مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور يناير 2024_العدد (11)

فهرس عدد يناير 2024

  • افتتاحية رئيس التحرير: الافتتاحية – د. ق. اندريه زكي.
  • جولة العدد – ق. محسن منير.
  • بانوراما ميلادية – د. ق. عاطف مهني.
  • ملف العدد: الحوار.
  • التأصيل اللاهوتي والكتابي للحوار – ق. بيتر وديع.
  • الحوار الوطني ضرورة وطنية – د. رامي عطا.
  • الحوار بين أتباع الأديان – أ. هاني لبيب.
  • ديناميكية ثقافة العيش المشترك: من الجوار إلى الحوار ومن الحوار إلى الجوار السيد محمد الشاهد وثروت قادس أنموذجا – ق. عيد صلاح.
  • الحركة المسكونية – ق. رفعت فتحي.
  • مجلس الحوار والعلاقات المسكونية- ق. رفعت فكري.
  • الرعاية والحوار – ق. بيتر نادى.
  • حوار بناء لأسرة أفضل – ق. إميل نبيل.
  • تحدى الحوار مع الأبناء في العصر الرقمي – ق. إرميا عبد المسيح.
  • رجل الحوار ومختبر الجدل – د. ماجد عزمي.
  • الشائعات …… هل من آليات للمواجهة – د. سامية قدري.
  • شذرات لاهوتية – ش. د. إيهاب الخراط
  • شذرات كتابية – ش. أسامة رشدي
  • ملحق العدد: من هو هذا؟ حالة حوار حول هوية المسيح في قصة الميلاد – ق. عيد صلاح.

في هذا العدد تقرأ..

–  افتتاحية العدد: الدكتور القس أندريه زكي

يأتي هذا العدد في توقيت الاحتفال بعيد الميلاد المجيد. فجاءت افتتاحية الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، عن الميلاد؛ حيث يوضح أن قصة الميلاد -كما يُعلنها الكتاب المقدس- كانت مليئة بالتحديات والأمور الصعبة، وقدم بعض الأمثلة على هذا الأمر. لكن هذه لم تكن النهاية؛ فبعد موت هيرودس عادت مريم العذراء ويوسف النجار والطفل يسوع من مصر، ثم بدأت خدمة الرب يسوع وإعلان رسالته التي تحققت معها نبوة الملائكة التي رنمت لحظة ميلاده “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”.

ثم يطرح د. أندريه مقارنة بين أحداث الميلاد وما يدور الآن في غزة ومنطقة الشرق الأوسط من آلام وتأوهات وأزمات، ويعلن بوضوح -رغم كل ذلك- أن استدعاء ذكرى الميلاد يبقى بمثابة شعلةٍ من النور والأمل أمام كل التحديات، وتبقى رسالة المسيح نموذجًا للسلام والتسامح في منطقتنا وكل العالم.

  • بانوراما ميلادية: الدكتور القس عاطف مهني

وتحت عنوان “بانوراما ميلادية” يقدم الدكتور القس عاطف مهني بحثًا كتابيًّا ولاهوتيًّا عميقًا وعمليًّا وشاملًا عن حدث الميلاد بنظرة بانورامية شاملة في أسفار العهد الجديد، كما وردت في الأناجيل الأربعة، مع تميُّز أسلوب كل إنجيل في رصد هذا الحدث الإلهي. ثم يستمر في هذا التحليل العميق للحدث كما ورد في كتابات البشير يوحنا الأخرى، وكتابات الرسول بولس، وفي كتابات الرسائل العامة. وقدم الرسالة إلى العبرانيين كنموذج، ثم الميلاد في سفر الرؤيا. ويختم هذا البحث العميق بدعوة لشرائح مختلفة من البشر لتلتصق برب الحياة مولود بيت لحم.

ملف العدد بعنوان “الحوار”

انطلاقًا من إدراك عميق لأهمية الحوار في المجتمعات المختلفة، خصصت المجلة هذا العدد لتناول موضوع “الحوار” في أبعاده المختلفة.

– يبدأ القس بيتر وديع كاتب مقال “التأصيل اللاهوتي الكتابي للحوار” بمقدمة ضرورية مركزها أن الكتاب المقدس -وإن كان القصد الأساسي منه إعلانًا إلهيًّا روحيًّا- لكن منه أيضًا تُستَلهم قيمٌ ومبادئ للحياة في كل شمولها. ثم يقدم الموضوع في فكرتين أساسيتين: الأولى تعريف للحوار؛ حيث قدمه بأنه محادثةٌ أو تبادلٌ للأفكار بين شخصين أو أكثر أو مجموعات، ثم قدم تأصيلاً لاهوتيًّا وكتابيًّا للحوار، أوضحه من خلال أبعاد مختلفة كما جاءت في الكلمة المقدسة مثل طبيعة الله، الوحي، الخلق، العهد الإبراهيمي، الشريعة الإلهية، التجسد الإلهي، نموذج يسوع للحوار، الإرسالية العظمى. ثم يختم الكاتب بأن الحوار قيمة أساسية وآلية للتواصل لا غنى عنها، مشجعًا القارئ على تعزيز الحوار في كل جوانب حياتنا المختلفة.

– وتحت عنوان “الحوار الوطني.. ضرورة وطنية” يقدم د. رامي عطا عرضًا شاملًا بصورة متكاملة عن الحوار الوطني الذي دعا إليه سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل ٢٠٢٢. فيقدم ١١ مجالًا دار فيها الحوار، وتشكيل مجلس أمناء الحوار. ثم يشرح الكاتب أهمية الحوار وضرورته، ويقدم مجموعةً من المبادئ والأفكار والمنطلقات الرئيسية ينطلق منها الحوار (خمسة مبادئ)، ثم يستعرض الكاتب جلسات الحوار ومخرجاته في محاوره الأساسية، السياسي، الاقتصادي، والمجتمعي، ويختم الكاتب بعرض توصيات الحوار الوطني في محاوره الثلاثة، وبالتعبير عن الأمل في استمراره داخل كل مؤسسةٍ وهيئةٍ لتحسين الحاضر وبناء المستقبل.

– وتحت عنوان “حوار أتباع الأديان- الأديان مطلقات لا تتحاور فيما بينها”! يقدم الأستاذ هاني لبيب دراسة ثرية، عميقة، شاملة. يفتتحها بإيضاح المعنى المقصود بتعبير “الحوار”، ثم يشير إلى ضرورة التمتع بثقافة الحوار لكي تنتظر نتائج إيجابية من الحوار. ويضع أربعة شروط أساسية يجب توفُّرها لكي يكون حوارًا بنَّاءً، ثم يتقدم إلى رصد جذور الحوار في المجتمع المصري كنموذج ويقدم ثلاثة جذور أساسية. ويقدم استعراضًا لتاريخ الحوار؛ حيث بدأت تجارب الحوار بين أتباع الأديان في القرن العشرين، وفي هذا الصدد، يستعرض -على سبيل المثال وليس الحصر- أسماء العديد من المراكز والأقسام الجامعية الأوربية المهتمة بهذا النوع من الحوار. ثم يتقدم لاستعراض أشكال الحوار حيث يقدم خمسة أشكال. ثم يقدم ٨ قواعد من أجل الوصول إلى حوار إيجابي فعال. ثم يتقدم إلى ضرورة وجود ثوابت أساسية للحوار ومواجهة التعصب الديني حيث يطرح سبع نقاط. وبعد ذلك يرصد الكاتب عشر عقبات تقف أمام هذا الحوار.. بعدها يطرح ثلاثة تحديات تواجه الحوار. ويختم الأستاذ هاني تحت عنوان “نقطة ومن أول السطر” بأن حوار أتباع الأديان هو تعبير عن أن كل طرف صاحب دين أو عقيدة يرى الطرف الثاني جديرًا بالاحترام والمناقشة والتقدير كحق طبيعي لكل منهما.

– وتحت عنوان “ديناميكية ثقافة العيش المشترك من الجوار إلى الحوار، ومن الحوار إلى الجوار”، يقدم القس عيد صلاح بحثًا عميقًا ينطلق من سرد وتحليل موضوعيين لكاتبين كبيرين تناولا هذا الموضوع في كتابين لهما. وذلك من خلال: أولًا، التعريف بالكاتبين، ثانيًا، التعريف بالأفكار الأساسية في الكتابين، والتي تتمركز حول أهمية الحوار الموضوعي الذي يحترم الآخر. وضرورة العيش المشترك بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة في المجتمع الواحد. ويختم بملاحظة نقدية هامة يبديها في فكر اتفق فيه الكاتبان ويتحفظ عليه.

– وفي إطار ملف العدد “الحوار”، يقدم القس رفعت فتحي استعراضًا مشوقًا وثريًّا للحركة المسكونية، من حيث التاريخ والتحديات والفرص. ويبدأ بسردٍ مُختَصَر لتاريخ الحركة المسكونية في العالم. ثم يقدم الكاتب نماذج لمؤسسات مسكونية عالمية ومحلية؛ مثل مجلس الكنائس العالمي الذي يضم مجموعة واسعة من الكنائس والطوائف من مختلف التقاليد المسيحية، ويشمل ٣٥٠ كنيسة، ويطرح ٨ أنشطة يقوم بها المجلس، ومجلس كنائس كل إفريقيا الذي يضم الكنائس المسيحية في إفريقيا، ويطرح الكاتب سبعة أدوار يقوم بها المجلس، مجلس كنائس الشرق الأوسط، ويمثل شركة للكنائس في منطقة الشرق الأوسط بهدف تعزيز الوحدة والتواصل بين الكنائس الأعضاء، وقدم الكاتب ستة أهداف رئيسية للمجلس، وأخيرًا مجلس كنائس مصر الذي يضم خمس عائلات كنسية. ثم يستعرض الكاتب ستة اختلافات جوهرية في مفهوم المسكونية بين الشرق والغرب. ثم يطرح سبعة تحديات تواجه الحركة المسكونية في الشرق الأوسط. ثم يختم الكاتب بحثه الثري بطرح ١٢ استراتيجية مقترحة لدعم العمل المسكوني في الشرق الأوسط.

– ويقدم القس رفعت فكري، بصفته رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بسنودس النيل الإنجيلي، نظرة عامة ووافية عن المجلس. فيشرح تشكيله ثم يستعرض سبعة أهداف للمجلس، وبعض الآليات التي يباشر من خلالها المجلس أنشطته، ثم يقدم خمس سمات في توفرها يتحقق نجاح الحوار، ويختم باستعراض بعض الأنشطة التي قام، ويقوم بها المجلس، ومدى التأثير الإيجابي والفعال لها في نفوس المشاركين فيها.

– وتحت عنوان “الرعاية والحوار”، يقدم القس بيتر نادي تحليلًا علميًّا وعمليًّا للدور المركزي للحوار في خدمة الرعاية، وينطلق في ذلك من أن الحوار والاستماع كانا وعاءً للمحبة والرعاية التي في قلب يسوع للبشر. وعلى هذا الأساس يرى أن الحوار جزء أساسي في منظومة الرعاية الكنسية. ويبدأ بتقديم تعريفٍ مختصرٍ للرعاية بكونها الوقوف بعمق بجانب الشخص والإصغاء إليه في كل ظروف حياته. ويرى أن الراعي سينجز هذه المهمة المتعددة الأبعاد من خلال أدوات متعددة يشكل الحوار مساحة كبيرة فيها، ويقدمها الكاتب في أربعة محاور هي: الحوار والتفاهم، والحوار والوعي اللاهوتي والكتابي، والحوار وتقديم التعزية، والحوار وإدراك الاحتياجات.

وكل ما سبق يجعل الحوار أداة مهمة للغاية في عملية الرعاية الكنسية.

– تحت عنوان “حوار بناء لأسرة أفضل”، يقدم القس إميل نبيل في مقاله العديد من الأفكار والمبادئ الهامة والعملية لبناء أسرة أفضل من خلال الحوار، وذلك في ثلاث أفكار رئيسية هي:

 (١) أساليب متعددة لتواصل حي حيث يقدم خمسة نماذج كأمثلة.

(2) توصيات عملية تضمن استمرار الحوار، وفيها يقدم ١٣ توصية عملية تتناول جوانب متعددة في علاقات الأسرة.

(3) خمسة مفاتيح تجعل الحوار أكثر عمقًا وتأثيرًا. ويختم المقال بحث وتشجيع على ضرورة وأهمية البدء من جديد في تبنِّي حوار أسريٍّ فعال ومبتهج.

– ويشرح القس إرميا عبد المسيح كاتب مقال “تحدي الحوار في العصر الرقمي” في مقاله الأهمية البالغة لوجود حوار بنَّاء في الحياة العائلية، وبالأخص في ظل سيطرة تأثير العصر الرقمي. يتناول ذلك من خلال فكرتين رئيسيتين وهما:

(1) تأثير التواصل من خلف الشاشات على الحوار بين الوالدين والأبناء من خلال استعراض لأهم سمات هذا الجيل حيث قدم ٦ سمات.

(2) أهمية تفهم احتياجات الأبناء الأساسية والتي لا تتحقق إلا من خلال الحوار المباشر. وعرض الكاتب خمسة احتياجات أساسية عميقة لدى كل إنسان.

– يشرح د. ماجد عزمي كاتب مقال “رجل الحوار ومختبر الجدل” بوضوح وعمق معنى الحوار والمفهوم الصحيح له والفارق بينه وبين الجدل. ويتعرض للممارسات الخاطئة والسلبية للحوار في المجتمعات المختلفة بما فيها الكنسية، ثم يقدم بعض المبادئ الهامة والموضوعية والعملية التي تقود إلى حوار موضوعي يقود للبناء وليس مجرد جدل يفجر خصومات.

– في إطار تصدي هذا العدد لموضوع “الحوار”، وتحت عنوان “الشائعات.. هل من آليات للمواجهة”، تقدم د. سامية قدري تحليلًا عميقًا شاملًا عن الشائعات والحوار؛ فتقدم أولاً تعريفًا للمقصود بكلمة “شائعة”، ثم تشرح الدور المتصاعد لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات، ثم تستعرض تصنيف الشائعات وفقًا لمجالها وأيضًا وفقًا للجهة أو المصدر الذي أطلقها، وأخيرًا وفقًا للهدف منها، وتطرح أمثلة لكل تصنيف. ثم تؤكد التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي في سرعة انتشار الشائعات. وفي الختام تشير إلى إدراك الدولة المصرية لخطورة الشائعات في زرع الإحباط لدى المواطنين وكيفية تعاملها الواعي مع هذا الخطر، وأيضًا تناشد شرائح متنوعة من المواطنين لدور فاعل مؤثر أمام هذا الخطر.

– تحت عنوان “المبادئ المسيحية وساحة السياسة الحزبية” يقدم الشيخ الدكتور إيهاب الخراط دراسة لاهوتية بهذا الشأن. وهو بداية لا يرى إمكانية وجود “تيار مسيحية سياسية”؛ حيث يرى أن المؤمن المسيحي يمكن أن يلتزم بحزب من اليمين أو اليسار أو الوسط ويظل في التزامه هذا منطلقًا من مبادئ كتابية مسيحية، لكن في نفس الوقت يرى ضرورة العمل السياسي. وفي ذلك يقدم بعض المبادئ الكتابية التي تحث المسيحي على تحمل مسؤوليته السياسية. ثم يعرض ويناقش تحفُّظين يبديهما البعض على العمل الحزبي السياسي بالنسبة للمؤمن المسيحي. ويعلن بوضوح عدم إمكانية القول بتوجُّهٍ سياسيٍّ واحدٍ للمسيحية، من خلال حدثين مع يسوع كما وردا في متى ٢٢: ٢١ ولوقا ٢٠: ٢٥، متى ١٤: ٢٤- ٢٦، ويرى أن هذين الحدثين يظهران وعيًا سياسيًّا عميقًا لدى يسوع، ويعلنان موقفه السياسي السلمي وعزوفه عن دور الثائر العنيف ودور النبي المحارب أو دور الملك الحاكم بالسلطان الإلهي.

وتحت عنوان “شذرات كتابية” يقدم الشيخ أسامة رشدي أربعة تأملات عميقة وعملية ومشجعة في أمثال ١٨: ١٤ في عيادة الطبيب العظيم، وفي صموئيل الأول ٢٣: ٤ توجيهات القائد، وفي مزمور ١٤٢: ٤-٥ زيارة أكيدة، وفي ملوك الثاني ٤: ٢٧ لغز.  

وختامًا: ملحق العدد

  • وفي ملحق العدد “هوية يسوع في قصة الميلاد” يستعرض القس عيد صلاح في تحليل ثري كيف أن هوية يسوع -والتي كانت موضع تساؤل متكرر- نجد قصة الميلاد تعلن بوضوح هوية يسوع المسيح في شخصه ورسالته، ثم يستعرض الألقاب التي وردت في قصة الميلاد وكيف أن كل لقب يفصح عن بُعد من أبعاد هذه الهوية. وقدم الكاتب ١٢ لقبًا هي يسوع، المسيح، ابن إبراهيم، ابن داود، ابن العلي، المُخلِّص، عمانوئيل، الملك، مدبِّر، القدوس، الكلمة، الحمل. وفي النهاية يقدم الكاتب ست ملاحظات ختامية عن ارتباط الهوية بالرسالة، هدف مجيء المسيح، اختبار المعية الإلهية، السيادة الشاملة للمسيح الملك، سبيل اختبار حياة التقديس، في المسيح نجد الاستنارة الحقيقية.

التأصيل اللاهوتيُّ الكتابي للحوار

اسم الكاتب : ق. بيتر وديع

أولًا: المُقدّمة

يُشكِّل الكتابُ المُقدّس أساسًا للإيمان المسيحيّ عامَّةً وللإيمان الإنجيلي خاصَّةً؛ فمِن بداية الإصلاح الإنجيلي منذ 500 عام تقريبًا، كانت الصيحة الرئيسية والأساسية هي “الكتاب وحده”. وبالتالي نحن الإنجيليين نرى في الكتاب المُقدّس -الذي هو كلمة الله المكتوبة لنا- إعلانًا واضحًا للحق الإلهيّ الروحيّ، كما نجد أيضًا الضوء الذي يُنير لنا الطريق في جميع مناحي الحياة.

نحن لا نؤمن أن الكتاب تكلم في كل قضايا وشؤون الدين والدنيا، لكننا نؤمن أن الكتاب كُتب لغرض إعلان روحي، ولكننا أيضًا نستلهم منه قِيَمًا ومبادئ للحياة بأكملها؛ لأنه لا فصلَ بين الروحي والمادي، والمقدس والدنيوي، والزمني والأبدي، والإلهي والإنساني، وهذا ما رأيناه ومباشرةً وبحسمٍ في تجسُّد الكلمة؛ شخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح.

ومن هذا المنطلق أريد أن أتطرق إلى موضع مهم جدًّا، وهو موضوع الحوار، ونرى التأصيل اللاهوتي الكتابي لهذا المفهوم؛ حيُث إنه من القضايا المهمة التي يحتاجها عالمنا، ويحتاجها مجتمعنا العربي والمصري أيضًا. وفي البداية، أريد أن أعرض تعريف الحوار، ثمّ الأسس الكتابيّة للحوار، وأختم بتطبيقٍ لهذه الأسس الكتابيّة في حياتنا العمليّة.

ثانيًا: تعريف الحوار

يمكن تعريف الحوار بأنه محادثةٌ أو تبادلٌ للأفكار بين شخصين أو أكثر أو مجموعات. وهو ينطوي على تواصل -ذهابًا وإيابًا- حيث يستمع المشاركون بنشاط ويعبرون عن أفكارهم ووجهات نظرهم ويسعون إلى التفاهم المتبادل، ويتميز الحوار بالمشاركة المحترمة والمنفتحة، بهدف تعزيز التفاهم وحل النزاعات وبناء العلاقات، كما يؤكد على الاستماع النشط، والتعاطف، والرغبة الاطلاع على وجهات النظر المختلفة.

يهدف الحوار إلى خلق بيئة آمنة وبنَّاءة؛ حيث يمكن التعبير عن آراء متنوعة، وحيث يمكن للمشاركين العمل معًا من أجل إيجاد أرضيّة مشتركة أو حل الخلافات. ويعتبر الحوار هو الآلية الرئيسيّة والقناة الرسميّة لتعزيز التعدديّة والتنوع، واحترام وقبول الآخر، والحثّ على التماسك الاجتماعي، من خلق مجتمع حاضن للتنوع، ومحتَرِم للتعدديّة، وراغب في خلق أرضية مُشتَرَكة حقيقيَّة يقف عليها الجميع بتساوٍ ومن دون تمييز، وذلك يظهر في أهم مجالات الحوار هو الحوار بين أتباع الثقافات المختلفة.

حوار الثقافات

يُشير الحوار بين الثقافات إلى شكل من أشكال التواصل، والتبادل الذي يحدث بين الأفراد أو المجموعات من خلفيات ثقافيّة مختلفة. وهو ينطوي على الانخراط في المحادثة، ومشاركة الأفكار وتعزيز التفاهم، والتقدير لوجهات النظر والمعتقدات، والممارسات المتنوعة. ويهدف الحوار بين الثقافات إلى سد الفجوات الثقافيّة، وتعزيز الاحترام المتبادل، وتسهيل التفاعلات الهادفة بين الناس من مختلف الثقافات. فهو يعمل على تشجيع الاعتراف بالتنوع الثقافي والاحتفال به، مع السعي إلى بناء أرضيّة مشتركة وتعزيز الشموليّة. فإن الحوار بين الثقافات ضروري لتعزيز التعاطف، وكسر الصور النمطيّة، ورفض للوصم المجتمعي، وإنشاء مجتمع متناغم، وشامل يقدِّر ويحترم الاختلافات الثقافيّة.

ثالثًا: التأصيل اللاهوتي الكتابي للحوار

يلعب الحوار دورًا مهمًّا في السياق اللاهوتي والكتابي؛ حيث يعزز التفاهم، ويعزز العلاقات، ويبحث عن الحقيقة، وعند فحص الأساس اللاهوتي الكتابي للحوار، يمكننا استكشاف جوانب مختلفة من الحوار كما هو معروض في الكتاب المقدّس وتعاليمه مثل:

  • طبيعة الله

طبيعة الله الثالوثية: نحن نؤمن بأن الله واحد في الجوهر ومثلث الأقانيم. هذه الطبيعة في ذاتها هي طبيعة حواريّة، فالعلاقة الأقنوميَّة داخل ذات الله، تؤكد على حوار أزلي أبدي قائم في جوهر طبيعة الله المُعلَن في الكلمة المكتوبة والمتجسدة. “فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: الْآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ” (1يو 5: 7).

  • الوحي

عندما نقول إن الكتاب المقدّس هو موحى به من الله، فبكل تأكيد نحن نؤمن بأن الله أوحى بطرق وأنواع مختلفة للإنسان، حتى يَكتب الكتابَ أناسُ الله القديسون مسوقين من الروح القدس. وهنا نرى بوضوح شديد أن الوحي قائمٌ على الحوار؛ فعلاقة الوحي بين الله والإنسان هي علاقة حواريّة بالأساس. “لِأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بط 1: 21).

  • الخلق

منذ البداية -عندما خلق الله الخليقة ووضع فيها الإنسان- والكتاب المقدّس يسلط الضوء على رغبة الله في إقامة علاقة وحوار مع البشريّة؛ ففي سفر التكوين نرى الله يتحدث مع آدم وحواء في جنة عدن، وهذا يرسي أساسًا للتواصل المفتوح، والحوار بين الله والإنسانيّة، فالخلق هو علاقة حوار. “وَأَخَذَ الرَّبُّ الْإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. وَأَوْصَى الرَّبُّ الْإِلَهُ آدَمَ قَائِلًا: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا، لِأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ».” (تك2: 15-17).

  • العهد الإبراهيميّ

بعد قصة الخلق والطوفان في سفر التكوين، نرى أن الله أقام عهدًا مع إبراهيم، لكي يؤسِّس جماعة عهد تتبعه وتلتزم بالعلاقة معه طوال التاريخ. ونرى في قصة إبراهيم الحوار كمكونٍ أساسيٍّ للعهد، وبالتالي نرى العهد قائمًا على الحوار، وأيضًا في نفس الوقت نراه هو نفسه تعبيرًا عن حوار إلهي إنساني. “وَقَالَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ».” (تك 12: 1-3).

  • الشريعة الإلهيّة

بعد العهد الإبراهيمي، نرى أن الله أعطى شريعةً مكتوبةً لبني إسرائيل على يد موسى النبي، وهنا نرى مرةً أخرى علاقةً حواريةً جادةً، يريد الله بناءها وتعزيزها مع الإنسان، حتى تنشأ علاقة حقيقية بينه وبين الإنسان، بعيدًا عن الصور النمطية المغلوطة السائدة آنذاك عن الإله. “ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلًا: «أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي… لَا تَقْتُلْ. لَا تَزْنِ. لَا تَسْرِقْ. لَا تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لَا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لَا تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلَا عَبْدَهُ، وَلَا أَمَتَهُ، وَلَا ثَوْرَهُ، وَلَا حِمَارَهُ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ».” (خر20: 1- 17).

  • التجسد الإلهي

نؤمن بأن الله لم يكتفِ بإرسال شريعةٍ مكتوبةٍ للإنسان، بل أرسل ابنه الوحيد، وأعطانا ذاته في المسيح يسوع. ويقول الكتاب إن الابن الوحيد خبَّر عن الله؛ أي أعلن عنه. وهنا نرى إصرار الله الجاد في الحوار مع الإنسان بأنواع وطرق مختلفة، وفي النهاية، بشكل حاسم في إعلان يسوع المسيح. “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى قَائِلًا: «هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي». وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لِأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. اللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلِابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الْآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (يو1: 14 -18).

  • مثال يسوع للحوار

لقد أظهر يسوع -باعتباره تجسيد الله ومحبته وحكمته- أهمية الحوار طوال خدمته، فانخرط في محادثات مع أفراد من خلفيات متنوعة، بما في ذلك الزعماء الدينيين، وتلاميذه، وأولئك الذين يُعتَبَرون منبوذين في المجتمع، ومن خلال هذه التفاعلات، جسَّد يسوع قيمة الاستماع والفهم ومعالجة اهتمامات الآخرين وأسئلتهم. وهذا ما أكده تلميذا عمواس كسائر الشعب آنذاك، حتى وإن كانوا لم يعرفوه كربٍّ. “الْمُخْتَصَّةُ بِيَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ وَجَمِيعِ الشَّعْبِ” (لو24: 19).  

  • الإرسالية العُظمى

نرى في العهد الجديد وصية الرّب يسوع لتلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم، وتؤكد هذه الوصية على ضرورة الحوار، والتواصل في نشر رسالة الإنجيل؛ فالرّب يشجع المؤمنين على المشاركة في المحادثات، ومشاركة إيمانهم، والانخراط في حوار مع الآخرين لتعزيز التفاهم والقبول. “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الْأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الْأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ.” (مت28: 19-20).

الكثير والكثير من المواقف والنصوص الكتابيّة تؤكد -بالطبع- على تعزيز ثقافة الحوار كجزء أساسي لا يتجزأ من السياق الكتابي وكل موضوعاته اللاهوتيّة، وللأسف يعوزنا الوقت لسرد المواقف والأحداث والمقابلات المختلفة التي يُمكن أن نرى فيها تعزيز الكتاب المُقدّس واللاهوت المسيحي للحوار، ولكننا حاولنا أن نقدم نظرة عامة سريعة حتى نرى أهمية الحوار من منظور كتابي لاهوتي.

رابعًا: الخاتمة

يتضح بشكل جلي أن الحوار قيمة أساسيّة، وهو أيضًا آلية لا غنى عنها للتواصل، وليس للتواصل فقط، بل أيضًا للتعمق في فهم المعتقدات المختلفة وكشف التصورات الخاطئة وتجاوزها، والعمل على بناء جسور التفاهم والتقبل والاحترام، ومن ثمّ التعايش السلمي الإيجابي، والبعد عن النزاع والصراع، والعمل بجديّة لبناء السلام المجتمعي. وهذا من أروع مبادئ وقِيَم الرّب يسوع التي علَّمها بشكل مباشر في حياته على أرضنا عندما قال: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ.” (مت 5: 9).

فالعلاقة متبادَلة بين الحوار والسلام من جهة، وبين الحياة المسيحيّة من جهة أخرى، فكلاهما يتبادلان مع بعضهما البعض. فلا يُمكن أن تكون مسيحيًّا حقيقيًّا وأنت لا تتبنَّى ثقافة حوار حقيقيَّة. وفي نفس الوقت، يساعد الحوار على العيش بحسب مبادئ المسيح. ولقد رأينا خلال الكلمات الصغيرة السابقة، أن الحوار متضافرٌ مع كل العقائد المسيحيّة، وفي كثير من النصوص الكتابيّة، فالتأصيل اللاهوتي الكتابي للحوار أمر واضح وأساسي.

وأخيرًا، أشجعك وأشجع نفسي معك عزيزي القارئ أن نجعل إيماننا المسيحي يدفعنا إلى تعزيز الحوار في كل مناحي حياتنا المختلفة، وأيضًا أن نتبنى عدسة حواريّة نرى بها إيماننا المسيحي، والنصوص الكتابيّة المختلفة، حتى نكون بحق أولادًا لله مثمرين في خدمة الكنيسة والمجتمع.

الحوار الوطنيّ.. ضرورة وطنية

اسم الكاتب : د. رامي عطا صدّيق

  • السياسة: مناقشة قانون المجالس المحلية الشعبية وقانون مباشرة الحقوق السياسية
  • حقوق الإنسان: القضاء على التمييز ودعم الحريات الأكاديمية والبحث العلمي
  • النقابات والعمل الأهليّ: مواجهة تحديات التعاونيات ومناقشة قانون العمل الأهليّ
  • الصناعة: إعادة تطوير وتخطيط المناطق الصناعية القائمة وتحديث الأنشطة المستهدَفة ومراجعة الفجوة التصديرية
  • الزراعة والأمن الغذائي: دور الدولة في توفير مستلزمات الإنتاج والتسعير ودعم الائتمان ومواجهة الديون
  • السياحة: التوسع في إصدار التراخيص ووضع أجندة سياحية والترويج لها وصناعة أنماط سياحية جديدة
  • الاستثمار الخاص: وضع أدلة استثمارية ميسرة ومبسطة في المجالات المختلفة والتوسع في إنشاء المناطق الحرة العامة والخاصة وتفعيل بعض مواد قانون الاستثمار
  • الشباب: دعم وتشجيع ريادة الأعمال والتوسع فيها
  • الصحة: تطوير منظومة الرعاية الصحية ودعم التأمين الصحيّ الشامل
  • التعليم: تعظيم الاهتمام بالتعليم قبل الجامعيّ والقضاء على الأمية
  • الثقافة: ترسيخ الهوية الوطنية والحفاظ عليها وتعظيم الاستفادة من المؤسسات الثقافية

 

 

في أبريل 2022، وخلال شهر رمضان المبارك، وفي أثناء إفطار حضره الرئيس عبد الفتاح السيسي في مدينة أسوان بصعيد مصر، دعا فخامة الرئيس إلى إقامة حوارٍ وطنيٍّ شامل حول أولويات العمل الوطني خلال المرحلة الراهنة، ورفع نتائج هذا الحوار إلى سيادته شخصيًّا.

استجاب لتلك الدعوة عددٌ كبيرٌ من الفاعلين في المجال العام، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب السياسية الفاعلة، وعدد من الهيئات والمؤسسات الوطنية، في ظل تكليف الأكاديمية الوطنية للتدريب بإدارة هذا الحوار، وتضمين هذا الموضوع وتوصياته في جدول أعمال المؤتمر الوطني للشباب.

وانطلقت بعض المبادرات التطوعية التي تفاعلت مع دعوة الرئيس؛ فتشكل مجلس أمناء الحوار الوطني برئاسة الكاتب الصحفي والباحث المعروف الأستاذ ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، وضم التشكيل 19 عضوًا، هم عضو مجلس النواب أحمد الشرقاوي، وعضوة مجلس النواب أميرة صابر، ورئيس تحرير مجلة الأهرام العربي الأستاذ جمال الكشكي، ووزير التضامن الاجتماعي الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور جودة عبد الخالق، بالإضافة إلى أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة الدكتورة ريهام باهي. كما شمل التشكيل الباحث والكاتب السياسي سمير مرقس، وعضو مجلس النواب ورئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية الدكتور طلعت عبد القوي، والكاتب الصحفي الأستاذ عبد العظيم حماد، وعضو مجلس الشيوخ والكاتب الصحافي عماد الدين حسين، ونائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو هاشم ربيع، والكاتبة الصحفية فاطمة السيد أحمد، ورجل الأعمال الأستاذ كمال زايد. ومنسقة الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي فاطمة خفاجي، ورئيسة المجلس القومي للمرأة الدكتورة مايا مرسي، والأديب والكاتب الصحفي الأستاذ محمد سلماوي، ومدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور محمد فايز فرحات، وأستاذ الصحافة بجامعة القاهرة الدكتور محمود علم الدين، والمحامي الحقوقي نجاد البرعي، وأستاذ القانون التجاري والبحري بجامعة القاهرة الدكتور هاني سري الدين.

 

أهمية الحوار

يُمثل الحوار عملية مشاركة وتعلُّم وتبادل للرؤى والأفكار ووجهات النظر حول مُختَلَف القضايا والموضوعات؛ حيث يهدف إلى تحقيق الفهم المتبادل لمعتقدات ومشاعر واهتمامات واحتياجات المجموعة أو المجموعات المشتركة في الحوار بأسلوب متفتحٍ وغير عدائيٍّ؛ إذ أن غايته الأساسية تحسين التفاهم وبناء الثقة بين المشاركين في عملية الحوار، مع احترام وقبول الاختلاف فيما بينهم، ومن ثم فإن الحوار فرصة جيدة للتواصل وكسر الحواجز والتعاون البناء بين مُختَلَف القوى والتيارات، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، ما يحقِّق الخير العام والمصلحة العامة للوطن ومواطنيه، ذلك أننا نعيش في وطن واحد، ويجمعنا مصير مشترك.

 

منطلقات وأفكار

يستدعي الحديث عن الحوار الوطني مجموعةً من المبادئ والأفكار والمنطلقات الرئيسة على النحو التالي:

أولًا: مشاركة مختلف القوى في عملية الحوار ضرورة لا غنى عنها، ونقصد هنا المؤسسات الحكومية والمؤسسات غير الحكومية، السياسية وغير السياسية، ومن ذلك مثلًا لا حصرًا: الوزارات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، مثل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمراكز البحثية والجمعيات والمؤسسات الأهلية، بالإضافة إلى مشاركة مختلف الفئات ومكوِّنات الجماعة الوطنية المصرية من السياسيين والمفكرين ورجال الأعمال والمرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة من مختَلَف الانتماءات الدينية والفكرية، ما يعكس احترام مبدأ المواطنة الذي يقوم على المشاركة والمساواة بين مختلف المواطنين، دون تفرقة ولا تمييز.

ثانيًا: الالتزام بالأدبيات المُتعارف عليها للحوار، ومن ذلك احترام جميع وجهات النظر، وحسن الاستماع والإنصات، وصدق النوايا بالنظر إلى المصلحة العامة أولًا وأخيرًا، وتجنب الاستبعاد أو الإقصاء أو التهميش، ما يسمح بالاستفادة الحقيقية من مختلف الخبرات والطاقات واستثمارها على النحو الأمثل في صالح الوطن وخير المجتمع.

ثالثًا: أن يتطرق الحوار إلى مختَلَف القضايا والموضوعات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في إطار من المصارحة والشفافية، من خلال رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار جذور كل قضية وحاضرها ومستقبلها، ما يسهم في مواجهة الأزمات المتوقَّعة والطارئة، المحلية منها والإقليمية والدولية، من أجل حاضر أفضل ومستقبل واعد لنا ولأولادنا من بعدنا.

رابعًا: مشاركة وسائل الإعلام، الصحف والمحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، في نقل فعاليات الحوار، لضمان أكبر مشاركة وحضور من جانب المواطنين الذين يمثِّلون بدورهم القاعدة الجماهيرية في الجمهورية الجديدة التي نحلم بها ونتطلع إليها ونعمل من أجل تحقيقها، التي تقوم على أسس الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة واحترام مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان.

خامسًا: إذا كان الحوار عملية ديناميكية تتميز بالتفاعل والحركة والاستمرار وعدم التوقف عند مرحلة معينة، فهو الأمر الذي يجعلني أقترح معه تأسيس ما يمكن تسميته “المجلس الوطني للحوار”، الذي نأمل في أن يتبع رئاسة الجمهورية مباشرةً، على أن يضم في عضويته ممثلين من مختلف القُوَى والتيارات المجتمعية بصورة تعكس قيمة التعددية والتنوع اللذين يتميز بهما المجتمع المصري، ويُمثلان أحد عوامل قوته.. وتبقى مصر وطنًا للجميع.

جلسات الحوار ومخرجاته

استمرت جلسات الحوار الوطني لعدة أشهر بشكل يوميٍّ أحيانًا، وبشكل أسبوعيٍّ في أحيان أخرى، حيث دعا مجلس أمناء الحوار الوطني عددًا من الخبراء والمتخصصين إلى الحوار والمناقشة، ونقلت وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة والإلكترونية هذه المناقشات.

وبعد عدة أشهر من انطلاق الحوار الوطني، تقدم مجلس أمناء الحوار الوطني بخالص الشكر والتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، على استجابته الفورية بتلقِّي مجموعة من مُخرجات الحوار الوطني، والتي تنوعت بين مُقترحات تشريعية، وإجراءات تنفيذية، في كافة المحاور السياسية والاقتصادية والمجتمعية.

ومن جانبه وجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي نتائجَ الحوار والمقترحات والتوصيات إلى الجهات المعنيَّة بالدولة من أجل دراستها وتطبيق ما يُمكن منها في إطار الصلاحيات القانونية والدستورية.

خدمة الوطن والمواطنين

لقد ثمَّن مجلس أمناء الحوار الوطني الجهود المبذولة من جميع المقررين والمشاركين في الحوار، من أجل التوافق والخروج بتلك التوصيات التي تهدف في المقام الأول لخدمة الوطن والمواطنين.

وحسبما أكد مجلس أمناء الحوار الوطنيّ، فقد استمر انعقاد الجلسات النقاشية في المرحلة الأولى على مدار 6 أسابيع من الجلسات النقاشية العامة، وأسبوعين من الجلسات التخصصية، عُقِدت خلالها “44” جلسة، موزعة على النحو التالي:

16 جلسة في المحور السياسيّ

13 جلسة في المحور الاقتصاديّ

15 جلسة في المحور المجتمعيّ

وجاء ذلك بمشاركة متميزة ومتنوعة من الحضور من ذوي الخبرة والتخصص والمعنيين، بمراعاة تمثيل وجهات النظر والتوازن السياسي، حيث شارك في الجلسات على مدار ثلاثة أشهر 65 حزبًا من مختلف التوجُّهات السياسية، وأكثر من 20 مُمثلًا للسفارات والقنصليات، وبمشاركة أكثر من 7223 مُشاركًا بجميع الجلسات موزعة على النحو الآتي:

2728 مُشاركًا بالمحور السياسيّ.

1714 مُشاركًا بالمحور الاقتصاديّ.

2781 مُشاركًا بالمحور المجتمعيّ.

مكاسب متنوعة

حقق الحوار الوطني عددًا من المكاسب الفعالة منذ انطلاقه، فلقرابة 3 أشهر تم النقاش في أكثر من 70 موضوعًا مختلفًا من أهم الموضوعات التي تهم المواطن المصري على مُختَلَف المحاور والموضوعات بين السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ.

واستطاع الحوار استقبال مئات الآلاف من المشاركات من كافة أطياف الشعب، ما ساهم في تحقيق الآتي:

– خلق حالة من الحوارات المجتمعية داخل كل مؤسسة وحزب وقرية.

– إعلاء لغة الحوار بين مختلف التيارات السياسية والفكرية.

– إحداث حراك إيجابي على مستوى الحياة السياسية المصرية.

– تفعيل لجنة العفو الرئاسي واستمرار خروج عدد من المحكوم عليهم والمحبوسين على دفعات متتالية.

– تطوير القدرة على إدارة الاختلاف، ومن جانب آخر نبذ الخلاف. 

توصيات الحوار الوطني

خَلصَ الاجتماع إلى عدة توصيات ومقترحات منها ما يلي:

أولًا- بالنسبة للمحور السياسيّ:

فيما يخص لجنة المحليات، صدرت توصيات في قضية قانون المجالس المحلية الشعبية.

وفي لجنة مباشرة الحقوق السياسية والتمثيل النيابي، خرجت التوصيات في:

  • قضية عدد أعضاء المجلسين (النواب والشيوخ)،
  • قضية قانون مباشرة الحقوق السياسية،
  • الإشراف القضائي بين الدستور والضرورة العملية،
  • وكذلك قضية النظام الانتخابي في ظل الضوابط الدستورية.

وبالنسبة للجنة حقوق الإنسان، شملت التوصيات قضيتَيْ: القضاء على التمييز، والحريات الأكاديمية والبحث العلمي.

وأوصت لجنة النقابات والعمل الأهلي بتوصيات عدة في قضية حل تحديات التعاونيات وقضية قانون العملي الأهلي.

ثانيًا- بالنسبة للمحور الاقتصاديّ:

توافَق الحوارُ الوطنيُّ على عدة توصيات في اللجان الآتية:

في لجنة الصناعة، شملت التوصيات موضوعات: إعادة تطوير وتخطيط المناطق الصناعية القائمة، تحديث الأنشطة المُستَهدَفة ومراجعة الفجوة التصديرية.

وفي لجنة الزراعة والأمن الغذائي توافقوا على عدة توصيات متعلقة بقضية دور الدولة في توفير مستلزمات الإنتاج والتسعير، ودعم الائتمان والديون.

وبالنسبة للجنة السياحة، تم التوصل إلى عدة مقترحات منها التوسع في إصدار التراخيص، ووضع أجندة سياحية والترويج لها، بالإضافة إلى ضرورة العمل على صناعة أنماط سياحية جديدة.

وفي لجنة الاستثمار الخاص، توافقوا على عدة توصيات منها: أهمية وضع أدلة استثمارية ميسَّرة ومبسَّطة في المجالات المختلفة، والتوسع في إنشاء المناطق الحرة العامة والخاصة وزيادة عددها، بالإضافة إلى تفعيل بعض المواد بقانون الاستثمار.

ثالثًا- بالنسبة للمحور المجتمعيّ:

أوصت لجنة الأسرة والتماسك المجتمعي، على قضية الوصاية على المال.

وفي لجنة الشباب، أوصت بعدد من التوصيات في مسألة ريادة الأعمال، من حيث دعمها والتوسع فيها.

وفي لجنة الصحة، تم التوافق على توصيات عدة منها: قضية نظم الرعاية الصحية في مصر بين حكومي– خاص– أهلي، بالإضافة إلى التأمين الصحي الشامل.

وقد صدرت توصيات مهمة في لجنة التعليم فيما يتعلق بقضية التعليم قبل الجامعي، والقضاء على الأمية والتسرب من التعليم وتأكيد الإبداع والابتكار.

وفي لجنة الثقافة برز عدد من المقترحات المُتوافَق عليها في قضيتَيْ: ترسيخ الهوية الوطنية والحفاظ عليها، وقضية تعظيم الاستفادة من المؤسسات الثقافية (على مستوى السياسات والمؤسسات).

الأمل

على هذا النحو، وبعد تشكيل مجلس أمناء الحوار الوطني وانعقاد العديد من الجلسات والخروج بمقترحات وتوصيات، يبقى الأمل في استمرار الحوار الوطني داخل كل مؤسسة وكل هيئة، من أجل تحسين الحاضر وبناء مستقبل مشرق لنا ولأولادنا من بعدنا، في كافة المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

حوار أتباع الأديان.. الأديان مُطْلَقات لا تتحاور فيما بينها!

اسم الكاتب : هاني لبيب

  • * هذه الدراسة جزء من كتاب مُشترك قيد الطبع. 

    في معنى الحوار

    أصبح مصطلح “الحوار” من أكثر المصطلحات تداولًا للتعبير عن أن كل طرف تابع لدينٍ أو عقيدةٍ يرى الطرف الثاني جديرًا بالاحترام والمناقشة والتقدير؛ إذ أن هذا حقٌّ طبيعي لكل منهما في الإنسانية. وقد آثرنا أن نستخدم دائمًا مصطلح “الطرف الثاني”؛ لأنه الأكثر تعبيرًا عن المشاركة في وطن واحد، بديلًا عن مصطلح “الآخر” الذي يُوحي بالفرقة والاستبعاد والتهميش والإقصاء.

    لا شك أن الحوار الإسلامي- المسيحي قد أصبح من أكثر الإشكاليات الخلافية جدلًا. ويعود ذلك لعدة أسـباب منها: رفـض البعـض الاعـتراف بهذا الحـوار لأنه سيؤدي -في نهاية المطاف- إلى تنازُل أحد الطرفين عن ثوابته في مقابل تأكيد ثوابت الطرف الثاني، وهناك البعض الآخر الذي يخاف منه لاعتقادهم أنه مؤامرة تهدف إلى تذويب الفوارق بين الأديان.

    على هذا النحو، نؤكد أن الإطار الخاص لهذه الإشكالية هو الإطار  العربي (المسيحي- الإسلامي)، وإن أشرنا أحيانًا إلى الإطار العالمي من أجل توضيح العلاقة بين الشرق والغرب. وهو ما يجعل الحوار هنا بمثابة فتح بنية الخطاب المغلَقة حتى تتفاعل مع خطاب غريب عنها، أو خاضع للخطاب المسيطر، وبذلك تتزعزع سيطرة الخطاب السائد، وتدعو لمراجعته ولإيجاد (أصوات أخرى) بجانبه.

