القس إسحق وليم.
اسم الكاتب : يوسف أدور
فترة ثانية في رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، فاز بها الدكتور القس أندريه زكي، بعد انتخابه “بالإجماع” في 17 فبراير 2023م، رئيسًا للطائفة الإنجيلية في مصر، حيث أعلنت لجنة انتخابات رئاسة الطائفة الإنجيلية، فوز الدكتور القس أندريه زكي، بمنصب رئيس الطائفة، والدكتور القس جورج شاكر، بمنصب نائب رئيس الطائفة، لفترة جديدة. وأوضحت اللجنة في بيان لها: “أنها بدأت أعمالها بموجب قرار بتشكيلها من المجلس الإنجيليّ في اجتماعه بتاريخ 21 ديسمبر 2022″، و”أنها باشرت أعمالها بكل دقة وشفافية بالسير في كافة الإجراءات من تلقي طلبات الترشح والنظر فيها، وفتح باب تلقي الطعون ودراستها وصولًا إلى المرحلة الأخيرة، وهي عملية إجراء الانتخابات”.
وتابع بيان اللجنة أن “عملية الانتخابات أُجريت بالاقتراع السريِّ، والتي أسفرت عن حصول الفاضل الدكتور القس أندريه زكي، المرشَّح على منصب الرئيس، على عدد ١٤ صوتًا من إجمالي عدد ١٤ صوتًا. كما حصَل الفاضل الدكتور القس جورج شاكر سمعان، المرشح على منصب نائب الرئيس، على عدد ١٤ صوتًا من إجمالي عدد ١٤ صوتًا”. وبذلك يكون الفائز بمنصب رئيس الطائفة الإنجيلية، هو الفاضل الدكتور القس أندريه زكي اسطفانوس قليني، والفائز بمنصب نائب رئيس الطائفة الإنجيلية هو الفاضل الدكتور القس جورج شاكر سمعان، وذلك للدورة المقبلة لمدة ثماني سنوات، تبدأ من مارس 2023م حتى مارس 2031م.
مذاهب الطائفة الإنجيلية
الجدير بالذكر أن الطائفة الإنجيلية في مصر تضم “18” مذهبًا هي:
رؤساء الطائفة الإنجيلية في مصر
ويُذكر أيضًا أنه تعاقب تسعة رؤساء على منصب رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، على النحو التالي:
تاريخ من الثقة
انتُخِب الدكتور أندريه زكي نائبًا لرئيس الطائفة الإنجيلية عام 2007، وخلال ثماني سنوات -هي مدة توليه هذا المنصب- قام خلالها بجهد كبير في تقوية العلاقات بين الكنيسة الإنجيلية، والكنائس الأخرى، على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وساهم في بناء علاقةٍ قويَّةٍ تجمع الكنيسةَ بكافة المؤسسات الرسمية بالدولة، والمؤسسات الدّينية وعلى رأسها مؤسسة الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، بهدف تدعيم العمل المشترك بين كافة أبناء الوطن دون النظر إلى الدّين أو العقيدة.
وبعد انتهاء فترة هذا المنصب انتُخب في 20 فبراير 2015م بالإجماع من أعضاء المجلس الإنجيلي العام، رئيسًا للطائفة الإنجيلية تتويجًا لدوره في خدمة الكنيسة والمجتمع.
إنجازات على أرض الواقع
خلال فترة توليه رئاسة الطائفة، الفترة الأولى لمدة “8” سنوات من 2015م إلى 2023م، عمل الدكتور القس أندريه زكي على توطيد العلاقات مع كافة مؤسسات الدولة، من خلال الاحترام المتبادل، ومع كافة القيادات الدّينية الإسلامية والمسيحية في مصر، من خلال العمل المشترك بينهم، ولعب دورًا بارزًا في بيت العائلة المصرية، وكذلك في تنمية الروح المسكونية بين مختلف الطوائف المسيحية من خلال دعم مجلس كنائس مصر.
وساهم في تأصيل العمل القانوني المرتبط بالكنيسة، من خلال لجان متخصصة تتولى الدّراسة وعرض مقترحاتها على أعضاء المجلس الإنجيلي ورؤساء المذاهب، وخاصة قانون بناء وترميم الكنائس، الذي صدر في 28 سبتمبر 2016م، بعد أن توافقت عليه الكنائس المصرية الثّلاث، وأيضًا قانون الأحوال الشّخصية لغير المسلمين، الذي مازال قيد الدراسة من قِبَل الجهات المعنيَّة بالدَّولة، وذلك بالتنسيق المشترك مع الكنائس الأخرى.
كما ساعد على تفعيل دور مجلس رؤساء المذاهب مع المجلس الإنجيليّ العام، وتشكيل قاعدة عريضة من القساوسة وأبناء الكنيسة لمساندة الطائفة في دورها، ووضع أيضًا خطةً للتوسُّع في المبنى الإداري للطائفة، وبناء أدوار جديدة حتى يتمكن الأعضاء من أداء دورهم على الوجه الأكمل.
مسيرة عطاء
الدكتور القس أندريه زكي من مواليد محافظة المنيا بصعيد مصر عام 1960م. تخرج في كلية اللاهوت الإنجيلية عام 1983م، وحصل على “دبلوم” في التنمية الاجتماعية من معهد كودي، التابع لجامعة سان فرانسيس زافيير- كندا، عام 1988م، وماجستير في الدراسات اللاهوتية وعلم الاجتماع من جامعة إيسترن- بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، عام 1994م، ثم حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الأديان والسياسة من جامعة مانشستر- بريطانيا، عام 2003م، عن رسالة بعنوان “الإسلام السياسي والأقليات.. مستقبل المسيحيين العرب في الشرق الأوسط”.
للدكتور القس أندريه زكي عدة مؤلفات منها: الكنيسة في قرينة عربية مصرية- ملكوت الله في رؤية لاهوتية متكاملة، الإسلام السياسي والأقليات، المسيح والنقد التاريخي، الأقباط والثورة، من لاهوت الشفافية إلى لاهوت العيش المشترك، التنمية من الإحسان إلى مجتمع المتانة والمرونة.
وهو يجمع ما بين الفكر الأكاديمي من خلال دراساته الأكاديمية، والخبرة الميدانية في مجال التنمية والحوار من خلال العمل في وحدات الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، والعمل الرعوي من خلال كونه قسًّا، تولى عدة مناصب في الطائفة الإنجيلية، وصولًا إلى رئاسة الطائفة، بما يحمله من رؤية تجاه دور الكنيسة وعملها وسبل التكامل بين الدور الروحي والدور الاجتماعي.
الفكر اللاهوتي
من خلال العظات والمقالات والكتابات يستطيع المتابعُ تمييز خطٍّ فكري وروحي يميز الفكر اللاهوتي للدكتور القس أندريه زكي، وهو ارتباط العقيدة والتعليم بالسلوك، وارتباط تفسير كلمة الله بظروف الحياة الراهنة؛ إذ يؤكد في أغلب كلماته على أهمية ربط تفسير كلمة الله في ضوء ظروف العصر الراهن، إضافة إلى تفسيرها وفقًا لقرينتها الثقافية والأدبية والجغرافية والسياسية، وهو يرى في هذين العنصرين ضرورة لا غنى عنها لتفسير الكتاب. وهو يرى أيضًا أن الروحانية لها أبعاد مميزة تتمثل في “العمل الجماعي، والمشاركة والعمل الإبداعي”.
تتميز قراءته للكتاب المقدس بلمحة عصرية مبنية على أساس دراسي دقيق لقرينة النص، وهو يؤمن بضرورة الحفاظ على التفسير التعددي؛ وأهم ما يقال في هذا الصدد هو إيمانه العميق بـ”رحابة النص وجمود التفسير”؛ فهو يرى أن النص متسع ويحتمل العديد من التفسيرات، وأن المشكلة الكبرى تكمن في المفسر الذي لا يرى للنص إلا وجهًا واحدًا وتفسيرًا واحدًا.
كما يرى الدكتور القس أندريه زكي أن السيد المسيح كان له دور تجديدي تمثل في مراعاة السيد المسيح لدقة المصطلح ودلالة الحدث، وتعدد البدائل وقيمة التغيير، والربط بين الالتزام الأخلاقي والإيمان. وأن الإيمان هو دعوة لتفعيل الدهر الآتي في دهرِنا الحالي، وهذا يعكس رؤيته تجاه ملكوت الله والربط بين البعد الإسخاتولوجيّ والبعد الحاليّ.
ومن بين هذه الأفكار اللاهوتية، نظرته لدور الكنيسة الاجتماعي وضرورة التكامل مع الدور الروحي، حيث يرى أن الكنيسة تحتاج اليوم أن تتكلم بلغة الناس، وأن المحك الحقيقي للفكر اللاهوتي حاليًا هو أن ننزل إلى رجل الشارع العادي وننجح في التواصل الفعّال معه. وهو يركز على ما أسماه “لاهوت المشاركة”، الذي يتضمن إقامة الجسور أو التواصل بين الأساسات اللاهوتية والقرينة الحالية، وهنا تصير الكنيسة مشاركة ومتفاعلة مع حياة المجتمع وشاهدة بإيمانها وخدمتها.
الفكر المجتمعي
لا ينفصل الفكر المجتمعي عن اللاهوتي، وهذا لا يعني خلطًا بين النص الديني والرؤية السياسية أو العمل المجتمعي، وإنما يُشكل الأساس اللاهوتي بنية راسخة للمشاركة لكنه لا يؤثر عليها ولا يوجهها. وهو يرى أن العلاقة بين الدين والسياسة تتمثل في أن الدين كنظام للقيم ومزوّد للمبادئ التي يقوم عليها النظام السياسي، هو عامل ضروري لا غنى عنه في التنمية السياسية في الشرق الأوسط، لكن ألا يكون الدين مصدرًا وحيدًا، لأن خلط الدين بالسياسة يؤدي إلى صراع حاد بين التعددية الدينية وبين الانتماء القومي، وبهذا تكون العلاقة بين العقيدة والمواطنة علاقة إيجابية.
واحدة من أهم القضايا التي يركز عليها الدكتور القس أندريه زكي هي “المواطنة الديناميكية”، حيث يرى أنها عملية اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية تتجاوز الاختلافات الدينية وتركز على النظام السياسي القائم على الديمقراطية، وتتحقَّق المواطنة الديناميكية على أرض الواقع من خلال المجتمع المدنيّ والديمقراطيَّة، ويرى أن في ظل ثقافة المواطنة الديناميكيَّة يتمتَّع المسيحيُّون المصريُّون بفرص متساوية اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.
قضايا الحاضر والمستقبل
قضايا متعددة وملفات كثيرة تخص الشأن القبطي في مصر، والكنيسة الإنجيلية هي جزء من هذا الشأن، إذ إنها ترعى نحو مليوني مواطن مصري، وهي ثاني أكبر طائفة مسيحية بمصر بعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتضم 18 مذهبًا.
ويمكن تقسيم هذه القضايا وفقًا لموضوعاتها إلى قضايا كنسية- تشتمل على التعليم اللاهوتي والكنيسة المحلية، والعلاقات المسكونية- وقضايا مجتمعية، وهي تشتمل على ما يخص علاقة الكنيسة بالدولة والمجتمع، ومن ضمنها قانون الأحوال الشخصية، وقانون تقنين أوضاع الكنائس وبناء دور العبادة، والحضور الإنجيلي في المجتمع المصري. وهي القضايا ذاتها التي ركز عليها الدكتور القس أندريه زكي في تصريحاته الصحفية عقب فوزه بالانتخابات.
يعتبر الدكتور القس أندريه زكي أن “الكنيسة المحلية حين تكون ضعيفة تُضعف من شأن الطائفة، وحين تكون قوية فهي دليل على قوة الطائفة، لذلك لا بد أن تكون الكنيسة المحلية قوية تقوم بدورها الروحي وتتمسك بكلمة الله وشرح الكتاب المقدس، وتكون جاذبة للناس وتخدم المجتمع وتبني الجسور مع الجميع، وأن تكون كالملح والنور والخمير لخدمة المجتمع”.
يرى الدكتور القس أندريه زكي أن قضايا الشباب قضية جوهرية، وأن الكنائس بلا شباب هي كنائس ضعيفة، وهو يهتم بهذا الملف منذ توليه رئاسة الطائفة، ولعل حركة الألف خادم ومؤتمرات الشباب التي تنظمها الطائفة هي ما يعكس هذا الاهتمام. ويؤكد في مختلف تصريحاته على ضرورة استخدام اللغة التي يفهمها الشباب، وضرورة التواجد على منصات التواصل الاجتماعي لدعم تواجد الكنيسة على هذه المنصات التي يهتم بها الشباب اهتمامًا كبيرًا.
بصفته أكاديميًّا، فقد تعلَّم كيف يكون التعليم اللاهوتي دقيقًا، ومنضبطًا، ومراعيًا للضوابط الأكاديمية والبحثية، لا سيما مع انتشار مصادر المعرفة، وسهولة الحصول على المعلومة، وهي فرصة وتحدٍّ في آن واحد. لذا فإنه يركز دائمًا على هذا الملف ويوليه اهتمامًا كبيرًا.
في هذا الشأن يؤكد الدكتور القس أندريه زكي على متانة العلاقات بين الكنيسة الإنجيلية والكنائس المصرية الأخرى، وعلاقة المحبة التي تجمعه بقداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وغبطة البطريرك إبراهيم إسحاق بطريرك الأقباط الكاثوليك بمصر، وسائر رؤساء الطوائف المسيحية المصرية الأخرى.
وهو يرى أن العلاقات مع الكنائس، يجب أن تكون مبنية على الاحترام المتبادَل والوحدة والمحبة والتقدير واحترام حق الاختلاف، وهذا أمر مهم جدًّا.
واحدة من أهم القضايا التي يهتم بها، خاصةً أن له خبرة في مجال الحوار، من خلال عمله في الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، والتي تهتم بهذا المجال اهتمامًا كبيرًا من خلال منتدى حوار الثقافات. ويشدد زكي على ضرورة أن يكون للكنائس دور مجتمعي مهم، وعلاقة قوية وعميقة وشراكة حقيقية تربطنا بشركاء الوطن.
ترتبط الطائفة الإنجيلية بمصر بعلاقات وثيقة مع الكنائس التابعة للطائفة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ومن ضمن الخطط تقوية هذه العلاقة والبحث حول كيفية الاستفادة من هذه العلاقات من أجل دعم بلادنا وتوصيل الصورة الصحيحة عن مصر، وهذه أحد الملامح الرئيسة في المرحلة المقبلة.
من خلال كل هذه القضايا، ندرك أن المسؤولية ليست سهلة، فالعصر الراهن زاخر بالكثير من التحديات والقضايا الشائكة، التي تتطلب حكمةً ومهارةً، وفوق كل هذا تتطلب أمانةً وإخلاصًا تجاه العمل، الذي هو في الأساس عمل الرب لمجد الله وحده، ورعاية كنيسته.
تهنئة وترحيب
منذ إعلان فوز الدكتور القس أندريه زكي بمنصب رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر لفترة ثانية، فقد أعرب كثيرون عن ترحيبهم بهذا الفوز، لما يتمتَّع به الدكتور القس أندريه زكي من قبول شعبي وحضور واضح في المجتمع المصري، ومن ذلك..
تهنئة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
هنأ قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية لمصر، والدكتور القس جورج شاكر نائب رئيس الطائفة، بتجديد ثقة قيادات الطائفة فيهما، للاستمرار فترة جديدة.
وتابع البابا تواضروس، في بيان صدر عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: “نثمن ما قاما به من دور في تقوية علاقات المحبة بين الكنائس في مصر من خلال العمل المشتَرَك على مختلف الأصعدة، ونصلِّي لأجل مزيدٍ من العمل المثمر”.
تهنئة الكنيسة القبطية الكاثوليكية
وجَّه غبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، التهنئة للدكتور القس أندريه زكي والدكتور القس جورج شاكر، في بيان جاء فيه: “باسم مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، وكل المؤسسات والهيئات الكاثوليكية، وبالأصالة عن نفسي، نهنئ جناب الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية، ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية، وجناب الدكتور القس جورج شاكر، نائب رئيس الطائفة، لتجديد قيادات الطائفة الإنجيلية الثقة فيهما، من خلال الانتخابات، التي أُجرِيت اليوم، كما نثمِّن علاقات المحبة الأخوية بين الكنيستين. ونصلي إلى الله القدير أن يبارك رسالتكم لما فيه الخير للمؤمنين”.
تهنئة الكنيسة الأسقفية
أعرب الدكتور سامي فوزي، رئيس أساقفة إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية، عن تهانيه بفوز الدكتور القس أندريه زكي بمنصب رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر بمدة جديدة والدكتور القس جورج شاكر نائبًا لرئيس الطائفة.
وأكد رئيس الأساقفة على التعاون الوثيق بين الكنيسة الأسقفية والطائفة الإنجيلية بمصر في كافة المجالات. وتمنى التوفيق للدكتور أندريه زكي في قيادته للطائفة الإنجيلية بما يتمتع به من وعي وثقافة ورؤية شاملة للعيش المشترك.
تهنئة مطرن حمص
كما هنأ المطران مار تيموثاوس متى الخوري، مطران حمص وحماة وطرطوس، والنائب البطريركي لمصر بالوكالة، الدكتور القس أندريه زكي بمناسبة تمديد فترته في منصب رئاسة الطائفة الإنجيلية في مصر لمدة جديدة، وأيضًا الدكتور القس جورج شاكر بمنصبه كنائب لرئيس الطائفة.
المفتي يهنئ
وهنأ فضيلة الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، الدكتور القس أندريه زكي، بمناسبة فوزه برئاسة الطائفة الإنجيلية في مصر، موضحًا أن الدكتور أندريه زكي “قيادة مصرية وطنية تؤمن بالعيش المشترك ومخلص حقيقي في حب الوطن، وعلاقتنا يجمعها حب الوطن والحرص على الحفاظ عليه، وأن الروح المصرية الجميلة والترابط والوئام بين أبناء الوطن الواحد تظهر بشكل كبير في مثل هذه المناسبات التي تجمعنا جميعًا”.
وعندما توجه وفد رفيع المستوى من الطائفة الإنجيلية بقيادة الدكتور أندريه زكي لتهنئة فضيلة المفتي بعيد الفطر المبارك، قال فضيلته “إن مثل هذه اللقاءات والحوار ينتج وعيًا وتقاربًا، وهو ما أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي بأننا نحتاج إلى وعي الشعب المصري، والتأكيد على المسؤولية المشتركة وإدراكه للتحديات التي تواجهنا، وأن نكون يدًا واحدة في مواجهتها”.
