي نستخدمها تتَّسم بالذكاء الاصطناعي أمرٌ صعبٌ ونسبيٌّ؛ فلا يوجد تعريف مُحدَّد للذكاء، يمكن أن نعرف الذكاء الاصطناعي على أنه فرعٌ من فروع العلم الذي يهتم بالآلات التي تستطيع حل المشكلات والمعضلات التي يستخدم الإنسان ذكاءه (عقله) لحلها واتخاذ القرار.[4] فهو علوم الحاسوب المُخصَّصة لحل المشكلات المعرفية المرتبطة عادةً بالذكاء البشري، مثل التعلم والإبداع والتعرف على الصور. تجمع المؤسسات الحديثة كمياتٍ كبيرةً من البيانات من مصادر متنوعةٍ، مثل أجهزة الاستشعار الذكية والمحتوى الذي ينشئه الإنسان، وأدوات المراقبة وسجلات النظام. تهدف هذه التكنولوجيا إلى إنشاء أنظمة ذاتيَّة التعلم تستخلص المعاني من البيانات، وإلى تطبيق هذه المعرفة بغرض حل المشكلات بطرق تشبه عمل العقل الإنساني، كالاستجابة للمحادثات البشرية، وإنشاء صور ونصوص أصلية، واتخاذ القرارات وتسريع الابتكارات بناءً على مدخلات البيانات في الوقت الفعلي.[5] عرض هذا التعريف (مارفن مينسكي)، أحد أشهر العلماء المختصين في العلوم الإدراكية والمعرفية في مجال الذكاء الاصطناعي في كتابه في الطريق لبناء الذكاء الاصطناعي. وبناءً على هذا التعريف لا تندرج كل الآلات التي تقوم بمهام معينة تحت مصطلح الذكاء الاصطناعي. من أبرز الأمثلة على الآلات الذكية تلك التي تدرس أثناء تأدية مهامها المسألة وتتخذ القرارات بناءً على ما تنتهي إليه عملية الدراسة، محاكيةً بذلك تفكير الإنسان. أما علماء الحاسوب المعاصرون فيعرِّفون الذكاء الاصطناعي كنظامٍ قادرٍ على إدراك بيئته واتخاذ إجراءات لتعظيم فرص النجاح في تحقيق أهدافه، وعلاوةً على ذلك، قدرة ذلك النظام على تفسير وتحليل البيانات بطريقةٍ تتعلَّم وتتكيَّف كلما سارت.[6]
الذكاء الاصطناعيُّ واقعٌ اجتماعيٌّ
أصبح الذكاء الاصطناعيُّ المُعبَّر عنه باللغة والكلمات، موضوعًا اجتماعيًّا بامتياز، على حدِّ قول (حنة آرندت)،[7] التي توقعت في كتابها أزمة الثقافة الصادر في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، مجيء يوم لن يكون فيه الإنسان قادرًا على الفهم والتفكير والتعبير عن الأشياء، وهي بالتأكيد أشياء يستطيع فعلها. عندها سيصير كل شيء بحسبها كما لو أن عقل الإنسان وخلاياه العصبية التي تنطلق منها الأفكار والذكريات والسلوكيات والانفعالات والتحكم في الجسم وتنسيق قدراته على التحرك واللمس والشم والذوق والسمع والرؤية وتشكيل الكلمات، والتحدث والتعامل مع الأرقام، وتأليف وتذوق الموسيقى، والتعرف إلى الأشكال الهندسية وفهمها، والتخطيط للمستقبل والتخيل، لم يعد قادرًا على متابعة هذه الأفعال كلها، بحيث ستصبح البشرية في حاجة إلى آلات تتحدث وتفكر بدلًا منها. وها نحن نرى ما توقعتْهُ يتحقَّق على أرض الواقع.[8] يُستخدَم الذكاء الاصطناعي في عديدٍ من التطبيقات، من السيارات ذاتية القيادة والمساعدات الشخصية، إلى التشخيص الطبي والتنبؤ المالي.[9]
جذور تقنية الذكاء الاصطناعيِّ وتطوُّرها
ترجع أصول الذكاء الاصطناعي إلى الخمسينيات من القرن الماضي، عندما بدأ الباحثون لأول مرة في استكشاف إمكانية إنشاء آلاتٍ ذكيَّةٍ.[10] يُعد (آلان ماثيسون تيورنج) الفيلسوف البريطاني وعالم المنطق والرياضيات، ومحلل الرسائل المشفرة، ومطوِّر علم الحاسوب النظريِّ، والمؤسِّس الرسمي لمفهومَي الخوارزمية والحوْسبة، أحد أول الشخصيات وأكثرها نفوذًا في هذا المجال. يُشار إلى (تيورنج) على أنه “أبو الحوْسبة الحديثة.”[11] في عام 1950، قدم (تيورنج) ورقةً بحثيَّةً بعنوان: آلات الحوْسبة والذكاء، التي درس فيها مدى إمكانية استخدام الآلات في التفكير واستكشاف ما إذا كانت أجهزة الحاسوب يمكنها نسخ اللغة المنطوقة وترجمتها، ناحتًا لأول مرة مصطلح الذكاء الاصطناعي، ومقدمًا إياه مفهومًا نظريًّا وفلسفيًّا.[12] طور (تيورنج) فكرة “آلة الحوْسبة الشاملة”، والتي يمكن أن تحل الحسابات المعقدة، وقد عُرفت فيما بعد باسم “آلة تيورنج”، وكانت هي البدايات لما يعرف بالحاسوب الرقمي. ويرجع إليه الفضل في فك شفرة الرسائل العسكرية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. ففي ذروة القوة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، كانت الاتصالات الألمانية بين قيادات الجيش مشفَّرة من خلال جهاز تشفير مستخدم في ذلك الوقت يُسمَّى إنيجما (Enigma)، خاصة تلك التي بين سلاح البحرية وبين القيادات السياسية، وكان التشفير بهذه الطريقة على درجة من الدقة لا يمكن اختراقه بالعمليات الحسابية البسيطة. استطاع (تورينج) اختراق التشفير النازي عن طريق نظام حَوْسبي آلي يسمى “القنبلة”، وطوره (تورينج) عن نظام بولندي سابق، اعتمادًا على آلة تورينج.[13]
بعده طور العلماء خوارزميات تعلم الآلة، فأصبحت قادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات وتزويدنا بالمعلومات، واتخاذ قرارات أكثر ذكاءً وترجمة كلمات ونصوص إلى كل اللغات، والعمل على مدار الساعة طيلة أيام الأسبوع، من دون أن تنخفض معدلات الأداء، وأداء المهام اليدوية بلا أخطاء، والتركيز على المهام المتكررة والمملة، وتحديد الاتجاهات وتقديم التوجيه… إلخ. وكل ذلك من خلال محاكاة عمل الدماغ البشري وخلاياه العصبية.[14]
في السبعينات والثمانينات، بدأت أبحاث الذكاء الاصطناعي في تطوير تطبيقات محددة يمكنها أداء مهام محددة. واحدة من أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي ازدهارًا خلال ذاك الوقت كانت الأنظمة الخبيرة، والتي صُممت لتقليد قدرات صنع القرار للخبراء البشريين في مجال معين.[15] في التسعينات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجدد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، مدفوعًا في جزء كبير منه بالتقدم في تعلم الآلة. تعلم الآلة هي مجموعة فرعية من الذكاء الاصطناعي تتضمن استخدام الخوارزميات لتحسين أداء النظام تلقائيًّا بناءً على البيانات. أحد التطورات الحاسمة في تعلم الآلة هو ظهور الشبكات العصبية، التي صُمِّمت على غرار بنية الدماغ البشري وقادرة على التعلم والتكيف بناءً على مدخلات البيانات. استُخدِمت هذه التقنية لإنشاء أنظمة يمكنها التعرف على الأنماط واتخاذ القرارات بناءً على تلك المعلومات، مما يؤدي إلى تقدُّمٍ كبيرٍ في مجالاتٍ مثل التعرف على الصور والكلام.[16]
أخلاقيات
تشمل أنظمة الذكاء الاصطناعي عديدًا من القطاعات مثل الصحة، والتعليم، والترفيه، وغيرها. في السنوات الأخيرة، اكتسبت مجموعة من المهارات كالتالي:
مع كل المكسب الحقيقي للإنسانية من وراء الذكاء الاصطناعي، إلا إنه يفتح الباب على مصراعيه أمام أسئلة وجودية حقيقية حول ما إذا أصبحت هذه التقنية تحدد لنا ماهية الفكر وحدوده. وهذا ما استدعى قلق كثير من المراقبين، من سرعة انتشار التكنولوجيا وتداعياتها على الإنسان والثقافة والأخلاق. وبالتالي، فهذا يلقي بظلاله على بعض الأمور المهمة المتعلقة بمستقبل الإنسان وأخلاقياته، منها:
إذًا، فالحاجة ماسة إلى توفير:
التلمذة المسيحية
التلمذة المسيحية هي دعوة شخصية للتواصل مع الله باتباع يسوع المسيح، ومشاركة الآخرين بالإيمان لبناء مجتمع بشريٍّ يمارس التقوى والمحبة، مجتمع سويٍّ يعرف الله ويخدم الواحد الآخر. إذًا فالتلمذة هي رحلة بناء الشخص داخليًّا في علاقته بالله، ونضوجه روحيًّا، وفهمه لمعنى الحياة إنسانيًّا فيكون مُؤهَّلًا لمشاركة الآخرين في بناء مجتمع الله على الأرض. إذًا التلمذة ليست برنامجًا، ولا هي مجرد دورةٍ تدريبيةٍ تؤهل الفرد ليكون تلميذًا، بل هي علاقةٌ شخصيَّةٌ تربط الفرد بالله في رحلة الحياة من خلال ممارسة شركة بين الإله الحي والإنسان الذي يتوق أن يعيش حيًّا. الإنسان بطبعه كائنٌ اجتماعيٌّ؛ فعلاقته بالله، والتي تبدأ بدعوةٍ من الله تبرهن قوَّتها وصحَّتها بالعلاقة مع الآخرين ككائنٍ اجتماعيٍّ.
لا أكتب هنا بحثًا عن التلمذة، فليس هذا مجاله، لكنني أدوِّن بعض النقاط المهمة التي ترسم ملامحَ واضحةً تميِّز علاقة الذكاء الاصطناعي بالتلمذة المسيحيَّة.
ملامح التلمذة
الذكاء الاصطناعي كتقنيةٍ إلكترونيَّةٍ تتصرف مثل البشر أو تقوم بأفعال تتطلب ذكاءً، وقادرة على جمع البيانات واستخدامها للتنبؤ أو التوصية أو اتخاذ القرار بمستويات متفاوتة من التحكم الذاتي، واختيار أفضل إجراء لتحقيق أهداف مُحدَّدة. إلا إن قدراتها وصِفَة “الذكاء” التي تتَّسم بها تلك التقنية لا يتعدى دورها التعرف على المشكلات من دون فهم الخلفيات أو السياق الذي تحدث فيه. إنها مجرد آلة صنعها الإنسان في غياب مفهومٍ واضحٍ ومحدَّدٍ للوعي والإحساس. وبالتالي، يختلف ذكاء الآلة عن الذكاء البشريِّ، بما يتميَّز به من قدرةٍ فريدةٍ على الإبداع والتفكير الإستراتيجيِّ والحكم القِيَمِيِّ، فلا يزال الذكاء البشريُّ أمرًا حيويًّا في المجالات الحساسة؛ فالحكم والتعاطف البشري في المجال الطبي لا غنى عنهما في تقديم الرعاية الشخصية والدعم النفسي للمرضى. أما في التعليم، فدور المعلمين في توجيه الطلاب وإشراكهم في المناقشات والأنشطة الصيفية لا يمكن أن يحل محله الذكاء الاصطناعي. وبلا شك، في المجال الصناعي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل الأخطاء البشرية، ولكن لا يمكن للآلات أن تحلَّ محلَّ الإبداع والمهارات اليدوية للعمال، والتي لا تزال ضروريَّةً لتطوير منتجات مُبتَكَرَة وذات جودة عالية.
خلاصة القول إن الإنسان سيظل بعقله وذكائه يتفوق على هذه الأجهزة، في مجالات كثيرة مثل تعلُّم اللغة، الإبداع، الحدْس… إلخ.[19] رغم ما كتبه (ستيفن هوكينج)،[20] عالم الفيزياء البريطاني عن أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون نهاية الجنس البشري، إلا إن الإنسان المخلوق على صورة الله سيظل ممثِّل الله على الأرض في الخلق والإبداع. وهنا تأتي عدة استفسارات قد تنير فكرنا في التنبؤ بمستقبل الذكاء الاصطناعي ودور الإنسان. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعلمنا حقًّا كيف نصبح بشرًا أفضل؟ هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في أن نكون أكثر حبًّا وأكثر تعاطفًا؟ هل الذكاء الاصطناعي قادر على مساعدتنا في فهم الكتاب المقدس وتطبيقه بشكل صحيح على القضايا الاجتماعية المعقَّدة؟ إن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الذكاء الاصطناعي لديه المعرفة، ولكن ليس الحكمة، لديه بينات صامتة بلا وجدان يتفاعل مع مشاعر الإنسان وأزماته أو أفراحه، ولا وعي عنده يدرك ما وراء انفعالات الفرد أو حتى طموحه. وحتى لو كان الذكاء الاصطناعي يتمتع بالوعي، فلن يقدر على بناءٍ داخليٍّ عميقٍ للفرد، ولا قدرته على جعل الفرد يقابل الله في كلمته المقدسة ولا يتفاعل بإدراك لمُجريات الأمور في حياته. إن كلمة الله المكتوبة (الكتاب المقدس) وكلمة الله المتجسد (يسوع المسيح) لا يغيران قلب الإنسان إلا باللقاء الشخصي.
في الختام، يحمل الذكاء الاصطناعي للبشرية إمكاناتٍ هائلةً لتحسين جودة الحياة، وتحقيق إنجازات غير مسبوقةٍ. على الإنسان بذكائه الإلهي المخلوق به، وقدرته على أن يكون تلميذًا أمينًا لله والمجتمع، أن يتعامل مع تقنية الذكاء الاصطناعي كفرصةٍ لتحقيق طفراتٍ في مُختَلَف مجالات الحياة بطريقةٍ مسؤولةٍ وأخلاقيَّةٍ، مع المحافظة على القِيَم الإنسانية التي تميِّز الجنس البشريَّ.
[1] (ديفيد تشالمرز): فيلسوف أسترالي نشيط في هذا الميدان، يقدم أفكارًا استثنائية في مجال العلوم العصبية الإدراكية (Cognitive Neural Science)ويهتم بفلسفة العقل والوعي وأُسس العلوم المعرفية ونظرياتها، وكذلك فلسفة اللغة والميتافيزيقا. كما أنه قدم بحوثًا مهمة حول فلسفة العقل والوعي، جعلته نقطة وصل بين الفلسفة القديمة والمعاصرة. يُعتبر تشالمرز أحد الفلاسفة العلماء الأكثر تأثيرًا في الحقل البحثي الخاص بطبيعة الوعي واستكشاف الحدود بين العالم الواقعي والعوالم الافتراضية.
[2] لطيفة الدليمي، “الفيلسوف تشالمرز يستكشف تضاؤل الحدود بين الواقعي والافتراضي،” في: الشرق الأوسط، https://aawsat.com
[3] كرم نعمة، “لماذا يدافع فيلسوف عن العالم الافتراضي،” في: صحيفة العرب، https://alarab.co.uk
[4] ما هو الذكاء الاصطناعي (AI)؟ Amazon Web Services https://aws.amazon.com
[5] مارلين كنعان، الذكاء الاصطناعي يؤرق الفلاسفة ويشكل تحديًا أمامهم، إنديبندت، https://www.independentarabia.com
[6] سليمان يعقوب، الذكاء الاصطناعي، https://www.asjp.cerist.dz
[7] حنة آرنت، منظرة سياسية علمانية ألمانية أميركية، ولدت عام 1906، وتعد من أبرز المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين. اشتهرت بعلاقتها مع الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر، وبنقلها محاكمة المسؤول النازي أدولف أيخمان في القدس، وتوفيت عام 1975. قدمت مصطلح “تفاهة الشر” كمحاولة لفهم الأسباب الحقيقية وراء الشر الإنساني، وخلُصت إلى أن الشخص يصبح شريرًا عندما يرفض أن يفكر.
[8] مارلين كنعان، مرجع سابق.
[9] محمد مهنى، تاريخ الذكاء الاصطناعي، https://www.mohdmohana.com
[10] المرجع السابق.
[11] الجزيرة نت، https://www.aljazeera.net
[12] مارلين كنعان، مرجع سابق.
[13] المرجع السابق.
[14] المرجع السابق.
[15]محمد مهني، مرجع سابق.
[16] المرجع السابق.
[17] محمد معاذ، ما أبرز التحديات الحالية التي تواجه الذكاء الاجتماعي، https://arsco.org
[18]مروة كردية، القيم الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي، (لندن: إيلاف، 2021) https://elaph.com
[19] عبد الله مثنى، بين الذكاء الاصطناعي والبشري، https://www.aljazeera.net
[20] يُعد (ستيفن هوكينج) من أبرز علماء الفيزياء النظرية وعلم الكون على مستوى العالم، درس في جامعة أكسفورد وحصل منها على درجة الشرف الأولى في الفيزياء، أكمل دراسته في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون، له أبحاث نظرية في علم الكون وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، كما له أبحاث ودراسات في التسلسل الزمني (قصة حياة ستيفن هوكينج، https://steemit.com)
اسم الكاتب :عماد توماس
يشهد عالم الإعلام تحولًا جذريًّا بفضل التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، وتثير هذه التقنيات الجديدة مجموعة من التساؤلات حول الأخلاقيات والقيم التي يجب أن تحكم استخدامَها في هذا المجال الحيويِّ. فقد اكتسبت مسألة أخلاقيات الإعلام في السنوات الأخيرة أهميةً قصوى، سواء أكان ذلك في المؤسسات الإعلامية أو في معاهد وكليات الإعلام أو لدى منظمات المجتمع المدني، وأخذ موضوع أخلاقيَّات الإعلام أحجامًا لم يعرفها من قبل حتى في الدول الغربية التي تنعم أساسًا بقسطٍ كبيرٍ من الحريات الإعلامية، وحيث تحظى وسائل الإعلام بجمهورٍ واسعٍ وسلطةٍ حقيقيةٍ؛ إذ ظهرت الحاجة الملحَّة لتنزيه المهنة وتشجيع ممارستها على أساس قِيَم أخلاقية، بعدما تبين أن تطبيق هذه القِيَم هو عنصر أساسي لنجاح وسائل الإعلام في أداء دورها وللحفاظ على مستواها المهني. وقد ظهر بوضوح أن غياب القِيَم الأخلاقية قد فتح الأبواب أمام كل أنواع الفساد الممكنة، وأضعف ثقة الجماهير بوسائل الإعلام. (جورج صدقه، الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، ۲۰۰۸، ص ٨).
وتُطرَح قضية أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام اليوم في علاقتها مع مبدأ ومفهوم المهنية في ممارسة العمل الإعلامي، على اعتبار أن الالتزام بأخلاقيات المهنة هو الذي يمكن أن يؤسس لإعلامٍ نزيهٍ قادرٍ على لعب دوره ومسؤوليته الاجتماعية تجاه الفرد والمجتمع. وترتبط مسألة أخلاقيات الإعلام في أغلبية الدول العربية بالتقاليد والأعراف والقوانين المشرعة والمتداولة فيها، وصدر في بعض الدول ما يسمى بمواثيق شرف إعلامية، في محاولة للجمع بين هذه الأعراف والتقاليد، ومع ما يتماشى مع مبادئ هذه الدول وأفكارها، وذلك في محاولة لتكوين ضوابط وقيود عامة للممارسة الإعلامية، خصوصًا في ظلِّ تطوُّر وتعقُّد الظاهرة الإعلامية بشكل عام. (حبيب بن بلقاسم وآخرون، أخلاقيات الإعلام في الزمن الرقمي، ٢٠٢٠، 11).
واذا كان اليوم يوجد العديد من المواثيق والمدوَّنات الأخلاقية التي تضع الخطوط العريضة للعلاقة بين الإعلاميين وممارسة مهنة الإعلام والمجتمع، لكن حتى الآن مازالت الحاجة ماسَّةً لوضع دليلٍ أخلاقيٍّ لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام.
مفهوم الأخلاق
يرى عبد العزيز الشريف أن الأخلاق هي مجموعة من المبادئ والقِيَم والقواعد العامة، لتوجيه السلوك البشري داخل المجتمع، نحو تحقيق ما يُعتَقَد أنه الخير، حيث تتمثل غاية الأخلاق، في نهاية المطاف بتحسين العلاقات بين البشر وإعطاء الحياة البشرية معنى يساعد على الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي، على الرغم من وجود الفوارق والتناقضات داخل المجتمعات البشرية وبينها، والقِيَم، والمُثُل الأخلاقية العليا، والتي وُجِدت في جميع المجتمعات البشرية، حتى في تلك التي تُوصَف أحيانًا بالبدائية (عبد العزيز الشريف، أخلاقيات الإعلام، 2013، ص50).
المبادئ الأخلاقية
تعني دمج المبادئ الأخلاقية مثل: الإنصاف والشفافية والمساءلة، في تصميم وتنفيذ أنظمة الذكاء الاصطناعي، من أجل ضمان تطوير تلك الأنظمة واستخدامها بشكلٍ أخلاقيٍّ ومسؤولٍ، وذلك بوضع إرشاداتٍ أخلاقيَّةٍ واضحةٍ لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعيِّ، ومراجعة هذه الإرشادات بانتظام وتحديثها عند الضرورة. (بدون مؤلف، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 303).
المبادئ الرئيسية لأخلاقيات العمل الإعلامي
تُعرِّف ليلى عبد المجيد، المبادئ الرئيسية لأخلاقيات العمل المهنيِّ، بأن الإعلام مسألة مقدَّسة، ينبغي أن يكون دقيقًا غير مُحرَّف أو مخادع أو مكبوت، وضرورة الفصل بين المعلومات أو وظيفة الأخبار والتعليق، أو وظيفة التعليق وإبداء الرأي، وأن يخدم النقدُ والتعليقُ المصلحةَ العامة، لا أن يكون هدفه مجرد الافتراء أو تشويه السمعة، وأن تتضمَّن كلُّ المواثيق الأخلاقية فقرةً تتصل بالحفاظ على سر المهنة. (ليلى عبد المجيد، التشريعات الإعلامية، 2006، ص 234).
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (Al Ethics)
تشير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى المبادئ والقِيَم والمعايير الأخلاقية التي تنظم تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وانتشارها واستخدامها. (مرجع سابق، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 301).
نظرة عامة على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
مع استمرار تقدُّم الذكاء الاصطناعي تزايدت أهمية التفكير في الآثار الأخلاقية المترتبة على استخدام هذه التقنية، ومن المهم أن يفهم المواطن في عالمنا الحديث الدور المهم لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إذا أردنا تطوير أنظمة ذكاء اصطناعيٍّ مسؤولة.
أمثلة من العالم الواقعيِّ على المخاوف الأخلاقية في مجال الذكاء الاصطناعيِّ
الخوارزميات التمييزية: هناك مواقف تدل على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى التحيُّز والتمييز ضد فئاتٍ معيَّنةٍ من البشر. على سبيل المثال، وجدت دراسة أجراها المعهد الوطني للمعايير والتقنية أن نسب الخطأ في تقنية التعرف على الوجه تكون أعلى عند التعرف على وجوه الأشخاص ذوي البشرة الداكنة؛ مما قد يؤدي إلى تحديد هويات خاطئة واعتقالات خاطئة، ومن الأمثلة الأخرى على ذلك استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في نظام العدالة الجنائية، إذ أظهرت الدراسات أن هذه الخوارزميات يمكن أن تكون متحيّزة ضد الأقليات مما يؤدي إلى عقوبات أقسى.
انتهاك الخصوصية: يمكن أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع البيانات وتحلّلها مصدر تهديد للخصوصية الشخصية، على سبيل المثال: جمعت شركة استشارات سياسية في عام 2018 م بيانات الملايين من مستخدمي فيسبوك (Facebook) دون موافقتهم واستخدمتها للتأثير على الحملات السياسية، وأثار هذا الحادث المخاوف بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في التلاعب بالرأي العام، وانتهاك حقوق خصوصية الأفراد.
فقدان الوظائف: أثار الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي والأتمتة (Automation) في مختلف الصناعات المخاوف بشأن تسريح البشر من وظائفهم وتأثيره على سُبل عيش العاملين، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يؤدي إلى تحسين الكفاءة والإنتاجية، إلا أنه يمكن أن يُؤدي أيضًا إلى فقدان البشر لوظائفهم وتزايد عدم المساواة في الدخل؛ مما قد يكون له عواقب اجتماعية واقتصادية سلبية. (مرجع سابق، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 301).
التحيز والإنصاف : يدل التحيز على ميل خوارزميات التعلم الآلي إلى إنتاج نتائج تُحابي بدائل أو فئات معينة، أو تظلمها بأسلوب منهجي؛ مما يؤدي إلى القيام بتنبؤات خاطئة وإلى احتمالية التمييز ضد منتجات معينة أو فئات بشرية محددة. يمكن أن يظهر التحيز (Bias) في أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تكون البيانات المستخدمة لتدريب الخوارزمية ناقصة التمثيل أو تحتوي على تحيزات أساسية، ويمكن أن يظهر في أية بيانات تمثلها مخرجات النظام، فعلى سبيل المثال لا الحصر: المنتجات والآراء والمجتمعات والاتجاهات كلها يمكن أن يظهر فيها التحيز.
يعد نظام التوظيف الآلي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لفحص المرشحين للوظائف من أبرز الأمثلة على الخوارزمية المتحيزة. فاذا افترضنا أن الخوارزمية مُدرَّبة على بيانات متحيزة، مثل أنماط التوظيف التاريخية التي تفضّل مجموعات ديموغرافية معينة، ففي هذه الحالة قد يعمل الذكاء الاصطناعي على استمرار تلك التحيزات ويستبعد المرشحين المؤهَّلين بشكل غير عادل من بين المجموعات متجاهلًا الفئات غير الممثَّلة جيدًا في مجموعة البيانات.
يشير الإنصاف (Fairness) في الذكاء الاصطناعي إلى كيفية تقديم أنظمة الذكاء الاصطناعي لنتائج غير متحيزة وعلى معاملتها لجميع الأفراد والمجموعات معاملة منصفة، ولتحقيق الإنصاف في الذكاء الاصطناعي يتطلب ذلك تحديد التحيزات في البيانات والخوارزميات وعمليات اتخاذ القرار ومعالجتها، على سبيل المثال، تتمثل إحدى طرائق تحقيق الإنصاف في الذكاء الاصطناعي في استخدام عملية تُسمى إلغاء الانحياز (Debiasing)، حيث يتم تحديد البيانات المتحيزة وإزالتها أو تعديلها بما يضمن وصول الخوارزمية إلى نتائج أكثر دقة دون تحيز. (مرجع سابق، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 302)
مشكلة المسؤولية الأخلاقية في الذكاء الاصطناعي
تُعَد مشكلة المسؤولية الأخلاقية عند استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة قضية معقدة ومتعددة الجوانب، وقد حظيت باهتمام كبير في السنوات الأخيرة.
يتمثل أحد التحديات الرئيسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة في قدرتها على اتخاذ القرارات والقيام بإجراءات يمكن أن يكون لها عواقب إيجابية أو سلبية كبيرة على الأفراد والمجتمع، ورغم ذلك، لا يكون الطرف الذي يجب تحميله المسؤولية الأخلاقية عن هذه النتائج محدَّدًا دائمًا.
هناك رأي يقول إن مطوِّري ومصمِّمي أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن يتحملوا المسؤولية عن أي نتائج سلبية تنتج عن استخدامها، ويُؤكِّد هذا الرأي على أهمية ضمان تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تُراعي الاعتبارات الأخلاقية وتُحمّل المطوِّرين المسؤولية عن أي ضرر قد تسبِّبه اختراعاتهم. ويرى آخرون أن المسؤولية عن نتائج الذكاء الاصطناعي هي مسؤولية مشتركة بين أصحاب المصلحة بما فيهم صُنّاع السياسات والمنظمين ومستخدمي التقنية ويسلط هذا الرأي الضوء على أهمية ضمان استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي بطرائق تتماشى مع المبادئ الأخلاقية، وتقييم المخاطر المرتبطة باستخدامها وإدارتها بعناية.
وهناك رأي ثالث يقول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة يُمكن أن تتمتع بالفاعلية والاستقلالية، مما يجعلها أكثر من مجرد أدوات كما تتطلب منها أن تكون مسؤولة عن أفعالها، إلا أن لهذه النظرية عدة مشكلات. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع أن تُصدر أحكامًا وأن تتصرف من تلقاء نفسها، ولكنها ليست “ذات مسؤولة” لديها حس أخلاقي وذلك للأسباب التالية:
أولًا: أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الوعي والخبرات الذاتية؛ مما يُعدُّ سمة أساسية من سمات “الذات المسؤولة” التي لديها حس أخلاقي، وفي العادة تتضمن الفاعلية الأخلاقية القدرة على التفكير في المُثُل العليا للفرد وأفعاله.
ثانيًا: يدرِّب الأشخاص أنظمة الذكاء الاصطناعي على اتِّباع قواعد وأهداف محددة؛ ممَّا يحد من حكمها الأخلاقي، ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تكرار اتخاذ القرارات الأخلاقية، مع افتقارها للإرادة الحرة والاستقلالية الشخصية.
وأخيرًا، فإن مُنشئي أنظمة الذكاء الاصطناعي والقائمين على نشرها هم المسؤولون عن أفعالهم، ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تساعد في اتخاذ القرارات الأخلاقية على الرغم من أنها ليست “ذات مسؤولة” لديها حس أخلاقي. (مرجع سابق، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 304)
الأبعاد الأخلاقية والمهنية لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام
ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في بزوغ حضارةٍ جديدةٍ تكون التقنيات الرقمية سببًا للتحول المعرفي، وتؤسس لعصر جديد تكون فيه المعلومة الرقمية عصب الحياة، وتتحكم بكل ما يدور حولنا، فنحن في مرحلة بناء علاقات جديدة ترتكز على الرقمنة التكنولوجية والبيانات والمعلومات، وفي مرحلة تمثيل للمعرفة وإعادة بناء رموز تعبيرية تتوافق مع التغيرات الرقمية التي باتت تشكل جزءًا من هويتنا الفردية والجماعية (غسان مراد، دهاء شبكات التواصل الاجتماعي وخبايا الذكاء الاصطناعي، 2019، ص 9).
وتطوَّر النقاش العام حول الثقة بمصداقية وسائل الإعلام، التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، من أجل البحث عن بدائل تركِّز على تحسين جودة المنتج الإعلامي وإسناد التقارير إلى الحقائق بشفافية، والتحقق من المعلومات وتجنب التحيز والاعتماد على مصادر موثوقة، علاوةً على ذلك برزت الاتجاهات الإعلامية الحديثة نحو تبنِّي صحافة الذكاء الاصطناعي لتقليل التحيز والتدخل البشري، إلى جانب تزايد الاهتمام بالأبعاد الأخلاقية والمهنية لها (عمرو عبد الحميد، توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإعلامي، 2020، ص 281).
ويرى أحمد العاصي في رسالته للماجستير أن النقاش في هذا الوقت يتركز حول البُعدَيْن الأخلاقي والمهني المرتبطَيْن بطريقة تقديم المنتج الإخباري في صحافة الذكاء الاصطناعي، بمعنى أن المشهد الإخباري المُنتَج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي هل يراعي مستويات المصداقية، ومبدأ التوازن وعدم التحيز والاستقلالية والمسؤولية، واحترام الخصوصية وعدم التعدي على حقوق الملكية الفكرية والعدالة، وعدم التشهير والقدف ومهنية تغطية الأحداث الخطرة، وتقليل الفجوة بين الإعلاميين والمبرمجين، وهل لديه القدرة على الإبداع والابتكار، ومعالجة اعتماد خوارزميات الذكاء الاصطناعي على لغة حيوية غير محدودة وهل له القدرة على أنسنة المحتوى الإخباري، وهل يستطيع التمييز بين المحتوى الإخباري والمحتوى الإعلاني، والتفاعل مع اهتمامات الجمهور وقياس ردود أفعالهم، وغيرها من الأبعاد الأخلاقية والمهنية، وهذا يدفع للتساؤل حول ما إذا كان بناء المشهد الإخباري بواسطة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يتم بطريقة طبيعية أو غير طبيعية، وبالتالي قد تتأثر عملية صناعة المحتوى الاخباري بحالها. ويضع العاصي عدة محاور أساسية كالتالي:
أولًا: المسؤولية الأخلاقية لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال صناعة الإعلام
مثلما تشير الأدبيات الإعلامية إلى أن هناك تحولًا كبيرًا قد لوحظ في مجال مسؤولية إنتاج الأخبار، لاسيما مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة الإعلام، من بينها أن الصحفي الإنسان لم يَعُد هو الوكيل الأخلاقي والمهني الرئيسي في عملية إنتاج الأخبار، فقد أصبح يشاركه في عملية الإنتاج الإخباري عناصر أخرى من بينهم صحفيون وغير صحفيين إلى جانب الخوارزميات نفسها، وجامعي البيانات، وتقنية توليد اللغة الطبيعية، ومقدمي البرامج والخدمة والمؤسسة الإعلامية وغيرهم. ويزيد المشهد الإعلامي تعقيدًا بسبب ضبابية الجهة المسؤولة عن أخطاء تقنيات الذكاء الاصطناعي، فعلى سبيل المثال وقعت حادثة في مدينة ديترويت الأمريكية، إذ تعرفت تقنيات التعرف على الوجه على مُشتَبَه بسرقة محدَّدة في البلاد في ضوء النتائج التي وصلت الشرطة الأمريكية التي قررت اعتقاله لذات السبب، وبعد ساعات قبل أن يُفرَج عنه وتُغلَق القضية تبيَّنت براءته، وأن التقنيات لم تكن دقيقةً بالشكل الكافي في التعرف على المُشتَبَه. أمام هذه الحالة يتردَّد السؤال المطروح: من يتحمَّل هذا الخطأ؟
ثانيًا: مصداقية صناعة الأخبار بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعيِّ
امتدت الدراسات الإعلاميَّة التي اختبرت الأبعاد الأخلاقية والمهنية لمختلف الوسائل التقليدية والجديدة لعقود، لكنها انتقلت لواقعٍ جديدٍ فرضته تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ومنها اختبار تصورات الجمهور نحو الروبوت في مقابل البشر، حيث اختبرت دراسات علمية مصداقية المحتوى الإخباري المُنتَج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي في مقابل مصداقية المحتوى المنتج بواسطة الصحفي البشري؛ إذ أنها توصلت إلى نتائج متضاربة من بينما أن المحتوى الإخباري المُنتَج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي يُنظَر إليه بأكثر مصداقية موثوقية من المحتوى الذي أنتجه الصحفي البشري، في حين وجدت دراسات إعلامية أخرى أن القصص الإخبارية المنسوبة للروبوت يُنظَر إليها على أنها ذات مصداقية أقل من المحرر البشري، وهذا القياس كان بحسب تقييم الجمهور.
وتُعَدُّ الثقة والمصداقية فيما يتعلق بمخرجات صحافة الذكاء الاصطناعي عاملًا يرتبط بشكلٍ ملحوظٍ بتبنِّي الاتجاهات السلبية من وجهة نظر الجمهور والصحفي تجاه المحتوى الإخباري الذي تنتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الصحفيين.
ثالثًا: تحيُّز المحتوى الإخباري المُنتَج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي
يُعَدُّ التحيُّز في صناعة المحتوى الإخباري تحديًا أخلاقيًّا كبيرًا تواجهه وسائل الإعلام. غالبًا ما تُرتَّب المعلومات التي المُقدَّمة للجمهور بدرجاتٍ من التحيز تؤدي إلى محتوى مضلِّل بدلًا من الأخبار الواقعية والمتوازنة، وفي إطار ذلك كشفت دراسة حديثة أن صحافة الذكاء الاصطناعي، ستساعد في تقليل التفسير الذاتي للبيانات؛ حيث ستُدرَّب خوارزميات التعلم الآلي على مراعاة المتغيرات التي تُحسن دقتها التنبؤية فقط، بناءً على البيانات المُستَخدَمة، لكنها تحتاج في الوقت ذاته للتحقق من إمكانية أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي متحيزةً من حيث محتوى المعلومات والخيارات في النَّص، ومعرفة الآليات التي تسمح للتحيز البشري بالتأثير على تقنيات صحافة الذكاء الاصطناعي، حتى لو كانت البيانات التي يعمل عليها النظام تُعَدُّ محايدة.
يمكن التغلُّب على تحيُّز المحتوى الإخباري المُنتَج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال الخوارزميات المشفَّرة بأنواعها التي لها قدرة عالية على أمن المعلومات والبيانات، وبهذه الطريقة يمكن الحد من التحيُّز المهكر في قواعد البيانات التي تعتمد عليها خوارزميات الذكاء الاصطناعي في إعداد التقارير الصحفية، ولكن تبقى إشكالية التحيز في تغذية المعلومات والبيانات للخوارزميات كمثل، التحيز بين الجنسين، والتحيز العِرقي وغيرها.
رابعًا: تهديد تقنيات الذكاء الاصطناعي لمستقبل وظائف الإعلاميين
أثارت عملية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام مخاوف الإعلاميين وخاصة الصحفيين؛ حيث أصبحت لتقنيات الذكاء الاصطناعي المقدرة على صناعة المحتوى الإخباري، وبالتالي يؤثر على مستقبل وظائف الصحفيين، وعملهم، الأمر الذي يجعل الصحفي في دائرة التهديد الوظيفي، نظرًا لأن غرف الأخبار في بعض الوسائل الإعلامية تبنت عملية الأتمتة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي وجد الصحفيون أنفسهم مضطرين إلى فهم متطلبات عملية الأتمتة الاصطناعية.
في إطار ذلك، فإن دور الصحفي كفردٍ يتضاءل بينما يتزايد الدور التنظيمي لوسائل الإعلام والعوامل الأخلاقية في النظام الإعلامي؛ حيث إن الجمهور القارئ للمحتوى المنتج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يكونوا غير قادرين على التمييز بوضوح بين المحتوى المُنتَج بواسطة الخوارزمية الاصطناعية وبين المُنتَج بواسطة الصحفي البشري.
خامسًا: اللغة الإعلامية المغذية لخوارزميات الذكاء الاصطناعي
في إطار المقارنة بين اللغة التي تعتمد عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي، واللغة التي يستعملها الصحفيون في إنتاج المحتوى الإخباري تُعَدُّ اللغة التي تعتمد عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإخباري جافة؛ فالخوارزميات مجبرةٌ على استخدام أكثر الكلمات ملاءمةً وأكثرها تقليديةً وتكرارًا، الأمر الذي يقود إلى ضعف في أساليب عرض الأخبار، كما أن المفردات التي تستعملها الخوارزميات تكون محدودةً بالتخصص الذي تدور حوله القصة الإخبارية، وفي مقابل ذلك يمكن أن يستخدم الصحفي الإنسان مفردات دارجة أو ربما غير متكررة، كما يمكنه استخدام مفردات جذابة بحيث يستطيع تطويع اللغة لتكون رشيقة وأكثر مرونة، ويُعد المحتوى الإخباري المُنتَج عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر موضوعيةً ومصداقيةً، وأقل انحيازًا سواء على نطاق الرسالة أو الوسيلة.
التحديات التي تواجه أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام:
الفُرَص التي يوفِّرها الذكاء الاصطناعي في الإعلام:
ختامًا، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لتطوير مجال الإعلام، ولكن يجب استخدامه بحذر وبمسؤولية، لذلك من الضروري وضع إطار أخلاقي واضح لضمان استخدام هذه التقنيات بشكل إيجابي وخدمة المجتمع.
المراجع
الشريف، عبد العزيز. أخلاقيات الإعلام، دار يافا للنشر، عمان، 2013.
العاصي، أحمد علي يوسف ووافي أمين منصور قاسم. . تقييم خبراء الإعلام للأبعاد الأخلاقية والمهنية للذكاء الاصطناعي في الإعلام الرقمي: دراسة ميدانية (رسالة ماجستير غير منشورة). الجامعة الإسلامية (غزة)، 2021.
بدون مؤلف، الذكاء الاصطناعي، شركة تطوير الخدمات التعليمية، السعودية، 2023.
حبيب بن بلقاسم وآخرون، أخلاقيات الإعلام في الزمن الرقمي، مكتبة الرشد، السعودية، ٢٠٢٠.
صدقه، جورج. الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، جمعية مهارات، لبنان، ۲۰۰۸.
عبد المجيد، ليلى. التشريعات الإعلامية، دار العربي، القاهرة، 2006.
مراد، غسان. دهاء شبكات التواصل الاجتماعي وخبايا الذكاء الاصطناعي، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2019.
معني صالح المتيمي. التحديات الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الصحافة، مجلة كلية التربية للبنات، وقائع المؤتمر العلمي الدولي الأول لمجلس تحسين جودة التعليم، القاهرة، 2022.
اسم الكاتب: يسري مصطفى
الأخلاق والذكاء صفتان أساسيتان للإنسانية، وهما موجودتان منذ قديم الزمان؛ فالأخلاق تعمل كإطارٍ للقِيَم والتنظيم الاجتماعي، وتوجِّه السلوك البشري والتفاعلات، في حين يتميز الذكاء بالفهم والمعالجة والإبداع والقدرة على حل المشكلات. والتفاعل بين الذكاء والأخلاق مُعقَّد ومُتعدِّد الأوجه؛ فهي ليست مُجرَّد علاقةٍ خَطِّيَّةٍ بل تفاعلية ونسبية تتطور، وتتغير بتغيُّر أحوال البشر وبيئاتهم الاجتماعية والسياسية والقِيَمِيَّة. ومن ناحيته، يلعب العقل، كرَحِمٍ للتفكير والمعرفة، دورًا حاسمًا في توليد القِيَم والمبادئ الأخلاقية. وهذا الإطار الأخلاقيِّ الجماعيِّ يرشد -بدوره- الذكاء الفرديَّ وقد ينمِّيه أو يحدُّه. وعلى مر التاريخ، أنتج العقل مجموعةً واسعةً من المعرفة والتقدُّم العلميِّ، وبموازاة ذلك أنتج مبادئ أخلاقيةً لترسيم الحدود المنظِّمة لإنتاج هذه المعرفة وتطبيقها. وكانت هذه العلاقة الديناميكية واضحةً بشكلٍ خاصٍّ في جميع مجالات الحياة تقريبًا، وسار تاريخ البشر في مساراتٍ متعدِّدةٍ بين العقل والأخلاق؛ فثمة توافقات وصراعات بين سلطة العقل (أو العلم) وسلطة الأخلاق (أو القِيَم). وبدخول أزمنة الحداثة اتسعت تطبيقات العلوم والتكنولوجيا ومعها زادت المنافع والمخاطر وتعاظمت سلطة العقل والعلم، فزاد الاهتمام بالأخلاقيات كحصون قِيَمِية وقائية، أو كأساسٍ للتشريعات والسياسات ومواثيق الشروف ومدوَّنات السلوك.
ومع التطورات التكنولوجية والعلمية التي اكتسحت عالمنا منذ منتصف القرن الماضي، بات الأمر وكأن هناك ملاحقة أخلاقية لتطورات متسارعة تشق طريقها بلا هوادة فتفرز مخاطر آنية ومستقبلية. على سبيل المثال، دفع تطوير التكنولوجيا النووية والهندسة الوراثية وتكنولوجيا المعلومات المجتمع إلى التعامل مع أسئلة أخلاقية عميقة تتعلق بالسلامة والخصوصية والآثار الأخلاقية للتدخل البشري في العمليات الطبيعية. وفي السنوات الأخيرة، أدخل ظهور الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا للعلاقة بين الذكاء والأخلاق. فلأول مرة في التاريخ، يكون هناك ذكاء موازٍ للذكاء البشري، وأكثر من ذلك، ذكاء اصطناعي بإمكانه تجاوز الذكاء البشري في مجالات مختلفة. ويثير هذا التقدم غير المسبوق أسئلةً أخلاقيَّةً حاسمةً حول طبيعة الذكاء نفسه والمخاطر المرتبطة بإنشاء كيانات قد تعمل بشكلٍ مستقلٍّ عن الأُطُر الأخلاقية البشرية. ومع تزايد تعقيد أنظمة الذكاء الاصطناعي، فإن إمكانية عملها بطرق لا تتماشى مع القِيَم الإنسانية باتت مصدر قلق. وإلى جانت المخاوف الأخلاقية الآنية تتعاظم الحاجة إلى إجراء تقييمات أخلاقية استباقية لما يمكن أن تصل إليه تقنيات الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب. ويتعين على هذه التقييمات أن تعالج أسئلة مثل: كيف نضمن أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتوافق مع القيم الإنسانية؟ وما هي الضمانات التي يمكن تنفيذها لمنع سوء الاستخدام أو العواقب غير المقصودة؟ وكيف نتعامل مع الآثار الأخلاقية المترتبة على تفويض اتخاذ القرار إلى الآلات؟ إن إثارة هذه الاعتبارات الأخلاقية يؤكد على أهمية موضوع “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”. ومع الاستمرار في الابتكار ودمج الذكاء الاصطناعي في جوانب مختلفة من الحياة تزداد نبرة الانبهار ومنسوب المخاوف. وإذا كانت المخاوف مُبرَّرةً، فهل يمكن أن توفر الأخلاق لنا سُبُل الخلاص من المخاطر الواقعيَّة والمُحتَمَلة؟
في البداية، من الأهمية بمكان أن ندرك أن الخصائص المتأصِّلة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المناقشات الجارية حول التفاعل بين الأخلاق والعلم والتقدُّم التكنولوجيِّ في مجالات الحوسبة والاتصالات. فعلى النقيض من أي ابتكاراتٍ تكنولوجيةٍ سابقةٍ، يطرح الذكاء الاصطناعيُّ تحدياتٍ فريدةً تتحدَّى الأطر التنظيميَّة التقليديَّة. ويرجع هذا في المقام الأول إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد أدوات؛ فهي قادرة على التعلُّم والتكيُّف والتطور بطرق تعقِّد فهمنا لتداعياتها وطرق حوكمتها. على سبيل المثال، يثير التقدم السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول المساءلة والشفافية. من المسؤول عندما يتخذ نظام الذكاء الاصطناعي قرارًا يؤدي إلى ضرر؟ كيف نضمن أن تعمل هذه الأنظمة بشكل عادل ومن دون تحيز؟ وهذا وضع قائم بالفعل، ولكننا نعلم أن هناك من يحتكر ومن يوظف ومن يستفيد، ولكن الخوف من المستقبل قد يكون أعظم من الخوف المتحقق الآن، بسبب التنبؤات المتعلقة بقدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تعمل بشكل مستقل في المستقبل لقريب، أي أن تصبح خارج السيطرة. إنها فكرة غائمة ولكنها مُحتَمَلة. يخلق هذا الافتقار إلى الوضوح حاجة ملحة لأطر أخلاقية جديدة ونهج تنظيمي قادر على مواكبة تطور التكنولوجيا.
وعلاوة على ذلك، فإن تأثيرات الذكاء الاصطناعي تُعقِّد حل هذه القضايا الأخلاقية والسياسية لكونها سريعة التطور والانتشار مما يؤثر على مختلف قطاعات المجتمع بطرق عميقة. من الألعاب والترفيه إلى الموسيقى والمراقبة والحرب والبحث العلمي والرعاية الصحية والإدارة البيئية والتعليم والحوكمة وأنظمة العدالة، وهكذا فإن الذكاء الاصطناعي يدخل في نسيج الحياة اليومية بشكلٍ متزايدٍ. كلٌّ من هذه المجالات تقدِّم معضلاتٍ وتحدِّياتٍ أخلاقيَّةً فريدةً تتطلب دراسةً متأنيةً واستجاباتٍ مخصَّصةً. وما يزيد من المخاوف، هو السؤال عمَّن يسيطر على هذا التطور الهائل؟ فثمة احتكارات وثمة أغلبية مُهمَّشة، وسوف تزداد تهميشًا بسبب سرعة الابتكارات والتحولات. وغالبًا ما يتميز هذا التطور السريع بسباقٍ تنافسيٍّ بين القوى العالمية الكبرى، وخاصةً الولايات المتحدة والصين وأوروبا. هذه المنافسة، التي يشار إليها غالبًا باسم “سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي”. ومع سعي الدول إلى التفوق على بعضها البعض في قدرات الذكاء الاصطناعي، فإن احتمالات إساءة الاستخدام والعواقب غير المقصودة تتزايد، مما يزيد من المخاطر على الأمن العالمي والحوكمة الأخلاقية. ومع التقدم إلى الأمام، سيكون التحدي هو تحقيق التوازن بين الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي والحاجة إلى الرقابة والمساءلة، وضمان أن يعود تطوره بالنفع على المجتمع ككل. وهذا الهدف موضع شكٍّ، لسبب بسيط وهو أن مسار تطور الذكاء الاصطناعي لا يعطي مؤشرات واضحة على إمكانية حوكمته بشكل عادل ورشيد.
وبالعودة إلى سؤال الأخلاق، فإن الأمر يبدو وكأن مصطلح الأخلاق واضحٌ وشفافٌ ومحلُّ اتفاقٍ، ولكن في حقيقة الأمر فإن فكرة الأخلاق في حدِّ ذاتها خلافيَّةٌ وإشكاليَّةٌ وتثير تساؤلاتٍ من منظور طبيعتها وتجانسها. كما أن علاقة الأخلاق بالذكاء الاصطناعي تثير تساؤلات عملية من منظور الفاعليَّة والملاءَمَة.