    إنه الحوار بين أتباع الأديان، وليس بين الأديان، على اعتبار أن الأديان لا تتحاور، بل أتباع الأديان هم الذين يتحاورون.  

    ثقافة الحوار

    من الملاحظ، أننا أصبحنا على مستوى المجتمع ككل لا نجيد أي شكل من أشكال الحوار الإيجابي، الذي تنتج عنه استفادة شخصية حقيقية لأيٍّ من أطراف الحوار. وربما يكون نموذج ذلك الدال أننا لا نطبق الشروط الأساسية لفنون الحوار على جميع مستويات حياتنا بدايةً من وجود “حالة” من الحوار في المنزل بين الأب والأم وأبنائهما، ومرورًا بالمعلم والتلميذ في المدرسة والجامعة فيما بعد، وصولًا إلى الحياة العامة على صفحات الجرائد والبرامج الحوارية “التوك شو” على الفضائيات، فضلًا عن الحوارات على مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية.

    إن “ثقافة الحوار” لها شروط يجب توافرها لكي يكون حوارًا بناءً، من هذه الشروط على سبيل المثال:

    • الإصغاء: بمعنى أنه لا يمكن بناء حوار سليم دون إصغاء جيد بين أطراف الحوار، لكي لا يكون كل طرف في جزيرة منعزلة يتحدث من جانب، والطرف المقابل له يتحدث على الطرف النقيض من جانب آخر.
    • الاتصال: بمعنى أن يكون لدى كلِّ طرف من أطراف الحوار مبادرة الاتصال الجيد أمام الطرف الثاني. وهو ما يساعد على أن يقوم كل طرف بتوصيل رسالته بشكل صحيح وبسيط ودقيق ومفهوم، لكي تحدث حالةٌ من التفاعل حول موضوع الحوار، دون التباس أو سوء فهم أو تأويل لكلمات الحوار ومضمونه.
    • قبول الاختلاف: وهو شرط أساسي يفترض أن يقبل كلُّ طرفٍ الرأيَ المخالف له قبل أن يبدأ الحوار من الأصل. ولا يعني بالطبع قبول الاختلاف الاقتناع به أو تبنيه، ولكن قبول مبدأ التنوع في الآراء إلى حدِّ التباين.
    • توطيد العلاقات بين أطراف الحوار: بمعنى أن الحوار في حد ذاته هو “حالة” إنسانية بالدرجة الأولى، وهي تحتاج لأن يحكم هذا الحوار مبدأُ التقدير والاحترام للطرف الثاني كإنسانٍ له رأيٌ مخالفٌ عن الرأي الذي أميل إليه. وهو شرط يؤدي إلى الوصول لمساحة مشتركة من التفاهم والتعاون، في ظل التنوع والتعددية وقبول الاختلاف.

    نكرس في العديد من أفعالنا التصرفات المضادة لثقافة الحوار، رغم أنه لو طُبِّقت تلك الثقافة لأفرزت لنا العديد من النتائج الإيجابية، سواء على مستوى الأشخاص أو القضايا محل الحوار. وهي ثقافة من شأنها أن ترسخ قِيَم الاختلاف وقبوله لأبعاد تتجاوز الرأي إلى الاختلاف السياسي أو الفكري أو الثقافي أو الديني.

    إن الحوار قيمةٌ أساسيةٌ للحياة الإنسانية لمن يعرف قيمتها ويقدِّر أهميتها.

     

    جذور الحوار

    ويمكن رصد جذور الحوار في المجتمع المصري كنموذجٍ دالٍّ من خلال:

    • طبيعة مصر: صلة المواطنين المصريين بالأرض سابقة على اعتناقهم للأديان سواء المسيحية أو الإسلام.
    • اللغة المُشتَرَكة: إذ ساعدت وحدة اللسان العربي في مصر منذ القرن العاشر الميلادي على صُنع تصوُّرٍ عام، بالإضافة إلى تكوين وعي يربط بين المصريين جميعًا، ويعبِّر عن العلاقات فيما بينهم.
    • خبرة العقل المصري: المصير الواحد الذي يجمع المواطنين المصريين جميعًا في بوتقة واحدة، وتحت ظروف اقتصادية واجتماعية مماثلة هو الذي قدَّم مصر نموذجًا تقوم الحياة فيه على مبادئ أسهم الجميعُ في صياغتها والرضا عنها وبها.

    وقد ساعدت تلك الجذور من خلال العناصر أو العوامل المشتركة لسنوات وقرون عديدة على التفاعل والاندماج مع بعضها البعض، رغم التوترات الاستثنائية.

    من الجانب الفلسفي، لا يمكن أن يفهم الإنسانُ طبيعةَ تفرُّد شخصيته بغير اختبار التعايش مع الأطراف الشريكة، كما ساعدت ثنائية الدين في مصر بين المسيحية والإسلام، على مدى جاوز أربعة عشر قرنًا، في صياغة الموقف الواقعي والوعي المشتَرَك الذي يفرز الفكر الموحَّد، مما نتج عنه شعور الجماعة الوطنية المصرية أكثر فأكثر باحتياجها إلى بعضها البعض كوحدة متكاملة.. بدايةً من وحدة الهوية والمصير، ووصولًا إلى وحدة التراث الذي أنبتته هذه الأرض وغذته بأسباب البقاء والنمو.. رغم التحديات الاستثنائية من أزمات وتوترات طائفية.

    ويمكن رصد بعض المواقف الدالة على ما سبق؛ فنجد الشيخ محمد عبده (عالم وفقيه مسلم مصري 1849– 1905م) عندما ناشد أبناء وطنه بأن يكونوا فوق الخلافات؛ لأن الوطنية عبارة عن تعاون جميع أهل الوطن الواحد. أما عبد الله نديم (كاتب وشاعر مصري 1842– 1896م) فقال: “أوصيكم بكلمة الاتحاد، والتمسك بحبل الائتلاف”، كما حذر قائلًا: “لا بد من سد الأذن عن سماع الأصوات الأجنبية التي تحرك النفوس وتظلم القلوب”. كما أوضح يعقوب صنوع (كاتب مسرحي مصري من أصل يهودي 1839– 1912م) أن الطـريق إلى الوحدة الوطـنية هو مكافحـة الأباطـيل التي تفرق بين مسلمين ومسيحيين بإظهار سماحة القرآن وكلمة الإنجيل. ثم نجد بعد ذلك الموقف الوطني الموحَّد غير القابل للجدل في ثورة 19، ثم في حرب 6 أكتوبر 73، وفي أحداث 25 يناير 2011م، ثم في ثورة 30 يونيو 2013م.

    تاريخ الحوار

    إذا نظرنا إلى تاريخ العلاقات بين الغرب والإسلام في القرون الماضية -كمثال للحوار الديني والحضاري بوجه عام على مستوى العالم- لوجدناه تاريخ نزاع طويل وصراع، فلم يكن تاريخ أخوة تربطهم ببعض أواصر المحبة والإخاء، رغم تكثيف العلاقات الثقافية بما فيها تبادل العلم ومقومات الحضارة وتوثيق العلاقات الاقتصادية. وإذا أعدنا قراءة تاريخ هذه العلاقات، لوجدنا أن المرجعية الأساسية لهذا الصراع الحربي والنزاع السياسي هي مرجعية سياسية تأخذ الإطار العام في شكل المرجعية الدينية، مما أثَّر في بعض مراحل النقاش العلمي والجدل الديني في محاورات أتباع المسيحية والإسلام.. محولًا الاتجاه العام للعلاقة إلى ميدان لتهجُّم كل طرف على الطرف الثاني ودفع عقائده ومقومات إيمانه والحكم عليها بالضلال والعبث الديني1، وهو ما جعل المسلمين ينظرون إلى الغرب نظرة توجُّس وريبة.. تتماهى في أحيان كثيرة مع المسيحية، ويعود منبعها إلى تاريخ الغرب قديمًا في احتلال بلادهم وتمزيقها، وتسخير مواردهم وثرواتهم لمآربه السياسية. وما نتج عن ذلك من جعل المواطنين المسيحيين العرب يميزون أنفسهم في المقابل عن هذا الغرب الاستعماري الذي لم يجدوا في سياساته ما يقربهم إليه2.

    بدأت تجارب الحوار بين أتباع الأديان في القرن العشرين3؛ حيث نجد أنها بدأت كتجربة غربية بين الكنائس الغربية والأمريكية وبين المسلمين في خمسينات القرن العشرين؛ إذ انعقدت عدة لقاءات، لكن لم تسفر عن نتيجة بسبب التوجهات والقضايا المختلفة لطرفي الحوار. غير أن ستينات القرن العشرين شهدت انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني بين عامي 1962م و1965م، وهو ما يُعَد علامة تحول بارزة في العلاقة، بل وفي نظرة المؤسسة المسيحية الغربية إلى الإسلام.

    وفي هذا الصدد، نجد أن أمانة السر للعلاقة بغير المسيحيين بالفاتيكان، ومكتب العلاقات بين الأديان بمجلس الكنائس العالمي، هما من أهم المؤسسات الأوروبية في الاهتمام بهذا النوع من الحوار المتخصص وذات الطبيعة الخاصة.

    وذلك بالإضافة إلى العديد من المراكز والأقسام الجامعية، منها على سبيل المثال، وليس الحصر4:

    • مركز دانكان بلاك ماكدونالد بجامعة هارتفورد، ومركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورجتاون، وقسم الديانات بجامعة تامبل في فيلادلفيا (الولايات المتحدة الأمريكية).
    • المعهد البابوي للدراسات العربيَّة والإسلامية (الفاتيكان).
    • جامعة فيليبس (ألمانيا).
    • جامعة لوزان (سويسرا).
    • مركز دراسات الإسلام والعلاقات المسيحية- الإسلامية بكليات سلي يوك في برمنجهام (إنجلترا).
    • جامعة أمستردام الحرة (هولندا).
    • جامعة بانتيوس (اليونان).

    بالإضافة إلى الاتحاد الدولي لحوار الثقافات والأديان وتعليم السلام ADIC سنة 1990م، ومؤسسة الأبحاث والحوار بين أتباع الأديان والثقافات (سويسرا) التي تأسست في مايو 1999م بهدف بناء جسور جديدة للفهم والتقارب بين أتباع الديانات السماوية، ولإزالة سوء الفهم الذي نشأ بسبب ندرة المعلومات والحملات الإعلامية المغرضة5.

    أشكال الحوار

    • الحوارات التي تنشأ من لقاءات رجال الدين، ولا سيما في الأزمات وأزمنة الصراعات.
    • الحوارات التي ترعاها الحكومات أو القوة السياسية أو منظمات المجتمع المدني.
    • حوارات المؤمنين وأتباع الأديان أفرادًا كانوا أم مجموعات، أو مؤسسات دينية.
    • الحوارات الأكاديمية المتخصصة في العلوم الدينية.
    • حوارات “المواطنة” التي تؤكد على المشاركة والمساواة.

    على هذا النحو، نجد أن المحور المُشتَرَك بين جميع الأديان هو العدالة وترسيخ الأخلاق عند البشر؛ فالمسيحية والإسلام دينان كبيران موحِّدان، لهما جذور عديدة مُشتَرَكة، وبينهما تقارب ونُبل المقصد، والحث على الفضيلة. كما أن كل دين يحاول أن يجد في الدين الثاني ما هو طيب وحسن وملائم لتحقيق الانسجام بوحدة الهدف (تمجيد الله وتحسين أخلاق البشر).

    إذن، فالحوار هنا هو نوع من أنواع العبادة، وإذا كان نص قانون الإيمان المسيحي يؤكد على: (أؤمن بإله واحد)، كما أن من أهم معتقدات الإسلام هو الإقرار في الشهادة بأنه: (لا إله إلا الله)؛ نجد أنهما معًا يقدمان للذين يحبِّذون الحوار بين أتباع المسيحية والإسلام ميدانًا ممتازًا للتبادل الخصب المفيد حسب المحددات التالية6:

    أولًا: الإيمان المشترك بالله من حيث:

           – الإقرار بوجود الله.                      – الله يحب الإنسان.

           – الله هو الحميد المجيد.                   – الله يحيي الأموات.

           – الله واحد، حي، قيوم.                    – الله ذو الغفران والرحمة.

           – الله يرسل الأنبياء.                       – الإنسان يُقدم لله العبادة.

    ثانيًا: فكرة الإنسية لأن:

    • الإنسان هو قلب العالم في المسيحية والإسلام.
    • هناك حقوق لله غير قابلة للإسقاط، ولها الأولوية، مثل: المحبة وحسن المعاملة والرحمة والعدل.
    • الإيمان بالله في المسيحية والإسلام أحدث ثقافتين لهما أبعاد حضارية أثَّرتا في جميع أنحاء العالم.

    ثالثًا: التقارب المسيحي- الإسلامي وذلك من خلال:

    • تعميق المعرفة بالله والوحي والتفسير والكتب المقدسة.
    • تحقيق المساواة وحرية العبادة والدين.
    • خدمة الغير على اختلاف دينه وجنسه.
    • التبادل الثقافي المُشتَرَك، وعلى سبيل المثال: تحقيق النصوص ونشر المجلات وتنظيم المؤتمرات.

    ولذا، نرى أن المسيحية والإسلام يرتكزان في الحديث عن الله (من خلال علم اللاهوت المسيحي وعلم الكلام الإسلامي)، على أفـكار ثلاث أساسية7، هي:

    • الله هو واحد أحد.
    • الله خالق، وهو الحكم، وبيده الثواب والعقاب.
    • الله عليٌّ قديرٌ رحيمٌ.

    بقي أن نركز على حقيقتين ليتم الحوار فيهما على أفضل مستوى8:

     

    1. التمييز بين الواقع العملي والمعتقد الإيماني:

    بمعنى التمييز بين ما هو مقبول علميًّا لدى الجميع، وبين ما يرجع إلى معتقد المؤمن، مثل: كون الكتاب المقدس والقرآن الكريم أتيا على أيدي بشر معروفين، هو أمر واقع تاريخي لا جدال عليه، أما أنهما أُنزلا من عند الله سواء بعصمة الروح القدس في المسيحية أو بالوحي في الإسلام، فهذا أمر إيماني لا يقبله إلا أصحاب كل دين.

    1. الحوار القائم على الصدق والصراحة:

    بمعنى أنه لا يُقام الحوار على المساومة والمراوغة، فالمطلوب هو الصدق والصراحة بالمحبة واللطف، وتفهُّم “الطرف الثاني” بحوار صريح متميز ينظر إلى العوامل المشتركة والعوامل المختلفة معًا، ولا نكتفي بالمُشتَرَك أو نخفي المختلف أيضًا.

     

    قواعد الحوار

    من أجل الوصول إلى حوار إيجابي فعال، يجب التأكيد على القواعد التالية:

    • فهم كل طرف للطرف الثاني كما يريد هو أن يكون مفهومًا.
    • الحوار هو دعوة ليزداد كل طرف تفهمًا لمعتقداته كي يستطيع عرضها وإبراز قيمها السامية.
    • الإيمان بأن من يؤمن به كل طرف هو “الله” المعتني بجميع البشر.
    • الاحترام المتبادل بين جميع أطراف الحوار، واعتراف كل طرف بخصوصية الأطراف الأخرى.
    • حرية الاختيار التي تعطي لكل طرف من أطراف الحوار حقه في قبول أو رفض أي فكرة أو أي رأي.. دون ازدراء أو سخرية أو تهكم.
    • العدالة بمعناها الواسع في الحكم، وبإعطاء كل ذي حق حقه.
    • المساواة في العلاقات بين المواطنين دون أدني تمييز بسبب اللون أو اللغة أو النوع الاجتماعي أو الدين.
    • التسامح هو خلق إنساني أصيل.. يقوي الأواصر الاجتماعية.

    الحوار بين أتباع الأديان بالقواعد السابقة ينقلنا إلى حالة الحوار الحقيقية، من الاستبعاد إلى الاستيعاب، ومن الرفض إلى القبول، ومن التصنيف إلى التفاهم، ومن التشويه إلى الاحترام، ومن الإدانة إلى التسامح، ومن العداوة إلى الألفة، ومن التنافس إلى التكامل، ومن التنافر إلى التلاقي، ومن الخصومة إلى الصداقة.

     

     

    ثوابت الحوار ومواجهة التعصب الديني

    • الأديان لا تتحاور، بل الحوار يتم بين أتباع الأديان.. سواء المتدينون أو غيرهم من أتباع الأديان. وهو حوار حول القيم والمبادئ الإنسانية الواحدة في الأديان، وليس حوارًا عقائديًّا؛ لأن العقيدة من الثوابت التي لا تتغير ولا يمكن النقاش فيها أو التنازل عنها أو الجدل حولها لأنها من المُطلَقَات الإيمانية في كل دين.
    • الأديان أكبر من الأحداث.. من حُدوث تجاوزٍ هنا، أو فتنة هناك بين أتباع الأديان؛ لأنه في الكثير من الأحيان يتم التعامل مع النصوص الدينية بحَرْفية شديدة وجمودٍ لا يقبل الحوار والنقاش.
    • حوار أتباع الأديان أكبر من الآراء الشخصية.. بمعنى أنه أكبر من موقف هنا لأحد الرموز والقيادات أو تجاوز هناك يحمل نوعًا من الازدراء. على اعتبار أن الأديان تحمل ثوابت مطلقة، أما الأشخاص ومواقفهم أو تجاوزاتهم، فهي متغيرة حسب الزمان والمكان.
    • لا يمكن أن يتوقف حوار أتباع الأديان بسبب حادث طارئ أو مشكلة عارضة، ويجب أن يحرص المستنيرون والمعتدلون من الجانبين على هذه القاعدة، وعدم الخضوع والانصياع لرأي الشارع، فقد يترتب على ذلك كوارث وأزمات.
    • الأزمات والتوترات من شأنها أن تزيد الروابط والمساحات المُشتَرَكة من القِيَم والمبادئ بين أتباع الأديان، خاصةً أن النزاعات الطائفية سواء في الداخل أو الخارج قد أصبحت من مفردات الحياة اليومية.
    • للتذكير فقط: بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م. قُتِل عادل كراس (مواطن مسيحي مصري) يمتلك “سوبر ماركت” في الولايات المتحدة الأمريكية. وذكرت التحقيقات أن القاتل الأمريكي اعتقد أن المصري من أتباع آية الله الخوميني؛ لأنه خلط بين صورة الخوميني وصورة البابا كيرلس السادس (السابق على الراحل البابا شنودة الثالث) التي كانت معلقة في السوبر ماركت9.
    • الغرب -سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة الأمريكية- أصبح يتعامل مع العرب عامةً والمسلمين خاصةً بنظرة ريبة وشَكٍّ تحكمها التجارب التاريخية من ثورة أية الله الخوميني (1902– 1989م) وتنظيم القاعدة وأحداث 11 سبتمبر، وإلى داعش وغيرها.

     

    عقبات الحوار

    الحوار بين أتباع الأديان أصبح من أكثر القضايا الخلافية جدلًا، لعدة أسـباب منها: رفـض البعـض الاعـتراف بهذا الحـوار، لتصوُّر مسبق بأنه سيؤدي -في نهاية المطاف- إلى تنازل أحد الطرفين عن ثوابته، في مقابل تأكيد ثوابت الطرف الثاني، بينما يخاف منه البعض الآخر، لاعتقادهم أنه مؤامرة تهدف إلى تذويب الفوارق بين الأديان، رغم أنه في حقيقة الأمر حوار بين أتباع الأديان على اعتبار أن الأديان في حد ذاتها لا تتحاور.

    وفي هذا السياق، يُمكن أن نرصد بعض العقبات التي تقف أمام هذا الحوار، نجملها فيما يلي:

    • عدم الاقتناع بقيمة الحوار بين أتباع الأديان.
    • الشك المتبادَل بين طرفي الحوار.
    • تأصيل منقوص في الإيمان الشخصي.
    • معرفة وإدراك غير كاملين للمعتقدات والممارسات الدينية مما قد يؤدي إلى عدم تقديرها.
    • فهم خاطئ للمصطلحات (حوار– تسامح- محبة..).
    • اكتفاء ذاتي بما لدى كل طرف.
    • الروح الجدلية عند التعبير عن القناعات الدينية.
    • عدم التجاوب المتبادَل في الحوار.
    • عدم السماحة التي تزداد خطورتها عندما تختلط بعوامل سياسية توظَّف بأشكال متعددة.

    بالإضافة إلى الخلط الشديد بين المسيحية الغربية وبين المسيحية الشرقية بوجه عام، والمسيحية المصرية بوجه خاص، فنجـد -قديمًا- أن حروب الفرنجـة استـخدمت الدين شـعارًا لإنقاذ المقدَّسات المسيحية من أيدي المسلمين. وهو ما أدى إلى تحول الجدال إلى صخب، وأدى إلى وجود فقه الحروب الدينية وآدابها التي تتسم بكونها خليطًا بين التهجم والدفاع. وهو ما يجعلني أرفض تمامًا مصطلح “الحروب الصليبية”، وأفضل بدلًا منه “حروب الفرنجة”، لأنها بعيدة تمامًا -كما نعلم جيدًا- عن رمز الصليب الذي يشير إلى المسيحية كعقيدة وإيمان.

    كما أن مصطلح “حروب الفرنجة” أو “حروب الأفرنج” هو المصطلح الذي ذكره المؤرخون العرب والمسلمون أنفسهم، ولم يذكروا “الحروب الصليبية” أو “حملة الصليب” أو “الصليبيون”. وهو المصطلح ذاته الذي استخدمه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش أثناء ضربه لأفغانستان عقب أحداث الثلاثاء 11 سبتمبر سنة 2001. ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية حين دخلت الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) استخدمت التعبير نفسه على لسان الجنرال/ الرئيس دوايت ديفيد أيزنهاور (1890– 1969م) للدلالة على تعبئة الشعب من خلال توظيف البُعد العقيدي.

     

    تحديات الحوار

    • التشكيك الوطني الذي يختزل كل أشكال الهوية في الهوية الدينية، وهو ما نعاني منه في ظل الحديث عن العروبة في مقابل الفرعونية وبديلًا عنها، أو الهوية الإسلامية في مقابل المصرية وبديلًا عنها. فضلًا عن التشكيك العقائدي والفتاوى التي تسهم في خلق صورة ذهنية سلبية حول الطرف الديني الثاني بعد أن حولته بعض البرامج الفضائية إلى حديث شوارع. وهو ما يعني إلغاء الهويات الثقافية والحضارية في مقابل ترسيخ الهويات الدينية.
    • التمييز الديني، وليس الاضطهاد، من خلال البعض، فقد أساء بدوره للنظام والدولة، نتيجة لوجود فجوة بين النصوص الدستورية والقانونية التي تؤكد على منظومة المواطنة، وبين التنفيذ العملي والإجراءات اليومية على أرض الواقع التي يتحكم فيها البعض من أصحاب الرؤى الضيقة. على غرار الفتاوى السنوية حول جواز تهنئة المواطنين المسيحيين بالعيد أم لا، أو جواز توليهم السلطة أم لا.
    • الفرز على أساس ديني تلاشى ظاهريًّا، ولكن نجده بقوة في الحديث عن الانتماء الديني لكل طرف، للحكم على كفاءته وصلاحيته واقتداره، وهو ما يعني تحويل مفهوم “أهل الخبرة” إلى مفهوم “أهل الثقة”، وهو ما أصبح يعني عند البعض “أهل الدين الواحد”، بل ويصل في الكثير من الحالات إلى أهل الطائفة الواحدة داخل الدين الواحد.

    الطرف الثاني

    وجد مفهوم “الآخر” ترويجًا على نطاق واسع بين الأكاديميين والكُتَّاب والصحفيين، غير أن المتتبِّع لكتاباتهم يجدها تكرس للمفهوم السلبي للآخر. ورغم ذلك الموقف الفكري، اتفقت مع فكرة أن الحفاظ على العلاقات الإنسانية للحوار والتواصل يجب أن يتم في صيغة (وجهًا لوجه) طبقًا لطرح للفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس (1906– 1995م)، لكي لا يحدث ابتلاع للأنا في الطرف الثاني أو ذوبان الطرف الثاني في ذاته، لأن علاقة (وجهًا لوجه) تحافظ على تلك المسافة المناسبة من الاحترام والتقدير بين الأنا والأطراف المختلفة، والتي تؤكد على أن الانفصال هو شرط التميز لي ولغيري من المختلفين معي. وهي علاقة أخلاقية بهذا الشكل تتطلب حرية الذات لتوجّهها نحو المسؤولية.

    لا أتوافق بأي شكل من الأشكال مع الكتابة والترويج لمفهوم “الآخر” في إشارة للمختلف معي فكريًّا وسياسيًّا، وأيضًا دينيًّا، وأفضِّل دائمًا استخدام مفهوم “الطرف الثاني” للدلالة على المشاركة والتفاعل الكامل في مجتمع واحد ووطن واحد.. بدلًا من مصطلح “الآخر” الذي يُوحي بالفرقة لما يحمله واقع الآخر من دلالة تهدف إلى الاختزال في شكل معين “إما مسيحي أو مسلم”، وفي إضافة تنزع إلى التعميم والتذويب “عربي وليس مصريًّا”، وفي نسبة ترمي إلى الاستبعاد “على الأقلية أن تخضع للأغلبية.. إعمالًا لتطبيق مبدأ الديمقراطية”، وفي صلة تقود إلى التجنب السلبي “لا يجوز تولي المواطن المصري المسيحي أو المرأة المصرية رئاسة الجمهورية”.

    اكتشاف الطرف الثاني هو أهم سمات المعرفة الإنسانية وتبادل الخبرات وتواصل الحضارات وتداخلها فيما بينها للارتقاء بالحضارة الإنسانية. وهو ما يترتب عليه أن الهوية الوطنية الحقيقية للدولة هي التي يثبت فيها حضور جميع أبنائها بغضِّ النظر عن كونهم رجالًا أو نساء، ومسيحيين أو مسلمين، وأقلية أو أغلبية، فحضور أبنائها ومشاركتهم في صناعة مستقبل وطنهم هو العلامة الفارقة في حضور الطرف الثاني التقليدي، المُهمَّش والمُستبعَد والمُستضعَف.

    وجود تلك المساحة الفكرية والدينية والسياسية للمختلفين معي يؤكد على خروجي من أوهام التفرد والتميز على جميع المستويات للوصول لحقيقة أن الوصول للمختلف معي لا يمكن أن يتم بالمشاهدة والملاحظة فقط، ولكنه يتطلب التفاعل والامتزاج من خلال حفاظ كل طرف على تميزه، والحرص على احترام الاختلاف معه.

    اكتشاف الطرف الثاني المختلف يرتبط أساسًا بمبدأ الاعتراف به، وهو المدخل الأساسي لفهمه، كما أننا نعرف أنفسنا ونكتشف حقيقتنا من خلال تعاملنا واتصالنا بالأطراف المختلفة. وهو ما يترتب عليه أن نصغي للطرف المختلف معي لكي نفهمه قبل أن نصدر عليه أحكامًا مسبقة بهدف التعلم منه، وليس احترامه فحسب.

    نحتاج إلى الأطراف “المختلفين عنا” لاكتشاف أخطائنا، كما يحتاجون هم أيضًا إلينا؛ فانتقاد الآخرين لنا لا يقل أهمية عن انتقادنا لأنفسنا.

     

     

    نقطة ومن أول السطر..

    حوار أتباع الأديان هو تعبير عن أن كل طرف، صاحب دين أو عقيدة يرى الطرف الثاني جديرًا بالاحترام والمناقشة والتقدير كحق طبيعي لكل منهما، فهو تعبير عن الوحدة الإنسانية10

    الاختلاف.. أعرف أني أكاد لا أعرف..

     

    الهوامش:

    • عادل تيودور خوري، دراسة: العيش المشترك والأديان، مجلة “المسرة”، 1994م – العدد 80، لبنان.
    • طلال عتريسي، كتاب: العلاقات الإسلامية– المسيحية (قراءات مرجعية في التاريخ والحاضر والمستقبل)، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، ط1– 1994م، بيروت، ص 8.
    • أيمن الرامي، دراسة: الحوار المسيحي– الإسلامي.. الواقع والمرتجى، مجلة آفاق، 2001– العدد 31، بيروت.
    • المصدر السابق.
    • تقرير: إنشاء مؤسسة الأبحاث والحوار بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، جريدة “الشرق الأوسط”، صفحة “دين”، 7 مايو 1999م، لندن.
    • الأب الدكتور جورج شحاته قنواتي، محاضرة: الإيمان بين المسيحية والإسلام، جمعية الشبان المسلمين، 11 سبتمبر 1978م، القاهرة.
    • هاني لبيب، دراسة: علم الكلام الإسلامي وعلم اللاهوت المسيحي، ملف “الراهب الفيلسوف الإسلامي”، مجلة “القاهرة”، يناير 1995م– العدد 139، القاهرة.
    • سمير خليل اليسوعي، دراسة: نظرة نقدية في الحوار الديني الإسلامي المسيحي، مجلة “المسرة”، 1994م– العدد 809، لبنان.
    • خبر: أول عربي يُقتَل ضمن موجة العداء للعرب والمسلمين، ملف (الثور الأمريكي الهائج)، جريدة “العربي”، 23 سبتمبر 2001م– العدد 776، القاهرة.

    وأيضًا خبر: عادل كراس، شهيد مصري قتلته العنصرية الأمريكية، ملف (قبل أن تندم أمريكا)، جريدة “الأسبوع”، 24 سبتمبر 2001م– 240، القاهرة.

    • د. وليم سليمان قلادة، كتاب: الحوار بين الأديان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1– 1976، القاهرة ص 11.

     

     

     

    مراجع للاستزادة

    الكتب:

    • رسالة: الحضور المسيحي في الشرق (شهادة ورسالة)، رسالة رعوية مشتركة يوجهها بطاركة الشرق الكاثوليك إلى مؤمنيهم في شتى أماكن وجودهم بمناسبة عيد الفصح 1992م، 1 مستجدات ومتغيرات- أ) العالم.
    • رسالة: البابا يوحنا بولس الثاني، إعلان الرب يسوع في وحدانية الخلاص وشموليته في يسوع المسيح والكنيسة، مقر مجمع العقيدة والإيمان، 6 أغسطس 2000م، الفاتيكان- روما.
    • كتاب: الحوار والعيش الواحد: ميثاق عربي إسلامي– مسيحي، مجلس كنائس الشرق الأوسط والفريق العربي الإسلامي– المسيحي للحوار، ط1– يونيو 2002م، بيروت.
    • هاني لبيب، كتاب: الحوار المسيحي الإسلامي.. رؤية جديدة، مكتبة الشروق الدولية، ط2– يناير 2006م، القاهرة.
    • أليكسي جورافسكي، كتاب: الإسلام والمسيحية، سلسلة عالم المعرفة، نوفمبر 1996م– العدد 215، الكويت.
    • وليم سليمان قلادة وآخرون، كتاب: التسامح الديني والتفاهم بين المعتقدات، مركز اتحاد المحامين العرب للبحوث والدراسات القانونية، سلسلة حوار الشهر- العدد 1، ط1– 1986م، القاهرة.
    • كتاب: الحوار والعيش الواحد.. ميثاق عربي إسلامي– مسيحي، مجلس كنائس الشرق الأوسط والفريق العربي الإسلامي– المسيحي للحوار، ط1– 2002م، بيروت.
    • مشير باسيل عون، كتاب: بين المسيحية والإسلام.. بحث في المفاهيم الأساسية (4)، مركز الأبحاث في الحوار المسيحي الإسلامي، ط1– 1997م، بيروت.
    • عادل تيودور خوري، كتاب: الإسلام في عقيدته ونظامه (6)، مركز الأبحاث في الحوار المسيحي الإسلامي، ط1– 1997م، بيروت.
    • أندراوس بشته وعادل تيودور خوري وآخرون، كتاب: الإسلام يسائل المسيحية في شؤون اللاهوت والفلسفة (13)، مركز الأبحاث في الحوار المسيحي الإسلامي، ط1– 2000م، بيروت.
    • كريستيان فان نسبن، كتاب: مسيحيون ومسلمون.. إخوة أمام الله، المجلس الأعلى للثقافة- المشروع القومي للترجمة (1009)، ط1– 2006م، القاهرة.
    • كتاب: تحديات التفاهم المتبادل.. طلاب مسلمون ومسيحيون وجهًا لوجه، معهد الدراسات الإسلامية المسيحية (جامعة القديس يوسف)، سلسلة التفاعل الإسلامي المسيحي (1)، ط1– 2002م، بيروت.
    • كتاب: نزهة عقل، التعبير الديني في مجتمع متعدد الطوائف، معهد الدراسات الإسلامية المسيحية (جامعة القديس يوسف)، سلسلة التفاعل الإسلامي المسيحي (2)، ط1– 2004م، بيروت.
    • رضوان السيد وسمير خليل وطارق متري وآخرون، كتاب: المسيحية والإسلام.. مرايا متقابلة، مركز الدراسات المسيحية الإسلامية– جامعة البلمند، ط1– 1996م، بيروت.
    • طارق متري، كتاب: الدين والدنيا في المسيحية والإسلام، مركز الدراسات المسيحية الإسلامية– جامعة البلمند، ط1– 1996م، بيروت.
    • سمير سليمان وآخرون، كتاب: العلاقات الإسلامية– المسيحية.. قراءات مرجعية في التاريخ والحاضر والمستقبل، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، ط1– 1994م، بيروت.
    • د. محمد خليفة حسن، كتاب: الحوار بين الأديان.. أهدافه وشروطه والموقف الإسلامي منه، مركز زايد للتنسيق والمتابعة، ط1– 2003م، دولة الإمارات العربية المتحدة.
    • د. القس ثروت قادس، كتاب: المسيحية والإسلام.. من الحوار إلى الجوار، دار البستاني للنشر والتوزيع، ط1– 2006م، القاهرة.
    • د. محمود حمدي زقزوق، كتاب: الدين والفلسفة والتنوير، دار المعارف، سلسلة أقرأ (61)، ط1– 1996م.
    • د. محمود حمدي زقزوق، كتاب: الفكر الديني وقضايا العصر، هدية مع مجلة الأزهر، مارس/ أبريل 2020م، القاهرة.
    • د. محود حمدي زقزوق، كتاب: الإسلام في عصر العولمة، مكتبة الشروق، ط1– 2001م، القاهرة.
    • د. محمد مختار جمعة، كتاب: في فضاء الثقافة.. مقالات في الدين والحياة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط1– 2016م، القاهرة.
    • د. محمد مختار جمعة، كتاب: نحو تجديد الفكر الديني، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط1– 2016م، القاهرة.
    • د. محمد مختار جمعة، كتاب: فقه الدولة وفقه الجماعة، وزارة الأوقاف، ط1– 2019م، القاهرة.
    • د. عبدالله النجار ود. محمد سالم أبو عاصي، تقديم ومراجعة د. محمد مختار جمعة، كتاب: مفاهيم يجب أن تصحح، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط7– 2018م، القاهرة.

    أبحاث ودراسات:

    • ملف العلاقات الإسلامية المسيحية (1) ثقافة الجدل وثقافة الحياة، مجلة الاجتهاد، صيف 1995م– العدد 28، بيروت.
    • ملف العلاقات المسيحية الإسلامية (2) ثقافة الصراع وثقافة الحياة، مجلة الاجتهاد، خريف 1995م– العدد 29، بيروت.
    • ملف العلاقات الإسلامية- المسيحية في العصر الحديث (3)، مجلة الاجتهاد، شتاء 1996م– العدد 30، بيروت.
    • ملف الحوار المسيحي– الإسلامي والعلاقات الإسلامية- المسيحية (4-5)، مجلة الاجتهاد، ربيع وصيف 1996م– العدد 31 – 32، بيروت.
    • هاني لبيب، دراسة: الحوار المسيحي الإسلامي (جورج قنواتي نموذجًا)، مجلة “سطور”، يناير 1998م– العدد الرابع عشر، القاهرة.
    • ملف خاص بالحداثة –الشريعة- اللاهوت، مجلة المعارج، العددان 59- 60/ 2005م، بيروت.
    • ملف خاص بالحداثة وتجديد الفكر الديني، مجلة المعارج، العددان 61– 62/ 2005م، بيروت.
    • هاني لبيب، دراسة: الأديان لا تتحاور.. ولكن أتباعها يتفقون ويختلفون!، صفحة “تراث”، جريدة “الحياة”، 30 يوليو 2016م، لندن.
    • هاني لبيب، دراسة: أصحاب الحقيقة المطلقة.. لا يصنعون حوار الأديان!، المؤتمر الدولي للأديان والمعتقدات، 10– 11 يناير 2022م، سوريا.

    رسائل:

    • الكاردينال جوزيف راتزنجر، الخطاب الرسولي العاشر للبابا يوحنا بولس الثاني، في الخامس من شهر أكتوبر عام 199

شذرات كتابية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : الشيخ أسامة رشدي

  • شذرة كتابية (1)

    في عيادة الطبيب العظيم

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    “رُوحُ الإِنْسَانِ تَحْتَمِلُ مَرَضَهُ أَمَّا الرُّوحُ الْمَكْسُورَةُ فَمَنْ يَحْمِلُهَا”

    (أمثال 18: 14)

    هل روحك مكسورة؟ هل انتهت في داخلك كل طاقةِ احتمالٍ وصبرٍ؟ هل تباعد عنك الرجاء والأمل؟ هل تئن من الجروحِ ولا تجد معينًا أو كلمة تشجيع؟ هل تساءلت: من يحمل روحي المكسورة ونفسي المنحنية؟ إن كنت تعبر بكل هذا فاطمئن؛ لأن الرب قريب منك «قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ» (مزمور 34: 18)، لقد جاء إلى أرضنا ليشفي: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لوقا 4: 18). هو يشفي بمحبته قلبَك، ويُجبر بعطفه كسرك، هو يعصبُ بحنانه جُرحك، ويعينُ ضعفك ويقويك، يسندك ويعزيك، يرفعك وينجيك، هو قادرٌ أن يجعل مساء آلامك ينتهي، ويشرق عليك بفرح وشفاء، فارفع عينيك عليه لترى ابتسامة رضى في وجهه، ارفع عينيك لترى يمينه المشجعة وهو يضعها عليك، قائلًا لك: لا تخف (رؤيا 1: 17).

     

     

    شذرة كتابية (2)

    توجيهات القائد

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    “فَعَادَ أَيْضًا دَاوُدُ وَسَأَلَ مِنَ الرَّبِّ”

    (صموئيل الأول 23: 4)

    نعم… اسأل الرب أولًا!

    فقبل أن يختار عبدُ إبراهيم زوجةً لإسحاق، سأل الرب قائلًا: «أيها الرب إله سيدي إبراهيم يسِّر لي اليوم» (تكوين 24: 12)، وقبل أن يسير موسى بشعبه في البرية إلى أرض الموعد، سأل الربَّ قائلًا: «إن لم يسر وجهك فلا تُصعِدنا من ههنا» (خروج 33: 15)، وقبل أن يخرج داود للحرب ويخلِّص مدينة (قعيلة) من الأعداء سأل من الرب قائلًا: «أأذهب وأضرب»، بل وعاد وسأل الرب مرة أخرى (صموئيل الأول  23: 2، 4)، فاطلب مشوره الرب في حياتك، اطلب إرشادَه وتعليمه، اطلب أن يعطيك الحكمة في كل قرار وكل عمل. قبل كل خطوة، اطلبه واجعل وجهه أمامك، ارفع عينيك إليه وافتح أذنيك لتسمع صوته، ولتكن على استعداد لطاعة مشيئته، وثِق أنه على طرقك يضيء نورًا (أيوب 22: 28).

    شذرة كتابية (3)

    زيارة أكيدة

     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    “اُنْظُرْ إِلَى الْيَمِينِ وَأَبْصِرْ فَلَيْسَ لِي عَارِفٌ. بَادَ عَنِّي الْمَنَاصُ. لَيْسَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ نَفْسِي. صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ. قُلْتُ أَنْتَ مَلْجَأي نَصِيبِي فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ”

     (مزمور 142: 4-5)

    ما أعمقها صلاة لداود وهو في قلبِ المغارة! وهو ينظر إلى اليمين فلا يجد سندًا، أو معينًا، أو ملجأً، بدون صديق، ولا رفيق يسأل عنه، لكنه يوجه صلاته بإيمان ويصرخ قائلًا: “أنت ملجأي” (ع. 5).

    فهل عبَرت عليك ساعات الوحدة مثله؟ وكل من حولك لا يشعرون بألمك، ولا باحتياجك، لا تجد إنسانًا تشكو إليه همومك، وتسكب عنده أحزانك، لا تجد كلمة تشجيع، أو حتى يدًا حنونة تلمس كتفيك، افرح الآن! إلهك هو ملجأك، هو عن يمينك فلا تتزعزع، يسأل عنك، ويسمع صلاتك، ويرى دموعك.   

     

     

    شذرة كتابية (4)

    لغز

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    “فَقَالَ رَجُلُ اللَّهِ دَعْهَا لأَنَّ نَفْسَهَا مُرَّةٌ فِيهَا وَالرَّبُّ كَتَمَ الأَمْرَ عَنِّي وَلَمْ يُخْبِرْنِي”

    (ملوك الثاني 4: 27)

    نحن لا نعلم لماذا كتم الرب الأمر عن أليشع النبي ولم يخبره بموت الصبي ابن الشونمية؟

    كيف لا يُعلن له هذا السرّ، وهو رجل الله الذي أُعلن له سابقًا كثير من الأسرار؟!

    يا له من امتحانٍ في الإيمانِ صعب على أليشع!

    فهل أنت في امتحان مثله؟ تعبر بحياتك أزمه مفاجئة، احتياج شديد، باب أُغلق فجأة، فرصة ضاعت، أحلامٌ لم تتحقق، وتجد نفسك في فترة صمت إلهي، لا صوت، ولا كلمة ولا رسالة ولا نور، كُتم الأمر عنك تمامًا! لا تعرف سببًا، لا تجد إجابةً، لا توجد رؤيا. في هذه الفترة الصعبة لا تفقد رجاءك، لا تترك صلاتك، تمثَّل بإيمان أليشع وصلاته ومثابرته في العلية، ثق أن الرب يتمجد، حتى وإن لم يخبرك، لكنه يراقب الأمر تمامًا. هو لن يتأخر عليك، وإن كان كتم الأمر عنك أولًا، فإنه سيتمجد في الأمرِ أخيرًا.

ديناميكيّة ثقافة العيش المشترك:من الجوار إلى الحوار ومن الحوار إلى الجوار السيد محمد الشاهد وثروت قادس أنموذجًا

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

  • مصريون قبل الأديان،

    مصريون بعد الأديان،

    مصريون إلى آخر الزمان.

    نعمات أحمد فؤاد

    مُقَدِّمَةٌ

    موضوع مشاركتي في ملف “الحوار” للنسور (يناير 2024م)، هو: “ديناميكيّة ثقافة العيش المشترك: من الجوار للحوار ومن الحوار للجوار”. تناقش الورقة الفرق بين السجال والجدل والحوار، والتركيز على أهمية الحوار والفهم والعيش المشترك، وكسر الصور النمطية عن الآخر، وإبراز قيمة المؤلفَيْن في دفع عجلة الحوار بالتأكيد على العيش المشترك في ديناميكية حقيقية تعرف الآخر وتقبله، وتعرف المختَلَف فيه أو عليه وتحترمه.

    التعريف بالكتابين:

    واخترت نموذجين معاصرين للحديث عنهما، هما: الدكتور السيد محمد الشاهد، والدكتور القسّ ثروت قادس، وكلٌّ منهما كتب كتابًا في هذا الموضوع ولكن بمدخل مختلف.

    المسيحيّة والإسلام من الجوار إلى الحوار

     فالدكتور محمد السيد الشاهد، الأستاذ بجامعة الأزهر ومدير أكاديميّة المعلمين الإسلاميّة بفيينا-النمسا، كتب كتابًا اسماه: “المسيحيّة والإسلام من الجوار إلى الحوار”، صدر عن دار نشر الأمين للنشر والتوزيع في طبعته الأولى عام 2001م، ويقع الكتاب في 222 صفحة من القطع المتوسط. وقد صدر عن الهيئة المصريّة العامة للكتاب عام 2013م، في 220 صفحة من القطع المتوسط.

    والكتاب مُقسَّم إلى بابين: يتضمن الباب الأول 8 فصول عن آراء بعض المستشرقين ودارسي علم اللاهوت في أسباب الصدام بين المسيحيّة والإسلام، أما الباب الثاني فيتضمن ستة فصول وهي ردود علماء الإسلام من البلاد الإسلاميّة. والكتاب نتاج عدة ندوات نظمتها جامعة توبنجن بألمانيا.

    المسيحيّة والإسلام من الحوار إلى الجوار

    تلاه بعد ذلك كتاب الدكتور القسّ ثروت قادس، وهو قسّيس إنجيليّ وأكاديميّ مصريّ يقيم بألمانيا، وعنوانه: “المسيحيّة والإسلام من الحوار إلى الجوار”، الصادر عن دار البستانيّ للنشر والتوزيع، عام 2006م، ويقع الكتاب في 159 صفحة. ونُشِرَ هذا الكتاب أيضًا في الهيئة المصريّة العامة للكتاب ضمن سلسلة مهرجان القراءة للجميع، 2007م. ناقش كتاب “المسيحيّة والإسلام من الحوار إلى الجوار” مستقبل الحوار والجوار بين الإسلام والمسيحيّة في ظلِّ ما يواجهه العالم العربيّ الآن من موجات كراهية وتعصب ضد الأديان. ويناقش المؤلف في البداية مفهوم “الحوار” ويسوق لذلك اقتباسات من القرآن الكريم والعهدين القديم والجديد، ثم يناقش أثناء ذلك لفظ “الجدل” الذي يراه مطابقا للحوار.