تهنئة نقيب الأشرف
أجرى السيد محمود الشريف نقيب الأشراف، اتصالًا هاتفيًّا بالدكتور القس أندريه زكي، هنأه خلاله بانتخابه رئيسًا للطائفة الإنجيلية في مصر، للمرة الثانية، وأعرب عن أمنياته بمزيد من التوفيق والنجاح للدكتور أندريه زكي والطائفة الإنجيلية في مصر، مؤكدًا المزيد من التعاون لخدمة الوطن، وأن المصريين جميعًا شركاء في الوطن ونسيج واحد ويعملون معًا للنهوض بالوطن، وسيظلون يدًا واحدةً ورمزًا للتسامح بين الأديان.
وشدد نقيب الأشراف، على أن مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ستبقى نموذجًا في التسامح والمحبة والوحدة الوطنية التي تفخر بها بلادنا طوال تاريخها وستظل نسيجًا وجسدًا واحدًا، ووطنًا للوسطية وقبلةً للمحبة والسلام، بترابط أبنائها.
ودعا نقيب الأشراف، المولى عز وجل، بالمزيد من الإخاء والمحبة والترابط والخير بين جميع المصريين، وأن يبقى وطننا الغالي دائمًا وأبدًا رمزًا للأمن والأمان والسلام والمحبة.
تهنئة من المسئولين
كما تلقى الدكتور القس أندريه زكي عدة تهاني من عدد من المسئولين، حيث هنأ اللواء عصام سعد محافظ أسيوط، الدكتور القس أندريه زكي والدكتور القس جورج شاكر بمناسبة تجديد ثقة قيادات الطائفة فيهما للاستمرار فترة جديدة.
وأشاد محافظ أسيوط، بجهود الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية ومشاركته في الفعاليات ومختلف المناسبات بالمحافظة وزيارته المتكررة لها الذي يعبر عن محبة خاصة وحقيقية تعكس علاقة قوية وأصيلة وإيمان من الجميع بقيمة المواطنة والعمل معًا على أرض وطن واحد يجمعنا لتحقيق رقي وتقدم مصرنا العزيزة ويوجه رسالة للعالم أجمع بأن مصر هي بلد السلام والأمان.
كما أشار المحافظ الى أهمية المبادرات التنموية التي أطلقتها الكنيسة الإنجيلية والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية بالتعاون والشراكة ما بين التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، ومنها مبادرة “ازرع” بالتعاون مع وزارة الزراعة، بالإضافة إلى جهود الكنيسة من خلال مكاتبها بالمحافظة في مساعدة الأسر الأكثر احتياجًا ودعم المرأة المعيلة وتمكينهم اقتصاديًّا من خلال مساعدتهم على إقامة المشروعات الصغيرة والمدرة للدخل، تفعيلًا للمشاركة المجتمعية ودعم جهود وبرامج التنمية التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
القس الصالح
عقب فوزه في الانتخابات أشاد بعض الكُتّاب بمسيرة الدكتور القس أندريه زكي، ودوره في خدمة الكنيسة والمجتمع، ففي عموده اليومي بجريدة (المصري اليوم) المنشور في 21 فبراير 2023م وصفه الكاتب الصحفي والإعلامي حمدي رزق بـ”القس الصالح”، حيث قال في مقاله:
لتتعرف على مكنون «الطائفة الإنجيلية» مستوجب التعرف على مكنون القس «أندريه زكي»، رئيس الطائفة.. مفكر مصري موسوعي.. معتقده «الرجاء المسيحي الحقيقي هو من يؤمن بحضور الله حتى لو لم تتغير الأسباب»، ووطنيته مضرب الأمثال، يحبها من كل روحه ودمه، إذا رأيته ع البعد تخال خوجه أجنبي قادم من وراء المحيط، وإذا خَبِرته، صعيدي قُح من المنيا التي تهبنا دومًا رموزًا وطنية بازغة.. أسميها وصفًا “مزرعة المواهب الفكرية”.
عامل عليها، على المواطنة، وحادب على اللحمة الوطنية بين أبناء الوطن جميعًا، ويصل رحمه الوطني في المساجد والكنائس.. بينه وبين الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب كل محبة، وبينه وبين البابا تواضروس الثاني حوار لا ينقطع، فاستحق التهاني من المشيخة والكنيسة معًا.
يعرف الفضل في أهله، ويحب الحب في أهله، ويبغض الكراهية كراهة التحريم، وتراه منافحًا عن الحقوق المصرية في المحافل الدولية بلسان فصيح، يحمل هموم وطنه في حِلّه وترحاله، وفي العرب يثقون في تقديراته، ومحل احترام من القيادات السياسية والروحية فيما وراء الأطلسي.
يستبطن فضيلة الحوار، ومؤتمرات الطائفة الحوارية التي تجمع المحبين داخل وخارج الوطن نموذج ومثال، والحوار بين الكنائس الوطنية مضرب الأمثال، لا يبيت على شقاق، ويسعى إلى التلاقي ولو في منتصف الطريق، وسلامة الوطن كما يعتقد أسمى أمانينا.
في سبيل خدمة الإنسان
أسرة مجلة “النسور” تهنئ الدكتور القس أندريه زكي، الذي يؤمن بخدمة الإنسان، كل الإنسان، وأي إنسان، من أجل مجتمع أفضل ومستقبل مشرق للجميع.
اسم الكاتب : د. رامي عطا صديق
“الإعلام المسيحي يبث روح التفاهم، والحوار البناء، وينفي التعصب، ويبني المحبة بين أبناء الوطن الواحد، كما أنه يعاون على بناء رأي عام جماعي، وفردي، في قضايا المجتمع الكبرى ليثبت القيم الإنسانية، التي يعيش عليها المجتمع”([1]). الدكتور القس صموئيل حبيب (1928-1997م) |
تمهيد
تمثِّل الصحافة رسالة توعية وتثقيف وتنوير؛ حيث تساهم في تشكيل وصناعة الرأي العام، ومن هنا فهي وسيلة للتواصل مع القراء، من مختلف الأعمار والاهتمامات، ووسيلة أيضًا لنشر الرؤى والأفكار، والنقاش حولها.
وقد عرفت مصر، المكان والزمان، ظاهرة الصحافة في عام 1798م مع مجيء الحملة الفرنسية عليها بقيادة بونابرت؛ حيث أحضرت معها “المطبعة”، كما أصدرت صحيفتين باللغة الفرنسية. ولما جاء محمد علي واليًا على مصر عام 1805م اهتم بالطباعة، فأسس مطبعة بولاق في نحو عام 1819م، وأصدر صحيفة محدودة حملت اسم (جرنال الخديو)، وفي 3 ديسمبر 1828م، صدر العدد الأول من صحيفة (الوقائع المصرية)، لتعرف مصر الإنسان ظاهرة الصحافة، ومن بعدها صدرت عدة صحف حكومية/ رسمية مثل (الجريدة العسكرية) و(الحوادث التجارية والإعلانات الملكية).
وفي ستينيات القرن التاسع عشر، اهتمّ الخديو إسماعيل (1863-1879م)، بالصحف الحكومية/ الرسمية؛ حيث صدرت (يعسوب الطب) و(روضة المدارس المصرية)، و(الجريدة العسكرية المصرية).
كما بدأ ظهور الصحف الأهلية/ الخاصة نتيجة تجمع مجموعة من العوامل منها: تأسيس مجلس شورى النواب في عام 1866م، اعتماد الخديو إسماعيل على الصحافة في الدفاع ضد الباب العالي وضد الأجانب المقيمين في مصر وحكوماتهم، وجود الثائر الديني السيد جمال الدين الأفغاني في مصر خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، هجرة بعض الصحفيين والكُتّاب الشوام إلى مصر واشتغالهم بالصحافة والترجمة والنشر والتأليف، قيام الحرب الروسية التركية عام 1877م واهتمام الجمهور والصحف بها([2]).
المواطنون الأقباط والصحافة
دخل الأقباط (المواطنون المصريون المسيحيون) ميدان الصحافة، مُشاركين مواطنيهم المسلمين، وكذا الشوام، والأجانب المهاجرين إلى مصر، منذ سبعينيات القرن التاسع عشر في عصر الخديو إسماعيل (1863-1879م) الذي شهد بما لا يدع مجالًا للشك نهضة صحفية واضحة على المستويين الرسمي والأهلي.
والواقع أن مجموعةً من العوامل المتداخلة والمترابطة شجَّعت المواطنين الأقباط على اقتحام هذا الميدان الوليد، في شِقِّه الأهلي تحديدًا. ذلك أن الصحافة وإن كانت تُعد جزءًا من النشاط الفكري والثقافي في المجتمع فإنها أيضًا -وحسب عواطف عبد الرحمن ونجوى كامل- تمثل “ظاهرة مجتمعية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي تسود المجتمع. فالصحافة هي مرآة لهذا المجتمع بمده وجزره السياسي والاجتماعي، حيث ترتبط طرديًّا مع تقدم المجتمع في كافة نواحيه، فتزدهر الصحافة ويتعاظم دورها الإيجابي مع تقدم مؤسسات المجتمع السياسية وأنشطته الصناعية وأبنيته الاجتماعية، كما تتأثر أوضاع الصحافة بتخلف المجتمع وجموده”([3]).
ويمكننا تقسيم العوامل (الدوافع والأسباب) التي شجعت المواطنين الأقباط على العمل بالصحافة على النحو التالي([4]):
أولًا- عوامل مجتمعية عامة خاصة بالمجتمع المصري، منها: بزوغ مبدأ المواطنة خلال سنوات القرن التاسع عشر، نهضة مصر الثقافية والتعليمية في عصر الخديو إسماعيل، ميلاد الصحافة الأهلية وانتشارها وتوسعها.
ثانيًا- عوامل أخرى خاصة بالمواطنين الأقباط، منها: انتشار التعليم، لا سيما بسبب اهتمام بعض العائلات والأسر القبطية، وكذلك الإرساليات التبشيرية الكاثوليكية والبروتستانتية بأمر التعليم، بالإضافة إلى تنامي العمل الأدبي والثقافي بين الأقباط، فكانت الصحف وسيلة مهمة لنشر تلك الأعمال الأدبية.
الصحف الدينية
الصحافة الدينية هي صحف تصدر في الأغلب الأعم على شكل المجلات، ويتناول مضمونها الموضوعات والقضايا الدينية، ما بين أمور عقيدية ولاهوتية وروحية وموضوعات في الوعظ والإرشاد، بالإضافة إلى موضوعات دينية ذات طبيعة بحثية، وكذا أخبار الكنيسة ومناسباتها، كما أن بعض هذه الصحف يهتم بتقديم موضوعات ذات طبيعة ثقافية واجتماعية، إلى جانب المادة الدينية، لا سيما وأن الدين يرتبط بمجمل حياة الإنسان وتفاعلاته المختلفة وعلاقاته المتنوعة داخل المجتمع.
يقوم على أمر الصحف الدينية المسيحية مجموعة من الخُدّام، من رجال الدين والمدنيين، دون أن يكونوا بالضرورة محترفين لمهنة الصحافة؛ إذ يعتبرونها إحدى وسائل التعليم والإرشاد والوعظ، وإن كان من خلال الكتابة والصحافة، كما يعتبرونها وسيلةً لنشر البحوث والدراسات الدينية والمقالات الروحية، ما يرتقي بثقافة المسيحيين الدينية، وهي من ثم تُمثل نوعًا من الخدمة الدينية لأبناء الدين وأتباعه، الذين استقبلوا هذه الصحف باهتمام واضح وإجلال كبير.
وكانت تلك المجلات -في الغالب- تتَّخذ من آيات الكتاب المقدس شعارات لها تسترشد بها، وتعبِّر عن توجُّهاتها، أو أنها آيات ترتبط باسمها.
وقد بدأت الصحف الدينية المسيحية، في الظهور منذ تسعينيات القرن التاسع عشر. حيث عُد هذا الأمر في ذلك الوقت نوعًا من الحرية الدينية والحرية الشخصية والمساواة بين الأقباط والمسلمين.
شهادة معاصر
عندما أرَّخ يوسف منقريوس ناظر مدرسة الأقباط الإكليريكية (1893-1918م)، لحالة الأقباط في الفترة الممتدة من سنة 1893م إلى سنة 1912م، فإنه يقول “نظرًا للراحة والحرية الدينية والحرية الشخصية والمساواة بينهم (يقصد الأقباط) وبين المسلمين فحدث ولا حرج فقد نالوا من ذلك قسطًا لم يتمتعوا بمثله إلا في زمان استقلالهم قبل دخول الأعاجم واليونان والرومان وانتزاع الحكم من أيديهم فهم الآن يؤدون شعائر دينهم بكل حرية بل ويُعلّمون ديانتهم لأولادهم في نفس المدارس الأميرية وعلى نفقة الحكومة كالديانة الإسلامية سواء بسواء ويبشرون بدينهم وينشرونه جهارًا ليلًا ونهارًا الأمر الذي كانوا لا يحلمون به. وفضلًا عن ذلك فقد أخذوا يصدرون الكتب والمجلات الدينية لبث أنوار النصرانية بكل مجاهرة وهم آمنون مطمئنون، بل أن بعض المرسلين الأجانب قد نشروا المجلات والكتب العديدة في مناظرة المسلمين بالتي هي أحسن والمسلمون يقرأون هذه المناظرات ولا تثور ثائرة غضبهم أو يغلي دم التعصب الديني في عروقهم أو تتوتر أعصابهم”([5]).
على هذا النحو يمكننا القول إن المجتمع المصري آنذاك، حيث نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان في ظرف تاريخي يسمح له بظهور صحف دينية “مسيحية”، دون ثورة الآخر الديني، وهو ظرف تاريخي سمح بالتعددية والتنوع، وهو الأمر الذي قبله أبناء المجتمع دون تحزب أو تعصب.
الأقباط الإنجيليُّون
ينتمي المواطنون الأقباط الإنجيليون إلى المذهب البروتستانتي، و”البروتستانت” مصطلح يعني (معارض أو مخالف أو محتج)، حيث احتج البعض في أوروبا- ألمانيا أولًا بزعامة مارتن لوثر- على كنيسة روما الكاثوليكية، وانفصلوا عن كرسي روما في أوائل القرن السادس عشر وتحديدًا سنة 1517م، وللبروتستانت شيع متعددة، أبرزهم الإنجيليون.
وقد نشطت الإرساليات التبشيرية (البروتستانتية) في مصر خلال القرن التاسع عشر، وخصوصًا خلال النصف الثاني منه، عندما جاء الدكتور لانسن- وهو مرسل أمريكاني- إلى الإسكندرية ومن بعده الدكتور يوحنا هوج- المرسل الاسكتلندي، الذي انضم إلى الإرسالية الأمريكية- وقد ظلا فترة في مدينة الإسكندرية ثم أخذا يطوفان البلاد، وفي سنة 1862م جعلا القاهرة مركز تبشيرهما. ثم انطلق الدكتور هوج إلى أسيوط سنة 1865م وأسس بها كنيسة بروتستانتية سنة 1867م، وفي سنة 1902م استطاع المرسل الأمريكي وطسن أن يستصدر أمرًا خديويًّا فيه اعترفت الحكومة المصرية رسميًّا بالطائفة الإنجيلية، وبموجبه تشكل مجلسها الملي (علمًا بأن السلطان العثماني قد اعترف بوجود الطائفة الإنجيلية سنة 1850م)، وقد ظلت الكنيسة المصرية الإنجيلية مرتبطة بالمحفل العام للكنيسة المشيخية المتحدة بأمريكا The United Presbyterian Church حتى سنة 1958م، حيث استقلت عنه منذ ذلك التاريخ، وقد صارت الكنيسة القبطية الإنجيلية عضوًا في مجلس الكنائس العالمي The World Council of Churches منذُ سنة 1963م، وفي سنة 1974م انضمت إلى عضوية مجلس كنائس الشرق الأوسط The Middle East Council of Churches ([6]).
مقاومة شديدة
على الرغم من المقاومة الشديدة التي أبدتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تجاه الإرساليات التبشيرية- البروتستانتية والكاثوليكية- إلا أن هذه الإرساليات قد نجحت في جذب بعض المواطنين الأقباط إليها، فكانت أسيوط مركز انتشار المذهب البروتستانتي، بينما كانت طهطا بسوهاج مركز انتشار المذهب الكاثوليكي، حسبما يذهب رياض سوريال([7])، وقد نشطت هذه الإرساليات في مصر بشكل واضح خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين([8]).
الأقباط الإنجيليون والصحافة
اهتم المواطنون الأقباط البروتستانت/ الإنجيليون بإصدار الصحف الدينية، والجدير بالذكر هنا هو أن صحفهم الدينية الأولى قد أصدرها المرسلون الأجانب، وهي صحف توجَّهت للمصريين عامةً والأقباط منهم على وجه الخصوص، كما راسلها وشارك في تحريرها بعض الأقباط، بل إن بعض هذه الصحف التي أصدرها المرسلون البروتستانت وقُدِّر لها الاستمرار قد قادها وأشرف عليها فيما بعد أقباط ومن ذلك مثلًا مجلة (الهدى) ومجلة (الشرق والغرب).
وفي الواقع فقد كانت الصحف الدينية البروتستانتية وسيلة من وسائل التبشير، شأنها شأن الوعظ على المنابر، كما كانت وسيلة مهمة لنشر مبادئ العقيدة الجديدة (البروتستانتية) بين القرَّاء المصريين بهدف جذبهم إلى الكنيسة الناشئة. فقد استغل المبشِّرون تلك المجلات في نشر مذاهبهم التبشيريَّة، بقصد توجيه الرأي العام ومحاولة خلق الرأي لتهيئة القراء لتلك الدعوة التبشيرية([9])، ومن جهة أخرى فقد “أضافت المجلات التبشيرية، إلى جانب المستشفيات والملاجئ والمدارس، عاملًا مساعدًا لدفع العمل التبشيري وحمل دعوى المبشرين وتوصيل أفكارهم”([10]). ومن جانب آخر، تفاعلت مع الكثير من القضايا الخاصة بالكنيسة والمجتمع.