فمن ناحية أولى، يتَّسم المشهد الأخلاقي بغياب ملحوظ للإجماع العالمي؛ حيث لا تزال هناك اختلافات كبيرة في القِيَم بين الثقافات فيما يتعلق بما نشير إليه بالقِيَم الأخلاقيَّة. ويثير هذا الاختلاف أسئلةً حاسمةً حول أسس المبادئ الأخلاقية عبر المجتمعات المختلفة. على سبيل المثال، هل يمكننا تحديد اتفاقٍ أخلاقيٍّ مُشتَرَك بشأن قضايا أساسية مثل حقوق المرأة، أو حرية الفكر والمعتقد، أو الحق في الخصوصية؟ في الحقيقة، إن هذه التوافقات غير موجودة. وفي حين توفِّر لغة الحقوق إطارًا يحدِّد ما يُعتبر مقبولًا أو إلزاميًّا في سياقاتٍ مختلفةٍ، فمن الضروريِّ أن ندرك أن الحقوق في حدِّ ذاتها لا تعادل الأخلاق، كما أنها تمثل مجموعةً من المبادئ والمعايير التي قد لا تتوافق مع القيم المتنوعة والأنظمة الأخلاقيَّة الموجودة عالميًّا. ومع تعمُّقنا في عالم التكنولوجيا، تصبح مناقشة الاعتبارات الأخلاقية أكثر تعقيدًا؛ فمعضلة الأخلاق لا تتعلق فقط بمدخلات الذكاء الاصطناعي، بل بكامل المنظومة وما تتضمنه من عمليات ومُخرَجَات. قد يكون من السهل نسبيًّا معالجة قضايا مثل تجنب التحيز، أو الامتناع عن الأذى، أو احترام حقوق الملكية الفكرية في السياقات التكنولوجية. ولكن التعقيد يتصاعد بشكلٍ كبيرٍ عندما نفكر في الآلات التي تُوصَف بالذكية، الآلات التي يُعتَمَد عليها بشكلٍ متزايدٍ في اتخاذ القرارات الحاسمة، وإنشاء الصور، والأنشطة البحثية، فهي تحتاج إلى مُدخَلاتٍ أخلاقيَّةٍ، ولكن هذه المدخلات ذاتها ليست محلَّ توافقٍ، ولو استَعضنا عن المدخلات الأخلاقية بمدخلاتٍ حقوقيةٍ، فلا توجد ضمانة بأن هذا سيكون مقبولًا عبر الثقافات. وهذا يثير أسئلةً مُلِحَّةً حول الأطر الأخلاقيَّة التي ستحكم أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ ما هي القِيَم والأنظمة الأخلاقية التي ستُوظَّف لتوجيه تصرفات هذه الآلات الذكية؟ وكيف سنضمن أن القرارات التي تتَّخذها هذه الأنظمة تعكس اعتبارًا متوازنًا للمنظورات الأخلاقيَّة المتنوعة الموجودة في مجتمعنا العالميِّ؟ هل علينا أن نحل مشكلة الأخلاق في الذكاء البشري قبل أن نفكر في حلول لها في الذكاء الاصطناعي؟ تحتاج الإجابة عن هذه التساؤلات إلى حواراتٍ موسَّعةٍ وانفتاحٍ قد لا يكون متوفِّرًا الآن، ولكنه ممكنٌ إذا توفَّرت الإرادةُ.
وعلى صعيد آخر، تلقي قضية “الملاءمة” بظلالها على جانبٍ آخر من جوانب المناقشة حول الأخلاق والذكاء الاصطناعي، وخاصةً عندما نفكر في مستقبل أنظمة الذكاء الاصطناعيِّ الفائقة الذكاء، التي قد تعمل بشكلٍ مستقلٍّ، وتنطوي على عملياتٍ دون إشرافٍ بشريٍّ. وهذا يثير تساؤلاتٍ مهمةً حول الأُطُر الأخلاقيَّة التي ينبغي أن تحكم مثلَ هذه الأنظمة. ويزعم بعض الخبراء أن المبادئ الأخلاقية التي توجِّه السلوك البشري -المتجذرة في التعاطف، والمعايير الاجتماعية، والفلسفة الأخلاقية- قد لا تكون كافيةً أو مناسبةً لأنظمة الذكاء الاصطناعيِّ التي تعمل بشكلٍ مستقلٍّ. ويكمن التحدِّي في تحديد ما يشكِّل “الأخلاق المناسبة” لهذه الأنظمة المتقدِّمة؛ لأن المشهد مُعقَّدٌ وغير واضحِ المعالم. غالبا ما تشير المناقشات إلى سيناريوهاتٍ واقعيةٍ تسلِّط الضوء على المعضلات الأخلاقيَّة التي تواجهها الأنظمة المستقلَّة. وثمة مثالٌ على ذلك يكثر تداوله وهو يتعلق بالخيارات التي يتعين على المركبات ذاتية القيادة اتخاذها في حالات الحوادث الحرجة. فعندما تواجه تصادمًا مُحتَمَلًا، هل ينبغي للمركبة أن تعطي الأولويَّة لسلامة ركَّابها من خلال الانحراف لضرب المشاة، أم ينبغي لها أن تصطدم بجدار، وبالتالي تخاطر بحياة ركَّابها؟ إن هذا المأزق الأخلاقيَّ يوضِّح التوتُّر بين الأخلاق النفعيَّة من ناحيةٍ، وتعظيم السلامة العامة والقواعد الأخلاقية التي تثمن واجب حماية الحياة البشرية من ناحيةٍ أخرى. وفي حين قد يتصارع السائق البشري مع مِثل هذا القرار، فإنه غير مُقيَّد باستجاباتٍ مبرمجةٍ مسبقًا، بل يمكنه أن يَزِن الموقف في الوقت الحقيقي، مستعينًا ببوصلته الأخلاقيَّة واستجاباته العاطفيَّة. ومن الأمثلة الأخرى الشائع تداولها يتعلق بنشر الروبوتات القاتلة في الحروب أو عمليات مكافحة الإرهاب. وقد صُمِّمت هذه الآلات لغرض صريح هو القتل، وهو ما يثير تساؤلات أخلاقية عميقة حول طبيعة أفعالها والمساءلة عن تلك الأفعال. ويثير احتمال اتخاذ الآلات لقراراتٍ تتعلق بالحياة أو الموت دون تدخُّلٍ بشريٍّ مناقشاتٍ حاسمةً داخل المجتمع حول الآثار الأخلاقية لمثل هذه التقنيات. وإذا قبلنا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكتسب الاستقلال في اتخاذ القرار وإنشاء السيناريوهات، فهل يعني هذا أنها سوف تمتلك أيضًا شكلًا من أشكال الوكالة؟
وفي هذا السياق، تشير الوكالة الأخلاقية إلى القدرة على التصرُّف بشكلٍ مستقلٍّ، واتِّخاذ الخيارات على أساس مجموعةٍ من القِيَم أو المبادئ، أي أن “يُوكَل” إلي أنظمة الذكاء الاصطناعي وضع قواعد أخلاقية ذاتية تلائمها. إذا تم تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي للعمل بشكلٍ مستقلٍّ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يجب أن تكون مُشبعةً باعتباراتٍ أخلاقيةٍ مماثلةٍ لتلك التي توجِّه السلوكَ البشريَّ؟ وعلاوةً على ذلك، إذا كانت هذه الأنظمة قادرةً على اتِّخاذ قراراتٍ لها آثارٌ أخلاقيةٌ كبيرةٌ، فمن المسؤول عن أفعالها؟ المطوِّرون، المستخدِمون، أم الذكاء الاصطناعي نفسه؟ وبينما نتنقل عبر هذه المشاهد الأخلاقية المعقَّدة، يصبح من الواضح بشكلٍ متزايدٍ أن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الفائقة الذكاء يتطلب إعادة تقييم أُطُرِنا الأخلاقية. يجب أن نأخذ في الاعتبار ليس فقط العواقب المباشِرة لهذه الأنظمة، ولكن أيضًا العواقب المُحتَمَلة التي قد تترتَّب عليها. إن الأخلاق في هذه الحالة لن تكون مُدخَلات من عالم البشر، وإنما نتاج عملياتٍ تظهر في صورة مُخرَجاتٍ. وحتى في حالة تدخُّل البشر لتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي بأخلاقياتٍ معيَّنةٍ فما هي طبيعة اختياراتنا؟ ومن يقرِّرها؟ ولمصلحة من؟
ويبقى السؤال: ما هو موقفنا حيال هذا المسار العالميّ؟ وعندما أقول “موقفنا” أدرك أن هذه الكلمة تحتاج إلى مزيدٍ من التحديد؛ فثمة مواقف متعدِّدة بحكم المصلحة، والتوجُّهات الأيديولوجية والسياسية والأخلاقية، ولذلك فأنا أتحدث عن التيارات الإنسانية، التي وإن لم تتَّفق على مفهومٍ واحدٍ للأخلاق، فعلى الأقل تَعِي أن هناك مصلحةً مشتركةً في مواجهة وتدارك مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي. ولحسن الحظ أن أنصار هذا التيار لهم حضور في الأوساط البحثية والأكاديمية والمجتمعات المدنية والهيئات الدولية وفى المؤسسات الدينية… وغيرها. ومع ذلك، فإن المقصود هو هذه الأطراف في سياق المنطقة العربية بالأساس. ومن الواضح أن تحدياتنا تنبع في المقام الأول من أنفسنا قبل أن تكون تحدياتٍ خارجيةً مرتبطةً بالتقدم الحاصل في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. نحن نواجه قضايا تتطلب منا التأمل وتحمل المسؤولية التاريخية بشأنها، ومن ذلك:
أولًا: أن وضعنا الهامشي في المجالات العلمية والتكنولوجية يجعلنا عرضةً لتهديداتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ووجوديةٍ. فأبسط تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تشكِّل تهديدًا في الأوضاع الهشَّة. ففي حين تعرب الدول المتقدمة عن مخاوفها بشأن الذكاء الاصطناعي المتقدم والأيديولوجيات ما بعد الإنسانية المصاحبة له، فإن المجتمعات المُهمَّشة تكتفي، وأحيانًا تتفاخر، بموقعها الاستهلاكي لمنتجات الذكاء الاصطناعي الأساسية، وغالبًا ما تقع فريسةً لمنتجات دون المستوى، أو تلك التي تخدم في النهاية مصالح ضيقةً تتلاقى ومصالح محتكري التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: على الرغم من ادِّعاءاتنا بالتفوق الأخلاقي، فإننا ندرك تمام الإدراك أن معاييرنا الأخلاقية غالبًا ما تعمل كواجهاتٍ تخفي نقاط ضعفنا. هذه الواجهات، التي نتصورها عن طريق الخطأ على أنها معاقل ضد التهديدات الخارجية، تعيق قدرتنا على التكيف مع متطلبات الحداثة والتقدم السريع في العلوم والتكنولوجيا. لذا فمن الضروري أن نعترف بعدم جدوى هذا النهج الثقافي في مواجهة الهجوم الشرس للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فهل نحن مستعدُّون لإعادة تقييم مواقفنا الأخلاقية بشكلٍ نقديٍّ ومسؤولٍ، وخاصةً فيما يتَّصِل بحقوق الإنسان، التي تمثِّل، بغضِّ النظر عن تفضيلاتنا، إنسانيةً مُشتَرَكةً وملاذًا ضد العديد من المخاطر السياسية والبيئية والتكنولوجية؟
ثالثًا: في حين أننا قد نَستَغِل فوائد الذكاء الاصطناعي في مجالاتٍ مثل الرعاية الصحية وإدارة البيئة، فإن غياب حوكمةٍ رشيدةٍ بما تعنيه من مساءلةٍ ومشاركةٍ، قد يجعلنا عرضةً بشكلٍ خاصٍّ للجوانب الضارة للذكاء الاصطناعي، مُمثَّلة في كونها أدواتٍ للسيطرة والمراقبة وانتهاك الخصوصية. وإذا كانت المجتمعات الغربيَّة تمتلك الأُطُر التنظيميَّة اللازمة لإنفاذ القوانين والتأمل الجاد في حوكمة الذكاء الاصطناعي، ففي السياقات الخالية من مثل هذه الأُطُر، قد يعمل الذكاء الاصطناعي كآليةٍ لتقويض فرص الحوكمة الرشيدة.
وأختم كلامي بالتوصية الخاصة بـ”أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” الصادرة عن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة )اليونسكو( في دورته الحادية والأربعين في الفترة الممتدة من 9 إلى 24 نوفمبر من عام 2021. فهذه التوصية يمكن أن تكون وثيقةً إرشاديةً للعمل المُشتَرَك حيث: “.. تبحث التوصية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بحثًا معياريًّا منهجيًّا يقوم على إطارٍ كليٍّ شاملٍ ومتعدِّد الثقافات ومتغيِّر القِيم ومبادئ وإجراءات مترابطة يمكن أن ترشد المجتمعات فيما يخص التصدي بطريقةٍ مسؤولةٍ للعواقب المعروفة وغير المعروفة لوسائل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على البشر والمجتمعات البشرية، وكذلك على البيئة والنُظم الإيكولوجية؛ وترسي التوصية بالتالي الأسس اللازمة التي يستطيع البشر الاستناد إليها للحكم على وسائل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وقبولها أو رفضها. وتعتبر التوصية الأخلاقيات أُسسًا مرنة للتقييم المعياري والتوجيه المعياري لوسائل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتستند إلى وجوب صون كرامة الإنسان ووجوب ضمان السلامة والرفاهية ووجوب درء الضرر باعتبارها البوصلة التي يجب الاسترشاد بها، وباعتبارها مبادئ راسخة في أخلاقيات العلوم والتكنولوجي”.
اسم الكاتب: ش. أسامة رشدي
شذرة كتابية (1)
وادٍ ممتلئ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“فَقَالَ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: اجْعَلُوا هذَا الْوَادِيَ جِبَابًا جِبَابًا. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: لاَ تَرَوْنَ رِيحًا وَلاَ تَرَوْنَ مَطَرًا وَهذَا الْوَادِي يَمْتَلِئُ مَاءً،“
(ملوك الثاني 3: 16- 17)
عجيبٌ هو الرب! فأفكارهُ عَلَت على أفكارنا، وطُرقه على طرقنا. كان من المتوَقَّع أن تأتي المياه من الريحِ والمطرِ، لكن الرب كانت له كلمة أخرى خلاف المتوقَّع، هو أتى بها من طريق أدوم، بمياه جارية ملأت الأرض، وكل ما طلبه الرب هو أن يجعلوا الوادي (جبابًا جبابًا) أي (حُفرًا حُفرًا)، لتمتلئ وتفيض ويرتوي الجيش في أثناء الحرب، وتحققت كلمة الرب فعلًا والتي وعد بها بفم خادمه أليشع النبي… فهل أنت أيضًا تتوقع استجابة لصلاتك لكن بفكرك وبالطريقة التي تريدها؟ أم تنتظر أن الرب يقول كلمته ويستجيب بحكمتهِ؟ قد يكون الوادي جافًا قاسيًا عليك، لكن كلمة الرب لك أن “هذَا الْوَادِي يَمْتَلِئُ مَاءً” (ع. 17)، قد تتساءل كيف ومتى؟ لكن هذا عمل الرب، ودورك أنت أن تطيع أمره وتثق بوعده، تصبر وتنتظر، بل وتستعد للبركة ونوال المواعيد… آمين.
شذرة كتابية (2)
سراج في الظلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“مَنْ مِنْكُمْ خَائِفُ الرَّبِّ سَامِعٌ لِصَوْتِ عَبْدِهِ؟ مَنِ الَّذِي يَسْلُكُ فِي الظُّلُمَاتِ وَلاَ نُورَ لَهُ؟ فَلْيَتَّكِلْ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ وَيَسْتَنِدْ إِلَى إِلَهِهِ”
(إشعياء 50: 10)
ما أعظمهُ وعدٌ من الربِّ! ففي الأوقات الصعبة التي تعبر فيها، لا يوجد شعاعُ أملٍ أو خبرٌ طيب، ظلامٌ من حولك ولا نور أمامك، لا تعلم ما تحمله الخُطوة القادمة. في هذه الأوقات ليس لك إلا أن تسمع صوت الرب وتدرك حضوره وتتكل على اسمه. هو برج حصين تركض إليه وتتمنع فيه (أمثال 18: 10)، تُلقي نفسك بالتمام عليه، تسند إليه قضيتك ودموعك وطلباتك، تُلقي عليه همّك، وتثق تمامًا أنه هو يعتني بك (بطرس الأولى 5: 7)، تؤمن أنه في الظُّلمات هو نورك وخلاصك، تؤمن أن خروجه لك يقينٌ كالفجر، وكمطرٍ متأخرٍ يأتي إليك؛ فيسقي أرضك اليابسة (هوشع 6: 3)، هو وضع أمامك رجاءً عظيمًا، كمرساةٍ للنفسِ مؤتمنةٍ وثابتةٍ لتُمسك به (عبرانيين 6: 18)، فاطرح ثقتك على إله الرجاء، لأن ثقتك لها مجازاة عظيمة (عبرانيين 10: 35).
شذرة كتابيه (3)
أمام الأسوار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ”
(يشوع 6: 2)
نعم، كانت أريحا مدينة مغلقة ومقفلة أمام يشوع، ولكن هل كانت مُغلّقة ومقفلة أمام الرب؟ كلا، فهذا هو إلهنا، لا تقف أمامه المستحيلات، يأتي بتعضيد عظيم ليشوع وهو أمام هذا التحدي ويكلمه بالوعد، ويدفع ليديه الملوك وجبابره البأس، وتسقط أسوار أريحا بالإيمان، بعدما طِيف حولها سبعة أيام (عبرانيين 11: 30)، فهل أمامك تحدٍّ صعب كيشوع؟ هل وقَفتَ أمام الأسوار المنيعة وأنت لا تملك من القوة شيئًا؟ تشجَّع، فعندما يقول لك الرب: “قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا”(ع. 2)، هو قادرٌ أن يتمم الوعد، ولا بد أن يتمم مشيئته الرائعة، العيان يقول لك: “مستحيل”، والرب دائمًا له الكلمة الأولى والأخيرة. اطمئن لن تسقط كلمة واحدة من جميع الكلام الصالح الذي تكلم به الرب على حياتك، بل الكل سيصير (يشوع 23: 14)، فتقوَّ في إيمانك به، وطاعتك له، استمع دائمًا لصوته، وكن قريبًا جدًّا من كلمته.
شذره كتابيه (4)
يوم راحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“وَيَكُونُ فِي يَوْمٍ يُرِيحُكَ الرَّبُّ مِنْ تَعَبِكَ”
(إشعياء 14: 3)
فـ(ليلةٌ) كاملة يتعب فيها بطرس ولم يصطد شيئًا! (لوقا 5: 5)، وشاول يبحث عن الأتن الضالة لأبيه (ثلاثة أيام)، ولم يجدها (صموئيل الأول 9: 4)، وبولس يُحمل تائهًا في البحر في رحلته لروما (أربع عشرة ليلة)، ويُنتزع منه الرجاء بالنجاة (أعمال 27: 27)، وجليات المبارز يتقدم ويقف، ويتحدى شعب الله (أربعين يومًا)، ولا يوجد من يقف أمامه (صموئيل الأول 17: 16)، ويوسف في السجن ينساه رئيس السقاة (سنتين)، ولم يذكره (تكوين 40: 23). حقًّا كلها أوقات صعبة! ما بين محاولات يائسة لاسترجاع ممتلكاتٍ مفقودةٍ، فُقدان الأمل بالنجاةِ، شعور بالضعفِ أمام عدوٍّ عنيفٍ، نسيان معروف. لكن في كل هذه المشاهد يقول الرب كلمته القديرة، ويأتي يوم الراحة، فتمتلئ شبكة بطرس من السمك، الأتن المفقودة وُجِدت ويُتوَّج شاول ملكًا، ينجو بولس ومن معه إلى البرّ بسلام، يسقط جُليات بمقلاعِ داود، ويُوسف يملك على مصر. فثق بالرب وانتظره، هو سيأتي في يومٍ ليريحك من تعبك.
اسم الكاتب : المهندس عماد توماس
ضمن سلسلة الثقافة العلمية صدر حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب “الذكاء الاصطناعي”، للدكتور فتح الله الشيخ، بكلية العلوم جامعة سوهاج. يتكون الكتاب من 365 صفحة من القطع الكبير. ويقدم الكتاب تعريفًا لعلم الذكاء الاصطناعى، ويبين أهميته وتاريخ تطوره عبر الزمن، كما يتناول عددًا من التطبيقات المهمة في مجالات النشاط البشري، مثل الرعاية الصحية والعلوم الحيوية التي أسهمت في الحفاظ على حياة الإنسان، ويستعرض التطبيقات التكنولوجية والعلمية التي غيَّرت أنماط معيشتنا وفاقمت الفجوة والجفوة بين جيل الأحفاد والأجداد.
ويتعرض الكتاب لقضية الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي وأخلاقيات التعامل مع هذه التقنية، وضرورة السيطرة عليها في استخداماتها المتعددة.
تاريخ الذكاء الاصطناعي
يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي ظهر حديثًا مع انتشار الإنترنت وأجيال الاتصالات المتقدمة إلا أن مؤلف الكتاب يفاجئنا بأن الذكاء الاصطناعي ظهر في الخمسينيات من القرن الماضي على يد آباء الذكاء الاصطناعي منهم جون مكارثي John McCarthy الذي وصف هذا الذَّكاء بأنه أي مهمة يؤديها برنامج أو آلة لو قام الإنسان بنفس النشاط، فسنقول إن على الإنسان تطبيق الذكاء لإنجاز تلك المهمة.
تم سك مصطلح الذكاء الاصطناعي في عام 1956، لكن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر شعبية اليوم بفضل زيادة حجم البيانات، والخوارزميات المتقدمة، والتحسينات في طاقة الحوسبة والتخزين، وقد عرضت بحوث مبكرة في الذكاء الاصطناعي في خمسينيات القرن العشرين مواضيع مثل حل المشاكل والطرق الرمزية، وفي الستينات من القرن نفسه، اهتمت وزارة الدفاع الأمريكية بهذا النوع من البحوث وبدأت بتدريب أجهزة الكمبيوتر على محاكاة المنطق البشري الأساسي، على سبيل المثال، أنجزت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة مشاريع خرائط الشّوارع في السبعينيات، وأنتجت داربا مساعدين شخصيين أذكياء في عام 2003، سابقة في ذلك سيري أو أليكسا بوقت طويل، وقد مهد هذا العمل المبكر الطريق للأتمتة والتفكير السّائد الَّذي نراه في أجهزة الكمبيوتر اليوم، بما في ذلك أنظمة دعم القرار وأنظمة البحث الذكية التي يُمكن تصميمها لتقوية وتعزيز القدرات البشرية. ومنذ الثمانينيات وحتى بداية عشرينيات القرن الحالي أصبح التعلم الآليُّ شائعًا، وفى يومنا هذا سيطر التعلم العميق، وصارت اختراقاته محركًا لطفرة الذكاء الاصطناعي.
ماهو الذكاء الاصطناعي؟
يعرَّف الذكاء الاصطناعي اليوم بشكل صحيح باسم الذّكاء الاصطناعي الضيق (أو) الذكاء الاصطناعي الضعيف، حيث إنه مصمم للقيام بمهمة ضيقة (على سبيل المثال، التعرف على الوجه فقط أو البحث في الإنترنت فقط أو قيادة السيارة فقط)، ومع ذلك، فإنَّ الهدف طويل الأجل لكثير من الباحثين هو إنشاء Artificial general intelligence AGI AI الذكاء الاصطناعي القوي، في حين أن الذكاء الاصطناعي الضيق قد يتفوق على البشر مهما كانت مهمته المُحدَّدة، مثل لعب الشطرنج أو حل المعادلات، فإنَّ الذكاء الاصطناعي القوى AGI سوف يتفوق على البشر في كلّ مهمةٍ إدراكيةٍ تقريبًا.
وتُظهر أنظمة الذَّكاء الاصطناعي عادةً على الأقل بعض السلوكيات المرتبطة بالذكاء البشري مثل: التخطيط والتعلم والتفكير، وحل المشكلات، وتمثيل المعرفة والإدراك والحركة والتلاعب، وبدرجة أقل، الذكاء الاجتماعي والإبداع.
الذكاء الاصطناعي (AI) من الممكن للآلات أن تتعلم من التجربة، وأن تتكيف مع المدخلات الجديدة لتؤدي نفس المهام التي يقوم بها الإنسان، وتعتمد معظم أمثلة الذكاء الاصطناعي الَّتي نسمع عنها اليوم -من أجهزة الكمبيوتر التي تلعب الشطرنج إلى السيارات ذاتية القيادة- بشكل كبير على التعلم العميق ومعالجة اللغات الطبيعية، وباستخدام هذه التقنيات، يُمكن تدريب أجهزة الكمبيوتر لإنجاز مهام محددة من خلال معالجة كميات كبيرة من البيانات والتعرف على الأنماط في هذه البيانات.
تعلم الآلة والتعلم العميق
تعلم الآلة (ML) هو دراسة تحسين خوارزميات الكمبيوتر تلقائيًّا من خلال التجربة، يُنظر إليه على أنَّه مجموعة فرعية من الذكاء الاصطناعي، تبني خوارزميات التعلم الآلي نموذجًا رياضيًّا يعتمد على بيانات نموذجية، تُعرف باسم “بيانات التدريب”، من أجل وضع تنبؤات أو قرارات دون أن تتم برمجتها بشكل صريح للقيام بذلك، تُستخدم خوارزميات التعلم الآلي في مجموعة متنوعة من التطبيقات، مثل تصفية البريد الإلكتروني ورؤية الكمبيوتر، حيث يصعب أو يتعذر تطوير خوارزميات تقليدية لأداء المهام المطلوبة. يرتبط التعلم الآلي ارتباطًا وثيقًا بالإحصاءات الحسابية، والتي تركز على عمل التنبؤات باستخدام أجهزة الكمبيوتر، ويُشار أيضًا إليه في تطبيقه عبر مشاكل العمل، باسم التحليلات التنبؤية.
أما التعلم العميق (المعروف أيضًا باسم التعلم المنظم العميق) هو جزء من مجموعة أوسع من أساليب التعلم الآلي القائمة على الشبكات العصبية الاصطناعية مع التعلم التمثيلي، يمكن أن يكون التعلم تحت الإشراف أو شبه خاضع للإشراف أو من دون إشراف.
يعتقد مؤلف الكتاب أن صناعة الذكاء الاصطناعي كبيرة جدًّا، ومن المحتمل أن تنمو لتصير أكبر من أي صناعة أخرى رأيناها حتى الآن، وتشمل أكبر فرصة استثمارية، فالدراسات الحديثة تشير إلى إمكانات الربح الهائلة للاستثمارات الموقوتة والمُحدَّدة بشكل صحيح في سوق الذكاء الاصطناعي AI الوليدة. من سيري SIRI إلى السيارات ذاتية القيادة يتقدم الذكاء الاصطناعي (AI) بسرعة، في الوقت الذي يصور فيه الخيال العلمي غالبًا الذكاء الاصطناعي على شكل روبوتات ذات خصائص شبيهة بالإنسان، إلا أنَّه يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يشمل أي شيء من خوارزميات البحث من جوجل Google إلى واتسون Watson من IBM إلى الأسلحة المستقلة ذاتيًّا.
استخدامات الذكاء الاصطناعي وأهميته
الذكاء الاصطناعي موجود في كل مكان، ويُستَخدَم للتوصية بما يجب عليك شراؤه عبر الإنترنت في المستقبل، ولفهم ما تقوله للمساعدين الظاهريين مثل alexa- Apple- Siri وللتعرُّف على من وما هو موجود في صورة ما، أو اكتشاف البريد العشوائي أو اكتشاف الاحتيال في بطاقات الائتمان وتأتي أهمية Al في التالي:
تحديات الذكاء الاصطناعي والتنقيب عن البيانات المرئية
الذكاء الاصطناعي سيغير كل صناعة لكن علينا أن نفهم حدوده، والمبدأ الذي يميز الذكاء الاصطناعي هو أنه يتعلم من البيانات، فلا توجد طريقة أخرى يمكن من خلالها دمج المعرفة، وهذا يعني أن أي أخطاء في البيانات ستنعكس في النتائج، ويجب إضافة أي طبقات إضافية للتحليل بشكل منفصل.
يتم تدريب أنظمة AI اليوم على القيام بمهمةٍ واضحةٍ ومحدَّدةٍ، فمثلا لا يمكن للنظام الذي يلعب البوكر أن يلعب سوليتير أو شطرنج، كذلك لا يستطيع النظام الذي يكتشف الاحتيال قيادة السيارة، ولا أن يقدم المشورة القانونية لك، كما لا يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي الذي يكتشف الاحتيال في الرعاية الصحية كشف الاحتيال الضريبي أو الاحتيال في دعاوى الضمان والتأمين، بعبارة أخرى. هذه الأنظمة متخصصة جدًّا، وهي تركز على مهمة واحدة وبعيدة عن التصرف مثل البشر.
وبالمثل فإنَّ أنظمة التعلم الذاتي ليست أنظمة مستقلة، تقنيات AI المُتخيَّلة التي نراها في الأفلام والتلفزيون ما زالت خيالًا علميًّا، إلا أن أجهزة الكمبيوتر التي يمكنها استقصاء البيانات المعقَّدة للتعلم وإكمال مهام محددة أصبحت شائعةً إلى حدٍّ كبير.
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؟
يعملAI من خلال الجمع بين كميات كبيرة من البيانات مع المعالجة السريعة والمتكررة. والخوارزميات الذكية، مما يسمح للبرنامج بالتعلم تلقائيًّا من الأنماط أو الميزات الكامنة في البيانات. يعتبر الذكاء الاصطناعي مجالًا واسعًا للدراسة يتضمن العديد من النظريات والطرق والتقنيات، بالإضافة إلى الحقول الفرعية الرئيسية التالية:
تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
يرى المؤلف أن الذكاء الاصطناعي قدَّم تحدياتٍ أخلاقيةً واجتماعيةً وسياسيةً كبيرةً تتطلب تحليلًا فلسفيًّا وأخلاقيًّا شاملًا، فيجب دراسة تأثيره الاجتماعي لتجنب أي تداعيات سلبية. فقد أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر استقلاليةً وعقلانيةً وذكاءً، ويثير هذا التطور الشامل العديد من القضايا، بالإضافة إلى الضرر المُحتَمَل وتأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على خصوصيتنا، فهناك مخاوف أخرى تشمل الوضع المعنوي والقانوني (بما في ذلك الحقوق المعنوية والقانونية)، ووكالتهم الأخلاقية المحتملة والقضايا المتعلقة بشخصيتهم المحتملة وحتى كرامتهم، ومع ذلك من الشائع التمييز بين القضايا التالية باعتبارها ذات أهمية قصوى فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي وعلاقته بالمجتمع البشري وفقًا لثلاث فترات زمنية مختلفة:
(1) المدى القصير (أوائل القرن الحادي والعشرين) الأنظمة المستقلة (النقل، الأسلحة)، والتحيز الآلي في القانون، والخصوصية والمراقبة ومشكلة الصندوق الأسود، واتخاذ القرارات بشأن الذكاء الاصطناعي.
(2) المدى المتوسط (من أربعينيات القرن العشرين إلى نهاية القرن) حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتأكيد الوضع الأخلاقي والقانوني للآلات الذكية (عوامل أخلاقية اصطناعية)، والتفاعل بين الإنسان والآلة، والأتمتة الجماعية.
(3) المدى الطويل (بدءًا من القرن الحادي والعشرين) التفرد التكنولوجي، والبطالة الجماعية، واستعمار الفضاء.
القوانين الأخلاقية الأربعة للروبوتات
الخلاصة
أصبحت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من أكثر الموضوعات حيويةً في فلسفة التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي يتمتع بالقدرة على إعادة تعريف مفاهيمنا الأخلاقية التقليدية، والمناهج الأخلاقية والنظريات الأخلاقية، فيشكل ظهور آلات الذكاء الاصطناعي التي قد تتطابق مع القدرات البشرية أو تحل محلها تحديًا كبيرًا لفهم الذات التقليدي للبشرية، باعتبارها الكائنات الوحيدة التي تتمتع بأعلى مكانة أخلاقية في العالم، وبناءً على ذلك، فإن مستقبل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لا يمكن التنبؤ به، ولكن من المحتمل أن يقدم قدرًا كبيرًا من الإثارة والمفاجأة.
اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
مع كل تطور جديد تشهده البشرية، خصوصًا في مجال التكنولوجيا، يعيد الإنسان طرح عدد مهم من الأسئلة، حول فائدة هذا التطور، أو ربما أضراره، أو تأثيراته الأخلاقية والسلوكية على البشر. وصحيح أن التطورات التكنولوجية تهدف بالأساس إلى جعل حياة الإنسان أسهل، لكنها أيضًا تثير بعض المخاوف حول توجُّه البعض لإساءة استخدامها في إيذاء الآخرين. وكنتيجةٍ لهذا يتجه الإنسان لوضع ميثاق أخلاقي ينظم هذا الاستخدام، ليكون بمثابة عقد اجتماعي ينظم العلاقات في إطار هذا التطور الجديد.
هذا الوصف ربما ينطبق على كل ما استطاعت البشرية تحقيقه عبر تاريخها الطويل، حتى منذ اكتشاف النار، وصناعة الأدوات الحادة لتساعد الإنسان على البناء والتشييد والتطوير… فلكل تطور من هذه التطورات دائمًا وجه آخر، يثير القلق، إذا ما أسيء استخدامه.
وربما خلال الأعوام الماضية أثيرت قضية الذكاء الاصطناعي؛ و شهدنا فريقين في موقفهم من استخدامه؛ فالبعض بالغ في فوائده ومنافعه، والبعض الآخر تملكه خوف غير مبرر من تأثيره على الناس، والاستغناء عن الوظائف، وكذلك إساءة استخدامه من قبل البعض للإيذاء.
ويجدر بنا في البداية أن نعرِّف مصطلح “الذكاء الاصطناعي”، وقد لجأت هنا للذكاء الاصطناعي نفسه ليعرفنا بنفسه، من خلال موقع Chat GPT والذي يساعد في كتابة المحتوى وترجمته ومراجعته وصياغته؛ فيقول: “الذكاء الاصطناعي (AI) هو مجالٌ من مجالات علوم الحاسوب الذي يهتم بتطوير الأنظمة والتطبيقات التي تحاكي القدرات الذهنية للبشر، مثل التعلم، التفكير، حل المشكلات، واتخاذ القرارات. يعتمد الذكاء الاصطناعي على الخوارزميات والتقنيات المتقدمة مثل التعلم الآلي (Machine Learning) والشبكات العصبية (Neural Networks) لتحليل البيانات واكتساب معرفة جديدة وتطوير استراتيجيات من أجل أداء مهام معينة دون تدخل بشري كبير”.
إذن نحن أمام عمليَّة محاكاةٍ لذكاء “أصلي”، صورة من نسخة “أصلية”، مصنوعة بيد مبدعٍ آخر، أنشأ وخلق من العدم؛ وهو الله. فالذكاء الإنساني هو الذي تمكن في كل مراحل تاريخ البشرية من تطوير كل شيء حوله مستخدمًا كل ما يجده أمامه من عناصر لكي يجعل حياته أسهل. لهذا عندما نتحدث عن “ذكاء اصطناعي”، يجب أولًا أن نشكر صانع “الذكاء الأصلي” وخالقه ومبدعه. نحن صورة الله، والله خالق ومبدع، والإبداع داخل الإنسان لمحة من إبداع الله غير المحدود.
ومنذ انطلاقة هذا المجال، تطورت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بسرعةٍ كبيرةٍ، مما أدى إلى تطبيقاتها في مجالات متنوعة مثل الطب، الاقتصاد، الصناعات، والتعليم… الأنظمة الذكية قادرة اليوم على تحليل كمّ هائل من البيانات بدقةٍ وسرعةٍ، ما يجعلها أداة حيوية في تحقيق تقدم غير مسبوق في العديد من الصناعات. وبطبيعة الحال، سيكون للذكاء الاصطناعي تأثير عميق على حياتنا اليومية في المستقبل القريب. بالفعل، نحن نرى اليوم كيف يتغلغل الذكاء الاصطناعي في حياتنا من خلال أجهزة الهواتف الذكية، السيارات ذاتية القيادة، والمساعدات الصوتية مثل “سيري” و”أليكسا”، والتطبيقات المختلفة لإنشاء الصور وكتابة النصوص والترجمة والتسجيلات الصوتية… هذه الأدوات الذكية قادرة على تحسين كفاءة العمل وتقليل الوقت المُستغرق في إنجاز المهام الروتينية، مما يمنح الأشخاص مزيدًا من الوقت للتركيز على الأمور الإبداعية والإنسانية.
أعود مرةً أخرى إلى المخاوف من الأخطار المحتملة؛ وأحد المخاوف الرئيسة هو إمكانية فقدان البعض لوظائفهم. نظرًا لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل البشر في العديد من الأعمال الروتينية، وقد تؤدي هذه التكنولوجيا إلى زيادة البطالة في بعض الصناعات، مما قد يؤدي إلى تفاقم الفجوة الاقتصادية بين الأفراد. لكن أمام هذه المخاوف، فقد رأينا في مجالاتٍ عدة أن التكنولوجيا لم تلغِ دور الإنسان؛ ففي مجال الموسيقى مثلًا تمكنت التكنولوجيا من تخليق أصوات الآلات الموسيقية المختلفة دون الحاجة إلى الآلة الموسيقية نفسها والعازف، فصار بإمكان شخص واحد أن يصنع عملًا موسيقيًّا كاملًا بجهاز إلكتروني واحد. لكن الخبرة التاريخية تقول إن الآلة الموسيقية والعازف البشري المبدع، لا يزال حضوره أساسيًّا. وأنا أرى الأمر بهذه الطريقة؛ فربما يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة النصوص وترجمتها، لكنها ستظل مفتقدةً لعنصر الطبيعية والإبداع البشري.
إضافةً إلى ذلك، تثير قضايا الأمان الأخلاقي مخاوف متزايدة؛ إذ يمكن للأنظمة الذكية أن تتعرض للإساءة إذا لم تكن مبرمجة أو مُراقَبة بشكل صحيح، وإذا لم يتم تنظيم هذه التكنولوجيا بشكل جيد، قد يؤدي ذلك إلى مشاكل تتعلق بالخصوصية، السيطرة، والاستقلالية البشرية. وهنا أرى دور كلٍّ من: مبادئ الله ومعاييره، والقانون والتشريع، والضمير البشري.
فمبادئ الله ومقاصده للإنسان كلها صالحةٌ، وكلها تريد أن تحقق للإنسان الأفضل دائمًا. الله يريد أن جميع البشر يتعايشون في سلام ومجتمع آمن. السيد المسيح في حياته على الأرض قدم فكر الملكوت وصورته وسلوكه، جال يصنع الخير وساعد كثيرين على تغيير حياتهم للأفضل. وقال هذا: “وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (إنجيل يوحنا 10: 10). وما دام هو نموذجنا فسنستخدم كل ما تصل إليه أيادينا من تطورات تكنولوجية في تقديم الأفضل دائمًا لحياة الإنسان.
ثم نأتي للدور البشري وهو القانون والتشريع، ففي هذه المرحلة يجب أن يطلع المشرعون جيدًا على كل آليات الذكاء الاصطناعي وأدواته حتى يتمكنوا من صياغة قوانين تحمي الناس من كل من يفكر أن يسيء استخدامه في إيذاء الآخرين، ويخرجه عن الهدف الأساسي الذي صنع لأجله؛ وهو خير البشرية.
وأمام هذا القانون يجب أن يكون الضمير البشري حيًّا نابضًا، فيأبى أن يعرِّض الآخرين للخطر، أو أن يؤذيهم، وهنا تأتي التنشئة التي تحرص على زرع قيم الخير والمحبة في الأطفال لخلق مجتمع آمن.
وفي هذا السياق يمكن للكنيسة -بل ويجب عليها- أن تكون جزءًا من استكشاف هذا العالم لتطوير خدمتها واستخدام هذه الأداة لمجد الله وعمل الملكوت، وكذلك أن تكون جزءًا من النقاش الأخلاقي حول الذكاء الاصطناعي. من خلال الانخراط في الحوارات حول الأخلاقيات في استخدام التكنولوجيا وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تحترم الكرامة الإنسانية وتراعي العدالة الاجتماعية، يمكن للكنيسة أن تلعب دورًا رائدًا في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي وفقًا للقيم الإنسانية
أخيرًا، الذكاء الاصطناعي يقدِّم فرصًا هائلة لتحسين حياة البشر، لكنه يطرح أيضًا تحدياتٍ أخلاقيةً ومخاطر يجب مراعاتها. فيجب أن تُستخدَم هذه التكنولوجيا بمسؤولية أخلاقية وإنسانية وحضارية، مع التركيز على تعزيز القيم الإنسانية والخدمة للآخرين.
اسم الكاتب : الدكتور القس موريس يوسف
لم تكن حركة الإصلاح الإنجيلي حركةً دينيةً سعت إلى إصلاح الكنيسة وتصحيح مسارها اللاهوتي والكتابي فقط، بل كانت حراكًا شمل كل مناحي الحياة المختلفة. العلاقة بين الإصلاح الإنجيلي والثورة الصناعية هي علاقة تبادلية؛ فلقد أثَّر اللاهوت المُصلَح في مسيرة الثورة الصناعية وفي ذات الوقت تأثر بها. ساعدت حركة الإصلاح الإنجيلي في التمهيد للثورة الصناعية، وبالطبع التطور التكنولوجي اليوم، وفي نفس الوقت تأثرت بها.
على الرغم من أنَّ فكرة نظام اجتماعي جديد قائم على التغيير الصناعي والتطور التكنولوجي قد ظهرت في نهايات القرن السادس عشر، إلاَّ أنَّ أول استخدام مُثبَت لمصطلح “الثورة الصناعية أو “La révolution industrielle كان في رسالة بتاريخ ٦ يوليو ١٧٩٩م كتبها المبعوث الفرنسي لويس غيوم أوتو، معلنًا أن فرنسا قد دخلت في سباق التصنيع. ما قصده لويس غيوم أوتو بالثورة الصناعية هي انتشار وإحلال الميكنة محل العمل اليدوي، والذي شهدته أوروبا الغربية مع بدايات القرن السابع عشر. شملت الثورة الصناعية أيضًا آنذاك نهضة علمية شاملة؛ فتنوعت الأبحاث والتجارب لتشمل مختلف فروع العلم من عمليات التصنيع الكيميائي الجديدة، إنتاج الحديد، ازدياد استخدام الطاقة البخارية والمائية، تطوير أدوات الآلات، وظهور نظام المصنع الميكانيكي. كان للثورة الصناعية الأثر البالغ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سواء في أوروبا أو خارجها.
لماذا يجب أن تنشغل الكنيسة بقضايا التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي؟ تناقش هذه الدراسة الأسس اللاهوتية التي بنى عليها الفكر الإنجيلي المُصلَح انشغاله بقضايا الثورة الصناعية والتطور التكنولوجي، والتي من خلالها أيضًا يشتبك الفكر اللاهوتي اليوم مع قضايا الذكاء الاصطناعي بكل ما يحمله من تحدِّياتٍ وآمال. تطرح هذه الدراسة أساسين رئيسَيْن كأطر لاهوتية للتعامل مع الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي عمومًا، ومع قضايا الذكاء الاصطناعي خصوصًا. هذان الأساسان هما الفكر المُصلَح عن السوتيرولوجي Soteriology، أو مفهومنا الكتابي الخاص بالخلاص، والفكر المُصلَح الخاص بالإسخاتولوجي Eschatology، أو مفهومنا الكتابي المتعلق بالأخرويات.
أولًا: نحو مفهوم شامل للخلاص
الخلاص، كمفهوم وممارسة، في قلب إيماننا المسيحي. لكنَّ السؤال الذي يجب أن تصارع معه الكنيسة دائمًا هو: ما هو الخلاص؟ في رأيي، تقع الكنيسة في واحدٍ من خطرين في مفهومها لعقيدة الخلاص، فإما أن “نُرَوْحِنَه” over-spiritualized ونحصره في الخلاص الروحيّ أو الخلاص من سلطان الخطية وعقوبتها، وإما أن نحصره في مفهومٍ ماديٍّ بحت أو over-materialized. كلا النقيضين له خطورته على حياة وفكر الكنيسة اليوم.
يقدم الكتاب المقدس، من التكوين للرؤيا، مفهومًا شموليًّا للخلاص؛ فالخلاص من سطوة الخطية وسلطانها هو خلاصٌ، والخلاص من العبودية والسبي، من القهر والظلم، من المرض والضعف هو أيضًا نوعٌ من أنواع الخلاص. الخلاص الروحي والخلاص الزمني هما وجهان لعملةٍ واحدةٍ، بل ويحملان القدر نفسه من الأهمية.
الخلاص في المفهوم المسيحي والكتابي هو خبرةٌ مغيِّرةٌ transformative، خبرة لا مثيل لها! هذا التغيير إذًا، في قلب إيماننا المسيحي. ألسنا نحن أنفسنا خطاة “تغيَّرنا” بعمل النعمة في حياتنا؟ يقول الدكتور رونالد كول تيرنر، أستاذ اللاهوت والأخلاق بكلية لاهوت بتسبرج، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية: “إنَّ رجاء التغيير هو جوهر حياتنا المسيحية. إنها عملية تبدأ حتى قبل أن ندركها، وتستمر إذ نكرس أنفسنا لها، وتكتمل في الأبدية. نحن نتغير خطوةً بخطوةٍ في هذه الحياة في رجاء أن تصبح حياتنا شيئًا يفوق الوصف في الأبدية.”[1]
هذا التغيير الذي نتوق أن نراه في أنفسنا وفي عالمنا يجد جذوره في تجسُّد الابن، الذي أتى لتكون لنا حياةٌ وليكون لنا أفضل. إن تجاهلَتْ الكنيسة هذا البعدَ الشموليَّ للخلاص، فإنها تضيِّع على نفسها فرصةً رائعةً لمشاركة الله عمله الرائع في العالم من خلال التطور العلمي والتكنولوجي. لا عجب أنَّ اللاهوت المسيحي كان، ويجب أن يكون دومًا، بجانب كل الحركات الروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية، التي من شأنها تحسين أوجه الحياة المختلفة.
عبَّر كُتَّاب الكلمة المقدسة عن هذه الطبيعة الديناميكية للخلاص كونه تغييرًا شاملًا ومستمرًّا بطرقٍ عديدةٍ من سفر التكوين لسفر الرؤيا. يربط الرسول بولس في ٢كورنثوس 3: 18 بين عملية التغيير المستمرة هذه “وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ”، وبين تلك الصورة “عينها” التي تشوهت تمامًا بالسقوط في جنة عدن، تكوين 1: 26 وتكوين 3: 1-7. تحمل رسائل الرسول بولس أهميةً خاصةً في التركيز على الطبيعة المتجددة لعمل الإنجيل في العالم أو ما يسميه اللاهوتي الأمريكي ستيڤن فنلان بـ The transformative nature of the soteriological reality of the gospel.[2]
ثانيًا: إعادة صياغة الفكر اللاهوتي الخاص بالأخرويات
ليس هدف هذه الدراسة دراسة عقيدة الأخرويات أو الـ Eschatology، لكن هدفي هنا هو إلقاء الضوء على أهمية الفهم الصحيح لعقيدة الأخرويات وكيف من شأنه أن يساعد الكنيسة والفكر اللاهوتي على إقامة حوار بنَّاء مع معطيات الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي والانشغال بتحديات ورؤى الذكاء الاصطناعي اليوم. كيف يساعدنا الفهم الصحيح لعقيدة الأخرويات كونها “الموجود والذي ننتظره أيضًا أو The already and not yet”، في تناول قضايا الذكاء الاصطناعي بوعي أعمق؟ هل يمكن اعتبار التقدم التكنولوجي اليوم جزءًا من عمل الله الفدائي للخليقة التي تئن وترزح تحت سلطان الخطية؟ أليس هذا ما نشعر به عندما يتوصل العلماء إلى دواءٍ شافٍ لمرض عضال طالما سبَّب ألمًا وحزنًا لبني البشر؟ أليس هذا ما نشعر به عندما تُسَن القوانين لحماية البيئة والحفاظ عليها؟
ما هو الإسخاتولوجي؟ الإسخاتولوجي هو عِلم دراسة الأخرويات، أو الأمور المتعلقة بالأيام الأخيرة. في لغة العهد الجديد، الكلمة “إسخاتوس eschatos” تعني الأيام الأخيرة (أعمال 2: 17، ٢تيموثاوس 3: 1، عبرانيين 1: 2، يعقوب 5: 3، ١بطرس 1: 20، ٢ بطرس ٣: ٣). واحد من أهم ملامح الإسخاتولوجي الكتابي أن مركزيته شخص ربنا يسوع المسيح؛ فهو الأول والآخر، البداية والنهاية، الألف والياء، به كل شيء كان وبغيره لم يكم شيء مما كان. تكلم اللاهوتي الكاثوليكي الألماني كارل رانر Karl Rahner )١٩٠٤-١٩٨٤م) عن هذا الأمر قائلًا: “إنَّ المسيح نفسه هو المبدأ التفسيري لكل التأكيدات الأخروية.”[3] يتكلم العهد الجديد في أفسس 1: 10 عن أنَّ الله سوف “يَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ”. عبرَّ الرسول بولس في كولوسي 1: 18-٢٠ عن نفس هذه الحقيقة قائلًا: “وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.”
هناك أمران مهمان يجب الانتباه إليهما بخصوص علاقة الإسخاتولوجي بالتطور التكنولوجي. الأمر الأول: يقدم الكتاب المقدس لاهوتًا أخرويًّا مُحقَّقًا أو Inaugurated Eschatology. فكما نعلم، نحن لا ننتظر الأيام الأخيرة أو “الإسخاتون”، لأن الأيام الأخيرة هي تلك الحقبة الزمنية التي تقع بين مجيء ربنا يسوع المسيح الأول بالجسد ومجيئه الثاني مُمَجَّدًا. فنحن في الأيام الأخيرة التي ستكتمل بمجيء ربنا يسوع المسيح الثاني وفدائه الكامل للإنسان وللخليقة. الإسخاتولوجي إذًا هو الموجود بالفعل والذي ننتظره في ذات الوقت The already and the not yet. في معرض حديثه عن الأيام الأخيرة، يقول الرسول يوحنا في ١يوحنا 2: 18: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.” في بداية خدمته، ومع المناداة بالإنجيل، برسالة الأخبار السارة، تكلَّم الربُّ يسوع عن اقتراب ملكوت الله كواقعٍ مُعاش ومُحقَّق بيننا قائلًا: “وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ.” فالملكوت هنا والآن، لكن أيضًا تصلي الكنيسة: “ليأتِ ملكوتك كما في السماء كذلك على الأرض”، لكنها لا تقف سلبية، مكتوفة الأيدي منتظرة أن يتحقق الملكوت بطريقة خارقة. على العكس تمامًا فهي تقوم بدورها الإنساني بكل أمانةٍ، وتسعى جاهدةً لدعم كل الجهود الإنسانية والعلمية والتقنية التي من شأنها تحقيق ملكوت الله في السماء كذلك على الأرض.
الأمر الثاني: يقدِّم الكتاب المقدس لاهوتًا أخرويًّا ديناميكيًّا حيويًّا أو Progressive Eschatology. ما هي الصورة التي يرسمها لنا الكتاب المقدس عن الله؟ الله الذي نعرفه من خلال كلمته، المكتوبة والمتجسِّدة، هو إلهٌ عاملٌ، فعَّال في العالم وفي التاريخ الإنساني. الله ليس بعيدًا عن عالمنا، هو عمانوئيل. يقول اللاهوتي والفيلسوف الفرنسي بيير تلهارد دي شاردين (1955-1991م) Pierre Teilhard de Chardin “إنَّ المسيح هو البداية والنهاية، الفاعل والقائد، المركز والرأس، المقدِّس والمجدِّد، رأس الحربة، وكذا نهاية وكمال هذا الوجود.”[4] قال الرب يسوع هذه الكلمات في يوحنا 5: 17: “أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ”. لقد أوجدَنا اللهُ في هذا العالم لنقوم بالأعمال التي أوكَلَها إلينا “يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ” (يوحنا 9: 4).