    التعريف بالكاتبَيْن: الشاهد وقادس

    وقبل الحديث في الموضوع حريٌّ بنا أن نُعرِّف القارئ العربيّ بالدكتور محمد السيد الشاهد، والدكتور القسّ ثروت قادس، وهما مصريان يجمعان شمال الوادي وجنوبه، احتكا عن قرب بالثقافة الغربية وكانت لهما إسهاماتهما المتميزة في مجال تخصصهما.

     مَنْ هو الدكتور السيد محمد الشاهد؟

    ولد في الشرقية 30 من يونيو 1945م. حصل على ليسانس الفلسفة وعلم النفس والاجتماع-كلية الآداب-جامعة عين شمس 1963-1970م. دراسات خاصة في العلوم الإسلاميّة (خلال دراسته الجامعية) 1965م، عمل مدرسًا للفلسفة في أسوان 1971-1972م. حصل على درجة الماجستير في جامعة توبنجن-بجنوب غرب ألمانيا، 1978م. حصل على درجة الدكتوراه في جامعة زارلاند- ألمانيا1983م. عمل مدرسًا بمعهد تاريخ العلوم العربية والإسلاميّة 1983-1984م. عضو هيئة التدريس كلية الشريعة-جامعة الإمام محمد بن سعود- الرياض، وحصل على درجة أستاذ الحضارة الإسلاميّة 1985-1991م. مدير قسم الدراسات الاستشرافية- أكاديمية البحوث- جامعة الإمام محمد بن سعود- الرياض 1991-1995م. اختير عضوا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة. لجنة الفكر الإسلاميّ والقضايا المعاصرة، 1996م. عُيِّن مستشارًا لوزير الأوقاف المصري للدراسات والموسوعات الإسلاميّة، 1997م. يشغل منصب مدير أكاديمية المعلمين الإسلاميّة- فيينا منذ 2003م. له العديد من الدراسات والكتابات المنشورة باللغة العربية.

    من هو الدكتور القسّ ثروت قادس؟

    هو من مواليد 1942م بمدينة ملوي في محافظة المنيا، مصر. حصل على بكالوريوس العلوم اللاهوتيّة عام 1961م، ورُسِم قسًّا في كنيسة السنبلاوين الإنجيليّة بمحافظة الدقهلية عام 1964م، ودرس العلوم اللاهوتيّة والفلسفيّة بجامعة هيدلبرج بألمانيا من عام 1968م وحتى 1972م، وفي عام 1973م عمل راعيًا في الكنيسة الألمانيّة حتى عام 2002م كأول مصريٍّ يعمل راعيًا في الكنيسة الألمانيّة، وحصل على دكتوراه في اللاهوت العمليّ من لويز فيل بأمريكا، وكان موضوع رسالته الحوار المسيحيّ الإسلاميّ عام 1995م، وحصل على الدكتوراه في الآداب قسم الدراسات العربيّة والإسلاميّة من جامعة هيدلبرج بألمانيا عام 1997م. وترأس القسّ ثروت قادس عام 2004م مجمع مشيخة الدلتا الإنجيليّ حتى 2005م، وشغل منصب رئيس اتحاد الجاليات المصريّة بأوروبا، وعمل أستاذًا في جامعة فرانكفورت في ألمانيا ومؤسِّس قسم الحوار الإسلاميّ المسيحيّ بالجامعة. رأس مجال الحوار والعلاقات المسكونية، الكنيسة المشيخية بمصر، سنودس النيل الإنجيلي. يشغل منصب رئيس مجلس إدارة الأكاديميّة الدولية للحوار بالكنيسة الإنجيلية بمصر- سنودس النيل الإنجيليّ، رئيس اتحاد المجلس الأعلى للجاليات المصرية بألمانيا. له العديد من الدراسات والكتابات المنشورة باللغة العربية. (يمكن الرجوع إلى: روبير الفارس. من مصر إلى ألمانيا رحلة عطاء القسّ ثروت قادس. القاهرة: ثروت قادس، 2008م).

    الحوار والسِّجال: معانٍ ضابطة وغايات مختلفة

    في كتابه القيِّم “البحث عن العقل حوار مع فكر الحاكمية والنقل”، يُفَرِّق محمد نور فرحات بين الحوار والسِّجال، فيقول: الحوار يفترض استعدادًا مبدئيًّا ومُعلَنًا ومقبولًا من كل طرف لقبول حجة الطرف الآخر إن أصابت موقع الحقيقة وكبد الصواب. والحوار يفترض قبول كل طرف لتعديل مواقفه التي كان عليها قبل بدء الحوار إلى مواقف أخرى جديدة يثبت الحوار صدقها. أما المساجلة فهي شيء آخر مختلف تمامًا ويقف على نقيض الحوار. إنها حرب الآراء والكلمات والصرخات تستخدم فيها كل فنون الحرب المعروفة مشروعةً كانت أم غيرَ مشروعةٍ. (فرحات، 7).

    ويوضح فرحات أنَّ الغايات مختلفة، فــ”غاية الحوار هي بناء موقف جديد أكثر تقدمًا ونضجًا وعقلانيّة من الموقف الفكري السابق على الحوار، أما غاية السجال فهي هدم أفكار الطرف الآخر، ولا بديل عن ذلك، ودون ذلك الحرب والخصومة والقتال، الحوار هو خطوة إلى الأمام على طريق الوصول إلى الحقيقة التي غالبا ما تكون إن صَدَقَتِ النوايا وسطًا بين نقيضين، أما السِّجال فهو هجوم كاسح لقهر أعداء الحقيقة الواحدة التي لا بديل عنها ولا صواب غيرها. فهل آنَ للفرقاء بعد طول مساجلاتهم أن يكونوا مستعدين للحوار إخلاصًا لوجه الله والحقيقة والوطن، أظن أنهم يجب أن يكونوا مستعدين لذلك مقبلين عليه. (فرحات، 7-8).

    دور كتب الرد على النصارى في الجدل/الحوار

    في تاريخ الفكر الإسلاميّ المسيحيّ -ولاسيما في بداية الالتقاء المبكر- ظهرت كتابات سميت بـ”كتب الرد على النصارى” من المؤلفين المسلمين والتي بدأها الإمام أبو القاسم الرسي وعلي ابن ربن الطبري، (يمكن العودة إلى كتاب عبد المجيد الشرفي: الرد على النصارى في العصر الوسيط). وفيما يقابلها من كتابات المؤلفين المسيحيّين -في العصر الوسيط- من كتابات مثل: “البيان” و”البرهان” و”الإيضاح”.

    وأحدثت هذه الكتابات -على الرغم من قسوتها- في بعض الأمور حراكًا فكريًّا ولاهوتيًّا نشَّط التفكير اللاهوتيّ لدى المسيحيّين، وعلم الكلام عند المسلمين، وحفَّزَ على الإبداع اللاهوتيّ والفقهيّ لدى الطرفين. وستظل هذه الكتب هي مصدر إلهام متجدَّد للحوار الإسلاميّ المسيحيّ في منطقة الشرق الأوسط للوصول إلى التعايش المشترك وصناعة السلام المبني على الفهم والوعي والإدراك والقدرة على الحوار وقبول الآخر.

    وفي دراسة اللاهوت الجدليّ، يضع رضوان السيد قاعدةً مهمةً وهي القراءة التجاوزية لبعض النصوص. وعندما نقترب من هذا التراث الجدليّ نحن لا ندعو إلى إحيائه، يقول رضوان السيد: “ولذا فإنَّ قراءة الجدل الإسلاميّ ضد المسيحيّة ينبغي أن تكون قراءة تجاوزية مثل قراءتنا لسائر التراث العربيّ الإسلاميّ: الاستيعاب النقديّ، والتجاوز، وليس إحياء التراث” (السيد، 174).

    ومن هنا نرى إعمال العقل النقدي، وتجاوز كل مراحل التاريخ والأفكار التي تدعو إلى تهميش أو الآخر ازدرائه. ولذلك يجب قراءته في ضوء القرينة والسياق والمعطَيَات التاريخيّة والثقافيّة، وتحليل المضمون والمعنى، وتجاوزه، ومحاولة الاستفادة منه بما يخدم العلاقات بين أتباع الديانات والثقافات في محاولة للفهم والعبور للآخر.

    ومن القراءات التجاوزيّة لمرحلة غلب فيها السجال والجدل على الحوار، وسادت فيها مقارنات الأديان على حوار الأديان، لمعرفة ما هو الدين القويم، إلى مرحلة ثالثة فيها نوع من الفهم والوعي مبني على حوار حقيقي عاقل وفكر مستنير. وهي حركة ديناميكيّة تبادليّة، أبدع المؤلفان في عناوينهما: من الجوار إلى الحوار، ومن الحوار إلى الجوار.

    علامة ومنهج متميز: من الحوار إلى الجوار ومن الجوار للحوار

    الكتابان يتحدثان عن مساحة مُشتَرَكة جديدة في أدبيَّات الكتابة بين الإسلام والمسيحيّة، وهي تعبِّر عن علامة ومنهج متميزَيْن، وتقود إلى ديناميكيّة، وديناميكيّة هذه المساحة المشتركة هي الحوار، وكأنهما يؤكِّدان على الانتقال من جغرافيا المكان (الجوار) إلى جغرافيا الفكر (الحوار). والانتقال من دراسات مقارنة الأديان إلى دراسات الحوار الفعليّ والجاد بين أتباع الديانات والثقافات.

    ولعل هذا التقابل بين الرؤيتين: من الجوار إلى الحوار للشاهد، ومن الحوار إلى الجوار لقادس، يعبِّر عن ديناميكيّة -أي حركة وتفاعل، تقارب وفهم- تقود للتعايش المشترك. والكتابان يؤسِّسان لأسلوب جديد في الكتابة، لم نعهده من قبل، فيه قدر كبير من الوضوح والانفتاح والصراحة بحيث نقبل ما هو متفق عليه، وفي نفس الوقت نحترم ما هو مُختَلَف فيه، ويجعلان من الحوار الدينيّ في بعض القضايا -ولا سيما القِيَمِيّة والأخلاقيّة واللاهوتيّة والحياتيّة- مدخلاً مُشتَرَكًا للفهم والتواصل. وينطلقان من رؤية دينيّة منفتحة تفهم ذاتها وتستوعب الآخر.

    ولعل الهدف من كتاب الشاهد هو محاولة الرد على الأسئلة المثارة حول الإسلام في العقود الأخيرة: “على الرغم من كل التقدم التي وصلت إليه الإنسانية فمازالت هناك فجوة معرفية عن الإسلام وحقيقته؟ وهل تلك الفجوة هي السبب فيما سُمِّي في وقتٍ ما بصراع الحضارات؟ كل تلك الأسئلة دائما ما كانت تُناقَش طوال عقود ولكن من جانب واحد في حلقات مغلقة مفرغة بعيدة عن طرف القضية الآخر، دون مواجهات حقيقية بين طرفي القضية، الأمر الذي جعل هناك جهلًا للمهتمين ولغير المهتمين لالتباس بعض المعلومات لديهم وعدم وجود من يرد عليها”. (بوابة الحركات الإسلاميّة، الانترنت).

    والأسئلة التي يرد عليها في الكتاب هي: لماذا اتخذ كلٌّ من المسيحيين والمسلمين بعضهما خطرًا على الآخر؟ ومتى نشأ هذا الإحساس بالخطر؟ ولماذا الإسلام بعينه دونًا عن الديانات الأخرى مثل البوذية والهندوسية؟ لماذا الخلاف على الرغم من اعتراف كلٍّ منهما بالآخر؟ وهل الاختلاف بين الديانتين حول تفاصيل داخل العقيدة؟ ولماذا بعد مرور 1400 عام من ظهور الإسلام أصبح العالم يراه خطرًا على حضاراتهم؟ (بوابة الحركات الإسلاميّة، الإنترنت).

    أهمية الحوار حسب قادس

    يرى قادس ضرورة أن نرتقي بالحوار ليصب في بؤرة تعمِّق أواصر الإخوة في الوطن والثقافة، وينعكس أثره على الخطاب الديني لكلتا الديانتين، ويعي نقاط الخلاف بما يوجب احترام معتقدات الآخر، ويدعم نقاط الاتفاق في رؤية واقعية تسد الطريق أمام الطائفية والتطرف، ويؤكد مفهوم المواطنة الصالحة الذي يعلو فوق كل الفوارق العقائدية والطائفية والعرقية. (البيان الإنترنت).

    ويؤكِّد الشاهد على أن الحوار مفيد ومهم لكافة الأطراف، يقول الشاهد: “الرغبة القوية الحالية في الحوار هي بهذا المفهوم نتيجة يأس الإنسان المعاصر من الوصول إلى أهدافه المشروعة أو غير المشروعة عن طريق العنف، ولم تكن، في نظري، نتيجة لميل أو تطور طبيعي حميد في عقلية الإنسان المعاصر، إلا أن هذه الرغبة القوية في الحوار تستحق منا، مهما كانت أسبابها، كل تأييد ودعم ومشاركة إيجابية علها تؤتي أكلها بعد حين”. (الشاهد، 6).

    وحسب الشاهد تتمثل أهم دعائم إنجاح الحوار الحضاري في القناعة المبنية على الواقع في وجود نقاط التقاء مشتركة بين الإسلام والمسيحية، والعزم الصادق على استثمارها إلى أقصى حد ممكن بهدف الوصول إلى فهم صحيح، واحترام متبادَل وتعاون بنَّاء مُخلِص بين جميع أطراف الحوار. (الشاهد، 11).

    ولذلك يناقش قادس أهمية الحوار الإسلاميّ المسيحيّ وأهدافه، في كتابه المشار إليه: من الحوار إلى الجوار، في الآتي:

    • التعايش المشترك والسلمي بين جميع البشر في العالم.
    • لا يتم ذلك إلا بتوضيح بعض الحقائق المهمة لكي يدرك كل شخص أن الآخر أيضًا عنده الحق في إيمانه ولو كان جزئيًّا ويختلف عن الآخر.
    • لا يكفِّر أحدٌ الآخرَ؛ فالله وحده صاحب السلطان المطلق؛ فهو الذي يدين ويغفر للناس خطاياهم وليس من حق إنسان أن يدين الآخر.
    • عبادة الله وطاعته وخدمة الوطن، والتعاون والتضامن معًا لخدمة المجتمع. (قادس، 99-100).

    معوِّقات الحوار حسب الشاهد:

    وفي كتابه يناقش الشاهد معوقات الحوار في ثلاثة: معوقات تاريخيّة سياسيّة تراكمت عبر التاريخ وشكلت سدًّا وحاجزًا في العلاقة الإسلاميّة المسيحيّة، ثم معوقات تأويليّة عند بعض المسلمين والمسيحيين، ثم معوقات فرديّة تتعلق بالأفراد الذين يتصدرون المشهد، وكل واحدة منها تحتاج لشرح كبير. (الشاهد، 7-8). كل هذه المعوقات مجتمعة معًا أو فردية لا يمكن أن تنتج حوارًا حقيقيًّا.

    ويتفق قادس مع هذه المعوقات، فيسرد المؤلف معوقات الحوار بين الإسلام والمسيحية، وهي، كما يقول، معوقات تاريخية وسياسية نتجت عن صراعات وحروب بين طرفي الحوار «الإسلام والغرب»، لم تنتهِ حتى عهد قريب، مثل الحروب الصليبية وحرب ما سُمِّي بالتطهير العرقي في البوسنة والهرسك، وكذلك موقف الغرب غير المنصف من القضية الفلسطينية، كما أشار المؤلف أيضًا إلى ما أسماه بالمعوقات التأويلية عند بعض المسلمين والغربيين المسيحيين تتمثل في عدم اعتراف أحد أطراف الحوار بسماوية الدين الآخر، فضلًا عن وجود معوقات فردية تتعلق بمدى أحقية الشخص المشارك في الحوار في الحديث باسم دينه، واعتبار نفسه ممثلًا للقاعدة العريضة لهذا الدين أو ذاك. (البيان، الإنترنت).

    وأكد قادس أن الجهل وعدم المعرفة بالدين الآخر يأتي على قمة المعوقات للحوار بين الإسلام والمسيحية، لافتًا إلى أن هناك من لا يعرفون حقيقة دينهم ويشوّهون الحق، وبالتالي لا بد من الفصل بين الإرهاب والدين؛ ذلك لأن الكثير من الناس يسيئون استخدام الدين لتحقيق أهداف معينة. (البيان، الإنترنت).

    وبذلك في ضوء أهمية وفائدة الحوار، وفي ظل وجود معوِّقات له، يكون السعيُ الدائمُ من المهتمين به هو تعزيز لغة الحوار، وفي نفس الوقت إزالة وتخطي المعوقات التي تعيق الحوار والعلاقات الإسلاميّة المسيحيّة، في نوع من الرغبة الحقيقية للمعرفة المدعومة بحب حقيقي ومشاعر صادقة.

    من الجوار للحوار للشاهد: واقع ماديّ ومعنويّ

    ينطلق السيد الشاهد في كتابه من “الجوار إلى الحوار” الذي يراه واقعًا بين المسيحيين والمسلمين بجانبيه الماديّ والمعنويّ المعروفين في العقيديتين المسيحيّة والإسلاميّة، ويرى أن يُرتَقَى بهذا الجوار من مرحلة جوار الجدران إلى حوار الجيران، بما يحمله من معانٍ إلى مستوى الحوار الفكري والديني المتخصص الذي يصب في بؤرة تعميق أواصر الأخوة في الوطن والثقافة، آملاً أن ينعكس هذا الحوار في النهاية إيجابيًّا على الخطاب الديني لكلٍّ من الإسلام والمسيحيّة، فيصبح خطابًا توفيقيًّا جمعيًّا يعي نقاط الاختلاف بما يوجب احترام معتقد الآخر، ويدعم نقاط الاتفاق في رؤية واقعية متوازنة تسد الطريق أمام كل أطياف التطرف ومشاربه.

    من الحوار إلى الجوار لقادس: مدخل ومعبر ومجاز للتعايش المشترك

    وتنطلق رؤية قادس من “الحوار إلى الجوار” فجعل من الحوار مدخلاً ومعبرًا ومجازًا للعيش المُشتَرَك، فيتكلم عن الحوار وأهميته ومجالاته وأصوله وكيفيته، ثم مستقبل الحوار الذي يتطلب جهدًا من أولي الأمر والمثقفين والمسؤولين عن تربية النشء، لشرح المفاهيم الإيمانية الصحيحة والسليمة للأديان السماوية حتى لا يُستَغَل الدين كأداة للصراع والتفرقة بين الشعوب.

    وإذا عُدنا -والكلام هنا لقادس في آخر سطور الكتاب- إلى منبع الأديان منذ خلق اللهُ سبحانه وتعالى آدمَ عليه السلام، نجد أنها تتفق في جميع المبادئ التي تخص مقاومة الفساد والمنكر والفسق وتدعو إلى البر والتقوى. (قادس، 152).

    يؤكد المؤلف أن الحوار المثمر بين الأديان أو بين الحضارات المتدينة -حسب تعبيره- ينبغي ألا يكون حوارًا عقائديًّا، وإنما حوار أخلاق ومعاملات على أرضية القيم والمبادئ الإنسانيّة العليا، والاعتراف بقيمة الإنسان ومجموعة حقوقه في الحرية والحياة والعمل وغيرها. (البيان، الإنترنت).

    ويبين المؤلف أهمية الحوار في استقرار المجتمعات وتقدمها؛ باعتبار أن الحوار لا يجب أن يكون مواجهةً ضد الآخر أو استعلاءً عليه، وإنما هو تفكير مع الآخر يقوم على مبدأ التكامل، وينمي الشعور بوحدة الوجود الإنساني، حيث ينضج الوعي الحضاري داخل الإنسان فيرى الحضارات كلها وكأنها تسير في موكب واحد، وتتناقل شعلة يسلمها السابقون إلى اللاحقين، وأن جو التكامل في إطار وحدة الإنسانية يوجب على الحضارات أن تسير متجاورةً في خطوط متوازية توحي بالتساوي والمساواة، وتنعدم فيها فرصة الصدام أو الاحتكاك. (البيان، الإنترنت). 

    ديناميكية العيش المشترك:

    تبقى الدعوة هنا إلى التأكيد على أنه سواء انطلقنا من الجوار إلى الحوار، أو من الحوار إلى الجوار يبقى الحوار هو العامل المُشتَرَك الديناميكيّ المحرك الفاعل الناشط لانطلاق الرؤية التي تنقلنا من التقارب الجسديّ (الجوار) والتباعد الفكريّ (الانعزال) إلى التقارب الجسديّ (الجوار) والتقارب الفكريّ (الحوار والتعايش) فنحيا في تعايش وسلام حقيقي يقبل الآخر ويحترمه، فهي دعوة لحوار الحياة، وحوار القيم، وحوار اللاهوت، لنحيا من الجوار للحوار حسب رؤية الشاهد ومن الحوار (فرضية الوجود المكانيّ) إلى الجوار بحسب رؤية قادس (فرضية الحوار الفكريّ)، لنحقق التعايش المشترك في أسمى معانيه.

    ويجب علينا أن نتخذ الحوار من وجهة نظر مسيحيّة إسلاميّة مصريّة وإن كنا نستفيد أيضًا من القواعد الأخرى ولكنها لا تنطبق كلها علينا. فلا فرق بين مسلم ومسيحيّ بل نفرح معًا، ونحزن معًا. فمفهوم الحوار والجوار معًا يستلزمان في الدرجة الأولى أن يعرف كلٌّ منا الآخر معرفةً حقيقيةً، كما أن الحوار ما هو إلا وسيلة للوصول إلى هذا الهدف الأعظم في المجتمع، ونسميه التعايش السلميّ، فثقافة الحوار، وثقافة السلام متلازمتان. من هنا ترى المسيحيّة والإسلام أن الله هو السلام وعلى الإنسان أن يصل إلى هذه الحقيقة، أن يكون له سلام مع الله، مع نفسه، ومع الآخرين. لذا فلا مكان لمن يحاول أن يفصل بيننا فيجب علينا أن ننتبه ونكون ساهرين لا نعطي لعدونا مكانًا. (مهدي، (researchgate.

    يقول وليم سليمان قلادة في مؤلَّفه الإسلام والمسيحيّة على أرض مصر: وأحسب أنني بدأت أفهم أن الدين: المسيحيّة والإسلام قد رسَّخا في ضمير المصريّ وفي نظرته إلى الكون مفهومًا للإنسان هو جزء بالغ الأهمية والقيمة في تراث كل فريق وفكره. (قلادة، 8). وسيبقى الإنسان هو موضوع الحوار في قضاياه ومشكلاته في أمانيه وطموحاته، هو القضية وهو الحل.

    الحوار والعيش المشترك بين أتباع الديانات والثقافات:

    في نفس السياق، ومن نبع هذ المدرسة، صدر كتاب عن مؤسَّسة “نيو بوك للنشر” يحمل عنوان “الحوار والعيش المشترك بين أتباع الديانات” للدكتورة هدى درويش أستاذ ورئيس قسم الأديان المقارنة بجامعة الزقازيق، حيث قدَّم المؤلف الدكتور علي جمعه، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ومفتي الديار المصرية السابق ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، والدكتور ثروت قادس رئيس مجلس إدارة الأكاديميّة الدولية للحوار بالكنيسة الإنجيليّة بمصر ورئيس اتحاد المجلس الأعلى للجاليات المصريّة بألمانيا. وفي عرضه للكتاب يضع محمد عبد الرحمن عددًا كبيرًا من الملاحظات المهمة، التي تزكي الحوار والعيش المشترك، أذكر منها ثلاث ملاحظات قيمة:

    • الحوار الحضاريّ مع الآخر التنازل لا يعني عن الثوابت، وإنما الاحتكام إلى القواسم المُشتَرَكة، وإلى القدر المُشتَرَك من القيم والمُثُلِ والمبادئ التي لا خلاف عليها في الأديان، وهو يعنى البناء على الأسس والمبادئ الأخلاقيّة الصحيحة الواردة في المصادر الدينيّة، وإشاعة قِيَم العيش الدينيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ بين المجتمعات الإنسانيّة، والتعاون من أجل تحقيق الأهداف المشتركة. (محمد عبد الرحمن، الإنترنت).
    • أهمية تفعيل دور الحوار الدينيّ على مستوى العالم درءًا للمخاطر والمواجهات والصراعات والعمل على حل المعضلات التي تثار بين المذاهب والفرق الدينية داخل الدين الواحد تحقيقاً للسلام والأمان في المجتمعات، وحقنًا لكل أنواع العنف والتعصب والتطرف، وترسيخًا للتقارب والتواصل الإنسانيّ بين شعوب الأرض، وأيضًا لمواجهة الاتجاهات والمذاهب غير الدينيّة الرافضة والمعادية للدين مثل الشيوعيّة والإلحاد، والتي نجحت في غزو الحياة الفكريّة للإنسان. (محمد عبد الرحمن، الإنترنت).
    • الحوار يدعو إلى الاعتراف بأحقية كل فرد في دينه وحريته في معتقده، ويحث على الاحترام والثقة المتبادلة بين أفراد الإنسانيّة، وإدراك إن الأرضية المتوسطة للتفاعل التّاريخيّ والتّعاون العقلانيّ هي الطريق الصحيح للحضارة، وأن الفهم الواعي بأن الإنسان إذا تجاوز الحدود المادية والأنانيّة والتعصب، وشعر بالأخوة الحقيقيّة بينه وبين أبناء جنسه من البشر، فسوف يترقى إلى مراتب إنسانيّة عليا من السمو والإبداع. (محمد عبد الرحمن، الإنترنت).

     

    مدخل نقدي:

    اتفق كلٌّ من الشاهد وقادس في كتابيهما على أن الحوار لا يكون في اللاهوت أو العقائد ولكن في القيم والمبادئ الأخلاقية، وكأن القيم الأخلاقية منفصلة عن التفكير اللاهوتيّ. وأعتقد كخطوةٍ أوليةٍ للحوار، أن هذه الخطوة مقبولة لبث روح الثقة والقبول كلُّ طرف للآخر، ولكن الحوار اللاهوتيّ حول العقائد مهم ومطلوب في أيامنا هذه، شريطةَ أن يتم بفهم ووعي واحترام. وليس الهدف من الحوار التبشير أو الأسلمة، ولكن معرفة الآخر ومنظومته اللاهوتيّة والفكريّة في علمي: الكلام الإسلاميّ واللاهوت المسيحيّ. ويكون بضوابط علمية ومنهاجية هدفها التعرف على الآخر، ومعرفة الفكر الديني والعقيدي لكل طرف، وقبول المُتَّفق عليه، واحترام المُختَلَف فيه. مثل هذه الحوارات تزيد من التماسك الاجتماعيّ واللحمة الوطنية وتشيع ثقافة السلام.

     

    خاتمة:

    في رؤية كلٍّ من الشاهد وقادس نرى أنَّ الدين عامل أساسي في التعايش المشترك، وذلك بناءً على فهم حقيقي له، ورؤية واقعية للآخر دون إقصاء أو تهميش أو ازدراء، والخبرة المصرية عبر أكثر من 1400 سنة خير دليل على ذلك، فمن التجاور الجسديّ إلى التحاور الفكريّ تكمن ديناميكيّة وعبقريّة العيش المشترك. بالطبع الصورة ليست وردية؛ ففي بعض الحقب الزمانية كانت القسوة وكان التهميش والرفض، ولكن يظل الأمل في التركيز على القيم الإيجابيّة، والمبادئ الأخلاقية المُشتَرَكة، والمبادرات المفيدة، والفكر البنَّاء، ويجب التركيز على هذه الكتب وتدريسها للأجيال لمعرفة الآخر من منابعه الأصلية لكسر كافة الصور النمطية عن الآخر المختلف، وبناء الجسور بدلاً من العوازل الفكريّة.

    العيش المشترك ضرورة إيمانيّة وحضاريّة، وهو ليس أمرًا ساكنًا خاملًا، ولكنه فعل ديناميكيٌّ متحرك فاعل ومؤثر، وهذا يأتي من خلال الحوار، ولا بديل عن الحوار. فلنحيا هذه الحركة من الجوار للجوار ومن الحوار للجوار في التركيز على الهموم والآمال المشتركة.

     

    المراجع

    رحومة، مصطفى. رئيس الإنجيليّة يهنئ ثروت قادس لفوزه في الانتخابات البرلمانية بألمانيا مصري يفوز بمقعد في “برلمان لانغن” بألمانيا. الوطن، 1 أبريل 2021م. متاح على موقع   https://www.elwatannews.com وتم الاطلاع عليه في 3 ديسمبر 2023م.

    السيد، رضوان. التفكُّر الإسلاميّ في المسيحيّة الجدال والحوار والفهم المختلف في العصور الوسطى. مجلة التفاهم، 2006م.

    الفارس، روبير. من مصر إلى ألمانيا رحلة عطاء القس ثروت قادس. القاهرة: ثروت قادس، 2008م.

    صلاح، عيد. ديناميكيّة العيش المشترك من الجوار إلى الحوار ومن الحوار إلى الجوار محمد السيد الشاهد وثروت قادس أنموذجًا. اليوم السنوي الثامن للتراث القبطيّ: التراث القبطيّ وقضايا التسامح والتعايش، 16 مارس 2023م. مركز الدراسات القبطيّة، مكتبة الإسكندريّة.

    الشاهد. السيد محمد. المسيحيّة والإسلام من الجوار إلى الحوار. القاهرة: دار الأمين للنشر والتوزيع، 2001م.

    الشرفي، عبد المجيد. الفكر الإسلاميّ في الرد على النصّارى، إلى نهاية القرن الرابع/ العاشر. بيروت: دار المدار الإسلاميّ، 2007.

    عبد الرحمن، محمد. الحوار والعيش المشترك بين أتباع الديانات.. كتاب جديد لـ هدى درويش. في اليوم السابع الثلاثاء، 29 يونيو 2021م متاح على https://www.youm7.com وتمَّ الاطلاع عليه في 7 ديسمبر 2023م.

    عرض كتاب: المسيحيّة والإسلام من الجوار إلى الحوار، بوابة الحركات الإسلاميّة، الاثنين 27 يناير 2014م، متاح على https://www.islamist-movements.com وتم الاطلاع عليه في 1 ديسمبر 2023م

    عرض كتاب: المسيحيّة والإسلام من الحوار إلى الجوار، مجلة البيان، 30 مايو 2008م، متاح على موقع https://www.albayan.ae وتم الاطلاع عليه في 1 ديسمبر 2023م.

    فرحات، محمد نور. البحث عن العقل حوار مع فكر الحاكمية والنقل. القاهرة: دار الهلال، 2001م.

    قادس، ثروت. المسيحيّة والإسلام من الحوار إلى الجوار. القاهرة: دار البستاني للنشر والتوزيع، 2006م.

    قلادة، وليم سليمان. الإسلام والمسيحية على أرض مصر. القاهرة: دار الحرية للصحافة والنشر والتوزيع، 1986م.

    مهدي، خديجة فيصل. المسيحية والإسلام من الجوار إلى الحوار. مجلة الأهرام العربيّ، 20 مارس 2012م. متاح على موقع https://www.researchgate.net/publication وتم الاطلاع عليه في 2 ديسمبر 2023م.

    درويش، هدى. الحوار والعيش المشترك بين أتباع الديانات. القاهرة: فرست بوك للنشر، 2021م.

الميلاد رسالة السلام في عالم مضطرب

اسم الكاتب : د.ق.أندريه زكي

  • تختلف أجواء احتفال بعيد الميلاد حول العالم بحسب الثقافات والتقاليد المحلية؛ إذ تتزين المنازل والمحلات التجارية بأضواء وزينة ملونة، وتُعلَّق زينة الميلاد مثل شجرة الميلاد والكُرَات والنجوم. ويزين كثيرون شجرة الميلاد في المنزل بالزينة والأضواء. وتُعتبر هذه الشجرة رمزًا مهمًّا لاحتفالات الميلاد، كما يُعَدُّ تبادل الهدايا جزءًا مهمًّا من احتفالات عيد الميلاد. يتبادل أفراد العائلة والأصدقاء الهدايا، وتُنظَّم فعاليات متنوعة كالعروض الفنية، والحفلات الموسيقية، والفعاليات الاجتماعية التي تجمع الأهل والأصدقاء. يجتمع الناس في هذا الوقت للاحتفال بالمحبة والسعادة، وعادةً ما تكون الأجواء دافئةً ومليئة بالبهجة والتسامح.

    لكن قصة الميلاد كما يخبرنا عنها الكتاب المقدس كانت مليئةً بالتحديات والأمور الصعبة؛ فمريم الفتاة الصغيرة التي كانت تحمل في أحشائها مالك كل الوجود لم تجد مكانًا لتلد فيه سوى مذود بسيط؛ إذ لم تجد مهدًا لولادتها سوى هذا المكان الحقير، وكانت في الغالب وحيدةً، بعيدةً عن أمها أو إحدى قريباتها ليقفن بجوارها في أثناء ولادة أول طفل لها، كما لم تجد من يقيمون الأفراح بمناسبة ولادتها لطفلها البكر، فاتح الرحم، والذي له مكانة خاصة في اليهودية.

    لم يكن المهنئون بولادة ملك الملوك ذوي مكانة، بل كانت البشارة لرعاة متبدِّين بسطاء، وقاد النجمُ أمميِّين من المجوس، وحتى حين ذهبتْ للهيكل حسب التقليد بعد أيام طهارتها يخبرها سمعان الشيخ قائلًا لها: “وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ”، ويا لها من نبوة! وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا.

    وبعد انصراف المجوس، يظهر ملاك الرب ليوسف في حلم قائلًا: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ»، ولمرة أخرى، بدلًا من أن تعيش مريم حياةً هادئةً مطمئنةً تتغرَّب في أرض غريبة، لا تعرف شعبها، ولا لغتها. وبعد هروب الطفل يسوع يخبرنا الكتاب المقدس أن هيرودس “قَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَب الزَّمَانِ الَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ”. وهنا تعلو أصوات الخوف والذعر بدلًا من أصوات الاحتفال بالطفل المولود.

    لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ رجع المسيحُ بعد موت هيرودس من مصر، وعاش في الناصرة إلى أن كبر، وبدأ خدمته، وأعلن رسالته السامية للجميع دون تفريق، ليحقق نبوة الملائكة التي رنمت لحظة ميلاده: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ». لقد أعلن يسوع في ميلاده وحياته وخدمته وموته أن على الأرض السلام.

    وحين نقارن ملابسات الميلاد بما يحدث الآن بجوارنا في فلسطين، نجد أن احتفالات الميلاد تحولت إلى تأوهات وآلام على فقدان الأطفال. وتُعتَبر منطقة الشرق الأوسط -في هذه الأيام- واحدة من أبرز المناطق في العالم التي تشهد أزمات دائمة تتسارع وتتفاقم، وفي قلب هذه الأحداث الصاخبة، والحرب الدائرة في فلسطين، قد نقع فريسة للهموم والإحباطات وفقدان الأمل، فالواقع الذي نعيشه لا يعبِّر عن بارقة ضوء أو أمل في الأفق.

    لكن يظل عيد الميلاد المجيد يسطع كشعلة من النور والأمل. في هذا الزمان الذي يعج بالتحديات وانعدام الاستقرار، ويظهر عيد الميلاد كفرصة للتأمل والتفكير في سُبُل تحقيق السلام في هذه المنطقة المضطربة. يمنحنا الميلادُ الأملَ في اتساع دائرة السلام، لتشمل جميع أركان العالم. يعكس الميلاد فكرة الوحدة والتسامح؛ حيث يجتمع الناس مهما اختلفوا في الأصل أو الدين. في زمن يشهد فيه العالم صراعات ونزاعات، يمكن أن يكون عيد الميلاد فرصة للتأمل في قِيَم السلام والمحبة.

    تقدم رسالة المسيح نموذجًا للسلام والتسامح. كانت رسالته تدعو إلى محبة الجار والعدو على حد سواء. إنها رسالة للجميع دون استثناء، حيث لا تفرق بين الألوان أو الأعراق أو الديانات. تأتي رسالة المسيح كتذكير بأننا جميعًا إخوة وأخوات في هذا الوجود، ويمكننا تحقيق سلام حقيقي عندما نتقاسم المحبة والاحترام بين بعضنا البعض.

    إن تحقيق حلم بشرق أوسط سلميٍّ يتطلب العمل المشتَرَك من جميع أفراد المجتمع. يجب علينا أن نتحد كشركاء في بناء جسور التواصل وتعزيز التفاهم المتبادل. إن الاستماع لبعضنا البعض وفهم الثقافات المتنوعة يمثل خطوة أولى نحو التغيير الإيجابي. وتلعب القيادات السياسية والدينية دورًا حيويًّا في تحقيق هذا الحلم.

    لذلك، يمكننا أن ننظر إلى عيد الميلاد المجيد كفرصة لنعيش قِيَم السلام والتسامح في حياتنا اليومية. يمكن أن يكون هذا العيد دافعًا للتفكير في كيف يمكننا أن نساهم في بناء جسور من الفهم والمحبة بين مجتمعاتنا. إن تذكيرنا برسالة الميلاد يعزز فكرة أن السلام ليس مجرد حالة من عدم الحرب، بل هو حالة من التواصل والتعايش السلمي.

مجلس الحوار والعلاقات المسكونية

اسم الكاتب : القس رفعت فكري سعيد

  • نظرا لأن الحوار هو الذي يضمن قدرة المؤسسة الدينية على البناء والاستمرارية، لذا قام سنودس النيل الإنجيلي -المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر- بتأسيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية في مايو عام 2011.

    والمجلس هو أحد مجالس سنودس النيل الإنجيلي، ومقره الرئيسي والدائم دار السنودس بالأزبكية- القاهرة، ويتشكل المجلس من الرئيس ينتخبه السنودس من بين أعضائه من مرشحي المجامع السنودسية؛ بالإضافة إلى ممثّلٍ لكلّ مجمعٍ، وممثلةٍ من رابطة السيدات. وللمجلس الحق في اختيار من يراه من الشخصيات العامة، بدون حق التصويت.

    مدة رئيس المجلس 4 سنوات قابلة للتجديد مرةً واحدةً، وكذلك عضوية أعضاء المجلس ينطبق عليها بالمثل 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

    ترأس المجلس منذ تأسيسه الدكتور القس ثروت فهمي قادس، لمدة ثماني سنوات منذ 2011 إلى 2019، ثم تلاه كاتب هذه السطور القس رفعت فكري سعيد منذ 2019 وحتى الآن.

    ويهدف مجلس الحوار والعلاقات المسكونية إلى:

     

    • بناء الجسور والعلاقات الصحيحة مع الآراء الدينية، والطائفية، والمذهبية المتنوعة على أساس من القبول والاحترام المتبادل.
    • التفاعل مع القضايا والحوارات المسكونية المطروحة محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا والتعبير عن رأي الكنيسة الإنجيلية المشيخية في القضايا المثارة.
    • رصد حركة الحوار في المجتمع والكنائس الأخرى لتأصيل الوعي الحواري ورفع توصيات لسنودس النيل الإنجيلي.
    • إبراز آراء ومواقف الكنيسة الإنجيلية -سنودس النيل الإنجيلي- الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر، والتعبير بوضوح لا يقبل اللبس في قضايا النقاش والحوار.
    • دعم العلاقات المسكونية مع الكنائس المتنوعة وكذلك التجمعات الإنجيلية العربية خارج مصر.
    • تفعيل الحوارات (المسيحية– الإسلامية)، (الإنجيلية- الإنجيلية)، (الإنجيلية- الكاثوليكية)، (الإنجيلية- الأرثوذكسية) في مصر.
    • التواصل مع الكيانات المسكونية التي تعمل في مجال الحوار والمسكونية، والاستفادة من خبراتها مثل: مجلس الكنائس العالمي، مجلس كنائس الشرق الأوسط، مجلس كنائس كل أفريقيا، مجلس كنائس آسيا، الاتحاد العالمي المصلح، وما يستجدّ من كيانات وما يوازيها.

    ويباشر المجلس مهامه من خلال مؤتمرات، وندوات، ومبادرات، وزيارات، وإصدار منشورات وكتب تتناول جميعها قضايا العيش المشترك، والحوار البنّاء، بغية تبادل الألفة والمودة واحترام الخصوصيات الثقافية والمعتقدات الدينية المتعددة.

    وأيضا كتابة التقارير الواقعية وتسجيل الآراء والخبرات الحوارية والمسكونية والاحتفاظ بوثائق الرأي في الحوارات والعلاقات المسكونية التي صدرت من جهات مماثلة، والتي وافق عليها السنودس من قبل وما يستجدّ مستقبلًا.

    والحوار ليس اختراعًا بشريًّا، وإنما هو عملٌ إلهيٌّ عمله الله للبشر؛ فالأديان ما هي إلا حوار بين السماء والأرض، والوحي ما هو إلا حوار بين الأنبياء والله، والأنبياء والناس في الكتب المقدسة، فالحوار إذن رسالة من الله لكي يتعلمها الإنسان في حياته ومسيرته.

    وشرقنا العربي هو مهد الأديان، ومهد الوحي والكلمة، وهذا معناه أننا في الشرق أصحاب رسالة محددة، أننا تحمل الكلمة إلى العالم، نحمل الرسالة إلى العالم. ومن المؤسف أنّ بعض الآراء أحيانًا تميل إلى اتهام الأديان، بأنها نفسها هي التي تشكّل العقبات في طريق الحوار، وأنها بطبيعتها لا يمكن أن تقوم على الحوار، أو أنّها لا تتحمل مسألة الحوار وقضاياه. ولكن في حقيقة الأمر أن الأديان طبيعتها قائمة في الأساس على الجوار؛ ومن ثم الحوار. فلم يكن بالإمكان أن يكون هناك دين أو إيمان بدون حوار بين الإله والبشر، هذا الحوار أراد الله له أن ينشأ بين البشر، فالهوية الجوارية كامنة داخل الأديان بطبيعتها، وقد جيء بالإيمان عبر الحوار بين الإله والبشر. هذه الحقيقة القاطعة بأنّ الحوار موجود داخل الأديان بطبيعتها، تؤكد أن المساهمة التي قدمتها الأديان للمجتمعات الإنسانية قائمةً ومتجسدة داخل التاريخ، ولا يوجد دين بإمكاننا أن ندعوه دينًا دون أن يكون حيًّا داخل المجتمع.

    وعليه فلا بدّ من حضور الدّين وطرحه للحوار داخل المجتمعات الإنسانيّة في العالم، أما إنكار مساهمة الأديان في صنع التّاريخ فيعدّ إنكارًا للتّاريخ الإنساني نفسه؛ فلم يكن يتسنّى للحضارة الإنسانية كلها بأشكالها المتنوعة والمختلفة أن توجد دون ما حمله لنا الدّين، فطبيعة الدّين البقاء والتّجسّد داخل التّاريخ. والحضارات بدورها ليست شيئًا شأنه أن يعزى إلى قوم دون أقوام آخرين؛ فهي بطبيعتها مشروع مشترك بين الإنسانية، فلا أحد يستطيع أن يستبعد أحدًا، أو أن يعتبره عدوًّا يجب إقصاؤه أو استبعاده من أداء هذا الواجب الحضاريّ المشترك، أو استبعاده من هويّة الحضارة الإنسانية المشتركة بين جميع البشر.

    والتاريخ البشري على طول امتداده يعلّمنا بأنه لم تكن هناك مرحلة من مراحل هذا التاريخ ساد فيها دين واحد على البشرية، دائمًا كانت الأديان متعددة، لذلك فإن التعددية والاختلاف والتنوع هي من سمات الوجود والحياة البشرية هنا على الأرض. والحوار الإنساني هو من سمات القرن الحادي والعشرين، ولذا ليس أمام البشر المتنوعين سوى الحوار، وإلا فالبديل هو الصدام والصراع.

    وفي الحوار ينبغي أن نضع نصب أعيننا أن الأديان وضعت الإنسان في أعلى القيم، الإنسان مهما يكن جنسه أو جنسيته أو لونه أو دينه أو عقيدته. فهذا الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله في العقل والحرية والكرامة. ولذا فإن قيمة الإنسان وحقوقه وحقه في الحياة هي محاور أساسية في الحوارات، وكذلك المواطنة والعدالة والمساوة والحفاظ على البيئة وغيرها من الموضوعات التي تدعم التقارب بين البشر.

    والحوار يتطلب الاعتراف بفضل الآخرين؛ فالاكتشافات التي تصل إليها البشرية ليست حكرًا على من اكتشفها؛ فكل البشرية تشترك وتساهم في التقدم العلمي. ولا يمكن لأحد أن ينكر فضل الحضارة الفرعونية وما تركته من آثار، وكذلك لا يمكن إنكار فضل الحضارات اليونانية واللاتينية والمسيحية والعربية، فالحضارة المعاصرة ما هي إلا ثمرة تلاقح العقول الممتدة بامتداد التاريخ البشري.

    وبناءً عليه لا يجوز الدخول في حوار وأحد أطرافه يظن أن كلّ ما يعتقده هو الحق المطلق ولا حق غيره؛ فلقد قال أحدهم: “قد أكون أنا على حق وأنت على باطل وقد أكون على باطل وأنت على حق”. والحوار يجب أن يؤسّس على الاحترام لمشاعر الآخر وعقيدته.