البدايات الأولى
أصدر القس وطسن Watson بمدرسة الأميركان بالقاهرة (النشرة الإنجيلية المصرية)، في يوم الأربعاء 14 ديسمبر 1892م، بعد ما يقرب من تسعة شهور على صدور (النشرة الدينية الأسبوعية) التي أصدرها القمص يوسف حبشي من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وقد صدرت مجلة القس وطسن، كمجلة دينية أدبية، بدأت نصف شهرية ثم تحولت إلى مجلة أسبوعية، وأعلنت أن “الوكلاء هم نظار كتبخانات الأميركان في كل الجهات”.
ومع بداية سنة 1894م، وبالتحديد في يوم 5 يناير، تحول اسم (النشرة الإنجيلية المصرية) إلى (المرشد)، وكانت مجلة أسبوعية بالقاهرة، تولى أمرها القس وطسن أيضًا، ومن بعده القس توما فني، كما شارك في تحريرها أحد مشاهير الأقباط الإنجيليين آنذاك وهو متري صليب الدويري.
وقد اتخذت (المرشد) شعارًا لها من الكتاب المقدس، عبارة عن آيتين هما: “سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي” (مز 119: 105)، و”الحكيم بالإرشاد يقبل معرفة” (أمثال 21: 11).
ومع بداية سنة 1911م تحوَّل اسم مجلة (المرشد) إلى (الهدى)، مجلة أسبوعية تصدر بمدينة الإسكندرية، ثم انتقلت إلى مدينة القاهرة، حيث تولى إدارتها في البداية القس توما فني رئيس إرسالية الأميركان في مدينة الإسكندرية، حيث كانت تطبع في مطبعة جرجي غرزوري بشارع فرنسا بالإسكندرية.
واتخذت (الهدى) آيتين كشعار لها من الكتاب المقدس: “لكي يهدي الرب أقدامنا في طريق السلام” (لو 1: 79)، و”الرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله” (1تس 3: 5).
وتوفي القس فني، مدير الهدى في سنة 1915م([11])، ليتولى إدارتها بعد ذلك عددٌ من المرسلين الأجانب منهم: تشارلس بل، الدكتور كرودينير، القس أدمس والقس مكجل، القس إلدر، الدكتور هارفي فيلبس.
وقد ذكرت المجلة أن محرِّرها هو الشيخ متري صليب الدويري ([12])، ثم ذكرت أنه رئيس تحريرها([13])، ولا زالت مجلة (الهدى) تصدر إلى اليوم باعتبارها مجلة الكنيسة الإنجيلية بمصر([14]).
وحسب القس عيد صلاح، في دراسة له حملت عنوان “الصحافة الإنجيلية وأحداث الوطن”([15])، فإن مجلة (الهدى) كانت ومازالت “لسان حال الكنيسة بل هي المرآة التي تعكس فكر الكنيسة على صفحاتها، وتميزت عبر تاريخها الطويل بنشر الخبر والدراسة، والقصة، والحوار، والتاريخ، وعرضت على صفحاتها قضايا كثيرة تخص الكنيسة والمجتمع”، وهو يضيف “أن استمرارية مجلة الهدى حتى الآن عبَّر عن اهتمام الكنيسة بالنشر وأن يكون لها مجلة ناطقة باسمها، معبرة عن فكرها”، موضحًا أن (الهدى) تُعد مصدرًا من مصادر تاريخ الكنيسة الإنجيليَّة بمصر، وأنها بمثابة ديوان الحياة الكنسَّية المعاصرة، حيث تفاعلت مع الكثير من القضايا الكنسية والوطنية.
بدايات القرن العشرين
في سنة 1901م صدرت مجلة (نجم المشرق) بمدينة الإسكندرية، ثم انتقلت إلى مدينة القاهرة، مجلة دينية أدبية تهذيبية تصدر كل أسبوع، وكانت خاصة بالأطفال. وكانت هناك إدارة واحدة لمجلتي (المرشد) ثم (الهدى)، ومجلة (نجم المشرق)، إذ عنيت الإرسالية الأمريكية بأمرهما، ومن جهة أخرى، فقد شارك بعض الأقباط في تحريرهما. ولا زالت (نجم المشرق) تصدر إلى الآن عن سنودس النيل الإنجيلي([16]).
وفي نفس العام (1901م) صدرت مجلة (بشائر السلام)، مجلة دينية شهرية، أنشأها نقولا رفائيل بمدينة السويس، ثم تولى إدارتها بعد ذلك جورج أسوان، لتنتقل المجلة إلى مدينة القاهرة بعد ذلك.
وفي سنة 1902م صدرت بمدينة أسيوط مجلة (بوق القداسة) مجلة شهرية، لسان حال كنيسة نهضة القداسة، وكان وكلاؤها هم فقط قسوس ومبشري كنيسة نهضة القداسة. وفي إحدى فترات تلك المجلة، كان مديرها هو القس بلاك بأسيوط ورئيس تحريرها القس حبيب بشارة راعى كنيسة نهضة القداسة بالقللي بالقاهرة وأمين الصندوق القس توفيق جرجس بالمنيا([17])، ومساعدو التحرير القسوس حبيب بقطر ويَسَّى منصور وعطية جيد ونجيب تاوضروس([18])، فقد انخرط بعض المواطنين الأقباط في تلك الكنيسة ومجلتها.
وأصدرت الجمعية المرسليَّة الأسقفية بالقاهرة مجلة (الشرق والغرب) في سنة 1905م، مجلة دينية أدبية، بدأت أسبوعية ثم نصف شهرية ثم شهرية، وقد أسسها كلٌّ من القس ثورنتن Thornton والقس جردنر Gairdner، اللذين كانا ينتميان لتلك الجمعية. وكانت المجلة تنشر بعض موضوعاتها باللغة الإنجليزية إلى جانب العربية. ولا زالت (الشرق والغرب) تواصل الصدور إلى اليوم عن الكنيسة الأسقفية بمصر([19]).
وفي سنة 1909م، وبمدينة القاهرة صدرت مجلة (صدى النعمة والحق) مجلة دينية مسيحية شهرية، كان المسؤول عن تحريرها أوتوبليدل بالزيتون بمصر، بينما كانت جميع المراسلات وقِيَم الاشتراكات ترسل برسم ناشد ساويرس بالمنيا.
وفي سنة 1914م أصدرت إدارة مطبعة النيل المسيحية بمصر مجلة (البريد المصري)، مجلة دينية أدبية تصدر شهريًّا بمدينة القاهرة.
وفي عام 1920م أصدر القس هـ. أ. رندل بشبرا مصر (القاهرة) مجلة أسماها (كوكب الصبح)، مجلة خمسينية تبشِّر البلاد العربية بملء الإنجيل، وهي تصدر شهريًّا.
وفي سنة 1920م أيضًا عرفت مدينة القاهرة مجلة (المرشد المدرسي)، وكانت مجلة أدبية إصلاحية دينية، تصدر كل ثلاثة شهور (أي أنها ربع سنوية) وقد أسسها عوض واصف، الذي كان مُحررًا في جريدة (مصر) لمؤسسها تادرس شنوده المنقبادي، وقد أصدر عوض واصف مجلة (المحيط) من 1902م إلى 1914م، وكانت مجلة ثقافية وأدبية متميزة احتوت صفحاتها موضوعات أدبية راقية.
وبعد وفاة عوض واصف صارت زوجته صاحبة للامتياز، بينما تولى إدارة المجلة ورئاسة تحريرها القس غبريال رزق الله راعي كنيسة الأزبكية الإنجيلية بمصر.
وصدرت مجلة (المراعي الخضراء) في سنة 1921م، وقد أصدرها فخري لوقا الزق المحامي، مجلة شهرية بمدينة أسيوط، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدينة القاهرة. ولا زالت توالي الصدور إلى اليوم عن كنيسة الإخوة([20]).
وصدرت مجلة (المثال المسيحي) سنة 1927م، شهرية بمدينة طهطا بسوهاج، يديرها القس أ.هـ. طمسن بالنخيلة، وقد صدرت كلِسَانِ حال كنيسة المثال الأمريكانية وتعاون معها بعض الأقباط منهم: المبشر فهمي عبد السيد والمبشر فوزي تاوضروس والقس مسعد خليل والقس فاضل إبراهيم.
وفي نفس العام -1927م- صدرت مجلة (المساعي) بالقاهرة، مجلة شهرية تصدر عن اتحاد جمعيات المساعي المسيحية، وكانت تنشر بعض الموضوعات باللغة الإنجليزية إلى جانب لغة المجلة الأساسية (العربية).
كما صدرت أيضًا مجلة (رسالة السلام) في سنة 1935، أصدرتها مطبعة النيل المسيحية، وكان يشرف على تحريرها القس إبراهيم سعيد، ثم أدمجت فيها ثلاث مجلات هي (بشائر السلام، البريد المصري، مصباح الحياة)([21]).
وصدرت مجلة (بشير الإنجيل) في سنة 1936م، حيث أسسها الأسقف غالي إبراهيم، وواصلت الصدور عن كنيسة النعمة الرسولية.
وصدرت مجلة (رسالة الخلاص) في سنة 1948م، مجلة شهرية، صدرت عن لجنة خلاص النفوس للنشر، تهتم بالروحيات، وتقدم مادة للأطفال.
النصف الثاني من القرن العشرين
شهد النصف الثاني من القرن العشرين صدور عدد من المجلات الإنجيلية؛ ففي سنة 1951م أصدر القس لبيب ميخائيل مجلة (الأخبار السارة)، وكان شعارها يقول “مجلة كل بيت وكل فرد”.
وفي عام 1956م صدرت مجلة (رسالة النور)، وقد أسسها الدكتور القس صموئيل حبيب، وحسب أديب نجيب سلامة فقد كانت (رسالة النور) “المجلة الوحيدة التي تعنى بمتابعة المتعلمين الجدد”([22])، وهي مازالت توالي الصدور إلى اليوم، عشر مرات في السنة، عن الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية (CEOSS)، وهي مجلة ذات طبيعة اجتماعية تنموية في مضمونها، يحررها مسيحيون ومسلمون، ويقرأها المهتمون بمجال التنمية والقضايا الاجتماعية والثقافية.
وفي عام 1957م صدرت مجلة (أعمدة الزوايا)، وهي مجلة المرأة الإنجيلية، وهي تصدر شهريًّا عن رابطة السيدات العامة لسنودس النيل الإنجيلي.
ومن المجلات الإنجيلية المتميزة أيضًا مجلة (أجنحة النسور) التي أسسها الدكتور القس صموئيل حبيب في عام 1959م، وحسب أديب نجيب سلامة فإنها “تعنى بالفكر المسيحي الكتابي الروحي والتاريخ، وبخاصة لمرحلة الشباب، كما تعنى بدراسة الآثار والحفريات ولا سيما المرتبطة بالكتاب المقدس. تصدر عشر مرات سنويًّا”([23])، وهي مازالت توالي الصدور إلى اليوم عن الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية.
وفي عام 1959م أيضًا صدرت مجلة (البشير المعمداني) عن المجمع المعمداني الإنجيلي العام.
عمل جاد
على هذا النحو مثلت الصحف التي أصدرها المواطنون الأقباط الإنجيليون إضافة حقيقية للصحف المصرية، بقدر اهتمامها بنشر الأخبار ومناقشة الكثير من قضايا الكنيسة والمجتمع، مثل دور ومكانة المرأة، والتنمية المستدامة، والتغيرات المناخية، والأسرة… وغيرها من قضايا، حملت معها رؤى عصرية وأفكارًا تنويرية.
يقول الدكتور القس أندريه زكي- رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر- في معرض حديثه عن الصحف الإنجيلية ودورها في الكنيسة والمجتمع، إن هذه الصحافة “عملت عملًا جادًّا عبر عقود طويلة على رفع الوعي الثقافي واللاهوتي لقُرَّائها، وكان لها دور فاعل في تشكيل الوعي لقُرَّائها في وقت كانت الصحافة هي صاحبة الجلالة في مجال الإعلام، والبوق الأعظم والأهم لمن يريد أن يعبر عن رأيه. ولم تكن الصحافة الإنجيلية يومًا منبرًا عاليًا بعيدًا، يقدم رسالة من طرف واحد، بل كان تتسم بنوع من التفاعل مع قُرَّائها ومع الأحداث المحيطة، ليس فقط بالحديث عن قضايا العصر، بل بالرد على تساؤلات القراء وخطاباتهم، والدخول في حوارات لاهوتية وثقافية معهم ومع غيرهم من كُتَّاب الصحف والمجلات الأخرى”([24]).
ومن جانبه يقول القس عيد صلاح في دراسته سابق الإشارة إليها: “حملت الصحافة الإنجيليَّة في مصر التميز الدينيّ المبني على الفكر المصلح الأصيل مع الاندماج الثقافيّ للمجتمع المصريّ، فوضعت بذور النهضة والتنوير، وأرست حرية الضمير والتفكير، وعبرت الصحافة الإنجيليَّة عبر تاريخها الطويل في مصر عن أنَّ الشعب المتلقي لإبداعها هو شعب مثقف يدرك قيمة الكلمة والفكر، ويشجع روح الإبداع، ويذكي قيمة النقد الذاتي البناء. ففي الصحافة الإنجيليَّة منذ بدايتها ونحن نلمس الرأي والرأي الآخر ووجود مساحات للنقد البناء الهادف”.
الهوامش
[1] دكتور القس صموئيل حبيب، الإعلام المسيحي، ص 23، في: أديب نجيب (تحرير)- سمير مرقس (مراجعة) “المتروبوليت” جورج صليبا (تقديم)، الإعلام المسيحي: الرسالة.. الواقع.. الآفاق، القاهرة: منشورات مجلس كنائس الشرق الأوسط، دائرة الإعلام والنشر، 1999م.
[2] للمزيد حول تاريخ الصحافة ومسيرتها يمكن الرجوع إلى: رامي عطا صديق، حركة المصريين في السياسة والفكر والصحافة، القاهرة، 2018م، بالإضافة إلى المؤلفات التي عنيت بتاريخ الصحافة المصرية لـ: إبراهيم عبده، عبد اللطيف حمزة، خليل صابات، فاروق أبوزيد.
[3] عواطف عبد الرحمن ونجوى كامل، الصحافة المصرية: دراسة تاريخية، القاهرة: مؤسسة الطوبجي للطباعة والتجارة والنشر، 2004م، ص 47.
[4] رامي عطا صديق، صحافة الأقباط وقضايا المجتمع المصري من 1877م إلى 1930م، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الإعلام، قسم الصحافة، 2005-2006م.
[5] يوسف منقريوس، تاريخ الأمة القبطية مدى العشرين سنة الماضية: 1893-1912، القاهرة: مطبعة القديس مكاريوس بمصر القديمة، 1913م، ص 54.
[6] انظر: سليم سليمان، مختصر تاريخ الأمة القبطية في عصري الوثنية والمسيحية، الجزء الأول، القاهرة: المطبعة العصرية الأهلية، 1914م، من ص 6 إلى ص 137؛ (القس) منسى يوحنا، تاريخ الكنيسة القبطية، الطبعة الثانية، القاهرة: مكتبة المحبة، 1979م، ص 663؛ أديب نجيب سلامة، تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر، القاهرة: دار الثقافة، 1982م، ص ص 111-148؛
Aziz S. Atiya (Editor in chief)، The Coptic Encyclopedia، vol. 2، New York، Macmillan Publishing، 1991، Pages: 603 – 604.
[7] رياض سوريال، المجتمع القبطي في مصر في (القرن 19)، القاهرة: مكتبة المحبة، 1984م، ص 35.
[8] خلف محمود خليفة، الإرساليات التبشيرية ونشاطها التعليمي في صعيد مصر (بين عامي 1850-1914)، رسالة ماجستير، المنيا: جامعة المنيا، كلية الآداب، قسم التاريخ, 1992م، ص 188.
[9] خلف محمود خليفة، مصدر سابق، ص 158.
[10] خلف محمود خليفة، المصدر السابق، ص 163.
[11] انظر: مجلة (الهدى)، 25 يونيو 1915م.
[12] (الهدى)، 18 أبريل 1924م.
[13] (الهدى)، 2 يناير 1925م.
[14] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، مرجع سابق، ص 128.
[15] منشورة على الموقع الإلكتروني: https://epcear.com
[16] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، مرجع سابق، ص 125.
[17] انظر: مجلة (بوق القداسة)، يناير 1926م.
[18] مجلة (بوق القداسة)، نوفمبر 1929م.
[19] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، مرجع سابق، ص 127.
[20] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، المرجع السابق، ص 129.
[21] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، ص 131.
[22] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، ص 135.
[23] أديب نجيب سلامة، لمحات في تاريخ وواقع الإعلام المسيحي في مصر، ص 136.
[24] انظر الموقع الإلكتروني الرسمي لرئاسة الطائفة الإنجيلية في مصر:
https://www.pcegypt.net/AnglicanCommunion.aspx
اسم الكاتب : القس مدحت موريس
كُتب في تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر عددًا من الكتب، أهمها: أديب نجيب سلامة “تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر”، “الإنجيليون والعمل القومي”، القس إميل زكي “الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر مائة وخمسون سنة”، كذلك بالاشتراك مع د. فينيس نقولا كتاب “الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر”، كذلك د. ق. ثروت وهيب “العمل المرسلي في مصر”، د. مايكل باركر “تاريخ المسيحية في مصر”. وفي الصفحات التالية سيكون العرض لواحدٍ من هذه الكتب، وهو كتاب أديب نجيب سلامة “الإنجيليون والعمل القومي”. يقع الكتاب في 592 صفحة من القطع الكبير، من إصدار دار الثقافة سنة 1993. يتضمن الكتاب ثلاثة أبواب مُقسَّمة إلى فصول، كذلك ملحق يضم عددًا من المقالات المهمة، وكذلك صور ووثائق.
يُمهِّد الكاتب من خلال حديثه عن رأي لوثر في العمل السياسي، والذي أكد على دور الحكومة في كل الأمور المادية، وبالتالي لا تدخل للسلطة البابوية إلا في الأمور الكنسية، وأنه يجب الخضوع للحكومة، لذا عارض لوثر ثورة الفلاحين، ومرورًا بزونجلي ووصولاً إلى جون كالفن الذي اهتم بالتنمية الحضارية قدر اهتمامه بالسلوك الأخلاقي الروحي، وقد نادى بالاكتراث الكامل لكل ما هو إنساني.