الخليقة حدثٌ مستمرٌّ لم ينتهِ، وكذا البشرية في حالة تطوُّرٍ مستمرٍّ لن يتوقف حتى اتحادنا الكامل بالمسيح في نهاية الزمان. وبالتالي الإسخاتولوجي الصحيح لا يقودنا للانعزال عن العالم، بل الاشتباك الأمين مع قضاياه وهمومه، بما في ذلك قضايا الذكاء الاصطناعي بكل ما تحمله هذه التكنولوجيا من فُرَص وتحديات. أؤمن إيمانًا راسخًا أنه إن فكرت الكنيسة بشكلٍ مختلفٍ في عقيدتَي الخلاص والأخرويات، السوتيرولوجي والإسخاتولوجي، لانفتحت أمامها آفاق جديدة وفرص رائعة لخدمة البشرية، والخليقة، والعالم الذي أرسلنا الله له.
المراجع
Burdett, Michael S. Eschatology and the Technological Future. New York: Routledge, 2015.
Cole-Turner, Ronald. “Going Beyond the Human: Christians and Other Transhumanists.”
Theology and Science 13, no. 2 (April 2015): 150-161.
Finlan, Stephen. “Can We Speak of Theosis in Paul?” in Partakers of the Divine Nature: The
History and Development of Deification in the Christian Traditions. Edited by Michael
Rahner, Karl. “The Hermeneutics of Eschatological Assertions”, in Theological Investigations
IV: More Recent Writings. Translated by Kevin Smyth. London: Darton, Longman &
Todd Seabury, 1966.
[1] Ronald Cole-Turner, “Going Beyond the Human: Christians and Other Transhumanists,” Theology and Science 13, no. 2 (April 2015): 151.
[2] Stephen Finlan, “Can We Speak of Theosis in Paul?” in Partakers of the Divine Nature: The History and Development of Deification in the Christian Traditions, eds. Michael J. Christensen and Jeffery A. Wittung, (Grand Rapids, Baker Academic, 2008), 73.
[3] Karl Rahner, “The Hermeneutics of Eschatological Assertions”, in Theological Investigations IV: More Recent Writings, trans. Kevin Smyth (London: Darton, Longman & Todd Seabury, 1966), 343.
[4] Michael S. Burdett, Eschatology and the Technological Future (New York: Routledge, 2015), 128.
اسم الكاتب : القس مودي عادل
في القرن الحادي والعشرين، يُعد الذكاء الاصطناعي (AI) أحد أكثر التطورات التكنولوجية التي تثير الجدل والتفكير الفلسفي. يتناول هذا التقدم العديد من المفاهيم الأساسية في اللاهوت، مثل الإرادة الحرة، ووعي الإنسان، والصورة الإلهية للإنسان، وغيرها من المواضيع. في هذا الإطار، تفتح التطورات التكنولوجية المجال أمام نقاشات جديدة حول كيفية تأقلم الفكر الديني والفلسفي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على المجتمعات، خاصة في السياق المصري؛ حيث يحتل الدين دورًا مركزيًّا في حياة الأفراد. كيف يمكن للمجتمع المصري أن يستوعب الذكاء الاصطناعي دون التضحية بالمبادئ اللاهوتية التقليدية؟ وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على العلاقة بين الإنسان والإله؟
تتطلب الإجابة على هذه الأسئلة تحليلًا دقيقًا للتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي على الفكر الفلسفي والديني؛ فالتطورات التكنولوجية التي يشهدها العصر الحالي تستدعي إعادة النظر في العديد من المفاهيم التقليدية، مما يدفعنا إلى استكشاف كيفية تكيُّف الفكر الديني والفلسفي في مصر مع هذه التغيرات. في هذا المقال، سأناقش التأثيرات الفلسفية واللاهوتية للذكاء الاصطناعي، وأحلل كيف يمكن للفكر الديني في مصر أن يتعامل مع التحديات المطروحة. سأركز بشكل خاص على ثلاث قضايا رئيسية: مشكلة العقل والجسد، الإرادة الحرة، وصورة الله في الإنسان، مع تقديم استجابة لاهوتية وفلسفية قوية لهذه التحديات.
أولاً، التحدي الفلسفي: الذكاء الاصطناعي ومشكلة العقل والجسد
يرتبط الذكاء الاصطناعي بإعادة التفكير في واحدةٍ من أقدم المسائل الفلسفية: العلاقة بين العقل والجسد. الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت كان أول من قدَّم هذا الفصل بين العقل والجسد؛ إذ اعتبر العقل غير ماديٍّ بينما الجسد مادي تمامًا. في ضوء التطورات في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الآلات قادرة على محاكاة القدرات العقلية للإنسان، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان الآلات أن تمتلك “عقلًا” حقيقيًّا أو وعيًا شبيهًا بالبشري.
الفيلسوف الأمريكي جون سيرل قدَّم نظرية تُعرف بـ”الحجة الصينية”، التي تُظهر أن الذكاء الاصطناعي يمكنه معالجة المعلومات بشكلٍ منطقيٍّ دون أن يمتلك أي نوع من الوعي أو الفهم الحقيقي للعالم الخارجي. وفقًا لسيرل، قد يبدو الذكاء الاصطناعي أنه يمتلك قدرات عقلية، لكنه في النهاية مجرد محاكاة. فحتى إن نجحت الآلات في محاكاة السلوك البشري، فإن هذا لا يعني أنها تمتلك وعيًا مشابهًا للوعي الإنساني.
في السياق المصري، تمثل هذه الحجة أهميةً خاصةً؛ إذ أن الفكر الفلسفي العربي والإسلامي عبر التاريخ، كما ظهر في أعمال الفيلسوف المسلم ابن سينا، أشار إلى أهمية الروح أو النفس كعنصرٍ أساسيٍّ يميز الإنسان عن باقي المخلوقات. ابن سينا يعتَبِر أن النفس البشرية غير ماديةٍ، وأنها تمتلك القدرة على الإدراك والتفكير بشكلٍ مستقلٍّ عن الجسد. في حين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطرح تحدياتٍ جديدةً لهذه الفكرة، فإن هناك ضرورةً لإعادة التفكير في مدى إمكانية توافق هذه الرؤية مع تطورات العصر الحديث.
على سبيل المثال، طرح الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي رؤى متعلقة بالوعي والوجود في سياق الفكر الفلسفي العربي، مما يضيف بعدًا إضافيًّا للفهم التقليدي للعقل والجسد. بدوي، من خلال أعماله، قدَّم تحليلات تتجاوز الثنائيات التقليدية، والتي يمكن أن تساهم في إثراء النقاش حول كيفية تفاعل الفكر الفلسفي المصري مع التقدم التكنولوجي الحالي.
في نهاية تلك الفكرة، تتطلب مسألة العلاقة بين العقل والجسد إعادة التفكير في مفهوم الوعي من منظور لاهوتي. من وجهة النظر المسيحية، يُعتَبَر الإنسان مخلوقًا على صورة الله، وهو ما يعكس عمق الوعي والقدرة على الإدراك. لذا، يجب أن نستمر في استكشاف كيف يمكن أن تتناسب الأفكار الحديثة حول الذكاء الاصطناعي مع مفهوم الوعي البشري الذي يميز الإنسان عن الآلات.
ثانيًا، الإرادة الحرة في ظل الذكاء الاصطناعي: رؤية لاهوتية
تُعد قضية الإرادة الحرة واحدةً من القضايا الأساسية التي يجب معالجتها في ضوء تقدم الذكاء الاصطناعي. في اللاهوت المسيحي التقليدي، تتمحور الإرادة الحرة حول قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات أخلاقية بحرية تامة. ترتبط هذه الفكرة بفكرة الإنسان كمخلوقٍ على صورة الله، وهو ما يمنحه القدرة على التفكير والتصرف بشكل مستقل. لكن ظهور الذكاء الاصطناعي يُثير تساؤلات حول مدى إمكانية أن تكون الآلات قادرة على اتخاذ قرارات أخلاقية.
ألفين بلانتينغا في كتابه “الله، الحرية والشر” يقدم حججًا للدفاع عن الإرادة الحرة، مشيرًا إلى أن وجود الشر في العالم لا يتعارض مع وجود الله إذا أخذنا في الاعتبار أن الله قد منح البشر الإرادة الحرة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في سياق الذكاء الاصطناعي هو: هل يمكن للآلات أن تمتلك إرادة حرة؟ هذا السؤال يرتبط بشكل مباشر بالجدل الدائر حول الوعي والذكاء الاصطناعي. يمكننا أن نتساءل: هل تُعد الآلات التي تتخذ قرارات مبنية على خوارزميات مبرمجة مسبقًا قادرة على ممارسة إرادة حرة؟ أم أن هذه القرارات هي مجرد نتيجة حتمية للبرمجة؟
من منظور لاهوتي، يعكس هذا السؤال تحديًا كبيرًا للتقاليد اللاهوتية في الشرق الأوسط، حيث يُعتبر الإنسان كائنًا فريدًا بسبب إرادته الحرة وعلاقته بالله. يطرح الذكاء الاصطناعي ضرورة إعادة النظر في هذا المفهوم، خاصة في ظل الأبحاث المتزايدة التي تشير إلى أن الآلات قد تصبح قادرةً على اتخاذ قرارات معقَّدة تتطلب نوعًا من “الحكمة” الأخلاقية.
يمكن أن يُضاف إلى هذا النقاش مراجعة للأبحاث الحالية في مجال الأخلاقيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل الجدل حول التحيز في الخوارزميات وتأثير ذلك على اتخاذ القرارات الأخلاقية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن التوسع في استعراض كيفية تفاعل الدين والفلسفة في مصر مع التطورات الأخلاقية في الذكاء الاصطناعي، من خلال دراسة تأثير هذه التقنية على القوانين والسياسات المحلية.
في نهاية تلك الفكرة، يتطلب الموضوع دراسة كيف يمكن تطبيق مفهوم الإرادة الحرة في عالم يتميز بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. يمكن أن تكون هناك حاجة لإعادة النظر في كيفية تفسير الإرادة الحرة في إطار تكنولوجي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأتمتة والخوارزميات قد لا تستطيع أن تعكس تمامًا تعقيدات الإرادة البشرية.
ثالثًا، الصورة الإلهية والإنسان الآلي: إعادة التفكير في اللاهوت التقليدي
في اللاهوت المسيحي والإسلامي، يرتبط مفهوم “صورة الله” في الإنسان بفكرة أن البشر يمتلكون صفات وخصائص تعكس بعض جوانب الإله. يرتبط هذا المفهوم بقدرات الإنسان العقلية، الروحية، والأخلاقية. لكن مع تطور الذكاء الاصطناعي، يظهر سؤال مهم: هل يمكن للآلات أن تشارك الإنسان في بعض هذه الصفات؟ إذا كانت الآلات قادرة على اتخاذ قرارات أخلاقية، فهل يعني ذلك أنها تمتلك شكلًا من أشكال “الصورة الإلهية”؟
في هذا السياق، يقدم برنت واترز في كتابه “الذكاء الاصطناعي والأخلاق المسيحية” تحليلًا حول هذا الموضوع، حيث يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغير من شكل المجتمع البشري، لكنه لا يمكن أن يغير من طبيعة الإنسان ككائن مخلوق على صورة الله. وفقًا لواترز، فإن الذكاء الاصطناعي قد يعزز من قدرة البشر على تحسين حياتهم، لكنه لا يمكن أن يحل محل الإنسان في قدراته الروحية والأخلاقية.
من جهة أخرى، يمكن النظر في كيفية تأثر المجتمعات الشرقية بتطورات الذكاء الاصطناعي، وكيفية تأثير هذه التطورات على القيم الثقافية والدينية في مصر. قد يكون من المفيد تقديم تحليلات حول كيف يمكن أن يتفاعل الذكاء الاصطناعي مع المفاهيم الدينية الثقافية التي تميز المجتمع المصري، خاصةً في ظل القِيَم الدينية العميقة التي تؤثر في شكل الحياة اليومية والروحانية.
في نهاية تلك الفكرة، نحتاج إلى التقدير العميق لطبيعة الإنسان كما تصفها المسيحية، وأن نميز بين التقدم التكنولوجي والجوهر الروحي للإنسان. الذكاء الاصطناعي قد يقدم أدوات جديدة لتحسين حياة البشر، ولكنه لا يمكن أن يعوض العمق الروحي الذي يتمتع به الإنسان كمخلوق على صورة الله.
أحد الجوانب الأساسية التي يجب تناولها في هذا السياق هو الجانب الأخلاقي. إذ يُطرح السؤال: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على القرارات الأخلاقية في المجتمع؟ في مصر، تلعب الأخلاق دورًا مهمًّا في تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية. في هذا السياق، يمكن أن يكون للذكاء الاصطناعي دور إيجابي في تحسين اتخاذ القرارات، لكن يجب أن يُنظَّم بشكل يضمن عدم تجاوز الحدود الأخلاقية المُتعارَف عليها.
في مقالته “التكنولوجيا والأخلاق”، يشير بيتر أدامسون إلى أن العلاقة بين التكنولوجيا والأخلاق يجب أن تُفهم ضمن سياق أوسع يتعلق بتأثير التكنولوجيا على الثقافة والقيم الاجتماعية. في مصر، حيث ترتبط الأخلاق بقوة بالتقاليد الدينية، يمكن أن يُشكل الذكاء الاصطناعي تحدياتٍ كبيرةً إذا لم يُطوَّر إطارٌ أخلاقيٌّ واضحٌ يحكم استخدام هذه التكنولوجيا.
يمكن التوسع في النقاش حول الأطر الأخلاقية التي يمكن أن تحدد استخدام الذكاء الاصطناعي في السياق المصري. يتطلب ذلك تبنِّي سياساتٍ ونظم من شأنها أن تضمن استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تحترم القِيَم الدينية والثقافية. يمكن أن تشمل هذه السياسات مبادئ الأخلاقيات التي تراعي تأثيرات التكنولوجيا على المجتمع، مثل حماية الخصوصية، وضمان العدالة في اتخاذ القرارات، وتجنب التحيز في الخوارزميات.
في نهاية تلك الفكرة، تتطلب التحديات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي في السياق المصري تطوير إطار تنظيمي يضمن الحفاظ على القيم الأخلاقية. ينبغي أن يشمل هذا الإطار المبادئ الدينية والأخلاقية التي توجه استخدام التكنولوجيا في المجتمع.
في مصر، يُعتبر الدين أحد الركائز الأساسية في حياة الأفراد والمجتمع. ولذا، فإن تطور الذكاء الاصطناعي يتطلب تفاعلًا عميقًا مع الفكر الديني. يجب أن تكون هناك مساحة للنقاش المفتوح حول كيف يمكن أن يتكامل الذكاء الاصطناعي مع القِيَم والمبادئ الدينية.
يمكن للجهود البحثية أن تركز على كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في السياقات الدينية بطريقةٍ تتماشى مع القِيَم المسيحية في مصر. على سبيل المثال، يمكن أن يشمل ذلك دراسة كيفية تطبيق المبادئ الدينية في تصميم واستخدام الذكاء الاصطناعي، وكذلك كيف يمكن للفكر الديني أن يساهم في تطوير استراتيجيات استخدام التكنولوجيا بشكل أخلاقي ومستدام.
في ضوء النقاشات أعلاه، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي قد تساعد في توجيه تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة تتماشى مع القيم الدينية والثقافية في مصر:
أولاً، تطوير مناهج لاهوتية جديدة: ينبغي على اللاهوتيين المسيحيين تطوير مناهج جديدة تعالج التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مفاهيم مثل العقل والجسد، والإرادة الحرة، وصورة الله في الإنسان.
ثانيًا، بناء إطار أخلاقي متكامل: من الضروري بناء إطار أخلاقي متكامل لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، يتضمن المبادئ الدينية والأخلاقية التي تضمن توجيه هذه التكنولوجيا بما يتماشى مع القيم الإنسانية. ينبغي أن يشمل هذا الإطار مراجعات دورية وإدماج مختلف الأطياف الاجتماعية والثقافية في وضع القوانين والتوجيهات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ثالثًا، تشجيع الحوار بين الأديان والفلسفات: يُوصى بتشجيع الحوار بين الأديان والفلسفات لمواجهة التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. من خلال التعاون بين مختلف المدارس الفكرية واللاهوتية، يمكن استكشاف استجابات متعددة وشاملة للتحديات الأخلاقية والفلسفية.
رابعًا، تعزيز التعليم والبحث: يجب تعزيز برامج التعليم والبحث التي تركز على تقاطع الذكاء الاصطناعي والدين والفلسفة. تشجيع الطلاب والباحثين على دراسة آثار الذكاء الاصطناعي وتقديم حلول مبتكرة يمكن أن تسهم في تطوير فهم أعمق وإيجاد طرق جديدة للتكيف مع هذه التغيرات.
خامسًا، الاهتمام بتأثير التكنولوجيا على المجتمع: ينبغي متابعة تأثير التكنولوجيا على المجتمع بانتظام، وتقييم كيفية تأثيرها على القيم الأخلاقية والتقاليد الثقافية. يمكن أن يساعد هذا في تقديم استجابات ملائمة تلبي احتياجات المجتمع وتضمن استمرارية القيم الإنسانية.
خاتمة
في ختام هذا المقال، يتبين أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة، بل هو تحول عميق يتطلَّب منا إعادة التفكير في أسس القيم والتصورات الدينية والفلسفية. في السياق المصري، حيث يكتسب الدين مكانة مركزية في حياة الأفراد، يمثل دمج الذكاء الاصطناعي تحديًا وفرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
يجبرنا الذكاء الاصطناعي على مواجهة أسئلة فلسفية قديمة بطرق جديدة. من خلال استكشاف التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي على مفهوم العقل والجسد، الإرادة الحرة، وصورة الله في الإنسان، نجد أنفسنا في مواجهة معضلات جديدة تتطلب تفكيرًا متجددًا ومقاربة متكاملة.
في إطار هذا التحول، يجب على الفكر الديني والفلسفي أن يتفاعل بمرونة وعمق مع هذه التغيرات. إن تكريس الجهود لتطوير أُطُر أخلاقية تدعم القيم الإنسانية، وتعزيز الحوار بين الدين والتكنولوجيا، والاهتمام بالتأثير الاجتماعي للتكنولوجيا، جميعها خطوات ضرورية لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي قوة إيجابية تعزز القيم الإنسانية بدلًا من تقويضها.
الذكاء الاصطناعي، إذا ما استُخدم بحكمة، يمكن أن يصبح أداة لتعميق فهمنا للعلاقة بين الإنسان والإله، ولتحقيق تطور مستدام يتماشى مع المبادئ الدينية. إن استجابة الفكر الديني والفلسفي لهذه التحديات يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للإبداع والتفاهم، مما يعزز من قدرتنا على مواجهة المستقبل بثقة وتفاؤل.
بهذا، يصبح الذكاء الاصطناعي ليس فقط تحديًا تقنيًّا، بل فرصة تاريخية لإعادة النظر في أُسُسِنا الفكرية والدينية، ولتجديد فهمنا للعالم من حولنا بما يتماشى مع القيم الإنسانية العميقة التي نعتز بها.
المراجع
ابن سينا. (1952). الشفاء. دار الفكر العربي.
بدوي، عبد الرحمن. (1983). الوجود والعدم في الفكر الفلسفي العربي. دار النهضة العربية.
English References
Adamson, P. (2018). Technology and Ethics. Philosophy Now.
Plantinga, A. (1974). God, Freedom, and Evil. Grand Rapids, MI: Eerdmans.
Searle, J. (1980). Minds, brains, and programs. Behavioral and Brain Sciences, 3(3), 417-457. Cambridge University Press.
Waters, B. (2021). Artificial Intelligence and Christian Ethics. Oxford University Press.
Craig, W. L. (2000). The Kalam Cosmological Argument. Eerdmans.
Davies, B. (2004). An Introduction to the Philosophy of Religion. Oxford University Press.
Evans, C. S. (2006). Logic and theism: Arguments for and against Beliefs in God. Routledge.
Feinberg, J. S. (2013). Reason and Responsibility: Readings in Some Basic Problems of Philosophy. Wadsworth Cengage Learning.
Helm, P. (2010). Eternal God: A Study of God without Time. Oxford University Press.
Van Inwagen, P. (2006). The Problem of Evil. Oxford University Press.
Zagzebski, L. T. (2007). Epistemic Authority: A Theory of Trust, Authority, and Autonomy in Belief. Oxford University Press.
Wright, N. T. (2016). Simply Jesus: A New Vision of Who He Was, What He Did, and Why He Matters. HarperOne.
اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح
حول مناقشة هذا الموضوع في ملف النسور: “الذكاء الاصطناعيّ تحديات ورؤى”، ستكون مشاركتي تحت عنوان: “دور العقل النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ”، ويعود بنا هذه الموضوع إلى قصة الخلق التي فيها خُلِقَ الإنسان على صورة الله ومعنى هذا، ثم المرور على تعليم المسيح حول أهمية العقل في الحياة المسيحيّة، وتعليم الرسول بولس أيضًا، لكي تعطي لنا نورًا وإلهامًا في موضعنا هذا، للتأكيد على قيمة وكرامة الإنسان وأنه يمتلك أهم سبيكة ذهبية في العالم وهي العقل. هذا هو القسم الأول حول التأصيل اللاهوتيّ، ثم يأتي بعد ذلك في القسم الثاني مناقشة العقل النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ.
وفي البداية يُعَرَّف العقل على النحو التالي: ولقد وردت لفظة عقل في المعجم الوسيط، وبعدة تصريفات منها: عاقلة، عقال، عاقول، وعقول، وغيرها، ومن المعاني الواردة قولهم عقل عقلًا أي أدرك الأشياء على حقيقتها. (الطريري، 33). وإنه ما يميز به الحسن من القبح، والخير من الشر، والحق من الباطل. كما أنَّ معنى القلب، والحصن، والملجأ… كلها من المعاني المعبِّرة عن العقل في بعض الاستخدامات. (الطريري، 33).
القسم الأول: التأصيل اللاهوتيّ والكتابيّ لأهمية العقل
يُبنى التأصيل اللاهوتيّ على مبادئ كتابيّة هامة في الكتاب المقدّس تبيِّن قصد الله من خلق الإنسان في قصة الخلق، ثم تعاليم المسيح ومعجزاته، ثم تعاليم الرسول بولس في القدرة على التمييز والحياة بلا عثرة.
أولًا: الإنسان مخلوق على صورة الله
نقرأ في أول تصور عن الإنسان في سفر التكوين الآتي: “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأرْضِ فَخَلَقَ اللهُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَانْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأوا الأرْضَ وَاخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأرْضِ.” (تك 1: 26-28).
السؤال ما هي صورة الله؟ وهل لله صورة؟ وما معنى أن الإنسان مخلوق على صورة الله؟ على هذه الأسئلة يجيب مايكل إيتون Michael Eaton بالقول: “كل عصر يميل إلى أن يقرأ صورة الله حسب رؤيته وأفكاره الخاصة؛ ففي القرن الخامس الميلادي واحدٌ من آباء الكنيسة وهو أثناسيوس كان مهتمًّا بقضية التجسّد بأنَّ المسيح هو كلمة الله (الكلمة العقل)، وقال إنَّ صورة الله قدرتنا على التعقل”. (Michael Eaton, 30)
ويواصل إيتون بالقول: “كان أوغسطينوس مهتمًّا بعقيدة الثالوث (الآب والابن والروح القدس) فقال إن صورة الله هي الذاكرة والعقل والشعور. وفي القرن السادس عشر المصلحون الذين استُخدِموا بواسطة الله لنهضة وإحياء الكنيسة نادوا بأنَّ التبرير بالإيمان فقط، قالوا: إنَّ صورة الله هي بر الإنسان قبل السقوط، وفي عصر التنوير الذي ركَّز على القدرة الإنسانيّة قال المفكرون إنَّ صورة الله تعني النفس المستنيرة للإنسان”. (Michael Eaton, 30-31).
الله ليس له صورة مادية، فليس كمثله شيء “لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ.” (مز 86: 8). وهذا ما يؤكّده العهد الجديد: “وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ” (كو 3: 10). “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ.” (أف 4: 24).
صورة الله هي القدرة الروحيّة، والضمير الحي، وفهم الأبديّة والمسؤوليّة، هي القدرة على التحكم وضبط الخليقة، هي العلاقة الشخصية مع الله، والقدرة على التحليل والتفكير (تك 2: 20). القدرة على التواصل والكلام معًا، ووجوب العلاقات السليمة: “وَأَمَّا اللِّسَانُ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُّوٌ سُمًّا مُمِيتًا. بِهِ نُبَارِكُ اللَّهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللَّهِ. مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ! لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمُورُ هَكَذَا!” (يع 3: 8-10). “وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.” (2كو 3: 18). (صلاح، 23).
والتفكير اللاهوتيُّ في قصة الخلق يساعدنا على فهم الهوية الإنسانيّة في أن يدرك الإنسان من هو؟ وما هي رسالته؟ في عصر الذكاء الاصطناعيّ يحفز ويركز التفكير اللاهوتي حول معنى أن تكون إنسانًا عاقلًا راشدًا لديك القدرة على التمييز والاختيار، تقود ولا تُقاد، تسيطر ولا يُسيطر عليك أحد.
الهدف من الخلق والسلطة في أن هناك ثلاثة مبادئ أساسية كما يذكرها ستوت في هذا الصدد وهي: لقد منح الله الإنسان سلطانًا على الأرض، ثانيًا: أن السلطة سلطة تعاونية، ثالثًا: إن سيادتنا سيادة منتدبة وهي سيادة مسؤولة. (ستوت، المسيحيّة والقضايا المعاصرة، 118-122).
والربط بين الخلق والتكنولوجيا أتي المفهوم اللاهوتيّ للوكالة على الخلق يشمل الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا واحد تجلياته الذكاء الاصطناعيّ. قد تنظر بعض وجهات النظر اللاهوتيّة فيما إذا كان تطوير الذكاء الاصطناعيّ جزءًا من خطة الله للخليقة أو ما إذا كان يشكل تحديات أمام العناية الإلهيّة والفاعليّة البشريّة. وهناك زوايا أخرى كثيرة سوف تظهر ويتم مناقشتها في اشتباك علم اللاهوت مع عصر الذكاء الاصطناعيّ.
باختصار، يتضمن استكشاف العلاقة بين اللاهوت والذكاء الاصطناعيّ التعامل مع الأسئلة الأخلاقية والفلسفية واللاهوتية حول طبيعة البشرية، والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، والآثار المترتبة على الممارسات والمعتقدات الدينية في عالم يعتمد بشكلٍ متزايدٍ على الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: أهمية العقل في التفكير المسيحي
من منظور قصة الخلق بأن الإنسان مخلوق على صورة الله، وتتجلى هذه الصورة في أنَّ الإنسان كائن عاقل، وبالتالي كان لتعليم المسيح نصيب كبير في التركيز على أهمية العقل في الحياة، فبعد موعظة الجبل يتحدث عن الإنسان العاقل، الذي بنى بيته على الصخر، الذي يسمع ويعمل (مت 7: 24-27)، ثم يتحدث عن العذارى الحكيمات العاقلات (مت 25: 1-13). في الموقفين العقل هو الذي يحسن التصرف ويختار الأفضل باستمرار.
ويدعو المسيح تابعية للتأمل والنظر والتدبر في الخلق بقوله: “اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟” (مت 6: 26). “وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ.” (مت 6: 28).
وفي غياب العقل يدمِّر الإنسان نفسه، ولذا كان تعامل المسيح في معجزة شفاء مجنون كورة الجدريين خير مثال في التأكيد على عودة عقل الإنسان ليكون على صورة الله كما خُلِق، فذهاب العقل بالإدمان أو المخدرات هو دمار للنفس والجسد معًا، ولعلَّ الصورة التي سجَّلها الوحي تعبر عن روعة تعامل المسيح مع المجنون الذي أصبح عاقلًا: “وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَنَظَرُوا الْمَجْنُونَ الَّذِي كَانَ فِيهِ اللَّجِئُونُ جَالِسًا وَلاَبِسًا وَعَاقِلًا، فَخَافُوا.” (مر 5: 15).
ثالثًا: الرسول بولس وأهمية العقل في القدرة على الاختيار والتمييز
كثيرًا ما علَّم الرسول بولس على أهمية العقل في الحياة المسيحيّة؛ فهو يتحدث عن العبادة العقليّة في رومية “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.” (رو 12: 1). ثم يُعَلِّم أن يكون لدينا قدرة على الفحص والاختيار، والتمسك بالأفضل: “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ.” (1تس 5: 21). والقدرة على التمييز بين الأمور المتخالفة والضبابية والرمادية كما هو مبين في رسالة فيلبي: “حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ” (في 1: 10). وجب أن يكون لدينا الحواس المدربة، حسب ما ورد في الرسالة إلى العبرانيين: “وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.” (عب 5: 14). ومن مواهب الروح القدس القدرة على التمييز ما ورد في قائمة مواهب الروح القدس في كورنثوس: “وَلآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ، وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ.” (1كو 12: 10). وحسب اختباره الشخصي وما يعيشه: “لِذَلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ” (أع 16: 24).
ويعطي لأهل كورنثوس منظومةً في التفكير في الضوابط الثلاثة: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي.” (1كو 10: 23). “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ.” (1كو 6: 12).
وعلى مدار التاريخ المسيحيّ كان وما زال للعقل في التفكير المسيحيّ قيمته وأهميته ولا سيما في الحوار الدينيّ المسيحيّ الإسلاميّ الذي كان للعقل مساحة كبير في التفكير؛ فمعظم القضايا المسيحيّة الكبرى كانت تُناقَش من العقل (التفكير العقلي) ثم النقل (الكتب المقدَّسة). وهو ما يدعونا إلى الاقتراب من الفكرة الثانية حول الواقع المعاش (الذكاء الاصطناعيّ) والعقل النقديّ.
القسم الثاني: الواقع المعاش، العقل النقديّ والذكاء الاصطناعيّ
في أثناء الإعداد لملف “الذكاء الاصطناعيّ تحديات ورؤى” وجدت هذه المقولة المهمة، والتي كنت قد فكرت فيها كثيرًا في مداخلتي في الحلقة النقاشية التي نظمتها النسور في الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية حول العقل النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ، وجدت هذه المقالة المهمة وعنوانها: أصبحت الحاجة إلى التفكير النقديّ أكثر من أي وقت مضى، هكذا كانت مقالة Ron Carucci في مجلة فوربس Forbes وعنوانها: Critical Thinking Is More Needed Than Ever
يقول فيلسوف ألمانيا الأشهر إيمانويل كانت (1724-1804م): “إنَّ النقد هو أهم أداة بناء عرفها العقل الإنسانيّ.” (حجي، 12). ويتعاظم هذا الدور النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعي أكثر من أي وقتٍ مضى.
أولًا: الاحتياج الآن إلى التفكير النقديّ أهم من أي وقت مضى
التفكير النقديّ الآن ضروري ومُلِحٌّ ولا غنى عنه، والذي يؤكّد الكاتب رون على أنه مع انتشار الذكاء الاصطناعيّ الآن على نطاق واسع عبر الإنترنت وفي أماكن أخرى، أصبحت مهارات التفكير النقديّ أكثر أهمية من أي وقت مضى. الأشخاص الحقيقيون الذين يتمتعون بمهارات تفكير نقدي حاد ليسوا مجهزين فقط لحل المشكلات التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعيّ حلها، بل سيكونون أيضًا في وضع أفضل للاستفادة بنجاح من الذكاء الاصطناعيّ لتحسين قدراتهم الخاصة، وتحسين مخرجات الذكاء الاصطناعيّ والتخلص من الجهات الفاعلة السيئة. (رون كاروسي، الانترنت).
ويؤكّد رون أيضًا أنه في الواقع، أصبح التفكير النقديّ أكثر ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعيّ، سواء لاستخدامه بشكل صحيح، أو للقيام بالعمل اللازم خلف الكواليس لجعله أداة أكثر موثوقية. (رون كاروسي، الانترنت).
ولأهمية موضوع العقل والتفكير النقديّ وضع جون ستوت كتابًا اسماه: “دور العقل في المسيحيّة” صدر في نسخته العربيّة القاهرة عن دار الثقافة عام 1991م، يثبت فيه أنَّ العقل هبة ثمينة من عند الله يجب استخدامه على أكمل وجه ممكن. ويضع فيه بعض الحقائق، مثل: “إننا خُلِقنا لنفكر، ونفكر أفكار الله، ويكون لدينا ذهن متجدد” (ستوت، دور العقل في المسيحيّة، 13-20). والسلوك حسب المعرفة العقلية يقود إلى أربعة أمور هامة: “عبادة، إيمان، قداسة، محبة” (ستوت، دور العقل في المسيحيّة، 51-56).
ثانيًا: التفكير النقديّ يضبط الاستخدام الصحيح للذكاء الاصطناعيّ لخدمة الإنسان
التفكير النقديّ هو المفتاح لتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعيّ لخدمة الإنسان، يجب علينا جميعًا تحسين قدرات التفكير النقديّ لدينا، لكيلا نتحول إلى أشياء لا قدرة لها ولا إرادة. والتفكير النقديّ يتميز بالأمور التي يفتقر لها الذكاء الاصطناعيّ مثل: الفهم السياقيّ للغة والأفكار، الإبداع والابتكار، الاعتبارات الأخلاقيّة، الذكاء العاطفيّ، القدرة على التكيف.
ثالثًا: التفكير النقديّ يخلق تحديات وفرصًا جديدة
التفكير النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ يمثل تحديات وفرصًا جديدة. بالنظر إلى تقدم التكنولوجيا وانتشار الذكاء الاصطناعيّ في مختلف جوانب الحياة، يصبح التفكير النقديّ أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى.
في السياق الحالي، يتطلب التفكير النقديّ القدرة على تقييم المعلومات بشكل منطقي وموضوعي، وفصل الحقائق عن الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة التي قد تنتشر بسرعة كبيرة عبر الإنترنت. الذكاء الاصطناعيّ يمكن أن يسهم في هذا العمل من خلال توفير أدوات لمعالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات، ولكنه في نفس الوقت يفتح الباب أمام التحديات مثل تزوير الصور والفيديوهات وانتشار المعلومات المضللة.
رابعًا: المطلوب هو تعزيز مهارات التفكير النقديّ
بالنسبة للأفراد، يجب تعزيز مهارات التفكير النقديّ من خلال التدريب المنتظم والممارسة العملية، والاعتماد على الذات في تقييم المعلومات والتحقق من مصادرها قبل اعتمادها أو تبنيها. من جانب آخر، للمجتمعات والحكومات ودور ومؤسَّسات التعليم دور مهم في تعزيز التعليم والوعي بأهمية التفكير النقديّ، واستخدام التكنولوجيا بطريقة تعزز النمو الإيجابي وتقلّل من المخاطر المحتملة.
وهذا يقود إلى التخلص من عيوب تفكيرنا المعاصر كما أسماها طارق حجي في كتابه القيّم: “نقد العقل العربيّ من عيوب تفكيرنا المعاصر” الصادر عن دار المعارف بمصر 1998م، وهي: تقلص السماحة في التفكير، المغالاة في مدح الذات، الكلام الكبير، الموضوعيّة المتآكلة، الإقامة في الماضي، ضيق الصدر بالنقد، الاعتقاد المطلق في المؤامرة، التيه الثقافيّ، تمجيد الفرد. وكل هذه العيوب التي ذكرها حجي في كتابه يجب التخلص منها لمجابهة تطور الذكاء الاصطناعيّ.
خاتمة:
باختصار، التفكير النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ يجب أن يكون متوازنًا بين استغلال الفرص التكنولوجيّة ومواجهة التحديات الأخلاقيّة والمجتمعيّة التي قد تنشأ نتيجة لهذا التقدم السريع. وباستمرار يجب التأكيد على أهمية دور العقل النقديّ والتفكير النقديّ في استخدام الذكاء الاصطناعيّ لخير البشريّة والإنسان بعيدًا عن تآلية الإنسان (من الآلة) أو تشيئ الإنسان (من الأشياء)، فلنستخدم الذكاء الاصطناعيّ لا يستخدمنا.
المراجع:
Carucci, Ron. In The Age of AI, Critical Thinking Is More Needed Than Ever. Available on https://www.forbes.com, cited on 20 Jul. 2024.
Eaton, Michael. Preaching Through the Bible Genesis 1-11. England: Sovereign Word, 1997.
حجي، طارق. نقد العقل العربيّ من عيوب تفكيرنا المعاصر. القاهرة: دار المعارف، 1998م.
ستوت، جون. المسيحيّة والقضايا المعاصرة، ترجمة نجيب جرجور. القاهرة: دار الثقافة، 1990م.
_______. دور العقل في المسيحيّة. ترجمة رضا الجمل. القاهرة: دار الثقافة، 1991م.
صلاح، عيد. لاهوت الخلق محاولة لقراءة قصة الخلق في ضوء الحضور المسيحيّ في الشرق، القاهرة: دار الثقافة، 2015م.
الطريري، عبد الرحمن. العقل العربيّ وإعادة التشكيل. قطر: وزارة الأوقاف للشؤون الإسلاميّة، 1993م.
اسم الكاتب : د. حامد عبد الرحيم عيد
بناءً على دعوة كريمة تلقَّيتها من “الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية” والتى تضم خبراء فى شتى المجالات لنتحدث معًا حول موضوع يسود حوله نقاش ساخن وهو”الذكاء الاصطناعي” وتأثيره على مستقبل البشرية. فيرى البعض فيه أداة ثورية ستُحسّن حياتنا بشكل كبير، بينما يخشى آخرون من إمكانية تحوله إلى تهديد خطير لوجودنا. في هذه المحاضرة، عرضت فى عجالة هذا الموضوع الشائك، واستكشفنا مختلف جوانبه. وناقشنا فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره، لفهم إمكاناته الهائلة والتهديدات المحتملة التي قد يُشكلها.
لقد أسر مفهوم الذكاء الاصطناعي خيال البشر لقرون من الزمان؛ فمن الرؤى المبكرة للآلات القادرة على التفكير والعقل مثل البشر، إلى التصويرات المختلفة للذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا للإنسانية، احتلت هذه التكنولوجيا مكانةً بارزةً في الخيال العلمي لفترة طويلة. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، تحول الذكاء الاصطناعي من الخيال إلى الواقع، وخرج من صفحات الروايات والشاشة الفضية ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
من ناحية أخرى، أثار التقدم السريع للذكاء الاصطناعي المخاوف والقلق بشأن قدرته على اغتصاب الحضارة البشرية والسيطرة عليها. أصبحت السرديات حول تحول الذكاء الاصطناعي ضد مبدعيه واستعباد البشرية شائعة في الثقافة الشعبية. إن فكرة أن الآلات قد تتفوق يومًا ما على الذكاء والقدرات البشرية، واستخدام هذه القوة للهيمنة علينا، هي احتمال مقلق للغاية. ومع ذلك، من ناحية أخرى، يتمتع الذكاء الاصطناعي أيضًا بإمكانات هائلة ليكون “أفضل هدية على الإطلاق” للإنسانية وعالمنا. لقد أظهر أصحاب الرؤى مثل براد سميث من مايكروسوفت كيف يمكن تسخير هذه التكنولوجيا التحويلية لمصلحة الصالح العام، وتمكيننا من معالجة بعض التحديات العالمية الأكثر إلحاحًا في عصرنا.
من خلال مبادرات مثل برنامج “الذكاء الاصطناعي من أجل الأرض”، يتم نشر الذكاء الاصطناعي لحماية كوكبنا، وتحسين الممارسات الزراعية، وحماية التنوع البيولوجي، والتخفيف من الآثار المدمرة لتغير المناخ. لقد أثبتت قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات هائلة من البيانات، والتعرف على الأنماط، والتنبؤ أنها لا تقدر بثمن في جهود الإغاثة من الكوارث، مما يسمح لنا بتوقع الأزمات الطبيعية والبشرية والاستجابة لها بشكل أفضل.
وعلاوة على ذلك، فقد بشَّرت الثورة الصناعية الرابعة بعصرٍ جديدٍ من الاستدامة، حيث يمكن الاستفادة من قوة التحول الرقمي والتحولات المجتمعية لخلق حلول ثورية لحماية البيئة. إن شراكة مايكروسوفت مع ناشيونال جيوغرافيك، التي مولت مشاريع مبتكرة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي في مجالات رئيسية مثل الزراعة والحفاظ على المياه، هي مثال ساطع على كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تكون قوة للتغيير الإيجابي.
وبينما نتصارع مع الطبيعة المزدوجة للذكاء الاصطناعي -قدرته على إحداث الضرر والخير- فمن الأهمية بمكان أن نحتضن نحن، كمجتمع، الخير ونستغل القدرات الهائلة التي تتمتع بها هذه التكنولوجيا لخدمة الصالح العام. ومن خلال ضمان توجيه تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره على أساس المبادئ الأخلاقية والالتزام بتحسين حياة البشرية وكوكبنا، يمكننا تحويله من عدو محتمل إلى “أفضل هدية على الإطلاق” تمكننا من خلق مستقبل أكثر استدامة وإنصافًا وازدهارًا.
والذكاء الاصطناعي هو تقنية تحاكي قدرات الإنسان على التعلم والفهم، باستخدام برامج الكمبيوتر القادرة على الإدراك والتفكير والتعلم والتصرف. وله تطبيقات مختلفة في مجالات مثل الطب والتعليم والنقل والزراعة والأعمال التجارية. وتشمل فوائد الذكاء الاصطناعي تحسين الرعاية الصحية، وتعزيز التعليم، وزيادة الإنتاجية. كما تشمل مخاطر الذكاء الاصطناعي فقدان الوظائف، والتحيز الخوارزمي، وإساءة استخدام البيانات، وإمكانية سباق التسلح بين البلدان. وتلعب الحكومات والمنظمات الدولية دورًا حاسمًا في تنظيم الذكاء الاصطناعي وتوجيهه نحو الخير. وهي بحاجة إلى وضع معايير أخلاقية وقانونية لاستخدامه وتعزيز التعاون الدولي.
إن المسؤولية البشرية ضرورية في توجيه مسار الذكاء الاصطناعي. وتأكيدًا على أن الذكاء الاصطناعي أداة، فإن القرار النهائي بشأن كيفية استخدامه يقع على عاتق البشر. وتكمن أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية وأخلاقية في البشر، ومن الأهمية بمكان تثقيف الناس حول مخاطر وفوائد الذكاء الاصطناعي. كما يعد وضع الضمانات الأخلاقية وضمان مشاركة أصحاب المصلحة في صنع القرار المتعلق بالذكاء الاصطناعي أمرًا ضروريًّا أيضًا.
وفي الختام، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي يعتمد على اختياراتنا واتجاهاتنا. ومن خلال فهم جوانبه المختلفة، من تعريفه وفوائده إلى مخاطره وتحدياته، يمكننا الحصول على رؤية شاملة ومتوازنة لهذه التكنولوجيا.أما عن نصيحتى الأساسية كخلاصة فإن الذكاء الاصطناعي ليس عدوًّا ولا صديقًا، بل هو أداة قوية يمكن استخدامها للخير أو للشر. والمسؤولية تقع على عاتقنا، نحن البشر، لتوجيه مسار الذكاء الاصطناعي واستخدامه بشكل مسؤول وأخلاقي. فلنعمل معًا لضمان أن يُسخَّر الذكاء الاصطناعي لتحسين حياة البشرية وخلق مستقبل أفضل للجميع. معًا، يمكننا بناء مستقبل أفضل مع الذكاء الاصطناعي!
اسم الكاتب : سامية قدري
مرت البشرية خلال تاريخها الحديث بتطورات هائلة بدأت مع الثورة الصناعية الأولى التي بدأت مظاهرها مع بداية القرن التاسع عشر عندما استُخدم الماء والبخار لتحريك الآلات، ثم أعقبتها الثورة الصناعية الثانية عندما استُخدمت الكهرباء لذات الغرض، والثورة الثالثة التي عُرفت بالثورة التكنولوجية أو ثورة المعلومات وظهور الإنترنت. وفي طورها الرابع والأخير جمعت الثورة الصناعية بين التكنولوجيا والبيولوجيا في عمليات التصنيع عبر آلات يتم التحكم فيها إلكترونيًّا، وعبر آلات ذكية متصلة بالإنترنت مثل: إنترنت الأشياء، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات والذكاء الاصطناعي.
إذًا، فالذكاء الاصطناعي هو أحد مُخرجات أو تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، تلك الثورة التي تُظهِر رغبة العلماء في الوصول إلى ما لا يعلمون بما يعلمون آملين في صناعة آلة أو جهاز من خلايا إلكترونية لها قدرات وإدراك إنساني. ولعل ذلك ما جعل مصطلح الذكاء الاصطناعي مصطلحًا مثيرًا للجدل من حيث تعريفه، ووظائفه في كافة المجالات التي يُستَخدَم فيها، خاصةً وأنه قد تمكن من الحصول على نفوذه من خلال مواجهة التحديات الكبرى كالتغيير المناخي، وتشخيص الأمراض، اكتشاف العلاجات، وإثبات النظريات… وغيرها وقد وصل الأمر إلى قدرته على حل المشكلات التي يتعرض لها الكوكب بأسره، هذا وأخيرًا، التحديات التي تنجُم عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصةً لدى الدول التي لم تساهم في إنتاجه.
وأيًّا كان الجدل، فالذكاء الاصطناعي هو مجال من مجالات علوم الحاسوب الآلي (الكمبيوتر) وأنظمته ويسعى إلى أداء مهام محددة تحاكي الذكاء البشري، وسلوكه، وقدراته من حيث التعرف على الأشياء والتعلم من الأمثلة والتجارب، وتعلم اللغة والاستجابة لها، واتخاذ القرارات وحل المشكلات، والجمع بين هذه القدرات… وغيرها. بقول آخر، إنه يعني قدرة الحاسوب أو برنامج الكمبيوتر على التفكير وكذا التعلم أي جعل الكمبيوتر ذكيًّا أو إعادة إنتاج مظاهر الذكاء الإنساني. إذا فهدف الذكاء الاصطناعي هو فهم ملكة الذكاء لدى الإنسان في كل مظاهره ومستوياته (الفهم، والابتكار، والتعبير، والقدرة على التفكير المجرد، والتكيف مع المشكلات، والقدرة على حلها أو اتخاذ القرارات بشأنها، والقدرة على التعلم والاستفادة من الخبرات… إلخ).
هذا، ويُقسِّم المختصُّون الذكاء الاصطناعي إلى نوعين: نوع قويّ والآخر ضعيف، النوع القوي يُشير إلى أن كُل النظم تمتلك كُل الطاقات مثل الإنسان أو تتفوق عليه، أما النوع الضعيف فيُركز على حل المشكلات النوعية مستخدمًا الأساليب الرياضية مع علوم الحاسب الآلي. إلى جانب هذا التقسيم، يميل البعض إلى تقسيمه إلى ثلاثة أنواع: الذكاء الاصطناعي النظري، وهدفه بناء نماذج معلوماتية للذكاء وهنا ينبغي على الباحثين في الذكاء الاصطناعي أن يجيبوا على الأسئلة التي سألها الفلاسفة منذ زمن بعيد والتي تدور حول: ما هو النظام الذي يوصف بالذكي، وما هي أنماط المعارف المناسبة له، وما هي المناهج الملائمة لتمثيل هذه المعارف داخل ذاكرة الحاسوب. الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وهو يهدف إلى توظيف النماذج المطورة من قِبَل الباحثين لبناء أنساق معلوماتية قادرة على حل المسائل المعقَّدة. وهذا النوع من الذكاء له قيمة اقتصادية كبيرة من حيث صناعة البرمجيات لتحسين تفاعل الإنسان مع الآلة. الذكاء الاصطناعي التقني، وهو تطوير لغات برمجية جديدة لتسهيل برمجة أنظمة الذكاء الاصطناعي مما يجعل آلات الحاسوب مصحوبة بإمكانيات عالية للتواصل كي تتمكن من الحوار الشفهي معها بلغة عادية.
إن الذكاء الاصطناعي بتقسيماته هذه هو نتاج لمراحل سبع بدأت منذ منتصف القرن العشرين وتحديدًا منذ العام ١٩٥٢م وحتى وقتنا الحالي، وهذه المراحل هي:
تنامى استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي خلال السنوات الذهبية للذكاء الاصطناعي، كما أوضحت عاليه، وقد استطاع الباحثون في مختلف المجالات الاستفادة منه بطرق إيجابية، إلا أن هناك العديد من التحديات والمخاطر التي تواجه الباحثين ومؤسسات البحث العلمي نوجزها فيما يأتي:
الفرص:
التحديات:
على الرغم من الثورة التي أحدثتها استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي، إلا أن ثمة تحديات على المعنيين الانتباه له وهي:
ولكي يمكن مواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، لا بد من نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي ورفع الوعي العلمي التكنولوجي، خاصةً مع تصاعد وتيرة التغيير في هذا المجال.
اسم الكاتب : ق. بيتر وديع
الجزء الأول: الحداثة وما بعد الحداثة
نشأة الحداثة
عادةً يُحدد علماء الاجتماع والسياسة تاريخ الحداثة ما بين 1750–1960م، إلا أن بدايات عصر الحداثة تسبق هذا التاريخ، وتأثيرها على المجتمعات لا يزال حتى اليوم. وظهر عصر الحداثة في أوروبا نتيجة التفاعل مع العصور السابقة خاصةً القرون الوسطى، وعصر النهضة Renaissance، وعصر التنوير Enlightenment، وأيضًا لعبَت حركة الإصلاح الإنجيلي دورٌ كبير في ظهورها، ومِن أهم العلماء الذين لعبوا دورًا كبيرًا في ظهور الحداثة: كوبرنيكوس، بيكون، جاليليو، إسحاق نيوتن. وأهم الفلاسفة: رينيه ديكارت، عمانوئيل كانط، وجون لوك. فمثلًا مقال عمانوئيل كانط “ما هو التنوير؟” حدد فيه أربع معالم أساسيّة للحداثة وهم: 1- التنوير 2- العقل 3- الحرية 4- التقدم.[1]
مفهوم الحداثة
فلقد مثلت الحداثة منذ بدايتها خروجًا على القرون الوسطى بكل أجوائها السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة والأيديولوجيّة. وكانت بداية الخروج على عالم العصور الوسطى بمثابة تَصدُّع السلطة الكنسية، وقلب الرؤية الدينيّة للعالم، وتراجع الأيديولوجيات اللاهوتيّة، وحلول النزعة الإنسانيّة محل النزعة الإلهيّة، وبزوغ الفكر السياسي العقلاني، واتساع تأثير حركة الإصلاح الديني، وإحياء التراث اليوناني.[2]
كما تُعتبر الحداثة هي البحث المستمر للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة، والسيطرة عليها، وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان في الأرض. أما سياسيًّا واجتماعيًّا؛ فالحداثة تعني الصياغة المُتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، ومن الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطيّة إلى الدولة الديمقراطيّة. فالحداثة هي الإبداع الذي هو نقيض الاتباع، والعقل الذي هو نقيض النقل.[3]
لذلك يُطلَق عادةً على البيئة الثقافيّة التي سادت الغرب منذ 1750م إلى 1960م مصطلح “الحداثة” “Modernity”. وقد قامت هذه الفترة على الاعتقاد بشموليّة العقل البشري، أي أن هناك عقلًا مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادر على إدراك أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الأقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافيّة. ولكن انهارت هذه النزعة العقلانيّة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، فلقد تلقت عقلانيّة عصر التنوير ضربة قاسية من لا عقلانيّة هاتين الحربين.[4]
ظهور ما بعد الحداثة
وظهر بعد ذلك حوالي عام 1971م مصطلح آخر هو “ما بعد الحداثة” “Postmodernism”، وقد استُخدم بادئ الأمر للإشارة إلى الطراز المعماري الجديد، لكنه سرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد تركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعيّة والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد الساذج بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع وحتمية الامتداد الحضاري.[5]
الملامح الفلسفية لعصر ما بعد الحداثة
ولكي نفهم بأكثر وضوح ما هي حركة ما بعد الحداثة وتميزها عن عصر الحداثة علينا أن نتعرف على الملامح الفلسفيّة الأساسية[6] لهذه الحركة وهي:
الملمح الأول: هو أن الحقيقة لا تتطابق مع الواقع. فالشخص البعد الحداثي يعتبر العبارات والكلمات الحقيقية ليست كذلك، لأنها لا تتوافق مع الواقع، لذا فهو لا يهتم بأي نوع من الواقع.