    ومن سمات الحوار الناجح:

    1. الاعتراف بالآخر، والتعامل معه على أساس من النّدّيّة والمساواة. ويعدّ ذلك شرطًا أساسيًّا لا يمكن التخلي عنه على الإطلاق؛ فالبديل لذلك هو إلغاء الآخر واعتبار وجوده مثل العدم، سواء بسواء، وبالتالي لا يكون هناك طرفان يعترف كلٌّ منهما بالآخر، بل يكون هناك طرفٌ واحد يأمر فيطاع أمره، ويملي إرادته كما يشاء دون السّماح بأيّ اعتراض، وفي هذه الحالة لن يكون هناك حديث عن شيء اسمه بناء الثّقة بين الأطراف.
    2. الاحترام المتبادل، لا يكفي إطلاقًا مجرّد الاعتراف، بل يجب أن يكون هناك احترام متبادل بين المتحاورين. وهذا يعني أن على كلّ طرف أن يحترم الآخر، أي يحترم ثقافته ودينه وعاداته وتقاليده وخصوصياته الحضارية، وبصفة عامة يحترم حقوقه الإنسانية. وهذا الاحترام المتبادل يعد البداية الحقيقيّة لأي حوارٍ أو تفاهم أو تعاون بين أطراف الحوار، مع الأخذ في الاعتبار بأنه إذا كان الاحترام المتبادل لا يعني القبول بمواقف الآخر؛ فإنّه من ناحيةٍ أخرى يعني استعداد كلّ طرف للاستماع إلى الطرف الآخر، والتفكير بروح بنّاءةٍ فيما يعرض من آراء وما يوجهه من نقد.
    3. الحوار بين الأطراف، يعدّ الحوار بين الأطراف المعنيّة نتيجةً طبيعيةً للاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل بينهم، والحوار من شأنه أن يهيئ الفرصة ليتعرف كل جانب على الطرف الآخر، ويتفهم مواقفه وظروفه وحضارته وعقيدته وخصوصياته الحضارية. ومن جانب آخر يساعد هذا الحوار على إزالة الكثير من سوء الفهم والأحكام المسبّقة والأفكار الخاطئة لدى كلّ طرفٍ عن الطّرف الآخر، كما يساعد على التعرف على ما يمكن أن يكون بين أطراف الحوار من قواسم مشتركة، سواء كانت تتعلّق بالجوانب الحضارية أو الدينية أو التاريخية أو غيرها من جوانب أخرى يمكن استثمارها لما فيه مصلحة الكل.
    4. التّسامح مع الآخر، الحوار ليس أمرا مقصودًا لذاته، وإنّما هو السّبيل القويم لما يترتّب عليه من نتائج تتمثل في التّسامح الذي يتيح الفرصة للتبادل الثقافي، والفهم المشترك، والتّعايش الإيجابي، الأمر الذي من شأنه أن يعمّق جذور التّعاون بين المتحاورين في جميع المجالات.
    5. التّعاون المشترك، لا شك أنّ توفّر المناخ المشار إليه يجعل السّبيل ممهّدًا أمام بناء الثقة بين المتحاورين ودعم أواصر التعاون بينهم، وهذا من شأنه أن يوسع آفاق هذا التّعاون ليشمل ليس فقط ما يتعلّق بالمتحاورين المعنيين، بل يتعدّى ذلك إلى دوائر أوسع تشمل التّعاون على إرساء دعائم السلام والاستقرار للعالم كلّه الذي هو عالمنا جميعًا. ومن أجل ذلك لا توجد حضارة إنسانية عريقة نمت وتطورت دون أن تتأثر بغيرها من الحضارات فالتراث أخذٌ وعطاءٌ، ولا توجد أمّةٌ عريقة في التاريخ الإنساني إلا وقد أعطت كما أخذت من هذا التراث. ولم تشذ حضارة من الحضارات الكبيرة عن هذه القاعدة، وإن محاولة حضارة من الحضارات الهيمنة على الأخرى وفرض قيمها ونظمها على هذه الحضارات، وإلغاء خصوصياتها ومحو ذاتيتها أمرٌ يُعَدُّ ضد طبيعة الأشياء، ويُعدُّ جنايةً على الشعوب المنضوية تحت هذه الحضارات؛ لأنها ستجد نفسها بلا هوية وستجد نفسها مقطوعة الجذور، وفي الوقت نفسه لا تنتمي إلى حضارة الآخرين، وفي ذلك قتل للشخصية الحضارية للأمّة المعتدى على خصوصياتها لصالح الحضارة الساعية للهيمنة.

    إن عالمنا اليوم في مسيس الحاجة إلى اللجوء إلى الحوار بدلًا من العنف؛ فالعنف لا يُولِّد إلا العنف، أمَّا الحوار فهو اللغة الحضارية التي تليق بالبشر، وهو الأسلوب الأمثل لحل كل المشكلات، وتفادي الكثير من الشرور والدمار الذي يسببه اللجوء إلى العنف. ولن يكون هناك حوار مثمرٌ إلّا إذا كان كل طرف لديه استعداد للاستماع إلى الطرف الآخر والتفكير فيما يطرحه من تصوراتٍ وكذلك الاستعداد لممارسة النقد الذاتي، والبعد عن التنديد بالآخر أو التقليل من شأنه، والسعي إلى التوصل -من خلال الحوار- إلى رؤى ومعايير مشتركة تفتح السُّبُل إلى تعاون مشترك، لا من أجل مصالحنا المشتركة فحسب، إنّما من أجل سلام هذا العالم واستقراره. وبذلك يمكن التصدّي لكل شكل من أشكال العنف والمواقف السلبية.

    ولكل ما سبق يعمل مجلس الحوار بسنودس النيل الإنجيلي -من خلال لجانه المجمعية- على تحقيق الأغراض والأهداف والمعايشة بين أصحاب الديانات والثقافات المختلفة عن طريق اللقاءات المحلية في المجامع والكنائس وعلى مستوى الكنيسة العامة.

    ومنذ أن تأسس المجلس عُقِدت العديد من اللقاءات في القاهرة وضواحيها وكذلك في مئات القرى والنجوع في محافظات مصر المختلفة، بغية نشر ثقافة التعددية والتسامح وقبول الآخر ونبذ خطاب الكراهية ودعم ثقافة السلام بدلًا من الخصام، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، والدعوة لرفض التمييز ضد المرأة واعتبارها كائنًا عاقلًا مساويًا للرجل في القيمة والكرامة. وكذلك ناقشت لجان المجلس المجمعية مع الجماهير كيف تعاملت المؤسسات الدينية مع جائحة كورونا، ويشارك في هذه الندوات عشرات المحاضرين من أساتذة الجامعات المصرية المختلفة ورجال الدين المسيحي والإسلامي، والعديد من كهنة الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية بجانب القسوس الإنجيليين المشيخيين وغيرهم من المذاهب الإنجيلية المختلفة، والعديد من المفكرين والمثقفين، هذا بالإضافة للتنفيذيين والسياسيين ومسؤولي منظمات المجتمع المدني وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ.

    والجدير بالذكر أن هذه اللقاءات تركت أثرًا طيبًا في نفوس من حضروها وأعطت فرصة لمعرفة الآخر من خلال التعامل معه ومحاورته ومعرفة ثقافته. ومن خلال خبرتنا في هذا المجال يمكننا القول إن سلام المجتمعات لن يتحقق إلا باللقاءات والحوارات الصادقة الشفافة، وبالعيش معًا عن قرب، فعندما يبدأ الحوار تصمت الحراب، وبالحوار نبني الجسور ونهدم السدود، وبالحوار يحل السلام والوئام محل الخصام، وبالحوار يعلو صوت الحب على صوت الحرب!

الرعاية والحوار

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : القس بيتر نادي

  • بالتفاتةٍ بسيطة لخدمة المسيح سندرك مكانةَ الحوار في الرعاية الكنسيَّة؛ فلم يكن يسوع ذلك الشخص الذي يقدم الخدمة للآخرين أو يشفيهم أو يجيب على أسئلتهم ويذهب بعيدًا، بل كان يتوقف لكي يُجري حواراتٍ شخصيةً ويقيم علاقاتٍ حقيقيةً، فنجده يتوقف ليُجري حوارًا مع المولود أعمى، والمرأة التي كان بها نزف دم لسنوات، والسامرية الخاطئة، ونِيقُودِيمُوسُ القائد اليهودي، لقد استمع بمحبة بالغة لوالد الطفل الذي كان به روح صرع، والذي آتى إليه طالبًا المساعدة، وبدلاً من أن يشفي الولد بسرعة، دخل يسوع في حوار مع هذا الرجل (مر9: 21)، هذا بالإضافة لحواراته المتعددة مع تلاميذه في مواقف مختلفة.[1]

            كان الحوار والاستماع وعاءً للمحبة والرعاية التي في قلب يسوع للبشر؛ فقد اهتم بالأشخاص وقصصهم وتفاعَل معهم بشكل شخصيٍّ وقريبٍ جدًّا؛ لأنه يعرف كيف أن الحوار الهادئ المحب يستردُّ القلوب الكسيرة ويُطلق الأرواح الأسيرة. ومن هنا نرى أن الحوار جزء أساسيٌّ في منظومة الرعاية الكنسية.

    ماهية الرعاية الكنسية

    قبل الحديث عن الرعاية والحوار، علينا أن نتيقَّن من مدى فهمنا لماهية الرعاية الكنسيَّة. بإيجاز الرعاية هي الوقوف بعمق بجانب الشخص، والإصغاء إلى قصته وشكواه ومخاوفه وأحزانه، والتعاطف معه. وهي أيضًا الاقتراب من شخصٍ باسم يسوع لنبحث معًا عن الرجاء والحياة الجديدة في خضم تحدياته… والمساندة وقت الحزن والمساعدة على الثبات والصبر والاستمرار في الحياة… وتحقيق الشفاء من خلال جعلهم يلتقون بالمسيح الشافي لجراحات قلوبهم ونفوسهم، وتتميم خدمة المصالحة بالوعظ والتعليم والمناداة بالإنجيل.[2]   

    كذلك أجد في حوار موسى مع الله صدى آخر لمعنى الرعاية ومهمة الراعي. في سفر العدد 11: 12 يقول موسى لله: “أَلَعَلِّي حَبِلْتُ بِجَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ؟ أَوْ لَعَلِّي وَلَدْتُهُ، حَتَّى تَقُولَ لِي احْمِلْهُ فِي حِضْنِكَ كَمَا يَحْمِلُ الْمُرَبِّي الرَّضِيعَ، إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفْتَ لآبَائِهِ؟” فدعوة موسى ومهمته -وكذلك كل راعٍ- أن يحمل الشعب في حضنه، ويقوم بولادته في الإيمان، بأحشاء أب وأم معًا إلى أن تصبح آلام وأفراح الشعب جزءًا من نسيجه الداخلي.

    يعلق ألدو: نحن نفرح بالخطيبين اللذين يتقدمان للزواج، ونضحك مع الطفل الذي يتقدم للمعمودية؛ ونرافق الشباب المقبلين على الزواج، ونتألم عندما نذهب إلى المستشفى لنشارك المرضى، ونبكي مع هؤلاء الذين يودعون عزيزًا لديهم انتقل.[3]

    ينجز الراعي هذه المهمة المتشابكة من خلال أدوات عديدة، يأخذ الحوارُ مساحةً خاصةً في الرعاية أُشير لها في المحاور الآتية.

    أولًا: الحوار والتفاهم

    بالطبع يحتوي أي مجتمع على قدرٍ كبيرٍ من التنوع الفكري والثقافي والمعرفي، والكنيسة -كمجتمع الملكوت- تحتوي على نفس هذا القدر من التنوع، مما يخلق تحديات عديدة أمام تحقيق الغرض من وجودها، العبادة والكرازة بالإنجيل للخليقة كلها. وهنا يأتي دور الرعاية في خلق بيئة من الحوار المستمر -سواء بين الأعضاء أو بين قطاعات الكنيسة المختلفة- الذي يستلزم تبادل الأفكار وتوضيح وجهات النظر بهدف الوصول لتفاهم عميق بين أعضاء الكنيسة وقطاعاتها، وخلق مُناخ صحي للاختلاف والتعبير عنه.

    إن الطريقة المباشرة بشكل أكبر، والتي نجعل أنفسنا معروفة من خلالها لبعضنا البعض، والتي تجعل الله نفسه معروفًا لنا من خلالها، هي الكلمات. فالحوار هو الوسيلة الكاملة والأكثر مرونةً في التواصل للتعبير عن الذات. وقد حذر تيموثي كلر من أن يكون الحوار سطحيًّا يعمل على نقل مجرد معلومات دون كشف لذواتنا عندما قال: “يمكن أن يكون حوارانا معًا أعمق، فنشعر بأننا ليس فقط نتبادل المعلومات، بل نكشف أيضًا ذواتنا الحقيقية”.[4] عندئذٍ يصير حوارنا معًا لقاءً شخصيًّا واتصالًا إنسانيًّا حقيقيًّا يُحدث كشفًا مُتبادَلًا لشخصياتنا، الأمر الذي يؤثر على تفاهمنا وفهمنا لبعضنا البعض مع البقاء على التمايز والاختلاف.

    ليس الهدف من الحوار هنا إقناع الآخرين بالموافقة على أمرٍ ما، إنما الهدف تخطي عقبات سوء الفهم. فالحوار مطلب ضروري وأساسي لتحقيق عملية التفاهم، خاصةً عندما يُبذل فيه جهد صادق وأمين؛ فقد اعتبر الأب جان بول هذا النوع من الجهد في الحوار والإصغاء هدية ثمينة لبعضنا البعض عندما قال: “طبعًا نحن لن نتمكن يومًا من الولوج إلى سر إنسانٍ آخر لنفهمه فهمًا كاملًا وإننا في الحقيقة لعاجزون حتى عن فهم أنفسنا على كامل حقيقتها، ولكن إذا ما أحس الإنسان في أعماق نفسه بأن شخصًا آخر قام بجهد خاص ليفهمه ويقبله فلا بد وأن يُحدِث ذلك الجهد تغييرًا عميقًا في شخصيته، إنها في الحقيقة لهدية ثمينة”.[5] هكذا فالحوار الذي نكشف فيه عن ذواتنا الحقيقية ونبذل الكثير من الجهد فيه ينقلنا من حالة الفهم الضبابيّ عن بعضنا البعض إلى فهم وتفاهم جادٍّ واحتواءٍ عميقٍ لكافة الاختلافات، فتتحول التحديات والاختلافات إلى فرصة لتقريب وجهات النظر والخدمة الجادة.

    ثانيًا: الحوار والوعي اللاهوتي والكتابي

    ليست الرعاية عملية ملء الأذهان ببعض الأفكار أو طباعة بعض المعتقدات على عقول الشعب، إنما هي المهمة التي من خلالها يجعل الراعي الشعب يفكرون بطريقةٍ أعمق فيما يعتقدونه ويؤمنون وينادون ويعيشون به، بهدف التأكد من أن ما لديهم من وعي لاهوتي وكتابي نقي ومطابق للحق الإلهي.

    لم يكف المسيح طوال خدمته، عن تلك الحوارات التي جعلت محاوريه يراجعون إيمانهم ومعتقداتهم، وقد عبَّر إن تي رايت موضحًا أن يسوع لم ذلك النوع من المعلمين الذين يضيفون ببساطةٍ على مخزون معلومات سامعيهم. ولم يكن من هؤلاء الذين يقدمون إلى الناس منظومةً جديدة يطبقونها ليصلوا إلى السماء بدلاً من أفكارهم القديمة عن الموضوع. لم يكن يسوع معلمًا يقدم إجابات أعمق وأكثر تفصيلاً عن الأسئلة التي كانوا يطرحونها بالفعل. لقد كان يسوع على العكس من كل ذلك، يفعل أمورًا ويقول أشياء مُصمَّمة بكيفية ما لتجعل سامعيه يواجهون أسئلةً لم يفكروا فيها من قبل، وأن ينظروا إلى أمورٍ مألوفة عندهم من زوايا جديدة لم يتوقعوها من قبل، وهذا ليجعلهم يصلون لفهم أعمق مما كان لديهم عبر لقاءات وحوارات طويلة ومتعددة.[6]

    هكذا من خلال الحوار لم يقدم الرب يسوع إجابات جاهزة على التساؤلات التي كانت تُطرح عليه، ولكنه أنار طريق الإجابات ليصل محاوروه إليها. فإجاباته كانت خيوطًا يمسك بها الشخص بالإيمان ويتتبعها، ويختبرها، ليصل إلى إجاباته الشخصية عبر رحلة تبعيته لله.[7] فالحوار هو الأداة التي استخدمها يسوعُ لينقل لمحاوريه وعي الملكوت، والذي كان بالنسبة لهم غريبًا وعميقًا وصعبَ الفهم.

    وفي سياق حديثنا عن الحوار وعلاقته بنقل الوعي، أتذكر يومًا تحدثت عن “الصوم: نظرة كتابية ومفاهيم مغلوطة”، وبعد حوارٍ طويل للغاية على أكثر من مرة، قررنا أن نمارس الصوم بهذا الوعي الجديد، وبعد انتهاء المدة المحددة، جرى حوار لنسمع بعض الخبرات. ولن أنسى ما قيل وقتها.

    لقد لفت نظري ما أشارت إليه إحدى خادمات الكنيسة عندما قالت: “أنا اكتشفت إن الأكل والشرب مش فارقين معايا أكتر من الموبايل. اكتشفت عبوديتي للموبايل، “مش بقدر أسيبه”، ممكن أسيب الأكل والشرب لكن الموبايل لا”.

    وقالت أخرى: “أنا كمان اكتشفت نفس الأمر لدرجة إني كنت بقرأ في سفر الرؤيا ووصلت للآية اللي بتقول: “أَنْتَ مُسْتَحِقٌ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ”. ووقفت قدامها وقلت إن عمليًّا واللي بعيشه هو: “أَنْتَ مُسْتَحِقٌ أَيُّهَا الموبايل، أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ والوقت والجهد والتركيز”…”. ومن وقتها اكتشفنا أن الصوم يكشف عبوديتنا للأشياء، ولا بد أن يأخذ أشكالًا تناسب عصرنا الحالي. وكذلك أدركنا أهمية الحوار في نمو الوعي؛ فالحوار يجعلنا نراجع ما نؤمن به لننظر إليه بعينٍ جديدةٍ، ونسمح لأنفسنا أن تمتحنه وتمارسه بوعي متجدِّدٍ لنكتشف أعماقًا أخرى.

    فالراعي يثير أذهان الشعب من خلال العظات والمحاضرات واللقاءات الشخصية ليجعلهم يُعيدوا التفكير فيما يؤمنون به، ويجعل من الأسئلة التي يطرحونها فرصةً للحوارات اللاهوتية والكتابية. ليساهم ذلك الحوار في مشاركة خبراتنا وتحدياتنا وما وصلنا له من نور، وكذلك خلق حالة من الوعي المُعاش كحقيقة عملية وليس مجرد وعي نظري.

    ثالثًا: الحوار وتقديم التعزية

    جزء لا يتجرأ من جعل المتألمين يشعرون بالتعزية هي مساحة الحرية في الحوار، الذي من خلاله يُسمح لهم بالتعبير عن حجم الألم والمعاناة التي يجتازونها. إنها فرصتهم لطرح كل ما يحملونه في قلوبهم من أسئلة وحيرة ومعاناة مع تساؤلاتهم غير المجابة.

    في مرات عديدة -حتى وإن لم أقدم إجابة لأسئلتهم- عندما أعجز عن الرد عن أسئلة المتألمين، يكون الحوار هو الأداة التي من خلالها يُخرجون ما حملوه بداخلهم من شكوك وأسئلة وحيرة. وعندما يسمعون أنفسهم وأسئلتهم وشعورهم بالإحباط وخيبة الأمل يساعدهم ذلك على الهدوء والشعور بالتعزية.

    بالطبع ليست مهمة الراعي إزالة الألم والمعاناة من حياة الرعية فهذه مهمة تبدو في أحيان كثيرة شبه مستحيلة، بل ما يمكنه القيام به هو الحوار المستمر معهم، والذي يُعبر عن وقوفه بجانبهم في معاناتهم وتدعيمهم في بحثهم عن الرجاء والنمو الروحي وسط ألمهم وشعورهم بخيبة الأمل، ليكتشفوا مقاصد الله وسط معاناة حياتهم، ليروا معاناتهم وآلامهم من زاوية ملكوتية.[8]

    أتذكر كثيرًا من المواقف التي جلستُ فيها مع أحبَّاء متألمين، ومن خلال حوارنا عبَّروا عن عمق خسارتهم وتأوهاتهم ومرارتهم من الله، في بعض الأحيان. بالطبع عبر هذه الحوارات لم أدخل معهم في جدالات لاهوتية ولا محاولات لتصحيح نظرتهم لله، ولكن من خلالها وجهت أنظارهم لممارسة روحانية الشكوى، تلك الروحانية التي مارسها كُتَّاب المزامير والعديد من رجالات الله؛ حيث حوَّلوا تأوُّهاتهم وأسئلتهم إلى صلاة يعانقون بها الله باحثين عن حضوره المعزِّي، بدلاً من البُعد عنه والابتعاد عن مجتمع الملكوت وأوقات العبادة. فيسألون مع كُتَّاب المزامير: “لماذا تختفي في أزمنة الضيق؟… لماذا تحجب وجهك عني؟… لماذا تقف بعيدًا؟”.

    إن للحوار الهادئ المساند في أوقات الضيق والألم أهميةٌ بالغةٌ في تحويل أسئلة وحيرة المتألمين إلى صلاة عميقة، فتصبح آلامهم وأسئلتهم فرصةً للاقتراب لله والشعور بحضوره الإلهي الذي يمنح التعزية العميقة لقلوبهم المتألمة ونفوسهم الجريحة.

    رابعًا: الحوار وإدراك الاحتياجات

    ليس الحوار فقط فرصة لتعليم وتشكيل وعي المجتمع الكنسي، ولكنه أيضًا فرصة ومساحة رائعة لصقل موهبة الراعي وخبراته، حيث تتكون لدى الراعي الكثير من الخبرات، سواء الإيمانية من خلال الاحتكاك العملي بحيوات الآخرين وسماعهم والتحاور معهم بعمق، أو خبرات حياتية مما يجتازه الراعي من تحديات ومواقف يومية مُعاشة.

    إن تحقيق الغرض الأساسي من الرعاية يتطلب حوارًا فعَّالًا كي يستطيع الراعي أن يعرف رعيته معرفةً عميقةً تُمكِّنه من اختبار ظروفهم واحتياجاتهم وضعفاتهم، وكذلك البيئة التي تربوا فيها والتعليم الذي تلقوه، كي يتسنى له تقديم نوع الرعاية المناسبة لكل شخص. لقد تعامل يسوع مع شخصيات مختلفة ذات طبائع متباينة، لكنه بحكمة ونعمة ومهارة قدَّم العون للجميع؛ فقد كان قريبًا جدًّا من الناس، يعرفهم معرفةً جيدةً ويرى احتياجاتهم ويرق قلبه ويتجاوب معهم.[9]

    مثلما وُلِدت الأمثال من الحوار الحي بين يسوع ومحادثيه، وكانت مُخاطِبةً أعماقهم واحتياجاتهم ومُغيِّرةً لأنفسهم، هكذا الحوار يجعل الراعي يكتشف احتياجات الشعب ويتفاعل مع سياقهم، فيبقى دائمًا قريبًا لواقعهم الخاص وكيانهم الداخلي، فمن خلال هذا الوعي المنتبه لاحتياجات الشعب وسياقه يتشكل برنامج الراعي ورؤيته. في حديث غسان خلف عن نجاح الراعي كواعظ قال: “لابد أن يكون مدركًا تمامًا تنوع الحضور وحاجتهم، وتفاوتهم الثقافي والاجتماعي، ويدرس ما يعاني منه الناس وما هي حاجتهم”.[10]

    أخيرًا

    علينا أن نعي تمامًا أن الحوار أداة مهمة للغاية في عملية الرعاية الكنسية؛ فالحوار المستمر هو الذي يخلق بيئة من الفهم والاختلاف الصحي والتعاون المشترك بين أعضاء الكنيسة وقطاعاتها. وكذلك يُساهم بعمق في إعادة بناء الوعي وتكوين الخبرات ومشاركتها، الأمر الذي يُثري المجتمع الكنسي بخبرات ملهمة للآخرين. وأيضًا الحوار فرصة لتقديم المساندة والتعزية والوقوف بجانب المتألمين وسماع تأوهاتهم وصراعاتهم. وهو أيضًا يجعل الراعي يدوس أرض احتياجات الشعب وفهم سياقهم وشخصياتهم وتكوينهم الثقافي ليكون قريبًا منهم وليجعل كلمة الله تخاطب أعماقهم ليقودهم للخليقة الجديدة.

    [1] جان جونسون، دعوة إلى حياة المسيح، ترجمة أوسم وصفي (القاهرة: الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة، 2013)، 27، 41.

    [2] رون فان دير، رعاية أعضاء الكنيسة، ترجمة رمزي عياد (الأردن: أوفير، 2016)، 16-20

    [3] ألدو مارتين، مفارقات الخدمة الكهنوتية، ترجمة أندراوس فهمي (القاهرة: دار الأكويني، 2021)، 124.

    [4] تيموثي كلر، الصلاة- اختبار الرهبة والحميمية مع الله، ترجمة أوسم وصفي (الأُردن: أفير، 2019)، 55-56.

    [5] جان بول اليسوعي، فن التواصل- أنت وأنا والذات الحقيقية، ترجمة بولس صباح (بيروت: دار المشرق، 2005)، 141.

    [6] إن تي رايت، الخبر السار، ترجمة أوسم وصفي (الأُردن: أُفير، 2015)، 72.

    [7] سارافيم البرموسي، اتبعني (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات اللاهوتية، 2020)، 24.

    [8] رون فان دير، رعاية أعضاء الكنيسة، ترجمة رمزي عياد (الأردن: أوفير، 2016)، 16.

    [9] جان جونسون، دعوة إلى حياة المسيح، مرجع سابق.

    [10] غسان خلف، مبادئ علم الوعظ (لبنان: دار منهل الحياة، 2010).

حوار بنَّاء لأسرة أفضل

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القس إميل نبيل

  • الزواج الناجح ليس فقط رغبة كل زوجين، ولكنه أحد أهم المكونات المهمة لتماسك المجتمع واستقراره؛ فالأزواج الملتزمون بعهود الزواج لهم تأثير إيجابي ليس فقط على حياتهم الشخصية وعلى أبنائهم وأسرتهم الصغيرة، بل على مستقبل المجتمع ككل. فالأسرة السوية تفرز أفراد أسوياء، وهذا ما يجعل من الأهمية دراسة ما يدعم استقرار الزواج ونجاحه.

    الجميع بالتأكيد يريدون الحصول على زواج متماسك وبيت سعيد، لكن الكثيرين لا يعرفون ما الأساسات اللازمة لبناء الأسرة السعيدة. في إحدى الدراسات وجد الباحثون أن من بين كل عشر زيجات فإن زيجة ناجحةً أو اثنتين فقط هي التي تحقق ما يُسمَّى “الألفة” في الزواج، وهو ذلك الرباط الخفي من الصداقة والتفاهم والالتزام. (جيمس دوبسون، زواج يدوم، 2013، ص6).

    بالتأكيد لا توجد أسرة مثالية، ورغم تركيز وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة على حالات الانفصال وانهيار الزواج، لكن هناك أخبارًا مفرحةً أيضًا، فآلاف الأسر حول العالم تتمتع بالسعادة والاستقرار، هذا بالتأكيد لا يعني كونها خالية من المشاكل والتحديات، لكن يعني أنها تعمل بجهد وصبر لمواجهة كل ما يواجهها من مشاكل وتحديات.

    كن من الأربعمائة السعداء

    الأربعمائة السعداء هو اسم لمجموعة بحثية من 486 أسرة من خلفيات متنوعة جدًّا، ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، متوسط عمر الزواج لهم 43 سنة، مضى على زواجهم ما بين عشر سنوات إلى 68 سنة، وغالبيتهم مضى على زواجهم 25 سنة، والعامل المشترك بينهم جميعًا هو أنهم يتمتعون بالسعادة في زواجهم. وبسؤالهم عن أهم الأمور التي ساعدتهم في الاحتفاظ بزواجهم والاستمرار سعداء، كان على رأس القائمة التي ذكروها التواصل الدائم والجيد والفعال. (كاريل كروجر، 222 فكرة مدهشة لكل زوجين، 2000، ص13).

    يلعب التواصل دور الجسر الذي يربط بين حياتَيْ شخصَيْن ويخلق قدرةً وحريةً على الوصول الفعَّال لقلب الآخر وعقله. (جيمي ايفانز، زواج على الصخر، 2010، ص207). وهو الزيت الذي يجعل ماكينة الزواج تدور في سهولة ويسر، وكلما كان التواصل فعالًا كانت الأسرة سويةً. من المشكلات الرئيسة في أية أسرة غير سويةٍ غياب أو نقص التواصل والحوار الجيد. (جيم برونز، الأسرة السعيدة، 2012، ص145).

    يقولون إن التواصل بالنسبة للعلاقات هو مثل الدم بالنسبة للجسم، فإذا غاب الدم يموت الجسم، وبالمثل إن غاب التواصل والحوار تموت العلاقة.

    إننا بحاجة إلى فهم أهمية التواصل والحوار ودوره في الترابط الذي يحدث في الزواج. وبغض النظر عن طول مدة الزواج أو أي شيء آخر فكما يقول جيمي إيفانز: “لا يمكن لأي زوجين أن يدخلا في علاقة حقيقيةٍ حميمةٍ كزوجين دون تواصل صحيح” (جيمي إيفانز، ص208). فبعض الأزواج تزوجوا منذ أكثر من 40 سنة، لكنهم مازالوا لا يعرفون بعضهم جيدًا، ولا يزالون مبتعدين عن بعضهم البعض في علاقاتهم ولا يعرف أحدهما الآخر، ربما يتشاركان نفس البيت ونفس الغرفة، ولكنهما لا يتشاركان بأفكارهما ومشاعرهما بفاعلية؛ فهم لا يزالون غرباء. من المستحيل أن نبني زواجًا قويًّا من دون تواصل فعال وصحيح ومتدفق في الاتجاهين. إن التواصل والحوار الفعَّال هو ما يحقق الوحدة الحقيقية بين الزوجين عاطفيًّا ونفسيًّا وفكريًّا.

     تُظهِر الأبحاث أن عدم تبادل الآراء والحديث يُعد سببًا رئيسًا لعدد كبير من حالات الانفصال؛ فالمشاكل التي لا تُناقَش بهدف الوصول لحلٍّ بشأنها هي أهم معاول هدم الزواج، بينما تبادل الحوار يقوِّي الرابطة الزوجية، فبدون تواصل يصل الزواج إلى نقطة تكون فيها حياة كل طرف لغزًا غامضًا لدى الطرف الآخر. يقول الأربعمائة السعداء عن التواصل: “نحن نشعر بالارتياح عند التحدث في أي موضوع، ويتدخل الأطفال في حديثنا عندما يكون الموضوع متعلقًا بالأسرة ككل، وبهذه الطريقة يتعلمون التواصل والحوار أيضًا، نحن نتبادل حديثًا عميقًا كل يوم، وأحيانًا نضطر أن نقاتل بحثًا عن الوقت ولكننا ننجح في النهاية”. (كاريل كروجر، ص16-17).

    تكلم معي

    يُعتَبَر الخرس الزوجي أحد أشهر أمراض الزواج شيوعًا، وهو العدوُّ الأول المدمِّر للزواج، وكثيرًا ما تكون الصرخة المكتومة داخل الصدور هي: تكلم معي!

    في منطقة خط الاستواء هناك منطقة تُسمَّى حزام الركود الاستوائي، وهي منطقة كان يخشاها البحارة قديمًا بشدة؛ فهي منطقة تنعدم فيها الرياح وبالتالي فهي تهدد بغرق السفن حيث كانت السفن قديمًا تعتمد على الشراع وحركة الرياح في سيرها، إن انعدام الحديث والتواصل والحوار يقود إلى الركود العاطفي ويهدد بغرق الزواج.

    نحتاج أن نتعلم فنَّ الحوار وكيفية التواصل، وليس ذلك فقط، بل أن ندرب أبناءنا أيضًا على ذلك إن أردنا لهم زواجًا ناجحًا في المستقبل، ربما نظن أن التواصل أمرٌ فطريٌّ، ولكن الواقع يقول إننا نحتاج لتعلُّم التواصل الجيد والحوار. إن فن التواصل لا يأتي بالفطرة عند معظمنا؛ فبعض الناس لا يحبون الكلام كثيرًا، والبعض الآخر يتكلمون باستمرار لكن دون أن يكون لكلامهم معنى حقيقي. وعندما نأتي للزواج، فهؤلاء الذين يتقنون هذه المهارة يكونون مؤهَّلين للتمتُّع بعلاقةٍ دافئةٍ مشبعةٍ ومثمرةٍ. أما الذين يفشلون في فهم بعضهم البعض فإنهم عادة ما يشعرون بالعزلة والوحدة وهذا يساهم بقوة في حدوث الطلاق. (جيمس دوبسون، ص51).

    لا نهاية للتواصل والحوار

    ربما تنحصر أفكارنا حول التواصل والحوار في صورة اثنين يقضيان وقتًا معًا في أحد المطاعم ويتبادلان الحديث، لكن هناك أساليب كثيرة للتواصل تجعل الحوار حيًّا داخل الأسرة، وتعمل على ضخ الأكسجين في رئتي الزواج نحتاج أن نتعلمها ونمارسها، ومنها:

    • المحادثات القصيرة العابرة

    من أكثر ما يساعد على التواصل والحوار هو المحادثات القصيرة لتبادل المعلومات السريعة والتنسيق وترتيب المواعيد والأمور المهمة والتذكرة بالاحتياجات الضرورية. ربما لا نقدِّر أهمية مثل هذه المحادثات السريعة والقصيرة خلال اليوم لنخبر شريك الحياة أو أحد أفراد الأسرة بأي تغيير في خطط ومواعيد اليوم وأماكن تواجدنا وأي احتياجات تطرأ. ورغم كون هذه الأحاديث قصيرة جدًّا ومُختَصَرة وربما تكون من خلال رسائل دون حديث، لكنها تعزز التواصل الفعال بشكل رائع؛ فهي تعبر عن التقدير والاهتمام، كما أنها تُعتَبَر فرصةً لتأكيد الاهتمام والحب من خلال كلمات بسيطة وقليلة وسط زحام الحياة، والتي يمكن أن تكون من خلال مكالمات سريعة، أو رسائل أثناء القيادة أو وسط العمل، أو أحاديث قصيرة أثناء تناول الطعام معًا للاطمئنان والسؤال عن أمور شريك الحياة وما يشغل اهتمامه. ورغم أن هذه المحادثات لا ينتج عنها أفكار عميقة إلا أنها يمكنها أن تجعل الزواج أكثر إمتاعًا. (كاريل كروجر، ص18).

    • المحادثات البنَّاءة المُخطَّط لها

    نحتاج مرة أسبوعيًّا للجلوس معًا جلسةً هادئةً والحديث معا بتروٍّ وتركيز وانتباه أحدنا الآخر، جلسة نستطيع فيها مناقشة العديد من الأمور المهمة لبيتنا وأسرتنا وحياتنا. ربما نجد الحديث في البداية صعبًا، ولكننا مع الوقت نستطيع أن نطوِّر من مهارات الحديث والتخطيط لدينا، وربما نحتاج أن نترك أنفسنا لحديثٍ دافئٍ غير مُقيَّدٍ بأجندة مُسبقة وكأننا في لقاء عمل.

    • المحادثات الممتعة

    نحتاج -من وقت لآخر- أن نستمتع كزوجين وكأسرة معًا بوقتٍ حُرٍّ ممتعٍ، ليس بهدف اتخاذ قراراتٍ في الأسرة أو مناقشة مشكلات أو التخطيط لحياتنا، ولكن بهدف التقارب والتواصل وبناء الجسور وتبادل المشاعر، حديث عن العالم المتسع غير المقتصر على أسرتنا الصغيرة واحتياجاتنا، حديث يتناول الفن والإبداع والثقافة والرياضة والموسيقى والتاريخ والحضارة وغيرها من الموضوعات القيمة.

    مثل هذا الحديث قادرٌ أن يبدل مزاجنا بعد يوم عمل مرهق ربما، ويملأنا بالبهجة ويأخذنا بعيدًا عن الانحصار في مشاكلنا.

    • حديث الحب

    نوع آخر من الحديث نحتاج إليه وكثيرًا ما نهمله، وهو حديث الحب والمشاعر الرقيقة واللمسات الحانية، لا بد أن ننتبه لهذا النوع من الحديث ولا ننساه وسط ضغوط الحياة ومتطلباتها.

    يحتاج كل زوجين إلى لحظات هادئة يتبادلان فيها الحديث الدافئ المليء بالمشاعر والحب؛ حيث يتبادلان كلمات الإعجاب والتقدير والحب، ليس فقط بالكلمات ولكن أيضًا بلغة الجسد. يحتاج الأبناء أيضًا إلى هذا النوع من الحديث؛ فهم يحتاجون بشدة لأحضان والديهم الدافئة الحنونة وإلى كلمات الحب والتشجيع وبناء ثقتهم بأنفسهم وإدراك مكانتهم لدينا وفرحنا بهم وتقديرنا لهم، فهذا يملأهم بالشبع والأمان ويحميهم من مخاطر عديدة لاستجداء الحب والتقدير والأمان.

    • الإصرار والتدريب

    إن إدراكنا لأهمية وحتمية التواصل والحوار داخل الأسرة من أجل الوصول لأسرة متماسكة ومناخ صحي، يقودنا للإصرار والتدريب، بالتأكيد ندرك جميعًا أن هذه الأنواع من المحادثات والحوار لن تأتي من تلقاء نفسها، لكنها تحتاج للإعداد لها والتدريب والإصرار عليها رغم كل المعطِّلات والمفشِّلات، ولكننا ندرك أننا في كل مرةٍ نقول نعم للحديث والتواصل، فإننا نقول نعم لزواج ناجحٍ متماسكٍ صحيٍّ وممتعٍ ولأسرةٍ سليمةٍ.

    ربما في البداية نحتاج أن نذكِّر أنفسَنا بالأحاديث القصيرة العابرة ونحن في أوقات العمل، وربما نضبط هواتفنا المحمولة لتذكِّرنا بضرورة التواصل وإرسال رسائل قصيرة للاطمئنان خلال اليوم، وقد ندرب أنفسنا على الاتصال ونحن في طريق العودة للسؤال عن أي احتياجات ضرورية قبل الرجوع للبيت. قد لا يكون سهلًا في البداية التخطيط لأوقات للأحاديث الطويلة لمناقشة أمور الأسرة ومناقشة بعض الخطط والأفكار، ولكنها ستكون جزءًا من حياتنا وعلاقتنا فيما بعد.

    حتى يستمر الحوار

    تقول عبارة قديمةٌ “ارعَ شعلتك حتى لا تنطفئ” وهي صحيحةٌ تمامًا؛ فحتى يستمر الحوار، علينا أن ننتبه لبعض المبادئ ونراعيها:

    • تفهُّم الاختلافات

    أحد الأسباب الأساسية لصعوبة التواصل هو الاختلاف الجوهري بين الرجال والنساء؛ فقد أوضحت الأبحاث أن معظم البنات الصغيرات يتمتَّعن بمهاراتٍ لغويةٍ أكثر من الأولاد الصغار، وتبقى تلك الموهبةُ لديهن مدى الحياة (جيمس دوبسون، ص 21) بالتأكيد يمثِّل هذا الأمر القاعدةَ العامة، لكن بالتأكيد التركيبة المعقدة لشخصية الإنسان تضمن استثناءً لكل شيء يُعمَّم.

    بالتأكيد أي مشير للعلاقات الزوجية يعرف جيدًا أن إحدى أشهر شكاوى النساء هو قلة كلام أزواجهن وعدم تجاوبهم معهن في الحديث والكلام بحسب توقعاتهن، لكن عندما نتفهم ونقدر الاختلافات بيننا فهذا يساعدنا على تجاوز هذه الاختلافات.

    • تقدير الضغوط

    عندما يواجه غالبية الرجال ضغوطًا، فإنهم ينسحبون إلى قوقعتهم الخاصة ويلتزمون الصمت لفترة، وأيضًا فالنساء تتغير أمزجتُهن مع اختلاف الوقت خلال الشهر. لكلٍّ منا ضغوطه وتحدياته ومزاجه الخاص، ونحتاج أن نتعلم كيف نقدِّر ما يتعرض له الآخر وما يواجهه من تحديات تؤثر على مزاجه. وعلى الجانب الآخر، يجب أن يتعلم كلٌّ منا كيف يتعامل بنضج مع ضغوط الحياة ولا يسمح لها أن تدمِّر حياته وزواجه وأسرته.

    • مشاركة المشكلات

    الكثير منا -أو ربما جميعنا- يواجه مشكلات في حياته بشكل أو بآخر، وكثيرا ما تقودنا المشكلات إلى حالة من الصمت والانعزال أو التقوقع على أنفسنا. إن إخفاء المشكلات وعدم مشاركة شريك الحياة بها هو أكبر حماقة يمكن أن نرتكبها؛ فهو يغذي سوء الظن وعدم الشعور بالثقة والحميمية، يقول د. جيمس دوبسون: “بينما تعملان معًا لإيجاد أفضل الحلول لمشاكلكما، فهذا سوف يزيد التقارب بينكما، وسيصبح شريك الحياة أغلى مستشار ومرشد ومصدر حماية وصديق لك” (د. جيمس دوبسون، ص 58).

    • منطق المغناطيس

    نحتاج أن يكون حديثنا عذبًا ورقيقًا يجتذب الآخر ويجعله يشتاق للحديث، السعادة تعمل كمغناطيس عجيب يجذب شخصية الإنسان، يجب أن نبتعد عن الصوت العالي وتبادل الاتهامات والشكوى المتكررة والتذمر والمقارنات والانفعال والكلمات القاسية والنابية وتسفيه آراء الآخر وكثرة الانتقاد، بل يجب أن يكون حديثنا شيقًا وجاذبًا ممتلئًا بروح الدعابة والمرح.

    نحتاج أن ندرك قوة الكلمات “اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ” (أم 18: 21)، “اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ، وَالْكَلاَمُ الْمُوجعُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ” (أم 15: 1). فهناك من يطلقون صواريخ من ألسنتهم! لكن الكتاب يعلمنا “لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ” (أف 4: 29). إنه يدعونا إلى الكلام البنَّاء بدلًا من الكلام الفاسد المدمِّر.

    • الاحترام

    “من دون الاحترام يموت الحب” هذه حقيقةٌ أكيدةٌ؛ فمن دون الاحترام يموت الحوار والتواصل، وبالتالي يموت الحب وتموت العلاقة، نحتاج لإظهار الاحترام لشريك الحياة بكل الطرق، فهو حجر زاوية في بناء التواصل. إن الاحترام الصادق ليس مجرد أمر شكلي يتعلق باستخدام بعض الكلمات الرسمية، والتي قد تُشعِرنا بالتباعد وعدم الحميمية، ولكنه اتجاهٌ صادقٌ يستطيع الآخر حتمًا تمييزه وإدراكه.

    • الصِّدق

    تُبنَى العلاقاتُ على الثقة، والثقة تُبنَى على الصدق، لذلك فالكذب وعدم الوضوح وأنصاف الحقائق هي أمور مدمرة جدًّا لعلاقاتنا ولأي تواصل وحوار داخل الأسرة. يضع الكتاب المقدس أمامنا القاعدةَ الذهبية للعلاقات “لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ” (أف 4: 25). أُحِبُّ صياغة يوجين بيترسون لهذا الجزء: “لا مزيد من الكذب، لا مزيد من التظاهر… ففي جسد المسيح نحن كلنا مترابطون بعضنا مع بعض رغم كل شيء. وحين تكذب على الآخرين، تنتهي إلى الكذب على نفسك” (تشارلز ر. سويندول، الزواج، 2012، ص82)، نحتاج أن نتذكر أننا صرنا واحدًا في الرب، لذلك نحتاج أن ندعم وحدتنا من خلال الشفافية والوضوح والانفتاح والصدق.

    • من أجل الآخر

    إن عهد الزواج هو عهدٌ والتزامٌ بالتواجد من أجل الآخر؛ ففي الزواج لا مجال للأنانية والانحصار في الذات، وأمام ضغوط الحياة ومشكلاتها، والتي تدعونا للاهتمام فقط بأنفسنا واحتياجاتنا، نحتاج أن نذكِّر أنفسنا بالعهد أننا سنحيا من أجل الآخر، سنهتم بما يبنيه ويقوده للأفضل، سنكون بجواره دائمًا مساندين ومعضدين، وأمام كل أنانية واهتمام بأنفسنا فقط نحتاج أن نتذكر كلمات الكتاب “لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا” (في 2: 4).

    • تقدير المشاعر

    يختلف البشر في مهارة التعبير عن المشاعر -اختلافًا واضحًا- وغالبا ما تكون النساء أكثر مهارةً من هذه الناحية. ولكن باختلاف مستوى مهاراتنا في هذا الأمر، فإن القاعدة الأساسية التي يجب أن تكون واضحةً للجميع هي تقدير المشاعر واحترامها، وهذا يقود الرجال للاهتمام بتطوير مهاراتهم وتعلم كيفية التعبير عن مشاعرهم. ورغم أن معظم الرجال متحفظين في التعبير عن مشاعرهم، فإن النساء يشعرن بالاحتياج الشديد لتفهم أزواجهن لمشاعرهن، فغالبا عندما تشارك الزوجةُ زوجَها بمشكلة ما تزعجها، لا تريده أن يقفز للبحث عن حلول، بل أن يعبِّر عن تفهُّمه لمشاعرها أولًا.