وعن الفكر الإنجيلي والديمقراطية ينطلق الكاتب من معنى الديمقراطية (حكم الشعب) إلى إرساء جون كالفن المبادئ الديمقراطية في الكنيسة بتأسيس مجالس الشيوخ والشمامسة، حيث اكتمل النظام المشيخي في 1555م في فرنسا، وتكوَّن أول سنودس وطني سنة 1559م. وامتد العمل إلى الكنيسة الإنجيلية في مصر، حيث توافد المرسلون إلى مصر منذ نوفمبر 1854: ماكيج وقرينته، بارنيت، ثم لانسنج وقرينته (1856)، مس ديلز (1858)، جون هوج وقرينته، يونج وقرينته، مس مكاون (1860)، أندراوس واطسن (1861)، وتأسست أول كنيسة إنجيلية في مصر بمنطقة درب الجنينة بالموسكي، وقبلت في 15 سبتمبر 1859 أول أربعة أعضاء، هم: ميخائيل البليني، ميناس يعقوب، نصر السوري، عوض حنا. وفي سنة 1899 تشكَّل سنودس النيل الإنجيلي من أربعة مجامع (الوجه البحري، الأقاليم الوسطى، أسيوط، الأقاليم العليا). ظل السنودس مرتبطًا بالكنيسة المشيخية المتحدة في أمريكا، وفي مارس 1958 استقل سنودس النيل الإنجيلي، وسيّم قسوس وطنيون للكنيسة، وأول قسيس هو القس تادرس يوسف.
الباب الأول: الإنجيليون ودورهم القومي في منطقة الشرق الأوسط (1854- 1956)
يتضمن هذا الباب ثمانية فصول، وهي:
الفصل الأول: الاهتمامات الأولى لخدمة الكنيسة الإنجيلية في الشرق الأوسط، وأثر هذه الاهتمامات في الحركة القومية
الاهتمام الأول: التعليم:
الكنيسة واعية بأهمية التعليم، ليس فقط من الناحية التحصيلية، وإنما أيضًا من الناحيتين الروحية والاجتماعية، وعن التعليم في كنيسة القرون الوسطى لمع نجم مارتن لوثر، الذي أشار إلى أهمية دراسة اللغات العبرية واللاتينية واليونانية لفهم الكتاب المقدس، ودعا لدراسة التاريخ لفهم النظم الاجتماعية، وكذلك الغناء والموسيقى لأنهما وسيلتان لشرح الصدور، والرياضة البدنية لأنها ذات أثر جليل في تقويم الأجسام وتقوية العقول. وكذلك جون كالفن الذي أسس المدارس الحرة في جنيف، وزونجلي الذي أدخل المدارس الابتدائية إلى سويسرا، وجون نوكس الذي اهتم بتعليم الأطفال في اسكتلندا.
وعن الكنيسة الإنجيلية والتعليم في سوريا ولبنان غرست الكنيسة بذور نشر المعرفة والعلوم الحديثة في تلك المناطق التي كانت تخيم عليها الأمية، كما تأسست الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية ببيروت حاليًا) 1866، بجهود بعض المرسلين ومنهم: دانيال بليس، ويذكر الكاتب عددًا العلماء الذين تخرجوا منها. كما كانت بداية الدعوة للقومية العربية التي قادها خريجو المدارس الإنجيلية بالشام.
أما بالنسبة للكنيسة الإنجيلية في مصر وخدمتها التعليمية، كان الاهتمام واضحًا بتعليم البنات والبنين، سواء التعليم الأساسي أو العام أو المتخصص (تجاري، زراعي… إلخ)، ويذكر الكاتب هذه المدارس في بقاع مصر، كما يذكر عددًا من الشخصيات البارزة الذين تخرجوا منها.
الاهتمام الثاني: إدخال وتطوير فن الطباعة في الشرق الأوسط
في لبنان: يقول الكاتب: “فن الطباعة بمعناه الصحيح لم ترسخ أقدامه في لبنان، إلا حين قرر المرسلون الأمريكيون نقل مطبعتهم من مالطة إلى بيروت.” وقد جاءت هذه المطبعة إلى بيروت في وقت كانت فيه الأمية منتشرة والمدارس نادرة، وكانت طابعة حجرية. ومن مطبوعاتها المهمة: الطبعة العربية للكتاب المقدس الذي بدأ العمل في هذه الترجمة الدكتور غالي سميث بمساعدة الشيخ ناصيف اليازجي والمعلم بطرس البستاني 1848، وفي 1860 راجعها وأكملها كرنيليوس فانديك. وكذلك القاموس العربي (البستان) للشيخ عبد الله البستاني.
في مصر: لعب الإنجيليون دورًا مهمًا في الصحافة المصرية كمجلة المقتطف، المقطم، اللطائف المصورة، جريدة الوطن التي أسسها ميخائيل عبد السيد، وجريدة المحيط التي أسسها عوض واصف، وجريدة الأهالي (سابقًا)، والأهرام، والكتلة، وغيرها، ويذكر الكاتب عددًا من هؤلاء.
الفصل الثاني: الكنيسة الإنجيلية والخدمة الطبية
كما اهتمت الإرسالية بزرع الكنائس، اهتمت بمؤسستين مهمتين وهما: المدرسة (ما سبق الحديث عنها)، والمستشفى. فقد اهتمت بالخدمة الطبية منذ 1868، وقد بدأ العمل الطبي في أسيوط بعيادة صغيرة إلى جانب ممارسة هذه الخدمة بالمنازل والقرى المحيطة، وبجهود د. هنري اُفتتحت المستشفى الأمريكي بأسيوط على مساحة فدانين. وامتدت الخدمة إلى طنطا سنة 1896، حيث بدأت هذه الخدمة د. كارولين لورنس، د. آنا واطسن والتي من خلالها شُيّد مبنى المستشفى الأمريكي. كما اهتمت الكنيسة بفتح عيادات طبية خيرية في عدد من الأماكن بالقاهرة، كذلك المركز الطبي الإنجيلي في الأزبكية الذي أُقيم على مساحة 720 متر مربع.
الفصل الثالث: الكنيسة الإنجيلية والخدمة الاجتماعية
أول هذه الخدمات هي “محو الأمية” والتي بدأها فريق يضم ثمانية أشخاص منهم: د. ق. صموئيل حبيب، د. ق. منيس عبد النور وذلك في قرية حرز يوم 2 ديسمبر 1952. وقد أشادت مجلة Readers Digest الأمريكية في أكتوبر 1954 بهذه التجربة، وامتدت هذه التجربة إلى عدد من القرى الأخرى، وفي 25 فبراير 1955 اُفتتح بيت محو الأمية في المنيا، وقد عملت الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية في هذا المجال حتى نهاية 1990 في نحو 112 مجتمعًا محليًا. كان منهج الدراسة يحمل اسم “المرشد”، ومعه منهاج “صالح” وكتب الحساب، ومع التطوير وُضِع ثلاثة مناهج متخصصة، هي: المعلم الجديد للمرأة، المعلم الجديد للعامل، المعلم الجديد للفلاح.
أيضًا برنامج درس الكتاب الذي بدأ منذ أكتوبر 1957، وكذلك الاقتصاد المنزلي الذي اهتمت به الهيئة لتعليم الريفيات بعض الصناعات الزراعية مثل “المربى”. كذلك النهوض بالمرأة الريفية والعمل على تخليصها من العادات الخاطئة، وكانت صحافة الهيئة مُمثلة في مجلة “رسالة النور”. وكذلك الاهتمام بالخدمات الصحية، وتنظيم الأسرة، ومن الجدير بالذكر أن أول كتاب في هذا الصدد هو كتاب “تنظيم النسل من وجهة نظر مسيحية” للدكتور القس صموئيل حبيب دار الثقافة 1969، وأصدرت الهيئة مطبوعات متتالية حول تنظيم الأسرة، ومجموعة نشرات إعلامية وملصقات.
أما بخصوص التنمية الاقتصادية فهي تتمثل في التدريب المهني الذي بدأ بالتدريب على صناعات السجاد والكليم والبطاطين ومشغولات الخوص في قريتيّ: دير البرشا، دير أبو حنس، واُفتتح مشغل التريكو في 15 سبتمبر 1969، وكذلك التدريب على التفصيل والخياطة، ومجالات أخرى كالنجارة والمحارة والكهرباء. هذا فضلاً عن المشروعات التنموية المحلية التي اهتمت بها الهيئة في مجالات: التعليم، الطرق والكباري، المياه ولإنارة والصرف الصحي، رعاية الطفولة والشباب، والمجال الزراعي، والخدمات الصحية، والتدريب على الحرف المهنية، ومشروعات المخابز وطحن الغلال وبيوت للمسنين ورعاية المعوقين وقاعات المناسبات والسنترالات الآلية.
كما ساعدت الهيئة في قروض التنمية، كماكينات الخياطة والتنمية الزراعية كالدواجن وجرارات وماكينات الدراس والمناحل، وكذلك الخدمات البيطرية وتحسين السلالات، والتشجير، والإرشاد الزراعي.
الفصل الرابع: مرسلون شاركوا في الخدمة العامة في مصر
يعرض الكاتب ستة أسماء مهمة، وهم:
الفصل الخامس: إنجيليون في الحياة السياسية (في النصف الأول من القرن العشرين)
يعرض الكاتب لاسمين كبيرين، هما:
الفصل السادس: الوفد وثورة 1919
يذكر الكاتب ثلاثة أسماء ممن كان لهم دورٌ مهم في هذه المرحلة، هم:
الفصل السابع: ثورة يوليو 1952
أعلنت الطائفة تأييدها للثورة، وتوجه وفد إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة لمقابلة اللواء أركان حرب محمد نجيب، وأعلنوا تأييدهم. كما زار قادة الثورة عددًا من الكنائس والمؤسسات التعليمية والاجتماعية الإنجيلية، أهمها: زيارة مدرسة الأقصر التي شهدها جمال عبد الناصر والسيد حسن إبراهيم وبعض رجال الثورة (23 مارس 1953)، زيارة كلية أسيوط (25 مارس 1952)، الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة (في عيد القيامة 1953)، تبرع لأسر شهداء الطراد “السلوم” فقد قدم د. ق. إبراهيم سعيد تبرعًا من الكنيسة للرئيس لهذه الأسر، زيارة مؤسسة ليليات تراشر في أسيوط (24 مارس 1953)، كلية البنات الأمريكية بالقاهرة/ كلية رمسيس.
الفصل الثامن: العدوان الثلاثي على مصر 1956
يعرض الكاتب مواقف من الكنيسة الإنجيلية تستنكر العدوان الثلاثي، منها: بيان السنودس في أعقاب احتفال الصلاة 1956، مقال للدكتور القس لبيب مشرقي في عدد 5 يناير 1957 من مجلة الهدى، وكذلك مقال للقس استيرو فرج تحت عنوان “العون الشديد”.
ثم يعرض الكاتب الموقف الكنسي العالمي إزاء العدوان، أهمها: مجلس الكنائس العالمي، مجلس الكنائس البريطاني، الاتحاد البروتستانتي الفرنسي، الاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين، الكنائس الأمريكية.
الباب الثاني: الإنجيليون وقضايا الشرق الأوسط
يتضمن هذا الباب قسمين:
القسم الأول: ويضم أربعة فصول
الفصل الأول: القضية الفلسطينية
يعرض الكاتب –باستفاضة- موقف الكنيسة الإنجيلية تجاه القضية الفلسطينية متمثلاً في:
الفصل الثاني: القدس جزء لا يتجزأ من فلسطين العربية
يعرض الكاتب الأسماء التي أُطلقت على القدس: أورشليم، يبوس، أريئيل… وغيرها، ثم يعرض أشهر المعالم الكتابية بالقدس، والكنائس المهمة بالقدس، والكنائس الإنجيلية في القدس. ثم يتحدث عن استنكار الكنيسة الإنجيلية حوادث الاعتداء على المسجد الأقصى.
الفصل الثالث: معنى إسرائيل في الكتاب المقدس
قرر السنودس في دورته 79 المنعقدة في المنيا في أبريل 1970 عقد مؤتمرًا عامًا للتوعية بشأن معنى إسرائيل في الكتاب المقدس، لأن البعض أسأ تفسير هذا المعنى. ومن المتحدثين: ق. عبد الملك مهني (رئيس السنودس آنذاك)، ق. بشاي سعيد (الكنيسة المسيحية: إتمام النبوات)، ق. حبيب حكيم (نسل إبراهيم)، ق. نصيف طانيوس (أرض الموعد)، ق. صموئيل وهبي (مأساة فلسطين والضمير المسيحي).
الفصل الرابع: الرد على بعض الوثائق التي صدرت عن هيئات كنسية عالمية بشأن اليهود
القسم الثاني: الحرب والسلام: ويضم ثلاثة فصول
الفصل الأول: عدوان يونيو 1967
تجلى الموقف من خلال قنوات مهمة، مثل: بيان اللجنة التنفيذية السنودسية 22 يونيو 1967، ورسالة السنودس 1969، وريارات لمخيمات المهجرين من مدن القناة، التدريب على الإسعافات الأولية والدفاع المدني، تبرعات الكنائس الإنجيلية للمعركة.
أما بالنسبة للدور الإعلامي للكنيسة الإنجيلية، فهناك الإعلام الداخلي ممثلاً في: مؤتمرات التوعية، أحاديث بالإذاعة، الصحافة الإنجيلية (مجلات: الهدى، رسالة النور، أجنحة النسور، شمس البر)، مقالات في الصحف العامة. وهناك أيضًا الإعلام الخارجي مع مجلس الكنائس العالمي، زيارة مساعد السكرتير العام لمجلس الكنائس العالمي لمصر، اجتماع اللجنة العامة المركزية (كريت- أغسطس 1967)، الدورة الرابعة لمجلس الكنائس العالمي، زيارة الأمين العام للمجلس لمصر، الجمعية العمومية الخامسة لمجلس الكنائس العالمي.. وغيرها.
الفصل الثاني: حرب أكتوبر
أصدرت اللجنة التنفيذية السنودسية يوم 12 أكتوبر 1973 بيانًا، أعلنت فيه مواصلة مساندة السادات، وأن الكنائس على أتم استعداد في خدمة المعركة في الدفاع والتمريض والتبرع بالدم. كما خصصت الكنائس يوم الجمعة 19 أكتوبر 1973 ليكون يوم صلاة وصوم.
كذلك الإسهام في أعمال بعض المؤتمرات الكنسية الدولية، والقرارات التي صدرت عنها بشأن الشرق الأوسط: مؤتمرات السلام المسيحي، الجمعية العامة للاتحاد العالمي للكنائس المصلحة، اللجنة العامة لمجلس كنائس كل أفريقيا، حلقة مسكونية لبحث دور الكنائس المسيحية في مواجهة مشكلات العصر وأزماته، الجمعية العمومية السادسة لمجلس الكنائس العالمي، المؤتمر العالمي برسالة الكنيسة، الجمعية العمومية السابعة لمجلس الكنائس العالمي، المحفل العام للكنيسة المشيخية باسكتلندا.
الفصل الثالث: مبادرة السلام
يعرض الكاتب عددًا من المقالات لكلٍ من: د. ق. لبيب مشرقي، ق. إلياس مقار، د. ق. صموئيل حبيب، ق. برسوم شحاتة. وقد أعلنت الكنائس الإنجيلية عن تقديرها لمبادرة السلام، كما احتفلت الكنائس الإنجيلية بالاشتراك مع كلية مسكنجم الأمريكية بتقديم درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس السادات تقديرًا لدوره في إقامة السلام العالمي.
الباب الثالث: الوحدة الوطنية
في هذا الباب القصير يعرض الكاتب عددًا من الأحداث التاريخية التي تؤكد على الوحدة الوطنية، كتهنئة وفد من الطائفة الإنجيلية في 22 مارس 1982 في زيارة إلى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق لتهنئته بتولي مهام منصبه (شيخ الأزهر)، ولقاء مع مفتي الجمهورية في يناير 1992 لتهنئته بافتتاح دار الإفتاء الجديدة، ومحاضرة المفتي في كنيسة مصر الجديدة الإنجيلية مساء 27 نوفمبر 1992. وكذلك تناول الصحافة الإنجيلية للوحدة الوطنية.
في نهاية الكتاب يعرض الكاتب عددًا من المقالات لبعض الأسماء منهم: يوحنا بولس الثاني، جمال عبد الجواد، مكرم عبيد، هدى شعراوي، فهيم عزيز، بهاء فريد جرجس، وغيرهم. وينتهي الكتاب بعددٍ من الصور التوثيقية.
اسم الكاتب : ش. د. إيهاب الخراط
جريدة المقطم تدافع عن الحداثة والتحضر وحقوق الإنسان
في كتابة الأشهر “حكايات من دفتر الوطن” يكتب الصحفي اليساري الراحل العظيم صلاح عيسى ممتدحًا الموقف الشجاع لفارس نمر باشا، أحد مؤسسي وأصحاب جريدة “المقطم” في مواجهة الرِّقِّ (العبودية) وفي مواجهة تعالي أفراد الأسرة المالكة على القانون.
حيث تم الكشف عن احتفاظ علي باشا شريف، رئيس مجلس الشيوخ، بجَوَارٍ في قصره بالمخالفة للقانون، فهاجمته صفحات جريدة “المقطم” بجسارة وبلا رياء. بينما قال المدافعون إن “الجرم يقع على بائع الجواري وليس شاريها” بل قالوا إنه “أحسن إلى الجواري إذ جعلهن يقيمن في قصره” (عيسى، 239-242). وفي واقعة أخرى، أطلق الأمير سيف الدين -حفيد ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا مؤسِّس الأسرة المالكة- الرصاصَ عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد على أمير آخر (هو الأمير أحمد فؤاد)، لكن نجا الأمير الضحية من الموت بأعجوبة بفضل مهارة الطبيب الجراح المصري وقد أصبح بعدها بسنوات عديدة السلطان فؤاد ثم الملك فؤاد. ولم تماري “المقطم” في انتقاداتها للأمير وللأسرة المالكة كلها في هذه الواقعة (عيسى، 272-275).