الملمح الثاني: لا توجد قصة/سرديّة كبرى تصلح لتطبيقها على كل الواقع. فما بعد الحداثة تتحدى كل وجهات النظر المحيطة، سواء دينيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة. فإنها تُقلل من شأن الماركسيّة والمسيحيّة والفاشيّة والرأسماليّة والديمقراطيّة والعلوم الحديثة بنفس الأسلوب. وهي لا تقوم بصياغة مجموعة بديلة من الافتراضات، لكن لكي تسجل استحالة تكوين مثل تلك الروايات الكبرى.
الملمح الثالث: هو أن الموضوعيّة وهم. وذلك لأن كل باحث ينتمي إلى ثقافة معينة، وكل ثقافة تُشكل خصائص ثقافة الشخص الذاتيّة، إذًا فلا يمكن لشخص أن يكون موضوعيًّا.
الملمح الرابع: هو أن الحقيقة تصوريّة. وهذا المفهوم مرتبط بمصطلح “مؤت المؤلف” أو “موت النص”، وهذا يعني أن النص مصنوع وليس موجود، وهذا ما يحدث مع القارئ أثناء القراءة. فالنص يجب أن يعاد بناؤه، حتى يتخلص من المؤلف ويُجعل النص حيًّا ككلمة حرة.
ويتضح لنا مما سبق مدى تعقيد عصر ما بعد الحداثة، ويُمكن القول بأنه يتغير بسرعة ويعاني من الشيزوفرنيا والتشتت والاستمرارية والفوضى. لكنه يتصف أيضًا بروح التعدديّة ويسمح بالأصوات المختلفة وبتعايش الثقافات وامتزاجها لخلق ثقافة جديدة.
الذكاء الاصطناعي وما بعد الحداثة
يُعتبر الذكاء الاصطناعي أحد نتائج عصر ما بعد الحداثة، ويمكن ربط الذكاء الاصطناعي بعصر ما بعد الحداثة من خلال عدة جوانب:
باختصار، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي وعصر ما بعد الحداثة يتشاركان في نقد السرديات التقليديّة، والاحتفاء بالتعدديّة والتعقيد، والتشكيك في ما هو معروف ومألوف. ولكن يبقى السؤال ما هي علاقة الذكاء الاصطناعي بالمشاعر والعاطفة؟ وهل يُمكن أن يُغني الذكاء الاصطناعي عن الخبرة العاطفية الشعورية التي يتميز بها البشر، والتي هي لُب اهتمام ما بعد الحداثة؟
الذكاء الاصطناعي والخبرة الشعوريّة
إذا كان أهم ما تركز عليه ما بعد الحداثة هو الخبرة الشعوريّة الإنسانيّة، فل يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون له علاق بالمشاعر والعاطفة؟ هذا مجال مُعقد ومتعدد الجوانب، ويمتد ليشمل محاولات لتطوير أنظمة قادرة على فهم العواطف البشريّة والتفاعل معها وحتى تقليدها.
يُمكن للذكاء الاصطناعي التعرف على العواطف من خلال تحليل البيانات مثل تعابير الوجه، نبرة الصوت، النصوص المكتوبة، والحركات الجسديّة. وذلك مِن خلال تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية التي تستخدم لفهم تعابير الوجه وتحليل نغمة الصوت لتحديد ما إذا كان الشخص سعيدًا، حزينًا، غاضبًا، أو غير ذلك. يمكن استخدام هذه التقنيات في تطبيقات متنوعة مثل خدمة العملاء. والذكاء الاصطناعي يمكنه أيضًا محاكاة العواطف من خلال الخوارزميات التي تُظهر استجابات “عاطفية”. فيمُكن للروبوتات المحاكية للعواطف أن تُظهر مشاعر مثل الفرح أو الحزن بناءً على الظروف والمواقف، مما يمكن أن يجعل التفاعل مع البشر أكثر طبيعية. ومع ذلك، فإن هذه العواطف ليست حقيقية، بل هي نتاج برمجي يهدف إلى تحسين تجربة المستخدم.[7]
بالطبع هناك تحديات كبيرة في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي العاطفيّة، ويتساءل الكثيرون عن مدى ملاءمة استخدام الذكاء الاصطناعي في فهم العواطف الإنسانيّة الحقيقية، أو ما إذا كان من الممكن الوثوق بالذكاء الاصطناعي لتقديم الدعم العاطفي، كما توجد أيضًا مخاوف بشأن الخصوصيّة واستغلال البيانات العاطفية لأغراض تجاريّة.
حتى الآن، لا يمتلك الذكاء الاصطناعي “وعيًا” أو “إحساسًا” بالعواطف مثل البشر. العواطف الاصطناعية تُبرمج وتعتمد على الأنماط والبيانات السابقة، ولا تعكس تجارب شعوريّة حقيقية، ومع تطور التكنولوجيا، قد تتحسن القدرة على فهم والتفاعل مع المشاعر البشريّة، لكن هذا يظل مجالًا للأبحاث والتطوير المستمر.[8]
في النهاية نريد أن نؤكد أنه يمكن للذكاء الاصطناعي فهم ومحاكاة العواطف والتفاعل معها، لكنه لا يختبر العواطف بنفس الطريقة التي يختبرها البشر، مما يثير تحديات واعتبارات أخلاقيّة حول استخداماته المستقبليّة. وهذا هو أهم ما يتميز به عصر ما بعد الحداثة، الذي شئنا أم أبينا نخضع له جميعًا ونتفاعل في ضوئه وضوء فلسفته، وأنا أضع هذا التحدي أمامنا جميعًا، أنه مِن الصعب تعويض الخبرة الشعوريّة الإنسانيّة بأي أمور اصطناعية، مما يجعلنا نتمسك أكثر بإنسانيتنا، ونعتز بها، حيث إنها حقيقة نعيش بها ونختبرها في كل لحظة.
[1] سامح حنا، “الكنيسة والمجتمع المعاصر” كلية اللاهوت الإنجيلية: القاهرة. يناير، 2019.
[2] محمد عثمان الخشت، فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014)، 25، 26.
[3] جابر عصفور، الإسلام والحداثة. تمّ الاطلاع عليه يوم 15/3/2020. مُتاح على: https://www.aljabriabed.net/n43_08watfa.htm#_edn7
[4] ألستر ماجراث، الدفاعيات المجردة، ترجمة ماريانا كتكوت (القاهرة: RZIM Middle East، 2013)، 29،30.
[5] المرجع السابق، 31،32.
[6] جوش ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرارًا، (القاهرة: دار الثقافة، 2004)، 539.
[7] Andrew McStay, Emotional AI: The Rise of Empathic Media, (London: SAGE Publications, 2018).
[8] Jean-Marc Fellous, and Michael A. Arbib, eds, Who Needs Emotions? The Brain Meets the Robot, (New York: Oxford University Press, 2005).
اسم الكاتب: .الأب ميلاد شحاتة
الذكاء الاصطناعي هو تكنولوجيا تحمل وعدًا هائلًا بمساعدة العالم، وهو أيضًا وعدٌ بتحقيق أسوأ كوابيسنا؛ حيث توجَّه البشرية بشكلٍ متوقَّع للغاية نحو الشر. بكلماتٍ أخرى، كما فعلنا عبر التاريخ، على الرغم من أنه الآن بأعلى المخاطر على الإطلاق، فقد وضعنا أمامنا «الحياة والموت، البركات واللعنات» (تثنية 30: 19). وعلينا أن نختار الحياة لكي نحيا نحن وأبناؤنا (بريان پاتريك جرين ).[1]
المراجع:
راجع أيضًا عن رؤية الكنيسة الكاثوليكية في هذا الشأن:
تتناول هذه المقالة الموضوع في محورين أساسيين، وعدة نقاطٍ، هي:
أولًا- عقيدة الكنيسة الكاثوليكية الاجتماعية، بما يندرج تحتها من:
ثانيًا- محطات ثلاث لرؤية الكنيسة الكاثوليكية:
أولًا- عقيدة الكنيسة الكاثوليكية الاجتماعية:
«كرامة الإنسان»، و«سلطة الكنيسة الأخلاقية» كلمات «مفتاحية»، لكل ما صدر من وثائق وتعليم “في الشأن الاجتماعي” أو ما يُسمَّى بـ«التعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية» (Catholic Social Teaching).
كوِّنت عقيدة الكنيسة الاجتماعية مع مرور الوقت من خلال مداخلات السلطة التعليمية الكنسية حول المواضيع الاجتماعية، وهي عقيدة لاهوتية- أخلاقية تهدف إلى توجيه السلوك المسيحي وترتكز على الوحي البيبلي (الكتابي) وتقليد الكنيسة. هذا التعليم ينتمي إلى الفرع الأخلاقي من اللاهوت وهدف الكنيسة منه، هو مساعدة الإنسان لعيش حياة إنسانية حسب المشروع الإلهي. هذا التعليم هو في حوار مستمر مع جميع العلوم الأخرى كالفلسفة وعلم الإنسان والاجتماع والعلوم السياسية والحقوق والاقتصاد وغيرها؛ فهو يستمد منها الكثير وينيرهم أيضًا بالكثير.
في ظل التطورات الملحوظة في مجال التكنولوجيا، خاصة تلك التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي، Artificial intelligence والتي تثير تداعيات مهمة في جميع مجالات النشاط البشري، وجدت الكنيسة أن هناك حاجة ملحة إلى مناقشات مفتوحة وملموسة حول هذا الموضوع. ولم تكن المخاوف المتزايدة، حول مخاطر “الذكاء الاصطناعي” أمرًا يخص الفاتيكان وحدها، بل هي مخاوف عبَّر عنها العديد من قادة شركات التقنية، والعديد من الوكالات الحكومية الفيدرالية الأمريكية، التي تساءلت عن “حيادية ودقة هذه النظم”، الأمر الذي استدعى “نداءات أخلاقية” تطرح تساؤلات إنسانية، وتناقش هذه المسائل في أبعادها الأخلاقية، أمام هذه التطورات التكنولوجية الخطيرة أو كما يسميها الكاتب والفيلسوف المعاصر يوفال هراري، مفهوم «الداتائية»، (من كلمة داتا)، أي تحول علم البيانات إلى ما يشبه “الدين الجديد لعالم اليوم،” بحيث تصير البيانات ومعالجتها المصدر النهائي للقيم، ويصير علماء البيانات والخوارزميات هم أصحاب السلطة العليا في كل شؤون الكون، ومصدر الإجابات والحلول، عن كل شيء وفي كل شيء.
ثانيًا- محطات ثلاث لرؤية الكنيسة الكاثوليكية:
المحطة الأولى: «نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» (الخوارزميات الأخلاقية)
صدرت عن الكنيسة الكاثوليكية في صباح يوم الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ وثيقة بعنوان “نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي”. وهي إصدار مُشتَرَك بين الفاتيكان وشركتي «آي بي إم» و«مايكروسوفت»، ونُشِر النص الكامل لها على موقع academyforlife.va التابع للفاتيكان.
لم تنكر الوثيقة أهمية هذه التكنولوجيا الجديدة في حياة البشر، والإمكانيات الهائلة التي تقدمها لتحسين شكل التعايش الاجتماعي وزيادة القدرات البشرية، وتسهيل العديد من المهام بكفاءة وفاعلية؛ ولكن! وفي المقابل، (بحسب نص الوثيقة):
لذا وُضِعت في الوثيقة ستة مبادئ، قالت إنها تمثل الأسس الأخلاقية المطلوبة في الذكاء الاصطناعي وأنظمة التعرف على الوجوه.
قال البابا فرنسيس:
«إن الجميع يدرك التواجد المتزايد للذكاء الاصطناعي في جوانب الحياة اليومية كافة، سواء على الصعيد الشخصي أو الاجتماعي، وأن هذه التقنيات تؤثر على أسلوبنا في فهم العالم وأنفسنا، كما وتؤدي المستجدات المتواصلة في هذا المجال إلى تعاظم دور هذه الأدوات في نشاطات الإنسان بل وأيضًا في قراراته».
وتابع:
«لذلك يجب أن نكون يقظين ونعمل على ضمان ألا يترسخ الاستخدام التمييزي لهذه الأدوات على حساب أكثر الأشخاص هشاشةً واستبعادًا».
المحطة الثانية: حديث البابا فرنسيس في قمة مجموعة السبع الجمعة ١٤ يونيو ٢٠٢٤م («Borgo Egnazia»، بوليا – إيطاليا)، وهي المشاركة الأولى من نوعها في تاريخ البابوية.
والحديث هنا لم يبعد كثيرًا عن «نداء روما»، فبداية الحديث هو إعلان بيبلي (كتابي)، يؤكد أن الحكمة والفطنة والمعرفة هي عطية الله للبشر من خلال روحه القدوس والكتاب المقدس يشهد أن الله قد أعطى البشر روحه ليكون لهم «الحكمة والفطنة والمعرفة في كل عمل»، ولذلك فإن العلم والتكنولوجيا هما نتاجان استثنائيان للإمكانات الإبداعية التي لدينا نحن البشر. والحديث عن التكنولوجيا هو حديث عما يعنيه أن نكون بشرًا، وبالتالي عن حالتنا الفريدة بين الحرية والمسؤولية، أي أنه يعني الحديث عن الأخلاق.
خطر مقارنة قدرة الآلة أمام اختيارات و إبداع الإنسان
إن الحديث عن التكنولوجيا هو حديث عما يعنيه أن نكون بشرًا، وبالتالي عن حالتنا الفريدة بين الحرية والمسؤولية؛ إن ما تقوم به الآلة هو خيار تقني بين عدة احتمالات ويعتمد إما على معايير محددة جيدًا أو على استنتاجات إحصائية. لكن الإنسان لا يختار فقط، بل هو في قلبه قادر على اتخاذ القرار. لهذا السبب، وإزاء إبداع الآلات، التي تبدو قادرة على الاختيار بشكل مستقل، يجب أن يكون واضحًا بالنسبة لنا أن القرار يجب أن يترك دائمًا للإنسان، حتى مع الوتيرة المأساوية والملحة التي يظهر بها أحيانًا في حياتنا. سنحكم على البشرية بمستقبل ميؤوس منه إذا حرمنا الأشخاص من القدرة على اتخاذ القرار بشأن أنفسهم وحياتهم، وسنحكم عليهم بالاعتماد على خيارات الآلات. نحن بحاجة إلى ضمان وحماية فسحة كبيرة للسيطرة البشرية على عملية اختيار برامج الذكاء الاصطناعي: لأن الكرامة البشرية هي التي ستكون على المحك.
في مأساة مثل مأساة الصراعات المسلحة، من المُلِحِّ أن نعيد التفكير في تطوير واستخدام أجهزة مثل تلك التي تعرف بـ”الأسلحة المستقلة الفتاكة” لحظر استخدامها، بدءًا من التزام فاعل وملموس من أجل إدخال سيطرة بشرية أكبر وأهم. لا ينبغي لأية آلة على الإطلاق أن تختار ما إذا كانت ستقضي على حياة إنسان أم لا.
وعلينا الآن أن نضيف ملاحظة عامة على ما قلناه. إن زمن الابتكار التكنولوجي الذي نعيشه، في الواقع، يترافق مع وضع اجتماعي خاص وغير مسبوق. ويتم تسجيل نوع من الضياع أو على الأقل كسوف للمعنى البشري وتضاؤل واضح لمفهوم الكرامة البشرية. وهكذا، في هذا الزمن الذي تُسائِل فيه برامج الذكاء الاصطناعي الإنسان وأفعاله، يخاطر ضعف الروح المرتبط بفهم قيمة وكرامة الإنسان بأن يصبح أكبر نقطة ضعف في تنفيذ وتطوير هذه الأنظمة. لا يجب أن ننسى في الواقع أنه لا يوجد ابتكار محايد.
ثم يختم البابا حديثه: «أيها السادة الكرام! إن تأملي هذا حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشرية يقودنا لكي نأخذ في عين الاعتبار أهمية “السياسة السليمة” لكي ننظر إلى مستقبلنا برجاء وثقة. وكما قلت سابقًا في مكان آخر، إن المجتمع العالمي يعاني من أوجه قصور هيكلية خطيرة لا يمكن حلها بمجرد عمليات ترقيع أو حلول سريعة وعرضية. هناك أشياء تحتاج إلى التغيير من خلال عمليات إعادة ضبط أساسية وتحولات مهمة. ولا يمكن أن تقودها إلا سياسة سليمة، تشمل مختلف القطاعات والمعارف الأكثر تنوعًا. وبهذه الطريقة، يمكن لاقتصاد مندمج في مشروع سياسي واجتماعي وثقافي وشعبي ويتوق نحو الخير العام أن “يفتح الدرب أمام فرص مختلفة، لا تعني وقف الإبداع البشري وحلمه بالتقدم، بل توجيه تلك الطاقة بطريقة جديدة”».
المحطة الثالثة والأكثر أهمية، والأكثر تركيزًا من حيث فهم رؤية الكنيسة:
رسالة البابا فرنسيس لمناسبة اليوم العالمي الثامن والخمسين للاتصالات الاجتماعية، والتي نُشرت في ٢٤ يناير ٢٠٢٤م.
«الذكاء الاصطناعي وحكمة القلب، من أجل اتصالات إنسانية بالكامل»
ونتوقف قليلًا عند محاور هذه الرسالة، والتساؤلات التي طُرِحت في شأن هذا التغير العميق والنوعي، والذي يثير دهشة تتأرجح ما بين الحماسة والتخبط.
فالتطور الذي يشهده ما يطلق عليه اسم الذكاء الاصطناعي وما يُحدِثه من تغيرات جذرية في الإعلام والاتصالات أيضًا، ومن خلالها في بعض أسس التعايش المدني. هذا التغير لا يقتصر على العاملين في هذا المجال، بل يشمل الجميع. ولهذا الحديث هنا -بدايته ونهايته- يجب أن يكون عن الإنسان.
نحن نتحدث عن مواضيع تقنية وعلمية وسياسية إلا أنه لا يمكن حلها إلا انطلاقًا من الإنسان ويستدعي هذا إنسانًا يتميز بروحانية أكثر عمقًا وحرية وحياة داخلية جديدة. وبالتالي إن الضرورة الكبرى في هذا الأمر هي الانطلاق من القلب، وضرورة دخولنا المستقبل كل في مكانه، ولكن بشرط الحفاظ على حساسيتنا، بقلوب غير قابلة للإفساد، إزاء كل ما في هذا المستقبل من مدمر وغير إنساني. حسبما كتب رومانو غوارديني قبل قرن من الزمان.
إن حكمة القلب يمكن أن يجدها من يبحث عنها ويمكن أن يراها من يحبها، وتبحث هي عمن هو جدير بها، هي مع من يصغي إلى النصائح وله قلب مطيع، قلب يصغي. حكمة القلب هي عطية من الروح القدس تمكِّننا من أن نرى الأشياء بعيني الله، أن نفهم الروابط والأوضاع والأحداث وأن نكتشف معناها. فلا يمكن أن ننتظر مثل هذه الحكمة من الآلات.
يمكننا القول إن الآلات لديها قدرات أكبر من الإنسان على حفظ البيانات ولكن الإنسان فقط هو من عليه كشف معنى البيانات والعلاقات فيما بينها، بالتالي لا يمكن أن نطلب من الآلة أن تبدو كما الإنسان، بل يجب بالأحرى إيقاظ الإنسان مما هو فيه من تنويم مغناطيسي بسبب هوس القدرة على كل شيء واعتقاده بأنه مكتفٍ ذاتيًّا، ونسيانه كونه مخلوقًا.
بداية حقبة جديدة في تاريخ البشرية ربما يصفها البعض بأنها النهاية، الحقبة، التي يهددها خطر أن تكون غنية بالتقنيات وفقيرة في الإنسانية، وهذا ما يثير التساؤلات عند البعض الآخر: ما هو الإنسان إذًا؟ ما هو تميزه؟ وما هو مستقبله؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها ستجعلنا ندرك إن كان الذكاء الاصطناعي سيبني نظام طبقات جديدًا يقوم على الهيمنة المعلوماتية مؤدِّيًا إلى أشكال جديدة من الاستغلال واللامساواة، أم أنه سيقود في المقابل إلى مساواة أكبر وسيعزز إعلامًا صحيحًا ووعيًا أكبر بتغير الحقبة الذي نعيشه، مشجعًا الإصغاء إلى الاحتياجات المتعددة للأشخاص والشعوب، وذلك في منظومة إعلامية متشعبة وتعددية. وأكد البابا أن هذه الإجابات تتوقف علينا، على الإنسان، إن كان يريد أن يصبح طعامًا للخوارزميات أم أن يغذي قلبه بالحربة التي لا يمكن من دونها أن ننمو في الحكمة.
ختامًا
إن المستقبل الإيجابي للذكاء الاصطناعي سيظهر آلات تعمل على حماية بقائنا المباشر، وتعزيز بقائنا المستدام على المدى الطويل كجنس بشري، وأن نصبح متعلمين وماهرين بأفضل ما لدينا من قدرات، والسعي إلى الحقيقة وتمثيلها بكل جمالها. وفي الوقت نفسه، ينبغي أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي للتخفيف من مخاطر انقراض الإنسان، ومراقبة الأنشطة غير المستدامة والحد منها، والحد من أسوأ السلوكيات المعادية للمجتمع أو إعادة توجيهها بشكل إيجابي، والحد من الإجراءات التي من شأنها الإضرار بالتعليم، والحد من المعلومات الخاطئة والمضللة.
إن جاز التعبير أن نقول إن هناك «مستقبل إيجابي للذكاء الاصطناعي» فينبغي لهذا المستقبل الإيجابي أن يتوازن أيضًا بين القواعد الأخلاقية الراسخة واحترام ضمير الفرد وحريته. إلى جانب أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومبادئ أخلاقيات الشركات المختلفة، والقوائم المختلفة للمبادئ الكاثوليكية ذات الصلة بالأخلاقيات الاجتماعية وأخلاقيات التكنولوجيا. ويعني أيضًا، أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يصمم بحيث يحترم حرية الإنسان في التعبير، وحرية الدين، وغيرها من الحريات المهمة، ولكن مع الوعي المستمر بأن الحقائق الأخلاقية الموضوعية موجودة ويجب أيضًا احترامها. لذلك، على الرغم من أنه يمكن للمرء، على سبيل المثال، التأكيد بحرية على أفكار تتعارض مع قيمة بقاء البشرية، إلا أنه يمكن للمجتمع، بل ويجب عليه، أن يحد بشكل مشروع من الأفعال المرتبطة بها.
ويشكل هذا مأزقًا بعض الشيء بالنسبة للذكاء الاصطناعي، لأن البعض يعتقد أنه ينبغي لنا أن نقلل من سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، في حين يعتقد آخرون أننا ينبغي لنا أن نسرع من تطوره، وكلاهما يعتقد أن مساره سوف يفعل المزيد لضمان بقاء البشرية. إن وجهة النظر الصحيحة غير واضحة، على الرغم من أننا -البشر، أو بالأحرى عدة مجموعات صغيرة من البشر- تجري التجربة (وخاصة من دون مجموعة مراقبة)، وسوف يخبرنا الوقت من هو على حق.
لم تقدم الكنيسة الكاثوليكية رأيًا مباشرًا في هذا الشأن حتى الآن، بخلاف القول بأن الكنيسة يجب أن “قبل كل شيء أن تحمي البشرية من التدمير الذاتي” (كن مسبحًا 79 ومحبة في الحقيقة 51)- وهو موقف حازم لصالح الحذر.
الأخلاق هي الطريق من الحاضر إلى المستقبل، والخيارات والأفعال التي قد تؤدي إلى نتائج أفضل أو أسوأ، وتجعلنا أشخاصًا أفضل أو أسوأ. كأبناء الله، مأمورون بالمحبة، فإن السعي إلى مستقبل أفضل هو مهمتنا. لقد جاء المسيح بملكوت الله إلى الأرض، ليحكمه الودعاء والمحبون لأعدائهم. ربما لا يمكن تصور مثل هذه المدينة الفاضلة الغريبة، لكنها لا تزال تستحق التفكير فيها.
إن الذكاء الاصطناعي عبارة عن تكنولوجيا تحمل وعدًا هائلًا بمساعدة العالم، وهي أيضًا وعد بتحقيق أسوأ كوابيسنا، حيث توجه البشرية بشكل متوقع للغاية نحو الشر. بكلمات أخرى، كما فعلنا عبر التاريخ، على الرغم من أنه الآن بأعلى المخاطر على الإطلاق، فقد وضعنا أمامنا “الحياة والموت، البركات واللعنات” (تثنية 30: 19). وعلينا أن نختار الحياة لكي نحيا نحن وأبناؤنا.
ما قدمناه في هذا المقال ما هو إلا عرض توضيحي لبعض الفقرات التي جاءت في ثلاث محطات هامة توضح رؤية الكنيسة الكاثوليكية في هذا الموضوع الهام والذي سينقل البشرية لحقبة جديدة في تاريخها.
[1] الدكتور بريان باتريك جرين (Brian Patrick Green, Ph.D.): هو مدير أخلاقيات التكنولوجيا (Director of Technology Ethics) في مركز ماركولا للأخلاقيات التطبيقية في جامعة سانتا كلارا، الولايات المتحدة الأمريكية (The Markkula Center for Applied Ethics at Santa Clara University, USA). عمل على نطاق واسع مع الڤاتيكان والمنتدى الاقتصادي العالمي والعديد من شركات التكنولوجيا بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. جرين هو عضو في مجتمع الباحثين في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي التابع لمعهد مستقبل الحياة. وهو مؤلف كتاب «أخلاقيات الفضاء» (Space Ethics, 2021)، ومؤلف مساهم في كتاب «مواجهة الذكاء الاصطناعي: التحقيقات الأخلاقية والأنثروبولوجية» (2023م)، ومؤلف مشارك في كتاب «الأخلاق في عصر التكنولوجيات التخريبية: خريطة طريق تشغيلية» (دليل ITEC) (2023م) و«الأخلاق في ممارسات التكنولوجيا» (موارد أخلاقيات الشركات في مجال التكنولوجيا) (2018م)، ومحرر مشارك لكتاب «التطور الإنساني الديني ومنتقديه» (2022م)، ومحرر مشارك لإصدار خاص من «مجلة اللاهوت الأخلاقي حول الذكاء الاصطناعي» (2022م).
[2] https://www.facebook.com/alinjilacademy/?locale=ar_AR
[3] https://www.vaticannews.va/ar/pope/news/2024-06/papa-francesco-discorso-al-g7-borgo-egnazia-puglia.html
[4] https://www.academyforlife.va/content/pav/en/the-academics.html
[5] https://www.vaticannews.va/ar/pope/news/2024-06/papa
اسم الكاتب : سهيل سعود
يذكر اللاهوتي المصلح جون موراي: “أن عقيدة النعمة العامة، هي من أهم المظاهر المحررة في اللاهوت الإنجيلي المصلح… تمنح عقيدة، “نعمة الله العامة”، بركة للعالم الذي هو مبيع تحت الخطية، وتسمح لنا أن نتشارك مع العالم في حضارته العلمانية، ونتمتع بالعلاقات مع الآخرين، ونعمل إلى جانبهم في القضايا العامة، نحو أهداف عامة”. يضيف موراي: “كمسيحيين، من الطبيعي أن نفكر في عمل الروح القدس في حياة المؤمنين، لكن يجب ألا نتجاهل أن نفس الروح الذي رفَّ على وجه المياه في بداية الخليقة، هو يمسك مع الآب والابن بكل الأشياء. وهو أيضًا نشيط في منح البشر فيضًا من هبات: الذكاء، والصداقة، والمحبة، والعاطفة، والمهنة، والعائلة، والحضارة، والدولة، والفن، والعلم، وغيرها من الهبات لجميع الناس، من مسيحيين وغير مسيحيين. كما يمنح بفيضٍ هباته الخلاصية على شعبه، عندما يطلب بعض المسيحيين، انخراط الله المباشر في حياتهم”. تعني حقيقة “نعمة الله العامة”، أنه يجب على المسيحيين ألا يحدِّدوا أنفسهم، فقط بما يذكره الكتاب المقدس، بل هم أحرار بأن يبحثوا عن الحقيقة والصلاح والجمال، حيث زرع روح الله هذه الفضائل ووزَّعها على البشر، حتى في المصادر العلمانية. يجب أن نتذكر أنه في الوقت الذي يقودنا فيه الكتاب المقدس إلى الحقيقة المعصومة في يسوع المسيح، فإن عقيدة النعمة العامة، تؤكد أن الله قد أغدق أيضًا على البشر، عطاياه دون تمييز بين مؤمنين وغير مؤمنين. لهذا، من المُتوقَّع من البشر مؤمنين وغير مؤمنين أن يستثمروا في أبحاث أرضية متنوعة.
كلفن حول نعمة الله العامة
أطلق المصلح جون كلفن على عقيدة “عناية الله العامة”، تسمية “المبدأ المحدِّد لكل الأشياء”. لم يكن كلفن فقط مدركًا لعمق الفساد البشري، ولكنه كان مدركًا أيضًا لأهمية الكرامة الإنسانية، وذلك بسبب إدراكه لنعمة الله العامة على البشر. اعتقد كلفن أن مفهوم “النعمة العامة”، يطرح تحديًا على المفهوم التقشفي للمسيحية؛ لأن مفهوم النعمة العامة، يتناول أمورًا عملية. استشهد بقول الرسول بولس: “لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (1تي 4: 4-5). كما استشهد بقول المسيح في عظته على الجبل أن الله “يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ” (مت 5: 45). رأى كلفن أن المسيح طلب من أتباعه أن يصلوا من أجل أعدائهم، ليس فقط من أجل الغفران، الذي هو بالدرجة الأولى الأهم، بل أيضًا بسبب نعمة الله العامة التي تشمل الأبرار والظالمين. قال: “إن الله في رحمته ونعمته العامة، وضع علامة حتى على قايين القاتل لكي لا يُقتَل، مما جعله قادرًا أن يبني مدينة”. يذكر النص: ” وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ… وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً، فَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ كَاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ” (تك 4: 15، 17).
تمييز كلفن بين نعمة الله العامة ونعمة الله الخاصة
ميز جون كلفن بين نعمة الله العامة، ونعمة الله الخاصة. عرَّف “نعمة الله العامة”، على أنها “هبات الله الطبيعية للإنسان”، وعرَّف “نعمة الله الخاصة” على أنها “هبات الله فوق الطبيعية”، التي يمنحها الله للإنسان بالإيمان من خلال تجديد الروح القدس لحياته. قال كلفن: “كل الناس لديهم معرفة في الفطرة عن الله من خلال الأمور التي خلقها وصنعها (نعمة الله العامة)، والتي هي هبات طبيعية. لكن هذه المعرفة لا تُخلص، ولا تقود الإنسان إلى المعرفة الأسمى، بأن الله هو المخلِّص”. اعتقد كلفن، أن الإنسان لا يزال قادرًا على استلام نعمة الله العامة، ولا يزال قادرًا أن يعكس الله بمعنى ما. آمَن، أن العقل هو أقل تشوُّهًا من الإرادة في الإنسان. قال: “ليس أحد محرومًا من نور العقل في الأمور التي تحكم الحياة الحاضرة. فهناك نوعٌ من الفهم العام، محفورٌ طبيعيًّا في كل البشر. لذا، عندما ينخرط عقل الإنسان في الدراسة، فإنه لا يقوم بذلك باطلًا، دون أن يستفيد من ذلك”. اعتقد كلفن أن الفلاسفة استلموا تنويرًا من الله، لكن هذا التنوير خدم في نهاية الأمر بأن جعلهم، أكثر دون عذرٍ أمام الله. قال: “إني لا أنكر أننا نستطيع أن نرى في كتب الفلاسفة بعض العبارات المُقالَة عن الله والمكتوبة جيدًا، لكن نرى فيها عدم انسجام، الأمر الذي يربك تصوُّرَنا عن الله. صحيح أن الله منح الفلاسفة بعض التذوق من ألوهيته، لكي لا يدعوا الجهل كعذرٍ لعدم تقواهم، إلا أن تنويرًا كهذا لم يخاطبهم بالحقيقة. لهذا، فإنهم لا يزالون بعيدًا عن بلوغها”. أضاف كلفن: “عندما نرى في كتب الوثنيين نور الحقيقة المدهش، فإن هذا يجب أن يعلِّمنا أنه على الرغم من سقوط الطبيعة البشرية، وتضمُّنها كثيرًا من الفساد، إلا أنها لا تتوقف عن كونها مزيَّنةً بالعديد من الهبات الطبيعية التي منحها الله للإنسان”. من هذا المنطلق، نظر كلفن إلى الإنجازات الإنسانية على أنها أدوات لإعلان مجد الله، لكنه حرص على توجيه الاندهاش نحو الله وحده، وليس نحو الإنسان. قال: “إن الدهشة التي تثيرها إنتاجات الفكر الإنساني، يجب ألا توجَّه إلى كاتبيها، ولكن إلى الله الذي هو النبع الأول لها”.
رفض كلفن، التطرف الديني الذي يمنع التأثير الإيجابي من غير المسيحيين على المسيحيين. قال: “عندما نقلِّل من قيمة الحقيقة والصلاح والجمال، التي نجدها لدى بعض غير المؤمنين، فإننا بموقفنا هذا نكون نحتقر الروح القدس نفسه. فإنه في كل مرة نلتقي بقيم كهذه، ليكن موقفنا، بأن ندع نور الحقيقة يُشِعُّ والتي نقدِّرها فيهم، والذي يعلِّمنا أن عقل الإنسان مع أنه ساقطٌ ومنحرفٌ، فإنه مع ذلك، لا يزال يلبس ويتزيَّن بهبات الله الرائعة”. أضاف كلفن: “إذا اعتبرنا أن روح الله هو النبع الوحيد للحقيقة، فإننا لن نرفض تلك الحقائق ولن نحتقرها أينما تظهر، هذا إلا إذا أردنا التقليل من احترامنا لروح الله. وبالتالي، إن لم نقدِّر هبات الروح، نكون ندين الروح نفسه ونعيره”. سأل كلفن: “هل يمكننا إنكار الحكمة المستنيرة للمشرِّعين وواضعي القوانين القديمة، الذين عملوا على تنظيم وإدارة شؤون المجتمع بإنصاف؟ هل يمكننا أن نقول إن الفلاسفة كانوا عميانًا في أثناء دراسة أسرار الطبيعة باجتهاد، أو كتابتها بمهارة كهذه؟ هل يمكننا الادعاء بأن الذين علَّمونا فن الحوار والمنطق، التي هي الوسيلة للتكلم بشكل صحيح، لم يكن لديهم فهم؟ هل يمكن أن نقول إن أولئك الذين اخترعوا الأدوية من أجل أمراضنا، وكرَّسوا جهودهم من أجل فائدتنا، أنهم كانوا أغبياء؟ هل يمكننا أن نعتقد أن الاختصاصات في حقول أخرى هي تفاهات؟ ألم يقر بعض الوثنيين بأنفسهم، أن الفلسفة والقوانين والطب، هي هبات من السماء؟ ماذا عسانا أن نقول عن كل علوم الرياضيات؟ هل نستطيع أن نقول إنها كانت مجرد تخيُّلات أناس غير عقلاء؟ إطلاقًا. نحن لا نستطيع أن نقرأ كتابات القدماء دون انذهال وإعجاب. هل نستطيع أن نقول إنها عظيمة، دون الإقرار بنفس الوقت أنها تأتي من الله. فأولئك الناس الذين يسميهم الكتاب المقدس “الناس الطبيعيين”، كانوا حقيقة أذكياء ومبدعين في استقصاءاتهم. لهذا، دعونا نتعلم من مثالهم، لكي ندرك كم أن الهبات التي تركها الله للطبيعة البشرية هي كثيرة، حتى بعد أن جُرِّد الإنسان من الطبيعة الجيدة”. لكن كلفن حذر أن فضائل الهبات البشرية، لا تمنح الخلاص للإنسان. قال: “إن الفضائل الكبيرة التي نقدِّرها ونُعجب بها في عظماء التاريخ، هي أمام عرش حكم الله، فارغة لا قيمة لها، ولن تنفع مقدار قشة لتبريرهم أمام الله”. كان كلفن يقتبس من كتابات بعض الشعراء والفلاسفة اليونانيين في مواضيع دينية، كما فعل الرسول بولس في الإصحاح السابع عشر من سفر أعمال الرسل، إذ قال: “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ” (أع 17: 28). توقَّف كلفن عند قول الرسول بطرس: “أَوْ لِلْوُلاَةِ فَكَمُرْسَلِينَ مِنْهُ لِلانْتِقَامِ مِنْ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَلِلْمَدْحِ لِفَاعِلِي الْخَيْرِ” (1بط 2: 14)، وقال: “حتى الحكام الوثنيون مارسوا سلطانهم، نتيجةً للعناية الإلهية؛ فالله يحكم الشعوب بسرِّيَّةٍ، كما يحكم الكنيسة”. اعتقد كلفن أن على الدول أن تضع قوانينها لحكم شعوبها بناءً للقانون الطبيعي أو القانون العام، وليس بناءً للقانون الموسويّ. رأى أن الثيوقراطية الموسوية، كانت لشعبٍ محدَّدٍ في زمنٍ محدَّدٍ في العهد القديم. قال: “وُضِعَت الشريعة الموسوية في العهد القديم لشعب إسرائيل التي كانت أمةً مختارةً، لكن لم يَعُد هناك أمة مختارة في العهد الجديد”. آمن كلفن أن القانون الطبيعي مكتوبٌ على ضمير كل إنسان. وهو يسمح بتنوُّعٍ رائعٍ في القوانين؛ إذ بموجبه يمكن أن تتشكَّل الحكومات والممالك. اعتقد أن هذه القوانين ستكون مقبولةً، طالما أنها تحفظ العدالة والإنصاف. وهذا ما يجب أن يكون هدف وحدود القوانين. وبالتالي، استطاع كلفن مصالحة إعجابه بكتابات القدماء، مع عقيدة الفساد الإنساني التي خرجت من سقوط آدم. وبعيدًا عن التقليل من نتائج الخطية الأصلية على الإنسان، استطاع كلفن أن يشدد على التدمير الكبير الذي أجرته الخطية في الإنسان، مع إظهار تقديره لكتابات القدماء.
مساهمة كلفن في تقدُّم العلوم الطبيعية
في كتابه “فكر الإصلاح”، يذكر اللاهوتي أليستر ماكيغراث، أنه يمكن اعتبار أن المصلح جون كلفن قدَّم مساهمتَيْن رئيسيتَيْن في تقدُّم وتطوُّر العلوم الطبيعية: الأولى، أنه شجَّع الدراسة العلمية للطبيعة. والثانية، أنه أزال عائقًا أساسيًّا في وجه تلك الدراسة.
ترتبط مساهمته الأولى بشكلٍ خاصٍّ في تشديده على انتظام الكون؛ إذ اعتقد أن العالم الماديَّ والجنس البشريَّ، يشيران إلى سمة الله وحكمته. رأى كلفن الكون مسرحًا يبهر العيون من عظمة إشراق مجد الله. قال: “في كل مكان في الكون نرى إشعاعاتٍ من مجد الله. وبما أن مجد الله هو أكثر إشراقًا في السماء؛ فقد دُعِيَت السماء أنها عرش مجد الله. فكلُّ مظهرٍ من مظاهر الحياة، من العمل إلى العبادة، ومن الفن إلى التكنولوجيا، يُعلن مجد الله”. وأضاف: “ليس لاهوتًا صحيحًا أن يحصر الإنسان أفكاره في نفسه، ويرى أن وجوده هو الهدف الأساسي في الحياة، لكن يجب علينا أن يكون لنا الغيرة الشديدة أن نوضح مجد الله؛ لأننا مخلوقون -أولًا وقبل كل شيء- لله، وليس لأنفسنا، لأن كل شيء هو منه، ويوجد فيه”. أضاف كلفن قائلًا: “لكي لا يُستَثنَى أحدٌ من وسيلة الحصول على السعادة، فقد سُرَّ الله ليس فقط أن يضع في أذهاننا بذور الدين، ولكن أيضًا أن يعلن لنا كماله في كل بنية الخليقة. لهذا، فإننا لا نستطيع أن نفتح عيوننا، دون أن نجد أنفسنا مُجبَرين على ملاحظة كمال الله”. تابع كلفن: “لكي يثبت الله حكمته المميزة، فقد جعل السماء والأرض، تقدمان لنا أدلةً لا تُحصَى، تؤكد أن غاية علم الفلك وعلم الطب وكل بقية العلوم الأخرى، توضيح حكمة الله”. رأى كلفن، أن هذه الأدلة تفرض نفسها على انتباه الفلاح الأمِّي، الذي لن يمكنه أن يفتح عينيه دون أن يراها. على هذا الأساس، أوصى كلفن بدراسة العِلْمَين: عِلم الفلك وعِلم الطب، كونهما قادرين على سبر غور العالم الطبيعي بشكلٍ أعمق من علم اللاهوت، لكشف المزيد من الأدلة عن انتظام الخليقة، وحكمة خالقها. آمن كلفن أن الدراسة التفصيلية للكون، تقود إلى الإدراك المتزايد لحكمة خالقه. وهكذا، يكون كلفن قد أعطى دافعًا دينيًّا جديدًا للغوص في الاستقصاءات العلمية في الطبيعة، كوسيلةٍ لتمييز يد الله الحكيمة في الخليقة، وتعزيز الاعتقاد بوجوده، وتقديم الوقار له. يذكر اعتراف الإيمان البلجيكي الكلفيني الذي كُتِب عام 1561، والذي كان له تأثير كبير، لا سيما في البلدان المنخفضة، التي عُرِفت بشكل خاص في أطبائها وفي علم النبات، “أن الطبيعة أمام أعيننا هي الكتاب الأكثر جمالًا، الذي نرى فيه كل أمور الله المخلوقة لنا، وهكذا نستطيع تمييز الله من خلال الدراسة التفصيلية للخليقة”. التَزَم بهذه الأفكار بحماس “المجتمع الملكي” الذي كان المؤسسة الأكثر أهميةً في تقدُّم الأبحاث العلمية والتعلم في إنجلترا. كان العديد من أعضاء هذا المجتمع الأوائل، معجبين بالمصلح جون كلفن، وكانت كتاباته مألوفةً لديهم، وقد أقروا بأهميتها لحقول دراساتهم. قدم ريتشارد بينتلي، سلسلةً من الحلقات عام 1692 مبنية على مبدأ العالِم نيوتن الرياضي، والذي هو “مبدأ الرياضيات”، والذي تكلم فيه عن انتظامية الكون الذي تكلم عنه نيوتن، معلقًا على أنه دليلٌ على تصميم الله الدقيق للعالم المخلوق. يرى دارسون أن هناك تلميحات واضحة في حلقات بينتلي تأخذ بعين الاعتبار إشارات كلفن إلى الكون كمسرح مجد الله، والذي فيه البشر هم جمهوره المناسب.
أما بالنسبة لمساهمة كلفن الثانية، والتي هي إزالة عائق كبير لتطور العلوم الطبيعية. يرى دارسون أن تحرير وإطلاق البحث العلمي، من التفسير الحرفي للكتاب المقدس، حَدَث على مستوَيَيْن: بالنسبة للمستوى الأول، رأى كلفن أن الكتاب المقدس غير مهتمٍّ بتفاصيل بنية العالم، وإنما بإعلان إنجيل يسوع المسيح. وبالنسبة للمستوى الثاني، أصر كلفن أن ليس كل تصريحات الكتاب المقدس حول الله في العالم، يجب أن تؤخذ بشكلٍ حرفيٍّ. آمن كلفن أن اهتمام الكتاب المقدس الرئيسي هو معرفة يسوع المسيح. لم يعتقد أن الكتاب المقدس هو كتاب علم فلك، أو كتاب جغرافيا أو كتاب بيولوجيا. أعلن عن هذا الأمر بشكلٍ واضحٍ، في المقدمة التي كتبها لترجمة أوليفتيان للكتاب المقدس إلى اللغة الفرنسية عام 1549. كتب كلفن، قائلًا: “إن الغاية من الكتاب المقدس، هي إيصالنا إلى معرفة يسوع المسيح. لم تكن الغاية من الكتاب المقدس، تزويدنا بمجرد معلومات معصومة حول علم الفلك وعلم الطب”. وبالتالي، فإن كلفن حرر العلوم الطبيعية من القيود اللاهوتية.
عندما حل زمن الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، خطى الطب خطواتٍ عملاقةً، لا سيما في القرون اللاحقة، وذلك بفضل تعاليمه، إذ انتشر التدريب والتأهيل الطبي، وتعدَّدت الاختصاصات. قام المصلحون بتقوية أسسه الأخلاقية، التي استندت إلى مفاهيم لاهوتية. وما زاد الاهتمام في الطب، هو انشغال المصلحين في قضايا ومسائل المجتمع. فإنه في الوقت الذي رأت الكنيسة الكاثوليكية في حياة الزهد والتقشف نموذجًا للحياة المسيحية المثالية، فإن المصلحين شجَّعوا رعاياهم للمشاركة الفعالة في المجتمع وسد احتياجات الناس. قسَّمت الكنيسة الكاثوليكية آنذاك، الحياة إلى قسمين: الروحية، والزمنية. اعتبرت أن المِهَن الزمنية في مرتبة أقل من المِهَن الكنسيَّة والروحيَّة. لكن المصلحين، لا سيما كلفن، أزالوا هذا التمييز، وعملوا على توسيع فكرة الدعوة الإلهية، لتتضمن المِهَن الزمنية. نظر كلفن والمصلحون إلى كل أنواع الأعمال على أنها دعوة إلهية لتمجيد الله. وهذا ما انطبق أيضًا على عمل الأطباء. فعناية الطبيب بالمريض، لا تقل قداسةً عن وعظ الراعي بكلمة الله. قال: “خدام الكلمة والرعاة يهتمون بشفاء النفوس من الخطية من خلال الوعظ بالإنجيل، وأما الأطباء فيهتمون بشفاء الناس من الأمراض، من خلال العلاجات التي يقدمونها”. لعب المصلح مارتن لوثر، دورًا بارزًا في تغيير نظرة الناس إلى الطب، بتشديده على أن معظم الأمراض لها تفسيرات طبيعية، وليس أسبابها السحر الأسود والشيطان، وخرافات أخرى سائدة. قال: “أعطى الله الإنسان القدرة على التفكير، كيما يستخدمها في خدمة الإنسان”. دعا المصلحون الناسَ للجوء إلى الأطباء عند المرض، لإيمانهم أن الله يعلن معلومات طبية، من خلال دراسة الأطباء. قام شريك مارتن لوثر في الاصلاح، فيليب ميلتكون، بإدخال منهاج طبي في جامعة ويتنبرغ، معتمدًا على تقنية تشريح الأجسام لزيادة التعلم حول جسم الإنسان، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى موت إنسانٍ ما، على الرغم أنها لم تكن ممارسة مقبولة اجتماعيًّا آنذاك.
يُعتَبَر عرض كلفن للعلاقة بين الاكتشافات العلمية وتصريحات الكتاب المقدس، من أهم المساهمات القيِّمة في الفكر المسيحي. طوَّر كلفن نظرية معقَّدة أشار إليها بمصطلح “التكيُّف”، أو التأقلم لسد حاجة القدرة البشرية على فهمها من خلال الوحي الكتابي. قال كلفن: “يكيِّف الله نفسه مع قدرات الذهن والقلب البشري. يقدم الله نفسه في صورة يمكن أن نفهمها”. آمن كلفن، أن الله يأتي إلى مستوانا لكي يعلن عن نفسه لنا. ويلتقي مع قدراتنا، تمامًا كما تنحني الأم لكي تبلغ طفلها”.
اسم الكاتب : ق. مارتن إلياس
تواجه المؤسسة الدينية عديدًا من التحديات في ظل تطور الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً قويةً لزيادة تأثير القادة والمعلمين الدينيين، ومن الممكن أن يخلق تحدياتٍ عديدةً أمامهم؛ لأنه يضعنا أمام عالمٍ افتراضيٍّ يتطلب تفسيراتٍ ومفاتيحَ وصولٍ جديدة قد تشوِّه في نفس الوقت عالمنا العلاقاتي وعالم الشباب الذين يوجَّه إليهم، وقال ابن السماك: “من لم يتحرز من عقله، بعقله، هلك من قِبَل عقله”[1]، ولذا من الضروري مراعاة الآثار الأخلاقية وضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي لكي نتحرز من الآثار السلبية الناتجة عن استخدامه، ومن أبرز هذه التحديات:
من أجل التعامل مع هذه التحديات تظهر مسؤولية القادة الدينيين في مساعدة رعاياهم على التعامل مع تعقيدات الذكاء الاصطناعي من خلال معالجة هذه المخاوف، وتشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي بدلاً من تجنب المحادثة عنه، كما تحتاج المؤسسات الدينية إلى تطوير استراتيجيات مرنة وفعالة، تشمل التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة والاستفادة منها مع الحفاظ على القيم والمبادئ الأساسية التي ترتكز عليها من خلال:
[1] غسان طنوس كعدو، المعرفة الصامتة ( بيروت: جوزيف د. الرعيدي للطباعة، 2002)، 261.