    على الجانب الآخر يجب أن تدرك المرأةُ أن الرجل عندما يشارك بمشاعره فهو يشارك بأمر ثمين جدًّا؛ فهو يعبر عن ثقته، فأي عدم تقدير لمشاعره أو انتهاك لخصوصية مشاعره أو مشاركة الآخرين بما تكلم به، يُفقِده الثقة والأمان تمامًا ويقوده لعدم المشاركة مستقبلًا.

    • المبادرة

    كثيرا ما يصمت الحوار وتموت العلاقة بسبب أن كل شخص ينتظر من الآخر أن يأخذ المبادرة، ونسمع أحدهما يقول بأسى: كان يمكن أن نكون في علاقة أفضل لو كان أبدى اهتمامًا وبادر بأخذ خطوات تجاهي!

    لكن لماذا ننتظر الآخر أن يبادر؟ لماذا لا أبادر أنا بخطوات من أجل زواجي وبيتي؟

    يقول ريتش هورست: “لو انتظرت الآخر دائمًا ليبدأ بالمبادرة فسأكتشف أنه لم يفعل ما يكفيني، وسأبدأ دائمًا في اللوم، لأنه لم يجعل العلاقة بالشكل الذي أريده وأتوقعه” (ريتش هورست، فن التواصل، 2005، ص126).

    يجب أن تُبنَى العلاقات الصحيحة والعميقة على المبادرة، نعم إن العلاقة تُبنَى على تفاعل شخصَيْن، لكنها تموت عندما ينتظر كلُّ شخصٍ من الآخر أن يُبادر دون أن يتخذ خطوات إيجابية.

    • المشاركة بالتوقعات

    قديما قالوا: “تكلم فأفهمك”، إن الصمت وعدم الانفتاح وانتظار أن يفهم الآخر ما أريده وما أتوقعه وما يسرني، لن يقودنا لشيء سوى اللوم والألم والتباعد. نحتاج أن نشارك شريكَ حياتنا بتوقُّعاتنا ورغباتنا وما يبهجنا وما لا يسرُّنا. إن مشاركة الآخر بتوقعاتنا هو جزءٌ من المسؤولية عن العلاقة؛ فالمسؤولية تقتضي مشاركةَ الآخر بتوقُّعاتي ورغباتي وطموحي وأحلامي لعلاقتنا.

    بالتأكيد لا بد من فحص التوقُّعات هل هي واقعية أم لا؟ هل هي قائمة على المحبة أم الأنانية؟ هل تبني العلاقة أم لا؟ بالتأكيد التوقعات ليست مطالب ويجب ألا نُعبِّر عنها هكذا؛ فالمطالب أمرٌ يجب فعلُه، لكن التوقعات هي رغبات تنقل مشاعرنا الأمينة وأفكارنا تجاه علاقاتنا، فهي تساعد على الفهم والتواصل والحوار (ريتش هورست، ص 126).

    • احذر اللامبالاة

    من منا لا يسرع لصيانة سيارته عندما تظهر رسالةٌ تشير إلى وجود أمر يحتاج إلى صيانة، لكن للأسف يتغاضى الكثيرون عن رسائل عديدة تحذِّر من وجود مشكلةٍ في الأسرة. إن أخطر شيءٍ على تماسك الزواج هو اللامبالاة وعدم الانتباه للرسائل التي تُعلِن وجودَ خطأ يحتاج إلى صيانة (تشارلز ر. سويندول، ص 148)، فإن الانهيار لا يأتي فجأةً، ولكن حتمًا تسبقه علاماتٌ، لكن السؤال هو كيف نتجاوب مع تلك العلامات؟

    إن الاستجابة البطيئة وغير المتناسبة مع خطورة الإنذار، تُعتَبَر جريمة في حق الزواج وفي حق أنفسنا، لذلك لا بد من التجاوب السريع والتعامل الجاد مع علامات الخطر، ولا بد أن نتذكر أننا معًا في مواجهة المشكلة، فلسنا في مواجهة بعضنا البعض، بل نحن معًا أمام المشكلات.

    • فن الاعتذار

    تتعدَّد عواملُ قتل التواصل والحوار، ولكن يأتي على رأس القائمة غياب فن الاعتذار. الكثيرون يغيب عنهم أهمية الاعتذار، غير مدركين أن الاعتذار يحسِّن من التواصل؛ فالاعتذار هو علامة على التواضع، وهو يُظهِر إدراكنا لكوننا بشرًا معرَّضين للخطأ. فالتظاهر بالمثالية هو نوعٌ من الكبرياء، وهو أمر مدمِّر للحوار وللأسرة، ينصح جيم برونز الآباء قائلًا: “دع أبناءك يعرفون أنك إنسانٌ، إن شاهد الأبناء والدين مصطَنَعين يدَّعيان أنهما بلا مشكلات أو عيوب، فإن صدمة مشاهدة فشلهما في أمرٍ ما قد تكون مدمِّرةً” (جيم برونز، ص 152).

    يعلمنا المسيح في الموعظة على الجبل عن أهمية الاعتذار لاستعادة العلاقة فيقول لنا: “فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ” (مت 5: 23-24)، فالعبادة هي شركةُ علاقةٍ مع الله، وكيف تكون لنا شركةٌ مع الله الذي لا نراه ونحن غير مهتمين بشركتنا وعلاقتنا مع أخينا الإنسان الذي خُلِق على صورة الله.

    بالتأكيد فإن الاعتذار ليس مجرد كلمة لكنه اعترافٌ بالمسؤولية عن الخطأ وتعهُّد بعدم تكراره وطلبٌ للغفران واستعدادٌ للتعويض المناسب، إن روعة الاعتذار أنه يعمل على إزالة الحواجز وتعميق المحبة وبناء جسور التواصل والحوار ثانية.

    نحتاج أن نعلم أبناءنا أيضًا أن الاعتذار ضروريٌّ للحفاظ على العلاقات، ونحتاج أن نعلمهم تحمُّل مسؤولية تصرفاتهم، قد يكون أهم أسلوب لتعليم أبنائنا الاعتذار هو أن يشاهدونا ونحن نعتذر. (Gary Chapman and Jennifer Thomas, Thriving Family magazine, I said I’m Sorry, October/November 2011)

    • الحوار في الأوقات الشائكة

    الحياة لا تسير عادة بهدوء، لكن تثور العواصف من وقت لآخر، ونحتاج أن نتعلم كيفية الحوار معًا في الأوقات الشائكة.

    نحتاج أول شيءٍ للسيطرة على النفس والحفاظ على هدوئنا وإظهار الاحترام للآخر، مراعاة الحوار بطريقة حضارية وانتقاء كلماتنا بعناية، والابتعاد عن الكلام السلبي ومراعاة نبرة الصوت ولغة الجسد، المشاركة بمشاعري دون توجيه اللوم للآخر. نحتاج أن نستخدم كلمة “أنا شعرتُ”، بدلًا من “أنت تسببت في”. مراعاة الحديث عن المبادئ وليس عن الأشخاص؛ فيجب أن نناقش المبادئَ السليمةَ والمبادئَ الخاطئةَ وليسن مَن على صواب ومَن على خطأ. يجب مناقشة المشكلة وليس الدوافع والنيات، والتركيز على موضوع واحد وعدم التشعب إلى مواضيع كثيرة، تجنب لغة التعميم أو استدعاء أحداث ومواقف في الماضي.

    لنجعل اهتمامَنا الأول الحفاظ على العلاقة وكسب الشخص وليس كسب المناقشة، يجب أن نحافظ على الحوار بيننا ولا نسمح مطلقًا بدخول أطراف أخرى من الأسرة، إلا بعد المناقشة والاتفاق بهدف المشورة. بالتأكيد نحتاج أن نختار الوقت والمكان المناسب ويجب ألا يكون أمام الاطفال. فكل ذلك يخلق مناخًا آمنًا هادئًا يسمح بالمناقشة العقلانية ويعمل على تحجيم المشكلة وليس اتساعها ويقود للوصول إلى حلول مناسبة.

    ملاحظتان مهمتان: إذا حدث شجارٌ أمام الأطفال فيجب أن يروا الوالدين وهما يتصالحان، حتى لا يسبِّب ذلك لهم مشاكلَ نفسيةً فيما بعد. بعد انتهاء المشكلة يجب أن نمحو من ذاكرتنا موضوع الصراع ولا نهدِّد به شريكَ الحياة أو نستعيده ثانية (جوزيف صابر، زواج بلا مشاكل، 1991، ص97).

    مفاتيح لحوار أعمق

    يعشق ابني كرة القدم، وهو يعرف أسماء أكثر من مائتي لاعب من أشهر اللاعبين في أشهر الأندية العالمية، لكن بالتأكيد هناك أسماء تتربع على القمة وشهرتها تصل لكل مكان في العالم، إن ما يميز هؤلاء اللاعبين المميزين هو أنهم يعملون دائمًا على تطوير مهاراتهم. وإن أردنا أن نكون في صفوف الأربعمائة السعداء، فإننا نحتاج للعمل المستمر لتطوير مهارات التواصل والحوار لدينا، هناك خمسة مفاتيح أساسية للحوار والتواصل الفعال في الزواج (جيمي إيفانز، ص 211-218).

    • الاهتمام

    هل تحدثت من قبل مع شخص لم يكن ينظر في عينيك أو يبدي اهتمامًا بالحديث أو واضح عليه علامات التشتت؟ إنها بالتأكيد خبرة مُحبِطة، لكن عندما يصدر هذا السلوك من شريك الحياة فهو أمر مؤلم.

    إن ألف باء التواصل الجيد والحوار هو إظهار الاهتمام بالآخر وبالحديث، بل إن الاهتمام هو تعبير عن الحب. وتتعدد أساليب إظهار الاهتمام؛ فمنها التواصل بالعين ولغة الجسد وتعبيرات الوجه ونبرة الصوت والتلامس، وهي جميعا توصل رسالة عن الاهتمام تقود الآخر للانفتاح في الحديث والحوار.

    • الإصغاء

    يختلف الاستماع عن الإصغاء؛ فالإصغاء هو تكريس الذهن لفهم ما تلتقطه الأذن (جيمي إيفانز، ص 212). يتوقع منا شريك الحياة الإصغاء؛ فهو غالبًا يريد أن يوصل لنا ما هو أعمق من مجرد الكلمات التي يقولها، وإن لم نصغِ إليه فسيتعلم أن يوفر كلماته لشخص آخر يصغي إليه.

    نحتاج أن نتعلم البُعد عن المشتِّتات أثناء إصغائنا، فيجب إغلاق التليفزيون والابتعاد عن هواتفنا المحمولة، حتى نُشعِر الآخر بالحب والاهتمام. يمكننا أن نسأل بعض الأسئلة للفهم أو تكرار بعض العبارات للتأكيد على تكريس أذهاننا أو تلخيص ما فهمناه. في كل الأحوال فالأمر المهم أن نكون في قمة الحساسية لشريك حياتنا بشكل كافٍ لنوصل له رسالة أننا نصغي لما يريد أن يشارك به.

    الاستماع الفعَّال ليس أمرًا سهلًا على الكثيرين، ومع ذلك، فإن الاهتمام بتخصيص الانتباه وإبداء التعاطف والإنصات إلى شريك الحياة وإلى أبنائنا قد يكون أهم ما في التواصل الطويل المفعول والصحي.

    يتطلب الإصغاءُ رغبةً حقيقيةً في الإنصات واستعدادًا لتقبُّل مشاعر وعواطف الأبناء أو شريك الحياة، سواء كان على حقٍّ أو كان مخطئًا، والقدرة على احتمال عدم كونه على صواب دائمًا، بتوجُّه يخلو من الإدانة. (جيم برونز، ص 148).  

    • المديح

    يتفق كل علماء النفس على احتياج الإنسان للمديح والتشجيع؛ فهذا يعزز الثقة بالنفس ويُشعِره بالتقدير والحب. كلمات المديح ترينا كيف يرانا الآخرون من حولنا، ويقول علماء النفس إن جزءًا رئيسًا من الصورة الذاتية للإنسان يتكون من خلال كيف يرانا الآخرون، وخاصةً المقرَّبون منا من الأهل والأصدقاء.

    يقولون إن المديح يحفِّز البشر أكثر من كل الحوافز المادية. كلمات المديح كالثلج تذوب سريعًا أمام حرارة صراعات الحياة، لذلك نحتاج أن نُكثِر منه.

    نحتاج أن ندرب أنفسنا على رؤية الإيجابيات في شريك الحياة والتعبير عن امتنانِنا وتقديرنا له وامتداح نقاط القوة والتميز في شخصيته ومهاراته؛ فعندما نركز على نقاط الضعف في حياة الآخرين، فإن هذا يعمينا عن رؤية مواضع التميز في حياتهم وعندها تسود نبرة من الشكوى والتذمر تدمر حياتنا وعلاقتنا.

    علينا أن ندرب أنفسنا على الشكر والمديح لشريك الحياة، حتى لو لم نكن نشعر بالرغبة في فعل ذلك، وحتى لو كان الشيء الوحيد الصحيح الذي يفعله هو ربط الحذاء بطريقة صحيحة، فعلينا أن نركز على الشيء الإيجابي ونجعل شريك حياتنا يعرف أننا ندرك أنه أفضل من يربط الحذاء بصورة جيدة في العالم. (جيمي إيفانز، ص215).

    دعونا نتذكر أن الآن هو الوقت المناسب للتعبير عن مدحنا لأحبائنا؛ لأنهم لن يستطيعوا قراءة ما سيُكتَب عند موتهم.

    • فن المواجهة

    في الزواج سنواجه العديدَ من الأمور التي تتطلَّب منَّا الصراحة ومواجهة شريك الحياة بأمورٍ لا ترضينا، وبالتأكيد فإن هذا الأمر يتطلب حكمةً ومهارةً شديدتين حتى لا تسير الأمور للأسوأ، وغالبًا ما تكون المشكلة ليست في المواجهة وإنما في الطريقة التي تتم بها.

    يقول لنا الكتاب: “بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ” (أف 4: 15). إنه يدعونا أن نقول الصدق في محبة؛ فالصدق والمحبة هما جانبان لا غِنَى عنهما في أيِّ علاقةٍ، وعندما لا نتكلم بالصدق والصراحة مع الآخر ظنًّا منا أننا بذلك ندعم المحبة، فإننا في الحقيقة نهدم المحبة؛ فالمحبة الثابتة هي المحبة القائمة على الصدق. لكن أيضًا الحق وحده من دون محبة يمكن أن يكون مدمرًا، فتحت شعار الحق يمكن للبعض أن يتصرفوا بقساوة ودون لياقة.

    إن التزامنا بالصدق والمحبة يدعونا للحكمة ونحن نواجه شريك الحياة بأمور لا ترضينا أو ربما تجرحنا وتؤلمنا؛ فنختار الوقت المناسب ونختار كلماتنا بعناية، وربما نبدأ حديثنا بالتأكيد على محبَّتنا والمديح والثناء على النقاط الإيجابيَّة في شريك الحياة والأمور التي تُسعِدُنا، ثم نبدأ في مناقشة الأمر الذي لا يرضينا، لا يجب أن نناقش مجموعةً كبيرةً من الأمور، بل نختار أمرًا واحدًا لمناقشته.

    المناقشة التي تبدأ بهذا الأسلوب تجعل ما نرغب في قوله أكثر قبولًا وتجعل شريك الحياة أكثر تجاوبًا.

    • الانفتاح

    إن أجمل ما في التواصل بين الزوجين هو الأوقات الخاصة التي تتميز بأنها شخصيَّةٌ وعميقةٌ وتتسم بحميميةٍ في الحوار. فعندما نتيح مناخًا من الحب والصدق والاهتمام والإصغاء والمديح، فهذا يفتح الباب للتواصل والحوار، ويمهد الطريق للانفتاح على الآخر والمشاركة العميقة بأفكارنا ومشاعرنا وأحلامنا وتطلعاتنا ومخاوفنا واحتياجاتنا العميقة. هذا المستوى من الانفتاح هو ما يصنع الوحدة الحقيقة التي أراد الله أن نختبرها ونستمتع بها من خلال الزواج، لكن للأسف، يتقدم العُمْرُ بكثيرين دون أن يختبروا هذا المستوى من الانفتاح والوحدة وحميمية العلاقة بسبب غياب الحوار والتواصل الفعال.

    لنبدأ من جديد

    جميعنا نشتاق إلى علاقاتٍ مشبعةٍ وإلى زواجٍ سعيدٍ، لكن غالبا ما ننسى -أو نتناسى- أن الزواج السعيد ليس صدفةً، بل يحتاج للجهد والوقت والعناية والاهتمام. قد نظن أن العلاقة قد وصلت إلى طريق مسدود، وقد نحافظ على مظهر خارجي، لكنه في جوهره يسيطر عليه الصمت والتباعد والجمود، ويظل في داخلنا حسرة وأنين واشتياق لشيء أفضل. قد يحاول البعض أن يجد الشبع في علاقات خارج الزواج، لكننا سريعًا ما نكتشف أن أية علاقة جادة تحتاج إلى الوقت والمجهود والعمل حتى تستمر.

    ويظل السؤال لماذا لا نبدأ من جديد؟ ألا يستحق الأمرُ المحاولةَ والجهد والوقت والصبر والتحدِّي!

    إن الهروب من مواجهة المشاكل ليس الحلَّ، والانسحاب والتقوقع على أنفسنا ليس الحل، والتوقعات الرومانسية مع شخص آخر هي وهم وخدعة.

    لنتخذ قرارًا الآن أن نبدأ من جديد لتجديد علاقتنا ولبناء تواصل حقيقي وحوار بنَّاء لنصنع معًا الزواج السعيد.

    المراجع

    إيفانز، جيمي. زواج على الصخر. ترجمة وئام سليم. القاهرة: كنيسة قصر الدوبارة، 2010.

    برونز، جيم. الأسرة السعيدة. ترجمة جورج عزت. القاهرة: دار الثقافة، 2012.

    دوبسون، جيمس [د.]. زواج يدوم. ترجمة مجدي مكرم. القاهرة: مطبوعات إيجلز، 2014.

    ر. سويندول، تشارلز. الزواج من الاستمرار إلى الازدهار. ترجمة سعيد باز. بيروت: دار منهل الحياة، 2012.

    صابر، جوزيف. زواج بلا مشاكل. القاهرة: دار الثقافة، 1991.

    كروجر، كاريل. 222 فكرة مدهشة لكل زوجين. ترجمة إدوارد وديع عبد المسيح. القاهرة: دار الثقافة، 2000.

    هورست، ريتش. فن التواصل. ترجمة داليا وهيب. القاهرة: دار الثقافة،2014.

    (Gary Chapman, Gary. And Thomas, Jennifer. Thriving Family magazine. I said I am Sorry. Colorado Springs: Focus on the family, October/November 2011)

تحدِّي الحوار مع الأبناء في العصر الرقمي أو عصر الشاشات

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القس إرميا عبد المسيح

  • الحوار هو أسلوب مميز وضروري للحياة، كما أنه وسيلة للتعبير عن الحب وإنضاجه في الحياة العائلية. لكن يجب أن نعي أنه يحتاج إلى تدريب طويل وشاق؛ فكل إنسان لديه وسيلة ولغة مميَّزة للتواصل والتفاعل حول موضوع معين -سواء بشكل موضوعي أو ذاتي- للوصول لإثبات الرأي الشخصي أو التوافق بين جميع الأطراف. فإن كنا آباء وأمهات، أو أبناء وبنات، أو إخوة وأخوات مهما كانت أعمارنا وتنوعها، علينا أن نُدرك حقيقة الارتباط الأسري وعلاقته بتحقيق إنسانيتنا وارتقائها ونموها وتهذيبها على المستوى العلاقاتي والنفسي والروحي أيضًا. (سليمان نعيم، أسرتنا في ظلال المسيحية، 1971، 1.) ولا تستطيع أسرة أن تكون سبب غنى على جميع المستويات دون حوار.

    فالحوار هو ما يخلق الوحدة والحب داخل الأسرة، ومن ثمّ يؤثر ذلك على المجتمع إيجابيًّا كنتيجة طبيعية. فإن أسرة اليوم تتنوع ما بين رب الأسرة، والأم ربة المنزل أو العاملة أصحاب الخبرات العملية، والأبناء الذي ينتمون لعصر الذكاء الاصطناعي وجيل التقنيات الحديثة بكل ما يحمله من تطور سريع ومستمر. هذا التنوع يمكن أن يقودنا إلى نقاش وحوار ينمي التفكير النقدي وتعزيز الثقة وبناء الشخصية. إذًا كيف تكون الأسرة هي من تمتلك بادرةَ القيادة في نموذج حواري يتطلع لقبول الآخر واحترامه دون منع أو رفض؟ فنحن نعيش الآن في عصر تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثير الشاشات الواضح على أبنائنا. لذا سيظل السؤال هو كيف يُصبح الحوار الأسري حاجةً إنسانيةً مُلحةً ومرغوبةً تُشكل حياة أبنائنا وتؤثر بغنى في شخصياتهم؟

    وسنتحدث في هذا المقال حول ما هو العصر الرقمي الذي اقتحم حياتنا، وما هو تأثيره على الحوار بين الأبناء والوالدين؟ ولماذا يُمثل تحدِّيًا في علاقاتنا بأبنائنا وحوارنا معهم؟ كما سنتطرق إلى الاحتياجات الأساسية لدى أبنائنا الذين تكون التكنولوجيا أحيانًا هي البديل المزيف لهم، وكيف يكون التفهم لاحتياجاتهم عاملًا مهمًّا في الحوار معهم؟

    إن العصر الرقمي هو ما نراه حولنا من التطور الحادث في التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في التواصل، ووجود الكثير من الشاشات التي من خلالها يتم عبور القارات، كما لا نستطيع في كثير من الأحيان إبعاد أنظارنا عنها. فربما أبنائنا لم يشاهدوا تحديات الكتابة قديمًا باستخدام الآلة الكاتبة، أو الكاسيت لسماع موسيقى باستخدام شرائط الكاسيت، أو الفيديو لمشاهدة الأفلام. نعم، لقد حدث تطور سريع ومبهر في الحياة مما جعل هناك طفرة في التكنولوجيا والأجهزة الرقمية الذكية، ووجود شبكات إنترنت عالمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب فيديو للتسلية، وخدمات البث المباشر. كما أصبح التعليم حاليًا على المنصات التعليمية عن بُعد ولا حاجة لنا للجلوس بطريقة تقليدية في مجموعات، بل أصبح التلاقي من خلال الشاشات. وأيضًا العمل من المنزل في كثير من الشركات العالمية المرموقة يتم من خلال لقاءات حية عبر الاتصال المباشر من خلال ما تتيحه هذه التقنيات من وسائل وطرق عملية تتخلل جميع جوانب حياتنا. حتى العبادة تأثرت؛ فأصبح هناك بثٌّ مباشر للخدمات والعبادة الكنسية.

    كل ما نراه حولنا يتنفس تكنولوجيا، ويتعامل معها على أنها الواقع الأول والأهم والمُنقذ لكل شيء في هذه الحياة وللمستقبل القادم. لا ننكر التأثير المميَّز لهذا التطور من خلال سهولة الإنجاز والتواصل. لكنه أيضًا يخلق تحديات في تواصلنا وحوارنا مع أبنائنا، فالتكنولوجيا واستخدام الشاشات أثرت على أمخاخنا وتواصلنا مع بعضنا البعض (كاثي كوك، المراهقون والشاشات، 2022، 43) فنحن اليوم نتكلم دون أن نفتح فمنا وبدون أن نُحدث أي صوت، نتقابل من خلف هذه الشاشات دون المصافحة بالأيدي، وكثيرًا ما نضحك أو نحزن أو ننزعج دون ملامح أو صوت نكتفي فقط بإرسال صور تعبيرية “EMOTIONS” في رسائل نصية خلال محادثات من خلف شاشات في تواصل يُحاكي الواقع افتراضيًّا. (DOCAT تعليم الكنيسة الكاثوليكية الاجتماعي للشبيبة، لبنان، 2017 ، 25). وهذا يخلق سؤالًا بديهيًّا: هل وسائل التواصل عبر الشاشات التي أنشأتها التقنية الرقمية تمثل تحديًا في واقع أبنائنا اليوم أم لا؟ وكيف نعي تأثيرها على الحوار في علاقة الآباء والأمهات بالأبناء؟ وهذا ما سنتطرق إليه…

    تأثير التواصل من خلف الشاشات على الحوار بين الوالدين

    إن لهذا العصر طبيعةً تؤثر بشكل أو بآخر في علاقتنا بأبنائنا وفي حوارنا معهم، وسمات هذا الجيل:

    1. السرعة: نحيا في عصر يتحدَّى فينا طول الأناة والمثابرة، وذلك بسبب طبيعة عصرنا الذي يتميز بالسهولة والسرعة بعض الشيء؛ فقد تم التعود على الفوز السريع في ألعاب الفيديو، المعلومات بدون عناء البحث، استخدام التطبيقات لحجز التذاكر أو في الشراء دون عناء الذهاب إلى المتاجر… وغيرها من الأمور. أصبحت حياتنا مع التطور مليئةً بالشاشات، ومع كثرة استخدام التكنولوجيا، تأثر الوالدان والأبناء والعلاقة بينهما؛ فأصبحت هناك فجوة تأثرت بعدم الصبر على الحوار والتواصل الفعلي، مما يؤثر على التواصل العميق المهم لنضوج علاقتنا وأيضًا شخصياتنا، كما كتب ماكسويل قائلًا: “إننا نعيش في عالم نفد صبره” (ماكسويل، ثقافة التواصل، 2012، 118).
    2. استهلاكي: نعيش في عصرٍ استهلاكيٍّ سريع يهتم بالمادة، ويضع أولويةً للنتائج من منظور ربحيٍّ، ولا يعطي قيمةً للعلاقات. والحقيقة أن هذا التوجه في الحياة مع زيادة التطور التكنولوجي يخلق فجوات مدمرة داخل العلاقة بين الأسرة الواحدة، التي لا غنى للآباء والأمهات، وعن دورهم في حياة بعضهم البعض وحياة أبنائهم. كما أننا نحتاج أن نُدرك أن الخبرات والعلاقات الإنسانية العميقة لها دور مهم في تشكيل شخصياتنا واختياراتنا في المستقبل. بينما تحديات عصرنا الحالي المتميز بالتكنولوجيا ووسائل التواصل السريعة، التي نعتقد أنها جعلت الحياة أسهل في جوانب عديدة، ولكنها وضعت تحديات وأحمالًا أصعب في الحوار والتربية داخل الأسرة. والدعوة لنا ليست بمطالبات وثورة للرجوع إلى أزمنة سابقة؛ لأن التكنولوجيا ستمضي قدمًا وعلينا أن نسايرها، ونفكر في طُرق لتفهم أبنائنا والحوار معهم بشكل فعال ويناسب احتياجاتهم. وأمام تحدي عصر استهلاكي يربط السعادة بالمادة، يجب أن نؤكد على أهمية الوقت للعلاقات، وخصوصًا الأسرة، وأهمية خلق أرضية مشتركة من خلال الدخول إلى عالم أبنائنا ببساطة وحب وتفهم لكي يكون هناك حوار بناء.
    3. الجيل الرقمي: الأطفال الذين نشأوا في رحم الواقع الرقمي هم مغمورون في طوفان رقمي، حتى أنهم يعتادون أن هذا جزء من الحياة الطبيعية التي يعيشونها لأنهم ولِدوا فيها، وذلك عكس طبيعة الآباء الذين عاشوا قبل هذه الطفرات الحديثة (دون تابسكوت، جيل الإنترنت، 2006، 30). فمع التطرف في الاستخدام أصبحت الشاشات هي الرب والصديق الدائم الذي يتم تكريس الوقت والجهد له؛ فبدون أن نُدرك صارت التكنولوجيا إلهًا يعزز بداخل الأبناء الفردية الشخصية التي تؤثر على الحوار في الأسرة، وتملاهم بفكر أنهم مركز الحياة. هذه التكنولوجيا عزَّزت الفردية، فأصبح لكل فرد منبره الخاص الذي من خلاله يعبر عن ذاته، وكم هائل من الصور الفردية وفيديوهات التيك توك أو اللايف في منصات التواصل الاجتماعي، مما تعمق الفردية والاكتفاء الذاتي للاستمتاع. وأيضًا الاعتماد على الذات في اكتساب المعلومات والوصول إليها دون التأكد من مصدرها أو مدى حقيقتها. فتقول الأستاذة جين توينج بحسب اختبار الشخصية النرجسية الذي أجرته على مجموعة من الشباب في الفترة ما بين الثمانينات من القرن الماضي، وعام 2006: “أبناء هذا الجيل لديهم شعور بالنرجسية أشد بكثير مما كان عليه الطلاب منذ 25 عامًا.” (تابسكوت، 35)، وبالطبع هذا يؤثر على الحوار بين الوالدين والأبناء؛ وذلك لأن أحد ركائز الحوار هو الآخر. وبدون هذه النظرة الغيرية التي هدفها الآخر، وتفهُّمه، وخلق توافق مشترك سيصبح الحوار فوضويًّا ذاتيًّا هدفه إثبات صحة الرأي الشخصي -بنرجسيةٍ- مما يخلق حدةً وصراعًا.
    4. جيل متغير بشكل سريع: إن العالم التكنولوجي متغير بشكل سريع، مما يشكِّل تحدِّيًا في فهم احتياجاتهم؛ فهم يتأثرون بملامسة شاشة وبكم هائل من المؤثرات في هذا الفضاء الإلكتروني، مما يخلق توترًا في العلاقة والحوار معهم، والشعور بالتشتت الدائم من جانبهم نتيجة لتشتتهم بهذا الانفتاح وعدم فهمهم الحقيقي لأمور حولهم، ولكن بداخلهم شعور وهمي وغير واقعي بالفهم والاستيعاب والإدراك الكامل لكل ما يحدث. وهذا التضارب بين التغيُّب عن الواقع والإحساس بامتلاك الكون كنتيجة لعدم فهمهم لهويتهم وصقل إمكانياتهم، نتيجة لتعرضهم لكمٍّ عنيف من المؤثرات من خلال الفضاء الالكتروني الذي يشكل مؤثرًا متغيرًا دائمًا على أفكارهم وسلوكهم.
    5. جيل يحيا في ضغط المقارنات: ضغط دائم حول الإمكانيات، عوامل الجمال، الأناقة، والمواهب. كما تضع هذه المقارناتُ ضغوطًا على الآباء وكل من يتعاملون معهم، ونتيجة للتطور المستمر والدائم للتكنولوجيا، ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركات الحياتية اليومية للأماكن والهدايا والمشتريات، وأيضًا الأزياء، حتى الأكل والمطاعم. فإن كل هذا يجعل الأبناء في تحدي المقارنة الدائم مع غيرهم، ويتطلعون للحياة والسعادة بحسب الواقع الافتراضي ومحاكاته. وبمشاركة كل هذا مع والديهم يمثل أحد تحديات العلاقة والتفهم والحوار داخل الأسرة نتيجة وضع أثقال ومتطلبات دائمة ومتغيرة بهوية غير ثابتة ومتأرجحة.
    6. الشاشات والتكنولوجيا ربما تخلق بدائل مزيفة عن الاحتياجات الحقيقية: فهي تُغذي الانتماءات الزائفة سواء علاقات أو متابعة لصفحات متعددة، فإن الشاشات أصبحت تحتل جزءًا كبيرًا من حياتنا، وربما لا يمكن الاستغناء عنه، لذا نحتاج للاعتراف بتأثيرها الإيجابي والسلبي. وعندما سُئل أحد الخبراء في تأثير الميديا على الثقافة والحياة، قال: “سريعة ورخيصة ومؤثرة ولطيفة، وهذا هو الجزء الجيد في الأمر. أما الجزء السيئ فهو أنها سريعة ورخيصة ومؤثرة ولطيفة.” (كوك، 14). إن عصر اليوم يتطلب منا التعامل مع الواقع وليس الهروب منه. فالتكنولوجيا لها مميزات كما أن لها تحديات، وعلينا أن نتعامل مع هذا الأمر بحكمة وفهم لواقع حياة أبنائنا، والتطلع لربطهم بما هو حقيقي لخلق هوية وشبع لاحتياجاتهم الحقيقية.

    تفهُّم احتياجات أبنائنا الأساسية

    لا نستطيع أن نقيم حوارًا بنَّاءً مع أبنائنا دون أن نفهم طبيعة العصر، وما احتياجات أبنائنا الأساسية التي قد تسعى التكنولوجيا لتسديدها بشكل غير سوي، وكبديل مزيف، مما يُدمر بناء شخصية أبنائنا ويؤثر عليها بشكل سلبي. لقد قدمت كاثي كوك في كتابها “المراهقون والشاشات.. الاتصال في عالم التكنولوجيا” خمسة احتياجات أساسية عميقة لدى كل إنسان، وهذه الاحتياجات تمثل تحديات حقيقية يواجهها أبناؤنا وتتحدانا نحن أيضًا عندما نواجه عالم الشاشات والثقافة الرقمية، وقد تؤدي بنا إلى بديل مزيف لا ينجح في تسديد احتياجهم:

    1. الاحتياج للأمان:

    الأمان أول احتياج عميق لدينا، وهو يرتبط بسؤال مهم نطرحه دائمًا في يومنا: من أستطيع الوثوق به؟ فكل إنسان لديه هذا الاحتياج المُلح، أما التكنولوجيا وإتاحتها بشكل سريع ومثالي، جعلتهم يثقون بها دون رؤية نهاية الوصول إلى أين. لكن يجب أن نُدرك ونفهم أن التكنولوجيا ليست هي ما صممه الله لتسديد الاحتياج بالأمان سواء لنا كآباء أو لأبنائنا.

    1. تحدي الهُوية:

    وهو يرتبط بسؤال: من أنا؟ فطريقة تعريفنا لأنفسنا تؤثر على سلوكنا، فمن المهم أن تكون هويتنا حاضرةً وصادقةً وفيها نرى أنفسنا بدقة؛ لأن تجاهل نقاط ضعفنا أو إنكار نقاط قوتنا يُعبِّر عن عدم نضوج. وتحدي الهوية ينبع أمام الكم الهائل والمتنوع من المؤثرات والأفكار والأحداث التي تُصدر وتملأ كيان أبنائنا، وهذا ما يجعلهم أكثر عُرضة للارتباك بشأن هويتهم.

              وهذا يخلق تحديًا في الحوار بين الآباء والأبناء، فمع التعرض الهائل للمؤثرات الخارجية يخلق صعوبة معرفة الآباء للأبناء معرفة جيدة. فتغير الأفكار بشكل مستمرٍّ يخلق تغيرًا في الأصوات والتوجهات داخل عقل الأبناء مما يخلق تشويشًا واضطرابًا لدى الآباء في الحوار مع أبنائهم. ولكن الحل هو وجود عقل مُصاحب يتعامل باتضاع وتقدير وتفهُّم لما يمر به أبناؤنا في هذا العصر، وهذا يتطلب مثابرةً وإصغاءً بصبر وتقديرًا لمعانتهم في البحث عن هويتهم.

    1. تحدي الانتماء:

    والسؤال هنا حول: من يُريدني؟ يعتمد الائتمانُ على شعورنا بالأمان وإدراكنا بهويتنا. وفي عالم السوشيال ميديا يبحث أبناؤنا عن مساحات من الأمان لتسديد احتياج لديهم بالانتماء، فتصبح التكنولوجيا والوجود خلف الشاشات أولوية عن الأشخاص. فانتقاء الانتماء خلف الشاشات أسهل من تحدِّي الوجود في عائلاتنا وكنائسنا، والصراع مع أشخاص مختلفين عنهم سواء في الفكر أو الاهتمامات. وهنا يجب أن نتعامل مع الأمر بحكمة؛ فالحوار يجب أن يأخذ أشكالًا مختلفة مع أبنائنا، ربما خروج للأكل سويًّا، أو قضاء وقت للعب، أو إصغاء بتقدير وقبول غير مشروط لأولادنا. حيث تخلق هذه الأوقاتُ الانتماءَ والتواصلَ بين أفراد الأسرة بدون شاشات. فإذا انتمى أولادنا للعائلة، سيستطيعون مواجهة تحدِّي الانتماء الوهمي المُعرضون له في وسائل التواصل الاجتماعي.

    1. تحدِّي الغاية:

    وهو تحدٍّ مرتبط بسؤال: لماذا أعيش؟ إن أبناءنا في هذا العصر لديهم مواهب متعددة وأشكال مختلفة من الشغف، ولكنهم يُعانون أمام تلميع بعض النماذج في وسائل التواصل الاجتماعي، مما يخلق تشويشًا على غايتهم الخاصة. فمعرفة غايتهم الشخصية تمثل الآن تحديًا صعبًا، وعلينا أن نكون وسائل مساعدة لمساندتهم ومساعدتهم على اكتشاف غايتهم الخاصة أمام خيارات كثيرة ربما تعوقهم عن الحركة. كيف للآباء أن يكونوا الأمل والنور المساعد لاكتشاف الغاية أمام عالم كبير وهائل يقف في وجه أبنائهم الصغار؟

    1. الكفاءة:

    وهو سؤال مرتبط بماذا أُتقن؟ إن اكتشاف أبنائنا ما الذي يتقنونه، وما هي قدراتهم وإمكانياتهم يرتبط بأشخاص محل ثقة يتحدثون بحكمة، وبمنطقية، ويعطونهم الأمان، والرؤية الحقيقية لما يستطيعون القيام به. هناك علاقة بين الكفاءة وفهم الهوية (من أنا)، ويكتشف أبناؤنا ما يتقنونه عندما يكونون منتمين لآخرين (الانتماء)، وهذا يجعلهم على وعي بغايتهم المتفردة، فبدون الغاية لن يكون هناك حاجة أو دافع لإتقان أي شيء.

    إن لغة الحوار ستؤثر على أبنائنا بشأن فهمهم لهويتهم، وقبولهم لأنفسهم، واختياراتهم لغايتهم، ومشاركة أسبابهم وتحدياتهم أمام دوافعهم؛ فلا بديل عن الحوار والإصغاء لأحدنا الآخر. إننا نحتاج أن نُصاحب عقول أبنائنا ونتواصل مع كيانهم العميق من خلال تفاعلنا معهم لفهم كيف يستقبلون الأمور في عصر الثورة الرقمية. فالتكنولوجيا غيرت نمط التواصل، كما غيرت أيضًا أمخاخنا معها وطريقة استقبالنا للأمور. فأبناؤنا يحترمون العلاقة الصادقة ويتأثرون بها، وتخلق لديهم معتقدات للحياة والسلوك. ويجب أن نعمل دائمًا على تنمية علاقتنا بهم من خلال الشركة والحوار البنَّاء. فإن أبناءنا يريدون معرفة يسوع والانتماء له، وفهم غايتهم بالحياة، وأن يكونوا مؤثرين في الملكوت، ولا بديل عن الأسرة كقناة لتوصيل نعمة الله لهم.

    المراجع

    تابسكوت، دون. جيل الإنترنت: كيف يغير جيل الإنترنت عالمنا. القاهرة: هنداوي للنشر، 2012.

    سي، جون ماكسويل، ثقافة التواصل كثيرون يتحدثون قليلون يتواصلون. عمان: دار منهل، 2012.

    كوك، كاثي. المراهقون والشاشات الاتصال بأبنائنا في عالم التكنولوجيا. القاهرة: مطبوعات إيجلز، 2022.

    نعيم، سليمان . أسرتنا في ظلال المسيحية. القاهرة: جمعية أصدقاء الكتاب المقدس القبطية الأرثوذكسية بشبرا، 1981.

    DOCAT  تعليم الكنيسة الكاثوليكية الاجتماعي للشبيبة، لبنان، 201.

رجل الحوار ومختبر الجدل

اسم الكاتب: د. ماجد عزمى

  • منذ عدة سنوات قرأت كتاب “المسيح رجل الحوار والجدل”، للمفكر المسيحي جون ستوت، من إصدارات منشورات النفير بلبنان. وعبر صفحات الكتاب، يعرض جون ستوت مقابلات الرب يسوع مع كل الشخصيات الذين صادفهم، وكيف دار بين الرب يسوع وبينهم حوارٌ عرض كل طرف فيه رأيه. ومن خلال هذا العرض كان الرب يسوع يصل إلى هدفه بطرق مختلفة؛ فالحوار مع نيقوديموس ليس كالحوار مع السامرية، وبالطبع بعيدٌ كلَّ البعد عن الحوار مع الفريسيين، الذين كان كلامهم معه في صورة جدل عنيف تصدَّى له الرب يسوع محوِّلًا الجدل العقيم إلى حوار عميق وهكذا.

    عندما قرأت هذا الكتاب، اعتقدت أن هذا النمط من التواصل خاصٌّ بالرب يسوع فقط، وهو وسيلته لنشر الملكوت ودعوة البعيدين والرد على انتقاد المشككين، لكن بعد سنين طويلة ظهر جليًّا أن الحوار بات هو الاختيار الوحيد المتاح بين أفراد جنسنا البشري لعرض الأفكار ونقاش القضايا بصورة صحية وفعَّالة وسط عالم أنهكته الحروب العنيفة التي قتلت الملايين، ثم أسلمته ضحيةً للحروب الكلامية التي لم تزل تغتال ملايين آخرين معنويًّا وفعليًّا.

    لغويًّا: كلمة حوار تأتي من الجذر “حَوَرَ”، وهي تشير إلى الرجوع من الشيء وإلى الشيء، وهي إشارة الى التحادث والتجاوب القوليّ؛ فالمحاورة هي المجاوبة واستحاره تعني استنطقه (لسان العرب لابن منظور)؛ فالحوار يعطي فرصةً لتعديل الرأي والرجوع عن مواقف وقناعات، وهذا ما أشار إليه المعجم في “حور الكلام أي غيره” (المعجم الوسيط). وهذا يتضمَّن مراجعة الكلام والتجاوب فيه. وعليه فمن يتصدَّى للحوار يجب أن يكون مستعدًّا لتقبُّل الرأي الآخر، فلا مكان للحوار حيث يتمسك كل طرف برأيه ولا يحيد عنه.

    والخلاصة أن الحوار هو المراجعة في الكلام، أو الأخذ والرد بين شخصين أو طرفين، لكلٍّ منهما مفاهيمه، أو أفكاره، أو آراؤه أو مقترحاته، وتجاذب أطراف الحديث بين شخصين أو أكثر بهدف الوصول إلى مساحة مُشتَرَكة ومفاهيم متقاربة وتشخيص موحَّد، إن أمكن، ويتم في الحوار تبادل الكلام بينهما بطريقة متكافئة، فلا يستأثر أحدهما بالحديث دون الآخر.

    ويختلف الحوار عن الجدل في أن كلًّا من الطرفين يعرض فكره على الآخر، ويراجعه في قوله، غير أن الحوار يهدف الى إظهار الحق، أما الجدال فيميل إلى إثبات صحة قول كل طرف، ويظهر فيه التمسك بالرأي والابتعاد تمامًا عن تغيير المواقف.

    ضع كل ما سبق في مقارنةٍ مع ما هو سائد في مجتمعنا، وبيوتنا، وكنائسنا، تجد أننا أبعد ما نكون عن هذا النمط الصحي من التواصل الفعَّال الذي يعنى بتوثيق الروابط بين البشر ونقل الآراء والخبرات بطريقة واضحة تثري الحياة وتصحح المفاهيم.

    ما يسود ساحات التواصل حاليًا هو الجدل بتنويعاته، هذا النمط الذي ينطلق من اعتزاز الانسان بآرائه، واعتقاده بأن رأيه الشخصي هو الحقيقة المطلقة. وصارت غابات مواقع التواصل الاجتماعي مرتعًا لكل الوحوش الراغبة في فرض السيطرة على الآخرين بالإصرار على الآراء الشخصية وهدم كل رأي آخر عن طريق الإهانة والتسفيه واستخدام كل أنواع المغالطات في الحديث. ما وفرته ساحات التواصل الاجتماعي لهؤلاء الوحوش التي تتغذى على علامات الإعجاب والتعليقات، مكَّنَ أفكارًا مغلوطةً من الوصول إلى كل مكان، وحرم العالم من إمكانية مناقشة صحة هذه الأفكار أو مناسبتها؛ فهذه الساحات تميل إلى الجدال المنغلق وتبتعد عن الحوار بمفهوم مراجعة النفس وعرض الآراء بهدوء.

    في وسط هذه الغابات، حجزت الكنيسةُ وجماعةُ المؤمنين مكانًا لها، تمارس فيه نفس النمط من الجدالات المنغلقة التي أسماها بولس الرسول “المباحثات الغبية”. وسط هذه الغابات يسير المؤمن البسيط متجولًا ليرى عن يمينه جدالًا عقائديًّا في تفسيرات لم يتَّفِق عليها الشراح منذ مئات السنين، وعن يساره صراعًا لاهوتيًّا في قضايا تنازع حولها عبر الأجيال أيضًا لاهوتيون قضوا حياتهم في تفنيدها، وفي كل خطوةٍ رأي مفروض وفي مقابله رأي مرفوض.

    بعدها يخرج هذا المؤمنُ البسيطُ من بين هذا السجال محاولًا أن يتلمس طريقه بنفسه، محققًا القول القديم إنه فيما ينشغل اللاهوتيون بقضايا العقيدة يتسلل البسطاء إلى ملكوت السماوات.