يقول أستاذنا الراحل صلاح عيسى في كتابه الجميل الذي تمت الإشارة إليه: كانت “المقطم” هي التي رفعت على الفور شعار “الهجوم على الأسرة المالكة”، فعلت هذا في مقدمة أول نبأ نشرته عن الواقعة، فقد قالت “إنه لولا وجود عدد من الأمراء المحترمين في العائلة المالكة لحق للناس عمومًا، ولأرباب الأقلام منهم خصوصًا، أن يسلقوا هذه العائلة بألسنة حداد، ويشهروا بها في كل نادٍ، لكثرة ما يأتي بعضها من الأفعال المنافية للكمال والمستحقة للندم واللوم والتعنيف، حتى أنا لا نسمع لها بحسنة واحدة إلا سمعنا بسيئات عديدة قبلها، وكأن العائلة التي يطلب منها أن تكون مثال الكمال والاعتدال وقدوة الأمة في حسن السلوك وحفظ الشرائع والقوانين، لا يطلب الكثيرون من أفرادها إلا ارتاب ما يغاير القوانين والآداب والانغماس في الملذات والشهوات وسلوك السبل المؤدية إلى حط منزلتهم في عيون الرعية وتقويض أركان حكمهم بدلًا من تقويتها” (245، 246، 280). ورفعت “المقطم” شعار “المساواة أمام القانون”، فذكرت أن الناس يتوهمون أن أمراء العائلة الخديوية غير خاضعين للقانون مثل بقية الأهالي “وهذا وهم باطل لأنهم هم وبقية الأهالي سواء أمام القانون، وسيرى الناس كلهم أن القضاء يحكم على الجاني منهم حسبما تستحق جنايته، وأن المحكوم عليه يُعاقب كما يُعاقب أصغر خادم عنده، وأننا في عصر يطأطئ الكبير رأسه فيه أمام القانون كالصغير، حتى الذي يستثنيه القانون يعلم أنه يُسأل عن كل ما يفعل” (عيسى، 280-281).
بينما كان موقف كثير من السياسيين المصريين يتلخَّص في أن الأسرة المالكة ورئيس مجلس الشيوخ هي رموز للسيادة الوطنية وأن انتقاد هؤلاء أو محاسبتهم بالقانون هو اعتداء على السيادة الوطنية واستقلال مصر. ولذا كانوا هؤلاء الساسة يقولون ما معناه حقوق الإنسان ليست أهم من سيادة واستقلال الدولة المصرية، فينبغي التغاضي عن هذه المسألة.
إلا رجل واحد قاد الحملة المدافعين عن حقوق الإنسان: فارس نمر باشا (1956-1951م). فمن هو هذا الرجل؟ هو من أصول شامية وشيخ الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة، ومعه زميله ألكسان أبسخرون باشا الصعيدي الأسيوطي (1856- 1951م) صاحب القصر الشهير على النيل في أسيوط، رئيس الطائفة الإنجيلية الأسبق (1911- 1949م). الشيخ فارس نمر الشامي والشيخ ألكسان ألكسان أبسخرون باشا الصعيدي كانا يمثلان أعضاء الكنيسة الإنجيلية المؤسِّسين في قصر الدوبارة حيث دعم كلاهما أبينا الدكتور القس إبراهيم سعيد في تحويل اجتماعه المبارك والمؤثر في شارع إبراهيم باشا (الجمهورية حاليًا)، إلى كنيستنا المتألقة بقصر الدوبارة في ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا).
تعلَّم فارس نمر باشا في المدارس الإنجيلية ثم التحق بالكلية السورية الإنجيلية في بيروت (الجامعة الأمريكية ببيروت حاليًا). وأسس هناك جريدة علمية ثقافية ناجحة وواسعة التأثير تحت اسم “المقتطف”. ثم كتب في هذه الجريدة شارحًا نظرية داروين من التطور. وداروين بالمناسبة بروتستانتي تقي وكان يعمل بدافع استكشاف طرق الرب من الخليقة، عكس ما يُشاع عنه أنه كان ملحدًا.
وبالرغم طبعًا أن ملحدين كثيرين استندوا بعدها إلى نظرته لانتقاد التفاسير الحرفية التي كانت سائدة وقتها لسفر التكوين. المهم قامت الكلية الإنجيلية بوقف جريدة المقتطف في بيروت وفُصِل فارس نمر عن العمل بتهمة “نشر أفكار إلحادية”.
فأتى الشاب فارس نمر إلى مصر عام 1884 حيث استقبله بخطاب مرحب رئيس وزراء مصر وقتها مصطفى رياض باشا وطلب منه إصدار “المقتطف” العلمية في مصر. ففعل هذا ثم تلاها بإصدار جريدة “المقطم” السياسية مع زميل لبناني آخر هو الرائد الشهير يعقوب صروف وزميل ثالث أقل شهرة هو مكاريوس شاهين.
لم تكن جسارة فارس نمر في الدفاع عن العلم منبتة الصلة بتوجه حرية الفكر والتفكير النقدي الذي أطلقته حركة الإصلاح. ولا كان هجومه على الرقّ منبت الصلة بجهد ويلبرفورس البرلماني الإنجليزي الإنجيلي الذي اعتبر حملته على الرق دعوةً إلهيةً وأعطاه الرب أن يرى ثمارها بعد عقود من النضال، وليست غريبة عن موقف اللاهوتي ورجل النهضات تشارلز فيني، الذي أيَّد تحرير العبيد في أمريكا قائلًا: “حتى لو قانت حرب أهلية فستكون أخف الشرين”.
هل كانت “المقطم” صنيعة الإنجليز؟
اتُّهِمت “المقطم” بموالاة الإنجليز المحتلين وتملق الخديو. لكن ربما يبدو للقارئ الموضوعي أن الجريدة كانت مع جهود التحديث والتنوير، حتى لو جاءت من الإنجليز أو الخديو وانتقدت الحكام عندما خالفوا هذه الجهود. وأسطع دليل على هذا هو معارضة جناب الشيخ فارس نمر باشا الجسورة للأسرة (المالكة) في مسألة الرق، ومثال آخر اشتباك الصحفي الشاب بالجريدة وقتها، الذي صار بعدها الأديب الكبير وديع فلسطين، مع رئيس وزراء مصر اسماعيل صدقي باشا (المعروف بشدة بطشه) بخصومه السياسيين ودكتاتوريته القاسية، حيث انتقد الصحفي الشاب على صفحات المقطم تصريحات رئيس الوزراء ضد لبنان، التي زعم فيها أنها مصدر الحشيش المنتشر في مصر. هنا نرى أن المقطم واجهت رئيس الوزراء المتعاون مع بريطانيا والتي خرجت المظاهرات تهتف ضد معاهدته معهم: معاهدة “صدقي–بيفن”، التي رفضها الشعب المصري حتى أسقطها بعدها مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد. فلو كانت المقطم هي “الناطقة باسم الاحتلال” كما ذكر أستاذنا صلاح عيسى فكيف تهاجم رئيس وزراء تصالح مع بريطانيا بنفس الحدة التي انتقدت بها الأمير سيف الدين وعلي باشا شريف.
نعم هاجمت المقطم أحمد عرابي واعتبرته سببًا في الاحتلال الإنجليزي، ولكن هكذا فعل الزعيم الوطني المحتَفَى به مصطفى كامل باشا بالضبط. وفي هذا المقام نذكر ما قاله المؤرخ شريف مراد عندما اقتطف قول زعيم الاستقلال الوطني الأعظم سعد زغلول باشا: “إن وجود الاحتلال ضروري لتهيئة الشعب المصري للحياة النيابية (الحكم البرلماني الديمقراطي) لأنه في غياب الاحتلال سيسهل على حكامه الاستبداد به”.
ولكن الحق أن المقطم امتدحت تحضر وتقدم بريطانيا وهذا لا غضاضة عليه. لكني أقر أيضا أن موقفها كان مهادنًا بلا لزوم مع الاحتلال؛ حيث دعت إلى قبول الأمر الواقع وأن أضرار الثورة على الاحتلال أكثر من مكاسبها، وأن الأفضل قبوله وهو سيرحل بدون مقاومة عندما يكون وضع الشعب المصري مستعدًّا للاستقلال الكامل. هذا خطأ يكرره كثير من المؤمنين والمتدينين عمومًا عندما ينخرطون في السياسة. مهادنة المستبدين والمستعمرين لتفادي أضرار ومخاطر معارضتهم. وكان يجدر بشيخنا العظيم الراحل أن يعارض الاحتلال معارضة سلمية لا عنفية لكن جسورة، كما عارض استبداد الأسرة المالكة وإقطاعيِّ مصر مُلَّاكِ العبيد والجواري.
فما هو التحدي المبادئي أمامنا اليوم؟
هو أن نفتح فمنا وندافع عن حقوق المسحوقين والمطحونين والفقراء المستَعبَدين لآلة اقتصاد يستغلهم ولا ينصفهم. “اِفْتَحْ فَمَكَ. اقْضِ بِالْعَدْلِ وَحَامِ عَنِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ.” (أم 31: 9). “فِي حَرْثِ الْفُقَرَاءِ طَعَامٌ كَثِيرٌ، وَيُوجَدُ هَالِكٌ مِنْ عَدَمِ الْحَقِّ.” (أم 13: 23).
لا نستكين أمام الاتهامات التي توجَّه للمدافعين عن حقوق الإنسان بأنهم “عملاء الغرب”… إلخ، كما لم يسكت شيخنا الراحل فارس نمر باشا. وفي نفس الوقت لا نرتكب الخطأ الذي وقع فيه، فمع تقديرنا لتحضر وتقدم الغرب وتعلُّمنا منهم في العلوم والفنون والحقوق والروحيات أيضًا علينا ألا نسكت عندما نرى اعتداءات وتهديدات قد يؤيدها بعض إخوتنا في الكنائس الإنجيلية الغربية كتأييدهم للاحتلال الإسرائيلي أو تأييدهم للتسلح النووي. وهذان حديثان آخران.
المراجع
عيسى، صلاح. حكايات من دفتر الوطن. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. مكتبة الأسرة، 1998.
اسم الكاتب : د. ق. رامي ناير مرقص
ساهم الإنجيليُّون بدور كبير في تشكيل الثقافة المصرية المعاصرة، وخاصةً في قضايا الإصلاح الديني، وتطوير التعليم، والحرية الدينيَّة. وكانت كل هذه الإسهامات مغلَّفةً بالمسؤوليَّة القوميَّة الناشئة في العصر الحديث. وبدأ هذا الدور في منتصف القرن التاسع عشر، حين حضرت لمصر مجموعةٌ صغيرةٌ من المرسلين الإنجيليين الأمريكيين بغرض تحفيز حركة نهضةٍ دينيةٍ وثقافيةٍ بمصر. وشَجَّع المرسلون على زيادة مساحة التقوى الشخصية، وإنشاء المدارس، وتوسيع مساحة الحريات. كان المرسلون يفهمون جيدًا أن هذا دور السكان المحليين في الأساس، فلا عددهم ولا إمكانيتهم تسمح بتغطية كل مصر. ولهذا اعتمد المرسلون من البداية على المصريين والسوريين في تنفيذ واستكمال هذه الرؤية.
وهنا ينبغي أن ننبر على أن بعض الأفكار الإنجيليَّة الأمريكية كانت مختلفة عما كان سائدًا في المجتمع المصري حينذاك. فعلى سبيل المثال، اعتقد المرسلون بضرورة تعليم القراءة ليستطيع كلُّ فرد الاطلاع على الكتب المقدسة بنفسه؛ بينما كان يعتمد التعليمُ المصريُّ في الأساس على الحفظ والتذكُّر الشفهي. ولا ينبغي الحكم على هذا الاختلاف الثقافي بتعبيرات بسيطة كالجيد أو الفاسد، الناجح أو الفاشل، والمتقدم أو المتأخر. فالثقافات مُعقَّدة في تكوينها، وكلٌّ منها مبنيٌّ على حكمة مجتمع في ظروف مختلفة. ثم إن الثقافة متغيرة ديناميكية تتفاعل مع ظروف العصر ومع الثقافات الأخرى. فمن خلال المرسلين، تمازجت الثقافة الأمريكية والمصرية، وتم مشاركة هذا التفاعل في مصر وأمريكا. ولعل الإنجيليين المصريين أجلَى مثال لتفاعل الثقافات× إذ صاروا جسرًا للتبادل الثقافي المصري والأمريكي.
والسؤال الآن، كيف نشأ الإنجيليون في مصر؟ وما دورهم الديني والثقافي؟ وكيف ساهموا في عملية التبادل الثقافي الأمريكي-المصري؟ وستحاول هذه الدراسة القصيرة الإجابة على هذه الأسئلة من خلال التأريخ لبدايات العمل الإنجيلي في مصر، الذي نشأ من خلال المواجهة الثقافية بين المرسلين الأمريكيين وسكان مصر. كما سنحاول تسليط الضوء على بعض إسهامات الإنجيليين في ثلاثة مجالات: الإصلاح الديني والتعليم والحريات الدينية.
الإرسالية الأمريكية في مصر
مر المجتمع الديني الأمريكي بصحوةٍ روحيةٍ ثانيةٍ في بدايات القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، قام العلمانيون بجوار القادة الدينيين بدور مهم في إعادة تأويل القِيَم المسيحيَّة في إطارٍ إنجيليٍّ معاصرٍ، مما ساهم في حركة صحوة دينية ومجتمعية. ولعل أهم سمات هذه الصحوة هي: مركزية التقوى الشخصية، وقراءة الكتب المقدسة، والسعي لمشاركة الإيمان مع الآخرين، ومساعدة الفقراء والمُهمَّشين في المجتمع المحليّ. وبسبب النجاح الكبير لهذه النهضة الروحية في أمريكا، أسست المجموعات الإنجيليَّة حركات تبشيرية عابرة للطوائف في داخل أمريكا وفي أنحاء العالم لنشر هذا التعليم. ورغم أن بعض الأعضاء من الكنيسة الإنجيلية المشيخية المتحدة (United Presbyterian Church) كانوا يشاركون في هذه الإرساليات الدولية بصورة شخصية من البداية؛ إلا أن الكنيسة كمؤسسة كانت أبطأ في الانضمام لهذا الدور. وبدأت الكنيسة بتأسيس أول إرسالية دولية في عام ١٨٣٥، واستمرت في الهند لثلاث سنوات فقط. وجاءت ثاني محاولة في عام ١٨٤٤، بعد الضغط الشديد من العلمانيين على الكنيسة لإرسال مجموعة صغيرة لسوريا الكبرى.[1]
وفي هذا الوقت، كتب السنودس نشرةً في غاية الأهمية لشرح رؤية العمل المرسلي الدولي وجمع التبرُّعات من الكنائس المحليَّة. تعكس هذه النشرةُ الصراع الداخلي بين بعض علمانيِّ الكنيسة المتحمِّسين للإرساليات الدولية وعدد غير قليل من قيادات الكنيسة الذين أرادوا التركيز فقط على العمل المحليِّ. وفي النهاية، تم حسمُ الأمر من خلال إقرار تأسيس إرساليَّةٍ صغيرةٍ من حيث العدد والوقت لتحفيز العمل في الشرق الأوسط على أساس قومي. ويشرح المنشور هذا قائلًا:
سيتم إنجاز كل العمل [المرسلي] في وقتٍ قصير من خلال: إنشاء مدرسة جيدة الإدارة، وتوزيع عدد قليل من الكتب والنشرات، وإجراء بعض المحادثات، وتأسيس كنيسة صغيرة بعد بضع سنوات من العمل. وستشكل هذه مركزًا مهمًّا للتأثير، وستقوم بعمل التأثيرات المرغوبة والأكثر شمولًا. وسيصبح كلُّ المتحولين معلمون للاستقامة. وسيثير الحق الجديد والتباين اللافت للنظر مع الظلام المحيط الاهتمام والاستفسار. وستنشأ تدريجيًّا جماعةٌ مختمرةٌ بالمبادئ الأساسية للإنجيل والتي ستُعِدُّ الطريق لتحقيق تغيير مرئي عظيم. ألا يعلن الله ذاته في كل بلد من خلال شعبها؟! وبعد بضع سنوات سنكتشف تغييرًا حقيقيًّا في الحالة الروحية للعالم. إن الهدف من الإرساليات الأجنبية ليس تزويد العالم الوثني أو المحمدي أو اليهودي بوعاظ من الأراضي المسيحية؛ ولكن فقط البدء في إنشاء كنيسة المسيح في تلك الأماكن، وإثارة الاهتمام بموضوع الدين المسيحي، ودعوة وتدريب وكلاء محليين، والذين سيمضون هم بأنفسهم قدمًا في الإرسالية الكبرى، حيث يعمل كل إنسان في عمله، وأرضه، وبلغته.[2]
ومن هذا المنشور، يمكنا التأكيد على أمرين أساسيين. أولاً، كانت الإرسالية الإنجيلية مبنيَّة على حركة نهضوية شعبية تحلم بتغيير العالم ككل. وكانوا يعتقدون بأن هذا التغيير سيحدث في الأساس من خلال السكان المحليين “حيث يعمل كل إنسان في عمله، وأرضه، وبلغته”. وبالتالي يمكنا التأكيد على أن الإرسالية الإنجيلية المشيخية في الشرق الأوسط لم يكن لها أي غرض استعماري. ثانيًا، يرتبط العمل المرسلي ارتباطًا وثيقًا بالتعليم والنشر والحوار. فلم يقتصر عمل المرسلين على تأسيس خدمة دينية داخل جدران الكنيسة؛ بل كانوا يؤسسون بجوار الكنيسة مدرسة ومطبعة ومكتبة؛ فقد كانوا يؤمنون بأن المجتمع المثقف سيكون أفضل للمجتمع المسيحي والعكس صحيح.
على كل حال، أرسلت الكنيسةُ الإنجيليةُ المشيخيةُ أول ثلاثة مرسلين للشرق الأوسط. وصل جيمس بارنت وأخته وزوجها الطبيب ج. بالدوين لبيروت في فبراير ١٨٤٥ لتعلُّم اللغة العربية واختيار مكان لبدء إرساليةٍ لتبشير اليهود وتثقيفهم في منطقة فلسطين. لكن بعد أن وصل المُرسَلون للمنطقة فهموا أن هذا الأمر أكبر من طاقتهم المالية وتدريبهم. ولذا قرروا التعاون مع إرسالية إيرلندية كانت تعمل في دمشق بهدف مماثل، وانتقلوا لدمشق في أغسطس ١٨٤٦. في البداية، لم يستطِع المُرسَلون التواصل بصورة جيدة مع السكان المحليين بسبب ضعف لغتهم، وجهلهم الثقافي، والصراعات الطائفية في المنطقة. لكن مع بداية الخمسينيات من القرن التاسع عشر، بدأوا يطورون أساليب جديدة للتواصل مع السكان المحليين والتي كان أهمها التواصل مع المسيحيين المحليين والاعتماد عليهم في العمل. فعلى سبيل المثال، تواصل المبشِّرون مع الدكتور ميخائيل مشاقة الذي انتقل لدمشق في هذه الفترة. وكان مشاقة طبيبًا معروفًا للجميع، وعالمًا، وكاتبًا جليلًا؛ وقد سبق واعتنق المذهب البروتستانتي. ومن خلاله تواصل المُرسَلون بصورة جيدة مع كافة السكان المحليين. وهكذا امتد العمل المرسلي الإنجيلي في منطقة دمشق ونواحيها.