[2] Aidan Isaacs, The Dangers of Artificial Intelligence to Theology: A Comprehensive Analysis, https://christoverall.com/article/concise/the-dangers-of-artificial-intelligence-to-theology-a-comprehensive-analysis/
[3] Kenny Jahng, 4 Ethics Questions Pastors Need To Answer Regarding AI, https://churchtechtoday.com/4-ethics-questions-pastors-need-to-answer-regarding-ai/
[4] Rey Ty, Impact of AI-Powered Technology on Religious Practices and Ethics: The Road Ahead, file:///C:/Users/dell/Downloads/6-rsc-vol21-no2-ty-1708660977-1.pdf
[5] Erin Elizabeth Green, Robots and AI:The Challenge to Interdisciplinary Theology, https://tspace.library.utoronto.ca/bitstream/1807/93393/1/Green_Erin_E_201811_PhD_thesis.pdf
[6] Susanna Fleming, AI and the Church: Possibilities and Concerns, https://www.breezechms.com/blog/ai-and-the-church-possibilities-and-concerns
[7] Aidan Isaacs, The Dangers of Artificial Intelligence to Theology: A Comprehensive Analysis, https://theaquilareport.com/the-dangers-of-artificial-intelligence-to-theology-a-comprehensive-analysis/
[8] Rey Ty, Impact of AI-Powered Technology on Religious Practices and Ethics: The Road Ahead, file:///C:/Users/dell/Downloads/6-rsc-vol21-no2-ty-1708660977-1.pdf
[9] ARTIFICIAL INTELLIGENCE (AI):Opportunity and Challenge for the Church, https://www.churchofscotland.org.uk/__data/assets/pdf_file/0005/93920/fif-srt-ai-session-4_facilitators-notes.pdf
[10] Artificial Intelligence and Religion: Exploring the Impact and Challenges, https://www.communication-generation.com/transhumanism-and-god/
[11] Rey Ty, Impact of AI-Powered Technology on Religious Practices and Ethics: The Road Ahead, file:///C:/Users/dell/Downloads/6-rsc-vol21-no2-ty-1708660977-1.pdf
[12] Susanna Trotta, Religious Actors and Artificial Intelligence: Examples from the Field and Suggestions for Further Research , https://brill.com/view/journals/rnd/aop/article-10.30965-27507955-20230027/article-10.30965-27507955-20230027.xml
[13] Paul J Bucknell ,AI and the Future of the Christian Church, https://bffbible.org/d3/view/ai-and-the-future-of-the-christian-church-part-2
[14] Rey Ty, Impact of AI-Powered Technology on Religious Practices and Ethics: The Road Ahead, file:///C:/Users/dell/Downloads/6-rsc-vol21-no2-ty-1708660977-1.pdf
[15] Stanislav Panin, Challenges and Promises of Artificial Intelligence in Religion, https://talkabout.iclrs.org/2023/05/10/challenges-and-promises-of-artificial-intelligence-in-religion%EF%BF%BC/
[16] Father Philip Larrey, Human-Centered AI’: How Should the Church Engage With Emerging Artificial Intelligence Technologies?, https://www.ncregister.com/interview/human-centered-ai-how-should-the-church-engage-with-emerging-artificial-intelligence-technologies
[17] Susanna Trotta, Religious Actors and Artificial Intelligence: Examples from the Field and Suggestions for Further Research , https://brill.com/view/journals/rnd/aop/article-10.30965-27507955-20230027/article-10.30965-27507955-20230027.xml
[18] Susanna Fleming, AI and the Church: Possibilities and Concerns, https://www.breezechms.com/blog/ai-and-the-church-possibilities-and-concerns
[19] Susan Barreto,What Does AI Mean for the Church and Society?,
https://biologos.org/post/what-does-ai-mean-for-the-church-and-society
اسم الكاتب : هاني لبيب
استغرق الإنسان 2000 سنة للانتقال من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية الأولى (الآلات البخارية المُستَخدَمة في القطارات والسفن) منذ عرف النار واستخداماتها، و200 سنة للانتقال للثورة الصناعية الثانية (الاحتراق الداخلي والتطور المذهل في السيارات والطائرات والآلات الثقيلة)، و50 سنة للانتقال للثورة الصناعية الثالثة (الثورة الرقمية وصناعة الكمبيوتر والروبوت والموبايل)، والدخول في الثورة الصناعية الرابعة (الذكاء الاصطناعي في التطبيقات الذكية وتطوير البرامج مثل: Chat GPT والـ Metaverse عالم ما بعد الواقع) في أقل من 20 سنة.
وهو ما يعني، أن العالم الآن يشهد أسرع تطور إنساني على وجه الأرض منذ عرف الإنسان النار.. إنه تطور عصر الثورة الصناعية التكنولوجية: الإنترنت، والرقمنة، والمعلوماتية، والذكاء الاصطناعي، وChat GPT. ليس مجرد تطور ولكنه ثورة كاملة في كل ما يخص الديجيتال: طائرة دون طيار ومُسيَّرات ودرون، وزيارة متاحف وأماكن وحضور اجتماعات ومشاهدة فعاليات دون السفر والذهاب إليها، وترجمة فورية دقيقة ومتخصصة، وتشخيص طبي وعمليات عن بعد، وتصميمات هندسية وديكورات وأشكال مختلفة عن المألوف، والقيام بغالبية مهام العمليات المحاسبية، وإعداد مذكرات قانونية ودفوع مستندة إلى الدساتير والقوانين والإجراءات، والقيام بمهام المعالجات والاستشارات النفسية.
الآباء المؤسسون لـ AI..
في سنة 1950، كتب آلان تورنج، عالم الرياضيات البريطاني، ورقة بحثية مهمة بعنوان “آلات الحوسبة والتفكير” حيث عرض لدراسة مدى قيام الآلات (الكمبيوتر) بالتفكير. وصاغ للمرة الأولى مصطلح “الذكاء الاصطناعي”.. كمفهوم نظري وفلسفي.
ثم جاء جون مكارثي “عالم الرياضيات الأمريكي” الذي يعتبره الكثير من العلماء.. الأب الروحي المؤسس للذكاء الاصطناعي، والذي طرحه سنة 1956 خلال مؤتمر علمي بجامعة دارتموث في هانوفر “نيو هامبشاير” في إشارة إلى بزوغ فجر علم جديد.. يتمكن من الوصول إلى صناعة اختراع روبوت أو جهاز كمبيوتر بحيث يتم التحكم فيه بالكامل عن طريق الكمبيوتر من خلال برامج تعمل بالطريقة نفسها التي يفكر بها الإنسان بذكاء وبشكل علمي منظم.. في شكل من أشكال مضاهاة العقل بتحديد المشكلات، وسبل حلها، واختيار أفضل سيناريوهات الحلول. وهو ما من شأنه تطوير البرامج والأنظمة والتطبيقات الذكية التي ستجعل الذكاء الاصطناعي يطور نفسه بنفسه ويحسن من أدائه من خلال المعالجة الضخمة للبيانات المتاحة في سبيل تأدية مهام معقدة ومركبة.. كانت تتطلب في الماضي المزيد من الجهود العقلية والكثير من الوقت. ومع ملاحظة هامة، وهي أنه على الرغم من أن كل سبل التعلم الآلي ما هو إلا ذكاء اصطناعي، فإنه ليس كل ذكاء اصطناعي يعتبر تعلمًا آليًّا.
وحدث بين سنة 1957 وسنة 1974 تطورات عديدة في الحوسبة لأجهزة الكمبيوتر سواء بمدى قدرتها على تخزين المزيد من البيانات أو بطريقة معالجتها لتلك البيانات بشكل أسرع. وخلال هذه الفترة، طور العلماء خوارزميات تعلم الآلة. وأدى التقدم في هذا المجال إلى قيام وكالات مثل وكالة مشروعات البحوث المتطورة الدفاعية DARPA بإنشاء صندوق لأبحاث الذكاء الاصطناعي.
وفي سنة 1966 ابتكر العالم الألماني جوزيف وايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.. برنامج “إليزا”.. التي استوحى اسمها من شخصية “إليزا دوليتل” بطلة مسرحية “بجماليون” لجورج برنارد شو. وتعد “إليزا” هي أول روبوت للمحادثة يعمل بنظام الذكاء الاصطناعي، أطلقوا عليه حينذاك اسم Chatbot. والذي استُخدِم للقيام بمهمة معالج نفسي وهمي، يحاكي البشر ويتفاعل معهم.
والمُلاحَظ هنا، اتفاق جميع الآباء المؤسسين على تحديد مجالات نظام الذكاء الاصطناعي في: البحث، والتعرف على الأنماط، والتعلم، والتخطيط، والاستقراء.
* * *
مفاهيم ومصطلحات..
* * *
الذكاء.. الإنساني والاصطناعي..
يمكن تحديد الفرق بين كلٍّ من الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي في:
* * *
هدف الذكاء الاصطناعي..
تطوير القدرة على فهم أو تعلم أي عملية فكرية.. يمكن للإنسان القيام بها.. باستخدام البرامج لدراسة أو إنجاز مهام محددة لحل المشكلات من خلال التخصص في مجال واحد. على غرار تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها التغلب على بطل العالم في لعبة الشطرنج.
وقد أدى المفهوم الحديث لـ “تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي” إلى ظهور علاقات ومراكز جديدة في مختلف المجالات، وما خلفته من سلبيات وإيجابيات في المجتمعات.. أثبتت عدم قدرة الأنظمة القانونية السارية على استيعابها وتنظيمها.
* * *
مدونة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي..
أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECO في شهر يونيو 2019 مدونة أخلاقيات استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وهي بمثابة أول ميثاق أخلاقي “ستايل بوك” لاستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على مستوى دول العالم بهدف ضمان التطبيق العادل والآمن والنزيه.. لتطبيقات الذكاء الاصطناعي من خلال تنظيم القواعد القانونية للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، ومنع الانحراف به بالشكل الذي يجعله خارج نطاق السيطرة.. خاصة في التطبيقات ذات الطابع العسكري والفضاء الخارجي.
* * *
تطبيقات الذكاء الاصطناعي..
لا شك أن هناك تقدمًا متسارعًا جدًّا فيما يخص تقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال التنوع الهائل للتطبيقات واستخداماتها. والتي ستسهم في وجود جسور غير تقليدية من التواصل الإنساني.. مما سيكون له آثر بالغ في التحولات الفكرية والثقافية والاجتماعية والتكنولوجية في حياتنا اليومية. وما سيترتب على ذلك من مخاطر مستقبلية متوقَّعة في الصراع والتكامل بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي.
من أهم ما برز من تطبيقات الذكاء الاصطناعي ما يخص إنتاج محتوى نصِّي متطور ودقيق ومفهوم، وتحليل الصور والفيديوهات بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتعرف على الوجوه والأشكال والرسومات، والوصول إلى تحليل المشاعر التي تحملها هذه الصور. وما يندرج أيضًا، من تطبيقات معالجة النصوص، وتحليل اللغات وترجمتها، وتحسين تفاعل الأنظمة مع المستخدمين بشكل أكثر فاعلية.
تستمر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التطور بشكل أسرع ممَّا هو متوقَّع.. لتتضمن جوانب مختلفة من مهامنا الروتينية اليومية. وهو ما جعل الذكاء الاصطناعي جزءًا رئيسيًّا من حياتنا اليومية، والطريقة التي نتفاعل بها مع التكنولوجيا.
* * *
تطبيقات.. بديلًا عن الإنسان..
* * *
قطعًا، بقدر ما يتسم به الذكاء الاصطناعي من فوائد لا حصر لها للإنسانية، فإن له مخاطر كبيرة يجب الحذر منها.
على المستوى الفكري: بالتلاعب بالرأي العام من خلال سرد قصص ومعلومات مدعومة بالصور والفيديوهات، سواء كانت مغلوطة أو ملفقة أو مضللة أو مركبة، لدرجة خلق انطباع وشعور زائف بحقيقتها، وهو ما من شأنه أن يكون له صدى واسع في تعزيز “الصوامع الإيديولوجية” و”غرف الصدى” التي تثير الذعر والزعزعة للأنظمة السياسية والمالية والاقتصادية. وذلك على غرار مقطع الفيديو الذي ظهر في شهر مارس 2023 يظهر فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.. يستسلم للقوات الروسية، ما تسبب في بلبلة ضخمة حتى ثبت عدم صحته.
على المستوى النفسي: ربما يتسبب في تدهور حالة الصحة النفسية لدرجة الاكتئاب لمن يعمل في أماكن تستخدم التكنولوجيا بشكل موسَّع، فينعدم التفاعل الاجتماعي بسبب حالة العزل داخل المكاتب مع كمبيوترات وروبوتات. بالإضافة، إلى التهديد الذي تمثله أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة لبعض المهن والأعمال، وما يترتب عليه من تهديد بسبب مخاوف الفصل من العمل نتيجة إحلال الكثير من الوظائف بالذكاء الاصطناعي كما شهدنا بعد انتهاء وباء كورونا تحديدًا. فضلًا عن بدء ظهور ما يمكن أن نطلق عليه “إدمان الذكاء الاصطناعي” بسبب الإفراط في استخدامه. وهو ما جعل البعض يحذر من تلك المخاطر لدرجة المطالبة بأن يصبح الاهتمام بها له الأولوية الدولية على غرار الأوبئة لمواجهة خطر الانقراض الانساني بسبب سيطرة الكمبيوتر على حياتنا.
وبعيدًا عن عدم التعمد والابتزاز الإلكتروني، يؤخذ في الاعتبار، أنه يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تنشر معلومات مغلوطة عن غير قصد.. نتيجة لهلوسات الذكاء الاصطناعي.
* * *
عن طريق وضع مجموعة من المبادئ الأولى التي يمكن أن تعتمد عليها عملية صنع القرار بشأن الذكاء الاصطناعي وتتسم بأنها:
من الواضح، أن حوكمة الذكاء الاصطناعي ستكون من بين أصعب التحديات التي ستواجه دول العالم في السنوات القليلة القادمة.. خاصةً أن ضرورة وجود الذكاء الاصطناعي بشكل يحقق أقصى استفادة منه.. لا يقل أهمية في كل الأحوال عن ضرورة تنظيمه.
* * *
نظرة مستقبلية..
تضيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحولات واسعة في حياتنا، حيث يتم دمج التكنولوجيا بشكل متزايد في نسيج حياتنا الاجتماعية واليومية.. مما يجعلها تفتح لنا أفقًا جديدًا للتواصل والتفاعل، مما يلقي بظلال جديدة على كيفية تشكيل وتجسيد طبيعة الحياة في العصر الرقمي المتقدم القادم.
رغم أنه من أبرز مميزات الذكاء الاصطناعي أنه يسهل ويسرع خطوات كثيرة كانت تستهلك جهدًا ووقتًا كبيرًا في مساعدة الأشخاص على تطوير قدراتهم لمجابهة الذكاء الاصطناعي. فإنه لا يزال هناك على سبيل المثال جدل دائر بخصوص مدى قدرة الـ Chat GPT على إعطاء إجابات دقيقة في كل المجالات على السواء. ولكن المؤكد أنه يمثل طفرة في مجال الذكاء الاصطناعي. يعود الجدل المشار إليه لكون الذكاء الاصطناعي يرتكز على صناعة عوالم وهمية في سبيل التعايش الافتراضي فيها.. تسهم في الهروب من التحديات الاجتماعية والإرهاب والتراجع الاقتصادي والتلوث وتغيير المناخ والحروب والأوبئة.
ولا يوجد إجماع حول المخاطر المتوقَّعة والمُستَنتَجة من تلك المساحة المتزايدة التي يحتلها الذكاء الاصطناعي الخارق في تطوره في حياتنا اليومية. وهو ما يؤكد أهمية عدم تركه للمبرمجين والمخترعين وحدهم، وإشراك علماء الفلسفة والاجتماع تحديدًا في صياغة معايير الرقابة الرقمية عليه لتحقيق تقدم الإنسانية وليس فناءها.
نحن إزاء برامج وتطبيقات رقمية لا تمل أو تتعب أو تمرض أو ترتاح أو تتذمر أو تتمرد أو تعترض أو تخالف أوامر العمل ووقته الذي لا ينتهي. وهو ما يترتب عليه تحدي شغف العلماء في المزيد من الاختراعات والابتكارات والحلول والرؤى غير المسبوقة.. مع كل الاحتفاظ بالسياق الأخلاقي الإنساني.. وانتهاج مبدأ “أنسنة الرقمنة” و”أنسنة الذكاء الاصطناعي” لصياغة إطار من الأخلاقيات لكل ما يمس الذكاء الاصطناعي في الطب والقانون والهندسة لتحصين ما سيصدر عنه خاصة في الحروب، وتحديد استخدام الأسلحة المناسبة حسب الزمان والمكان بشكل أكثر فتكًا للانتصار في الحروب..
بعض الكتابات تحذر من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انقراض البشرية بسبب مخاطره المتوقَّعة، على غرار: قدرته الفائقة على التحكم في القتال الجوي وتطوير الأسلحة الكيميائية الفتاكة من خلال توظيف الاكتشافات المتعلقة بالفيروسات واللقاحات والأدوية. أو من خلال ما يمكن أن يتبناه من معلومات مضللة توجه المجتمع بتغيير نمط التعامل مع أولوياته وتحدياته. أو باستحداث نماذج متطورة من التطبيقات التي لا يمكن التحكم فيها.
* * *
أسئلة مُعلَّقة..
لم نصل إلى نهاية طريق التطور التكنولوجي، بل أتوقع أننا لا زلنا في إطار القيام بمهام محددة رغم كل هذا التطور المذهل، وأن القادم غير متصور سواء في محتوى تلك التكنولوجيا أو في علاقتها بالإنسان.
أطرح هنا بعض الأفكار في شكل أسئلة.. جميعها أسئلة مُعلَّقة استباقية تحتاج إلى إجابات مرتكزة على أبحاث ودراسات واستنتاجات وسيناريوهات متوقَّعة. وذلك على غرار:
– هل ما نشهده من تطور في مجال الذكاء الاصطناعي هو تطور إيجابي أم سلبي؟!
– هل يمثل الذكاء الاصطناعي نهاية التاريخ البشري بشكله السابق، والقادم مختلف؟!
– هل يمثل الذكاء الاصطناعي نوعًا جديدًا من احتلال العقول وإلغاء الزمن؟!
– هل سيسهم الذكاء الاصطناعي ببعض تطبيقاته المخيفة على التحريض على جرائم ضد الإنسانية مثل: القتل والانتحار من خلال ألعاب للتسلية؟!
– هل يمكن أن يقوم الكمبيوتر أو الروبوت القيام بكافة مهام العقل الإنساني مع المزيد من التطور والتقدم التكنولوجي؟!
– هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على المشاعر الإنسانية بالشكل الذي سيعيد صياغة شكل العلاقات الإنسانية للأسر والعائلات؟
– هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الاختيارات والقرارات البشرية من خلال تزايد قدرته على محاكاة العقل الإنساني بالاستفادة من خبرة التعلم الذاتي المستمر له؟
– هل سيتم استبدال معظم الأعمال لصالح الذكاء الاصطناعي.. بعد ما يمكن أن يطرأ عليه من المزيد من القدرة على تحليل المشاعر الإنسانية وتجسيدها؟!
– هل سيقتصر الخوف على فقد الوظائف والأعمال أم الخوف من سيطرة الآلات على سوق العمل وبالتالي على الإنسان؟!
– هل سيتسبب الذكاء الاصطناعي في تراجع الكفاءة البشرية في الأعمال.. بعد أن وصلنا إلى عدم القدرة على الاستغناء عنها أو التكهن بنتائجها المستقبلية؟
– هل سيدعم الذكاء الاصطناعي الحرية والعدل والمساواة.. في مواجهة الفوضى الرقمية المتوقعة؟
– هل سيرسخ الذكاء الاصطناعي مسيرة الإنسانية في دعم مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان أم سيكون له تأثير مغاير ومعاكس؟
– هل سيدعم الذكاء الاصطناعي القانون ومواجهة تحدياته، وفي مقدمتها حقوق الملكية الفكرية؟
– هل سيدعم ميكانزيم عمل الذكاء الاصطناعي قواعد الرقابة الرقمية ومعاييرها أم سيتجاوزها؟
– هل يتسبب الذكاء الاصطناعي في تراجع الإبداع والابتكار البحث العلمي الذي يقوم به الإنسان في مقابل سرعة شيوع الأفكار والاختراعات والابتكارات الرقمية؟
– هل سيقوم الذكاء الاصطناعي بتحويل حياتنا إلى تطبيقات في كل المجالات: المياه، والزراعة، والتنوع البيولوجي، والتغير المناخي، والبصمة الكربونية، والطاقة…؟
– هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على حركة السفر وتكلفته المادية بالاقتصار على نظارة جوجل وغيرها في الذهاب لأبعد نقطة في العالم، والاكتفاء بهذا الشكل الجديد الذي سيغير النمط التقليدي للسياحة؟
* * *
تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير وسرعة مذهلة، وتصبح أكثر تعقيدًا مع كل تطور لها.. مما جعلها فرضًا وليست اختيارًا، وهو ما يؤكد حاجة العالم لوكالة دولية للذكاء الاصطناعي. وستظل أي تقنية متطورة جديدة مثيرة للخوف والقلق وربما الهلع في حال استخدامها بشكل سيئ. وسيظل الأمر متعلقًا بكيفية تعامل الإنسان مع التكنولوجيا بشكل آمن، حتى لا نصل إلى درجة تصبح الآلات تتساوى مع الإنسان، أو تفوقه أهمية.
اسم الكاتب: القس عيد صلاح
منذ أنْ شرعنا في التحضير لملف النسور عن “الذكاء الاصطناعي تحديات ورؤى” كقضية حديثة وجديدة تواجه المجتمع والكنيسة، جال في ذهني موقف الكنيسة تجاه القضايا التي كانت مستجدَّة في زمانها، وكيف تعاملت معها، فتذكرت سلسلة ندوات تحت مُسَمى: “سلسلة الندوات العلمية والاجتماعية والبيئية ورأي المسيحية”، عُقِدت في بداية التسعينيات القرن الماضي؛ أي منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، وتصدت الكنيسة للقضايا المثارة في ذلك الوقت، لكبار المفكرين واللاهوتيين والمتخصص في ذلك، وقامت دار الثقافة بنشرها في كتيبات، ونحن نعيد نشرها في هذه الأيام لتوثيق موقف الكنيسة المصرية الإنجيلية من القضايا المعاصرة.
قبل صدور كتاب جون ستوت (1921-2011م) “المسيحية والقضايا المعاصرة” إلى اللغة العربية، ترجمة نجيب جرجور، في القاهرة عن دار الثقافة عام 1999م. صدرت ثلاثة كتيبات في عامي: 1991-1992م، أي عقد من الزمان قبل صدور كتاب ستوت إلى العربية. وما بين صدور هذه الكتيبات الثلاث وإعادة نشرها بما يقرب من 35 عامًا من زمان كتابة هذه السطور، ولا زالت هذه القضايا موضوع نقاش وجدل واختلاف بين مؤيد ومعارض.
هذه الكتيبات تحمل ثلاث قضايا مهمة نُوقِشت بعقليات وأفكار مصرية أصيلة تفكر محليًّا ولا تنسى أنها في إطارٍ عالميٍّ تثار فيه قضايا يجب أن يكون لنا رأي فيها، قدم للقضايا الثلاث لواء طبيب: رؤوف وهبة، كمقرر للندوات الثلاث، وهو كان شيخًا بالكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، ووكيلًا لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، وهذ القضايا هي:

القضية الأولى: زراعة الأعضاء من وجهة نظرٍ مسيحيةٍ
صدر في عام 1991م، وناقش هذه القضية من أبعاد مختلفة: تحديد الوفاة، أ. د. ميرفت أخنوخ، أستاذ علم الفسيولوجي بكلية طب عين شمس. أهمية وحتمية زراعة الكلى، أ. د. ماهر فؤاد، أستاذ أمراض الكلى، كلية الطب جامعة القاهرة. الجوانب النفسية لزرع الكلى، د. رفيق حبيب، باحث نفسي. الجانب الأخلاقي لزرع الأعضاء أ. د. وليم فرج أستاذ الفلسفة، جامعة الزقازيق. قانونية التبرع بالأعضاء وقانونية الوصية، المستشار جرجس مسعود. عن اختبار رعوي، القس مكرم نجيب، راعي الكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة. زراعة الأعضاء من وجهة النظر الدينية المسيحية، د. ق. صموئيل حبيب، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر.
وقد كُتِب على غلاف كتيبات هذه السلسلة الآتي: هذه السلسلة تصدر لتسد احتياجًا عامًّا عند القارئ العربي، فثمة كثير من القضايا التي تحتاج إلى طرحها على بساط البحث، وصولًا إلى حلولٍ عمليةٍ من جانبٍ، ولمعرفة الأخلاقيات التي ترتبط بها ورأي المسيحية من جانب آخر. وعلى ذلك فهذه السلسة تناقش العديد من القضايا العملية والاجتماعية والبيئية. وهذا الكتاب يحتوي أعمال الندوة الأولى عن نقل وزراعة الأعضاء، وتتضمن الآراء العلمية والقانونية ورأي المسيحية.
ولي خبرة في هذا الأمر، ففي أثناء دراستي لماجستير القانون بكلية الحقوق، جامعة أسيوط عامي 2015-2016م كان علينا مقرر عن قانونية زرع الأعضاء، وبكل تأكيد تعرض المقرر للرأي الديني، وقد غاب عن المقرَّر الرأي الديني المسيحي. وحين وقع في يدي هذا الكتاب وفيه هذه القضية تمنَّيت أن يصل هذا الفكر إلى أستاذ المادة لكي يُسَجِّل الرأي المسيحي حول هذه الفكرة، وبالتالي نشر هذه الآراء مفيد للمتخصِّصين وفي الوقت نفسه للعامة أيضًا.

القضية الثانية: قيمة الحياة
صدر في عام 1992م، ونوقِشَت هذه القضية من زاويةٍ مختلفةٍ مثل: الحياة وقيمتها من وجهة نظر طبيب أمراض نساء، د. بطرس إبراهيم. الناحية الأخلاقية والاجتماعية، للمشكلة، أ. د. وليم فرج. قيمة الحياة من وجهة النظر الدينية، د. ق. صموئيل حبيب. حوار ومناقشة حول الجانبين الإنساني والديني، د. وسيم السيسي.
القضية الثالثة: الهندسة الوراثية من وجهة نظر مسيحية
صدر في عام 1992م، وقد نوقِشت هذه القضية من زوايا مختلفة، مثل: الهندسة الوراثية بين الماضي والمستقبل، أ. د. وليم هاميلتون. تاريخ الهندسة الوراثية وبعض التطبيقات العملية، أ. د. وسيم السيسي. الهندسة الوراثية الجانب الأخلاقي، د. وليم فرج. الهندسة الوراثية الجانب الديني، د. ق. صموئيل حبيب.
قد أثبت طرح هذه القضايا أن الكنيسة في حالة سباق مع الزمن في مناقشة المستجدَّات التي تطرأ على الساحة الفكرية، ومن الماضي للحاضر نفس الاهتمام في مناقشة قضية الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الحياة والكنيسة والمجتمع، وأن الكنيسة المصرية الإنجيلية كان لها السبق في مناقشة مثل هذه القضايا الملحَّة.
أشكر الأخت بسمة سليم التي أدخلت النصوص على الكمبيوتر بدقة وعناية شديدة، ويبقى فقط التنويه على أن ما بين القوسين المعكوفتين [ ] هو من إضافة المحرر.
القس عيد صلاح
سلسلة الندوات العلمية والاجتماعية والبيئية ورأي المسيحية
[القضية الأولى]:
زراعة الأعضاء من وجهة نظر مسيحية
1991م
***
مقدمة الدار
تسعى دار الثقافة لتقديم ما يبني الإنسان ككلّ. مما يستلزم أن نطرق كل أبواب المعرفة التي تجعل الإنسان متجاوبًا مع احتياجات مجتمعه، والاحتياجات الإنسانية بصفةٍ عامةٍ. وعلى ذلك، فإن دار الثقافة تسعى أن تلم ما تشعب من دروب الفكر المختلفة. وفي السعي للوصول إلى حلول لبعض القضايا والمشاكل لا بد أن يكون العلم سبيلنا، فندعو من نستطيع من العلماء والمفكرين للجلوس معًا، عملًا على تقريب وجهات النظر المختلفة، والكشف عما بها من غموض، وإيجاد حلول لمشاكل وقضايا كثيرة لتحقيق هدفنا نحو حياة أفضل. ومن هنا، كان لزامًا علينا أن ندخل في مرحلة أخرى، وهي إقامة ندوات دورية ودعوة العلماء والمفكرين لطرح القضايا التي تهم الإنسان في النواحي العملية والاجتماعية والبيئية وارتباطها بالفكر المسيحي ورأي المسيحية فيها.
كما أننا نسعى لأن نسد الثغرات في بعض الموضوعات التي يحتاج القارئ العربي أن يطلع عليها، فلا يجد إلا ما كُتِب في اللغات الأجنبية، لا سيما عندما يريد معرفة رأي المسيحية في بعض القضايا. ومن هنا فإننا نسألك عزيزي القارئ أن تشاركنا الرأي… بأن ترسل إلينا بما تراه من قضايا تهم الإنسان في عصرنا الحاضر… وسوف تكون موضوع العناية… والدراسة. وقد رأينا -لكي تعم الفائدة- أن نضم الأبحاث والآراء المختلفة التي ألقيت في الندوات في كتاب يمكن للجميع الاحتفاظ به والرجوع إليه.
دار الثقافة
***
تقديم
يتميز العصر الذي نعيش فيه بتحقيق إنجازات في المجال الطبي كانت تعتبر في عصور سابقة، وإلى عهد قريب من قبيل الأحلام. ومن بين هذه الإنجازات عمليات زرع الأعضاء، ورغم ما تثيره هذه الإنجازات من فخر للمهنة الطبية، بل وللبشرية كلها إلا أنها تحمل في طياتها الكثير من المشكلات المهنية والأخلاقية والقانونية والنفسية، حتى أصبح الصراع الفكري الذي يدور في مجالات “الأخلاقيات الطبية المهنية” صراعًا عنيفًا تنقسم بسببه المدارس الطبية إلى اتجاهات متعارضة وربما متصارعة أحيانًا.
فأين يقف الطبيب المسيحي من هذا الصراع؟ إنه لا يجد نفسه في صراع مع مختَلَف الاتجاهات الأخلاقية المهنية فحسب، بل إنه يعيش أيضًا في إطار الأخلاقيات المسيحية. ومن هنا بزغ إلى الوجود مجال فكري جديد يُطلَق عليه “الأخلاقيات الطبية المسيحية”.
ولكن الصراع الفكري لا يدور فقط بين الأطباء وإنما يمتد أيضًا إلى المجتمع- إلى المشرعين والقانونيين- إلى رجال الفكر- إلى علماء النفس وعلماء الأخلاق والفلسفة– بل إلى الإنسان العادي الذي تمسه هذه الأمور بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وقد رأينا في هذه الندوة أن نحاول دراسة الأمر من جميع وجهات النظر المتاحة– المعملية الطبية، والأخلاقية والنفسية والقانونية والدينية مع الاستفادة من أولئك الذين لهم خبرة عملية في هذا المجال.
وبطبيعة الحال لم يسمح الوقت في الندوة بأن ندعو جميع الذين لهم باع في هذا المجال. ولهذا اقتصرت الندوة على عدد محدود من المتكلمين. ولم يكن ترتيب المتحدثين -أو تقديم حديثهم المكتوب في هذا الكتيب- مرتبطًا بأهمية الحديث أو المتحدث؛ فالجميع هم قمم في مجال تخصصهم.
لواء طبيب: رؤوف وهبة
مقرر الندوة
***
تحديد الوفاة
أ. د. ميرفت أخنوخ
أستاذ علم الفسيولوجي بكلية طب عين شمس
من أكثر التخصصات في مهنة الطب احتياجًا إلى أسس أدبية وأخلاقية، جراحات نقل أو زرع الأعضاء. ومن أكثر القضايا الأخلاقية إثارةً للجدل في هذا التخصص قضية إعلان وفاة الإنسان وتحديد علامات الوفاة.
وهناك قضية أخرى مثارة على الصعيد العالمي وهي: هل يحق للطبيب إنهاء حياة مريض في غاية الألم كي يريحه، أو في غيبوبة مستمرة غير مستجيبة للعلاج بالإضافة إلى كونها مكلفةً وقد تكون فوق طاقة أهل المريض المادية؟ هل ننظر إلى مريض الغيبوبة باعتباره غير منتِجٍ وأن ثمة حاجة لأعضائه لزرعها في إنسان آخر ذي قيمة في المجتمع؟ هل للحياة في ذاتها قيمة أم أن نوعية الحياة هي التي تعطيها القيمة؟ كل هذه قضايا تحتاج إلى دراسة وتفكير.
تحديد الوفاة وإعلانها:
الوفاة هي التوقف المستمر لكل الوظائف الحيوية للجسم كالدورة الدموية والتنفس والجهاز العصبي المركزي. وبعد هذه “الوفاة الإكلينيكية” تستمر الأنسجة حية لمدة قد تصل إلى 4 ساعات. وتسمَّى هذه الفترة “فترة حياة الجزيئات في الأنسجة”. وبعد هذه الفترة تموت الأنسجة.
خلال فترة حياة الجزيئات في الأنسجة تتم عمليات نقل الأعضاء. ولذلك فلا بد من وضع تعريف واضح للموت لأنه لا يمكن استمرار عملية الإعاشة الصناعية بواسطة أجهزة تبقي التنفس والدورة الدموية مستمرين بعد موت خلايا المخ حين لا يكون هناك أمل إطلاقًا في الاستفاقة من الغيبوبة، ولهذا فقد أصبح تعريف الوفاة على أنها “موت خلايا المخ أمرًا مقبولًا”، ووضعت لذلك مقاييس محددة أصبحت معروفة على نطاق عالمي.
ويحدد موت خلايا المخ بعدم ظهور أي جهد كهربي في رسم المخ (ويفضل أن يعاد رسم المخ بعد ساعة أخرى للتأكد)، بالإضافة إلى اتساع حدقة العين وعدم استجابتها للضوء، وعدم وجود حركات انعكاسية بالرغم من استخدام منبهات كهربية قوية، وتوقف التنفس، وعدم الاستجابة للاختبار الحراري بصب ماء بارد ودافئ في كلتا الأذنين.
وقد أعلن في أونتاريو بكندا سنة 1972 قانون زراعة الأعضاء الإنسانية، ومن مواده أن إعلان وفاة المتبرع لا بد أن يقوم به طبيبان كلاهما من خارج فريق زرع الأعضاء، ويفضل أن يكون أحدهما طبيب أعصاب. وفي حالة اختلافهما في الرأي يؤخذ في الاعتبار مصلحة المتبرع لا المتلقي. وهذا التعريف للوفاة معقول ومعمول به في كل المستشفيات التي تُجرَى بها عمليات زراعة الأعضاء، ويُسجَّل بسجلات المستشفى، ولا بد أن يحدث ذلك قبل دخول جثمان المتبرع إلى غرفة العمليات.
هل توقفنا حاجتنا إلى أعضاء لزرعها إلى التفكير في الاستغناء عن المرضى الذين لا شفاء لهم؟ وهل حرية الإنسان تمتد لكي تشمل حريته في إنهاء حياته في الوقت الذي يقرره؟ بالتأكيد لا. والمسيحية ترى أن هذه الأفكار بعيدة عن فكر الله المعلن في كلمته أننا كمسيحيين نحترم حياة الإنسان لأنها هبة من الله الذي خلقنا على صورته، كما أنها جزء هام من خطة الله للإنسانية، واحترام الحياة يتضمن عدم تخريبها. كذلك تؤمن المسيحية أن الله هو السيد والملك الذي وحده يختار وقت الولادة ووقت الوفاة. حقًّا إنه ليس من حق الطبيب إنهاء حياة إنسانٍ بدعوى الرحمة أو بسبب نقص الإمكانات أو للحاجة إلى أعضاء لزرعها، إلا أنه من الجانب الآخر فإن من حق الإنسان الذي ماتت خلايا مخه، وتم إثبات ذلك بكل الوسائل المعروفة ألا نطيل حياته صناعيًّا. كما أن له الحق أيضًا في أن يسمح بنقل أعضائه (بعد وفاته) لإنسان آخر لتعينه على الحياة.
والمسيحية تقبل فكرة الموت الجسدي، وتعتبره بدايةً للحياة الأبدية التي وهبها لنا الرب يسوع بموته من أجلنا على عود الصليب، ثم قيامته منتصرًا على الخطية والموت. ولهذا تؤمن المسيحية بقيامة الأجساد. ومن ثم فإننا نوقر الجسد بعد الوفاة ونحترمه، لكن هذا لا يتعارض مع استئصال عضو أو أكثر من هذا الجسد، بل من الأفضل زرعه لإنسان آخر لتستمر حياته. والأطباء يقدِّرون ذلك، ولهذا فيتعامل جثمان المتبرع أثناء الجراحة بكل احترام كالجسد الحي تمامًا.
والمسيحية تنظر للمريض كإنسان له مشاعر وآمال. وكل إنسان كائن متميز وله قيمة في ذاته وهو مسؤول عن اختياراته وأفعاله كما أن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط، لذلك فللمسيحي أن يتبرع بأعضائه أثناء حياته، كما أن له الحق في أن يتبرع بها بعد موته.
***
تعليق من: أ. د. لواء زكريا الباز أحد رواد الندوة
في بحث سبق نشره بجريدة الأهرام تبين أنه من بين 12 متطوعًا يقدمون أنفسهم في بداية الأمر للتبرع بالكلية لأحد أقربائهم فإن واحدًا فقط منهم يستكمل الإجراءات ويحضر لتقديم كليته. أما أولئك الذين يتبرعون لغير الأقرباء فمن بين 163 فردًا منهم –وُجد أن أغلبهم من الأمين ومعظمهم من المدمنين-وجميعهم (100%) يسعون وراء النقود، وجزء منهم يتاجرون في دمائهم لنفس الغرض.
إننا نريد أن ننمي روح العطاء بين أفراد الأسرة ونشجعهم على ذلك. ونطالب المسؤولين بل الجميع أن يركزوا على هذا النوع من العطاء. هذا بالنسبة للمتبرع الحي. وكذلك يجب أن يتحرك الشعب وجدانيًّا ويسلك النمط الحضاري فيزداد التبرع بالأعضاء بعد الوفاة (الوصية بذلك).
أما موضوع بيع الأعضاء ولو حتى تحت ضغط الحاجة إلى المال، فنتيجة دراسة لبعض الحالات وُجِدَ أن المتبرع ينهار نفسيًّا ويتحول إلى شخصية عدوانية، أو يصبح مرفوضًا من جيرانه وربما من أقربائه، كما لو كان قد عمل أمرًا آخر لا يقبله المجتمع. لذلك فمن الأفضل تنمية روح العطاء والتكافل، وتحريك الرأي العام ليتحول إلى التبرع بالكلى بعد الوفاة وإذا اقتضى الأمر فبين الأقرباء.
هناك جانب آخر هو ارتفاع تكلفة عملية زرع الكلى وما يتبعها من علاج مستمر. والذي غالبًا يخرج عن مقدور الشخص العادي، ولذلك فلا بد أن تتحمل وزارة الصحة أو التأمين الصحي جانبًا من التكلفة حتى لا يضر المتبرع للحصول على نقود مقابل تبرعه لمقابلة هذه المصاريف.
على أن البديل المتاح لعمليات زرع الكلى بالنسبة لعمليات الفشل الكلوي فهو أن يعيش المريض على الكلى الصناعية. وإلى جانب ما لهذا النوع من العلاج من مشاكل ومضاعفات فإن تكلفته أيضًا من الناحية المادية عالية جدًّا.
وعلى ذلك فيجب أن تكون هناك هيئة قومية تشرف على خدمة حالات الفشل الكلوي، تقوم بعمل تسجيل قومي لحالات الفشل الكلوي وحالات زرع الكلى، وتتابع هذه الحالات وتسجل كل المعلومات المرتبطة بالمرضى، كما أنها تكون مسؤولة عن جمع التبرعات وتوزيعها بمعرفتها تحت إشراف مجلس فني منها.
وقد أرسل فضيلة مفتي الجمهورية لي خطابًا هذا نصه: الأخ الكريم الدكتور زكريا الباز المستشار العلمي لجمعية مرضى الكلى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلني خطابك الخاص ببيان أن الحل الحاسم لمشكلة مرضى الفشل الكلوي هو زراعة الكلى من متطوعين بلا مقابل. ونفيد سيادتك أن شريعة الإسلام تتيح التبرع بذلك متى كانت هناك ضرورة، ومتى قال الأطباء الثقاة بأن هذا التبرع لا يضر المتبرع ضررًا بيِّنًا، لكنه يفيد المتبرَّع له إفادةً واضحةً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي جمهورية مصر
***
أهمية وحتمية زراعة الكلى
أستاذ أمراض الكلى، كلية الطب جامعة القاهرة
مريض الفشل الكلوي يختلف عن أي مريض آخر في أن مشكلته تتضمن الجانب الطبي والاجتماعي والاقتصادي والمادي معًا. لذلك فلو أمكن التوصل إلى حل مثالي للمشكلة الطبية ولكن لم تتوافر الإمكانات المادية أو الظروف الاجتماعية فإنه لن يستطيع الاستفادة من الجانب الطبي المتاح. الاتجاهات العلاجية الطبية لحالات الفشل الكلوي هي أحد ثلاثة:
وليس كل مريض بالفشل الكلوي محتاجًا إلى زراعة الكلى أو يصلح له ذلك. فهناك بعض الشروط التي يجب توافرها في المريض لإمكان زرع الكلى مثل السن والصحة الجيدة وعدم وجود أمراض أخرى وقدرة القلب على تحمل العملية.
ولا جدال في أن أفضل الأمور هو نقل الكلية من متبرعٍ بعد وفاته إلى مريضٍ. ولكن تبرز المشكلة في حالة عدم توفُّر ذلك. وهنا نلجأ إما إلى متبرِّعٍ من الأقرباء أو إلى متبرِّعٍ من غير الأقرباء. ومن هذه المجموعة الأخيرة، فمن المؤكد إن أكثر من 75% منهم (من بين أكثر من 108 حالات) يقدمون كليتهم لأنهم محتاجون بشدة إلى المال، ومعظمهم من أجل غرض شريف. إذًا فقبول نقل الكلية من متبرِّع حي من غير الأقرباء هو أمر اضطراري نلجأ إليه في حالة عدم وجود البديلين الآخرين.
رغم أن هناك بعض الإحصاءات التي تظهر أن نسبة الرفض في حالة غير الأقرباء تصل إلى ثلاثة أضعاف نسبة الرفض للكلية المنقولة من متبرِّع قريب، إلا أن دراسة نتائج مجموعتين مختلفتين يبلغ إجمالي عددهم 135 حالة من مستويات اجتماعية مختلفة تظهر أن نسبة الرفض متقاربة بين الأقرباء وغير الأقرباء. ولكن الأمر المؤكد هو أن تكلفة العلاج بعد عملية زرع الكلية تقل كثيرًا حين يكون نقل الكلية من قريب.
إلا أننا يجب ألا ننسى أن الأقارب كثيرًا ما يحجمون عن التبرع حتى في آخر وقت. لذلك فإن الحل الأمثل هو أن يكون هناك قانون يتيح الحصول على أعضاء من أناس بعد وفاتهم.
مقارنة بين الغسيل والزرع بالنسبة للمرضى:
20% من الذين تُعمل لهم عملية زرع كلى يواجهون مشاكل من الممكن أن تنتهي بالموت. ولو قارنَّا حالات الزرع الناجحة (80) بحالات المرضى الذين يعيشون على الغسيل الكلوي (الكلى الصناعية) نجد أن الشخص الذي نجحت عملية الزرع له لائق صحيًّا يستطيع أن يذهب حيث شاء، لا يعاني من الأنيميا، سليم من الناحية الذهنية، وبذلك يستطيع أن يعول أسرته. أما مريض الغسيل الكلوي فغالبًا لا يستطيع أن يعول أسرته لأنه يعود بعد الغسيل وهو يعاني من ضغط منخفض، وارتباطه بالكلية الصناعية لا يتيح له حرية التنقل أو العمل، بالإضافة إلى التكلفة الكبيرة. وبذلك فرغم أن هناك مجموعة من الحالات التي تعيش على الغسيل الكلوي تصبح مستقرة. إلا أن البعض الآخر لا تستقر حالته على هذا النوع من العلاج. وهؤلاء تصبح عملية زرع الكلى بالنسبة لهم هي الأمر الأفضل. أما بالنسبة إلى التكلفة المادية فإن كلًّا من الغسيل وزرع الكلى من الأمور ذات التكلفة المادية العالية جدًّا.
خلاصة القول إنه في الحالات التي يتوافر فيها ويصلح لها زرع الكلى فإن وجود الواهب المناسب للمستقبِل المناسب هو الطريقة المفضَّلة. وإن نقل الكلية من متبرِّعٍ قريب للمريض أو غير قريب فهي البديل في حالة عدم توافر الحل الأمثل.
***
الجوانب النفسية لزرع الكلى
د. رفيق حبيب، باحث نفسي
يُعَبر علم النفس الطبي عن اهتمام العلماء بمشاعر الإنسان بقدر اهتمامهم بمدى تعرضه للألم. ولم يعد الاهتمام منصبًّا على علاج المريض بأفضل أسلوب طبي فقط بل اتسع مجال الاهتمام ليشمل تحقيق العلاج الطبي مع مراعاة حالة المريض النفسية وتخفيف ما يعانيه من قلق أو توتر. من خلال هذه الاهتمامات الطبية النفسية ظهر الاهتمام بحالات زرع الأعضاء وبدأت الدراسة الجادة للمتغيرات النفسية التي تحيط بها سواء بالنسبة للمتلقِّي أو المتبرِّع. ولأن هذا الاهتمام مازال في بدايته المبكرة فإن التراث البحثي المتاح في هذا المجال لا يسمح لنا بعرض صورة علمية محددة لتفاعل المتغيرات النفسية لعملية زرع الأعضاء. ولكننا فقط نستطيع أن نتلمس بعض المؤشرات العامة.
مريض الفشل الكلوي يعاني من هذا المرض لسنوات طويلة، وتزداد المعاناة بالنسبة لمن يتحتَّم عليهم ممارسة غسيل الكلى، وهنا يصبح المريض محتاجًا لتكيُّف خاص مع الحياة، وتبرز هنا أهمية زرع الكلى كوسيلة لعلاج المريض علاجًا شبه نهائي، أو كوسيلة لإنقاذ حياة المريض من الموت.
لكن الوضع الطبي والوضع النفسي للمريض الذي تتم له عملية زرع الكلى يُظهِر أن مشكلته مازالت مستمرة. فالمؤشرات النفسية العامة تؤكد أنه بعد عملية زرع الكلية لا يعود المريض لحالته الطبيعية السابقة للمرض. ولكنه يصل إلى حالة أفضل من الحالة المرضية التي كان عليها قبل العملية. ويتضح ذلك من قدرة المريض بعد العملية على ممارسة العمل المدني والتكيف الاجتماعي والسلوك الجنسي، إلا أنه لا يصل إلى الحالة الطبيعية السابقة للمرض مما يؤدي إلى استمرار المعاناة. وبالإضافة إلى ذلك فإن مدى الشعور بالألم يختلف قبل العملية عنه بعدها، وكذلك مواضع الشعور بالألم. فالمريض يُقدِم على عملية زرع الكلى كوسيلة للتخلص من المشكلة تمامًا، لكنه بعد العملية يفاجَأ بأن المشكلة لا تنتهي تمامًا رغم أنه قد تخف حدتها.
مما تقدَّم تتضح أهمية الإعداد النفسي الجيد للمريض قبل العملية. فكلما توقع المريض تحسنًا محدودًا، كان أكثر قابليةً للتحسُّن نفسيًّا بعد العملية، وبالتالي فإن استعداد المريض لتقبل حالة المرض أو شبه المرض المستمر يساعد على خفض توقعاته عن الشفاء الكامل، وبالتالي نتوقع انخفاض درجات القلق والتوتر المصاحبة لانتظار نتائج عملية زرع الكلى.
الاهتمام بإعداد المتبرع لا يقل أهمية عن إعداد المتلقي، فالمتبرع بدون مقابل يُقبِل على هذه المخاطرة من أجل عائد معنوي هو شعوره بالرضا الداخلي. إذ يشعر بأنه أنقذ حياة مريض. لهذا يصبح شفاء المريض تدعيمًا مستمرًّا للمتبرِّع يؤكد له الشعور الداخلي بالرضا لما قام به من عمل خير. ولكن ماذا يحدث لو توفِّي المريض بعد عملية زرع الكلية؟ إنها لا شك ضربة مؤلمة بالنسبة للمتبرِّع لأنه خاطَرَ في سبيل تحقيق إنجاز معنوي، ولكن هذا الإنجاز قد فشل ولم تتبقَّ إلا المخاطرة، ومن هنا تتوقع أن المتبرع ربما يشعر بالندم على تبرعه. ولكن الأهم من ذلك أنه يشعر بالإحباط الشديد مما قد يجعله يعاني من موقف انسحابي، ومن تجنب المخاطرة، ومن الشعور بأن المشاكل أقوى من الإنسان مهما كان مغامرًا ومضحِّيًا. لهذا فإن إعداد المتبرع نفسيًّا يساعده في الوقاية من بعض المشكلات النفسية التي قد يعاني منها. فيجب أن يعرف المتبرع أنه يخاطر للوصول بالمريض إلى حالة أفضل نسبيًّا مما هو عليه. وقد يتحقَّق ذلك أو لا يتحقق.
كما أن إقدام الأقارب على التبرُّع يواجه كثيرًا من المشكلات. فكل واحدٍ من أفراد الأسرة ينتظر أن يتقدم الآخر، وغالبًا ما يندفع إلى التبرُّع من يشعر بدونية وضعه الأسري؛ ذلك لأن الشخص العادي غالبًا ما يرفض فكرة نزع جزء منه. لذلك تحتاج الأسرة لإعدادٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ وأخلاقيٍّ لكي تكون أكثر تقبُّلًا لفكرة التبرُّع.
كذلك يحتاج المتلقِّي إلى إعدادٍ نفسيٍّ جيِّدٍ بعد العملية أيضًا. فهو يحتاج إلى خلق أنماط سلوكية جديدة، واهتمامات مهنية جديدة حتى يستطيع أن يتعود على نمط للحياة يتلاءم مع حالته الجديدة. كما أن العضو المزروع داخل الجسم يثير في المتلقي الكثير من المشاعر المتباينة؛ فقد أوضحت بعض الدراسات أن المتلقي من شخص تبرع بكليته بعد وفاته، يهتم بمعرفة صفات المتوفَّى وأسرته من الناحيتين النفسية والشخصية ممَّا يشير بوضوح إلى نوع من القلق تجاه هذا الجسم الغريب الذي سيصبح جزءًا لا ينفصل عن جسمه، خاصة إذا كان المتبرِّع يختلف عنه اختلافًا جذريًّا. أما في حالة المتلقِّي من قريبٍ فإنه لا يهتم بمعرفة صفاته النفسية والشخصية لأنه يعرف بالفعل ويشعر أنه قريب منه نفسيًّا وأسريًّا. إلا أنه يهتم بالحالة المستقبلة للمتبرِّع وبالتأكيد من أن هذا التبرُّع لا يؤدي إلى تدهور صحة شخص آخر من أسرته هو المتبرِّع.