    صارت مخاصمةُ طرق الحوار الهادئة أزمةَ المجتمع الكنسي، مثلما هي أزمة العالم كله في وقتنا الحالي. وبدلًا من أن تعطي الكنيسة للعالم نموذجًا في التواصل الهادئ الناجح عبر قِيَم ومبادئ الكلمة المقدسة، صرنا نجلب مبادئ العالم في الجدال العقيم الذي يسعى لكسر الطرف الآخر على حساب نمو طرفي الحوار.

    دعونا في السطور القادمة نتذكر بعض المبادئ التي يمكنها أن تنقل مجتمعنا الكنسي من مجتمعٍ مبنيٍّ على الجدال العقيم، إلى نموذج لحوار يبني الأطراف ويخدم الملكوت.

    أولا الحوار يُبنَى على قبول الآخر، وقبول الآخر يأتي مع قبول النفس والتصالح مع الذات. هذا الأمر إذا غاب نلجأ للجدال والصراع في محاولة لتغطية إحساسنا بعدم الكفاية أو بالنقص، تعرض الرسول بولس لموقفٍ مشابهٍ عندما هاجمه خصومه مستغلين كونه لم يعاصر الرب يسوع، بالإضافة إلى أن يديه ملطخةٌ بجرائم ضد الكنيسة. لكن الرسول بولس بهدوء حاور الخصوم وأقر بنقائصه، ثم شرح مكمنَ قوته، وهو قبوله لنفسه بحلوها ومرها من خلال النعمة حين قال في كورنثوس الأولى 15: 10: “وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا”.

    هذا التقبُّل الهادئ للذات هو منصة لإطلاق الحوار الناجح، حوار لا يخشى الانفتاح على الآخر ولا التعرض لآراء مختلفة، حوار لا يرى في المعتقد هويةً وكينونةً بقدر ما يراه مكونًا من مكونات الشخصية التي تستمد قيمتها من نظرة الله وليس من التفوق في الصراع مع الآخرين. فنحن عندما ينتابنا الإحساس بالنقص، نختبئ في حصون نطلق عليها حصون الدفاع عن الحق –كما نفهمه– ونطلق منه قذائف الكبرياء التي نرجو منها أن تحطم الآخرين حتى لا يلتفتوا إلى ضعفنا، غير عابئين بأن من ضحايا القصف الأناني لجدالنا هو الحق نفسه الذي نعرضه مشوَّهًا أو منقوصًا أو مبتورًا رغبةً منا في استغلاله لتلميع ذواتنا. الحوار الناجح يحتاج لأشخاص يتقبلون ذواتهم ويسعون نحو الآخر بشغف البحث والفهم، لا بخطوات الخوف والتعالي.

    الأمر الثاني اللازم لبناء حوار جيد هو الإصغاء. جوليان تريجر Julian Treasure  وهو مدرب له محاضرتان على منصة اليوتيوب: محاضرة يتحدث فيها عن “كيف تتكلم فينصت إليك الجميع”، أما المحاضرة الثانية فهي بعنوان “خمس طرق لتصغي بفاعلية”. إذا ذهبت للمحاضرتين ستجد أن محاضرة “كيف تتحدث” شاهدها ما يقرب من 39 مليون مشاهد في 9 سنوات، في حين أن محاضرة الإصغاء شاهدها 4,3 مليون مشاهد في 12 سنة؛ أي أن محاضرة كيف تتكلم قد تصل إلى 45 مليون في نفس عدد سنوات محاضرة الإصغاء. هذا يخبرنا أن البشر يرغبون في التكلم بنسبة عشرة أمثال الرغبة في الإصغاء. الإصغاء مرهق لأنه يزيح الذات إلى الخلف ويعطي الآخر المكانة الأولى، يقول الرسول يعقوب في رسالته الإصحاح الأول وعدد 19: “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ”. الإصغاء ليس فقط فرصة عظيمة لاكتشاف الآخر، ولكنه فرصة أعظم لفهم الذات. من خلال الإصغاء نحن نتحاور بالآذان، نتكلم من خلال الصمت، نفهم قصصنا من خلال قصص الآخرين. وفوق كل ذلك نمنح الآخر فرصةً ووقتًا للحديث، وهذه رسالة منا أننا نمنحه جزءًا من حياتنا وهو جدير به، الأمر الذي يصنع جسورًا من الود تعبر فوق أنهار الاختلافات المتعددة. أخيرًا، الإصغاء يشرح لنا أسباب الآخر لنتفهمها بعيدًا عن المحتوى. فما يقوله بولس عن بطرس يخبرنا عن بولس أكثر مما يخبرنا عن بطرس. الإصغاء كنزٌ غارقٌ في محيط شهوة الكلام، علينا إخراجه واغتنامه لنحصد حوارات أكثر ثمرًا.

    أخيرا الحوار يحتاج لضبط المصطلحات؛ إذ لم تعد كلماتنا -وهي وقود كل حواراتنا- لها نفس الدلالة، فالكلمة الواحدة لها أكثر من معنى لدى الأجيال المختلفة. لا مجال هنا لسرد اختلاف المصطلحات بين الأجيال المختلفة، لكن هناك مجالًا لنقول إن اختلاف معاني الكلمات والمصطلحات يمكنه قتل أي حوار أو توجيهه إلى جهة لم يتمناها أصحاب الحوار. لذا فمن الأهمية بمكان أن نراجع معاني الكلمات، بل ونراجع صداها لدى الآخرين لنتثبَّت من وصول المعنى المقصود؛ فلم تعد المجتمعات تتحمل إساءة الفهم أو قادرة على تحمل تكلفة حوار ضلَّ طريقه بسبب استخدام كلمات غير مُتَّفق على دلالتها. إن ضبط المصطلحات أشبه بتحديد العملة المُستَخدَمة في المقايضة وتقديم وبيع وشراء الأفكار والآراء، لذا يتحتم الاتفاق على هذا الأمر منذ البداية لتسهيل الوصول إلى المحطة الأخيرة بسلام.

    الحوار يحتاج إلى أشخاص يقبلون أنفسهم، يتفهمون ذواتهم وذوات الآخرين، ويدركون أن لكل إنسان سببًا أوصله إلى القناعات التي يتحاور منها. فلا مجال للسخرية، أو الهجوم، أو التعجب من أفكاره، بل المجال مفتوح للإصغاء إليها بانفتاحٍ وصبرٍ. مع وضع الهدف من الحوار نصب أعيننا، وهو أن يعرض الطرفان آراءهما، لتكون الآراء وسيلتهم في سبر غور الغموض الذي يحيط بالحياة، ومعطيًا لجميع الأطراف بركة الارتقاء على سُلَّم الاستنارة لنكون جميعًا أقرب إلى الحقيقة. وحتى إذا لم تتغير القناعات في نهاية الحوار –وهذا أمر وارد ومقبول وصحي– ستجد نفسك أمام ارتباط أقوى بقناعاتك، ارتباط واعٍ، يعزز الهوية ويعمق الإيمان؛ لأنك اختبرته في ساحة الحوار واجتاز معايير النجاح في قلبك وعقلك.

    نحتاج لممارسة الحوار في بيوتنا وكنائسنا ومجتمعاتنا، نحتاجه بدلًا من المباحثات الغبية، والتشهير والجدالات العقيمة والصراعات العميقة.

    لدينا الكثير من المقابر عبر العالم نتجت عن صراعات كان يمكن تجنبها بالحوار.

    ولدينا كثير من القضايا في المحاكم لخلافات كان يمكن تفاديها بواسطة الحوار.

    ولدينا قلوب كسرتها كلمات الإهانة والتحقير وسوء الفهم، كان يمكنها أن تنعم بحياة آمنة إذا اختبرت الحوار.

    ولدينا رسالة نستطيع أن نصل بها للجميع إذا غلفناها بالحب وأطلقناها على أجنحة الحوار.

الشائعات.. هل من آليات للمواجهة؟

اسم الكاتب : د. سامية قدري

  • الشائعات هي أقوال وأحاديث وروايات يتداولها الناس دون التأكد من صحتها أو التحقق منها؛ فهي أخبار قد تكون لا أساس لها من الصحة، أو بها من المُبالغة أو التهويل أو التشويه عند سرد الخبر عن طريق إضافة معلومة كاذبة أو مُشوهة لخبر مُعظمه صحيح، وذلك بهدف التأثير النفسي على الأفراد لتحقيق أهداف سياسية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو اجتماعية. وتأتي الشائعات في صورة أخبار أو أحداث، أو نكات ونوادر تنتشر شفاهةً أو عبر وسيط اتصالي.

    وقد شهدت العقود الماضية دورًا مُتصاعدًا ومُهمًّا لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات، نتيجة لتوسع المجال العام وإعادة تشكيل أدوار الأفراد في المجتمع، من خلال مُمارسة الجمهور لحقهم في التجمع والاتصال، والاشتراك في مُناقشة قضاياهم العامة عبر هذه الوسائل. كما تنوعت الشائعات من حيث القضايا والموضوعات التي تتناولها -سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. فتداول شائعةٍ ما -على سبيل المثال- عبر الرسائل الإلكترونية أو الهاتف المحمول؛ يُمكن أن يُحدث انهيارًا -أو على الأقل تراجعًا كبيرًا- في أداء البورصة، وإثارة القلق من ارتفاع أسعار أو اختفاء السلع، وخطف الأطفال والنساء، ونشر شائعة حول ظهور مرض مُعين… إلخ. والجدير بالذكر أن جُل هذه الشائعات قد تكون مادةً للثرثرة، وهو الأثر الأقل ضررًا، وصولًا إلى انهيار الثقة بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين الحكومات، وهو الهدف الأول الذي يسعى إليه مُروجو الشائعات.

    وتُصنَّف الشائعات وفقًا للعديد من التصنيفات: فهي تُصنف وفقًا لمجالها (سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ديني)، فالشائعات السياسية تستهدف كلَّ ما له علاقةٌ بالنظام السياسي من شخصيات ومؤسسات وقضايا وأحداث سياسية، وهي أداة للحرب النفسية وقت الأزمات والحروب. والشائعات الاجتماعية، مثل الشائعات المُرتبطة بالصراع بين الجماعات، تستهدف ضرب التماسك الاجتماعي، والشائعات الاقتصادية هي تلك المُرتبطة بأسعار الأسهم والمُعاملات المالية وأخبار الاتفاقيات التجارية، أما الشائعات الدينية فهي تلك التي تنال الرموز والشرائع الدينية.

    وتُصنف الشائعات أيضًا وفقًا للجهة أو المصدر الذي أطلقها؛ فقد يكون مصدرًا معروفًا وواضحًا، وتُسمى “الشائعات البيضاء”، أو تبدو وكأنها صادرة من مصدر يُخالف المصدر الفعلي الذي انطلقت منه ويُطلق عليها “الشائعة السوداء”، أو هي شائعات مجهولة المصدر ويصُعب تحديد الجهة التي أطلقتها، ويُطلق عليها “الرمادية”، وتُعد الشائعات التي تُطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثالًا على هذا النوع من الشائعات.

    وأخيرًا تُصنف الشائعات وفقًا للهدف منها والآثار المترتبة عليها: فهُناك شائعات “التمني والأمل”، وهي شائعات يتمنى الناس أن تكون حقيقية؛ ولذلك فهي تنتشر في الأوساط التي تتمنى تحقيقها، “وشائعات البُعبُع”، وهي الشائعات التي تُبنَى على مخاوف وقلق جمهورها، “شائعات مُتعمَّدة” وهي شائعات مقصودة تنطلق لتحقيق أهداف واضحة ومُحددة، “وشائعات دق الإسفين”، وهي شائعات تهدف إلى إحداث الفرقة والانقسام بين المُختلفين، ويشيع استخدام الدين فيها لإثارة الفتن والانقسام، “وشائعات عفوية” وهي شائعات تظهر في الأزمات ومواقف مُعينة دون تعمُّد أو تخطيط، “وشائعات استباقية” وهي الشائعات التي تسبق الأحداث المُرتقبة أو المُتوقَّع حدوثها، و”شائعات تآمرية” وهي تلك التي تقوم على مفهوم المؤامرة؛ حيث تخطط جماعةٌ ما بشكل سِرِّي لشيءٍ مكروه، وغالبًا ما يرتبط هذا النوع من الشائعات بحركات سياسية أو دينية أو أيديولوجية.

    عادةً ما تنتشر الشائعات بكافة أشكالها في أوقات الحروب وتوقُّع الخطر والتغيُّرات الكبرى التي تشهدها البلاد، وكذلك في أزمنة السلم والإنجازات. ففي أوقات الخطر يسعى مُروجو الشائعات إلى خلق مُناخ من عدم الاستقرار وتهديد الأمن القومي والاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، وترويع الناس ونشر الفتن بينهم، خاصةً في ظل حالة الغموض التي تُحيط بموضوع الشائعة، أو لكونه موضوعًا مُهمًّا وكبيرًا ويشغل حيزًا كبيرًا من اهتمامهم ويتطلعون إلى معرفة أخباره. ولعل ما حدث في مصر منذُ أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١، وما تلاها من أحداث، مثال واضح على ما أحدثته الشائعات في نفوس المصريين من إحباط وتثبيط للعزم وزيادة حالة اللايقين، خاصةً وأن الشائعات قد طالت رموز الدولة وقدرة مؤسساتها على الوفاء بأمنهم الغذائي، والصحي، والتعليمي… وغيرها من الموضوعات التي تزعجهم وتفقدهم الثقة في دولتهم.

    وحتى عندما بدأت الدولة في الإنجازات والسعي لطمأنة المواطنين ودعوتهم للوقوف بجانب دولتهم، وإتاحة مجال عام للتفاعل والتواصل بينها وبين مواطنيها من ناحية، وبين المواطنين بعضهم البعض من ناحية أخرى من أجل بناء حالة من الإجماع الوطني حول قضايا مرتبطة بالولاء، والمشاركة، والتوافق السياسي، والحوار المجتمعي… وغيرها من القضايا، تأتي الشائعات لتزيد من الخوف والإحباط، خاصةً في وجود أزمة اقتصادية تطول البلاد، فيسرع مروجو الشائعات إلى نشر الشائعات التي تدور حول الخوف من المستقبل، وحول أداء الدولة ومؤسساتها في تجاوز هذه الأزمة مما زاد من إحباط الناس وخوفهم من المستقبل.

    إن ما يزيد من سرعة وانتشار الشائعات هي وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فيها المعلومات غير مقتصرة على شخص مُعين أو جهة مُعينة، أو وفقًا لمعايير واضحة ومُحددة، بل أصبح بإمكان أي شخص أن يمتلك الوسيلة المناسبة وبعض المهارات التقنية وأن يكون بنفسه مُنتجًا وناشرًا للمعلومة، ناهيك عن استخدام هذا السلاح من قِبَل الجماعات المناوئة للدولة ونظامها. لهذا اعتُبرت الشائعات إحدى حروب الجيل الرابع، الحروب التي تسعى للنيل من ثقة المواطنين في دولتهم وزعزعة أركانها. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة المجال العام البديل الذي يلتقي فيه المواطنون، خاصةً الشباب، للتفاعل والنقاش العام الذي من المُفترض أن يكون نقاشًا إيجابيًّا وبنَّاءً يهدف إلى تشكيل رأي عام ووعي مُغاير من أجل إحداث التماسك والتوافق، والمشاركة الاجتماعية الإيجابية، والفهم الصحيح لكل ما يحدث في الداخل والخارج وتداعياته وبث روح الطمأنينة والأمل والدعوة إلى العمل والإنجاز والوقوف بجانب الدولة حتى تجتاز أي أزمة.

    وانطلاقًا من إدراك الدولة المصرية لخطورة الدور الذي تقوم بِه الشائعات في زرع الإحباط لدى المواطنين وتثبيط عزمهم وهدم ثقتهم في دولتهم وفي قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، سعت إلى محاولة تشكيل رأي عامٍّ واعٍ، وأكثر تفاؤلًا من خلال الرد على مُختَلَف الشائعات عبر مختلف الآليات وبعد رصد الشائعات عبر المرصد الإعلامي لمجلس الوزراء، وإبراز أنشطة وإنجازات الحكومة في إطار من الشفافية، والواقعية.

    وفي الواقع أن الدور الذي تقوم بِهِ الدولة وحدها غير كاف، فثمة مسؤولية كبيرة مُلقاة على أطراف أخرى وأهمها الطبقة الوسطى المُتعلمة القادرة على تقديم خطاب نقدي فعال وعقلاني يُمكِّنها من أن تلعب دورًا في هذا الصدد، وأن يكون أبناؤها من الشباب قادةً للرأي عبر المواقع ومُحرِّكين لفئات مُعيَّنة بغية الوصول إلى نقاش تفاعلي ديموقراطي؛ بحيث لا تسمح للشائعات أن تجد مكانًا تنمو فيه. إن هذا النقاش التفاعلي والحوار البناء لا يتأتَّى دون عملية تنشئة اجتماعية ثقافية تقوم بها مؤسسات مدنية (تعليمية، وثقافية، ودينية) لبث الوعي من خلال حوار بنَّاء، فجهود الدولة الأمنية والقانونية، وإن كانت مهمّة، ولكنها وحدها لا يكفي لإحداث التغيير المنشود فيما يتعلق بترسيخ الولاء والانتماء والنقد البناء والتفكير العقلاني… وغيرها من المهارات التي يُمكن أن تنبه لخطورة الشائعات على الأمن القومي والنفسي للشعوب والدول.

الحركة المسكونية التاريخ- التحديات- الفرص

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : القس رفعت فتحي 

  •   المسكونية تعني أن تتعاون وتتكامل جميع الكنائس معًا، من أجل العمل على الوحدة، وامتداد واتساع ملكوت الله. وهذا التوجه يختلف تمامًا عن التوجه التنافسي، الذي يجعل كل كنيسة تسعى لإثبات ذاتها، دون اهتمام بالآخرين، الأمر الذي خلق صراعًا كبيرًا بين الكنائس، وبثَّ الكثير من روح الكراهية والعداء، التي نستطيع أن نراها بوضوح، خلال حقب التاريخ الكنسي.

     

    تاريخ الحركة المسكونية في العالم:

        بدأت الحركة المسكونية في العالم في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكانت الحركة مدفوعةً في البداية بالقلق إزاء عدم وحدة المسيحيين، خاصةً مع تعامل المبشرين مع ثقافات متنوعة. وقد لعبت منظمات مثل اتحاد الطلبة المسيحيين العالمي WSCF، الذي تأسس سنة (1895)، والمجلس المرسلي الدولي IMC (1921) أدوارًا رئيسةً في دعم الحركة المسكونية. ويُعتَبَر مؤتمر أدنبره التبشيري (1910) حدثًا أساسيًّا للحركة المسكونية الحديثة؛ حيث جمع ممثِّلين من مختلف الطوائف البروتستانتية لمناقشة التعاون في المهمات العالمية.

      وبعد ذلك، تأسس مجلس الكنائس العالمي WCC سنة (1948)، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية -وكردّ فعل لها، الأمر الذي شكّل معلمًا بارزًا، حيث جمع مجلس الكنائس العالمي كنائس من تقاليد مختلفة (أساسًا بروتستانتية وأرثوذكسية) للعمل نحو الوحدة والعدالة والسلام.

        وتتمثّل مشاركة الكنيسة الكاثوليكية في الحركة المسكونية من خلال المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، حيث شاركت بأكثر فعالية في هذه الحركة. وقد شجع المجمعُ الحوارَ والتعاون بين الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من المجتمعات المسيحية.

       تشمل الحركة المسكونية الحديثة الحوار والتعاون حول القضايا اللاهوتية، العدالة الاجتماعية، القضايا البيئية، وصناعة السلام. وتتميز بمناقشات على مستوى عالٍ بين قادة الكنائس ومبادرات فعّالة بين كافة الكنائس المسيحية.

       وتعكس الحركة المسكونية بصفة عامة الرغبة في الوحدة وسط التنوع التقليدي المسيحي، مع الاعتراف بالاختلافات والبحث عن أرضية مشتركة. إنها رحلة مستمرة، تتكيّف مع التحديات والفرص الجديدة في عالم يتغير بسرعة كبيرة. وقد ظهرت بعد ذلك العديد من المؤسسات المسكونية العالمية والمحلية. فبالإضافة إلى مجلس الكنائس العالمي WCC سنة 1948، ظهر مجلس كنائس كل أفريقيا AACC سنة 1963، وشركة الكنائس المُصلحة في العالم WCRC سنة 2010، ومجلس كنائس الشرق الأوسط MECC سنة 1974، ومجلس كنائس مصر ECC سنة 2013. ويُعتبر سنودس النيل الإنجيلي من أولى الكنائس التي شاركت في كل هذه المؤسسات المسكونية.

      

    مجلس الكنائس العالمي:

       لعبت الآثار المدمرة للحروب العالمية والرغبة في السلام والوحدة بين المسيحيين دورًا حاسمًا في السعي لإنشاء هيئة مسكونية أكثر رسمية. وتم التخطيط لتأسيس المجلس في عامي 1937 و1938، حيث وافقت حركتَي الحياة والعمل والإيمان والنظام على إنشاء منظمة مسكونية رسمية. ومع ذلك، تسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية في تأخير هذه الخطط. وقد عُقدت الجمعية الأولى لمجلس الكنائس العالمي في أمستردام في أغسطس 1948. ويُعتبر هذا الحدث بمثابة الميلاد الرسمي للمجلس، وجمعت الجمعية العمومية الأولى 147 كنيسة من تقاليد مسيحية مختلفة. كان تأسيس المجلس في سياق ما بعد الحرب، بهدف تعزيز الوحدة بين الكنائس والعمل نحو السلام والعدالة في العالم. وقد سعى المجلس ليكون صوتًا جماعيًّا لكنائسه الأعضاء وإلى المشاركة في الحوار والعمل التعاوني. وعلى مر السنين، نما مجلس الكنائس العالمي وتطور وشارك في حوارات مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وتناول قضايا اجتماعية وسياسية، وعمل على دعم العلاقات بين الأديان. وتمتد أهداف المجلس إلى ما وراء المناقشات اللاهوتية لتشمل قضايا مثل حقوق الإنسان، الاستدامة البيئية، وبناء السلام.

      ويضم مجلس الكنائس العالمي مجموعةً واسعةً من الكنائس والطوائف من مُختَلَف التقاليد المسيحية تشمل عضوية 350 كنيسة. وتشمل الفئات الرئيسية لهذه الكنائس الأعضاء: الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (مثل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية واليونانية والرومانية) والكنائس الأرثوذكسية الشرقية (مثل الكنيسة القبطية والأرمينية والإثيوبية والسريانية)، الكنائس الأنجليكانية واللوثرية، والكنائس المصلحة، والكنائس الميثودية، والكنائس المعمدانية، الكنائس المتحدة والموحدة (الكنائس التي اتحدت أو في طور الاتحاد من خلفيات بروتستانتية مختلفة)، الكنائس الخمسينية والكنائس الحرة (على الرغم من أن تمثيلها أقل من الطوائف التقليدية الأخرى). ولا يشمل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية كعضو كامل، لكن الكنيسة الكاثوليكية تتعاون مع المجلس من خلال مجموعات العمل المشتركة وتشارك في العديد من برامجه ولجانه. وتمثل عضوية المجلس جزءًا كبيرًا من المسيحية العالمية، متضمِّنًا مجموعة واسعة من المعتقدات والممارسات المسيحية.

      

    يقوم مجلس الكنائس العالمي (WCC) بمجموعة متنوعة من الأنشطة المهمة التي تعكس التزامه بتعزيز الوحدة المسيحية والعدالة والسلام. وتشمل أهم هذه الأنشطة:

    1. يشجع المجلس الحوار بين التقاليد المسيحية المختلفة لتعزيز الفهم والتعاون والوحدة. تتناول هذه الحوارات غالبًا الاختلافات اللاهوتية وتسعى لإيجاد أرضية مشتركة.
    2. يشارك المجلس بنشاط في الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والسلام. ويتخذ مواقف عامة حول مختلف القضايا التي تؤثر على الإنسانية، بما في ذلك حل النزاعات والفقر والاستدامة البيئية.
    3. وعلى الرغم من تركيزه الأساسي على الوحدة المسيحية، يشارك المجلس أيضًا في الحوار مع مجتمعات الأديان الأخرى لتعزيز التفاهم المتبادل والسلام بين الأديان.
    4. يشارك المجلس في مشاريع المساعدات الإنسانية والتنمية، غالبًا بالتعاون مع منظمات أخرى، للاستجابة للأزمات ودعم التنمية المستدامة.
    5. يعمل المجلس على دعم الجماعات المهمشة والمضطهدة والدفاع عنها، بما في ذلك الأقليات العرقية والإثنية واللاجئين والشعوب الأصلية.
    6. يشارك المجلس في مختلف المبادرات الرامية إلى بناء السلام وحل النزاعات حول العالم.
    7. اعترافًا بأهمية الاستدامة البيئية، يعزز المجلس العدالة البيئية والأعمال الرامية لمكافحة تغير المناخ.
    8. ينتج المجلسُ مجموعةً واسعةً من المنشورات، بما في ذلك النصوص اللاهوتية والمواد التعليمية والموارد حول القضايا الاجتماعية والأخلاقية، لدعم عمل كنائسه الأعضاء والمجتمع الأوسع.

           ويحرص مجلس الكنائس العالمي (WCC) على أن تكون قراراته بالإجماع، وهذا يعتمد على إجراءات دقيقة تنص عليها اللوائح والقوانين الداخلية للمنظمة. القرار بالإجماع يتطلب موافقة جميع الأعضاء المشاركين في الاجتماع أو الجمعية العامة. ويتم ذلك من خلال:

    • قبل أي اجتماع أو جلسة يتعيّن على الأعضاء الاطلاع على القضية المطروحة والمعلومات ذات الصلة. ويتم تحضير مسودات القرارات وتوزيعها على الأعضاء قبل الاجتماع.
    • تُفتتح المناقشة حول القضية المطروحة في الاجتماع، ويمكن للأعضاء طرح أفكارهم وملاحظاتهم ومشاركة آرائهم حول المسألة.
    • يتعيَّن على المدير أو الرئيس أو القائد المشرف على الاجتماع توجيه الجلسة والتأكد من توجيه النقاش نحو التوصّل إلى إجماع.
    • إذا كان لأحد الأعضاء أي اعتراضات أو تحفظّات، يتعيّن على المشرف على الاجتماع أن يعمل على حل هذه الاعتراضات بالتفاوض والمناقشة للوصول إلى توافق.
    • بمجرد أن تُزال جميع الاعتراضات ويتم التوصّل إلى توافق بين الأعضاء، يمكن إجراء التصويت النهائي. يجب أن يصوت جميع الأعضاء لصالح القرار دون معارضة.
    • يُدون القرار النهائي في محضر الاجتماع أو الجلسة ويتم إعلانه رسميًّا.

       إنَّ اتخاذ قرار بالإجماع يشير إلى توافق جميع الأعضاء في المنظمة على القرار المَعنِيّ. هذا يعتبر شكلاً قويًّا للتأكيد على التوافق والوحدة في موضوع مُعيَّن، ويُستَخدَم عادةً في القضايا المهمة للمنظِّم.

    وتنعقد الجمعية العمومية لمجلس الكنائس العالمي كل سبع سنوات، وتتولى اللجنة العامة كافة أمور المجلس بين الانعقادين، وجدير بالذكر أن سنودس النيل الإنجيلي مُمثَّلٌ في اللجنة العامة لهذه الدورة بعضوية أمين عام السنودس القس رفعت فتحي. وقد عُقدت الجمعية العمومية الأولى للمجلس في أمستردام-هولندا سنة 1948، وعُقدت الجمعية الأخيرة في كارلسروه-ألمانيا سنة 2022م.

    مجلس كنائس كل أفريقيا AACC

    تأسَّس مؤتمر الكنائس الأفريقية (AACC)  All Africa Conference of Churches في عام 1963. ويضم الكنائس المسيحية في أفريقيا، بهدف تعزيز الوحدة والتعاون بين الكنائس الأعضاء. يلعب AACC دورًا مهمًّا في معالجة مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في القارة، موجَّهًا بمبادئ المسيحية والالتزام برفاهية شعوب أفريقيا. ويمثل أكثر من 120 مليون مسيحي في أفريقيا. الكنائس الأعضاء في المؤتمر -مجلس كنائس كل أفريقيا- من مختلف الطوائف المسيحية، وتشمل: الكنائس الأنجليكانية، الكنائس الأرثوذكسية (الكنيسة الإثيوبية والكنيسة الأرثوذكسية الإريترية، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية)، الطوائف البروتستانتية مثل الكنائس اللوثرية والمصلحة والميثودية والمعمدانية والمشيخية، الكنائس الأفريقية المستقلة التي نشأت في أفريقيا، وغالبًا ما تعكس التراث الثقافي والديني الأفريقي. أما الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فهي ليست عضوًا كاملًا، إلا أنها تشارك في المؤتمر كعضو مشارك.

       ويضم المجلس في عضويته مجموعة متنوعة من التقاليد المسيحية، مما يعكس التنوع الغني للمسيحية عبر القارة الأفريقية. ويعمل المؤتمر على تعزيز الوحدة بين هذه الطوائف المختلفة، وترويج السلام والعدالة، ومواجهة التحديات الاجتماعية والتنموية في أفريقيا.

       ويلعب مجلس كنائس كل أفريقيا (AACC) دورًا محوريًّا في الحركة المسكونية في أفريقيا. وتشمل أدواره الرئيسية:

    1. يعزز AACC الوحدة بين الطوائف المسيحية في أفريقيا، مشجعًا على التعاون والتفاهم. هذا يساعد على تجاوز الانقسامات الطائفية ويعزز الشهادة المسيحية الجماعية في القارة.
    2. يشارك AACC غالبًا في بناء السلام والدعوة للعدالة، خاصةً في المناطق التي تشهد النزاعات أو الاضطرابات الاجتماعية، ويقف كصوت أخلاقي نيابة عن المُهمَّشين والمُضطَهَدين.
    3. يشارك المجلس بنشاط في معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، متماشيًا مع المبدأ المسيحي لرعاية الفقراء وتعزيز الكرامة الإنسانية.
    4. يشجّع على التعليم اللاهوتي والحوار، مساعدًا في تشكيل لاهوت يعكس السياقات والتحديات الأفريقية.
    5. يشارك AACC في حوارات بين الأديان، معززًا التناغم الديني والفهم بين مختلف المجتمعات الدينية.
    6. يسلط الضوء على أهمية العناية بالبيئة والوصاية عليها، رابطًا ذلك بوجهات نظر لاهوتية حول العناية بالخليقة.
    7. ردًّا على الأزمات الصحية مثل فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والأوبئة الأخرى، ينسق AACC ويدعم مختلف المبادرات الصحية والاستجابات الإنسانية.

       عمومًا، يساهم AACC مساهمةً كبيرةً في الحركة المسكونية من خلال توحيد الكنائس الأفريقية في رؤيتها المسيحية المشتركة، مع التصدي للتحديات والفرص الفريدة ضمن السياق الأفريقي.

        كانت الجمعية العمومية الأولى لمجلس كنائس كل أفريقيا في أوغندا سنة 1963، وكانت الجمعية العمومية الأخيرة في أبوجا-نيجيريا سنة 2023. ويتمثل الهيكل الإداري للمجلس في تقسيم القارة الأفريقية إلى خمس مناطق، هي: شمال أفريقيا، جنوب أفريقيا، شرق أفريقيا، غرب أفريقيا، وسط أفريقيا. وتختار الجمعية العمومية رئيسًا وأربعة نواب للرئيس، نائبًا من كلِّ منطقة، ماعدا المنطقة التي منها الرئيس. بالإضافة إلى نائب خامس يمثّل العائلة الأرثوذكسية، يتم اختياره بالتبادل بين الكنائس الأرثوذكسية الأعضاء. ويجتمع مجلس كنائس كل أفريقيا كل خمس سنوات، وتقوم اللجنة العامة للمجلس بإدارة شئونه بين الانعقادين، وهي لجنة تُختار من الجمعية العمومية بنسب معينة من العائلات الكنسية، وهي اللجنة التي تختار الأمين العام للمجلس، وتصادق على كافة التعيينات للوظائف الإدارية. ويمثل السنودس في هذه اللجنة رئيسة رابطة السيدات السيدة روزيت رفقي كنائب رئيس عن منطقة شمال أفريقيا.

     

    مجلس كنائس الشرق الأوسط  MECC

       تأسس مجلس كنائس الشرق الأوسط في عام 1974. ويمثل شركة للكنائس في الشرق الأوسط. ويضم التقاليد الأرثوذكسية والأرثوذكسية الشرقية والبروتستانتية والكاثوليكية. ويهدف المجلس إلى تعزيز الوحدة والتواصل بين الكنائس الأعضاء، وتشجيع الحوار بين الأديان، ومعالجة القضايا الاجتماعية والثقافية والإنسانية في الشرق الأوسط. ويتألف مجلس كنائس الشرق الأوسط من أربع عائلات كنسية رئيسة، وهي:

    1. العائلة الأرثوذكسية الشرقية: تضم الكنائس الأرثوذكسية الشرقية التي تعتنق التقليد الأرثوذكسي الشرقي، مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، والكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية.
    2. العائلة الأرثوذكسية: تشمل الكنائس التي تتبع التقليد الأرثوذكسي البيزنطي، مثل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية وكنيسة الروم الأرثوذكس.
    3. العائلة الكاثوليكية: تضم الكنائس التي هي في شركة كاملة مع الكرسي الرسولي في روما، وتشمل الكنائس الكاثوليكية الشرقية مثل الكنيسة المارونية والكنيسة القبطية الكاثوليكية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وكنيسة الروم الكاثوليك.
    4. العائلة الإنجيلية: تشمل الكنائس المشيخية والأسقفية واللوثرية.

    هذه العائلات الكنسية تتعاون في إطار مجلس كنائس الشرق الأوسط لتعزيز الوحدة المسيحية والتعاون البيني والحوار بين الأديان في المنطقة. وتتمثل الأهداف الرئيسية لمجلس كنائس الشرق الأوسط في:

    1. تشجيع التعاون والوحدة بين التقاليد المسيحية المتنوعة في المنطقة.
    2. تعزيز السلام والتفاهم بين المسيحيين والمجتمعات الدينية الأخرى في الشرق الأوسط.
    3. معالجة قضايا الظلم الاجتماعي والفقر والنزوح، خاصة في المناطق المُمزَّقة بالحروب.
    4. العمل على الحفاظ على التراث المسيحي الغني والهوية الثقافية في الشرق الأوسط.
    5. الدفاع عن حقوق الإنسان، وحرية الدين، وحقوق الأقليات في المنطقة.
    6. تعزيز التعليم ورفع الوعي حول وضع المسيحيين والأقليات الأخرى في الشرق الأوسط.

       وتنعقد الجمعية العمومية لمجلس كنائس الشرق الأوسط كل أربع سنوات، وتنوب عن المجلس بين الانعقادين اللجنة التنفيذية للمجلس، التي تتكون من أربعة رؤساء-رئيس يمثّل كل عائلة من العائلات الأربع، وأربعة أعضاء من كل عائلة، ويتم اختيار رؤساء وأعضاء اللجنة التنفيذية بالتناوب بين الكنائس الموجودة في كل عائلة. وسنودس النيل الإنجيلي هو المؤسِّس لهذا المجلس، وله مقعد في اللجنة التنفيذية يشغله القس نادي لبيب. كما أن رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية القس رفعت فكري هو الأمين المشارك عن العائلة الإنجيلية. واللجنة التنفيذية هي التي تختار الأمين العام كوظيفة تفرغية بالكامل، وذلك بالتناوب بين العائلات الكنسية.

       ويعتبر مجلس كنائس الشرق الأوسط مهمًّا في تعزيز العلاقات المسكونية، وتوفير منصة للحوار والتعاون في منطقة غالبًا ما تكون مميزة بالنزاعات والانقسامات.

     

    مجلس كنائس مصر ECC

      بدأت فكرة تأسيس مجلس للكنائس في مصر عام 2010م، وقامت مجموعة من مختلف الكنائس بالإعداد وعمل لائحة للمجلس الجديد. وتم الإعلان عن ولادة مجلس كنائس مصر Egyptian Council of Churches (ECC) في الثامن عشر من فبراير 2013م، بحضور البابا تواضروس الثاني والدكتور القس صفوت البياضي ورؤساء العائلات الكنسية المشاركة.

        ويُعتبر تأسيس مجلس كنائس مصر ردَّ فعل لتراجع دور مجلس كنائس الشرق الأوسط، وتركيز أنشطته في لبنان والشام. ويمكن القول بأن مجلس كنائس مصر مماثل إلى حد كبير في هيكله وأنشطته لمجلس كنائس الشرق الأوسط. ويضم مجلس كنائس مصر خمس عائلات كنسية، باعتبار الكنيسة الأسقفية في مصر عائلة مستقلة. والعائلات الكنسية الخمس التي يتكون منها المجلس هي:

    1. الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
    2. الكنيسة الإنجيلية
    3. الكنيسة الكاثوليكية
    4. كنيسة الروم الأرثوذكس
    5. الكنيسة الأسقفية

    وقد رُتِّبت العائلات الكنسية بهذا الشكل، وَفق عدد الكنائس وعدد المنتسبين في كل عائلة. ويُقيم مجلس كنائس مصر احتفالاً سنويًّا، عادةً في الثامن عشر من فبراير، ويحضره كل رؤساء الكنائس الأعضاء. ويُدار المجلس من خلال الأمانة العامة، التي تضم الأمين العام والأمناء المشاركين، ويكون تعيين الأمين العام بالتبادل بين الكنائس الأعضاء، وحسب الترتيب السابق. وأعضاء الأمانة العامة هم أعضاء في اللجنة التنفيذية التي تتكون من الأمانة العامة، بالإضافة إلى ثلاثة أعضاء ترشحهم كل كنيسة.

        والتمثيل في مجلس كنائس مصر متساوٍ، بصرف النظر عن حجم الكنيسة، وعادة تُتَّخَذ القرارات بالإجماع من كل الأعضاء. ويمثّل العائلة الإنجيلية في مجلس كنائس مصر الطائفة الإنجيلية، وسنودس النيل مُمَثَّل بشكل كبير في الأمانة العامة واللجنة التنفيذية وكافة لجان المجلس.

     

    مفهوم المسكونية بين الشرق والغرب:

       تختلف المؤسسات المسكونية المسيحية في الغرب (والتي تشمل عادةً أوروبا وأمريكا الشمالية) عن نظيراتها في الشرق (وبالتحديد الشرق الأوسط) بشكل كبير، وتعكس هذه الاختلافات السياقات التاريخية واللاهوتية والثقافية المتنوعة لهذه المناطق. وفيما يلي بعض هذه الاختلافات الرئيسة:

    1. السياق التاريخي والتطور: تأثرت المسكونية في الغرب بشكل كبير بالإصلاح الديني والتنوع الطائفي اللاحق، مما أدى إلى التركيز على تجاوز الانقسامات بين التقاليد البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية. وقد نمت الحركة المسكونية في الغرب إلى حدٍّ كبير، بسبب المبادرات المسكونية التي تمت في القرنين 19، 20، وتأثرت بالطوائف البروتستانتية والأنجليكانية، واكتسبت زخمًا مع تأسيس مجلس الكنائس العالمي وعدد من المجالس المسكونية الأخرى. أما في الشرق، فالحركة المسكونية غالبًا ما تتعامل مع إرث الكنيسة الأرثوذكسية، الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، الكنائس الكاثوليكية الشرقية. حيث يعود الانقسام بين هذه الكنائس إلى القرون الأولى للمسيحية، مما يجعل حوارهم المسكوني مختلفًا عن النماذج الغربية.
    2. التركيز اللاهوتي والأولويات: غالبًا ما تتناول المسكونية الغربية الاختلافات اللاهوتية التي نشأت من الإصلاح الديني، مثل التبرير بالإيمان، سلطة الكتاب المقدس مقابل التقليد، وطبيعة الكنيسة. أما في الشرق فغالبًا ما يركّز الحوار المسكوني على قضايا مثل طبيعة المسيح، الثالوث الأقدس، والممارسات الطقسية، الأمر الذي يعكس النزاعات اللاهوتية التي قسَّمت الكنائس الشرقية تاريخيًّا.
    3. التأثيرات الثقافية والسياسية: في الغرب، تأثرت المسكونية بسياق الحرية الدينية والتعددية. وغالبًا ما تكون المجتمعات الغربية مجتمعاتٍ علمانيةً، تفصل بين الكنيسة والدولة، وهذا شكَّل كيفية إجراء الأنشطة المسكونية. وفي العديد من الدول الشرقية، يختلف شكل العلاقة بين الكنيسة والدولة، وقد يرجع ذلك إلى تأثير تاريخي قوي. وفي بعض المناطق، ترتبط الهويات الدينية والعرقية ارتباطًا وثيقًا، مما يؤثّر بعُمق على العلاقات المسكونية.
    4. نهج الحوار والوحدة: غالبًا ما تؤكد الجهود المسكونية الغربية على الوحدة المؤسَّسية والتعاون، والعمل على الوصول إلى اتفاقات فيما يتعلّق بالأمور العقائدية، والعمل الاجتماعي المشترك. أما المسكونية الشرقية فتحمل تأكيدًا أكبر على الحفاظ على السلامة العقائدية والتقاليد الطقسية. وغالبًا ما يكون السعي للوحدة في سياق احترام هذه التقاليد العميقة الجذور.
    5. التحديات والقضايا السياقية: التحدِّيات في الغرب قد تشمل: العلمانية، تراجع حضور الكنيسة، والحاجة إلى معالجة القضايا المجتمعية الحديثة بشكل مُشتَرَك. أما في الشرق فتشمل أنماطًا مختلفة من التحديات مثل: الاستقرار السياسي، الاضطهاد الديني، وقضايا الهوية الوطنية والعرقية.
    6. المنظمات المسكونية وتأثيرها: لعبت الكنائس الغربية دورًا مهمًّا في المنظمات المسكونية العالمية مثل مجلس الكنائس العالمي. وتلعب الكنائس الشرقية دورًا واضحًا في المنظمات المسكونية الإقليمية، وقد تكون مشاركتهم في المسكونية العالمية حذرة في بعض الأحيان، مما يعكس قلقهم بشأن الحفاظ على التقاليد اللاهوتية والطقسية.

     

    باختصار، بينما يشترك الشرق والغرب في الهدف المسكوني- تعزيز وحدة المسيحيين، فإنهما يختلفان في النهج والقناعات والتحديات بشكل كبير بسبب المشهد التاريخي واللاهوتي والثقافي المتميز في كل منطقة.

     

     أهم التحديات التي تواجه الحركة المسكونية في الشرق الأوسط:

    1. الصراعات التاريخية بين التقاليد المسيحية المختلفة في الشرق، والتي تمتد جذورها لما يقرب من ستة عشر قرنًا من الزمان. هذه الصراعات ولَّدت الكثير من الخوف والشكوك تجاه الكنائس وبعضها، وترسخت بشكل كبير في أذهان الناس وعقولهم. الأمر الذي صعَّب -إلى حدٍّ كبير- من تقدّم الحركة المسكونية في الشرق الأوسط.
    2. الصراعات السياسية والحروب التي لا تتوقف، جعلت من منطقة الشرق الأوسط منطقة مشتعلة. وتوتر العلاقات بين الدول أدى في كثير من الحالات إلى توتر العلاقات بين الكنائس، مما أدى إلى مزيد من النفور والشقاق. بالإضافة لما نتج عن هذه الصراعات من هجرة عدد كبير من أعضاء الكنائس إلى الدول الغربية؛ فتضاءلت عضوية الكنائس المحلية، وتقوقعت على ذاتها، مما أضعف من قدرتها على التحاور والتعاون مع الكنائس الأخرى.
    3. عادةً تكون الأنشطة المسكونية مقتصرةً على النخبة، دون أن يُسمح لها بالولوج إلى القاعدة الشعبية، التي تمثل أعضاء الكنائس المحلية، وهؤلاء الأعضاء غالبًا يجهلون كلَّ شيء عن المؤسسة المسكونية التي تنتمي كنيستهم إليها. وفي كثير من المرات، تكون رغبة القيادات الكنسية أن تكون الأنشطة المسكونية مقتصرةً فقط على القيادات لا على عامة الشعب. كما أن الشعب الشرق أوسطي غير قادر على قبول التغيير بسهولة، ويحتاج إلى وقت للتأقلم مع الفكر المسكوني، الذي نبتت جذوره في الغرب.
    4. الاعتقاد الموجود لدى كل كنيسة بأنها تملك الحقيقة المُطلَقَة، أي معها كل الحق، والآخرون ليس لديهم أي شيء من الحق. وبالتالي تسعى كل كنيسة إلى محاولة فرض نفوذها، وإثبات أنها الأفضل. الأمر الذي حوَّل العملَ المسكونيَّ إلى حالةٍ من التنافس والصراع، بدلًا من أن يكون وسيلةً للتقارب والتكامل. وعملت كلُّ كنيسة على محاولة اقتناص المنتمين إلى الكنائس الأخرى في نفس المنطقة. الأمر الذي أدى لمزيد من التصارع والتنافس، بدلًا من التقارب والتكامل. وهذا ما عبَّر عنه الأب متى المسكين حين قال: “لقد حوَّل التنافسُ المسيحيةَ إلى دائرة واسعة من الصراع والكراهية”. إنَّ اعتقاد الكنيسة أنَّ وجودها مرتبط بقدرتها على إقصاء الآخر، حجَّم بشكل كبير من تنامي الحركة المسكونية في الشرق الأوسط.
    5. تنتمي كل كنيسة من كنائس الشرق إلى تراث لاهوتي مختلف وهوية مغايرة. وتتمسك كل كنيسة بالحفاظ على تراثها وهويتها، وفي محاولتها القيام بذلك، يمكن أن ترى في الكنائس الأخرى تهديدًا لهويتها؛ فتفضِّل الانعزال عن الآخرين، وتتقوقع على ذاتها. وهذا قد يعرقل مُضيَّها قُدمًا في الحركة المسكونية ويعطّل تقدمها.
    6. ضعف الموارد وتناقص الدعم الذي تقدمه الكنائس الأعضاء والموجَّه للعمل المسكوني. الأمر الذي يحدُّ من قدرة الكيانات المسكونية على القيام بدورها بشكلٍ قويٍّ ومؤثرٍ. وغالبًا ما يكون الاعتماد على الدعم الوارد من الخارج، والذي تحكمه عوامل كثيرة، كما أن هذا الدعم يرتبط بعوامل متعددة، وقد تراجع كثيرًا في الآونة الأخيرة.
    7. غياب تقديم تعليم مسكوني للنشء والشباب، والتركيز فقط على الاختلافات اللاهوتية؛ الأمر الذي نتج عنه عدم وجود مناهج مسكونية، يمكن أن تقدمها الكنائس من خلال مؤسسات التربية المسيحية الموجودة بها. إن الأجيال الجديدة قد ترسَّخ في أذهانها أن المسيحية هي في كنيستها فقط، وأن الآخر غير موجود؛ بل ووضعت حدودًا للتعامل معه.