ولكن في عام ١٨٥٣، نشبت حرب القرم في المنطقة مما دفع المرسلون للتفكير في تأسيس إرسالية في مصر لتكون ملجأ لهم وللإنجيلين المحليين في حال اشتداد الحرب. وبنهاية عام ١٨٥٤، ذهب جيمس بارنت وجبران شحاتة من دمشق للقاهرة ورافقهما توماس وهنريتا ماكيج من أمريكا. وحين وصلوا للقاهرة تعاونوا مع بعض الإرساليات الإنجليزية والأمريكية التي كانت تعمل في هذا الوقت في مصر. وفي غضون سنوات قليلة غادرت الإرساليات الأخرى مصر، مما جعل الإرسالية الأمريكية المشيخية الإرسالية الوحيدة البروتستانتية في مصر لسنوات عديدة. واستحقت لقب “الإرسالية الأمريكية في مصر”.
وخلال عمل الإرسالية الأمريكية في مصر أسست اجتماعات روحية للسكان المحليين، ومدارس للبنين والبنات، ومكتبات، ومستوصفات طبية، وملاجئ للأطفال. وقد زاد عدد المرسلين الأجانب في بعض الأوقات المختلفة؛ ولكن بقوا دومًا أقل من حاجة العمل في مصر حاسبين أنفسهم مجرد حافز للعمل المحلي. إذ اعتمد المرسلون بشكل أساسي على السكان من أصل مصري أو سوري لإنهاض العمل الروحي والثقافي. وقد كان السكان المحليون أدرى وأجدر على العمل في أرضهم وبلغتهم، كما سبق وتوقع السنودس الأمريكي. وهناك أسماء كثيرة من السكان المحليين التي ساعدت في تنفيذ الأعمال المختلفة أو دعمها في السنوات الأولى مثل: ميخائيل يوسف، وعوض حنا، وفام اسطفانوس، وواصف الخياط، ووردة بركات، وفارس منصور.
الإصلاح الديني وتأسيس الكنائس الإنجيلية
جاء المرسلون الأوائل لسوريا ومصر بغرض إنهاض العمل الروحي والثقافي؛ وليس بالضرورة تأسيس كنائس جديدة. فحين قدم المرسلون الأوائل شجعوا السكان المحليين على عقد اجتماعات روحية لدراسة الكتب المقدسة والصلاة في كل مكان ممكن. ولكن هذه الحركة أزعجت بعض قيادات الكنائس المحلية التي كانت تختلف مع الإنجيليين في بعض الأفكار والنظم الإدارية. في الحركة الإنجيلية، كان الهدف هو جعل كل فرد قادر على قراءة الكتب المقدسة، وتفسيرها، وقيادة اجتماعات الصلاة. ولذا ساعد الإنجيليون الشعب على تعلم قراءة الكتب المقدسة وتوفيرها في متناول اليد. كما أن الفكر الإنجيلي رفض بعض عقائد الكنائس الأخرى مثل: الشفاعة والاستحالة والأيقونات. في حين كانت القيادات الدينية للكثير من الكنائس المحلية تتبع نظامًا هرميًّا في قيادة الكنيسة وتبني عقيدتها وتفسيراتها وصلواتها على التقليد الكنسي الرسولي. ولم يكن هذا الاختلاف هيِّنًا على أرض الواقع؛ بل ولَّد تحديات بين بعض العائلات المحلية وأربك بعض النظم الكنسية. وكلما حاول قادة الكنائس المحلية السيطرة على هذه الحركة الإنجيلية، ازدادت الفجوة بين قادة الكنائس المحلية والمنتمين للحركة الإنجيلية. ولفرض السيطرة على هذه الحركة، ظهرت الحرمانات والقطوعات الكنسية التي ساهمت في تحويل الحركة الإنجيلية من كونها حركة داخل الكنائس المحلية لكنيسة موازية. ولم تكن هذه الكنيسة الجديدة إلا تصور مُصلح للكنيسة المحلية.
فعلى سبيل المثال، نمى ميخائيل يوسف في داخل كنيسة محلية بمصر وأصبح فيما بعد راهبًا. وقد تعلم يوسف قراءة الكتب المقدسة والتفسير والتاريخ الكنسي في مكتبة الدير المنتمي له. وفي شبابه سيم قمصًا وخدم في أثيوبيا بعض الوقت. وبعد أن عاد لمصر على خلفية الصراعات السياسية في أثيوبيا، تعرف على بعض الأفكار البروتستانتية من إرسالية إنجليزية. وقد رأى في الفكر الإنجيلي عودة للفكر الآبائي ومحاولة لنهضة عبادة ونظام الكنيسة، وحاول نشر هذا الفكر داخل ديره وكنيسته؛ ثم انفصل لاحقًا عن كنيسته في عام ١٨٥٣. وحين حضرت الإرسالية الأمريكية لمصر في عام ١٨٥٤، بدأ يتردد يوسف على اجتماع درس الكتاب والعبادة. وكان المرسلون لا يريدون ضمه لهم في البداية، ولكن بعد خمس سنوات من الترد عليهم انتمى لهم وأصبح أول إنجيلي مصري في عام ١٨٥٩، وهو من جلب غالبية الجيل الأول من الإنجيليين. وبعد ذلك صار أول مبشر وبعدها أول قس إنجيلي مصري. وقد أسس عشرات الجهات الكرازية وبعضًا من أوائل الكنائس الإنجيلية. وأصبح لاحقًا أول رئيس مجمع إنجيلي بمصر. وقد كان ليوسف الدور الأكبر في تشكيل هوية الكنيسة الإنجيلية كحركة إصلاح دينية مصرية.[3]
المدارس الإنجيلية وتطوير التعليم
حين جاء المُرسَلون لمصر في عام ١٨٥٤، كان التعليم متدهورًا بصورة كبيرة. فلم يهتم عباس وسعيد كثيرًا بإنشاء ودعم المدارس الحكومية كما سبق وفعل محمد علي. وفي عصريهما، تم إغلاق وتقليص حجم المدارس بصورة كبيرة كجزء من خطة الدولة لتقليص الموازنة. وفي هذه الأجواء، جاءت الإرسالية الإنجيلية الأمريكية لتنشئ بعض المدارس الصغيرة لتعليم مبادئ القراءة والحساب، وكانت تشبه لحد كبير المدارس المحلية (الكتاتيب أو المكاتب) للأقليات الدينية الأخرى. واعتمدت في الأساس على السكان المحليين وخاصة المصريين والسوريين لتدريس هذه العلوم الابتدائية. فعلى سبيل المثال، كتبت هنريتا ماكيج لأختها في عام ١٨٥٨ عن الدور الكبير الذي كان تقوم به المعلمة السورية وردة بركات في مدرسة الفتيات بالإسكندرية. فقالت في هذا الخطاب إن بركات كانت “فتاة مجتهدة وحسنة التصرف ومعلمة جيدة جدًّا.”[4] ومثل بركات كان هناك العديد من المعلمين المحليين الذين عاشوا في أجواء صعبه ليعلموا أولاد الفقراء والأغنياء. فيُحسَب للمدارس الإنجيلية في هذه الفترة أنها كانت سريعة التأسيس في المدن الكبرى في الوجه البحري والقبلي، وتَقبَل جميع الطلاب بغض النظر عن خلفيتهم الدينية أو الطبقية، وتُعلِّم التلاميذ صغارًا وكبارًا من الجنسين. فقد اعتقد المُرسَلون أن تثقيف المجتمع المصري من خلال التعليم أمر حتمي لاستمرار وانتشار المسيحية الشرقية في مصر.
وتطورت المدارس بصورة عامة في فترة الخديو إسماعيل بما فيها المدارس الإنجيلية. فبعد توليه الحكم، أنشأ إسماعيل ديوان المدارس للإشراف على تطوير التعليم المصري، وضخ مبالغ مالية ضخمة في مدارس الحكومة والأقليات الدينية. ودفع هذا لتطوير المدارس الإنجيلية لتكون متماشية مع حركة تطوير التعليم المصري وجاذبة للطلاب. ولإحداث هذا التقدم التعليمي تلقت المدارس الإنجيلية مِنَحًا عديدة ومساعدات فنية من الحكومة المصرية، بالإضافة لمساهمات تمويلية كبيرة من السكان المحليين والأجانب. في هذه الفترة، تبلورت هوية التعليم الإنجيلي لتجمع بين جودة التعليم وإتاحته للجميع. وكان ينظر للمدرسة على أنها امتداد لخدمة الكنيسة للمجتمع المصري.
الحرية الدينية
اعتقد المرسلون الأمريكان بضرورة الحرية الدينية الفردية. ومن هذا المنظور، يحق للشخص اختيار عقيدته وإيمانه حسبما يرى، وعلى الدولة حماية حريته الشخصية. ويختلف هذا كثيرًا عما كان سائدًا في مصر؛ إذ كانت الحرية الدينية بمصر جماعية. فقد كان من السائد تنظيم الأقليات الدينية في طوائف، وتمنح الدولة الحرية للأفراد من خلال طوائفهم ورؤسائهم الدينيين. وكان لرئيس الطائفة ومساعديه تنظيم الأحوال الشخصية وبناء الكنائس وبعض الأمور المدنية لأفراد جماعته من خلال منظورهم ونظامهم الديني. ويميل هذا النظام الطائفي للحفاظ على الوضع الديني كما هو عليه ولا يشجع على التغيير الديني.
ولذا كان نظام الطوائف غير متوافق مع الثقافة الأمريكية، وكان أيضًا معرقلًا للتبشير الإنجيلي؛ فقد كان المُرسَلون يعتقدون بأن عليهم دعوة الجميع للإيمان الإنجيلي، وللفرد الحرية في قبول أو رفض هذه الدعوة. في حين أن نظام الطوائف لا يعطي الحق للفرد في ترك إيمان جماعته ولا يسمح بالتبشير. ولو حاول الفرد تغيير طائفته، كان يحق لرئيس الطائفة تأديبه وعلى الدولة مساعدة رئيس الطائفة في هذا. ومن هنا حدثت العديد من التصادمات الثقافية حول مفهوم الحرية الدينية بين المرسلين من جهة وبين السكان المحليين من مسيحيين ويهود ومسلمين من جهة أخرى. لكن هذا لم يوقف المرسلون عن الدفاع عن الحرية الفردية في أقصى صورها. ويكفي النظر لمطالبات المرسلين للحكومة المصرية في ستينيات القرن التاسع عشر بالدفاع عن حرية الأفراد في اختيار الدين أو الإيمان كما حدث في قضايا: فاطمة وفارس منصور، وجرجس بشَتلي، وفام اسطفانوس.
ولعل أغرب قصة في هذا الشأن، هو ما رواه أندرو واطسون -المرسل والمؤرخ الأمريكي- عن دفاع المرسلين عن شخص ملحد. ففي عام ١٨٦٢، تعرف المرسلون على شابٍّ قد تعلم في فرنسا وتأثر بحرية نقد الأديان. وبعد عودته للإسكندرية كتب بعض المقالات التي تنتقد الأديان؛ مما أثار حفيظة بعض السكان المحليين وتسبب هذا في سجنه. وحين علم المرسلون بهذا، فوضوا جوليان لانسج للتوسط له مع الوالي بحجة أنه عصر حماية الحريات. وبالفعل استجاب الوالي وتم إخراج هذا الشاب وإرساله للعيش في القاهرة بعيدًا عن معارضيه بالإسكندرية. ويختم واطسون قصته قائلًا: إن هذا الشاب “لا يعتقد بأي دين مع أنه رجل حسن الأخلاق، ويزور مكتبتنا في القاهرة من وقت لآخر”.[5] فالدفاع عن الحرية الفردية لم يكن دفاعًا عن التحول للمسيحية الإنجيلية؛ ولكنه كان في الأساس ثقافة أمريكية تقر بحرية الفرد في اختيار إيمانه ودينه.
…………..
الختام
حاولت في هذا المقال القصير التأريخ لبدايات الدور الإنجيلي في المجتمع المصري في بعض المجالات كالإصلاح الديني، والتعليم والحريات. فالإرساليات الأمريكية لم تأتِ لمصر لتكوين كيانات جديدة، بل لتأسيس نهضة روحية وثقافية من منطور إنجيلي أمريكي. وبسبب مُغايَرَة الثقافة المصرية لهذه النهضة الأمريكية في مصر، تم تأسيس الكنائس والمدارس الإنجيلية الموزاية لما كان موجودًا في ذلك الوقت. وكانت هذه المؤسسات الجديدة بمثابة نتاج لتفاعل الثقافة الأمريكية مع السياق ثقافته. وبهذا كان الإنجيليون المصريون والمرسلون الأمريكيون قنوات للتبادل الثقافي ومزج للخبرات لتكوين أيدولوجيات مزيجة تتوافق مع حاجة الإنسان المعاصر دينيًّا وثقافيًّا.
هذا البحث ما هو إلا حجر صغير في بحر. فلقد ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الدراسات حول العمل الإنجيلي في الشرق الأوسط؛ إلا أن أغلبها تمركز حول بلاد الشام. والدراسات للسياق المصري قليلة جدًّا رغم ضخامة الأثر الإنجيلي وكبر عدد الإنجيليين المصريين. ومن هنا تظهر ضرورة الاحتياج لمزيد من الدراسات العلمية المختلفة حول الإرساليات والكنيسة الإنجيلية وتفاعلهما مع السياق المصري الحديث. دراسات موضوعية غير مصبوغة بالاستباقات الأيديولوجية الدفاعية أو الهجومية لفهم أعمق للتاريخ والسياق المصري-الأمريكي.
[1] James Brown Scouller, A Manual of the United Presbyterian Church of North America: From 1751 to 1887 (Pittsburgh, PA: United Presbyterian Board of Publication, 1887), 664–65.
[2] David MacDill, ed., The Evangelical Guardian, vol. 1 (Rossville, OH: J. M. Christy, 1843), 68–69.
[3] Ramy Nair Marcos, “The Emergence of the Evangelical Egyptians: A Historical Study of the Evangelical-Coptic Encounter and Conversion in Late Ottoman Egypt, 1854-1878” (PhD diss., Hartford International University for Religion and Peace, 2022), 84–91.
[4] Henrietta McCague, “Mrs. McCague to Her Sister Sara Ann Lowes,” June 18, 1858, 3–4, McCague Family Papers, PHS.
[5] Andrew Watson, The American Mission in Egypt: 1854 to 1896 (Pittsburgh, PA: United Presbyterian Board of Publication, 1898), 151–52.
اسم الكاتب : القس سهيل سعود
تفاوتت آراء المصلحين حول علاقة الكنيسة مع الدولة. في الوقت الذي تحدّث فيه المصلحان مارتن لوثر وجان كلفن، عن ضرورة الفصل بين الكنيسة والدولة. ومع أن كلام مارتن لوثر بقي نظريًّا أكثر مما كان عمليًّا كما كان عليه المصلح جان كلفن، فإن المصلح أولريخ زوينغلي لم يفصل كثيرًا بين علاقة الكنيسة والدولة، بل بقيت العلاقة بين الكنيسة والدولة مندمجة غير منفصلة. لكن يجب مناقشة هذا الموضوع، آخذين بعين الاعتبار الخلفية السياسية والدينية التي نشأت فيها حركة الاصلاح في القرن السادس عشر. وهنا، لا بد من الاشارة الى أن السياق التاريخي الذي ناقش فيه المصلحون هذه الاسئلة، هو سياق مسيحي صرف، كون أن الدين الوحيد الذي كان سائدًا في اوروبا في زمن الإصلاح، هو الدين المسيحي فقط، ولم يكن هناك أديان أخرى، الأمر الذي لا شك يؤثر على طبيعة فهم المصلحين للعلاقة بين الأديان والدولة، كما هو الواقع الاجتماعي والسياسي للعالم الحديث.
عندما أصبحت المسيحية دين الإمبراطورية الرومانية في الغرب في القرن الرابع، فإنه في البداية، كان هناك إصرار على استقلالية الكنيسة عن الدولة. ولكن مع انحسار نفوذ الإمبراطورية الرومانية وانهيار سلطتها، لم يعد هناك قوى وسلطة زمنية أساسية لتحكم الشعب، سوى قوة وسلطة الكنيسة. فالغزو البربري والفوضى، التي حدثت وسط غياب سلطة زمنية، وجّهت أنظار الشعوب الأوروبية إلى القوة الوحيدة الباقية، لينضووا تحت حمايتها، هي قوة البابوية. وهكذا صارت الكنيسة السلطة الوحيدة، التي حكمت في الأمور الروحية والزمنية حتى القرن الثامن. وبعد هذا الوقت، برزت على الساحة الأوروبية قوى سياسية جديدة، وبشكل خاص الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ومملكة فرنسا، وغيرها، التي بدأت تستعيد سلطتها. وخلال القرن العاشر، استطاع العديد من الحكام إثبات نفوذهم والحصول على السلطة. ولقرون عديدة سادت نظرية “القيصرية البابوية”، التي نادت بالحق الإلهي للحاكم. لكن السؤال كان: من هو الحاكم؟ البابا أم القيصر؟ وقد استُخدمت هذه النظرية في بعض الأحيان، من قِبل الحكام المدنيين ليحكموا الدولة والكنيسة في بلدانهم. وفي أحيان أخرى، استُخدمت من قِبل الكنيسة الكاثوليكية، لتقول بأن الكنيسة هي إمبراطورية، والبابا هو الإمبراطور. وكون البابا هو ممثل المسيح على الأرض، فإن سلطته على الكنيسة هي بشكل مباشر، وعلى الدولة بشكل غير مباشر. فالقديس توما الأكويني في القرن الثالث عشر، كان يقول: “إن الحاكم له السلطة الكاملة في تنفيذ القوانين، لكن البابا كسلطة روحية، له الحق أن يقرر إذا ما كان الحاكم تصرّف بأخلاقية في تنفيذ واجباته السياسية أم لا”.