وقد لوحظ وجود بعض الاضطرابات النفسية والعقلية البسيطة بعد عملية زرع العضو، مما يؤكد أهمية الرعاية النفسية قبل العملية وبعدها إلى فترة معقولة، وخاصةً إذا كان المتلقِّي طفلًا. فالحياة المرسومة بدقة والمرتبطة باستمرار العلاج والألم تحرم الطفل من أن يكون طفلًا، كما أنها تجعله أكثر تعرُّضًا للمشكلات النفسية مثل التكيُّف الاجتماعي، مع الاحتفاظ باحترام الذات. وهكذا نرى أن الرعاية النفسية لا يمكن تجاهل دورها في مساعدة الطفل المتلقي كي ينمو نموًّا طبيعيًّا بقدر الإمكان.
من هنا نرى أن زراعة الكلية لا تؤدي إلى تحسن الحالة النفسية والاجتماعية لمريض بالقدر المتوقَّع، بل إن ذلك يكون مرهونًا بالرعاية النفسية، وباستمرار المشورة النفسية والاجتماعية للمتلقِّي، وربما للمتبرِّع أيضًا. وتبلغ المأساة ذروتها عند فشل عملية زرع الكلى. فهناك يصبح الاكتئاب عاملًا مميزًا لا للمتلقِّي أو المتبرِّع فقط بل للأسرة كلها وللفريق الطبي أيضًا.
وتلك لحظة لا يمكن تفادي مشكلاتها وآثارها النفسية، ولا يمكن الوقاية منها تمامًا. ولكن من الممكن تخفيف الآثار السيئة بتأهيل جميع الأطراف للعملية والاقتناع القوي بأن العملية هي مغامرة غير مُحدَّدة العواقب. وفي النهاية يتضح أن التقدم الطبي يدعونا دعوةً جادةً إلى تطوير أساليب فهمنا للإنسان وتحسين طرق رعايتنا له نفسيًّا واجتماعيًّا.
ويبدو أن التطور الطبي الهائل سيظل مرهونًا باستعداد الإنسان للتكيُّف معه بدءًا بقبول المريض للإجراءات الطبية التي عليه أن ينفِّذها، وانتهاءً بقبول الرأي العام لأساليب العلاج الجديد… وهنا يبرز دور -بل أدوار- تحتاج إلى كثيرٍ من الجهد حتى نستطيع أن نحقق الرفاهية للإنسانية كما نريدها ونقبلها من خلال تقدُّمنا الطبي.
***
الجانب الأخلاقي لزرع الأعضاء
أستاذ الفلسفة، جامعة الزقازيق
سعى المفكر الأخلاقي عبر الأزمنة الطويلة لأن يصل بالإنسان إلى تحقيق السعادة لحياته وفى حياته. وسلك المفكرون وصولاً لهذا الهدف عدة مسالك، أبرزها سبيلين:
أولهما: تحقيق هذه السعادة عن طريق استكمال المقومات المادية المختلفة، والآخر يستهدف تحقيقها عن طريق استكمال المقومات المعنوية. ورغم الاختلاف الواضح بين الطريقين إلا أن الهدف كان واحدًا ينحصر في محاولة التغلب على ما يعترض سبيل حصول الإنسان على سعادته، وذلك بتقليل تعرضه للألم، ورفع المعاناة عنه. لذا كان التغلب على كل ما يسبب الألم هو الدراسة الأولى والمبحث الأكبر الذي بذل فيه كل رجال الفكر والعلم جهودهم كي يحيا الإنسان في عالم ترفرف عليه رايات الإحساس بالسعادة، ويتحقق فيه الخير الأسنى.
ولما كان المرض واعتلال الصحة من أكبر أسباب الألم، فلم يختلف أي من المفكرين أو الدارسين مع العلماء في ضرورة العمل على تفادي الإصابة بالمرض ومحاولة إبراء الإنسان منه، وبذل كل الجهود، وتكثيف كل الطاقات لتجنيب الإنسان التعرض للاعتلال بالمرض وتحمل الآلام الناشئة عنه. وتوصل العلماء بالفعل إلى تحقيق الشيء الكثير. فتوصلوا أولًا إلى التخلص من بعض الأعضاء المريضة أو الأجزاء التالفة من الجسم، ببترها وإراحة الإنسان من آلامها. ثم بعد ذلك إلى استبدال هذه الأجزاء بما يعوض عن قيامها بوظائفها واستخدم في ذلك أجزاء معدنية أم من مواد أخرى. ثم تطور الأمر إلى ما نراه اليوم من تعويض عما يتلف أن يفقد وظيفته -بجزء سليم مماثل له من إنسان آخر- فيما يطلق عليه بعملية زرع الأعضاء. مما دفع المفكرين أن يتساءلوا عن مدى المشروعية الأخلاقية لكل ما يحدث.
انطلقت جماعة تعلن بصراحة أن “الضرورات تبيح المحظورات” بمعنى أنه مادام في الإمكان تقليل الألم وإنقاذ حياة المريض عن طريق استبدال العضو التالف بعضو سليم فلا مندوحة من الاستعانة بأية وسيلة تخفف آلام الإنسانية. لكن رجل الفكر لا ينصاع للموقف من هذه الزاوية. فهو يبدأ بتمحيص الأمر ودراسته، فيقول بأنه لابد من تحديد الهدف، وهو هنا: تخفيف ألم الإنسان الذي يعترض سعادته، والسعي لإنقاذ حياته استمرارًا للخير فيه. ولكي يتحقق ذلك لا بد من تحديد الإطار الذي تكون فيه المسؤولية واضحة مسؤولية المتبرع عن نفسه وعمن يتولى أمره-ثم مسؤولية القائم بعملية نقل الأعضاء وزرعها-وكذا مسؤولية من تنقل إليه هذه الأعضاء، ومدى تلهفه للحصول على العضو المزروع. فقد يكون من تلهف المستقبل عاملًا من عوامل الإسراع في العملية دون الاستعداد الكامل من قبل المتبرع. كما أن المتبرع ذاته قد يكون مدفوعًا ببعض العوامل الأخرى غير المشاركة الإنسانية أو محاولة تخفيف الألم وإبعاد الخطر؛ فمنهم من تدفعه ظروفه الاقتصادية أو الاجتماعية، ومنهم من تدفعه ميول استعراضية-رغبة في الدعاية لنفسه. كما لا يمكن أن نغفل أيضًا مسؤولية الطبيب والمستشفى وكل الأجهزة العاملة في مجال زرع الأعضاء. فقد لا يكون الدافع مجرد البحث العلمي أو الوصول إلى آلام الإنسان، بل ربما يمتزج به غرض الكسب المادي أو تحقيق الشهرة أيضًا.
ولا ينبغي التوقف عند حدود المسؤولية الأخلاقية؛ لأن “الالتزام” هو الذي يحدد إطار العمل كله. فإذا أردنا وضع أية شروط على المتبرِّع أو المتلقِّي أو الأجهزة الطبية أو المجتمع، فلا بد أن يكون ذلك كله خاضعًا لنوع من الالتزام. فالالتزام بالقيمة الأخلاقية هو وحده الذي يحدِّد مسؤولية كل طرف. كما أن إبراز هذه القيمة وربطها بالأخلاقيات المرتكزة على الأسس الدينية، ينقيها مما قد يشوبها أو يعتريها، بل ويحفظ العملية كلها داخل إطار الحدود الإنسانية.
وفي هذا الإطار قد يُثار التساؤل: هل اللجوء إلى شراء أحد الأعضاء عمل مشروع؟ إن البعض يرون أنه لا مانع من هذا التعويض المادي كتغطية فقط لمصروفات بعض المتاعب التي قد تواجه المتبرِّع مستقبلًا إلا أننا نميل إلى أن يكون أساس التبرع هو أننا مسؤولون عن بعضنا البعض، لذا فعلينا أن نسارع بإنقاذ حياة الأفراد لمسؤوليتنا الكاملة تجاههم. إن الأصل في الأمر هو إحساس الإنسان نحو أخيه الإنسان وإدراكه أن واجبه يحتم عليه القيام بالتبرُّع لإنقاذ حياته.
على أن الالتزام لا بد أن يبدو بصورة أوضح من جانب المستشفيات والأطقم الطبية التي تقوم بمثل هذه العملية حتى لا تتحول هذه العملية الإنسانية إلى مشروع استثماري هدفه الربح أولًا وأخيرًا. ونحن لا نمانع بالطبع في تقاضي العاملين بها أجورهم نظير جهدهم وقلقهم وجرأتهم، ولكننا لا نريد إلا أن يتم هذا كله في إطار المشروعية، وفي حدود القيم الأخلاقية.
وإذا كان لنا أن نوجه توصية فإننا نقول بأنه يجب في البداية اللجوء إلى الأعضاء التي نستطيع الحصول عليها من أجسام المتوفين أولًا، فإن لم يكون ذلك ممكنًا لأسباب طبية أو غيرها، فهنا فقط يكون اللجوء إلى أجساد الأحياء، شريطة عدم تعريضهم لخطر نتيجة فقدهم للعضو المتبرَّع به. وأن تكون الإجراءات كلها قائمة على الموضوعية التامة، وليس لها من هدف سوى إنقاذ حياة إنسان أو انتشاله من آلامه. كما نأمل أيضًا أن يتقبل المجتمع فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وأن تتمكن الأجهزة الطبية من إنشاء بنوك للأعضاء تحفظ فيها الأعضاء التي يتم التبرُّع بها لإمكان استخدامها في الوقت المناسب. أما المجتمع فعليه أن يتفهم أن كل ما يستهدفه من وراء ذلك، إنما هو خدمة أفراده النابع عن إحساسهم جميعًا بالتكامل والتكافل.
إن النظرة يجب أن ترتفع وتتسامى لتبلغ حدًّا كبيرًا من فهم واجب الإنسان نحو أخيه الإنسان -وأن الشعار الذي يقول: “ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط” هو الذي ينبغي أن يسود في كل التعاملات التي تتم بين الإنسان وأخيه الإنسان. وأن ما أفعله اليوم لغيري هو بعينه الذي قد يفعله الآخرون لي يومًا ما.
على أن تنمية هذا الاتجاه في المجتمع ينبغي البدء به مبكرًا عن طريق تضمين مقرَّرات التربية الوطنية والقومية في المدارس والمعاهد جزءًا يبيِّن ضرورة إحساس الأفراد بغيرهم، وأن وجود الإنسان الحقيقي غير الزائف إنما هو في إحساسه بوجود غيره، وأن التعاطف والتراحم هي صفات لا بد من وجودها في المجتمع، إن تربية أخلاقية من هذا النوع متى سادت المجتمع، لا تدفع الناس إلى مجرد تقديم أعضائهم عند الحاجة، بل هي تدفع إلى رفع شأن الأمة، وتغليب المصلحة العامة على مصالح الأفراد، مما يرسِّخ من سيادة القِيَم، وبالتالي من سيادة الخير وتحقيق السعادة لجميع الأفراد.
***
قانونية التبرُّع بالأعضاء وقانونية الوصية
المستشار جرجس مسعود
قانونية التبرع بالأعضاء
الواقع أنه في مصر حتى الآن لم يعالج هذا الأمر من الناحية القانونية ولم يصدر تشريع خاص ينظم زراعة الأعضاء وحق الإنسان في أن يتبرع أو يوصي بعضو من أعضائه. فالأمر إذًا مازال متروكًا للاجتهاد، ولهذا فمن المفروض أن نرجع إلى القواعد العامة في القانون وهي تعطي للإنسان حرية التصرف ما دامت له إرادة عاقلة وأهلية قانونية للتصرف (أي أنه بلغ السن القانوني)، وهو في نظر القانون المصري 21 سنة، أما قبل هذا السن فالإنسان يكون تحت وصاية أو ولاية شرعية أو طبيعية، وهنا يكون التصرف في كل أمر من أموره للولي الطبيعي (الأب)، أو للولي الشرعي (الجد) أو الوصي القانوني الذي يعينه القانون بعد وفاة الأب.
الإنسان الذي له الأهلية القانونية في التصرف، يملك أن يتصرف في كافة شؤونه تصرفًا قانونيًّا، وينصرف هذا على أمواله وكل ما يملكه، ومن حيث إن الجسد ملك للإنسان، فله أن يتصرف في أي عضو من أعضائه بأي تصرف قانوني. ولذلك فليس هناك قيد على الإنسان طوال حياته في أن يتبرع بعضو من أعضائه بإرادة حرة وبأهلية قانونية للتصرف. وهذا الأمر مقبولٌ في مجتمعنا، بَيْدَ أن المجتمع يستهجن أن يبيع الإنسان عضوًا من أعضائه ولو لكي يسد حاجةً ملحَّةً في حياته؛ لأن ذلك يتضمن معنى الابتزاز، بالرغم من أن هذا الأمر لا يخالف القانون، وليس ثمة حظر قانوني عليه، لأن للإنسان حرية التصرف في كل ما يملكه بما في ذلك جسده أيضًا. أما ما يمكن أن يوصف بأنه تبرُّعٌ حقيقيٌّ، فهو ما يتم داخل الأسرة بين أفراد تجمعهم صلة قرابةٍ وثيقةٍ. أما التبرُّع الإرادي للإنسان لا تربطه صلة القربى، فهذا أمرٌ يستطيع أن يُقدِم عليه إنسانٌ محبٌّ لدرجة العطاء والبذل. انسكبت محبة المسيح في قلبه، فتصرَّف في إطار أعمال الرحمة التي يطالبنا بها المسيح، والذي كان قدوةً صالحةً لنا فبذل نفسه، ومن ثم فإنه أمر مُستَحَبٌّ للغاية أن يبذل الإنسان نفسه من أجل أحبائه أولًا ومن أجل الآخرين أيضًا.
قانونية الوصية
أما من ناحية الوصية فإنه حقٌّ مطلق للإنسان أن يوصي بأي عضو من أعضائه أو أن يهب جسده كله لأعمال التشريح أو للأغراض العلمية. ورغم أن القانون المصري قد نظَّم الوصية بالنسبة للملكية ووضع عليها بعض القيود، إلا أنه بالنسبة للأعضاء أو الجسد فليس هناك قانون ينظمه. وبالنظر للأحكام العامة للقانون فلا اعتقد أن هناك قيودًا تحدد الثلث أو الربع. كما أنه قد يوصي بها للورثة أو لأجانب أو لآخرين بعيدين عنه. فليس هناك قيد عليه في أن يوصي قبل وفاته بأعضائه أو بجسده كاملًا. إلا أنه تأسيسًا على القانون العام للوصية فإن الموصي يستطيع أن يرجع عن وصيته طوال حياته إلى ما قبل الوفاة. ويمكنه أن يعدل عن ذلك إما صراحةً أو ضمنًا. وكلا العدول: الصريح والضمني هما حقٌّ للإنسان مادام على قيد الحياة. بعد وفاة الموصي هل يملك الورثة أو الأبناء أن يغيروا من إرادة الموصي؟
طبقًا للقانون الحالي للوصية والمتعلق بالأموال، ولعدم وجود قانون خاص لزراعة الأعضاء فإنه يحكمنا في هذه الحالة القانون العام. وبناءً عليه فإن الوَرَثة لا يملكون تغيير إرادة المورث بعد وفاته. فإن كان للشخص نفسه الحق في تغيير الوصية مادام حيًا، إلا أنه بعد الوفاة تصبح الوصية واجبة التنفيذ ولا يحق للورثة ولا الأبناء أن يغيروا من إرادة الموصي.
هل من حق الورثة أن يتبرعوا بأعضاء المورث؟
نعم من حق الورثة ذلك باعتبار أن جسد المورث ملكهم؛ لأن إرادة الأبناء هي امتدادٌ لإرادة الأب. ففي اعتقادي أنه ليس ثمة حظر قانوني لأن كل ما يؤول لهم من مورِّثهم يكون لهم حقُّ التصرف فيه. أما إذا اختلف الورثة فلا نستطيع أن نقول إن الحكم للأغلبية؛ لأن هذه عملية تحتاج توافر إرادة تلقائية من الأولاد أو الورثة وأعتقد أنهم يجب أن يكونوا مقتنعين تمامًا وبالإجماع.
بيع الورثة لأعضاء مورِّثهم:
هذا يُعَدُّ إهانةً لجسد الإنسان نفسه. والجسد يجب أن نكرمه ونحترمه حتى بعد الوفاة، رغم أننا نعلم أنه ينتهي إلى تراب. إن مجتمعنا يكرم الإنسان الميت ويدفنه بكل وقارٍ واحترامٍ. فبيع أعضاء المتوفَّى إذًا هو أمر مستهجن.
***
عن اختبارٍ رعويٍّ
القس مكرم نجيب
راعي الكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة
ما هي إرادة الله؟ من وجهة نظري كرجل دين فإن إرادة الله هي: الصحة لا المرض والحياة وليس الموت. وتحقيقًا لإرادة الله كانت الاكتشافات العملية للتغلب على مشكلات المرض والتي تتواتر أنباؤها كل يوم. فإرادة الله الصالحة. وهذه الإرادة الصالحة باركت كل اكتشافٍ علميٍّ يحفظ الحياة ويتغلب على مشكلات المرض. ولهذا فكلما تقدمنا في هذا المضمار حقَّقنا مشيئة الله.
والبعدان الأخلاقي والروحي هامان للغاية لأنها (مع التقدم العلمي) من الأمور التي تعمل على حفظ المجتمع في توازن. ومن هنا فتركيزنا على الجانب الأخلاقي يساعدنا على أن نحفظ لمجتمعنا كيانًا متماسكًا ونعمل على تأكيد ارتباط الأسرة ونشجعها على العطاء.
أما في بعض المجتمعات الكنسيَّة ذات المستوى المرتفع فكريًّا وروحيًّا، فإن صورة التفاف الأسرة معًا وعمق العلاقات الوثيقة بين أفرادها تبدو واضحةً. فقد كانت أمامنا حالة تعد فيها الأم على أن تعطي لابنها. وحالنا أن نبين للأم أن العملية قد تنجح ولكن احتمالات الفشل موجودة أيضًا. لكنها أصرت على أن تعطي، وقالت إنها بعد أن تتبرع بكليتها لابنها يمكن أن تشعر بالراحة، ويكون ضميرها أمام الله سليمًا من ناحية عطائها لابنها. وفعلًا أعطت، وبعد ذلك أصحبت تشعر بسعادة غامرة نتيجة عطائها. ولقد كان لهذا الحدث تأثير بناء بصورة ملموسة فقد زادت أواصر الارتباط بين أفراد الأسرة كما كان له أثره بين أعضاء الكنيسة فقد ارتبطوا معًا وتعاطفوا معًا.
لقد حدث هذا الأمر بالفعل في الواقع العملي، ويمكن أن يحدث ويتكرر في أماكن أخرى. إن مشكلات الواقع العملي والعلمي مرتبطة بزيادة الوعي التي تبدو في كيفية مواجهتنا للمشكلات، بحيث نتغلب عليها بصورة تهيئ للإنسان حياة أفضل.
***
زراعة الأعضاء من وجهة النظر الدينية المسيحية
د. القس صموئيل حبيب
رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
الدين الصحيح يتَّفق والعلم الصحيح؛ ذلك أن الدين يرتبط بالقِيَم التي تمس الإرادة البشرية من خلال الواقع العلمي والعملي. وقضيتنا المطروحة من الناحية العملية هي نقل عضو من جسمٍ حيٍّ أو ميتٍ إلى جسمٍ آخر، سواء بوصيةٍ أو بطلبٍ أو بأجرٍ. ويمكنني أن ألخِّص وجهة النظر المسيحية بالقول إن الكتاب المقدس لم يناقش هذه القضية مناقشةً صريحةً في عهديه القديم والجديد؛ لأنها لم تكن موجودة. لكن الكتاب المقدس يقدم القِيَم العامة التي تحكم تصرفات الإنسان.
وقضية نقل الأعضاء في رأيي هي معجزة إبداعٍ بشريٍّ: والعقل البشري أما هو من صنع الله، ويذكر سفر التكوين في الإصحاح الأول أن الله خلق الإنسان على صورته، وهناك نظريات تقول إن العقل البشري هو صورة الله في الإنسان وهو أعظم قدرة معجزية على وجه الأرض، فهو اليد الإلهية التي يمكن أن تُستَخدَم في خدمة الإنسان إذا ما أحسن استخدامها. والقضية التي نتناولها هي قضية إسعاد المجتمع البشري. والحقيقة هي أن الإنسان ليس ملكًا لذاته ولكنه ملك لله: المال- البيت– الجسد- كل ما يمتلكه الإنسان هو في حقيقة الأمر ملك لله، وما دور الإنسان إلا أنه “وكيل على ما يمتلكه الله”. والإنسان ليس كائنًا وحيدًا. لقد ربط الله بين البشر بالإنسانية -وهي خليقة الله- ولذا فكل البشر إخوةٌ، والإنسان جزءٌ أصيلٌ من كيانٍ مجتمعيٍّ؛ فهو ليس منفردًا. وارتباطي بهذا الكيان يجعلني أتصرف في إطار المسؤولية.
في قصة قايين عندما سأله الله: “أين هابيل أخوك؟” رد قائلًا: “أحارس أنا لأخي؟” نعم أنا حارس لأخي. أنا حارس للإنسان الذي يعيش معي في أسرتي ومجتمعي بقدر ما تتيح لي مسؤولية علاقتي بالغير. وهي مسؤولية أدبية تجاه المجتمع الذي أتعامل معه والإنسان الذي أرتبط به. وهذه المسؤولية الإنسانية تشمل الإطار الكنسي. إذًا فعلى كل إنسان مسؤولية تجاه المجتمع، والإنسان الذي يرتبط به. كذلك على ما يمتلك. إن كل جزء من الملكية المتاحة للإنسان تنتمي إلى الثروة البشرية التي سمح الله أن تكون وليدة الصدقات التي هي أثمن الثروات. أثمن من المال والعقار. فالعلاقات الإنسانية عبر الدين والوظيفة تعطي ثراءً رائعًا للإنسان وسعادة في حياته بالإضافة إلى أنها تحمِّله جزءًا من المسؤولية الإنسانية. فالثروة البشرية المتاحة للإنسان من خلال الصداقة والجيرة تُعَد ضمن الملكية التي يتحمَّل مسؤوليتها كوكيل عن الله. ومن هذا الإحساس بالمسؤولية يمكنني أن أصل إلى المدى الذي عبَّر عنه بولس الرسول في غلاطية 4: 15 “أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي…” هذا هو الحب. هذا هو العطاء، وهذه هي الروعة. تضحية لإسعاد كل فرد في أسرتي وفي مجتمعي الكنسي كمسيحي وفي مجتمعي العام كمواطن مصري. إن قيمة الإنسان ترتبط بالخالق، ومعنى ذلك أن قيمة الإنسان مُستَمَدَّة من قيمة الخالق إذا كان هذا الإنسان يحقق بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ مقاصد الله العظيمة.
لقد خلق الله الإنسان ليعيش هانئًا. ولكن الله يسمح أن يواجه الإنسان شيئًا من الألم إذا حدثت ظروف تسبب ذلك. لكننا نرى هنا الله مشاركًا البشرية في هذه الآلام. وعلى الرغم من أن الله منزه عن البشر، إلا أننا في التجسُّد نراه قريبًا منهم. وقرب الله من البشر يعطي صورة مشاركة الله للبشرية في الفرح والألم والحزن -في الجوانب الطيبة والجوانب الأليمة. فالله يشارك الحياة البشرية في كل شيء ماعدا الخطية. جاء السيد المسيح لتكون لنا حياة وليكون لنا أفضل… في كل شيء. ومعنى ذلك أن قيمة الإنسان هي من قيمة صانعه، قيمة عظيمة القدر.
حقيقة أخرى هي أن المشاركة الإنسانية بكل صورها هي عنصر من عناصر السعادة وتنمية الإنسان والمجتمع. وهي عنصر أصيل يتعارض كليَّةً مع الأنانية الفردية، ومع أن يعيش الإنسان لذاته على حساب الآخرين. فالمشاركة الإنسانية هي تعبيرٌ عن إحساس الإنسان بالغير. فإذا تصورنا أخًا يعطي أخاه عضوًا من جسمه فإننا نكون أمام صورةٍ من أروع الصور الإنسانية، هي صورة البذل والعطاء. وأعظم عطاء من حيث القيمة هو عطاء الذات. فيمكنني أن أرى فقيرًا فأعطيه بعضًا من المال، ولكنني إذا أعطيته حبًّا أكون قد أعطيته عطاءً أعظم. إن المعنى الحقيقي للتجسد هو أن الله أعطى ذاته، والمعنى الحقيقي للصليب هو أن السيد المسيح أعطى ذاته. فالعطاء وبذل الذات هي أعظم قيمة على وجه الأرض.
والمشكلة الكبرى في هذا المجال تتمثل في العلاقة بين المعطي والمتلقِّي سواء كانوا أفرادًا أم دول. فالدولة الغنية تعطي الدولة الفقيرة، وربما تحاول استغلالها، والرجل الغني يعطي الفقير، وربما يحاول أن يستغله. وهذا المستوى من القِيَم ربما نجده أيضًا عندما يعطي شخصٌ جزءًا من جسمه لشخص آخر. ومن الجانب الآخر فعندما تبحث أسرة المريض عن العضو المطلوب فقد تريد أن تصل إلى تحقيق هذا الهدف بأية وسيلة لكي تعيد الأمل للمريض. وهذا أمر رائع. إلا أن هذا ليس معناه أن نتغاضى عن قيمة العلاقة بين المعطي والمتلقِّي، وهي قيمة حساسة دقيقة. لو أحكمت قيمة العطاء بقِيَمٍ أخلاقيةٍ، لكانت قيمة العطاء أروع قيمة بين البشر… فهي قيمة الحب والإنسانية… القيمة التي تنقذ الغير في وقت المحنة.
حقيقة أخرى هي أن نقل عضو من جسم الإنسان لا يشكِّل إهانةً لجسد المعطي، ولا يتعارض مع إرادة الله. فكما سبق الإشارة فإن جسدي ليس ملكًا لي أنا بل إني وكيل عن الله في إدارة هذا الجسد في إطار مقاصد الله التي ترتبط بي وبالكيان الذي خلقني الله فيه وهو المجتمع أو العالم بأسره. فإذا كان نقل عضو معين لا يضر المتبرع من وجهة النظر الطبية، فيمكن أن نرى أن هذا يدخل ضمن خطة الله لإعانة إنسان آخر لكي يتمتع بقدر من السعادة.
أما بالنسبة لنقل عضو من جسد بعد وفاته فإن معنى ذلك أني أنقذ إنسانًا حيًّا دون أن أسبب ضررًا للمتبرِّع لأنه ميت. إذًا ففي إطار المسؤولية في مجتمع يعبد إلهًا واحدًا نقف جميعًا مسؤولين أمامه، فإن نقل عضو من جسم هو ملك لله، إلى جسم آخر هو ملك لله، يعد حقًّا شرعيًّا لا بد أن ندعمه. كما أن تلف عضو من أعضاء جسم الإنسان إنما ينجم عن أسباب أرضية أيما كان هذا التلف. وحين أعالج هذا التلف فإنني بهذا لا أتحدى خطة الله؛ لأن إرادة الله للإنسان هي إرادة صالحة، ولذا فإن تغيير عضو تالف بآخر صحيح لا يتعارض مع إرادة الله أو خطته.
هناك جانب آخر لهذه المشكلة يتمثل في حقيقة القيامة بالجسد. ونحن لم نَرَ إلا نموذجًا واحدًا لذلك، ونستطيع من خلاله أن ندرك بالتحديد ما هو جسد القيامة. هذا النموذج هو قيامة السيد المسيح من الأموات إذا كان جسده يخترق الأبواب المغلقة. ومعنى ذلك أن الجسد المادي يتغير إلى جسد آخر جديد. أي أن هذا الجسد الأرضي ينتهي في القبر، ثم تأخذ روح الإنسان كيانًا آخر أسماه بولس الرسول “جسد القيامة”. وهو جسد متميز يختلف عن الجسد الحي في خواصه. فنحن في السماء بعد القيامة لا نأكل ولا نشرب ولن تكون أجسادنا بالطريقة التي عهدناها بل سنعيش في وضع يختلف كل الاختلاف عن أي كيان أرضي نعرف حاليًا. ولهذا يمكنني القول بأنه لا غبار إطلاقًا ولا معارضة لخطة الله في الخليقة عندما يعطي الإنسان عضوًا -سواء أكان هذا الإنسان حيًّا أو ميتًا- لإنسان آخر.
لو استطعنا أن نعاون إنسانًا على أن يسترد صحته ويمارس حياته على الأرض، فإننا بذلك نكون محقِّقين تمامًا للمشيئة الإلهية. وحقيقة الأمر هي أن العطاء لقريب أو غريب أمر رائع، والعطاء لخصم هو قمة العطاء. والقِيَم الحقيقية التي تحكم العطاء هي قِيَم أخلاقية: عطاء بدون تعيير ودون استفزاز -عطاء بسخاء وبحب.
ولا يسعني أن أختتم حديثي إلا أن أدعو إلى التطوع والتبرُّع، وأن تتضافر جهودنا لنشر هذه الدعوة في كنائسنا ومجتمعاتنا، وأن نقف إلى جانب الأسر التي تعطي ونقدم لها كل العون، إن مسؤوليتنا هي مسؤولية مزدوجة، هي مسؤولية التوعية ومسؤولية العطاء في حد ذاته.
تعقيـب
بعد هذه الدراسة الجادة والمشوقة نستطيع أن نلخص الاتجاه الفكري العام في بضع كلمات. فللإنسان في ذاته قيمة، ولهذا فلمساعدة الإنسان على الاحتفاظ بحياته مثمرة قيمة، بل أعظم قيمة. وفي مجال زرع الأعضاء فإن نقل العضو من متبرع بعد وفاته هو أفضل الحلول. وفي حالة الضرورة يمكن أن نلجأ إلى المتبرعين من الأقارب أو غيرهم على ألا يسمح بحدوث ضرر مؤثر للمتبرِّع نتيجة فقده للعضو الذي يتبرَّع به. أما مسؤوليتنا كجماعة تهتم بهذا الأمر، مسؤولية الكنيسة والمسجد -رجال الدين ومنابع الفكر الديني والأخلاقي المعاصر فهي: تعميق فكرة العطاء وروح البذل بين أفراد المجتمع. أما من الناحية التشريعية والقانونية فيجب أن يعبر التشريع بوضوح عن قبول مبدأ الوصية بالأعضاء بعد الوفاة والتبرع بالأعضاء أثناء الحياة.
وهناك جانب آخر للأمر هو المعاونة والمساندة المادية والاجتماعية والنفسية للمرضى الذين يعانون من الفشل الكلوي سواء من تتم لهم عمليات زرع الكلى أو من لا تسمح ظروفهم بذلك. وفي هذا المجال ندعو إلى تعضيد ومساندة “جمعية رعاية مرضى الكلى” كأحد مظاهر هذا الاتجاه. على أن الأمر لا يقتصر فقط على رعاية مرضى الفشل الكلوي، بل أيضًا على رعاية ومتابعة المتبرِّعين الذين قدموا بعطاءٍ سخيٍّ تعبيرًا ملموسًا.
************
سلسلة الندوات العلمية والاجتماعية والبيئية ورأي المسيحية
[القضية الثانية]:
قيمة الحياة
***
مقدمة الدار
تسعى دار الثقافة لتقديم ما يبني الإنسان ككل. مما يستلزم أن نطرق كل أبواب المعرفة التي تجعل الإنسان متجاوبًا مع احتياجات مجتمعه، والاحتياجات الإنسانية بصفة عامة. وعلى ذلك، فإن دار الثقافة تسعى أن تلم ما تشعب من دروب الفكر المختلفة. وفي السعي للوصول إلى حلول لبعض القضايا والمشاكل لا بد أن يكون العلم سبيلنا، فندعو من نستطيع من العلماء والمفكرين للجلوس معًا، عملًا على تقريب وجهات النظر المختلفة، والكشف عما بها من غموض، وإيجاد حلول لمشاكل وقضايا كثيرة لتحقيق هدفنا نحو حياة أفضل. ومن هنا، كان لزامًا علينا أن ندخل في مرحلة أخرى، وهي إقامة ندوات دورية ودعوة العلماء والمفكرين لطرح القضايا التي تهم الإنسان في النواحي العملية والاجتماعية والبيئية وارتباطها بالفكر المسيحي ورأي المسيحية فيها.
كما أننا نسعى لأن نسد الثغرات في بعض الموضوعات التي يحتاج القارئ العربي أن يطلع عليها، فلا يجد إلا ما كتب في اللغات الأجنبية، لا سيما عندما يريد معرفة رأي المسيحية في بعض القضايا. ومن هنا فإننا نسألك عزيزي القارئ أن تشاركنا الرأي. بأن ترسل إلينا بما تراه من قضايا تهم الإنسان في عصرنا الحاضر وسوف تكون موضع العناية والدراسة. وقد رأينا –لكي تعم الفائدة– أن نضم الأبحاث والآراء المختلفة التي ألقيت في الندوات في كتاب يمكن للجميع الاحتفاظ به والرجوع إليه.
دار الثقافة
***
تقديم
علاقة العلم بالحياة الدينية والحياة عمومًا: الهدف من الندوات هو أن نفكر وندرس معًا، ثم نسجل ما توصلنا إليه في صورة كتيبات يستفيد منها أكبر عدد من الناس، وهذا هو ما تم فعلًا بالنسبة للندوة السابقة التي تناولت موضوع زراعة الأعضاء. أما ندوة اليوم فموضوعها “قيمة الحياة”، ولسوف نتناوله من جانبين:
وكمدخل للموضوع أرجو أن أطرح بعض النقاط المتعلقة به:
أولًا: كان العلم يتَّجه باستمرار إلى تحديد ماهية الحياة عن طريق الأمور المدركة بالحواس. ولهذا عُرف “الكائن الحي” بأنه “الكائن الذي يتحرك ويأكل ويُخرج ويتنفس ويتعامل مع المجتمع من حوله”. لكن التطورات العلمية الأخيرة أكدت أن هذا التعريف غير كامل. ذلك أنه ظهرت –كما سبق الإشارة في الندوة السابقة عن زراعة الأعضاء- اتجاهاتٌ أدق لتحديد “الحياة”. فوجدنا أنه لا يمكن الحكم بوفاة إنسان إلا لو توقفت الإشارات الكهربائية الناتجة عن عمل المخ. لذلك أصبحنا نحكم على وجود الحياة بواسطة طرق أدق وقد تكون أكثر إثارة.
ثانيًا: إنَّ ما كنا نعتمد عليه لتحديد الحياة، ما هو في واقع الأمر إلا بعض المظاهر التي تنبع عن الحياة… فالحركة والتنفس والنبض… إلخ، ما هي إلا مظاهر للحياة، وليست الحياة نفسها.
ثالثًا: ثمة أمر آخر يحملنا على التفكير في مفهوم “الحياة”… فقد استطاع الإنسان -كما نعلم- تخليق البروتينات معمليًّا، وأصبح في الإمكان تكوين كل مكونات الخلية معمليًّا… لكن الإنسان عجز أن يعطي الحياة لهذه الخلية الصناعية، ذلك أنه فشل في أن يجعلها خلية حية. فالحياة إذًا ليست مرتبطة بالمادة فحسب، وليست مرتبطة أيضًا بالمكونات العضوية أو غير العضوية الموجودة بالجسم، بل هناك جانب آخر هو الذي يميز الحياة ويجعلها حياة. وحين نتطرق للفكر الديني المسيحي، فلا بد وأن يرد إلى أذهاننا أن “الله خلق الإنسان ووهبه الحياة”. فالحياة إذًا هي هبة من الله، وليست مجرد مظاهر نراها نتيجة وجود مكونات عضوية أو مادية… فهي هبة خاصة أعطاها الله للإنسان وللكائنات الحية بصفة عامة. وحيث إننا نتكلم الآن عن الحياة بالنسبة للإنسان، فعلينا إذًا أن نعود إلى بعض النصوص الكتابية التي تتحدث عن خلق الإنسان. نقرأ على سبيل المثال في سفر التكوين: “وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً” (تك 2: 7). هنا نرى أن الله “خلق آدم”… ولكنه حينما أراد أن يعطي آدم معينًا نظيره (حواء) قال: “وَقَالَ الرب الإِلهُ: «لَيْسَ جَيدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ».” (تك 2: 18). ونلاحظ أن الوحي في هذه الآية استخدم لفظًا آخر مخالفًا للأول؛ فلم يقل “أخلق له معينًا” بل “أصنع”. ولما أراد أن يصنع حواء أخذها من جسد آدم. ولسوف أطرح على بساط البحث بعض المشاكل آملًا أن تؤدي مناقشتها إلى التوصل لحلول لها.
لو عدنا إلى تكوين 1: 26-28 نقرأ هذه الأقوال: “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلطُونَ… فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا…”.
ومن هذا النص نستخلص أن الله حين خلق آدم لم يخلق فردًا ولكنه خلق الجنس البشري. لهذا حين صنع حواء لم يستخدم تعبير أنه (خلقها)، لأن الله في آدم خلق الجنس البشري كله.
ومعنى ذلك أن الله حين جَبَلَ التراب وجعل منه إنسانًا ثم نفخ في أنفه (نسمة حياة)… فإن هذه النسمة التي نفخها الله في أنف آدم هي نسمة حياة لكل البشر وليست لفرد… هي نسمة حياة متصلة وليست لكل إنسان ككيان مستقل. وهذا لا ينفي استقلالية الإنسان ولكنها “حياة متصلة”. هل درسنا هذا الجانب بما فيه الكفاية؟ هل نظرنا إليه من الجانب العملي؟ وإذا أخذنا هذا في الاعتبار، فمتى إذًا تبدأ الحياة؟ اختلفت الآراء حول هذا الموضوع باختلاف العصور. إلا أن الآراء ما زالت تتصارع حتى الآن… متى تبدأ الحياة؟
قال البعض إنها تبدأ لحظة ولادة الجنين. واستندوا في ذلك إلى أن الجنين يخرج عندئذٍ من الاعتماد الكامل على أمه إلى الاعتماد على ذاته واستقلاله عن الأم. ولكن: هل هذا صحيح؟ هل يصبح الجنين بمجرد ولادته مستقلًّا عن الأم؟ وهل تستمر حياته لو أهملته أمه؟ والجانب الآخر الذي يحملنا على رفض هذا التعريف هو: إن كانت الحياة تبدأ بولادة الجنين، فماذا إذًا عن الجنين في بطن أمه؟ أليس هو كائنًا حيًّا؟
وثمة مجموعة أخرى ترى الحركة مظهرًا من مظاهر الحياة فتقول إن الحياة تبدأ حين يبدأ الجنين في الحركة، أي حينما تحس الأم بحركته. ويدرك الأطباء أن هذا التعريف ليس حقيقيًّا؛ لأن الجنين قد تكون له حركة فعلية ولكن الأم لا تدركها. ولهذا فمن المعروف أن الأم في الحمل الأول تشعر بحركة الجنين في وقت متأخر عن المرات التالية.
فإدراك الأم لحركة الجنين ليس هو تحديد لبداية حركته، ومن ثم لا يصلح هذا لتحديد بدء الحياة. فضلًا عن أنه باستخدام أجهزة “السونار” يمكن للطبيب أن يرى حركة الجنين من الأسبوع السادس للحمل، أي قبل أقل من أربعة أسابيع من إدراك الأم بأنه قد حدث حمل. إذًا، فإحساس الأم بحركة الجنين هو مجرد مظهر من مظاهر الحياة وليس بالدليل المؤكد على بداية الحياة في هذا الوقت.
وهناك رأي آخر في هذا الشأن، يقول إنه يمكن تحديد بداية الحياة بالوقت الذي يتحول فيه الجنين إلى صورة لها شكل ومظاهر معينة ترتبط بصورة الإنسان. فحين يكون الجنين مجموعة خلايا في دور الانقسام، لا نستطيع القول إن الحياة بدأت تدب فيه في هذا الوقت. وهذا أيضًا أمر غير دقيق ويمكنكم أن تدركوه جميعًا.
ولقد قال فريق آخر إن الحياة تبدأ فعلًا لحظة الإخصاب، حين تتَّحد البويضة بالحيوان المنوي. وهنا تبدأ الحياة. حين تبدأ الخلايا في الانقسام. فهذه الخلية فيها العوامل الوراثية، وفيها يكون التحديد الذي يجعلنا نستطيع القول بأن هذا الإنسان سيكون ذكرًا أو أنثى… وبدراسة بعض الجينات يمكن معرفة أوصافه من الطول ولون الشعر… إلخ. وكل هذه الأمور محددة من وقت الإخصاب، ولكن هل الحياة تبدأ فعلًا وقت إخصاب البويضة؟ وهل البويضة قبل إخصابها لم تكن حيةً؟ وهل الحيوان المنوي قبل أن يتحد بالبويضة لم يكن حيًّا؟ متى إذًا تبدأ الحياة؟ هذه إحدى المشاكل المطروحة للبحث.
وحين توضع أمامنا هذه الأمور، يبرز سؤال آخر… إذا كان الاتجاه الفكري أن حياة الإنسان هي عملية واحدة متَّصلة، ولا نستطيع أن نحدد بداية معينة لحياة كل فردٍ على حدة؛ فهي حياة استمرارية بصورة أو بأخرى لحياة الأب والأم والأجيال السابقة، فهل نستطيع القول إنه يحق لنا، في هذه الحالة، أن نتدخل بصورة أو بأخرى لإنهاء هذه الحياة؟ سواء كانت حياة جنين لم يُولَد بعد، أو حياة إنسانٍ وُلد وعاش وله وجود؟ لا شك أن ثمة جوانب أخرى لا بد وأن تخطر على بالنا عند مناقشة هذا الموضوع. ما هي الحياة… متى تبدأ… هل نستطيع أن نتدخل لإنهاء حياة؟
لواء طبيب: رؤوف وهبه
مقرر الندوة
***
الحياة وقيمتها من وجهة نظر طبيب أمراض نساء
د. بطرس إبراهيم
ونحن نتناول الحياة بالنسبة للإنسان. ومن ناحيتي فإني أعتبر أن حياة الإنسان تبدأ بمراحل، من بينها مرحلة التكوين الأول؛ أي التقاء البويضة مع الحيوان المنوي. كلٌّ منهما حيٌّ، إلا أنه عند التقائهما يمران بمراحل مما يؤدي إلى تكوين الإنسان من الخلايا والأنسجة. ومن ناحيتي فإنه حين تأتي إليَّ حالة تقول: “أنا حامل ولكن لظروف معينة أريد أن أنهي حياة الجنين”. فقد تكون هذه الظروف اجتماعية أو طبية، أو لأي سببٍ كان. فأمامي سيدة تريد أن تنهي الحمل، فهل من حقي كطبيب أن أنهي هذا الحمل؟ هل ذلك من حقي؟
بالنسبة لي، فإني أرى أن هناك أمراضًا معيَّنة، قد تجعلني أنهي هذا الحمل، وضميري مستريح. وهذه الأمراض تشمل أجهزة معيَّنة في الجسم. ولكن يجب أن يؤخذ في الحسبان عدة أمور، منها، هل استمرار الحمل يعرِّض حياة الأم للخطر؟ وهل هناك تأثيرات على حياتها لو استمر الحمل؟ وأيهما أكثر أمنًا للأم: إنهاء الحمل أم استمراره؟ وهل يؤثر على حياة أفراد الأسرة وحياة الأم، وهل استمراره سينجم عنه ولادة طفل معوق ذهنيًّا أو حركيًّا؟ لقد أُثيرت مثل هذه الأفكار ونجم عنها أول قانون للإجهاض في إنجلترا. وإذا ما ذهبت إحدى السيدات لمستشفى حكومي لإنهاء الحمل فسيرجع السبب إلى:
وهناك آراء كثيرة بالنسبة لهذا الموضوع؛ فالكاثوليك يحرمون إنهاء الحمل، ويعتبرون أن الله حرَّم ذلك، وهذه مشكلة. أما بالنسبة لي، فإني أرى أن هناك أمراضًا كثيرة قد تصيب الأم، ومن ثم يستلزم الأمر إراحتها من الحمل وإنهائه. ومن هذه الأمراض على سبيل المثال:
د. نبيل جبران: أتحدث من وجهة نظر طبيب أمراض قلب وباطنة. وبدايةً أقول إن الطب ليست وظيفته إنهاء الحياة، بل إبعاد الألم والمرض عن الحياة. ولكن هناك حياة أفضل من الحياة، ومن ناحية أمراض القلب بالنسبة الحياة. ولكن هناك حياة أفضل من الحياة، ومن ناحية أمراض القلب بالنسبة للحامل سنأخذ مثالًا بالنسبة للولادة الطبيعية. فيُقال مثلًا إن نسبة الوفيات في البلاد المتقدمة عمليًّا تصل إلى 3: 10,000. ولو كانت الأم مصابة بمرض في القلب، فمع العناية الطبية الكاملة لها والعناية بالجنين أيضًا ستكون نسبة الوفيات في هذه الحالة 30: 10,000.
وأمراض القلب التي قد تُصيب الأم بعضها خطير والبعض الآخر بسيط، مثل روماتيزم القلب وهو شائع في الأوساط المتوسطة اجتماعيًّا وفي الأرياف. فلو كان لدى الأم مرض في صمام من صمامات القلب، وأكثرها شيوعًا هو الصمام الميترالي. فلو لقيت عناية طبية أثناء الحمل أمكنها أن تكمل بسلام وتقل نسبة الخطورة.
ثم إنه في الفترة القصيرة بعد الولادة، يمكن أن تحدث مضاعفات للقلب. إلا أنه لو حدث هبوط في القلب قبل الحمل، وتمت معالجة الأمر، أو مع بداية الحمل، فهذه مؤشرات تشير إلى أنها يمكن أن تتعرض لهبوط حاد في القلب أثناء الولادة، وهنا تصبح نسبة الخطورة مرتفعة. ومع ارتفاع نسبة احتمال وفاة الأم، وبموافقة الأم والزوج وأطباء القلب والنساء الذين يشرفون عليها يمكن –إذا ما اتُّفق على أن هذه الحالة تمثل خطورة على حياة الأم- هنا يمكن إقرار إنهاء الحمل.
وهناك عيوب خلقية في القلب بعضها بسيط ولا يؤثر على الدورة الدموية أو صحة الأم، فقد يكون هناك فعلًا لغط في القلب، ولكن هذه الحالة لا تستدعي إنهاء الحمل. فهناك فرق بين حالة وأخرى. كذلك هناك تشوهات خلقية مركبة مثل رباعي فالوت. وهنا يتصور الطبيب أن الأم لا يمكن أن تحمل. إلا أنه يفاجأ بأنها حامل. وهنا قد يحدث إجهاض للجنين دون أي تدخل طبي نتيجة نقص الأكسجين. إلا أن هناك خطورة على الأم الحامل. فإذا ما وافقت على التخلص من الحنين فهذا حقها، من أجل الحفاظ على صحتها.
وثمة أمراض أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم. إلا أنه توجد الآن أدوية لضبط ضغط الدم. ولكن مع ارتفاعه ولا سيما في شهور الحمل الثلاثة الأولى، تكون هناك خطورة قد تسبب نزيفًا في المخ أو شريان العين أو تسمم الولادة. وهنا إذا تعذر التحكم في الحالة يتم إنهاء الحمل من أجل صحة الأم. وبالنسبة لأمراض الشرايين التاجية، والتي كانت نادرة أما الآن فهي كثيرة في السيدات، وحتى في السن المبكرة، فإذا ما كانت الحامل تعاني من مثل هذه الأمراض فيتعين إنهاء الحمل، ولو أن هذه حالة نادرة. وفي بعض الحالات نُفاجَأ بأن هناك من السيدات من يفضلن الاستمرار في الحمل مع وجود خطر على حياتهن وذلك لوجود الحنين إلى الأمومة. فهنا لا أعتقد أن من حق الطبيب أن يفعل شيئًا ما دامت الأم تصر على الاحتفاظ بالجنين رغم إدراكها بخطورة الأمر. أما الأم التي تريد إنهاء الحمل حفاظًا على صحتها، وبعد المشورة الطبية، فمن حقها أن تفعل ذلك.
د. رؤوف: هل نفكر من الناحية العملية الطبية في إنهاء الحياة بدافع الشفقة؟ وقد يحملنا ذلك على التعبير عن حقيقة لا بد وأن تكون واضحة في أذهاننا: ما معنى وقيمة الحياة؟ هل هي مجرد الوجود أو التواجد Is Life mere existence?
د. بيتر: لو كان هناك مريض، كل حواسه ميتة، وإذا ما وصل المريض إلى هذه الدرجة ومن ثم يتم إنهاء هذه الحياة، فهي ليست مجرد الوجود. Not Just existence
د. نبيل: كمريض في العناية المركز، قلبه توقف، يأتي فريق من الأطباء ويقومون بعمل تدليك للقلب أو تنفس صناعي (الإجراءات اللازمة لإنقاذ الحياة). فهل تعمل عملية التدليك لأي مريض يتوقف قلبه، هناك مرضى لا يجب أن تجري لهم عميلة تدليك القلب، وذلك حين يكون المريض مصابًا بتلف شديد في المخ أو الكلى أو القلب. فما الفائدة من أن أطيل عمره لدقائق أو لأيام؟ وإذا كان مريض حالته معروفة بأنه ليس هناك أمل في شفائه مثل مرض من الأمراض الخبيثة المنتشرة هذه الأيام Cancer. وكان هذا المريض يتألم كثيرًا ويعاني الأمرين نتيجة هذا المرض. فهل أمد في عمره عدة أسابيع، إن ذلك لن يزيد إلا عذابه وعذاب أسرته ومحبيه. أعتقد أنه إذا ما وصل مريض إلى هذه المرحلة فالعلاج هو إراحته من هذا العذاب، وليس امتداد عمره ساعات أخرى أو أيامًا يعاني خلالها أفظع الآلام.
د. رؤوف: من الحقائق الأساسية في العلاج بالأشعة أو فلسفة العلاج بالأشعة أن نبقي على الحياة النافعة للإنسان وليس على مجرد حياة الإنسان.
فمن الناحية الإنسانية بل والمسيحية -من وجهة نظري- ألا نسمح باستمرار الحياة في مثل هذه الحالات. ويجب اتخاذ إجراء إيجابي وهو إنهاء حياة المريض ولكني لن أقوم بعمل شيء يجعله مستمرًّا في الحياة مع استمرار آلامه الفظيعة، وأوقف تدخلي في إطالة عذابه. هل الحياة هي مجرد التواجد؟ هذا الجانب سنناقشه بعد مناقشة الجانب الأخلاقي والديني.
مناقشة من الناحية الطبية
د. وسيم السيسي: تعليق وسؤال. نحن نتفق مع د. رؤوف في قوله هل هي حياة أم مجرد أي حياة. أعتقد أن النقطة الهامة تتمثل في أن معظمنا متفق فيما يختص بمشاكل الأم والناحية الصحية. ولكن بالنسبة لحالة حمل غير شرعي، هل أنهي هذه الحياة أم لا؟ وهناك مشاكل سيخلقها للمجتمع. فيمكن أن تقتل البنت، ولا بد من تشريع يسمح للأطباء بإنهاء مثل هذا الحمل، بدلًا من أن تنهي هي بنفسها الحمل. ومن الممكن أن تولي مثل هذه الحالة عناية طبية medical care.