     

    نظرة لمستقبل الحركة المسكونية في الشرق الأوسط

         منطقة الشرق الأوسط هي منطقة ذات تاريخ ديني غني وديناميكيات اجتماعية-سياسية معقدة، يتطلّب التعامل معها نهجًا متعدد الجوانب. وأهم الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لدعم العمل المسكوني في الشرق الأوسط هي:

    1. يجب العمل على خلق قاعدة واسعة للنشاط والتعاون المسكوني في الشرق الأوسط. إن العمل المسكوني في المنطقة -في معظم فاعلياته- مقتصر على بعض القادة أو النخبة، دون أن يكون ممتدًّا ومتجذرًا في القاعدة الشعبية العريضة لكل كنيسة من الكنائس. وربما يتجه القادة إلى جعل المسكونية مقتصرةً على نخب معيّنة في كل كنيسة، تفاديًا للكثير من التحديات التي قد تنجم عن توسيع القاعدة الشعبية. إنَّ تفعيل العمل المسكوني يتطلّب قادة مؤمنين بالفكر المسكوني، ومستعدين لمجابهة التحديات التي يتطلّبها هذا الأمر.
    2. نظرًا لتاريخ طويل من العداء والصراعات؛ تحتاج الكنائس في الشرق الأوسط إلى الاهتمام بالتربية المسكونية، ويمكن أن يتبنى مجلس كنائس الشرق الأوسط ومجلس كنائس مصر إصدار مناهج مسكونية متَّفَق عليها، يقوم بها متخصصون من المؤمنين بالفكر المسكوني، وتركّز على التسامح وقبول الآخر، وأنَّ كل مَن هم في المسيح هم مسيحيون، ومساوون لنا في الإيمان أمام الله. إن مجتمعنا يفتقر -إلى حدٍّ كبير- لهذه المناهج المسكونية المشتركة. كما يمكن تنفيذ برامج تعليمية تعزز الفهم المسكوني والاحترام المتبادل بين الأجيال الشابة، على أن يشمل ذلك ورش العمل والندوات والفعاليات الشبابية بين الكنائس. ويمكن لاستخدام أدوات الاتصال الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أن يساعد في نشر رسالة المسكونية، وفي ربط الأفراد والمجموعات ذوي التفكير المماثل عبر مناطق جغرافية مختلفة.
    3. إنَّ الكنائس في منطقة الشرق الأوسط تواجهُ تقريبًا نفس التحديات، وتتعامل مع ظروف وسياقات متشابهة، دون أن يكون هناك أي تنسيق فيما بينها للتعامل مع هذه التحديات. إن الحاجة إلى مزيد من الحوار والتنسيق في هذه القضايا هو أمرٌ حتمي. ويمكن أن يكون لكنائس المنطقة دور بارز إذا استطاعت أن توحِّد صوتها، وتعبّر عن رأي موحَّد في القضايا المطروحة على الساحة، والتعاون المُشتَرَك لتقديم حلول ومساهمات لحلِّ هذه القضايا.
    4. إنَّ الخبرة التاريخية التي اجتازتها كلُّ الكنائس ولَّدت داخلها الكثير من النفور ورفض الآخر، لذا يجب مناقشة هذه الأمور التاريخية بفكر منفتح وقلب مستنير، عالمين أن هذه السياقات التاريخية كانت لها ظروف خاصة وملابسات معيّنة، تختلف تمامًا عن مثيلاتها في الحاضر. عندما نتحلَّى بهذا التوجُّه يمكن أن يتخذ حوارنا طريقًا فعّالًا ومثمرًا. يعمل على تشجيع الحوار المفتوح والمحترم بين مختلف الطوائف المسيحية في الشرق الأوسط، ويتضمن فهمَ واحترام الاختلافات اللاهوتية والطقسية والثقافية التي بينها.
    5. في سياق الشرق الأوسط، من الضروري الانخراط في حوار بين الأديان مع المجتمعات المسلمة واليهودية- إن وُجدت، وكافة الجماعات الدينية الأخرى. هذا يمكن أن يساعد في تعزيز التفاهم والاحترام المُتبادَل، وهو أمر أساسي للتعايش السلمي. يجب أن يعمل التوجّه المسكوني على بثّ روح الحوار بين كل فئات المجتمع.
    6. من أجل محاولة تمسُّك كل كنيسة بهويتها وتراثها؛ تلجأ المؤسَّسات المسكونية في الشرق الوسط إلى أن تكون آلية اتخاذ القرار بالإجماع. لذلك فمن حقّ كل كنيسة -مهما كان حجمها- الاعتراض على أي قرار وإعاقة تنفيذه (فيتو). من هنا، وجبَ مراجعة لوائح المؤسسات المسكونية لإيجاد آلية لاتخاذ القرار، تحفظ هوية كل كنيسة، وتعمل على الإسراع في اتخاذ القرار.
    7. لكي ندعم نشر الفكر المسكوني في الشرق الأوسط؛ يجب على المؤسسات المسكونية العمل على إعطاء الشباب والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة مجالًا في دائرة اتخاذ القرار، ولا يكون تمثيل هذه الفئات مجرد استكمالٍ للجانب الشكلي.
    8. إنَّ المؤسسات المسكونية في الشرق الأوسط تعاني بشكل كبير من نقص الموارد المُتاحة، الأمر الذي يؤثر على كافة الأنشطة والفاعليات. ويمكن أن يكون هذا راجعًا بشكل كثير إلى تراجع الدعم الخارجي. لذا، فمن المهم أن تقوم الكنائس الأعضاء بدعم هذه المجالس ماديًّا، حتى تستطيع القيام بدورها بفاعليَّة. على سبيل المثال، مجلس كنائس مصر لا يتلقى أي دعم خارجي، ويعتمد تمامًا على اشتراكات الكنائس الأعضاء، مما يُحجّم الكثير من الأنشطة والأعمال. كما يمكن للكنائس الأعضاء جعل المؤسسات التابعة لها -نوادي، مراكز تدريب، مراكز ثقافية وغيرها- مُتاحةً لأنشطة المجلس.
    9. من المهم أيضًا أن تقوم الكنائس في المنطقة بتحفيز الأسر التي تنتمي إليها على تربية أبنائها تربيةً مسكونيةً قائمةً على احترام وقبول الآخر، والتكامل والتعاون مع كافة المؤمنين في الكنائس الأخرى. كذلك تهدف هذه التربية المسكونية، إلى رفض أي أفكار إقصائية أو استعلائية. كما يتضمن ذلك تنظيم برامج تبادل، يمكن للكهنة والعلمانيين من خلالها تجربة تقاليد وممارسات الطوائف الأخرى، الأمر الذي يمكن أن يعزز التفاهم والاحترام.
    10. قادة الكنائس في المنطقة يجب أن يتبنّوا الفكر المسكوني، ويكونوا نموذجًا في التعاون والتكامل، من خلال مشاركة الكنائس الأخرى مناسباتها واحتفالاتها وتحدياتها، مشاركة حقيقيةً وفعّالةً، حتى يكونوا مثالًا لشعوب الكنائس التي يمثّلونها في هذا الأمر. ويمكن أن تتشارك الكنائس الأعضاء في التعاون في قضايا اجتماعية وإنسانية وبيئية بطريقة فعّالة لتوحيد الكنائس والمجتمعات المسيحية المختلفة معًا، وكذلك المشاركة في مشروعات الخدمة المجتمعية، وخدمات الصلاة المسكونية المحلية. كما يمكن للقادة المشاركة في الخدمات المسكونية والمؤتمرات والحوارات مع الكنائس الأخرى. إنَّ العمل على أهداف مشتركة يساعد في بناء الثقة والشعور بالهدف المشترك.
    11. انخراط المؤسسة المسكونية في الدعوة المشتركة من أجل السلام والعدالة والحرية، وخاصةً في المناطق المتأثرة بالنزاعات، يمكن أن يكون شاهدًا قويًّا على قوة الوحدة في الإيمان المسيحي. ويجب أن تعبّر هذه المؤسسات عن الصوت المسيحي الحرّ، الذي يتبنى قِيَم العدالة والمساواة ودعم حقوق الإنسان وحرياته والوقوف مع المظلومين والفقراء والمهمّشين.
    12. ضرورة قيام المؤسسات المسكونية في الشرق بالتعاون مع المنظمات المسكونية العالمية، والهيئات الدولية التي تعمل في المجالات المشابهة، الأمر الذي يمكن أن يوفر الدعم المعنوي والموارد اللازمة، كما أنه يوفّر منصة أوسع للحركة المسكونية في الشرق الأوسط.

            يتطلب تطوير الحركة المسكونية في الشرق الأوسط صبرًا ومثابرةً والتزامًا عميقًا بمبادئ الوحدة والمحبة المسيحية. نظرًا لتنوع المنطقة وتحدياتها، يمكن أن تساهم هذه الجهود بشكل كبير في التوجه نحو الوحدة المسيحية، وإقرار السلام والتفاهم المتبادل.

    أهم المراجع

    1. الأب روبير كليمان اليسوعي. تاريخ الحركة المسكونية قبل المجمع الفاتيكاني الثاني (ج1، ج2). دار المشرق، 1991م.
    2. The Cambridge History of Christianity: Eastern Christianity, edited by Michael Angold. Cambridge University Press,2006.
    3. oikoumene.org
    4. aacc-ceta.org
    5. mecc.org
    6. egy-cc.org

بانوراما ميلادية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : د. ق. عاطف مهني المعصراني

  • مقدمة:

    أشعر بالعجز الشديد وأنا أُمسك بالقلم لأدوِّن بعض التأملات البسيطة عن حادثة ميلاد يسوع المسيح ابن الله. فالحدث مليء بالتفاصيل العجيبة التي نتناولها في احتفالاتنا كل عام بالترنم والبهجة والممارسات الفلكلورية والتقاليد الجميلة. فلأول وهلة سألت نفسي: هل من جديد  يمكنني أن أكتبه أكثر من آلاف الصفحات التي صيغت في كتب وترانيم ومسرحيات معبرة عن الانبهار البشري بالإبداع الإلهي في حادثة الميلاد؟ لست أملك جرأة الإجابة بـ”نعم” ولكني أتكل على روح الله ليعينني في تدوين شيء يسهم في تلميع وإبراز ما سجله كُتَّاب العهد الجديد بوحي من الروح القدس.

    في هذه المقالة فكرت أن أتناول أمر الميلاد بنظرة شاملة من أسفار العهد الجديد، والتي يُطلَق عليها باليونانية “Panorama” حيث لن أقف طويلًا حول حدث الميلاد ومعانيه في سفر واحد، ولكني سأحاول أن أطوف معكم سريعًا في عددٍ من أسفار العهد الجديد لنرى كيف صوَّرت لنا ميلادَ مخلِّصنا. ومع إدراكي الكامل أن أحداث الميلاد التفصيليَّة لم تُروَ إلا في إنجيلَيْ متى ولوقا، إلا أنني أجد العديد من الإشارات والتلميحات في باقي الأناجيل، بل وأيضًا في كتابات بولس والعبرانيين والرؤيا. هذا يؤكد لنا أهمية هذا الحدث التاريخي للإيمان المسيحي، وإدراك كُتَّاب الوحي، بل وإجماعهم، على عدة أمور مثل: عذراوية الميلاد، وفرادة المولود، الذي اجتمع فيه كمال الناسوت واللاهوت، والذي تحققت في ميلاده العديد من النبوات المسيانية، والمواعيد الإلهية المتعلقة بخلاص البشرية. فلنبدأ نظرتنا البانورامية الآن.

    الميلاد في إنجيل متى

    في إصحاحين كاملين (متى 1، 2) يُورِد البشير متى أحداث ميلاد يسوع المسيح، ومع كل حدث يُسرَدْ، تصل للقارئ رسالةٌ رائعة. فمن خلال سجل نسب يسوع (مت 1: 1- 17) يتأكد لنا أنه ابن الموعد، المنحدر من إبراهيم الذي وُعدَ من الله أنه في نسله تتبارك جميع أمم الأرض (تك 26: 4؛ غل 3: 16) لكن التركيز الأكبر في النسب هو كون يسوع من نسل داود الملك (مت1: 1، 6، 20). وهو الوحيد في سلسلة النسب الذي يُلقَّب بالملك، مع أنَّ سليمان ورحبعام ونسلهما المذكور كانوا ملوكًا، لكن التركيز على داود ووصفه بالملك هو استدعاء للمفهوم اليهودي عن المسيا؛ أي المخلِّص الممسوح من الله الآتي من نسل داود والذي ليس لملكه نهاية. ولا يخفى عن القارئ المدقِّق أن يسوع في إنجيل متى هو المقدَّم كابنِ داود، ملك اليهود، المولود في بيت لحم مدينة داود، والذي يتعرف عليه الكثيرون ممن شفاهم، ومن الجموع الذين رأوا آياته أيضًا كابن داود (مت 12: 23؛ 15: 22؛ 20: 30؛ 21: 9، 15). بل إن ضيوفًا أمميين، مجوسًا من المشرق، يأتون بهدايا متسائلين: “أين المولود ملك اليهود…؟” (مت 2: 2). 

    أما كون المولود هو ابنَ الله، أو الله الظاهر في الجسد، فيتأكد لنا من إنجيل متى في الحبل العذراوي العجيب الذي يحيِّر ويربك يوسف الصديق من جهة خطيبته البتول التي لم تعرف رجلًا، فإذا بالملاك يؤكد له أن مصدر حبلها ليس زرع بشر، بل الروح القدس “لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 1: 20)، ويتأكد المعنى بالأسماء التي يجب أن يحملها المولود “يسوع”؛ أي مخلِّص (مت 1: 21)، عمانوئيل؛ أي الله معنا، أي أن الله بذاته حاضر معنا وحالٌّ بيننا في هذا المولود (مت 1: 23).

    إن غرابة حدث الميلاد لا تنحصر في الميلاد العذراوي مع كونه سابقةً لم ولن يسجل التاريخ البشري نظيرًا لها، لكن تفسيرات الحدث وتبعاته ومعناه، كلها عجائب وإشارات تؤكد أننا أمام تدخل الله ذاتيًّا في مجرى التاريخ البشري بحدث أعظم من حدث الخلق وبدء البشرية. لذلك لم يكن عجيبًا أن يخاطب الله العالم المتحير، ممثَّلًا في مريم العذراء ويوسف الصديق، بأحلام وملائكة يوضحون أن البشرية في هذا الميلاد تختبر تدخلًا مباشرًا من روح الله لينجب من رحم فتاة بسيطة فقيرة عذراء، ملكَ الملوك وربَّ الأرباب؛ لأن بهذا التدخل الإلهي أصبح الله معنا حالًّا في بشريتنا، آخذًا شكلنا، متحدًا بضعفنا، ومخلِّصًا لجنسنا.  هنا بدأ البشيرُ متى يستوعب بالروح القدس أنه أمام تحقيق أعظم الوعود الإلهية التي أُعطِيَت للآباء وسجلها الأنبياء عن مجيء مخلِّص مُرسَل من الله، لذلك أكثَرَ متى من عبارته المشهورة “لكي يتم ما قيل بالنبي…” (انظر مت 1: 22؛ 2: 15؛ 2: 23؛ 4: 14؛ 8: 17؛ 12: 17؛ 13: 35… إلخ).

    ومن أعجب ما سُجِّلَ بشأن حادثة الميلاد في إنجيل متى أن هذا الملك العظيم، ابن داود وإبراهيم، تشترك في سلسلة نَسَبِه الملوكية نساء أمميَّات مثل راعوث الموآبية (مت 1: 5)، ونساء ذوات تاريخ غير مشرِّف مثل ثامار وراحاب وبثشبع (مت 1: 3، 5، 6). هذا السِّجِلُّ لم يُذكر هباءً، لكنه يفتح باب الرجاء بالخلاص لكل الأمم، ويشرق بنور عظيم على الأَثَمَةِ والخطاة والعديد من الناس السالكين في الظلمة (مت 4: 16// إش 9: 2).

    ولا يفوتني أن أشير إلى اضطهاد هيرودس للطفل يسوع، وجميع أطفال بيت لحم بالتبعية، لمجرد سماعه تساؤل المجوس عن مكان ميلاد ملك اليهود، غير مدرك أن مملكة هذا الملك، ليست من هذا العالم. وجاء إنقاذ الله للطفل الوليد بإرساله إلى أرض مصر حتى موت هيرودس (مت 2: 13-20). وفي هذه الحادثة الكثير من التعزية للمضطهدين، وربما لإخوتنا في غزة وبيت لحم هذه الأيام بصفة خاصة، مذكِّرة إيانا أن إلهنا المتجسد، تجرب في كل شيء مثلنا، لذلك يقدر أن يعين المجربين ويسمع أنات قلوبهم.

    الميلاد في إنجيل مرقس

    نعلم جميعًا أن البشير مرقس لم يذكر أية حادثة عن الطفل أو الصبي يسوع، ولا كيف جاء إلى عالمنا، بل بدأ بشارته مباشرةً بخدمة يسوع التي كانت تتكشف معها إجابة عن السؤال “من هو هذا؟” (مر 1: 27؛ 4: 41؛ 6: 2)؛ فمع كلِّ تعليمٍ بسلطانٍ وكلِّ آيةٍ صنعها يسوع، كان البشير يكشف لنا جانبًا من حياة ابن الله، تجيب جزئيًّا على السؤال: “من هو هذا؟”.

    لكن إنجيل مرقس لا يخلو في بدايته من إشاراتٍ توضح وتؤكد ما ورد في الأناجيل التي تناولت أحداث الميلاد بالتفصيل؛ فمع أول عددٍ في الإنجيل يذكر البشير أن كتابه هو بشارة عن ابن الله “بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ” (مر 1: 1)، ثم تأتي شهادة يوحنا المعمدان عن عظمة ذاك الآتي بعده، الذي لن يعمِّد مثله بماء بل بالروح القدس (مر 1: 7- 8)، وبعد ذلك تأتي شهادةُ السماء من أقنومَيِ الآب والروح القدس أثناء معمودية يوحنا ليسوع المسيح. فالروح ينزل عليه على هيئة حمامة، والآب يتكلم بصوت مسموع شاهدًا: “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مر 1: 9- 11)، وتستمر الشهادة في الإنجيل عن كون يسوع هو ابن الله، وتأتي الشهادة أيضًا من الأرواح النجسة (مر 1: 24)، ومن الجموع، وحتى من أشخاص أممين (مر 15: 39).

    فإن كانت هذه الإشارات تؤكد أن هذا هو ابن الله وليس مجردَ نبيٍّ أو خادم مُرسَل من الله، فإن هناك إشارات وتلميحات في الإنجيل تؤكد بصورة أو بأخرى الميلاد العذراويّ، حتى وإن كان مناهضو يسوع آنذاك يستخدمون الأمر بصورة سلبيةٍ. فقد كان يسوع يُعرف بأنه ابن مريم ” أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟» فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ” (مر 6: 3).

    الميلاد في إنجيل لوقا

    يفرد البشير لوقا ثلاثة إصحاحات تقريبًا لأحداث الميلاد وطفولة الرب يسوع. وتتميَّز أحداث الميلاد في لوقا بالبساطة والرشاقة وسرعة تحرُّك عدسة الكاميرا ما بين رصد المولود وأمه العذراء وخطيبها يوسف، ثم التحول السريع لأحداثٍ ذات علاقة بالمولود تقع مع جيران وأقارب عائلة يسوع، مثل زكريا وأليصابات وغيرهم. وما بين تحركات عدسة البشير لوقا المختلفة تتأكد لنا دقة العديد من الأحداث والمعاني التي وردت في رواية البشير متى، بشأن المولود العجيب وهويته، مع إضافات عديدة بأحداث لم تُروَ في بشارة متى، واستنتاجات بديعة عن هوية المولود المُرتَقَب؛ فها نحن أمام لحظة تاريخية يتدخل الله فيها بصورة معجزية لإنقاذ البشرية الساقطة. ولقد تميزت رواية البشير لوقا برصدٍ للعديد من شهود الحدث أكثر ممن وردوا في متى. هؤلاء الشهود أعدهم الله وهيَّأهم لاستقبال المخلِّص المولود وإدراك ماهيته. وسأبدأ بهؤلاء الشهود أولًا. فنحن أمام زوج من المسنين، زكريا الكاهن وأليصابات زوجته العجوز العاقر، وإذا بملاك الرب يُبشرهما بميلاد يوحنا في عمل معجزي يحاكي ميلاد سارة لإسحاق، ولم يكن ذكر البشير لوقا لتلك الحادثة (لو 1: 5- 25) انحرافًا عن هدف الإنجيل المتعلق كله بيسوع المسيح ابن الله، بل كان يحمل رسالتين رائعتين: أولهما أهمية المولود يسوع المسيح التي استدعت أن يسبقه مُعِدًّا لاستقباله (لو 1: 13- 17، 76؛ 3: 1- 14). وثانيهما تهيئة مريم العذراء لتدخُّل الله بصورة فوق طبيعية بميلاد عاقر مُسنة. الأمر الذي يُمهد لقبول ولادة عذراء بدون زرع بشر “لأنه لا يستحيل على الرب شيء” (لو 1: 34- 37).

    والمتأمِّل لتعليق أليصابات على ما حدث لها بمجرد زيارة العذراء مريم لها، وكيف نطقت بالروح القدس أن الجنين الذي تحمله قد ارتكض في بطنها إدراكًا أنه أمام والدة السيد الرب الذي سيُعد الطريق له (لو 1: 41- 43). ثم تأتي تسبحة زكريا أبي يوحنا (لو 1: 67- 80)، والتي فيها شكر وتطويب ليوحنا في عدد واحد لكونه سيتمتع بامتياز إعداد طريق الرب (ع. 76)، أما باقي الأعداد فكلها شكر لله على حفظه لعهده لإبراهيم ووعوده التي نطق بها الأنبياء، بتدبير مُخلِّص وفادٍ لإسرائيل، الذي هو يسوع.

    وتمتد قصة الميلاد في لوقا لتكشف لنا أعظم الإعلانات عن ماهية المولود، وذلك من خلال استمرار إعلانات الملائكة أو الكلمات العجيبة التي نطق بها بعض المغمورين أثناء معاينتهم لأحداث معينة للطفل المولود. فها هو ملاكٌ يظهر لجماعة بسيطة غير موقَّرة من الشعب اليهودي، هم رعاة الغنم ليخبرهم بفرح عظيم يكون لهم ولجميع الشعب بميلاد مخلص هو المسيا “مسيح الرب” (لو 2: 8- 12)، وقبل أن ينهي الملاكُ بشارتَه الفَرِحَة يظهر معه جمهورٌ من الملائكة، مسبِّحين الله ومؤكدين أن مع ميلاد يسوع يتحقق المجد لله في الأعالي؛ لأن وعوده تتحقق مؤكده أمانته، ويحل على الأرض السلام بل الفرح والسرور لأن مخلِّصهم ومُصالِحَهم مع الله قد جاء (لو 2: 13- 14).

    آه يا سيدي الرب. أجد نفسي فَرِحًا ومتهللًا، بل ومُكرمًا، مع جماعة الرعاة. فإن كان هؤلاء في فكرك ولم يتخطاهم خلاصك، فالرجاء بل كل الرجاء لي أنا وكل غير مستحِقٍّ نظيري.

    وينفرد البشير لوقا بأنه يمتدُّ بنا في روايته لنعاين بعض الأحداث في طفولة يسوع، وما صاحبها من شهادة شهود. فها يوسف ومريم يصعدان بالصبي، بعد ختانه، لتقديم هذا الابن البكر وتكريسه للرب حسب الشريعة، وتقديم زوجَيْ حمام ذبيحةً لله بحسب شريعة موسى عن تقديس الطفل وفدائه كابن بكر. انظر (خر 13: 13؛ 34: 20ب).

    وهنا يظهر شخصٌ وقورٌ اسمه سمعان الشيخ، يصفه البشير بأنه كان رجلًا بارًّا ينتظر تعزية إسرائيل (لو 2: 25)، والمقصود أنه كان ينتظر الخلاص الذي يتحقق في زمن المسيا. وكان قد أُوحي للرجل بالروح القدس أنه لن يفارق الحياة قبل أن يرى المسيا (مسيح الرب). ويبدو أن الروح القدس الذي أوحى إليه بذلك قد همس في أذنيه منبهًا “هوذا أنت الآن أمام مسيح الرب وجهًا لوجه”! لذلك جاء سمعان إلى أبوَي يسوع، وأخذ الطفل منهما، وحمله على ذراعيه وقال: “الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك (وعدك) بسلام لأن عينيَّ قد أبصرتا خلاصك الذي هيَّأته للشعوب كلها نورًا لهداية الأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل” (لو 2: 29- 32 بحسب الترجمة المشتركة).

    هنا وفي هذه الشهادة، لا يؤكد لنا البشير لوقا فقط على أن المولود هو المسيا المخلِّص، بل يضيف أيضًا أنه مخلِّصُ وهادي جميع الأمم وليس اليهود فقط. وبصورة مشابهةٍ نجد حنَّة النبيه، الأرملة المُسنَّة الملازمة للهيكل طلبًا لخلاص الرب، تقف مسبحةً لله ومهللةً له؛ لأنها أدركت بالروح القدس أن خلاص الله للبشرية يتحقق في هذا المولود (لو 2: 36- 38).

    ويسير لوقا بنا خطواتٍ أبعد لنرى كيف كان يسوع وهو يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس. ففي سن الاثني عشر عامًا نراه يدخل الهيكل أثناء إحدى زياراته مع أبويه التقيَّيْن ليعيِّدوا الفصح في أورشليم بحسب الشريعة، وبعد انقضاء العيد، وخلال عودة أسرة يسوع إلى سكنهم بالجليل، إذا بيسوع يتخلف عن جماعة المسافرين العائدين للجليل، بينما يظل هو في الهيكل، جالسًا وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم ويناقشهم (لو 2: 41). ويعلق البشير على هذا الحدث بأمرين مهمين: أولهما تَعجُّب جميع من سمعوا حوار الصبي يسوع مع المعلمين من فهمه وأجوبته (ع. 47) وثانيهما إجابة يسوع على والدَيْه المنزعجَيْن لتخلُّفه عن رفقائه وجماعة المسافرين بقوله: “ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟” (ع. 49)، وبالطبع هذا القول فيه إشارة واضحة لإدراك يسوع، حتى وهو صبي، أنه ابن الله.

    وفي الإصحاح الثالث، يقفز البشير لوقا بنا عدة سنوات، لتقدِّم عدستُه لنا لقطةً عن الدور الذي قام به يوحنا المعمدان، والمتزامن مع بدء خدمة يسوع المسيح. فإذا بيوحنا يعمِّد الشعب بمعمودية التوبة، وعندما بدأت الجموع تتساءل إن كان هو المسيح أم لا (لو 3: 15) يجيبهم يوحنا في الحال أنه ليس إلا ممهِّدًا ومُعِدًّا لطريق الرب، المسيا، الذي هو أقوى منه وأعظم منه بما لا يقاس، حتى أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه، وإن معموديته لا تعدو كونها إشارةً خارجيةً بالماء للتطهير المصاحب للتوبة، أما ذاك المسيا فهو يعمِّد الناس بالروح القدس ونار (ع. 16)، في إشارة إلى التغيير الداخلي المحيي، المطهِّر والمقدِّس لقلب الإنسان. لعل إجابته كانت تحمل تلميحاتٍ لنبوة حزقيال عن روح الله المعطي حياةً حتى للعظام اليابسة (حز 37: 1- 10)، ونبوة يوئيل عن الزمن الذي سيَسكُبُ فيه الله من روحه على كلِّ بشر (يؤ 2: 28). ولا يختلف لوقا كثيرًا عن متَّى في إدراكه أنه مع ميلاد هذا الطفل تتحقَّق العديد من النبوات والوعود المسيانية، فما عمله يوحنا المعمدان ليس إلا تحقيقًا لنبوة إشعياء بإرسال الله من يُعِدُّ الطريقَ أمام المسيا، في مشهد يُشبِه الاستعداد لدخول ملكٍ عظيم لمدينةٍ ما، حيث يمهد الطريق لمركبته الملوكية بأن تُملَأ الحفر “كل واد يمتلئ” وتُزال العوائق المرتفعة “وكل جبل وأكمة ينخفض” والمنحنيات الخطرة تُسوَّى “وتصير المعوجات مستقيمة والشعب طرقًا سهلة” وهكذا تسير مركبة الملك في أمان، ويكون هناك فرصة لجميع المُستقبِلين أن يشاهدوا المركبة الملكية دون معوقات “ويبصر كل بشر خلاص الله” (لو 3: 5- 6).

    يا لروعة وإبداع الميلاد في إنجيل لوقا! فيسوع المولود يُقدَّم كالمُخلِّص البسيط المولود من عذراء فقيرة في مذودٍ حقير، لكن هذا لم يَنقُض دراية البشير بأن هذا المُخلِّص البسيط هو الملك ابن الله الذي يسبقه ويمهِّد طريقه أحد أعظم المولودين من النساء، يوحنا المعمدان.

    ويختم لوقا البشير تصويره للميلاد وطفولة يسوع بسرد نَسَبه (لو 3: 23- 38) متوافقًا مع متى في التركيز على كون يسوع ابن إبراهيم (الذي نال الوعد الإلهي بأن في نسله تتبارك كل قبائل الأرض. وهو ابن داود -الذي من نسله يأتي المسيا- لكن لوقا يذهب أبعد من متى بالامتداد بنسب يسوع ليس فقط إلى إبراهيم بل إلى آدم (لو 3: 38)، وبهذا يؤكد أن هذا المخلِّص ليس فقط لإسرائيل، ولكنه لجميع بني آدم، نعم يا سيدي وإلهي: الآن أفهم لماذا ترنمت الملائكة أن على الأرض السلام، وبالناس (جميعًا) المسرة.  

    الميلاد في كتابات يوحنا

    ننتقل الآن إلى البشير يوحنا لنرى كيف صوَّرت عدسته الميلاد، وهو كالبشير مرقس لم يتكلم عن التفاصيل المادية الملموسة للميلاد ولا عن طفولة يسوع.

    يكتب البشير يوحنا بلغة مجازية لاهوتية عميقة استُبدل فيها لفظ “الطفل” بـألفاظ “الكلمة” و”النور” و”حمل الله” على الترتيب (يو 1: 1، 9، 29). ويستبدل كلمة “الولادة” بـ”التجسد”.

    “فالكلمة صار جسدًا وحل بيننا” (يو 1: 14أ)، وهذا التقديم البديع ليسوع ككلمة الله يُظهر أن في المسيح المتجسِّد، قدم اللهُ لنا ذاته وعرَّفنا بنفسه كما لم نعرفه من أي إعلان سابق. “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18). فهو ابن الله الوحيد الأصيل، الذي من عرفه ورآه فقد رأى وعرف الآب “أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟” (يو 14: 9).

    وفي إشارات عديدة -لا سيما خلال حوارات السيد مع اليهود- يبدو واضحًا دراية البشير يوحنا بمجيء يسوع من السماء، لا من زرع رجل “لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يو 6: 38). وعليه فإن أزلية يسوع، الله المتجسد، تظهر من أول الإنجيل وخلال كل أحداثه وتعاليمه “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يو 1: 1؛ انظر أيضًا 1: 3؛ 8: 58).

    هذا الأمر ممتد في رسائل يوحنا؛ حيث يؤكد الرسول أن “كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ” (1يو 4: 2). وتعبير “جاء في الجسد” لا يُطلَق على مولود ولادة طبيعية بل على من جاء من السماء، من الروح القدس، تمامًا كما رأينا سابقًا في كتابة البشيرين متى ولوقا. ويستمر البشير يوحنا في إمتاعنا بإظهار هوية يسوع المسيح، فهو المسيا (يو 1: 41؛ 4: 25)، وهو ابن الله (1يو 5: 13)، وهو النور الحقيقي، ونور العالم (يو 1: 9؛ 9: 5)، وهو حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو 1: 29)، وهو خبز الحياة (يو 1: 35- 48)، وهو ماء الحياة (يو 4: 14)، بل وهو الحياة الأبدية ذاتها (يو 17: 3، 1يو 1: 2)، وهو الباب والمدخل والطريق إلى الآب (يو 10: 9، 14: 6)، وهو الراعي الصالح (يو 10: 14)، وهو الحق الكامل (يو 14: 6)… إلخ.

    أما عن الطريقة التي يُقدَّم بها يوحنا المعمدان في إنجيل يوحنا فهي لا تختلف كثيرًا عنها في باقي الأناجيل، لكنه ليس فقط مُعِدًّا لطريق الرب بحسب إشعياء النبي (1: 23)، بل شاهد عن إعلان الله له بالروح القدس “وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ” (يو 1: 33- 34). والجميل أن شهادة يوحنا شملت تقريبًا كلَّ ما تكلمنا عنه من ألقاب للسيد المسيح في إنجيل يوحنا مثل كونه النور وحمل الله والمسيا، ومن سيُعمِّد بالروح القدس، وابن الله، والأزلي الذي كان قبله والعظيم الذي هو غير مستحِقٍّ أن يحل سيور حذائه (يو 1: 19- 34).

    هل مِن بلاغة وروعة أعظم من تصوير البشير يوحنا لميلاد المسيح؟! ذاك البشير الذي كتب متأخرًا بعد أن عُرِفت التفاصيلُ التاريخيةُ لمولود بيت لحم، إذا به يفاجئنا بهذا الفيض من الإدراك لهوية ذاك الوليد كالكلمة المتجسِّد، ابن الله، حمل الله، واهب الحياة، بل الحياة ذاتها!

    الميلاد في كتابات بولس

    نعلم جميعًا أن بولس لم يكتب شيئًا مباشرًا عن ميلاد يسوع المسيح، لكن هذا لا يمنع من أن نجد في رسائله المختلفة إدراكًا ووعيًا بميلاد يسوع المسيح العذراوي وماهية المولود ودلالاتها. ففي رسالته لأهل غلاطية 4: 4، وبينما كان الرسول يشرح لأهل غلاطية روعة التحول التي حدثت في حياة البشرية بمجيء يسوع المسيح؛ التحول من أناس قُصَّر، محكومين بسلطة الناموس، غير ناضجين بالقدر الكافي للتمتُّع بالميراث الإلهي، إلى أبناء كاملي الأهلية يمكن أن تكون لهم شركة مستمرة مع الله ليدعونه “أبا الآب”، متمتعين بكل عطية وميراث روحي في الآب (غل 4: 1- 3).

    متى حدث هذا؟ يجيب الرسول بولس قائلًا: “لكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِη πληρόμα του χρόνου أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غل4: 4-5). هنا ينحت الرسول بولس تعبيرًا يونانيًّا جميلًا هو “ملء الزمان”. وهذا التعبير يُطلَق على بلوغ الإنسان أو النبات النضج، أي الوصول للوقت المناسب لحدثٍ مهمٍّ؛ فعندما تدخل المرأة في شهرها التاسع، يقال إنها في ملء زمانها، أي أنها أتمت وقتها والوقت أصبح مناسبًا لتضع مولودها في أي لحظة. وكذلك الأمر عندما ينمو نباتٌ ما وتنضج ثمارُه يقال إنه في ملءِ زمانه؛ أي أنَّ وقت حصاد الثمر قد حان. ويُطلق الأمر أيضًا على الولد عندما يبلغ سنَّ الرشد حيث يُعتَبَر أنه بلغ ملء الزمان، وعليه أن يودِّع الطفولة ويتمتع بحقوقه كاملةً دون أوصياء.

    ويربط الرسول بولس ملء الزمان (الوقت المناسب للبشرية)، بمجيء ابن الله مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس. والتعبير “مولودًا من امرأةٍ” ليس له معنى إلا لو كان يشير فيه الرسول إلى عذراوية ميلاد ابن الله، دون زرع بشر أو مشيئة رجل؛ لأن كل إنسان هو مولود المرأة. أما تعبير “تحت الناموس” فهو يشير بالطبع إلى جنسه اليهودي، ولكنه يشير أيضًا إلى كمال بشريته ككل إنسانٍ يهوديٍّ خاضعٍ لناموس الله. ويحمل هذا التعبير أيضًا إشارةً إلى حكمة الله في اختيار التوقيت المناسب في التاريخ لمجيء ابنه، وأيضًا يتضمن نعمة الله الذي تدخل بإرسال ابنه ليفدينا فننال التبني ولا نظل كعبيد أو أبناء قُصَّر تحت وصاية الناموس وأركان العالم (غل 4: 4-7).

    ويجدر بنا أن نستعرض بعضًا من كتابات الرسول بولس الأخرى لنرى كيف عرف يسوع المسيح، وماذا كان يعني له مولود المرأة الذي أرسله الله الآب في ملء الزمان. وسأكتفي بالتأمل السريع في (في 2: 5- 11؛ كو 1: 15- 20).

    ففي رسالة فيلبي، وبينما يطالب الرسول اثنتين من قيادات الكنيسة بالتحلِّي بالتواضع والتخلِّي عن المنافسة معًا، يُذكِّر بولسُ المرأتين بعلاقة يسوع المسيح ابن الله بأبيه في إشارات لا تخطئها عينٌ أنه يشير إلى حدث التجسُّد والميلاد. فيطلب منهما أن يكون لهما الفكر الذي في المسيح يسوع (في 2: 5)، هذا الابن الذي، إذ كان في صورة الله؛ أي الذي هو الله حتى أننا عندما نقول إنه معادلٌ ومساوٍ لله لا نختلس له شيئًا ليس من حقه “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ.” (ع. 6)، لكن إذ به يُخلي نفسَه من كل أمجاده ويأخذ صورة الإنسان، العبد المخلوق (ع. 7)، ومع قبوله التجسُّد يضع نفسه للموت، موت الصليب (ع. 8). وبسبب هذا الاتضاع والخضوع لمشيئة الآب، رفَّعَه الله وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، حتى أن كل خليقة -في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض- تجثو له وتعترف به كربٍّ وسيدٍ وإلهٍ (ع. 9- 11). هكذا هي العلاقة بين الآب والابن: لا تنافس أو تطاحن، بل محبة كاملة، ومشيئة واحدة، وإكرام متبادل.

     في كو 1: 15- 20، وبدون شرحٍ أو إسهابٍ، سأسرد فقط الأوصافَ التي قدم بها بولسُ يسوعَ المسيحَ: هو صورة الله غير المنظور (ع. 15أ)، تمامًا كما قدَّمه البشير يوحنا كالابن الذي في حضن الآب، الذي من يراه قد رأى الآب. وهو بكر كل خليقة أي رأسها وسيدها (ع. 15ب). وهو من فيه وبه وله خُلق كل شيء ما في السماوات وما على الأرض (ع. 16). وهو الأزليُّ الذي هو قبل كل شيء (ع. 17أ). وهو مصدر استمرار كل خليقة ووجودها “فيه يقوم الكل” (ع. 17ب). وهو رأس الكنيسة التي هي جسده لكونه بادئها ومؤسسها وفاديها (ع. 18). وهو مستحقٌّ لهذا كله لأن يحمل في تجسده كل ملء الله وكمال جوهره (ع. 19). وهو بخضوعه وتواضعه كان مصالحًا لنا مع الآب بدم صليبه (ع. 20). هذا جزء يسير من أوصاف يسوع المسيح مولود بيت لحم، مولود المرأة في كتابات الرسول بولس.

     

    الميلاد في كتابات الرسائل العامة

    لضيق المساحة، سأكتفي بلمحاتٍ ميلاديةٍ من الرسالة إلى العبرانيين؛ ففي بداية الرسالة، وبشكلٍ يتطابق كثيرًا مع التعبيرات الميلاديَّة في إنجيل يوحنا وأوصاف يسوع في رسالة كولوسي، نجد كاتب العبرانيين يقدم لنا يسوع بأنه ليس مجرد أحد إعلانات الله للبشرية التي كلم بها آباءنا بالأنبياء، بأنواع وطرق كثيرة (عب 1: 1)، بل هو الكلمة الأخيرة والإعلان الأعظم للبشرية. ففي ابن الله، لم يكلمنا الله بأسرار ولا بكلمات نفهم منها شيئًا يسيرًا عنه، لكنه كلَّمنا عن الوارث لكل شيء عن الآب؛ أي الذي له كل ما للآب من جوهر وصفات وقدرات (ع. 2). فإنه هو الخالق الذي به عُمل العالَمِين (ع. 2ب). الذي هو بهاء مجد الله، فالمجد لا يُرى، أما مظاهرُه ولمعانُه وبريقُه فتعكس هذا المجد. وهكذا فإن الابن المتجسِّد هو الذي يعكس لنا ويخبرُنا بمجد الآب الذي لم يَرَه أحدٌ قط (ع. 3أ). وهو رسم جوهره أي تجسيدٌ لذات الآب وجوهره، وهو حامل كل شيء بكلمة قدرته (ع. 3ج). هذه التعبيرات تشبه كثيرًا ما عبَّر عنه بولس في كولوسي أنه “فيه سُرَّ أن يحل كل ملء اللاهوت” (كو 1: 19). وهو المصاحب للآب دائمًا عن يمين العظمة (ع. 3د). وهو أعظم بكثيرٍ من الملائكة خدَّامِه الذين يسجدون له (ع. 4، 6، 7). وهو من يقول له الآب بوضوح: “أنت ابني” (ع. 6). وهو الملك العادل الذي مُلْكُه كله استقامةٌ، وكرسيُّ مملكتِه يدوم إلى الأبد (ع. 8). هذا ما يقدم به الكاتبُ يسوعَ المسيحَ كأعظم إعلانات الله، وتستمر الرسالة في سرد عظمته كأكمل ذبيحة (عب 9: 12)، وأعظم كاهن (عب 5: 1- 10)، الأعظم من هارون، والأعظم من موسى وناموسه، بل الأعظم من الهيكل لأنه ليس خادمًا للبيت (الهيكل) كموسى بل هو باني البيت بدم نفسه (عب 3: 3). هذا العظيم الذي هو أمجد وأعظم من كلِّ ما في التراث اليهودي الذي كانوا يعتزون به، صار مثلنا مُجرَّبًا في كل شيء بلا خطية “لكي يرثي لضعفاتنا” (عب 4: 15).

    ومن العجيب الصورة التي تظهر بها درايةُ كاتب العبرانيين وفهمه لحدث التجسُّد؛ ففي الإصحاح العاشر يرسم الكاتب بالوحي المقدس حوارًا بين الابن والآب قبل مجيء الابن إلى العالم بالتجسد: “لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ»” (عب 10: 5-9). والمعنى أن الابن -الذي يعرف أن الآب لا يُسَرُّ بذبائح أو مُحرَقات حيوانيَّة للتكفير عن خطيتنا، والذي يعرف تلك المشيئة المعلَنة في النبوات (الدرج- الكتاب)- يضعُ نفسَه تحت تصرُّف الآب، راضيًا بأن يهيِّئَ له جسدًا يكون هو الذبيحة المرضية من الآب. هل هناك درايةٌ أروع بحدث الميلاد كتجسُّدٍ لابن الله في الميلاد، تمهيدًا لتقديم جسده على الصليب، ذبيحة مقبولة، مرة واحدة، نال بها عنا فداء أبديًّا!

    الميلاد في سفر الرؤيا

    بالطبع هذا السفر الرؤيوي لا يقدم لنا الميلاد كأحداثٍ وتفاصيل تاريخيَّةٍ، لكنه لا يخلو من تلميحاتٍ ميلاديَّةٍ جميلةٍ حين يشير إلى يسوع المسيح بتعبير “نسل المرأة” و”الابن الذَّكَر”، الذي كان موضعَ اضطهاد التنين هو وأمه، والذي شَنَّ هو ومملكتُه حروبًا كثيرة عليهما لكنه كان موضع اهتمام السماء وعنايتها وحمايتها (انظر رؤيا 12). هذا الابن يذكِّرنا بوعد الله بالفداء منذ سقوط البشرية “نسل المرأة يسحق رأس الحية” (انظر تك 3: 15). هذا هو الشاهد الأمين، الذي يشهد عن أمانة الله في تحقيق وعوده، أنه هو الخروف المذبوح لأجلنا (رؤ 5: 12؛ 13: 8)، وهو شجرة الحياة، الذي كان وستظل فيه وحده الحياة (رؤ 2: 7؛ 22: 19)، طوبى لمن يعيش له ويسمعون وصاياه (رؤ 22: 14) وطوبى لمن يموت فيه ويُبيِّض ثيابه بدمه (رؤ 14: 13، 7: 14).