تميزت القرون اللاحقة بصراع دراماتيكي كبير، وأزمات متفاقمة، ليس فقط حول تنازع السلطتين، الزمنية والروحية، بين الملوك والباباوات، بل أيضًا تنازع السلطة، حتى بين الباباوات أنفسهم. في عام 1378 عند موت البابا “غريغوار الحادي عشر”، وتحت الضغوطات السياسية، انتخب الكرادلة بابوين (عدد 2 من البابوات)، وقد صارا يتهمان بعضهما البعض، ويحرمان بعضهما البعض من الكنيسة. يصف الكاتب “موشيم” الحالة في تلك الفترة، قائلًا: “خلال 50 سنة، كان للكنيسة الكاثوليكية، بابوان أو ثلاثة بابوات. وقد هاجموا بعضهم وحرموا بعضهم وتآمروا ضد بعضهم البعض. فقد نشأت حروب بينهم. وازداد الشر والفساد. وفقد الدين معناه عند الناس، في أمكنة كثيرة. ولم تعد الكنيسة تمارس مهمتها بالتأديب الكنسي”. وبعد انقضاء هذه الفترة، وانتخاب بابا واحد للكنيسة، فقد استمر الصراع حول السلطة. في بعض الأحيان، كانت تتعاظم السلطة الباباوية على سلطة الملوك. وفي أحيان أخرى، كانت تتعاظم سلطة الملوك على سلطة الباباوات.
خلال زمن الإصلاح في القرن السادس عشر، كانت الإمبراطورية الرومانية المقدسة، مؤلفة من مقاطعات متعددة مترامية الأطراف، يحكمها الإمبراطور الروماني المقدس. وكان للإمبراطور سلطة محددة في مقاطعته. كل أمير حكم في منطقة معيّنة. كانت هناك مقاطعات مستقلة، ومقاطعات نصف مستقلة. كان بابا روما، له سلطة روحية على كل المسيحيين الكاثوليك، وسلطة زمنية على بعض الدول. كانت الكنيسة الرومانية تفرض على أمراء مقاطعات الإمبراطورية، ضرائب مالية. كانت الكنيسة منخرطة في الشؤون السياسية في أوروبا، إذ دمجت السلطة الروحية، مع السلطة الزمنية. ولم تحكم الكنيسة فقط في القضايا الدينية، لكنها حكمت في كافة حقول المجتمع.
وبالتالي، فإن تبعات التطورات الاجتماعية والسياسية بعد دخول الإصلاح إلى ألمانيا وأوروبا، وضعت المصلحين الإنجيليين أمام مهمة صعبة، هي تقرير كيفية طبيعة علاقة الكنيسة الجديدة مع الدولة أو مع الحكومات، التي يعيشون في كنفها. في هذا السياق، طرح كلُّ مصلح إنجيلي، تصوره حول طبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة. ليؤسسوا لعلاقة، مبنية على أسس لاهوتية، وكتابية، واجتماعية، وإنسانية. وقد اختلفت علاقة الكنيسة بالدولة، باختلاف المصلح والإصلاح الذي دخل المدينة. ولم ينتج عن ذلك مفهوم واحد، بل عدة مفاهيم، تنوعت بتنوُّع نظريات وآراء المصلحين المتنوعين. فالعلاقة بين الكنيسة والدولة تفاوتت من العلاقة المتماهية والمتمازجة بين المؤسستين، إلى الفصل الكامل بينهما.
العلاقة بين الكنيسة والدولة هو مفهوم يطرح عدة تساؤلات منها: ما هي مهمة الدولة ومهمة الكنيسة؟ ما هي المساحة التي يجب أن توجد بين المؤسستين؟ إلى أي مدى يجب أن تنخرط الكنيسة بالدولة، أو الدولة بالكنيسة؟ كم يجب أن تكون درجة العلاقة؟ أين تتفقان وأين تختلفان؟ وكيف يجب أن تعملا معًا من أجل خير المواطن والمجتمع؟ هذه الأسئلة وغيرها، تصارَع معها المصلحون الإنجيليون في القرن السادس عشر، ليقدموا مفاهيم مختلفة، حول طبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة.
نظرة مارتن لوثر إلى علاقة الكنيسة مع الدولة
تحدث مارتن لوثر عن عقيدة “الحكومتين أو المملكتين”، وهذه العقيدة تُعتبر من أهم العناصر الأساسية لفصل الكنيسة عن الدولة. قال لوثر: “علينا أن ندرك بأن الحكومة الأرضية، والحكومة الروحية، هي في انفصال كبير، كانفصال السماء عن الأرض، وليس للواحدة، سلطة على الأخرى. فالله يحكم الحكومتين بطريقة مختلفة”. الفكرة الأساسية وراء هذا المفهوم، أن الله هو الحاكم الرئيسي لهذا العالم، وهو يحكمه من خلال وسيلتين: الكنيسة والدولة.
اعتقد لوثر أن الله أسَّس حكومتين على الأرض: حكومة روحية بواسطة الروح القدس، وهي الكنيسة التي هي “حاملة كلمة الله. والكلمة حيث تُزرَع تغيّر وتجدّد العالم”، عندها تجعل من الناس مسيحيين. وحكومة زمنية هي الدولة، التي تضبط وتقيِّد صانعي الشر، وتُجبِرُهم على الالتزام بالمتطلَّبات الأخلاقية والاجتماعية للمحافظة على السلام الخارجي”. يذكر الكتاب الرسمي لإيمان ومعتقدات الكنيسة اللوثرية، الذي يُسمَّى “كتاب الاتفاق” (الذي كُتِبَ بعد وقتٍ قليل من موت لوثر، عام 1580)، عظة لوثر التي وعظها عام 1528 حول موضوع الحكومتين، فيسميهما: “نوعان من البر”. قال لوثر: “إن الشيء الوحيد الذي تتضمنه الحكومة الروحية، هو الإيمان بالرب يسوع المسيح. فالمسيح ملك على جميع الحكام والمسيحيين من خلال روحه القدوس”. فشرائع الحكومة الأرضية لا يجب أن تتجاوز صلاحيتها أكثر من السهر على حياة وأملاك المواطنين، وكل ما هو خارجي على الأرض. وبالتالي، إذا ما تعدَّت الحكومة الأرضية على شرائع الروح فهي تتعدى على حكومة الله، بل تضلّل وتدمّر أرواح الناس، لأن روح الله وحده، يجب أن يسود على أرواح الناس.
يرجع الأساس الفكري واللاهوتي لمبدأّ لوثر حول الحكومتين، إلى فكر القديس أوغسطينوس، في كتابه “مدينة الله”، الذي كتبه في القرن الخامس، ردًّا على اتهامات الكثيرين بأن الديانة المسيحية التي اعتمدتها الإمبراطورية الرومانية، أدت إلى انهيار روما عام 410، وذلك بعد أن ترك الرومانيون الديانة الوثنية. لكن أوغسطينوس ردَّ على هذه الاتهامات قائلًا: “المسيحية ليست مسؤولة عن سقوط روما، بل عن نجاحها”. يذكر أوغسطينوس في كتابه: “أن التاريخ الإنساني هو صراع بين المدينة الأرضية أو “مدينة الإنسان”، و”مدينة الله”، صراع ينتهي بانتصار مدينة الله. لأن ميزة سكان مدينة الله أنهم ينسون اللذة الأرضية، ويكرسون حياتهم للحقائق الأبدية. أما مدينة الإنسان، فهي تتشكل من الناس الذين انغمسوا باللذة والاهتمامات الأرضية في هذا العالم الزائل”. ركّز أوغسطينوس في كتابه، على ضرورة العلاقة الجيدة بين مدينة الله ومدينة الإنسان، كون أن البشر يحتاجون لأن يعيشوا مع بعضهم البعض بسلام. وميَّز بين سلطة وواجبات الكنيسة المقدسة، وسلطة وواجبات المدينة الأرضية. وأكد أن رسالة الكنيسة روحية وليست سياسيةً. لهذا يجب أن يكون اهتمامها، اهتمامًا روحيًّا بالمدينة السماوية الجديدة أورشليم، وليس بالسياسة الأرضية. كما اعتقد بأن من مهام السلطة الزمنية جعل المدينة السماوية إمكانية حقيقية على الأرض.
واستخدم لوثر فكرة القديس أوغسطينوس وأضاف بأن الكتاب المقدس يقدِّم نوعين من التصاريح في نصوصه: تصاريح تصف مهام الحكومة الروحية، وتصاريح تصف مهام الحكومة الأرضية. رأى لوثر أن كل المقاطع الكتابية التي تتعاطى مع العدالة والقصاص هي من ضمن مهام الحكومة الأرضية. استخدم لوثر هذه الأفكار ليصف كيف يجب أن يكون هناك انفصال في العلاقة بين الكنيسة والدولة. في رسالته إلى “المسيحيين النبلاء (الأشراف) في الوطن الألماني”، رفض لوثر ادعاء البابوية في روما، على أن السلطات الزمنية لا سلطة لها على السلطات الروحية، وأن السلطات الروحية هي أعلى من السلطات الزمنية. وعليه، فالإكليروس لا يخضعون لسلطة الحكام المدنيين كباقي الناس. وبالتالي، لا يمكن للحكام معاقبة الكهنة المذنبين. بل أصرّ لوثر على حق السلطات الزمنية، في ممارسة سلطتها، ومعاقبة جميع من يقترف الذنوب والشرور، إن كانوا من فئة الإكليروس أم لا، مستشهدًا بقول القديس “غريغوار”، “إننا جميعًا متساوون، لكن الذنب، هو ما يجعل الإنسان المذنب خاضعًا للآخر”.
كما انزعج لوثر كثيرًا من تدخل الحكّام في الأمور الدينية، ورفض تدخلهم في مسائل الإيمان، قائلًا: “يجب أن نخضع لسلطة الحكومة الأرضية، ونفعل ما تطلبه منا، طالما أنها لا تقيّد ضمائرنا، وإنما فقط تشرِّع القوانين التي تتعلق بالأمور الظاهرة. لكن إذا حاولت السلطةُ الزمنيةُ أن تغزو المجال الروحي وتقيِّد ضمائرنا التي يسود عليها الله وحده، علينا ألا نطيعهم، حتى لو قُطِعَت رؤوسنا”.
يصنّف المؤرخون، مرحلتين غير منسجمتين في كتابات ومواقف مارتن لوثر، ومنها موقفه من علاقة الكنيسة بالدولة. قال أحد العلماء الدارسين لكتابات المصلحين الإنجيليين: “بالرغم من وجود إجماع بين الباحثين، حول المبادئ الكتابية واللاهوتية المشتركة، التي تجمع المصلحَيْن الإنجيليَّيْن الأساسيَّيْن (لوثر، زوينغلي، كلفن). لكن ليس هناك إجماع حول ما هو مفهوم لوثر الدقيق للدولة. فبالرغم من أن لوثر، ادّعى أنه نجح في فهم طبيعة السلطة المدنية إلى حدٍّ كبير، أكثر من أي شخص آخر منذ عهد الرسل. إلا أنه لم يضع رؤية واضحة، لهيكلية وعمل الدولة. وعدم الوضوح هذا، يظهر جليًّا في عدم التجانس في تعاليمه، بين المرحلة الأولى والمرحلة الثانية من حياته، حول علاقة الكنيسة بالدولة، وبعض مهامها. مثلًا، في موضوع فصل الكنيسة عن الدولة. في المرحلة الأولى، رأى لوثر أنه من واجبات الأمراء، التمييز بين أدوارهم كمسيحيين، وكحكام. فكأفراد مسيحيين، عليهم واجب المساعدة في تقدم وانتشار الإصلاح في مناطقهم، ولكن عدم التدخل في مسائل العقيدة.
قال: “على الأمراء المسيحيين أن يتصرفوا كأساقفة عندما تبرز الحاجة”، وقد لقّبهم “بأساقفة طوارئ”. والحاجة التي برزت آنذاك، كانت الدعوة إلى عقد مجلس لافتتاح الإصلاحات الإنجيلية التي ابتدأها لوثر، كيما تتابع حركة الإصلاح انتشارها في باقي المناطق الألمانية. ولكن بمرور الزمن أخذ الأمراء من توصيات لوثر لهم حجة، لتزداد سلطتهم حتى في بعض أمور الكنيسة، وربما العقيدة في بعض الأحيان، مما سمح للدولة أن يكون لها سلطة في الكنيسة. وتحت ضغوط معيَّنة، أُجبِر لوثر على التنازل عن الكثير من السلطة التي كانت ممنوحة للرعاة والقيادات الكنسية الأمر الذي أضعف من زخم وقدرات الإصلاح اللوثري، إذ أن الكنائس اللوثرية أصبحت كنائس دولة. وبالتالي، فان مبدأ الحكومتين، الذي أطلقه لوثر، لم يكن له التأثير المتوقع على حقيقة إدارة الكنيسة في المناطق اللوثرية.
في كتابه “المسيحية والحضارة” والذي فيه يقدم اللاهوتي “ريتشارد نيبور” نماذج حول علاقة الكنيسة بالحضارة. ويطلق الكاتب على الموقف اللوثري، بأن “المسيح والحضارة في توتر”. وأن هناك عناصر متناقضة بين الاثنين، ولكن بنفس الوقت أيضًا مترابطة، والتي تستمر عبر الزمن. واللوثريون الحديثون يقبلون هذه النظرة، بأن في لاهوتهم توترًا وترابطًا، لا يمكن حله بين الكنيسة والدولة.
نظرة أولرخ زوينغلي إلى علاقة الكنيسة مع الدولة
يوجد في سويسرا تمثال يظهر المصلح الإنجيلي “أولرخ زوينغلي” حاملًا الكتاب المقدس في يد، والسيف في اليد الأخرى. هذا التمثال يصف مفهوم زوينغلي لطبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة. بالنسبة لزوينغلي، الكنيسة والدولة، هما معًا تحت سيادة حكم الله. في كتابه “البرّ الإلهي والبرّ الإنساني”، الذي كتبه عام 1523، يقول إن العلاقة بين الحاكم والواعظ، تظهر من خلال نوعين من البِر: البرّ الإلهي والبرّ الإنساني. البر الإلهي، هو عمل الله داخل الإنسان، الذي يتحقق من خلال وعظ الواعظ بإنجيل المسيح. والبر الإنساني، يتحقق من خلال مهمة الحاكم في ضبط سلوك الناس والحفاظ على النظام بالقانون. فالحاكم يمكن أن يؤمِّن البر الإنساني لكن لا يستطيع أن يجعل من الإنسان بارًّا أمام الله، وهذا هو عمل الواعظ.
اعتقد زوينغلي، أن سلطة الحاكم هي مثل سلطة الواعظ، فالاثنان هما واجب إلهي. لهذا، فالواعظ والحاكم، هما معًا تحت سيادة الله، ويجب أن يعملا معًا. في كتابه “العدالة الإلهية، والعدالة الإنسانية” تحدث زوينغلي عن عقيدة العدالتين: العدالة الإلهية الطاهرة والسامية التي هي عدالة الله. لكنه أضاف أن العدالة الإنسانية، هي ضرورية للعيش بسلام في المجتمع. قال: “لا يستطيع المسيحي مصارعة قوى الشر في المجتمع، ولكن كإنسان مدني، فإنه من واجبه أن يقوم بذلك”.
وظهرت نظرية زوينغلي حول علاقة الكنيسة بالدولة من خلال مفهومه لوجهي الكنيسة: الوجه المرئي، والوجه غير المرئي. فالوجه غير المرئي، أو الكنيسة غير المرئية، هي التي تضم فقط كلَّ المؤمنات والمؤمنين بالمسيح في كل أنحاء العالم، ليصبح كل منهم عضوًا في كنيسة المسيح الجامعة غير المرئية، التي هي معروفة فقط من قبل الله وليس من قبل الإنسان. أما الكنيسة المرئية، فهي جمهور المصلين الذين يعبدون الرب في أماكن محددة مرئية وتعبير آخر “الكنيسة المحلية”. فالكنيسة المحلية المرئية تضم ليس فقط أناسًا قديسين ومؤمنين، لكن أيضًا تضم أناسًا غير مؤمنين وغير قديسين، يفعلون الشر والرذيلة، وإن كان في الخفاء. وبما أن الكنيسة المرئية هي مختلطة بين مؤمنين وغير مؤمنين، لهذا يجب أن تخضع لإجراءات السلطة المدنية والقانون المدني، كباقي المواطنين.
من خلال هذه النظرية، أعطى زوينغلي السلطة المدنية، المتمثلة بمجلس مدينة زوريخ، مسؤولية الإشراف على الكنيسة، في كلِّ ما يهتم بإدارتها وأمورها الخارجية، ولكن شرط عدم التدخل في المسائل العقائدية. وعليه، مثلًا: منح زوينغلي السلطة المدنية، مسؤولية حرمان المؤمنين المخالفين من شركة الكنيسة، معتبرًا هذا الإجراء، عقابًا مؤقتًا يقع ضمن صلاحيات السلطة المدنية.
عمل زوينغلي مع بعض قادة مدينة زوريخ لإدخال إصلاحاتٍ أساسيَّةٍ في نظام الكنيسة والدولة، ليكون نتيجته، تأسيس دستور وطني: مدني ديني، مُختَلَط. حدَّد الدستور أن مسؤولية الكنيسة هي في مجال العقيدة، ومجال المساءلة عن التصرفات الشائنة لبعض رجال الدين. وبنفس الوقت فإن إحدى مهام الحكومة، تشجيع المواطنين على عيش الحياة المسيحية التقية. وتم تكليف ثمانية ممثلين لمجلس مدينة جنيف، كان عليهم حضور اجتماعات سنودس الكنيسة الإنجيلية المصلحة. عملت الكنيسةُ والدولة معًا في كثيرٍ من المسائل، منها: تعيين لجنة مشتركة لفحص المرشحين للقسوسية، مؤلَّفة من قسيسين اثنين، وممثلين اثنين لمجلس المدينة، وأستاذين اثنين مختصين في الكتاب المقدس. وأحد الأسئلة التي تُطرَح على المرشحين، إن كانوا مستعدين للخضوع، ليس فقط لسلطة الكتاب المقدس، ولكن أيضًا للسلطة المدنية والقانون المدني.