ونقطة أخرى هي أن وليم جيمس وهو فيلسوف أمريكي يلخص الموضوع في افتراضه ماذا يحدث إن توقف الزمن. لقد تخيل الزمن عملاقًا وسأله الشيوخ قائلين: لماذا نكبر ونشيخ ونموت. رد الزمن: أتريدوني أن أتوقف عن المسير. فرد الشيوخ نريد هذا. فقال: الحياة لا تصبح حياة إلا بي أنا. وإذا توقفت عن المسير لن تلد الحامل. الحياة تتجدد لا تبدأ ولا تخلد. وبدون الموت ليس هناك حياة. الحياة تخلد في النوع ولا تخلد في الأفراد. وهذا هو ما يقوله وليم جيمس.
د. رؤوف: بحسب ما لمسته، أعتقد أنه ليس هناك أحد لم يفكر في هذا الموضوع، بيد أننا جميعًا نهرب منه كما نهرب من الواقع في أمور كثيرة. فالفتاة التي تحمل حملًا غير شرعي وتأتي للطبيب ليعاونها في حل المشكلة، وهذا معناه إنهاء الحمل في غالبية الأحوال، هل لنا أن نمنع هذا التصرف باسم المسيحية؟ ثم هل نبيح هذا التوسع باسم المسيحية؟ وكلا الأمرين خطر ولا نستطيع أن نصنع تعميمًا لهذا الموقف. ولو أبحنا إنهاء الحمل في مثل هذه الحالات، هل يشجع ذلك على انتشار المشاكل الأخلاقية؟
د. بيتر: لو أن حامل حملًا غير شرعي في سبعة شهور، وتريد إنهاء الحمل فما العمل، وكذلك بالنسبة لحالة منع التبني في الإسلام أو المسيحية. فما هو الموقف؟ … وليس بمقدورنا أن نغير قانون البلد.
د. رؤوف: من يملك حق اتخاذ قرار بإنهاء الحياة؟ وهل معنى الحياة هو مجرد الوجود أم أن لها معنى أكبر من ذلك؟
بالنسبة لتحديد بداية الحياة فهذه المشكلة. وهناك وجهات نظر كثيرة. وليس هناك وجهة نظر يمكن القول بأنها هي السليمة. ولكن وجود الحياة واستمرارها لا نستطيع إطلاقًا تحديد توقيت معين مثلًا، بعد اليوم 46 من بداية الحمل، دخلت الروح في هذا الجنين وأصبح إنسانًا حيًّا. ليس لدينا وسيلة علمية تستطيع أن تعطينا هذا الحق. وهناك وجهة نظر أخلاقية مسيحية حيث يُقال إنه قبل تكوين المشيمة يمكن التخلص من الجنين، لأن نسبة كبيرة من الأجنة تموت أو لا تستمر. ولو أني أعتقد أنه ليس بمقدورنا القول بأن هذا الكلام سليم مائة في المائة.
د. السيسي: بالنسبة لتحديد بداية الحياة، يقال إنه عندما تبدأ الأجهزة التنفسية في جسم الإنسان، يبدأ الاعتراف بوجود الحياة.
ق. نبيل بطرس (صيدلي): من الناحية النظامية، وقبل الأمور الموضوعية، كنت أرجو أن يؤخذ موضوع إنهاء الحياة لأسباب مرضية، في معزل عن موضوع الإجهاض. كذلك كنت أرى ألا ندخل لمناقشة نقاط جانبية، مثل متى تبدأ الحياة، بل هل يجوز أن ننهي الحياة أم لا؟
هل نحن أدخلنا الإيمان كعنصر من عناصر البحث، والإيمان موجود شئنا أم لم نَشَأ، وهو ليس عرضيًّا غيبيًّا. ولا ننس ناحية التعامل مع النفس؛ فقد نكون أمام نفس المرض ولكن الدواء ينفع في حالة ولا يفيد في حالة أخرى.
وبالنسبة لإجهاض، هل نقتل المجني عليه ونعطي الجاني الحياة. ومن الناحية الطبية، فالمريض أو الجنين، هو لمولاه يموت أو يعيش. لكن دوري أن أساعده أن يحيا. ونحن هنا نتحدث عن قواعد، وليس استثناءات، فنبحث في موضوع الإجهاض من الناحية الطبية. الاستثناء يكون مثل الحالة التي يتعرض لها بعض الأطباء للقيام بعملية إجهاض تحت تهديد السلاح. وثمة نصيحة للأطباء “لا تفكروا في الحلول السهلة فالسمكة الحية هي التي تسير ضد التيار”.
د. نبيل: هناك أماكن في الصعيد حيث تكون نتيجة الحمل غير الشرعي قتل الأم. ولكن هناك حلًّا آخر وهو أن تودع الأم في أحد الأديرة، ويتولى الدير تربية الطفل.
د. بيتر: هناك حالات تستلزم إنهاء الحمل لصالح صحة الأم.
***
الناحية الأخلاقية والاجتماعية للمشكلة
أ. د. وليم فرج
بعد المناقشة المستفيضة التي سمعنا بين ثناياها بعض الأفكار الأخلاقية. سنركز الآن على قيمة الحياة كما هي حياة؛ فمنذ فجر التاريخ كانت كل آراء المفكرين وأنظارهم متَّجهة صوب حياة الإنسان. حاولوا أن يروها كشيء له قيمته. فمنذ البداية والمفكرون يحاولون أن يضعوا اعتبارًا وتقديرًا للحياة الإنسانية. فحتى فلاسفة اليونان الذين كانوا يفكرون في أبراج عالية مغلقة، كانوا كلهم، يحاولون الوصول لسر الحياة الإنسانية. وأولوها كل التقدير والاحترام، وجعلوها مركزًا لكل شيء في العالم. وإذا ما عملنا مقارنة الآن بين دور الله ودور الإنسان نقول: إن الإنسان هو مركز الكون، سنختلف مع بعض اللاهوتيين في هذا الأمر. لكن الإنسان هو الأولى بأن يُوضع في مركز الكون، أي مركز الاهتمام والسيادة والفعل، أي مركز كل شيء في الكون. أما الله فخارج عن الكون، وبصفته المهيمن على الكل بكل ما فيه، لا نستطيع أن نحصره في دائرة ضيقة، أو أن نختار مركزًا معينًا نضعه نحن فيه. لكنه أسمى وأعلى من كل ما تصل إليه تصوراتنا. لذلك نقترب من الإنسان الذي نعتبره أصل وبداية كل شيء. ولا يجب أن نتمرد على صورة الله التي وضعها الله فيه. لكننا نرى أن الله أراد للإنسان أن يكون مركز كل شيء في الكون، وحياته هي المحور الذي دارت وتدور عليه كل أمور الكون. علينا أن نعي أن قيمة الحياة هي أنها أهم شيء موجود في الكون. ولا يمكن أن ننفي هذا عن الإنسان، ولا يمكن إنكار أنه هو وبسببه ومن أجله، كانت كل الأمور التي بدأت في الكفارة والفداء، فهو إذًا محل ومركز الاهتمام الأول في الكون.
وتعليقًا على الجزأين الأولين، فقد سمعنا عن الحياة كما يجب أن تكون أو الحياة التي هي مجرد وجود. ولتسمحوا لي أن أوضح هذا الأمر.
هناك للإنسان حياة واحدة. ولكن هذه الحياة قد تأخذ صورة الوجود الحقيقي عندما يستطيع الإنسان أن يحترم ويؤكد هذا الوجود ويذوب دوره الإنساني فيه. إلا أنه قد يعيش هامشيًّا، وهنا يصبح وجوده زائفًا. وهنالك من المفكرين من قال إن هذا الوجود يمكن أن يأخذ صورتين، وجود الكائن الحي، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا يمارس دوره الحياتي، فهو ينمو ويتنفس، ويتكاثر (صفات الكائن الحي). وقد نجد إنسانًا يعيش، لكنه لا يمارس سوى هذا الدور البيولوجي. ووجوده هذا يتساوى مع وجود الحيوان تمامًا، لأنه لا يقوم بأي دور.
وهناك من يعي بأمر وجوده، ويدرك أن عليه رسالة، لا من أجل نفسه فحسب، بل لأجل الآخرين أيضًا، فهو يفعل وينفعل، ويمارس الحياة كما يجب أن تكون. ومثل هذا نقول عنه إن وجوده متحقِّق فيه، فهو لا يعيش وكأنه يُساق كالحيوان، بل يؤدي دوره الحياتي كاملًا.
وعندما ندافع عن الحياة وقيمة الحياة، فنحن لا ندافع عن الذين يحيون حياة في ذاتها فحسب، بل ندافع عن أولئك الذين يعيشون الحياة كالحيوان. بل إن دفاعنا قد يمتد ليكون دفاعًا عن كل حياة. ونحن بذلك الفكر لا نعني التفكير في جوانب معيشية فقط، بل نعني الجانب الإنساني الذي لنا، والذي من خلاله، نحن لا نلقي نظرة فلسفية، أو علمية، أو أخلاقية فقط، لكننا ننظر من الجانب الإنساني. ونحن نقدس الحياة بمختلف صورها. وهذه الفلسفة الجديدة، فلسفة الإنسان الذي يقدِّر الحياة تضع في أيدينا أسلحة نحارب بها المُثل الزائفة. لكننا لا نملك استخدامها إلا بقدر ما نحافظ به على إنسانيتنا. كل في نطاق حياته.
وحين يزداد عدد الناس الذين يوفقون بين الإنسانية والواقع في أفكارهم أو أفعالهم. لن تعود الإنسانية مجرد فكرة عاطفية، بل تصبح حقًّا خبرة في عقول الأفراد وفي روح المجتمع أيضًا. فاحترام الحياة وتقديرها في مختلف صورها لا يسمح للفرد أن يتخلى عن الاهتمام بشئون الحياة الدنيا، بل يهتم بكل شيء في الحياة. حياة تقوم من حوله ويشعر أنه مسؤول عنها.
وعندما ندعي أننا أخلاقيون، فلن نكون كذلك حقًّا إلا إذا أطعنا الدوافع التي تدفعنا لمعاونة كل حياة نستطيع معاونتها، وأن نمتنع عن إنهاء أي حياة. ولكن لا نسأل إلى أي مدى تكون هذه الحياة، ونبحث فيما إذا كانت تستحق عطف الإنسان، بل ننظر إلى الأمر كله بمنظور القِيَم وفي إطار تقديس الحياة. ونحن لا نرى أن نتوقف عند حد معين، بل نحاول احترام الحياة في كل درجاتها وصورها، ونحن لا نناقش ما إذا كانت هذه الحياة قد بدأت في الجنين، أو لم تبدأ بعد. فهذه ليست هي القضية، بل علينا أن نعطي له الحق في الحياة بغض النظر عن التوقيت الذي بدأت فيه هذه الحياة. نحن نقدِّر مسؤولياتنا الكاملة، ولكل حياة الحق في أن تكون لها حياة.
ومن الوجهة الأخلاقية، نحاول أن ندافع عن كل حياة أن تستمر. ولا يمكننا أن نوافق من يقول إن إنهاء الحياة يمكن أن يكون لسبب معين، أو اتباعًا لقانون أخلاقي معين. نحن نحترم الحياة بمختلف صورها. وتوقيتها لا يهمنا، ولا يهمنا إذا كانت هذه الحياة لا تستطيع أن تؤدي دورًا. وأنها أصبحت آلة تحيا. نحن نحترم الحياة بمختلف صورها وتباين أشكالها. وكل تحطيم أو إيذاء للحياة مهما كانت الظروف يُعتَبَر في نظرنا شرًّا. ونحن لا نلغي كل المنازعات الأخلاقية، بل نرغم الإنسان على أن يقرر لنفسه في كل حالة على حدة إلى أي مدى يمكنه أن يظل أخلاقيًّا، أو إلى أي مدى يجب عليه أن يُخضِع نفسه لضرورة تحطيم الحياة وإلحاق الأذى، وارتكاب الإثم. ونحن في بعض الأحيان نتوقف لنتساءل: متى يمكن أن نعطي أمرًا بإنهاء الحياة؟ ونحن نقول هذا لنغلب أولًا الجانب الإنساني الإيجابي الذي يدافع عن الحق في الحياة، ثم بعد ذلك كل حالة تقرر بنفسها ما يمكن فعله بإزائها. ونحن لا نستطيع أن نضع قانونًا أو معيارًا يتفق مع كل الحالات التي تعرض علينا. ولا نستطيع أن نضع استثناءً لوقف حياة أو استمرارها. لندع الجانب الإنساني والأخلاقي، الذي ينظر للحياة على أنها مقدسة ولها قيمة ليكون ماثلًا أمامنا. ثم نقرر لكل حالة على حدة ماذا يجب أن نفعله. ولا أتفق مع من قالوا إنه تحت الضغط أو الإرغام غيروا نظرتهم أو اتجاههم من ناحية عدم إجراء الإجهاض. ويجب أن ندافع عن عقيدتنا إلى المنتهى. ولا يمكن أن نستسلم مهما كانت الظروف. وعلى من ينادون بالاستثناءات أن يراجعوا أنفسهم.
إن روح احترام الحياة وتقديرها يعين هؤلاء الذين فرض عليهم النضال المرير في سبيل إنسانيتهم، وذلك في السهر على فكرة أن للطبيعة الإنسانية قيمة يجب صونها بكل السبل حتى ولو اضطر الأمر إلى التضحية بالحياة. وإني شخصيًّا لا أؤمن بمبدأ الإجهاض. لذلك يجب أن أدافع عن كل ما أؤمن به.
وهناك استثناءات يجب أن تكون لنا وقفة عندها. وأمام كل حالة على حدة، ولا ينبغي أن نجمعها كلها في سلة واحدة، ذلك أن كل حالة لها ظروفها. وعلى كل من يقوم بالإشارة –وأنا هنا لا أتهم الأطباء بأنهم يقومون بهذا الدور- لإنهاء الحياة، عليه أن يبحث الموضوع برويَّةٍ وتأنٍّ، وأن يقف أمام عقله وليس أمام ضميره فحسب.
وكنا نتناقش مع د. ق. صموئيل حبيب، وقلنا إن الضمير قد يكون من صنع المجتمع، لكن العقل الإنساني الواعي لا يمكن أن يخضع لأي ظرف أو تقدير من آخر. عندما أُسَيِّد العقل على كل حكم سيأتي الحكم صحيحًا وسليمًا لا تشوبه شائبة.
من أجل هذا، لنضع في اعتبارنا عندما تعرض لنا أي حالة بأنه يتعين علينا أن نحكم عقولنا، بحيث يأتي الحكم متمشيًا مع المبادئ الإنسانية والأخلاقية. وهذه الأحكام تأتي سليمة مناسبة. ونحن لا نؤمن بنسبية القيمة. فنحن سنحكم على حالة ما بحكم، وبحكم آخر على حالة أخرى ما لم يكن لنا الاتجاه العقلي الذي يؤكد أننا نسير وفق قِيَم ثابتة. وهذه القيم تحملنا على تقديس حياة الإنسان في كل صورها وفي جميع أطورها وفي كافة أشكالها المرضية. هذه الحياة مقدسة. ونحن نعيش في مجتمع قد يُملي علينا أشياء وقد يفرض علينا فروضًا، وقد تكون علينا متطلبات. فعلينا أن ننظر للأمور نظرة عقلانية، وألا نسمح للعاطفة بأن تتدخل في الأمر، ولا نضع تبريرات حتى نكون مستريحي الضمير. هذا الضمير المستريح = الشر المتجسد. وكل ما نريده هو أن يكون العقل هو السائد، وهو الذي يصدر الأحكام السديدة.
من أجل هذا لنضع في اعتبارنا أن الأخلاق مسؤولية لا حد لها تجاه كل ما هو حي. إن ذاك الذي يوجَّه، بمعزل عن تفكير عقلاني، مع الحياة لا يتفق مع الأخلاق. ربما أخذنا نردد ونكرر عبارة تقدير الحياة حتى أصبحت خالية من الحياة. والمقصود هو أنه يجب أن تدخل فكر الإنسان فكرة تقدير وتقديس الحياة لأنه في مثل هذا الأمر لا يجب أن يفارق ذهنه هذا النصح، وعليه أن يربطه مع كل تعاطف وحب. ويبدو هذا في كل أنواع الحماس الجيَّاشة التي نتعامل بها مع الغير. إن احترام الحياة يعمل بقوة وحيوية في العقل الذي يدخل هذا الأمر.
وهذا الأمر يلقي بالإنسان الذي يفكر في قداسة الحياة في قلقٍ ناجمٍ عن الشعور بالمسؤولية، هذا الشعور الذي لا يفارقه في أي زمان أو مكان، واحترام الحياة يدفع بالإنسان إلى أن يشق طريقه لكي يرتقي بالجنس البشري. وما دام احترام الحياة ينشأ من دافعٍ داخليٍّ، فإنه لا يتوقف عند المدى الذي يمتد إليه. كما أنه لا حاجة به إلى مناقشة السؤال الخاص بالمحافظة على الحياة، أي عن معنى عمل الإنسان للمحافظة على الحياة والسمو بها.
على أننا ينبغي أن نقف أمام أمرين، الأمر الأول يقتضي منا أن نكون داعين إلى تقليل كل عبث بالنسبة لجميع من يؤذون حياة الإنسان. علينا أن نقف بقوة وحزم ضد كل من تسوِّل له نفسه أن يعمل ما من شأنه أن ينهي حياة الآخرين. وعندما نبث القِيَم ونحاول الوصول إلى تقليل فكرة الاعتداء على الذات الإنسانية نستطيع أن نصون للإنسان حياته. وعلينا أن نقدر الحياة حق قدرها. ونحن لا نود أن نتكلم كلامًا إنشائيًّا.
وما نستهدفه هو التأكيد على دورنا الإنساني الذي يدعو بالفعل إلى الوقوف في وجه كل ممارسة موجهة للفرد أو الجنس البشري كله. نحن نقدِّس الحياة ونقدِّرها. وروح احترام الحياة يجب أن يبدأ من الكنيسة، من أجل تحويلها إلى المثل الأعلى للمجتمع الديني. فإذا ما أصبحت الكنيسة -من خلال أبحاثها المختلفة- قادرةً على إخراج المجتمعات الدينية من المضيق الذي زجت بنفسها فيه لكيلا تتغنى بالماضي، بل تتجه للخطوة التالية، ليكون الإنسان قادرًا على فهم التطور الأخلاقي ولكي تحقق الكثير في داخلنا. فالإرادة يجب أن يكون شعارها: الحب لا القتل، تقديس الحياة لا إهدارها، إعطاء الإنسان المكان الذي يجب أن يكون عليه. وتجعل الإنسان ينظر للناس على أنهم العصر الجوهري الأصيل للإيمان.
يبقى موضوع أخير وهو موضوع التضحية بالذات: نحن نقدِّس الحياة ولكن لحدود. فهي قيمة شيء لا يجب النيل منها. لكن عندما يكون هناك داع للتضحية بالنفس، يجب أن يضع الإنسان كل الاعتبارات لترقية كل ما يتعلق بمصائر الناس، من أجل أن يصبح الخير حقيقة. وحين يتفهم الإنسان هذا الأمر، وعندما يقوم بالتضحية بنفسه، يفهم ما عساه أن تقدمه هذه التضحية للآخرين. ويفهم ما هو السر الخاص الذي فيه والذي لا يجعله أن يضحي من أجل آخر، فردًا كان أم جماعة. ووجودنا لن يصل إلى قيمته الحقيقية إلا عندما نضع أمامنا عبارة “من يضع حياته يجدها”.
***
قيمة الحياة من وجهة النظر الدينية
د. ق. صموئيل حبيب
لعلي أبدأ بتغيير مبدئي من ناحية اهتمامنا بندوات الفكر؛ فالكنيسة في كل مرحلة من مراحل حياتها تحتاج لدراسة قضايا الفكر. فمرات تهدر الكنيسة وقتها في دراسة قضايا جانبية بيروقراطية ترتبط بأمور هامشية. إلا أن صالح الفكر الإيماني مع القضايا المعاصرة يعتبر من أهم وأخطر الدراسات التي ينبغي على الكنيسة الاهتمام بها. وفي هذا الجانب لا يجوز للكنيسة أو لرجال الدين وحدهم أن يقوموا بهذه الدراسة. فمشاركة العلماء والمفكرين والمثقفين على مستوى الفكر وإصدار القرار تُعَد من أهم الاتجاهات في عصرنا الحاضر.
هكذا يجب أن يكون اتجاهنا عند دراسة القضايا العامة، وبالنسبة للجانب الذي نتحدث فيه عن قضية قيمة الحياة “قيمة الحياة من منظور مسيحي” فإني أقدم فكرًا ليس هو النهاية بل هو عرضة للقبول أو المعارضة، فليس على وجه الأرض إنسان، مهما كان، يكون كلامه نهائيًّا، ولا يكون موضع التفكير والدراسة على أي مستوى. لذلك فإني إذ أقدم ما أراه شخصيًّا من فكر في قيمة الحياة، من منظور مسيحي، لا أستطيع القول بأنه فكر غير قابل للمناقشة.
الحياة عطية الله. أعطاها الله للإنسان. وقيمة الحياة عظيمة جدًّا، ولا يجوز لنا الإقلال منها بأي شكل كان. والإنسان يحمل صورة الله. فالإنسان دون شك، وبصورة أو بأخرى صار شريكًا لله في عمل الخليقة. وبهذا أصبح الإنسان مسؤولًا مسؤولية رئيسية عن مهام خطيرة وجوهرية في هذه الخليقة التي خلقها الله.
وفكرة صورة الله للإنسان، تعطي أهمية خاصة للكيان الإنساني. وعطية الله عظيمة ولا بد لنا من تقديرها. ولست أريد أن أتطفل على الجانب الطبي. إلا أنه نتيجة الدراسة والحوار تثور بعض القضايا الفكرية.
القضية الأولى
لا أريد أن أدخل في القضية بكل تفاصيلها. جنين يُولد وبه عيوب خلقية تسبب له ألمًا مستمرًّا. إنسان مريض يستمر في حالة الألم. هل هذه إرادة الله؟ والقضاء الإلهي يعطي مسؤولية بشرية كاملة إلى جانب مسؤولية الله. فالله مسؤول مسؤولية كاملة والإنسان مسؤول مسؤولية كاملة. وإرادة الله صالحة مرضية كاملة، ولا يمكن أن أتهم الله بأنه يريد الألم أو أنه يريد المرض. وإلا إذا كان المرض إرادة الله، فإني سأعمل ضد إرادة الله إذا ما قمت بعلاجه. إني أعالج المرض لأنه ليس إرادة الله. والشر ليس إرادة الله، بل هو معارضة إرادة الله الصالحة. كل شيء فيه دور إنساني إلى جانب الدور الإلهي.
كل ما كُتب: الكتاب المقدس كتبه أناس الله مسوقين بالروح القدس. وكل كاتب كتبه بأسلوبه. فالشاعر كتب شعرًا، والأديب أدبًا. عمل روح الله هنا هو حفظ عصمه وصحه. والأسلوب البشري واضح في الكتابة. فسفر أيوب مثلًا يُعد قطعة من أروع قطع الأدب العبري في تاريخه. وثمة مثال آخر. هل نترك المشكلة و”ربنا يحلها”؟ شخص يموت هل نتركه؟ هذه قَدَرية لا تتفق مع الإيمان المسيحي. قال الرسول: “رأى الروح القدس ونحن”.
الله مسؤول وأنا مسؤول ونحن نحمل المسؤولية معًا. ولذلك فإن تفكيرنا ودورنا في إصدار القرار أمر له خطورته. وهنا تدخل قضية خطيرة في إرادة الله، هي ربوبية الله. لو كانت هناك جوانب بشرية، أين ربوبية الله؟ ولكن هناك تفسيرًا لاهوتيًّا وفلسفيًّا يقول إن إرادة الله قصدية، كما أن هناك إرادة غير قصدية أو غير مباشرة. قصدية: تعبر عن مقاصد الله العليا. غير قصدية: تتم نتيجة إجراءات الطبيعة شخص سقط من الدور الثاني مثلًا.
ربنا لا يريدني أن أنكسر. بل خلق الله الجسم عظمًا ولحمًا.
إذًا لو سقطت سوف أنكسر. هذه إرادة الله لكنها غير قصدية وغير مباشرة. لأنه خلق الجسم بهذه الطريقة. كذلك عوامل الوراثة تلعب دورًا في حياة الإنسان. هذه إرادة الله غير المباشرة أو غير القصدية.
نقرأ في مزمور 116: 15 “عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ”. ويقول الرسول بولس في 1كورنثوس 15: 26 “آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ” فالموت عدو… والموت جاء نتيجة للخطية (تك 2: 17). وهذه ظاهرة من الظواهر الكتابية. والموت كوسيلة عقابية بحكم محكمة نجده في العهد القديم ضمن الشرائع الإلهية حيث يُحكم على القاتل بالقتل، والزاني بالرجم (أحكام قضائية في العهد القديم).
ويسوع المسيح على الصليب، كان الحكم بصلبه حكمًا عقابيًّا أصدرته المحكمة العادية التي حكمت عليه بالصلب. والموت أحيانًا يكون في ساحة حرب، استشهادًا (رغم الإنسان). فالذي يسعى للاستشهاد لا يكون موته استشهادًا، بل إرغامًا يُرغم عليه… الصورة تعطينا نظرة للموت. فليس الموت إرادة قصدية لله. ثم إنه يمكن أن يكون للموت معانٍ مختلفة. ويمكننا القول إن إرادة الله هي الحياة النافعة، الخلود إلى الأبد. قضية الخلود والحياة بعد الموت هي إرادة الله. فإرادته أن يعيش الإنسان. لكن وجود الإنسان في الجسد، ووصوله للمرحلة التي لا يقوى فيها على الحياة ولا الحركة. هنا يصبح وجوده إرادة غير قصدية لأن إرادة الله للإنسان هي إرادة الحياة والحياة النافعة الفعالة، العميقة، الحياة التي لها معنى.
منذ بدء التاريخ قتل قايين هابيل، والقتل شر من الشرور. وكما سبق القول، القتل عقاب بحكم محكمة، وهو أمر مشروع في ضوء الكتاب المقدس والعهد القديم (مقبول شرعًا)، أي أن إنهاء الحياة بحكم محكمة أمر مقبول شرعًا.
تعاليم العهد القديم والعهد الجديد
مشكلة إنهاء الحياة ترتبط بأسباب شرعية، لا بد وأن تتفق مع المبادئ والقِيَم التي تأتي من تعاليم كلمة الله. فإذا ما اتفقت مع تعاليم كلمة الله كانت خيرًا، ومتى خالفتها كانت شرًّا. ومن ناحية الاتفاق مع كلمة الله فهناك قضايا لا مجال فيها للجدال، وهناك أخرى محل اختلاف في الرأي. فهناك جوانب تحتاج للنظر والتفكير.
ودورنا ككنيسة أن نبحث عن المصادر التي تنهي الحياة ونعالجها. الطبيب يقوم بجزء من الدور. آلاف الناس يموتون من الجوع. ودورنا أن نجد لهم الطعام. وعدد كبير يموت ربما لأنه يقيم في مكانٍ ناءٍ، ربما يكون أقرب طبيب إليه على بعد يزيد على عشرة أميال (نحن نقدم كل الوسائل المتاحة لنا) وبرغم ذلك هناك مشكلات. والمشكلات تدخلنا في القضية الأخيرة.
عندما أختار بين خير وشر، يكون الأمر سهلًا، أما الاختيار بين خير وخير، هنا يكون الأمر أصعب. فأي الخيرين أختار؟ وهنا تدخل القيم والمثل والمبادئ في اختيار أحد الخيرين. أما الاختيار بين شرَّين، فالمشكلة أصعب وأقسى. فالمشكلة هنا أكبر. حياة طفل يولد ويعيش متألمًا، معوقًا عقليًّا. وأنا أعرف عن طريق الأجهزة والوسائل الطبية، قبل ولادته بأنه سيكون معوقًا، وسيعيش متألمًا، هذا شر.
إنهاء الحياة شر. ولا بد أن نضع المعاني في مكانها. أي حل من الحلين شر؟ إذا أبقيت الجنين وأنا مدرك أنه سيتألم وأسرته ستتألم. أنا هنا أمام اختيار أحد الشرين. فولادته شر، وعدم ولادته شر. أنا أختار أحد الشرين. العالم اللاهوتي، والفيلسوف كيركجارد Kirkgard، الذي دعا إلى فلسفة الوجودية كتب يقول: “عندما يكون لي أن أختار بين شرين، سأختار الشر الذي أستريح له أكثر من الشر الآخر” (أنا ارتكبت الشر لأني أعلم أنه أحد الشرين. أرتكبه وأنا متألم في أعماقي. أرتكبه وأنا أعلم أني أرتكب خطأً معيَّنًا. ربما أكون مُعذَّبًا في ضميري. لكني أفعل ذلك. فأختار أحد الشرَّين).
مقابل هذا الموقف، وهو موقفٌ مؤلمٌ أن يختار الإنسان أحد الشرَّين. وهي عملية أليمة جدًّا أن أختار الشر وأقول خيرًا. ولكنه في الحقيقة أحد شرين. وهنا لا نستطيع أن نضع مبادئ عامة. لأنه في هذه الحالة يتحكم الضمير الشخصي. يختار إنسان أحد الشرين في ضوء ضميره، وأمام الله، وبهذا يكون الاختيار أليمًا على نفس الإنسان. ويستمر الموقف أليمًا. لكنه الاختيار الذي ليس هناك احتمال آخر بعده.
***
حوار ومناقشة حول الجانبين الإنساني والديني
د. وسيم السيسي
تحدث د. رؤوف عن القتل بدافع الشفقة. ولكننا لا نقتل، بل إذا كانت هناك حالة ميئوس من شفائها، نتركها لمصيرها ولا نعمل إيجابيًّا لإطالة عذابه ولإنهاء حياته.
وبالنسبة للدكتور وليم فرج. فيبدو أنه فيلسوف من المدرسة الغائية التي تؤمن أن الغاية من الخلق والهدف من الكون كله هو الإنسان. لكن المشكلة هي أنه طالب بتقديس الحياة على كافة صورها، وهذا يتعارض مع المدرسة التي تؤمن بالعلة الغائية. هذه المدرسة تؤمن تمامًا بأن الإنسان خُلق، ومن أجله خُلق كل شيء. المدرسة المضادة التي لا تؤمن بالعلة الغائية والتي تقول إن الإنسان خُلق كما خُلق الكون، وكما خُلقت بقية الكائنات وليس من حقه أن يسير كل الكائنات أو أن يُزهق روحًا. والمدرسة غير الغائية التي تنادي بتقديس الحياة وكان على رأسها أبو العلاء الذي قال:
لا تأكلن مما أخرج من الماء ظالمًا (الأسماك)
ولا تبغي قوتًا من غريد الذبائح
ولا تفجعن الطير وهي غوافل
بما وضعت فالظلم شر القبائح
فقد كان أبو العلاء يقدس الحياة في كافة صورها.
التعليق الأخير للدكتور القس صموئيل حبيب الذي قال فيه، يجب أن أختار بين شرين أقربهما إلى نفسي. يجب أن نوضح أن الشر ضد المجتمع هو جريمة أو جنحة، إذا كان ضد الشخص فهو ذنب، إذا كان في حق نفسي فهذا عيب. الشر الذي ارتكب إزاء جنين مشوه كيف أصفه؟ هل هو خطية، جنحة، جريمة، ذنب، عيب؟ المسألة ليست شرين، بل قد يكون من الضرورة للحياة القسوة على الفرد، لكي أرحم المجموعة. عندما أظلم الجنين أرحم المجموعة والمجتمع.
د. وليم فرج: نحن لا نردد أقوال السابقين، بل نختار لأنفسنا الآن المنهج الأخلاقي المناسب، لا نضع أنفسنا أمام متناقضات بل نضع أنفسنا أمام الإنسان. هل لحظة موت الإنسان محددة؟
د. إيهاب الخراط: الحياة الإنسانية هي إمكانية حرية ووعي وإحساس. هذه الإمكانية تتحقق أحيانًا وتخفق أحيانًا أخرى. هذه إمكانات وعي وإحساس. لكن في الحياة الإنسانية هناك إمكانية وعي. حتى للفقير المعوز إمكانية ووعي وحرية. هنا نضع أيدينا على ماهية الحياة الإنسانية التي تقدسها ونحترمها صورة الله، باعتبارها عطية الله الحقيقية.
المريض الذي يريد أن ينتحر تخلصًا من الألم. هذه قضية محسومة. كل الهيئات تمنع هذا المريض من ارتكاب الانتحار. رغم أن الألم النفسي قد يكون أقسى من مرض السرطان.
وظيفتك كإنسان وكطبيب أن تحفظ هذه الإمكانية مقدسة، إمكانية الوعي والحرية، وبالتالي للجنين نفسه إمكانية وعي. لا تستطيع الأم أن تتعدى على إمكانية. الأم يجب أن تقف عن هذه الإمكانية ولا تتعدى على حرية الجنين، لأنه هبة من الله، وله قيمة في حد ذاته. بعض عباقرة العالم وعظمائه أبناء غير شرعيين، فهل كان من حق طبيب أن يجهض ليوناردو دافنشي.
هناك أيضًا قضية الإنسان الذي يحس بالنفور أو التعب بالنسبة لمسؤولية حياته الشخصية أو حياة الآخرين. كتحمل مسؤولية حياة ابن غير شرعي مثلًا. وهناك قضايا أخرى في واقعنا لها صلة كقيمة الحياة، لها صلة بصورة الله في الإنسان. ما يُصرف على السرير للمريض في المستشفيات الحكومية جنيه واحد في اليوم. حياة الإنسان لا تُحترم. وهذه قضية دينية مثلها في ذلك قضية إنهاء الإجهاض.
نصر: حياة الإنسان لا تحتاج للذي يقيِّمها بل للذي يخدمها، الإنسان المعوق أؤهله. السؤال هو كيف أعطيه التأهيل ليواجه الحياة؟
ق. نبيل: أشكر الله من أجل كلمات د. وليم فرج، د. ق. صموئيل حبيب. ولكني أريد أن اُضيف إضافة بين الاثنين. الإنسان شخصية متكاملة عقلًا وعاطفة (وجدانًا مسيحيًّا). ومن وجهة النظر الكتابية “أن نقدِّس الحياة” نقطة رائعة. والقضاء الإلهي من وجهة النظر الكتابية، والقضاء والقدر المحيطان به من كل جانب. الله هو رب الكون إما بالإتمام إذا كان خيرًا، وبالسماح إذا كان شرًّا. لكن دورنا أن نساعد على الحياة. اختيار بين شر وشر، هذه هي القضية.
في الكتاب المقدس شريعة طقسية انتهت بصليب الجلجثة. الناموس الطقسي انتهى. حتى لو أخذ الشعب الناموس الأدبي -الأخلاقي الاجتماعي- فقد تطور الناموس الأدبي أو الناموس الأبدي. لا تقتل هي لا تقتل، لا اختيار بين شرين ليس هناك نسبية.
هناك أعمال من المعروف أنها شر وتتعارض مع الناموس الأدبي. نحن لا نعرف شريعة إلهية إلا الوصايا العشر. وأي عمل يكسر هذه الشرائع هو شر. ليس هناك مجال للاختيار. هناك أشياء هي خير ولا يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا أي التباس من ناحيتها.
متى صمتم…، تصدقتم. الذي يصوم رياءً، الصوم خير والرياء شر. الذي يصلي ويكرر الكلام، الصلاة خير، وتكرار الكلام شر.
صنع البر، الصدقة. شخص قام بسرقة. العطاء للكنيسة خير، والسرقة شر سماه الرسول بولس في رسالته للعبرانيين “الأعمال الميتة”… يطهر ضمائركم من أعمال ميتة. الأعمال الميتة لا أستطيع أن أقول عنها خيرًا بحتًا أو شرًا بحتًا.
إني أحيي الأستاذ وليم فرج. فالضمير يتشكل من خطايا المجتمع. أختار بين شر وشر. كلام د. صموئيل (أحد الشرين) أحدهما أدبي أبدي أعمله. الآخر غير أخلاقي أرفضه. أنا أمام شرين في نتائجهما. لكن أن أذل واحدًا وأفقره هذا شر مصنوع. الاختيار بين شر مفروض وجوبي، وبين شر اختياري عليَّ أن أرفضه. سيدة حامل، وسيولد جنينًا مشوهًا… هذا شر لكن هل علينا أن نقتله؟ … هل نقبل الشر إذا كان مفروضًا؟ هل يتفق الألم مع الشريعة الأدبية الأبدية؟ المعيار الحقيقي ليس ضمائرنا ولا عقولنا. عليَّ أن أحكم ضميري في إطار وحدود الوصية الإلهية.
د. جرجس ميلاد: هل المسيحية تضعني في مأزق؟ هل أنا كمسيحي، تعطيني المسيحية تبريرًا أو تصديقًا أو تصريحًا للإجهاض؟ هل تصرح لي بإنهاء حياة مريض في النسمات الأخيرة؟ تضعني في هذا المأزق وتطلب مني أن أسأل قسًّا. المسيحية لا تحرم المادة بل تحرم سوء الاستخدام. الأفيون ليس حرامًا أو حلالًا. الأطباء يستخدمون الأفيون. من الناحية الكتابية: حين ذهب اليهود إلى السيد المسيح وسألوه قائلين: هل أخطأ هذا أم أبواه؟ متى أخطأ هذا هل وهو في بطن أمه؟ بولس الرسول أعطاك الحل كفيلسوف عظيم كل الأشياء تحل لي، لكنه يراعي ثلاثة احتياطات:
الحياة بدأت ولن تنتهي إطلاقًا ذلك لأنها مرتبطة بوجود الله. لكن ظهور هذه الحياة يختلف من مكان لمكان.
واعتراضي ينصب على: الآية تقول لا تقتل. لو فرض أني جندي مكلف بأن أطلق النار في محكمة عسكرية. أطلق الرصاص أو لا أطلقه. المسيحية أيضًا تحترم القوانين الأرضية وفي كل زمن. من أقامني قاضيًا عليكم. لو أنا نفسي أقبض على مسجون وأقيده بسلاسل، لكان هذا حكمًا غير لائق. في أيام المسيح كان هذا لائقًا. المسيحية تسير مع التطور وليست ضد الزمن.
د. ق. صموئيل حبيب: أعتقد أن الندوات اجتازت مرحلة رائعة من خلال حوارٍ راقٍ. إننا لا نصدر أحكامًا نهائية في شيء. والأفكار المختلفة التي قيلت تساعدنا على أن نختار القِيَم منها في ضوء كلمة الله.
د. رؤوف وهبة: عندما نستند إلى أحكام الكتاب، أرجو ألا نغفل أمرًا ونركز على أمر آخر. نفس الكتاب، ونفس الله الذي نهانا ألا تقتل في الوصايا العشر، هو نفسه الذي أمرنا أن يُقتل وأن يُعدم المخطئ، وهو نفسه الذي يعطي الصفة النهائية لهذا الحكم، وهل هذا الحكم صحيح، أم غير صحيح، لا أنا ولا أنت نستطيع أن نحكم.
وحينما نقول إن الأمر يُترك للضمير هنا يأتي المحك الحقيقي. نحن لا نقول بأن يترك الأمر فوضى. لكن معنى هذا أننا مسؤولون عن تربية الضمير الصالح الذي يستطيع أن يحكم الحكم الصائب من الناحية العملية أن يحكم بما هو أقرب ما يكون للصواب.
ودور الكنيسة هو تربية الضمير الصالح. بإثارة الفكر في هذه الندوة، علينا أن نفكر، ندرس، ونستعرض وجهات النظر، وليس دورها أن تفرض رأيًا، بل نضع أفكارًا والأفكار المقابلة لها. تخطيط الندوة هو أن تأتي بالرأي والرأي المقابل وإلا ما كان لها قيمة. وهذا العمل جزء من تربية الضمير الصالح، الذي في ضوئه نستطيع أن نحكم على الموقف.
************
سلسلة الندوات العلمية والاجتماعية والبيئية ورأي المسيحية
[القضية الثالثة]:
الهندسة الوراثية من وجهة نظر مسيحية
1992م
***
مقدمة الدار
تسعى دار الثقافة دائمًا إلى تقديم ما يبني الإنسان ككل، الأمر الذي يستلزم طرق كل أبواب المعرفة التي تؤهل الإنسان للتجاوب مع احتياجات مجتمعه بصفة خاصة، والاحتياجات الإنسانية بصفة عامة. وعلى ذلك تسعى دار الثقافة لأن تلم ما تشعب من دروب الفكر المختلفة، كما تستهدف الوصول إلى حلول لبعض القضايا والمشاكل، آخذ في الاعتبار أن يكون العلم سبيلها. ولهذا فقد دأبت على أن تدعو بعض العلماء والمفكرين للجلوس معًا، بغية الوصول إلى وجهة النظر السليمة، والكشف عما يكتنف القضية المطروحة من غموض، وإيجاد حلول لمشاكل وقضايا كثيرة لتحقيق هدفها نحو حياة أفضل.
ومن هنا، كان لزامًا علينا أن ندخل مرحلة أخرى، وهي مرحلة إقامة ندوات دورية، ندعو إليها نخبة من العلماء والمفكرين لمناقشة القضايا التي تشغل بال الإنسان المسيحي، وإيضاح رأي المسيحية فيها.
وحيث إن هناك كثيرًا من الموضوعات التي يحتاج القارئ العربي إلى الإلمام بها، فلا يجد لها مرجعًا إلا في اللغات الأجنبية، فقد راعينا أن نسد هذه الثغرة عن طريق تقديم هذه الدراسات في لغتنا العربية من خلال ما تصدره دار الثقافة من كتب.
ومن هنا، نسألك عزيزي القارئ أن تشاركنا الرأي، بأن ترسل لنا ما يعن لك من رأي أو فكر يتعلق بالقضايا التي تهم الإنسان في عصرنا الحاضر. وسوف يكون كل ما توافينا به موضع عناية ودراسة.
ولكي تعم الفائدة، رأينا أن نضم الأبحاث والآراء المختلفة التي تتناولها الندوات في كتاب يمكن للجميع الاحتفاظ به والرجوع إليه.
دار الثقافة
***
تقديم
إنه يسعد دار الثقافة ويشرفها أن تعقد الندوة الثالثة من سلسة الندوات العملية المسيحية. وإذا كانت الندوة الأولى قد تناولت موضوع “زراعة الأعضاء”، وتناولت الندوة الثانية موضوع “قيمة الحياة” أو الموقف بالنسبة لإنهاء الحياة وإنهاء الحمل بالذات، فإن هذه الندوة تتناول موضوع “الهندسة الوراثية”.
وإذا لم تكن الظروف قد ساعدت على دعوة كل من لهم باع في مجال الهندسة الوراثية، إلا أننا على الرغم من ذلك دعونا شخصيات ممن يُعدون قممًا في مجال تخصصهم، وكل يُعَد حجة في هذا المجال من بينهم أ. د. وليم هاميلتون أستاذ الغدد الصماء بالكلية الملكية بجلاسجو، وكذلك أ. د. وسيم السيسي، و أ. د. وليم فرج أستاذ الفلسفة بجامعة الزقازيق، د. ق. صموئيل حبيب الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية حيث يتناول موضوع الهندسة الوراثية من وجهة النظر الدينية. كما سيشارك إلى جانب هؤلاء أساتذة آخرون ممن لهم آراء قيِّمة بالنسبة لموضوع الندوة.
وموضوع “الهندسة الوراثية” موضوع جديد يثير الفكر في اتجاهات متعددة، ذلك لأنه لا يقتصر على الجانب الطبي فحسب، لكنه يمتد إلى جوانب أخرى عديدة. وليس بخافٍ على أحد منا أن الهندسة الوراثية تمتد إلى مجال تنمية المجتمع وهي وثيقة الصلة بالزراعة والإنتاج الحيواني والتي هي من الأمور الهامة للمجتمع ولا سيما المجتمع المصري.
في مثل هذه الأيام من العام الماضي، بدأنا نسمع في المجال الطبي بالذات عن بعض التطبيقات الحديثة جدًّا عن الهندسة الوراثية في المجال الطبي، أو بالأحرى تطلعات إلى تطبيقات للهندسة الوراثية في المجال الطبي، ومما لا شك فيه أننا جميعًا قد سمعنا عن التفكير في موضوع كيفية التحكم في الأورام الخبيثة عن طريق استخدام الهندسة الوراثية.
ولسوف نطرح في هذه الندوة كل هذه الأفكار لنناقشها معًا، وذلك بأن تتاح الفرصة لكل متكلم أن يطرح فكره تباعًا ثم تتاح فرصة للمناقشة لا تتجاوز عشر دقائق على أن تتاح فرصة أخرى للمناقشة بشكل أوسع في نهاية الندوة حتى نستمع لكل آراء المتخصصين الحاضرين معنا لكي نستنير بكل ما يقدم من فكر.
لواء طبيب: رؤوف وهبة
مقرر الندوة
***
الهندسة الوراثية بين الماضي والمستقبل
أ. د. وليم هاميلتون
يمكن أن نعود بالهندسة الوراثية إلى “مندل”، الذي كان راهبًا في أحد الأديرة، وكان يوجه اهتمامًا كبيرًا بالدراسة العلمية في مجال الوراثة، وكان يجري أبحاثه بصفة خاصة على نوع من أنواع الذباب يُسمى “الدروسوفيلا”. قسَّم “مندل” الصفات الوراثية إلى صفات سائدة وصفات متنحية، وصفات وراثية مرتبطة بالجنس (sex linked). وهناك بعض الصفات الوراثية في الإنسان قد لا يكون لها تأثير ملحوظ عليه سوى أنها تكسبه صفة معينة كنوع الشعر أو لون العينين. إلا أن هناك من الصفات ما لها تأثير على الحالة الصحية والجسدية للإنسان، بل إن بعضها يكون تأثيره خطيرًا للغاية.
والمفهوم الحديث عن عمل الجينات هو أن كل جين (عامل نقل الصفات الوراثية) له ارتباط وثيق بأنزيم معين. فكل جين “يؤثر على” أو يتحكم في تفاعل معين بين أنزيم معين وأنزيم آخر. وعلى هذا فإن مجموعة الجينات “تساعد على” أو “تتحكم في” تفاعلات كثيرة في الجسم تنتج عنها الحالة الصحية للإنسان. فإذا كان أحد هذه الجينات غير طبيعي فسيؤدي هذا ببعض الأنزيمات إلى أن تعمل بطريقة غير طبيعية ومن ثم يصبح الإنسان في حالة مرضية.
أنتجت شركة ماي أند بيكر (May & Beker) -في الأربعينات من هذا القرن- دواء كان يُستَخدَم في التحكم في حمى النفاس التي كانت في ذلك الوقت من الأمراض الخطيرة التي تفضي إلى نسبة عالية من الوفيات بعد الولادة. ومن مشتقات هذا المركب أو هذا الدواء صُنعت كل مشتقات “السلفا” التي تُستخدم في علاج الكثير من الأمراض المعدية. ويدخل في التركيب الكيماوي لمركبات السلفا “الأمينوفينايل” (Aminovenyl)، والذي ثبت أنه يؤثر على الجينات. وكذلك حدث منذ فترة ليست بعيدة أن استُخدم عقار في علاج قيء الحمل. وثبت أيضًا أنه يمنع عمل بعض الجينات. ونتذكر جميعًا أنه من نتيجة استخدام هذا العقار أن وُلد بعض الأطفال وبهم تشوهات خلقية أبرزها أن وُلد البعض منهم بلا ذراع أو بلا ساق.
من هذا نرى أن المجال الطبي (ودون قصد) كان متداخلًا في الهندسة الوراثية نتيجة استخدام بعض الأدوية. إلا أنه في الربع الأخير من القرن العشرين، اتجهت الجهود في مجال الطب إلى محاولة استخدام الهندسة الوراثية لما فيه فائدة الإنسان. وكان السبيل إلى ذلك دراسة الجينات ومحاولة الوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية للأمراض. ومن الوسائل التي تُستَخدَم فيها الهندسة الوراثية للوصول إلى أمور نافعة للإنسان القيام بزراعة أنسجة أو خلايا معينة، ثم إزالة الغلاف الخارجي للخلية، ثم تؤخذ مكونات الخلايا للدراسة. وقد اتُّبعت في ذلك أساليب عدة نذكر منها:
ولا يقتصر الأمر على تشخيص المرض، بل تعدى ذلك إلى خطوة جديدة، تتمثل في محاولة معرفة تركيب المادة المضادة للهيموفيليا والموجودة بجسم الإنسان وذلك على وجه التحديد. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في البحث عن بروتين شبيه أو قريب جدًّا في تركيبه من البروتين المضاد للهيموفيليا، في خلايا بعض الحيوانات أو غيرها ثم يُنتج هذا المركب من هذه الخلايا. ولقد وُجد أن نوعًا من أنواع البكتيريا وهو “E.Coli” ينتج مركبًا قريبًا جدًّا من المادة المضادة للهيموفيليا. ويحاول الأطباء حاليًا أن يدخلوا في تركيب البلازميدات البروتين الناقص، أو الذي يعوض النقص الموجود وبذلك يتحكمون في مرض الهيموفيليا عن طريق المادة المضادة لهذا المرض من البلازميدات في البكتيريا ثم استخلاص هذه المادة وتنقيتها وإعطاؤها للمريض وبذلك يتحقق شفاؤه.
وهكذا -وعن طريق الهندسة الوراثية- لم يعد الأطباء مجبرين للتحكم في مرض الهيموفيليا عن طريق نقل الدم الطازج لمنع النزيف، بل أصبح بمقدورهم إعطاء المريض مادةً تمنع النزيف تم إنتاجها عن طريق الهندسة الوراثية. كما أصبح إنتاج الأنسولين وبعض الهرمونات الخاصة متاحًا الآن، وبهذا لم تعد هناك ضرورة لاستخلاص هذه الهرمونات من جثث الموتى، أو من بعض الحيوانات مثل الخنازير، بل تُنتج الآن في صورة نقية بفضل الهندسة الوراثية.
مستقبل الهندسة الوراثية وتطبيقاتها
سنذكر في هذا المجال مثلًا واحدًا. من المعروف أن هناك مرضًا يصيب بعض الأطفال وهو “التكيس المتليف” (Cystic Fibrosis)، وهذا المرض يصيب أعضاء متعددة في الجسم مثل الكبد والبنكرياس والرئة والكليتين. والمشكلة الأساسية في هذا المرض هي أن المادة المخاطية التي يفرزها الجسم تكون سميكة جدًّا (Viscid) بحيث تسد القنوات التي تسير فيها. وسبب هذا المرض عدم قدرة الجسم على إنتاج أنزيم معين، يعمل على تليين المخاط، ويرتبط ذلك بأحد الجينات المعينة. هذا مرض وراثي متنحٍّ. وبالنظر إلى أن التركيب الكيماوي للأنزيم معروف الآن، فمن ثم تُجرى محاولة لتحضيره وإدخاله في البويضة المخصبة داخل رحم الأم وذلك بعد بداية الحمل.