     

    ختام

    لقد أعلنت عجزي من البداية وتمنَّيتُ لو كانت لي القدرة البحثيَّة والاستنارة الروحية والبلاغة الكلامية التي تمكِّنُني من تجسيد معاني الميلاد للقارئ كما تُعلِّمها لنا كلمةُ الله، وها أنا أختم طالبًا من القدير أن يسامحني عن قصوري في التقديم المستَحَقِّ للمولود العجيب، المشير، الإله القدير، الأبدي، رئيس السلام.

    لكني أدعو كلَّ متألم وفاقد الرجاء ليستقبل مصدر رجائنا، يسوع المسيح. وأدعو كل مُضطَهَدٍ وهارب من وحشية الإنسان أن يلتصق بمولود بيت لحم مُضطَهَدِ هيرودس، ومُستَهدَف التنين. وأدعو كل من فقد ثروته ووظيفته، بل وكرامته وسلطانه، بأن يذكُر ذاك المتجسِّد الذي أخلى نفسه لأجلنا فرفَّعَه الله وأعطاه اسمًا فوق كل اسم. وأدعو كلَّ من نَغَّصت الخطيةُ حياتَه وضيَّعت سنواتٍ من عمره دون شبعٍ أن يذكُرَ حَمَلَ الله الذي أتي ليحمل خطايانا، أدعوه ليلتصق برب الحياة، وشجرة الحياة، وخبز الحياة. أدعو كلَّ واحد منا أن يذهب اليوم مع الرعاة والمجوس، لا ليهلِّلَ لمولد المخلِّص فقط، بل ليسجد له كملكِ الملوك وربِّ الأرباب مُتوِّجًا إياه ملكًا على الحياة كلها.

    يا سيدي ومخلصي: إن سعادتي هي في مولدك في حياتي، وضماني هو في مُلكك على ذاتي، فأعني أن أحتفل بك، بأن أحيا لك وأموت لك فأكون معك كل حين.

شذرات لاهوتية (المبادئ المسيحية وساحة السياسة الحزبية )

اسم الكاتب: ش. د. إيهاب الخراط

  • بداية: لا نرى إمكانية وجود “تيار مسيحيَّة سياسية”

    نرى أنه لا يمكن -من منطلق الكتاب المقدس- أن تنادي مجموعة من المسيحيين بأن حزبهم هو الذي يمثل الإيمان المسيحي ويترجمه في برامج سياسية. بعض المسيحيين يستندون لمبادئ مسيحية في الطيف السياسي الحزبي: اليمين واليسار، ويسار الوسط، ويمين الوسط، والقوميين… ولكن كتابيًّا ولاهوتيًّا لا يمكن أن تدَّعي أحزابٌ بعينها أنها تمثِّل المسيحية، أو أنَّ في المجال السياسي هناك “منظور مسيحي” سياسي يتميز عن باقي الطيف السياسي.

    المؤمن المسيحي يمكن أن يلتزم بحزبٍ من اليمين أو اليسار أو الوسط، ويظل في التزامه هذا منطلقًا من مبادئيَّة كتابية مسيحية. في تنوع المبادئ المسيحية نرى أن من هذه المبادئ ما تميل أحزاب اليسار ويسار الوسط إلى توكيده؛ مثل العدل والانحياز للفقراء والمحاماة عنهم وإعادة توزيع الثروة والمساوة. لكن من هذه المبدئ الكتابيَّة أيضًا ما تميل أحزاب اليمين ويمين الوسط إلى توكيده؛ مثل الثراء كبركة واصطناع الثروة والتوجه الوطني القومي. آخذين في الاعتبار أن التوجُّه الوطني أو القومي يمكن أن يتبدَّى في صورة يسار ذي صبغة قومية، كالناصرية والبعث، أو يمين ذي صبغة قومية؛ كأحزاب أقصى اليمين الأوروبي مثل حزب الجبهة الوطنية الفرنسية.

    لكن نرى ضرورة العمل السياسي

    وسنفصِّل هنا قليلًا المبادئ الكتابية التي تحث المسيحي على تحمُّل مسؤوليته السياسية، وسنفصِّل أيضًا الاعتراضات التقليديَّة على العمل السياسي.

    يدفعنا الكتاب المقدس إلى السعي نحو العدل والكرامة والمساواة لكل الناس. “اِفْتَحْ فَمَكَ لأَجْلِ الأَخْرَسِ فِي دَعْوَى كُلِّ يَتِيمٍ. اِفْتَحْ فَمَكَ. اقْضِ بِالْعَدْلِ وَحَامِ عَنِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ.” (أم 31: 8– 9).

    “قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ.” (مي 6: 8). “يَا بَيْتَ دَاوُدَ، هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: اقْضُوا فِي الصَّبَاحِ عَدْلًا، وَأَنْقِذُوا الْمَغْصُوبَ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، لِئَلاَّ يَخْرُجَ كَنَارٍ غَضَبِي فَيُحْرِقَ وَلَيْسَ مَنْ يُطْفِئُ، مِنْ أَجْلِ شَرِّ أَعْمَالِكُمْ” (إر21 : 12). “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَجْرُوا حَقًّا وَعَدْلًا، وَأَنْقِذُوا الْمَغْصُوبَ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، وَالْغَرِيبَ وَالْيَتِيمَ وَالأَرْمَلَةَ. لاَ تَضْطَهِدُوا وَلاَ تَظْلِمُوا، وَلاَ تَسْفِكُوا دَمًا زَكِيًّا فِي هذَا الْمَوْضِعِ. لأَنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ هذَا الأَمْرَ يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ هذَا الْبَيْتِ مُلُوكٌ جَالِسُونَ لِدَاوُدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ رَاكِبِينَ فِي مَرْكَبَاتٍ وَعَلَى خَيْل. هُوَ وَعَبِيدُهُ وَشَعْبُهُ. وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لِهذِهِ الْكَلِمَاتِ فَقَدْ أَقْسَمْتُ بِنَفْسِي، يَقُولُ الرَّبُّ، إِنَّ هذَا الْبَيْتَ يَكُونُ خَرَابًا” (إر 22: 3– 5). وخاصةً في كلمات الرب يسوع التي افتتح بها خدمته الجهارية في الأرض: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ” (لو4: 18– 19).

    ويدعونا الرب أن نكون نور العالم وملح الأرض: «أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” (مت 5: 13– 16). إذن فكما يتخلل الملحُ كلَّ جزء من الطعام، ومثلما يغمر النور كل الفضاء الذي يضيء فيه، على المؤمنين بالمسيح أن يشاركوا بفاعلية في كلِّ مكونات المجتمع البشري وجوانبه: الصناعة والزراعة ومجال المال والأعمال والتعليم والصحة والثقافة والفن والسياسة.

    المؤمن المسيحي إذن ليس موضوعًا “تحت المكيال” بل على المنارة.[1] وهو ليس مجرَّد “مرسل” إلى الخطاة لكنه واحد منهم، ينتمي لآمالهم وأحلامهم، وأوطانهم. والعمل السياسي إنما هو تعبيرٌ عن هذا الانتماء. بل يقول القس واللاهوتي المعمداني، الذي أعدمه النظامُ النازي لاشتراكه في محاولة فاشلة لاغتيال هتلر: “تعلَّمنا -ربما في وقت متأخر جدًّا- أن الفعل لا ينبع من الفكر، بل من الاستعداد لتحمل المسؤولية… الصمت أمام الشر هو في حدِّ ذاته شرٌّ، ولن يبرئنا الله. عدم الكلام هو كلام، وعدم الفعل فعل. المسيحية تقوم أو تسقط، وتنجح أو تفشل، بحسب قدرتها على اتخاذ موقف احتجاجيٍّ ثوريٍّ ضد العنف والعشوائية وزهو السلطة. بحسب قدرتها على الدفاع عن الضعفاء. والمسيحيون لا يقومون بما يكفي لإيضاح هذه النقاط المحورية في إيمانهم. العالم المسيحي تأقلم بيُسر شديد مع عبادة السلطة. على المسيحيين أن يقدموا العثرات للعالم ويصدمونه أكثر بكثير بما يفعلون الآن. عليهم أن يتخذوا موقفًا أكثر قوة لصالح الضعفاء، بدلًا من مزيد من الاهتمام بالحفاظ على الحقوق “المُحتَمَلة” للأقوياء”[2].

    القس هوارد ثورمان[3]، هو راعٍ معمدانيٌّ أمريكيٌّ من أصل أفريقي، وقد أثر تأثيرًا كبيرًا في التكوين الفكري والروحي للدكتور القس مارتن لوثر كينج، زعيم حركة الحقوق المدنية للسود في أمريكا. له مداخلة مهمة في هذا السياق، فيقول: “أعلن يسوعُ الأخبارَ السارة أن كلاب المطاردة الثلاثة الخارجة من الجحيم: الخوف والنفاق والكراهية، الكلاب التي تتعقب مسيرة المحرومين في كل جيل، ليس لها سلطان على الذين يقبلون أخباره المفرحة هذه. في مواجهة عدوانية العالم اليوناني– الروماني، صار يسوع لنفسه ولشعبه كلمة وعمل الفداء لكل المنبوذين في كل جيل وعصر. المسيحية التي وُلِدَت في ذهن هذا المعلم والمفكر اليهودي تتجلى كتكنيك يتيح للمقموعين البقاء والحياة في مواجهة القمع، وهذا التكنيك هو واقع أوَّليٌّ خام. لقد صارت المسيحية في سنوات لاحقة ديانة للسادة وذوي السلطة، لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نظن أنها كانت كذلك في زمن يسوع أو في حياته: “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس”، ولا يزال المقهورون يستجمعون شجاعة طازجة كلما تجلت هذه الحقيقة الأولية بصورتها الخام أمامهم”.[4] ويتأسف د. مارتن لوثر كينج ويقول بأسى: “في خصم نضال جبار من أجل تخليص أمتنا من الظلم والاقتصادي، سمعت خدامًا دينيين كثيرين يقولون: هذه مسائل اجتماعية، لا صلة حقيقية بينها وبين الإنجيل. ورأيت كنائس كثيرة تلزم نفسها بديانة أخروية (لا تهتم إلا بالحياة الأخرى، وتقيم تمايزًا دخيلًا وغير كتابي بين الجسد والروح وبين ما هو مقدس وما هو دنيوي”.3

    تتضمن التحفظات على العمل الحزبي السياسي، أنه انشغال بأمور “هذا العالم” واهتمام بالأمور الزمنية لا الأبدية. ولكن أقول مع كوستى بندلي في أنه “قد تكون مسألة الخبز بالنسبة لي مسألة زمنية، ولكن الخبز الذي يحتاجه أخي هو قضية روحية”. “إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: «امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا» وَلكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟” (يع 2: 15- 16).

    يقول القائد الكاريزماتي البريطاني المعاصر روجر فورستر: “يوم الخمسين هو حيث يحضر الله الموجود في كل مكان إلى مكان معين. فنستطيع آنذاك أن نجده ونجد نعمته في كل مكان في العالم.. نمتلئ بالروح لنناضل من أجل العدل للمظلومين، ومن أجل أخلاقيات الفرد الصغيرة، وكذا أخلاقيات المجتمع الكبرى. نعمل ونصلي من أجل العدل والسلام كما نصلي ونعمل من أجل خلاص النفوس”.

    ويشيع تحفظ مسيحي آخر هو أن العمل السياسي عبث؛ لأن العالم موضوع في الشرير وسيتدهور بالضرورة ولن يوقف هذا التدهور إلا مجيء المسيح. لكن سواء كان العالم سيتدهور أخلاقيًّا وروحيًّا، أو يستقدم حتى مجيء المسيح على سحاب المجد، فواجبنا أن ننتظره ونطلب سرعة مجيئه وهذا الانتظار ليس الخمول أو الانسحاب، بل إن انتظارنا لملكوته يعني الصلاة من أجل هذا الملكوت: ملكوت العدل والحرية والحب، ويعني بالضرورة العمل ضد الظلم والقمع والاستغلال. لأننا ننتظر المجد السماوي، ينبغي أن نسعى بلا هوادة لجعل هذا العالم مكانًا قريب الشبه بالسماء. لا لأنفسنا فقط بل لكل الناس، لا داخل الكنيسة فقط بل على امتداد المجتمع. ولأننا نثق في عناية الله وتدخُّله، فعلينا أن ندافع عن العدل وننقذ المغصوب من يد الظالم. ونحامي عن حقوق الإنسان وندافع عنها، سواء كان هذا الإنسان مسيحيًّا أو غير ذلك، وسواء كان هذا الإنسان متفقًا معنا في الرأي أو مخالفًا، وسواء كان صديقًا أم عدوًّا. وهذه هي الأساسات والدوافع السليمة للعمل السياسي.

    وفي هذا المقام يؤكد رجل النهضات تشارلز فيني في كتابه “علم اللاهوت النظامي”، قائلًا: “يقال إن على المسيحيين أن يتركوا إدارة الحكومات البشرية لغير المؤمنين. حتى لا يتشتت المؤمنون عن عمل خلاص النفوس ليتدخلوا فيما لا يعنيهم من عمل الحكومات البشرية. ونرد على هذا بأن نقول إن التمسك بالسعي نحو حكومات صالحة ليس تشـتيتًا عن عمل خلاص النفوس، وتعزيز السعادة الخاصة والعامة هو أحد الوسائل الضرورية لعمل الخير وخلاص النفوس والإقرار بأن المسيحيين ينبغي أن يلتزموا بطاعة نظام الحكم البشري، ومع ذلك لا يكون لهم شأن باختيار من سيحكم، هو محض لغو فارغ”.

    وفي موضع آخر يناقش فيني: “يقال إنه إذا صار العالم مقدَّسًا فلن تكون هناك حاجة لتوقيع عقوبات، ونرد بأن نقول إذا صار كل إنسان قديسًا فتوقيع عقوبات لن يكون ضروريًّا، ولكن طالما هناك قانون فمن حق وواجب السلطات أن تطبقه… على أن هذه الحالة (من قداسة كل إنسان) ليست قائمةً الآن، ولذا فعلينا أن نستمر في وضع القوانين وتطبيقها”. يطرح تشارلز فيني هدف أي نظام حكم بأنه الخير الأسمى لكل المواطنين، ويؤكد أنه إذا كانت أي قوانين أو سياسات لا تسعى لهذا، فهي والعدم سواء، وليس على أي مواطن أن يطيعها. وهنا يبدو مرةً ثانيةً تأثُّر فيني بإيمانويل كانط فيما يُعرَف سياسيًّا “بالمبدأ الكانطيّ” حرية كل إنسان تساوي حرية أي إنسان آخر والقوانين التي لم تشارك في وضعها ليس عليك واجب الالتزام بها.

    ولعلنا نرى أن كل نظام فيني اللاهوتيّ متأثِّر تأثرًا كبيرًا بالفلسفة الهيمونستية، بل ربما يصحُّ أن نقول إنه ترجمة مسيحية، أو إعادة تنصير -إن شئت- للفلسفة الليبرالية الإنسانية الكانطية، التي هي في الواقع رافد أساسي لتكوين التعددية السياسية كما نراها في البلاد الديمقراطية.

    ومن منظور دول العالم الثالث يقول بارات Parrat، من وجهة نظر علم اللاهوت الأفريقي مقتطفًا اللاهوتي انكراه Ancarah: “إن المرسلين الأوروبيين روَّجوا مسيحية تقوية، وسؤال الأبعاد الاجتماعية– السياسية للإنجيل كان دائمًا يتم تذليله لغرض حصول الفرد على الحياة الأبدية”. وهنا يقتطف بارات من الأسقف ديزموند توتو: “كثيرًا ما خُذِل القادة السياسيون بواسطة قيادات كنسية متملقة وذليلة. قيادات كان ينبغي لها أن توفر للشعب إرشادًا أدبيًّا وأخلاقيًّا، ولكنها ارتضت لنفسها دورًا انتهازيًّا. الكنيسة في أفريقيا تواجه تحديات الظلم والفساد والقمع والاستغلال، ولا يوجد لها أي خيار سوى تحقيق دعوتها النبوية أو التشكك في كونها فعلًا كنيسة يسوع المسيح”. وهذا ينطبق أيضًا لا على الكنيسة في أفريقيا فحسب بل وعلى الكنيسة في الشرق الأوسط وخاصة العالم العربي، ولعله ينطبق على الكنيسة في كل مكان في العالم.

    عدم إمكانية القول بتوجه سياسي واحد المسيحية

    رغم أن العهد القديم يتأسس على متابعة جذور وتطورات دولة ثيوقراطية، وهو زاخر بالأنبياء المحاربين والملوك الذين يسعون إلى تثبيت عبادة الرب وشرائعه ومقارنتهم بالملوك الذين هم غير ذلك، إلا أن المسيح كان حاسمًا في رفضه لأن يكون نبيًّا محاربًا أو ملكًا أو ثائرًا سياسيًّا: “أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ.” (يو18: 36). وفي هذا السياق نود أن نقدم بُعدًا آخر لكلمات يسوع التي تُستَخدَم عادةً لتأسيس مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة، وأحيانًا لتبرير انعزال المسيحي عن السياسة، أو فصل موقفه من السياسة عن قناعاته المبادئية والروحية. “أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ” (مت 22: 21 ولو20: 25). يجب أن نلاحظ هنا أن الوطنيين ذوي النزعة الدينية والداعين إلى عدم دفع الجزية لقيصر كانوا سيمسكون على يسوع زلةً إن نادى بدفع الجزية لقيصر. وعملاء القيصر وأتباعه كانوا سيمسكون عليه جريمة الدعوة لعدم دفع الجزية، إن دعا لعدم دفع الجزية. ومن ثم عندما سأل يسوعُ عن “صورة من على العملة؟”، كان يقول للثوريين المتدينين إن اسم الله كان يجب أن يكون على العملة؛ أي أنه كان يرسل لهم رسالةً ضمنيةً؛ إذن فلنخلع قيصر ونضع اسم الله على عملة شعب الله. ثم للرومان وأتباعهم هو قال نصًّا: “أعطوا ما لقيصر لقيصر”، فلم يمنع دفع الجزية. غرض هذه الإجابة الأساسي هو الإفلات من الفخ المزدوج الذي كان مُعَدًّا ليسوع. لكن في كل الأحوال تفادى يسوع المشاركة الفعلية مع الثوار كما تفادى الانضمام لدعاة الاستقرار تحت رعاية القيصر.

    وفي واقعة دفع الدرهمين نرصد عدة ملاحظات مهمة وذات طبيعة سياسية. فعندما سأل جباة الدرهمين بطرس: “أما يوفي معلمكم هذه الضريبة؟” وأجاب بطرس: “بلى”، ثم لما قابل يسوع سأله يسوع: “مَاذَا تَظُنُّ يَا سِمْعَانُ؟ مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأَرْضِ الْجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ، أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأَجَانِبِ؟” قال له بطرس: “مِنَ الأَجَانِبِ”، قال له يسوع: “فَإِذًا الْبَنُونَ أَحْرَارٌ (أي معفيون من الجزية)” (مت 17: 24- 26). هنا نسب يسوع لنفسه أنه من أبناء الإمبراطورية الرومانية، كأنه -معنويًّا- مواطن روماني وهو رسميًّا لم يكن حائزًا على الجنسية الرومانية. بخلاف بولس مثلًا الذي كان يتمتع رسميًّا بهذه الجنسية. يسوع كان هنا يعلن أنه أكثر من مجرد مواطن يهودي، بل هو أيضًا روماني، هو مواطن عالمي لا ينتمي لوطن واحد. ثم أن السمكة وليس بطرس الذي اصطادها وفقًا لتعليمات يسوع هي التي دفعت الإستار (4 دراهم أو ما يوازي أجرة أربعة أيام) لو كان بطرس ذهب للصيد أربعة أيام وأتى بالدراهم لكنا قلنا بطرس دفع الجزية. لكن يسوع هنا يقول إنه ابن الكون كلِّه، الخليقة العاقلة والجامدة، بل إنه أيضًا ينمتي إلى ما فوق أو ما وراء الخليقة، هو ابن الله سيد المعجزات.

    وفي كل الأحوال هذان الحدثان المتصلان بعلاقة يسوع بالسياسة يُظهِران وعيَه السياسيَّ العميق، ويظهران موقفَه السياسيَّ السلميَّ والمبادئيَّ، وعزوفَه عن دور الثائر العنيف ودور النبي المحارب أو دور الملك الحاكم بالسلطان الإلهي لأجل حماية مشروع الله.

    [1] الفقرات الأخيرة من هذا المكوِّن تعتمد إلى حدٍّ بعيد على مقالي المنشور في العدد الأول من المجلة الإلكترونية تيسلو بعنوان “المسيح والثورة”، نوفمبر 2019. وعلى أجزاء من الخطاب الذي ألقيته في حفل التخرج بكلية اللاهوت الإنجيلية بالعباسية في يونيو 2011 بعنوان “الشهادة المسيحية في ربيع الثورة العربية: منظور إنجيلي”.

    [2]  Fox, M, Christian Mysticism         P. 353-4                                                  

    [3]   Fox, M, Christian Mysticism        P. 213                                                    

     

ملحق العدد مَنْ هُوَ هذَا؟ حالة حوار: سؤال وجواب حول هوية يسوع في قصة الميلاد

اسم الكاتب :القسّ عيد صلاح

  • السؤال الذي كان يُسأل عن المسيح هو: من هو هذا؟ سأله التلاميذ وهم في عرض البحر: “فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ! (مر 4: 41). وسأله هيرودس في القصر: “فَقَالَ هِيرُودُسُ: يُوحَنَّا أَنَا قَطَعْتُ رَأْسَهُ. فَمَنْ هُوَ هذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْهُ مِثْلَ هذَا؟ وَكَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَرَاهُ.” (لو 9: 9).

    وهذا السؤال سأله المسيح نفسه: “وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلًا: مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ فَقَالُوا: قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ! فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ.” (مت 16: 13-19).

    وهو السؤال الذي كان محور المجامع المسكونيّة حول شخص المسيح: من هو؟ وهو السؤال الذي يتحدانا يومًا بعد الآخر، من هو المسيح؟ وما هو عمل المسيح؟ وكلاهما يدور حولهما الكرازة ولا سيما في القرينة العربيّة. حول هذا السؤال كانت حالة الحوار التي بدأت ولن تنتهي حول شخص يسوع المسيح.

     

    قصة الميلاد تُقَدِّمُ إجابة على سؤال: مَن هو المسيح؟

    بالعودة إلى قصة الميلاد نجد أنها تُعلن بوضوح هوية يسوع المسيح في شخصه ورسالته، وقد وردت قصة الميلاد بوضوح في متى 1، 2 ولوقا 1، 2 عن الميلاد الجسديّ، ثم يشير البشير مرقس إلى بداية خدمة المسيح العلنيّة في بداية الإصحاح الأول (مر 1: 1)، بينما يعود البشير يوحنا إلى الوجود الأزليّ لشخص المسيح في استخدامه لمفهوم الكلمة حسب (يو 1: 1). وهكذا ترتِّب الأناجيلُ الوجودَ الأزليَّ للمسيح (بداية إنجيل يوحنا) ثم الميلاد الجسديّ (بداية إنجيل متى ولوقا) ثم بداية خدمته (بداية إنجيل مرقس)، وهذا يبين التكامل في الأناجيل في قصة الميلاد.

    وقصة الميلاد مُلهِمة، مثلها مثل قصة الخلق في سفر التكوين وحلول الروح القدس يوم الخمسين في بداية أعمال الرسل. وبالتالي الخلق والتجسد وحلول الروح القدس في يوم الخمسين هي أحداثٌ غير قابلةٍ للتكرار، كما قال هيرمان بافينك في بداية كلامه في كتابه عن الروح القدس.

    في هوية المسيح في قصة الميلاد يكون التركيز على الأسماء التي وردت في قصة الميلاد؛ فكل اسم له معنى ورسالة، وكل الألقاب تؤكِّد على هوية المسيح، ثم تركز على رسالته، وسنناقش سؤالين هما: مَن هو المسيح حسب قصة الميلاد؟ ثم مَن هو المسيح بالنسبة لنا اليوم؟

    يبدأ إنجيل متى بإعلان هوية المسيح بالقول: “كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ” (مت 1: 1). في هذه الافتتاحية نجد أربعة أسماء وألقاب مهمة: يسوع، المسيح، ابن داود، ابن إبراهيم. وفي لوقا يقول: ابن الله “بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ.” (لو 3: 38). وأيضًا: “فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (لو 1: 35). وكان الإعلان: “هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ” (لو 1: 32). وقال مرقس في بداية الإنجيل: “بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ” (مر 1: 1).

    في استخدام ابن داود وابن إبراهيم وابن الإنسان كما قال المسيح عن نفسه: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ.” (لو 19: 10) يركز على الجانب الجسديّ، وابن الله وابن العلي يبرهن على لاهوت المسيح؛ فالمسيح إنسان كامل وإله كامل في آن واحد، وهو الله حسب ما ذكر الوحي في يوحنا “وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يو 1: 1).

    ومن المُلاحَظ أنَّ متى ركَّز على سلسلة النسب في (متى 1: 1-17)، ثم في إنجيل (لوقا 3: 23-38). ولا يمكن وردود هذه السلسلة إلا بالمقارنة بأول سلسلة نسب وردت في سفر التكوين الإصحاح الخامس، وهنا تكون المقارنة بين قائمة آدم وقائمة المسيح، نسل آدم ونسل المسيح “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ.” (1كو 15: 22).

    سلسلة آدم تفوح منها رائحةُ الموت، وهي الكلمة الأكثر تكرارًا في سلسلة نَسَب التكوين، ورسالة الحياة التي جاءت في شخص يسوع المسيح: “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1: 4)، وكما قال المسيح عن نفسه: “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ” (يو 14: 6). سلسلة النسب في متى بدأت من إبراهيم وفي لوقا رجعت لآدم وهذا يُبَيِّن أنَّ رسالة المسيح لكل الناس. واختلاف سلسلتي النسب بين متى ولوقا يعود إلى أن سلسلة نسب يوسف من سليمان الملك ابن داود الملك، بينما تتبَّع القديس لوقا سلسلة أنساب العذراء مريم من ناثان بن داود الملك حتى وصل إلى هالي والد العذراء مريم، وقد نسب إليه يوسف.

    الألقاب التي وردت في قصة الميلاد: اسم ورسالة

    أولاً: يسوع

    وهو اسم عبريّ “يشوع” ومعناه مُخلِّص أو يُخلِّص، وهو ما أكدت عليه قصة الميلاد حسب قول الملاك ليوسف: “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1: 21). وهي نفس الرسالة للرعاة: “فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ.” (لو 2: 11). بيَّنت قصةُ الميلاد هدفَ المسيح ورسالته الأساسيّة، وهي رسالة الخلاص، وهو ما تأكَّد في سفر أعمال الرسل: “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ.” (أع 4: 12).

    ثانيًا: المسيح

    المسيح هو الاسم العبريُّ للمسيا، ومعناه الممسوح من الله، وهو حلم كل العهد القديم ونبواته عن المسيا الآتي، الذي يحقق الرخاء والعدل والسلام. قال أندراوس لبطرس: “قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: الْمَسِيحُ. فَجَاءَ بِهِ إِلَى يَسُوعَ” (يو 1: 41، 42). في المسيح تحققت نبوات العهد القديم كاملةً، وقد أشار البشير متى إلى ذلك في قصة الميلاد في أكثر من موضوع على سبيل المثال (مت 1: 22، 2: 5، 15، 17، 23).

    ثالثًا: ابن إبراهيم

    في الإصحاحات الأحد عشر الأولى من سفر التكوين، برزت مشكلاتٌ ثلاث دمَّرت البشريّة، هي: الخطية، الطوفان، بلبلة الألسنة. ومع تكوين 12، يبدأ الله من جديد مع إبراهيم بوعد مهم: “وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ.” (تك 12: 1-3). وقد تحقق الوعد في شخص المسيح: “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ” (أف 1: 3).

    قصة إبراهيم هي قصة أساسية في الإيمان المسيحيّ، وهو شخصية مركزية في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، والتلمود وما بين العهدين، كما أنَّه شخصية مهمة في القرآن. ويمثل حلقة الوصل بين الديانات الثلاث، ويُعتبر مادة طيبة للحوار بين أتباع الديانات والثقافات. ومازال لهذه القصة الأثر على أيامنا الحالية.

    لم يظهر إبراهيم على مسرح الأحداث فجأةً، ولكنه يأتي في سياق ترتيب سفر التكوين من ناحية الأنسال؛ فمن آدم إلى نوح عشرة أنسال، ومن نوح إلى إبراهيم عشرة أنسال. عاش إبراهيم 175 سنة منها 100 سنة في علاقة مع الله، فحين دُعي كان في سن 75 عامًا (تك 12: 4)، وحين رقد كان لدية 175 عامًا (تك 25: 7)، فعاش 100 عام من الخبرة الروحيّة مع الله، ورد في العهد القديم 160 مرة، وفي العهد الجديد 70 مرة. وتتلخص حياته في ثلاث محطات كبرى: الدعوة (تك 12)، العهد (تك 15)، تقديم إسحاق (تك 22). وأصبح جزءًا مهمًّا في تاريخ العلاقة مع الله: “جَمَعَ يَشُوعُ جَمِيعَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى شَكِيمَ. وَدَعَا شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَرُؤَسَاءَهُمْ وَقُضَاتَهُمْ وَعُرَفَاءَهُمْ فَمَثَلُوا أَمَامَ الرَّبِّ. وَقَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: آبَاؤُكُمْ سَكَنُوا فِي عَبْرِ النَّهْرِ مُنْذُ الدَّهْرِ. تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو نَاحُورَ، وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى. فَأَخَذْتُ إِبْرَاهِيمَ أَبَاكُمْ مِنْ عَبْرِ النَّهْرِ وَسِرْتُ بِهِ فِي كُلِّ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَكْثَرْتُ نَسْلَهُ وَأَعْطَيْتُهُ إِسْحَاقَ.” (يشوع 24: 1-3).

    تزوج إبراهيم سارة وهاجر وقطورة وسراري أخريات وله 21 حفيدًا. وكان العقم نوعًا من اللعنة: سارة، رفقة، راحيل كلهن كنَّ عاقرات، وبالتالي كن يحتجن إلى تدخلٍ إلهيٍّ، وهذا ما تم معهن جميعًا. العهد مع إبراهيم “اذهب، وكن بركة”. والذي ميَّز قصة إبراهيم حسب العهد الجديد هو حياة الإيمان: “فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا.” (رو 4: 3)، ونجد أيضًا إشارة واضحة عن حياة الإيمان في (عبرانيين 11: 8-12؛ 17-18).

    والقصة ظهرت في تواصل مع آدم، فتظهر قصة إبراهيم بعد ثلاث كوارث إنسانية كبرى حسبما وردت في تكوين من 1-11، حيث السقوط وما تبعه من جرائم أخلاقيّة كالقتل، ثم حادثة الطوفان، ثم بلبلة الألسنة في بابل، فالبشريّة في حالة من الفوضى والهلاك والدمار. فيأتي إبراهيم لخطةٍ إلهيّةٍ محدَّدةٍ يقدم الله من خلاله حلًّا لكل المشاكل البشريّة من خلال عهد الله مع إبراهيم. وحسب وعد الرب له: “كن بركة”، يكون بركةً لكل الشعوب والأمم، وذلك عكس اللعنة التي لُعِنت بها الأرض بسبب خطية آدم (تك 3: 17). والبركة هي السبيل إلى الحياة للخليقة كلها. وفي هذه القصة نجد أنها لكل الخليقة وليست لإبراهيم فقط.

    تتواصل القصة مع المسيح، يشير متى في الإنجيل إلى “كِتَاب مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ” (مت 1: 1)، وذلك من منظور قصة الخلاص حسب الوعد “وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (تك 12: 3)، وذلك تحقيق للإرادة الإلهية. يركز البشير متى على المفهوم الخلاصيّ من خلال العهد مع إبراهيم وتحقيقه في شخص المسيح في العهد الجديد. والخلاص هو لكل الأمم وليس إسرائيل فقط، ومن خلال سلسة النسب الواردة في متى 1 نجد تجسيدًا لهذ المفهوم؛ حيث تشمل السلسلة شخصيات ليست يهوديّة كراحاب وراعوث، وفي نفس الوقت تنتسب إلى السلسلة شخصيات سيئة السمعة مثل ثامار، وهذا دليل على لاهوت النعمة في المفهوم الخلاصي.

    رابعًا: ابن داود

    شخصية داود شخصية مركزيّة في الكتاب المقدّس؛ فقد تحوَّل لنموذج، وتحول من الشخصيّة التاريخيّة إلى الشخصيّة الداوديّة، وتجد أنَّه قد تحقَّقت فيه عهود كثيرة، فالعهد القديم متمحور حول سلسلة من العهود في إيقاع تصاعدي تأتي بنا من خطوة تلو الأخرى إلى المسيح. في هذه السلسة يحتل داود مكانة مهمة ومتميزة، فإنَّه تحوّل إلى نموذج ورمز.

    وظهرت كتابات مثل (حزقيال 34: 20-25) تتكلم عن شخصية داود كنموذج للرعاية بالرغم أنَّ الزمن بين حزقيال وداود 300 سنة، داود كان في 1000 قبل الميلاد وحزقيال 700 قبل الميلاد. وهو يقدم في حزقيال 34 صورة لمن يرضي الله، يمثل طبيعة الله، يمثل شرع الله وكأن الله هو الحاكم والقاضي. الله سوف يخلص الشعب ليس فقط من السبي الجغرافيّ ولكن من السبي الروحيّ وهي حالة الابتعاد عن الله، والحل ليس الرجوع للأرض ولكن الرجوع لله. وفي حال فشل الرعاة عن الرعاية كما رصدها حزقيال 34 يظهر في المشهد داود، فالشخصية الداودية تعبِّر عن العدالة والسلام والطاعة الكاملة.

    وفي حزقيال 37 يقدم الشخصية الداودية القادمة، قائلًا: “وَدَاوُدُ عَبْدِي يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ لِجَمِيعِهِمْ رَاعٍ وَاحِدٌ، فَيَسْلُكُونَ فِي أَحْكَامِي وَيَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَيَعْمَلُونَ بِهَا. وَيَسْكُنُونَ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُ عَبْدِي يَعْقُوبَ إِيَّاهَا، الَّتِي سَكَنَهَا آبَاؤُكُمْ، وَيَسْكُنُونَ فِيهَا هُمْ وَبَنُوهُمْ وَبَنُو بَنِيهِمْ إِلَى الأَبَدِ، وَعَبْدِي دَاوُدُ رَئِيسٌ عَلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ. وَأَقْطَعُ مَعَهُمْ عَهْدَ سَلاَمٍ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ عَهْدًا مُؤَبَّدًا، وَأُقِرُّهُمْ وَأُكَثِّرُهُمْ وَأَجْعَلُ مَقْدِسِي فِي وَسْطِهِمْ إِلَى الأَبَدِ.” (حزقيال 37: 24-27)، وهنا نجد داود نموذجًا مصغرًا للمسيح، وما تم من إحياء العظام هو صورة للقيامة في شخص المسيح.

    في إرميا نجد تصورًا آخر للشخصية الداودية: “فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَفِي ذلِكَ الزَّمَانِ أُنْبِتُ لِدَاوُدَ غُصْنَ الْبِرِّ، فَيُجْرِي عَدْلًا وَبِرًّا فِي الأَرْضِ” (إرميا 33: 15)، هو غصن البر الذي يرفع شعب إسرائيل من المعصية إلى البركة. يرد شعب يهوذا وشعب إسرائيل ويغفر ذنوبهم.

    وفي إشعياء يُقدَّم داود على أساس العبد المتألم؛ فمن إصحاح 1-39 يقدم حلم صهيون لحياة جديدة، ومن إشعياء 40-66 يقدم تعزية، فالله يأتي بخليقة جديدة وأرض جديدة، ينتقل من صهيون الساقطة إلى صهيون الجديدة، والسؤال كيف يكون هذا يكون من خلال عبد الرب المتألم حسب ما ورد في إشعياء 42، 49، 50، 53، هذا هو الملك القادم للخلاص.

    في إشعياء 55: 4-5 يتحدث عن “مراحم داود الصادقة” الشخصية الداودية ينبوع البركة، صورة لشخص المسيح كما ورد في أعمال الرسل 13. في داود المتألم يحقق اللهُ العهدَ مع داود، والمسيح هو الشخصية الداودية. هكذا نرى شخصية داود -كنموذج- امتدت لتكون أكبر من شخصيته وهويته التاريخية وتكون صورة للمسيح القادم، الذي تتبارك فيه كل قبائل الأرض.

    خامسًا: ابن العلي

    تقدم الأناجيلُ حقيقةَ هوية يسوع المسيح، وذلك قبل الصياغات التي أتت بها المجامعُ المسكونيةُ حول شخص المسيح؛ فتذكر قصة الميلاد أن يسوع المسيح هو ابن الله وابن العلي، والبنوة هنا ليست بنوةً مجازيةً أو استعاريةً ولكن بنوَّة ذاتية. وفي لوقا يقول: ابن الله “بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ.” (لو 3: 38). “فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (لو 1: 35). “هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ” (لو 1: 32). “بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ” (مر 1: 1).

    سادسًا: المخلص

    قال الملاك ليوسف: “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1: 21). وهي نفس الرسالة للرعاة: “فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ.” (لو 2: 11). الخلاص هو المشروع الإلهي الأهم في قصة الميلاد، فالهدف والرسالة هو يخلِّص، والاسم هو المُخلِّص، والخلاص يتعامل مع المشكلة الأساسية وهي مشكلة الخطية. وقد عبَّر الرسول بولس عن هذا الأمر بصورة عامة بالقول: “الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (2تي 1: 9). وبصورة شخصية يقول الرسول بولس: “صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.” (1تي 1: 15).

    سابعًا: عمانوئيل

    من الأسماء المُحبَّبة التي ظهرت في الميلاد وأُعلِنت ليوسف هو “عمانوئيل” قال الملاك ليوسف: “هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (مت 1: 23). بدأ إنجيل متى في المسيح ومع المسيح بالتأكيد على معية الله، وفي نهاية إنجيل متى يقول المسيح: “وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ.” (مت 28: 20). ويقول بولس: “فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟” (رو 8: 31). الله معنا هو سبب تعزية حقيقية في كل ظروف الحياة، فالله معنا أهم سبب في دفع الحياة الروحية للأمام. وبالتالي تكون حياة الإيمان إننا نلتصق به في ظل الظروف الصعبة: “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ (رو 8: 35)، ولغة اليقين هي: “فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.” (رو 8: 38-39).

    ثامنًا: الملك

    مع قصة المجوس يعلن الوحي المقدس في قصة الميلاد عن يسوع المسيح بوصفه ملكًا: “وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ” (مت 2: 1-2). إعلان الملك في إنجيل متى مرتبط بإعلان السجود له وهذا ما فعله المجوس: “وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا.” (مت 2: 11). وينتهي إنجيل متى بسجود التلاميذ للمسيح بالقول: “وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا.” (مت 28: 17)، والإعلان عن سيادة الرب يسوع المسيح: “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ” (مت 28: 18).

    في لوقا كان كلام الملاك لمريم: “هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ.” (لو 1: 32-33). وفي أنشودة التجسد: “لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.” (في 2: 10-11). ويعلن سفر الرؤيا عن شخص المسيح: “وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ،” (رؤ 1: 5). وأيضًا: “وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ.” (رؤ 19: 16).

    تاسعًا: مدبر

    من الألقاب التي تلفت النظر أيضًا بعض الحديث عن يسوع المسيح الملك هو أنه مدبر يرعى، أو يحكم: “وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ” (مت 2: 6). وفي مقارنة غير مباشرةٍ بين يسوع الملك وهيرودس الملك نجد أن مُلك المسيح في رعاية وتدبير بينما هيرودس الملك يقتل الأطفال ليظل على قمة السلطة. قال المسيح: “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ.” (يو 10: 11).

    في قصة المسيح حسب الأناجيل نجد حكمة وعمل المسيح في الرعاية والتدبير مع كافة الفئات المهمشة، حيث تلخص هذه الكلمات علمه: “الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا” (أع 10: 38). وقد عبر البشير متى بالقول: “وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا.” (مت 9: 36).

    عاشرًا: القدوس

    من الألقاب والأسماء المهمة عن شخص المسيح في الميلاد هو القدوس: “فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (لو 1: 35). القدوس تشير إلى الله في طبيعته، المنزه عن الخطية، كلِّي الكمال، وقد شهدت الأناجيل عن شخص المسيح أنه بلا خطية؛ فيقول بولس: “لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ.” (2كو 5: 21). ويقول بطرس: “الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1بط 2: 22). ويقول يوحنا: “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ.” (1يو 3: 5).

    قداسة الله تقودنا لنحيا حياة القداسة “لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ.” (1بط 1: 16). وهذا يدعونا ألا نتصالح مع الخطية؛ فالقداسة تعني نقاوة الأحشاء وطهارة الأعضاء. ونحصل على القداسة من خلال عمل نعمة الله في الحياة: “لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ” (تي 2: 11-12). ولنتذكر دائمًا أن دعوة الله لنا هي الدعوة لحياة القداسة: “لأَنَّ اللهَ لَمْ يَدْعُنَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ فِي الْقَدَاسَةِ.” (1تس 4: 7).

    حادي عشر: الكلمة

    القارئ لإنجيل يوحنا يرى أنَّه اتخذ مدخلًا مهمًّا جدًّا وهو التعبير عن شخص المسيح بالكلمة، وهو مدخل يفهمه اليونانيُّ: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ.” (يوحنا 1: 1-2). الكلمة تعبر عن الوجود الأزليّ لشخص المسيح وارتباط الكلمة بالحياة والاستنارة، يقول يوحنا: “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1: 4). وهو يعطي حياة الاستنارة: “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أف 1: 18). وقال المسيح: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ.” (مت 5: 14). في ظل مساحات الظلام الفكري نحتاج لنور واستنارة المسيح بالروح القدس لينبر لنا الحياة والخلود أيضًا: “وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ.” (2تي 1: 10).

    ثاني عشر: الحمل

    ويستخدم يوحنا أيضًا كلمة “الحمل” وهي مدخل يفهمه اليهوديّ: “هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَم” (يوحنا 1: 29). والحمل يستعيد من خلاله رحلة الخروج من أرض مصر أرض العبودية، فكما كان الحمل والفصح دليلًا على العبور والخروج من العبودية للتحرير، وهكذا شخص المسيح هو من عَبَر بنا من خلاله لله فهو فصحنا: “إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا.” (1كو 5: 7).

    الكلمة مفهومٌ فلسفيٌّ يونانيٌّ والحَمَل مفهوم طقسيٌّ يهوديٌّ يَستخدِم مدلول الفصح اليهوديّ للتأكيد على عمل الله الخلاصيّ في التاريخ. الحمل ضعيفٌ ولكنه يرفع خطية العالم، الكنيسة ضعيفة ولكنها يمكن أن تغير، ويمكن أن تنتصر، نحن ضعفاء ولكن لنا تأثير. لذا المسيح كفايتنا لأنه هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. رسالة الميلاد تعلن وتؤكِّد لنا عن كفاية شخص المسيح.

    ملاحظات ختامية:

    • هوية المسيح ارتبطت برسالته، وارتبطت رسالة المسيح بهويته، الهوية والرسالة أمران متلازمان وقد بينت قصة الميلاد ذلك. “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ.” (مت 1: 21). “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ.” (أع 4: 12).
    • الخلاص من الخطية هدف مجيء المسيح إلى العالم، فهو يخلِّص، والمُخلِّص، وحمل الله الذي يرفع خطية العالم، فمهما كانت خطايانا نجد أن محبة الله أعظم وأكبر. “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ.” (1كو 15: 22). “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.” (رو 6: 23).
    • في المسيح وقصة الميلاد نختبر المعيّة الإلهيّة في كل ظروف الحياة في الأمور الكبيرة والصغيرة، فالله معنا. “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ (رو 8: 35)، ليصل لحالة من اليقين بالقول: “فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.” (رو 8: 38-39).
    • سيادة المسيح الملك تشمل كل الحياة الفضاء العام والخاص، وهو يدير ويرعى، ويحكم بالعدل والمساواة بين البشر. “لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.” (رو 11: 36).
    • اختبار حياة التقديس من خلال علاقتنا بالقدوس بعدم التصالح مع الخطية والجهاد والصراع اليومي المتجدد مع الخطية والشر والعالم. فالله دعانا دعوة مقدسة، “الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ،” (2تي 1: 9). ونعمته أيضًا تقودنا للقداسة: “لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ” (تي 2: 11-12).
    • الاستنارة الحقيقية هي في المسيح، ومن خلاله، ففيه النور والاستنارة، ومسؤوليتنا أن نستنير وننير أيضًا. من أول كلمة في التكوين قالها الله كان عن قصده في النور: “وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ.” (تك 1: 3). وقد فهم الرسول بولس هذا الأمر بالقول: “لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (2كو 4: 6). وهو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان: “كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ.” (يو 1: 9) إلى عمل المسيح: “وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ.” (2تي 1: 10). “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أف 1: 18). ويصف الرسول بولس حالتنا: “لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلًا ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ.” (أف 5: 8). ويسوع المسيح هو: “ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ.” (يو 8: 12). وقال المسيح أيضًا: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” (مت 5: 14-16).