وقد يستلزم هذا إجراء عملية الإخصاب بين البويضة والحيوان المنوي خارج الرحم (كما هو متبع بالنسبة لأطفال الأنابيب)، وبعد عملية الإخصاب، تؤخذ البويضة الملقحة ويُدخل فيها الأنزيم الناقص، وبعد ذلك يمكن إدخال الجنين في الرحم. وهكذا فإنه عند اكتمال تكوين الجنين لا يكون فيه هذا العيب الخلقي. بهذا يتضح لنا الآن لماذا يتطلع الأطباء إلى الوقت الذي يستطيعون فيه التحكم في شفاء أمراض كثيرة من تلك التي تنتج عن نقص الأنزيمات وذلك عن طريق استغلال الهندسة الوراثية. إلا أنه ثمة أسئلة تتعلق بهذا الموضوع من بينها:
كلنا يعرف أنه من الممكن أن تؤخذ عينات من السائل الأمينوسي (السائل المحيط بالجنين في الرحم)، وعن طريق دراسة هذه العينات، يمكن التوصل إلى معرفة الكثير من الأمراض، أو من عيوب الجينات. ولكي نصل إلى هذا الأمر يتعين علينا أن نعرف ما الذي نبحث عنه. واكتشاف هذه الأمراض قبل الولادة في الطفل الأول قد يكون صعبًا. ولكن بعد ولادة الطفل الأول ومعرفة المشكلة التي نحن بصددها يسهل اكتشاف هذه الأمراض في الأطفال الآخرين.
هناك بعض التغييرات التي تحدث في كروموسومات معينة وليس في الجينات فحسب، ولو استطعنا رؤية هذه التغييرات أمكننا توقع أن الطفل من المحتمل أن يُصاب بمرض معين كسرطان الدم مثلًا. وهناك شكل معين للكروموسوم (فيلادلفيا كروموسوم). فلو رأينا هذا الكروموسوم أمكننا القول بأنه من الممكن أن يُصاب الطفل بسرطان الدم.
هذا أمر ممكن عن طريق دراسة الكروموسومات. فهناك بعض الأمراض الوراثية المرتبطة بتغييرات في الكروموسومات، نسبة حدوث الأمراض الخبيثة فيها أعلى مما هي بالنسبة لأولئك الذين ليس عندهم المرض. وهذا يبين لنا أن هناك نوعًا من الارتباط بين التغير في الكروموسوم الذي يحدث في المرض الأصلي مثل “المنجوليزم” (تخلف عقلي ومشاكل أخرى) وبين حدوث أمراض خبيثة.
وهناك أمراض خبيثة مثل سرطان الكلى، فقد وُجِدَ في هذا المرض كروموسوم معيَّن غير طبيعي؛ فهناك ترابط بين تغييرات في الكروموسوم أو في شكله والأمراض الخبيثة. وهناك جين معين على كروموسوم خاص في المرضى المصابين بسرطان الكلى. هذا الجين اسمه انكوجين، أي الجين المنتج للسرطان. وهذا معروف بالنسبة للأورام الخبيثة.
وأسلوب محاولة اكتشاف ما إذا كان الأطفال معرَّضين للإصابة بأمراض معينة أمر تحديده صعب للغاية. ومحاولة ذلك تكلف الكثير. إلا أن بعض الحالات الخاصة من الممكن اكتشافها ومنها حالات التكيس التليفي (Cystic Fibrosis). ذلك أنه يمكن اكتشاف مثل هذه الحالات عن طريق كمية الصوديوم الموجودة في العرق. لذلك يمكن بالنسبة لأي اثنين مقبلين على الزواج اكتشاف ما إذا كانت عندهما هذه الحالة أم لا، وبالتالي يمكن توقع احتمال حدوث هذه الأمراض بالنسبة للأطفال. وعلى هذا يجب أن يُفحص الشاب المقدم على الزواج لاكتشاف مثل هذه الحالات. إلا أن توقُّع مثل هذا بالنسبة لكل الأمراض أمر صعب للغاية واكتشافه يشكل صعوبة بالغة. والأفضل ألا نستسلم للعاطفة بل نترك العقل الواعي يقود هذه الأمور.
***
تاريخ الهندسة الوراثية
وبعض التطبيقات العملية
أ. د. وسيم السيسي
ليس هناك موضوع علمي واجه مثل الثورة التي واجهت الهندسة الوراثية. ومع أن تاريخ علم الهندسة الوراثية يتراوح ما بين 20 أو 25 سنة، إلا أنه على الرغم من ذلك -ولأول مرة في التاريخ- فإنه إزاء هذا العلم انشق علماء على علماء، وليس علماء رجال دين، ولا رجال دين على علماء كما يحدث دائمًا. بل إن كارتر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أصدر قرارًا بإيقاف العمل في معامل الهندسة الوراثية مدة سنتين. وبرز من يقول إن الهندسة الوراثية أخطر من القنبلة الهيدروجينية ومن بين أولئك الذين يعرفون الهندسة الوراثية معرفة سطحية نجد من يقول إن دراكولا Blood sucker (أي مصاص الدماء) جاء نتيجة الهندسة الوراثية. أي أن الهندسة الوراثية قد تنتج لنا أجيالًا من مصاصي الدماء، ولذلك يجب أن يصدر حظر على هذا العلم من الآن.
والذي يجب أن نعرفه أن الإنسان مكوَّن من خليتين، والخلية 23 كروموسومًا، إحداهما بويضة والأخرى حيوان منوي. وعند اتحاد الخليَّتين معًا، ينجم عنهما خلية 46 “كروموسومًا”. وتأخذ الخلية في الانقسام حتى يصبح الشخص الكامل 60 مليون خلية، مع ملاحظة أن الخلية الجسمية لا تنقسم -فالخلية الجسمية بها جينات مثبطة للانقسام، إذا انقسمت فإنها تنتج خلايا مشابهة فقط.
أجريت في سنة 1970 تجارب في سويسرا وإنجلترا وأمريكا، وذلك على خلية مأخوذة من أمعاء ضفدعة (أي خلية جسمية)، وعُمل تثبيط للجينات المثبطة Inhibition to the inhibitory gene وذلك باستخدام سيتو بلازم وليس مادة جينية genetic material. وهنا بدأت هذه الخلية الجسمية تنقسم وتتشكل وتخرج ضفدعة كاملة مثل الضفدعة التي اُخذت أمعاؤها وتحمل 100% من صفات الضفدعة الأم، أي أن الضفدعة الناتجة كانت مطابقة تمامًا للضفدعة الأم من ناحية الشكل والتركيب وكذلك في العوامل الوراثية أيضًا genetically and structurally the same، وذلك على الرغم من أنه مولود في زمن غير الزمن، ومكان غير المكان.
ثارت الجماهير وقامت المظاهرات في أمريكا وإنجلترا وسويسرا تقول “اليوم ضفدعة وغدًا إنسان” today frog tomorrow man، لقد حدث هذا الانفجار الأخلاقي الديني بسبب النسل الناتج هذا. هل هو ابنك؟ لا. هل هو أخوك من أمك وأبيك؟ لا… من هو إذًا؟ أنت تولد من جديد أمام عينيك. ولأول مرة في تاريخ البشرية يمكن للإنسان أن يشهد طفولته وصباه ومولده ورجُولته.
وثمة أمر آخر وهو أن جراحة الخلية الميكروسكوبية بدأت تدخل في الهندسة الوراثية. فالشريط الوراثي لا يزيد طوله عن مليمتر واحد أو مليمترين، وبرغم هذا نجد عليه 5000 جين، وكل جين يحمل صفة من الصفات الوراثية. فقد وصل جبروت الهندسة الوراثية إلى درجة إمكانية أن يُقص ويُقطع ويُلحم في هذا الشريط الوراثي بهدف استبعاد اثنين أو ثلاثة من الجينات غير المرغوب في وجودها. إنه لأمر مخيف أن يصبح في الإمكان تغيير الخرائط الوراثية في النبات وفي البكتيريا بل وفي الإنسان أيضًا.
لقد دخلت جراحة الخلية Cellular Surgery في الهندسة الوراثية. واستطاعت أن تلعب دورًا كبيرًا جدًّا في هذه الناحية. فعلى سبيل المثال يمكن أن يُستأصل أحد الجينات مثل onco gene، وهو الجين المسبب للسرطان. ويمكن بإدخال بعض الأحماض الأمينية amino acids في الجينات أن تكتسب الخلايا صفات لم تكن موجودة بها أصلًا. تملَّك البعضَ خوفٌ شديدٌ من الهندسة الوراثية فهاجمها أحدهم بقوله: “إننا على شفا انفجار علمي، فلأول مرة أصبح بمقدور الإنسان أن يدمر نفسه، بل ويدمر الموكب الذي يعيش عليه.”
إلا أن هناك أيضًا من هب يدافع عن الهندسة الوراثية، ويتصدى للهجوم عليها. فقال أحدهم: إن مفهومنا للدين يجب أن يتغير، ذلك أن فهمنا للدين يتغير، أما الحقائق فلا يمكن أن تتغير. وبالنسبة للأخطار التي قد تنجم عن الهندسة الوراثية، فهنا نقول: أي شيء في العالم لا تنجم عنه أخطار أو كوارث؟ بل كثيرًا ما تحدث الكوارث بسبب الماء، وكذلك النار، فهل معنى هذا أن نلغي الماء أو النار، إن المفروض أن نستفيد من الهندسة الوراثية بقدر الإمكان، وعلى الرغم من كل ما يمكن أن ينجم عنها أو بسببها.
لقد أصدر كارتر أمرًا بإيقاف العمل في معامل الهندسة الوراثية مدة سنيتن اعتبارًا من سنة 1977، إلا أنه حين زاد عليه الضغط قال إنه من الأفضل أن نقسم معامل الهندسة الوراثية إلى أربع مجموعات، ذلك أننا لا يجب علينا أن نعوق العلم بل نشرف عليه. ووُضعت المجموعة الرابعة تحت إشراف ادوارد كيندي شقيق الرئيس الراحل جون كيندي ووُضعت عليها تنظيمات دقيقة، وأي ميكروب جديد يعمل أي DNA، يتم تعديله أو تغييره، بحيث إذا أفلت من المعامل لا يعيش. ويقال إن فيروس الإيدز AIDS، فيروس من الفيروسات المُخلَّقة في أحد معامل الهندسة الوراثية، ثم أفلت من المعمل. ومن الطبيعي أن أي فيروس جديد يمكن أن يقضي على البشرية.
في قصص الخيال العلمي في الثلاثينيات، تُخيل أن أناسًا من المريخ هاجموا الكرة الأرضية. وقيل إن الذي قضى على أولئك القادمين من المريخ هي بكتيريا الأرض لأنهم غير معتادين عليها. وأي ميكروب جديد لم يعتد الناس عليه يمكن القضاء عليهم. وذُكر أنه في عام 1948 قضت الإنفلونزا على 18 مليون شخص. وهذا ما يمكننا من أن نتخيل ما يمكن أن يسببه فيروس أو ميكروب جديد.
والسؤال الذي يبرز الآن هو: هل يا ترى الهندسة الوراثية هي برمتها شر من الشرور، أم إننا استفدنا منها؟ … وللإجابة على ذلك نقول بأن الأنسولين -وكلنا يعلم مدى فائدته- كان يُستخلص دائمًا من البنكرياس في الخنازير، إلا أنه عن طريق الهندسة الوراثية أمكن أن نعمل “أنسولين” بشريًّا Human insulin. وهو متوافر في مصر ويُباع في صيدليات القاهرة، أي أن الموضوع ليس خيالًا بل حقيقة. وبفضل الهندية الوراثية أصبح من السهولة بمكان تخليق الهرمونات الطبيعية natural hormones. وأمكن إضافة بعض الأنزيمات إلى خلايا معينة تعيش في مياه المحيطات. كما أمكن تخليق بعض الفيتامينات من بكتيريا تعيش على البترول في الرمال في السعودية.
لقد أخذوا البكتيريا التي تعيش في مياه المحيطات وأدخلوا فيها الجين الذي يحول البترول إلى ثاني أكسيد الكربون، وبهذا، وُجِدت بكتيريا جديدة تستطيع أن تتغذى على البترول في الماء. فإذا ما حدث أن انفجرت إحدى ناقلات البترول في البحر فإن تلوث المياه يمكن أن يعالج بهذه الطريقة. كذلك أصبح من المفروض -بقدر الإمكان- أن يتطعم كل شخص ضد الالتهاب الوبائي الكبدي. وعن طريق الهندسة الوراثية أمكن تخليق الانترفيرون الذي أصبح يُستخدم ضد الالتهاب الكبدي وضد السرطان أيضًا. بل استُخدمت الهندسة الوراثية أيضًا في تخليق بكتيريا تعيش على الدهون التي تسد مواسير الصرف وتحولها إلى غازات. كذلك أمكن تخليق بكتيريا تفرز صبغة سمراء ويمكنها أن تعيش في درجة حرارة “-8”. وفي سيبريا تُوجد مساحات شاسعة لا تُزرع لأنها مغطاة بالثلوج، وأشعة الشمس تسقط على الثلوج ثم تنعكس. ولو امتصت الثلوج هذه الأشعة فسوف تذوب وتصبح الأراضي صالحة للزراعة. وهذه البكتيريا تفرز مادة ملونة يمكنها امتصاص أشعة الشمس فتذيب الثلوج وبذلك يمكن زراعة هذه المساحات الشاسعة.
كذلك -باستخدام الهندسة الوراثية- يمكن في المستقبل التحكم في الشيخوخة. لو أخذنا خلايا من أي إنسان وزرعناها في طبق وبدأت تنقسم بعد فترة فلسوف تصبح خلايا شائخة هرمة. وهذه هي الشيخوخة. فهل يمكن أن نجدد خلايانا، فيأتي جيل من الخلايا بعد جيل آخر، وبهذا نتغلب على الشيخوخة؟ إن هذا أمر ممكن الحدوث ذلك أننا إذا ما أخذنا خلية سرطانية Cancer Cell، ووضعناها في طبق، تنقسم لا نهائيًّا ولا تشيخ. فلو نجحت الهندسة الوراثية في حل هذه المشكلة لثبت كل واحد على عمره كما هو، فمن كان سِنُّه عشرين سنة يظل كما هو حتى بعد تسعين أو مائة عام.
وهناك من يحاولون البحث عن المنجنيز واليورانيوم باستعمال أنواع من البكتيريا. فعن طريق الهندسة الوراثية تم التفكير في نوع من البكتيريا يبحث عن الذهب في قاع المحيطات. فتُربَّى البكتيريا في مكان معين ويعلمونها كيف تبحث عن الذهب. ولقد وُجد أن هناك نباتات تموت من الصقيع والبرد، فبدأ العلماء يخلقون نوعًا من البكتيريا يفرز أنزيمات معينة تُذيب الصقيع فلا يموت النبات.
بدأ بعض العلماء في استخدام هرمونات النمو growth hormone في إيجاد شباب ذوي أجسام طويلة تناسب لاعبي كرة السلة. وفي مشكلة صراع الإنسان من أجل توفير الغذاء nutrition وفيها نجد النباتات في سلام ذلك أن غذاءها متوفر لأنها تحصل عليه من الشمس والماء والهواء، والشمس موجودة، والماء موجود، والكلوروفيل يعمل. والكربوهيدرات يتغذى عليها النبات. فلو أصبحنا مثل النبات في أسلوب تغذيتها لحُلَّت مشكلة الغذاء.
وإذا ما عرفنا أن الهيموجلوبين يتشابه في تركيبه مع الكلوروفيل، وينحصر الفرق في أن الهيموجلوبين به حديد، ولكن الكلوروفيل به نحاس. وهذا الفرق البسيط هو الذي جعلنا عالة على النبات. ولو نجحنا عن طريق الهندسة الوراثية في أن نخلق نوعًا من الهيموجلوبين يمكن أن يصنع الكربوهيدرات في الجسم البشري مثلما يحدث في النباتات لحلت مشكلة الغذاء بالنسبة للإنسان. ومما يجدر قوله إنه قد تحقق نجاح جزئي في هذا المجال إلا أنه مما يُؤسف له أن هذه المادة تتناقص مع انقسام الخلايا، ولو نجحنا في أن تظل هذه المادة كما هي، فمن الممكن في هذه الحالة أن تحل مشكلة الجوع، وتنتهي الحروب بين بني الإنسان.
الكروموزومات عبارة عن أزواج وكل زوجين متشابهين يكونان معًا زوجًا من الكروموزومات. وكل من زوجي الكروموزومات عليه ملايين من الجينات. ولا بد أن يكون الجين المرتبط بعامل معيَّن موجود على نفس المكان في الكروموزوم المقابل أيضًا.
وإذا وُجد الجين في مكان مختلف عن مكانه الأصلي فإنه يعطي صفة مختلفة. وأي تغيير في الصفات ما هو إلا تغيير في الأنزيمات فإذا ما أخذنا لون العينين مثلًا، فإن اللون الغامق أي الأسود العسلي الغامق يعتمد على كمية معينة من المادة الملونة في العين تُفرز أو تكون موجودة نتيجة تفاعلات في الأنزيمات.
والصفة السائدة (أي اللون الغامق) للعينين، لو كان عندي جين واحد فقط يحمل هذه الصفة. يكون لون العينين غامقًا، أما بالنسبة للون الفاتح -الصفة المتنحية- فلكي تكون هذه صفة ظاهرة في الإنسان لا بد وأن تحمل الجينات هذه الصفة المتنحية (اللون الفاتح). أما إذا كان أحد الجينين يحمل اللون الغامق والآخر اللون الفاتح تأتي العينان ولونهما غامق. وإذا كان هناك عدد 2 كروموزوم يحمل أحدهما “جين” يعطي اللون الغامق ويحمل الآخر جين يعطي اللون الفاتح، فعند انقسام الخلية، نجد أن واحدة من الخلايا الجنسية تحمل اللون الغامق، والأخرى تحمل اللون الفاتح. إذًا 50% من الأولاد تكون عيونهم ذات لون غامق، و50% منهم تكون عيونهم ذات لون فاتح.
هل يمكن التحكم في تكنولوجيا الهندسة الوراثية؟
العمليات التي تُجرى بغية التغيير في صفات معينة، أو إدخال شيء من المكونات على حاملات الوراثة، عمليات صعبة ودقيقة وتحتاج إلى معامل متخصصة عالية من ناحية التجهيز والمعدات، ومن ثم فإن إمكانية وجود مثل هذه المعامل أمر صعب للغاية، وفضلًا عن أنها معامل شديدة التخصص فهي مكلفة للغاية. أما التخوف من وقوعها تحت سيطرة أناس قد يستخدمونها بطريقة غير مشروعة فهذا احتمال غير قائم.
ماذا بالنسبة للحرب البيولوجية والبكتيرية؟
إن مرض الإيدز AIDS يمكنه أن يقضي على زائير بحلول سنة 2000. والجمرة الخبيثة يمكن تصنيعها عن طريق الهندسة الوراثية، ومن الممكن أن تقضي على 40% من السكان.
هل يمكن تخليق فيروس معين عن طريق الهندسة الوراثية بطريقة أسهل من التدخل الذي سبق وأن تحدثنا عنه؟
حتى لو تم تخليق فيروس فالأمر هنا يتوقف على ما إذا كان هذا الفيروس مرتبط بـ RNA أو DNA. فهناك نوع منهما حياته محدودة ولا بد من أن ينتهي بعد فترة محدَّدة، فلا خوف منه لأنه لا بد وأن ينتهي، إلا أنه يُوجد نوع آخر لا نهاية له، مثل فيروس AIDS مثلًا أو فيروس الطفح الذي يحدث مع الانفلونزا herpes simplex)) والفيروسات التي من هذه النوعية تكرر نفسها في الجسم، وبهذا فلا شفاء منها بالمفهوم العلمي للشفاء.
وهناك أنواع من الحيوانات تنتج فيروسًا معينًا يحدث بها مرض شبيه بالإيدز. ويتم التخلص من هذا الفيروس بقتل الحيوان الذي يحمله. فهل يا تُرى يمكن التخلص من مرض الإيدز بالنسبة للإنسان بنفس هذه الطريقة؟ وهي من الناحية العلمية تعد الطريقة الوحيدة للتخلص من مرض الإيدز. فهل نقتل الإنسان المصاب بهذا المرض؟
***
الهندسة الوراثية – الجانب الأخلاقي
د. وليم فرج
عندما قدم مفكر مثل أفلاطون كتاب “الجمهورية” حاول أن يصور فيه وجود دولة مثالية “Utopia”. ومثل هذه الدولة يجب أن يتولاها حكام لهم صفات معينة وليسوا من الفلاسفة. واستمرار مثل هذه الدولة في الوجود يمثل مشكلة. فمن يحكم بعد هؤلاء الفلاسفة. نبحث في انتخاب أفراد يصبحون على المدى البعيد حكامًا تتوافر فيهم شروط معينة، أي السعي نحو الوصول إلى إنسان له صفات مثالية. ولماذا يغيب عن أذهاننا قول رجال الكتاب المقدس بأنهم يسعون للوصول إلى إنسان الله الكامل. هذا الإنسان له صورة الإنسان متمِّمًا قصدًا معينًا.
جاء وقت تجسدت هذه الأفكار في أذهان بعض المفكرين (ميتشل) فنتج فكر عنصري مثل فكر هتلر.
لقد وضعنا ميتشل أمام تحديات معينة. فقد كان يسعى لإيجاد منطق إرادة القوة. وكان يبحث وراء وجود عناصر معينة من الناس تستطيع أن تقود دفة الحكم. وهؤلاء ليسوا من الرجال العاديين، بل كان يحلم بالوصول عن طريق الانتقاء الدقيق إلى من أسماهم بالسوبرمان. وهذه كلمة كان لها رنين معين. فهو الإنسان الذي تتجمع فيه وله كل مجموع القوى، وبالتالي يستطيع أن يحكم وأن يقود العالم للأخلاق العامة التي قسمت الإنسان إلى سادة وعبيد. فهو لم يكن يرى أنه من الممكن أن يتصف هذا السوبرمان بأخلاق السادة التي تتسامى وتتعالى ولا بأخلاق العبيد التي تُعتَبَر وصمة عار. فقد قال إنه علينا أن نلاشي هذه كلها في اليوم الذي نستطيع أن نصل فيه إلى إنسان له أخلاق معينة تسعى للارتقاء بالإنسان، وعن طريق قوة إرادته يستطيع أن يسمو بالإنسان. إن عملية الهندسة الوراثية وما وصلت إليه من تقدم كانت حلمًا. فقد حلم بها الفلاحون قبل العلماء.
نعرف من تاريخ الزراعة أن أشجار الموالح كانت من نوع واحد هو أشجار اللارنج، ولكن الفلاح المصري عندما تمكن من زراعة أنسجة على نبات اللارنج توصل لكل أنواع الموالح التي بين أيدينا الآن. خلق الجينات. وقام بهذه العملية بأبسط الوسائل المتاحة عندما زرع أنسجة نبات معين على نبات آخر.
تبين النصوص الفرعونية القديمة أنهم كانوا ينصحون الشباب بعدم زواج الأقارب، لأن الإنسان كان دائمًا يسعى للارتقاء. لم يحاول أن يقف عند حدود معينة. ولما رأى أن الشجرة التي هو منها أو عليها يأتي لها يوم تذبل فيه أو تنهار، سعى إلى التحسين، أي أنه سعى للانتقاء والارتقاء.
عندما فكر هتلر في أن يكون الشعب الألماني شعبًا متميزًا، حاول أن يبعد عن الزواج كل المعوقين حتى لا يحصل على نسل يعوق تقدم الأمة، ووصل به الأمر أن عَقم الذكور حتى لا ينجبوا أطفالًا بهم صفات غير مرغوبة. وهكذا في كل العصور، حاول الإنسان بالفعل أن يتغلب على كل المشكلات التي تواجهه عن طريق الارتقاء لتثبيت صفات معينة.
ونؤكد على ضرورة الارتقاء بكل ما يتطلبه من عمليات وعدم توقُّفها عند حدٍّ معين. فلعل هذا يخلصنا من بعض الأمراض التي تُورَّث للإنسان وذلك عن طريق الابتعاد عن إنجاب أطفال معوقين جسديًّا أو عقليًّا. فنحن نخشى أن تزداد معدلات ولادة المعوقين جسديًّا أو عقليًّا مع تلوث البيئة. فإن استطاعت الهندسة الوراثية أن تصل بنا إلى أمر من شأنه أن يمنع وصول معوقين إلى العالم، فهذا أمر نرحب به. وهكذا يمكن الحديث عن كل الانتصارات والمجالات التي نرجوها من تطبيق هذا الرأي.
نذكر أنه عندما بدأ الإنسان الهبوط على الكواكب المحيطة بالأرض، ارتفعت صيحات الكثيرين بالاعتراض زاعمين أن في ذلك خطر على الإنسان -إلا أنه بعد أن نزل الإنسان بالفعل على القمر وبدأ غزو المريخ، تبدَّل الحال ووجدنا الكل يطالبون بالمزيد من الاكتشافات. ولعل هذا يتيح لنا فرصًا أكثر للحصول على غذاء أو الحصول على المواد التي قد تصبح نادرة على الأرض في يوم من الأيام. وهكذا الحال أيضًا بالنسبة للهندسة الوراثية، فمن المؤكد أنه إذا ما ظهرت نتائج مبهرة والتي قد تتأتى نتيجة جهود العلماء وأبحاثهم، هنا لن يعترض أحد على الهندسة الوراثية إلا بوضع بعض المحاذير ومنها على سبيل المثال:
أولًا: من الناحية الجسدية: يحاول المتخصصون الآن أن يأتوا بعمالقة (فرانكشتين، دراكولا). وهؤلاء نقول لهم: ما دمتم تستطيعون أن تأتوا لنا بأناس صحيحي الأجسام يخلون من الأمراض فنحن نرحب بهذا، أما إذا حاولتهم أن تغيروا في الصفات الجسدية الحالية لكي تعطونا رجالًا ونساء لهم عضلات قوية فحسب، فقد تنشأ أجيال تقاتل بعضها البعض وتتحول الساحة لعمليات مبارزة. ونحن نرفض هذا ونقول لكم: ضعوا أمام ناظريكم مصلحة الإنسان. لا توجدوا قوة تحطم أو تدمر، وتستخدم أجسامها في القتال فيما بينها، وفيما عدا ذلك فلكم مطلق الحرية.
وعلى صعيد آخر: وفيما يتعلق بالتحكم في نسب الذكاء، هنا أيضًا علينا أن نحذرهم بأنهم إذا ما أوجدوا أجيالًا تتمتع كلها بذكاء حاد فلسوف يصبح للتنافس شكل آخر، ولسوف يخل بالنظام الطبقي والأنظمة الاجتماعية وبكل ما هو متعارف عليه. ذلك لأننا -على سبيل المثال- لن نجد من يقومون ببعض الأعمال، ولن ندخل في موضوع أن ترتيب الأعمال يتناسب مع القدرات العقلية (ولو أن هذا وارد). فأولئك الذين يقومون بالأعمال البسيطة، أو الأعمال اليدوية التي تتعارض مع النظافة الشخصية، هؤلاء يتمتعون بقدر محدود من الذكاء. أما الذين يعملون بالأعمال الراقية، فهؤلاء هم الأذكياء على درجاتهم. ونحن نقول إنه إذا استطعنا أن نغير الصفات الموروثة ليصبح الناس كلهم من صفوة الأذكياء فلن نجد في هذه الحالة من يقوم بالأعمال البسيطة أو الوضيعة. ثم إن هذا الذكاء سيُوجد نوعًا من التنافس المرير، فكلما ارتفعت درجة ذكاء الفرد، أدخله ذلك في دائرة صراع أكبر. ونحن إذا ما وصلنا لأجيال تتمتع بذكاء مرتفع، قد نصل بهذه الأجيال إلى حالة صراع دائم بل ومدمر. من أجل هذا نحذر من التلاعب بالموروثات المتعلقة بالذكاء لأنها ستُحدِث خللًا لن نستطيع علاجه.
وثمة أمر خطير آخر تمثل في أن الدراسات التي قام بها الجيش الأمريكي أظهرت أن الصفات الجسدية والعقلية تمر في دورات. فقد لاحظوا أن الأجيال التي تُجند في الجيش الأمريكي بدأت بالأجيال التي تتسم بصفة الطول. الجيل الأول طويل، الجيل التالي أقصر، والذي يليه أزيد قصرًا. ثم تحدث الدورة مرة أخرى، من الأقصر إلى الأطول. ويأخذ مقاييس اختبار الذكاء، وُجد أيضًا أن معدلات الذكاء قد تكون عالية وتأخذ في الانخفاض، ثم تأتي أجيال أخرى ترتفع فيها معدلات الذكاء مرة أخرى، ولهذا فنحن نقول إنه مهما فعلتم في الصفات الجديدة، أو مهما أوجدتم من صفات جديدة، فقد تأتي بعد ذلك أجيال من الذين استطعنا نحن أن نوجدهم ممكن تحمل صفات عكس الصفات التي أردناها، ولا يمكن حسب اعتقادنا أن تظل هذه الصفات مستمرة، إذ سيأتي اليوم الذي تصبح فيه الصفات التي أوجدناها صفات متنحية وتسود الصفات الرديئة التي حاولنا طردها. حينئذٍ سنصل إلى حالة تحتاج إلى علاج قد لا نصل إلى تحقيقه بأي حال من الأحوال. ومن أجل هذا، نكرر القول لرجال الهندسة الوراثية بأننا نرحب بكل ما يفعلونه وبكل محاولاتهم لتخليق أشكال جديدة نحن لا نعترض عليها. لا تقولوا لنا إننا باسم الدين مثلًا قد نقول لكم ليس لكم أن تفعلوا هذا. فنحن دائمًا نرفع شعار: مادام إلهنا قد أعطانا العقل، وهو يسمو فوق هذا العقل، فكل ما نأتيه نحن من عمل هو خاضع لسلطانه، وهو الذي أعطانا القدرة على أن نأتي به.
وإذا استطاع الإنسان أن يوقف الموت فلن نرتعب. لأنه حتى لو تمكن من تحقيق ذلك، فلن نرفضه بل نقول إنه استطاع أن يصل إلى هذا من خلال القدرات العقلية التي أعطاها له الرب. فنحن لا نخاف الهندسة الوراثية. إنما التحدي الذي سيواجهنا في المستقبل يشابه التحدي الذي واجه نظرية داروين. فنحن نجهز كل شيء من الآن فتعالوا وهاتوا ما عندكم. إلا أننا سنضع بعض المحاذير للحفاظ على الكيان الإنساني حتى نتجنب حدوث انتكاس في هذا الجنس البشري الهام. نحن نرقى بالأفكار، وأنتم ترقون بالاحتفاظ بهذه الأفكار.
***
الهندسة الوراثية الجانب الديني
د. ق. صموئيل حبيب
فكرة وجود محاضرات ثقافية تُعد أحد أهدافنا الرئيسية. فقد بدأنا نركز على جانب معين في المجتمع المتدين، إلا أن التقدم العلمي الرهيب أصبح يشكل تساؤلات قد تهز إيمان البعض وتثير شكوكهم، لأنهم لا يقيمون إيمانهم على حقائق أساسية، فتكون النتيجة أن البعض يعثرون. وها هي قضية الهندسة الوراثية وعمرها 20 أو 25 سنة، توضع الآن محل دراسة ومناقشة على الرغم من قصر الفترة التي مرت عليها وهذه أول مرة تتعرض فيها قضية كهذه للدراسة والبحث رغم الفترة الوجيزة التي مرت عليها، والتي لم تتعد حسبما سبق القول أكثر من عشرين أو خمس وعشرين سنة. وهناك بعض القضايا التي مرت عليها مائة سنة، وبعد مائة سنة بدأت الكنيسة تفكر في موقفها حيال هذه القضايا. فكثيرًا ما تكون الكنيسة متأخرة جدًّا حين تناقش ما كان ينبغي أن يكون قد نُوقش ودُرس قبل ذلك بوقتٍ كافٍ.
القضية التي نحن بصددها هي واحدة من قضايا التقدم العلمي؛ فنحن نجد تقدُّمًا علميًّا رهيبًا قد حدث في مجالاتٍ كثيرةٍ وفي فتراتٍ قصيرةٍ. ولقد أخبرني أحد العلماء أن الخمس سنوات التي تمر علينا في أواخر القرن العشرين تمثل في تقدمها -بالنسبة لحقائق المعرفة الأساسية-ما حدث في العالم منذ تاريخ الخليقة حتى عام 1950، وقال إن الحقائق الأساسية التي عرفها العالم من عام 1950 حتى عام 1960 تساوي ما عرفه العالم من تاريخ الخليقة. وأما بداية من عام 1975 ستكون الفترات الزمنية مكونة من خمس سنوات، والحقائق الأساسية في كل خمس سنوات منها تساوي في حجمها ما عُرف منذ بدء الخليقة حتى عام 1950. وهذا ما يعني أننا نواجه عالمًا متطورًا. وأرجو ألا تكون الكنيسة آخر من يواجه الواقع.
الكتاب المقدس ليس كتابًا علميًّا، وعندما اكتُشفت الذرة، حاول البعض أن يبذل جهده لإظهار أن الكتاب المقدس تحدث عنها وهو يثبتها. وهنا يبرز السؤال: هل الكتب المقدسة تُعَد كتبًا علمية؟ وإذا كانت كذلك فيجب أن تخضع للبحث لإيجاد ما فيها من صواب وخطأ. ولكن الكتاب المقدس ليس كتابًا علميًّا بل روحيٌّ وهو يتناول علاقة الله بالإنسان وبالخليقة. ونحن امتداد لهذه الخليقة، والله يتعامل معنا من خلال الخليقة ومن خلال التاريخ. والقضية العلمية تعود بنا إلى عقل الإنسان وهو أعظم قوة خلقها الرب عندما تحدث في سفر التكوين أن الله خلق الإنسان على صورته. وهناك نظريات عن صورة الله في الإنسان، هل هي عقل الإنسان الذي خلقة الله ليكون شريكًا لله في إكمال الخليقة وبذلك يكون للعقل دور أساسي في مشاركة الله في إكمال شأن الخليقة في مجالاتها المتعددة. ولم يكن غريبًا أن يقول الرسول: “أنتم شركاء الطبيعة الإلهية”. وحتى في الحوار والفكر عندما يقول الرسول بولس: “رأى الروح القدس ونحن”… إننا نفكر كما يفكر الروح القدس. إننا شركاء في التفكير، وبالتالي في المسؤولية. إذًا نحن نحمل المسؤولية كاملة للعمل والإنتاج مع الله.
والقضية التي أمامنا الآن لها جوانب عدة. ونحن بصدد علم الوراثة، وهو من العلوم الرائعة جدًّا. هل من حق الإنسان أن يغير في أية أشياء موروثة في طبيعته؟ هنا نعود إلى الحقيقة العملية والكتابية. فالوراثة ترتبط بالعوامل الموروثة عن الأب والأم والتي تظهر في الكروموزومات والجينات. معنى ذلك أن العوامل الموروثة هي نتيجة التقاء إنسانين. العوامل الوراثية هنا هي عوامل طبيعية Physical. إذًا فإجراء تغيير في بعض العوامل الوراثية الموجودة في التكوين الجسدي هو وضع طبيعي باعتبار الكيان الجسدي جسديًّا، من هنا نرى أن تغييرًا في بعض العناصر الوراثية يُعتَبَر شيئًا طبيعيًّا. والعلم يقول إنه من خلال التكوين الجسدي نستطيع أن نعمل تركيبة تساعد الإنسان على حياة أفضل، وهذا أمر رائع في الإنسان إذا أمكن عن طريق الهندسة الوراثية معاونة الإنسان على تفادي الألم والمعاناة. ولسوف يكون الأمر رائعًا لو أمكننا معرفة أن جنينًا سيولَدُ معوقًا عقليًّا وعرفنا ذلك قبل ولادته. فلو منعنا ولادته نكون بذلك قد أنقذنا والدين من معاناة أليمة ومن قلب يتمزق. إننا بهذا نكون قد أنقذنا أفرادًا من آلام محققة. فكل ما يأتي للإنسان لكي يجعله صحيحًا يتفق مع تعليم الكتاب وهذا واضح من قول الرسول: “أروم أن تكون صحيحًا”. وعندما تكون هذه الرغبة -أن يكون الإنسان صحيحًا من كافة الجوانب، جسديًّا ونفسيًّا وروحيًّا- وهي رغبة ترتبط بحياة الإنسان، إذًا فكل ما يأتي عن طريق الهندسة الوراثية لعلاج الأمراض أو تفاديها يتفق مع إرادة الله الذي يريد أن يتمتع الإنسان بحياته وأن ينعم بحياة طيبة من كافة نواحيها. وهنا يقف العلم جنبًا إلى جنب مع الفكر الكتابي، وتأخذ الطاقة العملية دورها لإنقاذ الإنسان وتهيئة الحياة السعيدة له -وسعادة الإنسان هي قصد الله منذ بدء الخليقة. وكل ما يقع غير ذلك إنما يتأتى نتيجة الأخطاء البشرية أو الشرور الطبيعية، التي صارت الآن مفاهيم ترتبط بقضية القضاء والقدر. التحكم في الأورام أمر حسن جدًّا. وهنا نأتي إلى الجانب الثاني من الهندسة الوراثية لو أرادنا أن نتقدم بها للتحكم في إنسانية الإنسان فلربما نتعثر قليلًا. فمثلًا عن طريق الهندسة الوراثية نريد أن ننشئ أجيالًا مثقفة تستطيع أن تتحكم في مستوى ذكاء البشرية وبعد ذلك تصبح الحياة وسيلة لا غرضًا، والغرض هو إنتاج مستويات فكرية ترتبط وتنتج، وبذلك نكون قد حرمنا الحياة من العلاقة الإنسانية. هنا نجد أن التنوع يعطي الحياة شيئًا من الجمال، والتعددية تعطي الحياة شيئًا من الروعة. فمن خلال التعددية تجد الإنسانية جزءًا رائعًا من متعتها واكتمالها. وقد يعاوننا قول بعض علماء النفس عن البعض “إن مستويات الذكاء العليا جدًّا يغلب الظن أن أصحابها يفتقرون إلى أساليب المعاملة الإنسانية الجيدة. والقدرة على التكيف لا تعني ارتفاع مستوى الذكاء. كما قد لا يكون ذلك دافعًا للإقلال من القدرة على الإبداع والابتكار. الذكاء المتوسط ربما كان أنجح وأروع في الناحية الإنسانية. والإنسانية هي خلقة الله، وهي صفة من أروع الصفات التي نتمتع بها. وروعة الإنسانية في قيمتها في التفوق وقيمتها في الضعف. وقيمة الإنسان أنه إنسان، ولأنه مرة يكون قويًّا وأخرى يكون ضعيفًا. هذه الروعة في القِيَم الإنسانية هي التي تجعل العلاقات الإنسانية المرتبطة جزءًا من قصد الله فينا، وتجعل الحياة الإنسانية عامرةً بالروعة والاكتراث، ومن هنا أقول إننا نساند الهندسة الوراثية كل المساندة بالنسبة لكل ما تصبو إليه شريطة ألا تتدخل في خلق زوجين صناعيين يتزوجان لأنهما على درجة ذكاء معينة كي ينجبا نسلًا على درجة ذكاء معينة، والقيمة في نظري ومن وجهة نظر تعليم كلمة الله أن الشركة بين الزوجين هي الهدف من الزواج وليس النسل، والنسل هدفٌ تالٍ ونابعٌ عن الشركة. وأقول أخيرًا، إننا نتطلع إلى الحياة في روعتها. ويمكننا القول بأننا ننتظر خيرًا كبيرًا من الخطوات الحديثة التي تساعد الإنسان على حياة أفضل وعلى كائنات أفضل.
لننظر إلى الفلاح المصري الذي يستخدم الشادوف لريّ فدان أو اثنين، لو استخدم الذكاء لأصبح العالم أروع وأحسن ولأمكَنَنا أن نزرع قُطرًا بأكمله مثل السودان الذي يمتلك أكبر مساحة زراعية في أفريقية. إذًا نحن في حاجة إلى الذكاء، وعندما نوصل الذكاء للعالم كله حينئذٍ يمكن بحث ما إذا كنا في حاجة إلى الذكاء أم لا.
وللإجابة على هذا التساؤل، نقول إن أقوى ما في جسم الإنسان هو العقل، ووظيفة العقل هي الذكاء. وهذا أمر يتفرَّد به الإنسان، وبه يتفوَّق ويمتاز عن الحيوانات. أما بقية أجزاء جسمه، فهناك حيوانات كثيرة تتفوق عليه من هذه الناحية. لو قام أحد برحلة سريعة ونظرنا إنسان بكين المنتصب القامة، الجمجمة 700 سم وأكبر من الشامبانزي بـ 200 سم، وهذا من 800,000 سنة مضت.
والذكاء عملية تطورية شئنا أم لم نشأ. والهندسة الوراثية تستهدف عمل طفرة. فما نصل إليه في 40,000 سنة نحصل عليه في 500 سنة ونصل بالإنسان إلى ذكاء أكثر وسلام أكثر. قضية الذكاء طُرحت أكثر من مرة، وهي قضية مُعقَّدة للغاية. والذكاء ينقسم، ليس عن القدرات العقلية أو العبقرية. فثمة شخص ذكي في جانب معين، لكنه غبي في جوانب أخرى. والذكاء ينقسم إلى نوعين ذكاء تعبيري وذكاء غير تعبيري verbal and non-verbal، القدرة على الكلام واستخدام الحركة واستخدام الأيدي. أما social intelligence الذكاء الاجتماعي، فهو القدرة على التعامل مع الغير.
ليس كل الناس متدهورين في علاقاتهم الاجتماعية. معظم الأذكياء يتولد فيهم إحساس بالعظمة والتفوق ويستخدمون هذا كأسلوبٍ دفاعيٍّ defense ويبتعدون عن بقية الناس. ولكن هناك بعضًا من العباقرة ممن يتميزون بخفة الدم ولهم علاقات اجتماعية ناجحة. وموضوع الذكاء وعلاقته بالإجرام وعلاقته بالتنافس بين الناس، هذا موضوع آخر وله جوانب معقدة جدًّا. فالمجرمون ليسوا دائمًا هم الأكثر ذكاءً. فالذين يُقبض عليهم ونراهم في أقسام الشرطة هم الأقل ذكاء، لأن من يتمتعون بذكاء أكثر هم الذين يهربون من الشرطة. فالقضايا الأخلاقية -إنسان أقوى- قضية الذكاء، كلها تمثل جوانب أخلاقية لا ينتهي فيها الحوار –ومثل الوزنات. كلما استطاع الإنسان أن يكون أذكى، وأكثر معرفة وأقوى يكون أفضل. ومع ذلك يجب أن نضع في الاعتبار قيمة الإنسان، فليس الأكثر ذكاء هو الأكثر قيمة، وليس الأكثر قوة هو الأكثر قيمة من الأقل ذكاء أو الأضعف. فالإنسان حتى لو لم يكن ذكيًّا أو قويًّا له قيمة أبدية لأنه صورة الله. هو كذلك سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، سواء كان غنيًّا أو ضعيفًا. ومع ذلك فواجب الإنسان أن يسعى لكي يطور معرفته وقدراته.
أما عن الناحية اللاهوتية فيما يتعلق بموضوع أن الإنسان يستطيع ألا يدخل في شيخوخة (قضية الموت)، فيجب أن نعلم أن الأبدية eternity، ليست مدة زمنية، وليست مسافة، بل عمق روحي. فالإنسان إما أن يعيش الأبدية هنا والآن، وإلا سيُحرَم من الأبدية هنا والآن.
والقضية الثانية: إذا كانت عندي قدرة على التحكم في عمري أعيش 200 سنة، أو 300 أو 400، هنا يطرأ كثير من الصراعات أولها ما قاله الرسول بولس في فيلبي 2 “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح.” فهو يريد أن يتخلص من الجسد –ومن ناحية أخرى يريد أن يبقى في الجسد- إذا كان في يدي أعيش أو لا أعيش (صراع روحي آخر)، ومطروح علينا إعادة تعريف مسألة الانتحار. أتحكم في نفسي، أموت أو لا أموت –الهندسة الوراثية ستطرح أمامنا طفرة أهم من الذرة، وتخلق نوعًا جديدًا من الإنسان، وهذا ما يضع علينا مسؤولية التفكير ويضع أمامنا القضايا اللاهوتية والأخلاقية والروحية المتباينة والمخيفة.
وقال أحدهم: بالنسبة للهندسة الوراثية فما ترمي إليه أمر طيب وممتاز وهو لا يتعلق بالذكاء فقط، ولكن بزيادة الذكاء، سوف يظهر نوع آخر من التعاملات. قد يكون في هذا النوع الآخر نزعة شريرة أو ميل للعنف أو التمرد أو التطور غير المحبوب، ولكن يجب أن يكون هناك دور آخر للكنيسة تواجه به مثل هذا التطور، لأن الذكاء كنوع من أنواع التطور مفروض أن يجابه بأساليب خدمة جديدة، وتعاليم جديدة تتفق مع الكتاب المقدس لأنه ليس لأيام معدودة بل للعمر كله. لا أستطيع أن أتحدث عن شيء سيحدث بعد 50 عامًا، بل أستطيع أن أتساءل كيف تكون الخدمة، وما هي أساليب التعامل مع هذه التطورات وكيف تكون؟
وفي تعليق للدكتور وليم فرج قال: لو أخذنا قرية مغلقة نجد أن نسبة ثابتة موجودة بين عدد الذكور والإناث 201 ذكور: 200 إناث وذلك على مدى خمس سنوات، وأي خلل لابد وأن يسبب المشاكل. وبالنسبة للمخ، فنحن لا نتميز عن الحيوانات بالمخ، بل بالعقل (أي ليس بالمخ العضوي) بل بالعقل، بإمكانية أن نعي، وفضلًا عن ذلك فمستوى الذكاء أمر ليس له الأهمية الكبرى لأنه قد ييسر أمور الحياة فحسب. أما المهم فهو أن يعرف الإنسان أن له عقلًا ويعي بهذا العقل، فقد يعيش إنسان ويموت دون أن يستثمر هذا العقل، فهناك خوف من استثمار العقل.
ثم إن الاختلاف في درجة الذكاء يُوجد نوعًا من التكامل وبالتالي يظل التناغم موجودًا بين الناس مهما عملت الهندسة الوراثية. والهندسة الوراثية قد يكون لها أثر من ناحية فساد الأخلاق، ولكنها لا تستطيع أن تصلحها. وبالنسبة لنسب الذكاء، توجد مستويات مختلفة من الذكاء (Diversity) وهذا ما نطلق عليه أحيانًا اختلافًا ولكنه في الواقع تناغم إذا يجب أن نحافظ على المستويات المختلفة من الذكاء وذلك ليبقى التناغم بين الناس قائمًا.
ونعود للقول بأنه مهما عملت الهندسة الوراثية فلن تحقق إصلاح الأمور الأخلاقية. والقاعدة القديمة التي تقول إن أولاد المجرمين مجرمون، قاعدة فاسدة، فليس الأمر هكذا دائمًا، وليس أولاد العلماء علماء إنما المهم هو عملية التنشئة والتطبيع فهي التي تتحكم في هذه الناحية.
وفي كلمة أخيرة للدكتور وليم هاملتون قال:
كل مجموعة الجينات في جسم الإنسان والتي تبلغ الملايين تُسمَّى جينات الإنسان، وقد حدث أن جاءني ذات مرة أحد شباب الباحثين يطلب استخدام المعامل الخاصة به للبحث عن الجينوم الإنساني فقلت له إن هذا الأمر قد سبق وبحثه الله، لأنه هو الذي حدد الجينوم الإنساني، وإن كل ما يتم في مجال الهندسة الوراثية إنما يتم في إطار الجينوم الإنساني الذي سبق أن حدَّده الله ونحن نعلم أننا خُلقنا من تراب الأرض. ولقد تحدث الرسول بولس في 1كورنثوس 15 عن هذا الجينوم الإنساني، وعرفنا بأنه يحتم الموت والفساد، ولكن حينما نُقام في الجسد الروحاني، فإن الله يعطينا (جينوم) روحانيًّا. وهكذا يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، وهذا المائت عدم الموت. وفي الرسالة إلى أفسس يقول إنه يجب علينا جميعًا أن نسعى لنصل “إلى قياس قيامة ملء المسيح” (أف 4: 13). نعرف أن المسيح ليس عنده الكروموزوم “Y”. لأنه -على خلاف البشر جميعًا- حُبل به من الروح القدس. ولهذا فإننا نرى في المسيح شيئًا لا ينطبق على باقي البشر، ولذلك فإنه في الهندسة الوراثية نستطيع أن نتعامل مع الأمور البشرية لا الروحية. ومما يجدر ذكره أن السقوط الإنساني أو انحدار الإنسان لم يبدأ إلا بعد خطية آدم وحواء. ولهذا فإن كل هذه الأمور غير الصحيحة في الجينات كانت نتيجة الخطية. ومن ثم فإن من يعمل في مجال الهندسة الوراثية لا يمكنه أن يعطينا قيمًا روحية معينة. وحين أعطانا الله الطبيعة الجديدة، فإنه لم يأخذ منا الطبيعة العتيقة. لهذا فإننا كجماعة المؤمنين يجب ألا نخشى من عمل أولئك الذين يعملون في مجال الهندسة الوراثية، فنحن جميعًا، عملنا في المجال الروحي، لذلك فنحن كارزون. وثمة حقيقة عملية مفادها أن الخلايا العصبية حين تُصاب فإنها تموت وليس هناك من وسيلة لاستبدالها، ولذلك فإن الهندسة الوراثية لنا تخلق لنا “سوبر عقل” أو عقلًا خارقًا. ولكن في عقلنا الطبيعي توجد معرفة الله والتي من خلالها يستطيع الله أن يعطينا هذا الجينوم الروحاني.
واختتم د. ق. صموئيل حبيب الندوة بقوله: ناقشنا محاولة تدخل الطبيب في التزاوج لارتباط ذلك بمعدل معين. وهناك مشكلات في المجتمع بسبب الذكاء المتوسط والأقل والأدنى. وليس ثمة شك في أن كل المحاولات التي تساعد على أن يكون للإنسان قوى أكبر كلها محاولات مفيدة. ولكن أود أن أشير إلى أنني اختلف مع د. وليم هاملتون فيما ذكره من أن المسيح ليس به كروموزوم “Y” ولا أقبل أن يكون في بشريته عنصرًا أعلى من الإنسان أو أقل. كما أنني أؤمن أن التزاوج قصد إلهي. والجنس مقدس والحياة الزوجية مقدسة من الله. ولقد أثبتت الإحصاءات أن نسبة الذكور إلى الإناث ثابتة. وهذا أمر لا يرتبط بالتدخل البشري أو الهندسة الوراثية، ولا خوف من حدوث تغيير في النسبة لأن الله خلق الكون وهو المسيطر عليه ولا يخرج أمر عن نطاق مشيئته وقدرته.