ينبع السياقُ الذي تحدَّث فيه زوينغلي عن علاقة الكنيسة الجيدة بالدولة، من الدور الإيجابي الكبير الذي لعبه مجلس مدينة زوريخ، في قبول الإصلاح الإنجيلي ودعمه. إن 90% من الذين ساعدوا في استقبال وقيادة الإصلاح في زوريخ، كانوا مدنيين نافذين في السلطة. اعتبر زوينغلي هذا الموقف، يساهم جدًّا في نشر الإنجيل والوعظ، مقدِّرًا موقفهم على أنه موقفٌ مسيحيٌّ. قال زوينغلي إنه في حال رفضت السلطةُ الكنسيَّةُ إصلاحَ الكنيسة، فإنَّ مجلس المدينة، له السلطة في اتخاذ قرار الإصلاح؛ لأن إنجيل المسيح، لم يعارض السلطة المدنية، بل دعمها، طالما أنها كانت تحكم بانسجام مع إرادة الله. دافع زوينغلي عن حق مجلس المدينة في الإشراف على المسائل الدينية الخارجية، إذ اعتبره مجلسًا مسيحيًّا. قال: “إن مجلس المدينة هو أعلى سلطة بيننا”. آمن زوينغلي بأنه يجب على المسيحيين طاعة الدولة. ولا يستطيع القسوس الادعاء بأن لهم سلطة أعلى من المدنيين. على رجال الدين أن ينفذوا إرادة الحكومة. إلا أن التمرد على السُّلطة المدنيَّة الحاكمة يكون مبرَّرًا في حال حكمت السلطات المدنية بطريقة تخالف إرادة الله وقيم الانجيل. كانت الصفةُ الغالبة لإصلاح زوينغلي في زوريخ، هي الصفة المدنية. وكإشارة لخضوع زوينغلي لسلطة المدينة المدنية، فإنه -وبعد أن كان يلقّب بـ”كاهن الشعب”- تخلَّى عن لقبه لاحقًا، وأعلن عن اتخاذ شرعية مهمته الروحية كواعظٍ لإنجيل المسيح، من مجلس مدينة جنيف.
بقيت العلاقة المندمجة وغير المنفصلة بين الكنيسة والدولة في مدينة زوريخ، قائمةً لفترة طويلة. الكاتب “سميل” مدح في القرن الثامن عشر هذا الدستور المُختَلَط، ولاحظ أن هناك بعض التحسينات الإدارية عليه، ومن ضمنها، التشديد أكثر على العقيدة وسلوك رجال الدين، وافتخر بأن هذا التنظيم استطاع الصمود لمدة قرنين. وقبل سنتين من انهيار الكونفدرالية القديمة عام 1798، كتب الكاتب “ب.د. ويس” مدافعًا عن دستور زوريخ، وقال إنه كان مصدر ازدهار لسويسرا، محذرًا الذين ينوون أن يسلبوهم إرثهم، فزوريخ قدمت المثال الأفضل لدور الدين في الدولة.
نظرة جان كلفن الى علاقة الكنيسة مع الدولة
بالرغم من إجماع المؤرخين أن المصلح مارتن لوثر هو الذي وضع مبدأ الحكومتين، وضرورة التمييز بين السلطة الروحية، والسلطة الزمنية، لكن الذي قاد الطريق ووضع الأطر القانونية والدستورية لعلاقة الكنيسة بالدولة هو المصلح الإنجيلي جان كلفن.
كتب كلفن قائلًا: “لقد أقام الله سلطتين من أجل تنظيم حياة البشر: سلطة كنسيَّة روحية، وسلطة مدنية زمنية، وكلٌّ من هاتين السلطتين لهما مهام محددة ومنفصلة. لكن يجب أن تعمل هاتان السلطتان بانسجام مع بعضهما من أجل خير الإنسانية، كالانسجام الموجود داخل النفس البشرية. فالسلطة الروحية مهمتها إعلان الحقيقة، والتمييز بين الحقيقة والهرطقة، للعيش بموجب إرادة الله. وهذه السلطة لا يمكن أن تكون إلا للكنيسة، التي لها الحق في إدارة كلمة الله. فكلمة الله هي شريعته، ومفسرو الكلمة هم القسوس ومعلمو الكنيسة. والسلطة المدنية أو الدولة، هي أيضًا مُقامة من قِبَل الله. لهذا يجب أن تَستَمِدَّ شرائعها من الله وأن تكون مكرَّسةً لله. رأى كلفن، أن الدولة هي حاميةُ لوحَيِ شريعة الوصايا العشر. وصف المصلح جان كلفن الدولة بأنها “أداة رحمة للناس” وأنها “إحدى الوسائل الخلَّاقة لحضور الله وعنايته بالبشر”. فالكنيسة تحقّق متطلبات النفس البشرية، بينما الدولة تحقّق متطلبات الجسد.
في كتابه “مبادئ الإيمان المسيحيّ”، ذكر المصلح جان كلفن قائلًا: “يجب أن يكون هناك فصل واضح، بين المملكة الروحية والمملكة الزمنية، وذلك بسبب الاختلافات الكبيرة وعدم التشابه بين مهام السلطتين، بالرغم من كونهما مؤسستين من نفس سلطة الله، السيّد والحاكم الأعلى على الاثنتين. إلا أنه بالرغم من عدم التشابه بين مهام السلطتين، فإنهما تلعبان دورين مكمِّلين لبعضهما من أجل خير البشر. فالمملكة الروحية، تهتم بشؤون الحياة الأبدية، والمملكة الزمنية، تهتم بتنظيم حياة الإنسان المادية والمدنية. وقد ميّز كلفن بوضوح، بين عمل الله الخلاصيّ في ابنه يسوع المسيح، الذي يتحقق في الكنيسة، وعناية الله بأولاده على الأرض، الذي يتحقق من خلال السلطات المدنية. وبالتالي، إذا قام كلُّ جسم، أو مؤسسة بأداء دورها الخاص بها بإخلاص وأمانة، دون تجاوز حدود المهمة المعطاة لها، فإنهما يكونان منسجمان في غايتهما، التي هي خدمة الإنسان، كالانسجام الموجود داخل الإنسان، وبالتالي، يكمّلان بعضهما البعض.
اعتقد كلفن أن الكنيسة والدولة، هما معًا خادمتان لله. لهذا، فهما مسؤولتان بالدرجة الأولى أمام الله، وليس أمام بعضهما البعض، في تحقيق المهمة التي أوكلها الله إليهما. وبالدرجة الثانية أمام بعضهما البعض. فكلُّ جسم له الحق أن يقاوم الآخر، إذا تجاوز حدود مهامه وصلاحياته. وهذا يعني أنه يجب ألا تسيطر الدولة على الكنيسة، أو أن تسود السلطات الكنسية على الدولة. ولكنهما تستطيعان أن تعملا معًا في تشريع وتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالكنيسة كجماعة، هي واحدة من ضمن مجموعات أخرى في الدولة، لكن يجب ألا تصبح الكنيسة قسمًا من أقسام الدولة. فأعضاء الكنيسة مواطنون، وعليهم قبول امتيازات ومسؤوليات وقوانين المواطنة، طالما أن الدولة لا ترغمهم على تطبيق شيء يتعارض مع ولائهم لله، ويعيق إرساليتهم ونشاطاتهم الروحية. كذلك ليس للدولة سلطة إملاء على الكنيسة، عقائدها وإجراءاتها التأديبية. فإذا فشلت الدولة في هذه الواجبات، يحق للكنيسة أن تحتج، وعند الضرورة ترفض الخضوع لقوانين الدولة، لأن سلطة الكنيسة تعلو على سلطة السياسيين.
آمن كلفن بأن الله أقام الكنيسة في العالم، لتهتم بالإنسان وترعى علاقته الروحيَّة مع الله، وتنقل غفران الله، ونعمته للبشرية، حتى يحقق -من خلال الكنيسة- هدفه الخلاصي، ألا وهو مصالحة الناس مع الله ومع بعضهم البعض، وتأسيس جماعة محبة حقيقية. وأقام الدولة في العالم، لتهتم بالإنسان وترعى علاقاته، في كافة الجوانب الأخرى من حياة الإنسان في المجتمع. فالدولة تحافظ على الناس ضد الشرور والظلم ونتائج الخطية في العالم، وتنظم العلاقات بين أفراد البشر، وتؤسس إنسانيةً مسؤولةً، وتعمل على ازدهار البلاد. وبالتالي، إذا كان دور الدولة، حفظ الناس من شرور الخطية. فإن دور الكنيسة، هو ضرب جذور الخطية والشر في الحياة البشرية، من خلال دعوة الناس للتوبة الحقيقية واختبار الخلاص وغفران الخطايا. وبالتالي، فالكنيسة مدعوة بواسطة المسيح إلى الكرازة بالإنجيل لهداية الناس، بينما الدولة مدعوة للسهر على حياة الناس والحفاظ عليهم بواسطة القوانين والإجراءات المدنية.
كلفن: في هيكلية الدولة
في كتابه “مبادئ الإيمان المسيحي” تحدّث كلفن عن ثلاثة عناصر رئيسية، تشكِّل هيكليَّة أو بنية الدولة هي: الأول، الحاكم، الذي هو حامي القوانين. الثاني، القوانين، التي تحكم الشعب. الثالث، الشعب، الذي يخضع للقوانين.
الحاكم
انطلاقًا من إيمانه بسيادة الله المطلقة في العالم، رأى المصلح جان كلفن أن كل سلطة يمتلكها أي حاكم مدني، مصدرها الله. وقد استند في إيمانه هذا، إلى قول الرسول بولس: “لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً” (رومية 13: 1-2). قال جان كلفن: “على الشعب أن يخضعوا للحكام ليس من باب الخوف، ولكن كأنهم يطيعون الله؛ لأن السلطة النهائية هي من الله. فالحكام ينفذون إرادة الله. لهذا يجب علينا طاعتهم كي نحافظ على شرائع الله. اعتقد كلفن أن الحكام المسؤولين هم خدّام الله للصلاح، ومهمتهم حفظ أمن الناس وحماية حريتهم ومعاقبة المخالفين وفاعلي الشر. كما قال الرسول بولس لأعضاء كنيسة رومية عن الحكام: “أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ، لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ” (رومية 13: 3-4).
علّق جان كلفن على قول الرسول بولس حول الحاكم: “بأن الحاكم يحمل السيف لا ليتزين به، بل ليضرب به فاعلي الشر”. وبالتالي، دور الحاكم في سلطته هو إطاعة الله؛ لأن الله في نهاية المطاف هو مصدر كلِّ سلطةٍ، وهو الوحيد الذي له الحق الكامل في الحكم. قال كلفن: “لا يهم من يملك السلطة، وكيف حصل على السلطة، ولأية غاية يستخدم السلطة؛ لأنها بالنهاية سلطة الله.
وقد شابه موقف كلفن، موقف لوثر، في مناصرتهما لنظرية “حقوق الملوك الإلهية”. فلوثر وقف كثيرًا إلى جانب الحكام والأمراء، الذين كانوا السند الرئيسي الذي استند إليه في إصلاحه. ولولا مساندتهم لما استطاع الإصلاح أن يشق طريقه ويستمر. رأى لوثر في الكتاب المقدس الكثير من المراجع التي تدعو إلى احترام الحكام والخضوع لهم. قال لوثر إن التمرد على الحكام ممنوع في الكتاب المقدس، وإن العنف ليس هو العلاج. لكن أيضًا تفاوتت تعاليمه ومواقفه في موضوع خضوع الشعب للحكام. في المرحلة الأولى رفض لوثر السماح للشعب بمقاومة، حتى الحكام الظالمين، واكتفى فقط بالدعوة إلى الاحتجاج الشفهي والتأنيب الكلامي، لكنه في المرحلة الثانية، شجع الشعب على مقاومة ظلم الحكام، وذلك عندما أصبح الظلم مدمرًا للدين الصحيح والحياة الإنسانية.
فالمسيح في الأناجيل، لم ينتقد سلطة الحكام، بل سوء استخدام الحكّام للسلطة. فالحاكم، يحكم البلاد بالقانون، بناءً على السلطة والموافقة التي منحها له الشعب. دعا الرسول بولسُ تلميذَه تيموثاوس ليطلب من أعضاء الكنيسة، أن يصلّوا من أجل الملوك والحكام، قائلًا: “فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ، لِكَيْ نَقْضِيَ حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ، لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ” (1تي 2: 1- 4).
اعتقد المصلحون، أن مركز السلطة، ليس في الأفراد الحكام، بل في الجماعة الحاكمة أو المكوّنة للحكومة. قال كلفن: “السلطة موروثة في جسم الدولة، وليس في الأشخاص. السلطة لا تنتمي إليهم، بل إلى مركزهم الذي اؤتمنوا عليه، عندما تم انتخابهم ليكونوا في السلطة، ويحكموا بناءً على إرادة الله”.
انسجم موقف كلفن مع باقي المصلحين الإنجيليين، بضرورة التمرد على الحكام عندما يصدرون أوامر ضد إرادة الله. وقد أعطى كلفن مثالًا عن ذلك، موقف النبي دانيآل الشجاع، في تمرده على أوامر الملك البابلي نبوخذ نصر، بالسجود للتمثال الذي صنعه الملك، وذلك تحت حجة أن السجود لا يكون إلا لله وحده. قال كلفن إن الملك الذي يتصرف على طريقة نبوخذ نصر، يجرِّد نفسه من أيِّ ادعاء بأن يكون مطاعًا. في رسالته إلى الملك الفرنسي، قال كلفن: “الحاكم الحقيقي هو خادم الله. لهذا فالحاكم، الذي لا يضع سلطته تحت سلطة الله وسيادته، هو ليس بحاكم، وإنما سارق”. فمع أن كلفن كان مستعدًّا لتحمل استبداد الملوك، إلا أنه شجّع التمرد على الحكام، في مسائل الضمير ومخالفة أحكام الله.
أما المصلح الإسكوتلندي جان نوكس، فكان من أكثر المصلحين الواضحين في ضرورة مقاومة الحكام المخالفين لأحكام الله، ليس فقط بالاحتجاج الكلامي السلمي، بل بالقوة. عند وصول المصلح جان نوكس إلى جنيف، ليعمل إلى جانب المصلح جان كلفن في إحدى الكنائس. طرح جان كلفن عليه أربعة أسئلة سياسية صعبة، هي:
وكانت إجابات المصلح كلفن على هذه الأسئلة حذرةً، وكذلك أيضًا إجابات المصلح هنريخ بولينغر. لكن إجابات نوكس، كانت صارمةً وحاسمةً؛ إذ آمن بضرورة المقاومة بالقوة للحكام الذين لا يحققون رغبة الله، بأن يكونوا خُدَّامًا صالحين. عندما سألته ملكة إسكتلندا قائلةً: “هل يحق للشعب أن يتمرد ضد الحاكم؟”، أجابها: “سيف العدالة هو سيف الله. فإذا فشل الأمراء والحكام في استخدامه، يمكن أن يستخدمه آخرون”. وفي دعواته إلى النبلاء والعامة في إسكتلندا، كتب نوكس بأنه من حق العامة، بل من واجبهم التمرّد، ضد الحكام الظالمين.
القوانين
هي مجموعة المبادئ والأحكام التي يحكم بها الحكامُ الشعبَ. ومصدر هذه القوانين هو: شرائع الكتاب المقدس، والقانون الطبيعي. بالنسبة للقانون الطبيعي، اعتقد القديس توما الأكويني، وباقي المصلحين، أن القانون الطبيعي له صوته في الضمير الإنساني، ويستطيع أن يدركه ويميّزه المسيحيون وغير المسيحيين، فهي قوانين مكتوبة ومطبوعة في قلوب البشر بطريقةٍ ما”.
قال مارتن لوثر: “على المسيحي أن يخضع لقانونين أو ناموسين: الأول، ناموس الله المكتوب في الكتاب المقدس. والثاني، ناموس الله المكتوب في ضمير الإنسان”، أو ما يسميه لوثر “القانون الطبيعي”. بالرغم من هذا المبدأ العام الذي وضعه لوثر، فإنه لم يُرِد أن يلتزم به كثيرًا. حاول لوثر تطبيق نظرته لكيفية إدارة الحكومة من خلال مفهومه اللاهوتي الأساسي، الذي هو التبرير بالنعمة وحدها. لهذا لم يكن مرتاحًا كثيرًا لفاعلية القوانين، التي يسنّها المشرِّعون، بل كان يشكك في قدرتها على ضبط سلوك الإنسان.
وصرَّح لوثر قائلًا: “بأن القضاة الجيدين والصالحين الذين يعتمدون في حكمهم على عقلهم وضميرهم وحكمتهم هم أفضل من القوانين. المحبة لا تحتاج إلى قوانين للحكم الصحيح بين خلافات الناس”. وآمن لوثر بأنه مهما كانت القوانين جيدة، فلا يمكن أن تعمل جيدًا، إذا كان الحكّام المسؤولون عن الأنظمة غير جيدين. فالحكم الصحيح لا يمكن أن يأتي من الكتب، ولكن فقط من الضمير الحر والقانون الطبيعي المنطقي والمحبة. ومن دون محبة وعدالة، لن نستطيع أن نكون في توافق مع إرادة الله. وبالتالي، لم يصرّ لوثر على حفظ أو إزالة كل شرائع العهد القديم، بل كان انتقائيًّا؛ فقال: “ليس صحيحًا بأن شرائع العهد القديم قد أزيلت، وأنه لا حاجة لاتباعها، أو من الخطأ ان نحفظها. فاتباعها أو تجاهلها، يرجعان إلى حرية وحكمة الحاكم. فلم يعد الأمر يشكِّل خطرًا على أرواحنا كما في الأيام السابقة”.
استَشْهَدَ مارتن لوثر، بأهمية تملّك الحكام والملوك للحكمة والعقل والفهم. كما قال كاتب سفر الأمثال: “أَنَا الْفَهْمُ. لِي الْقُدْرَةُ. بِي تَمْلِكُ الْمُلُوكُ، وَتَقْضِي الْعُظَمَاءُ عَدْلاً. بِي تَتَرَأَّسُ الرُّؤَسَاءُ وَالشُّرَفَاءُ، كُلُّ قُضَاةِ الأَرْضِ” (أمثال 8: 14-16). قال لوثر: “إن الحكمة أو الفهم هما رأس كل شيء. فهما المقياس الذي يقيس به الحاكم كل الأمور وفي كل الاوقات. وهو المقياس نفسه، الذي يبرّر للحاكم أن يستخدم قوانين من الشريعة الكتابية، أو أن يضع الشريعة جانبًا”. وأضاف: “لا أعلم ما هي القوانين التي يجب أن أوصي الأمراء والحكام بتطبيقها؛ فالعقل أو الحكمة هو القانون الأسمى والسيّد لكل القوانين”. يقدّم لوثر مثلًا عن أهمية الحكمة والفهم التي منحها الله للملك سليمان بقوله: “بالرغم من وجود شريعة موسى، فإن موسى صلى إلى لله من أجل أن يمنحه قلبًا حكيمًا ليحكم الشعب به”.
في كتابه “من الإصلاح إلى الثورة” (1500- 1650)، يذكر الكاتب “دايفد هول” أنه بالنسبة للمصلح لوثر، فالسمة الأساسية للحكم الأرضي هي العقل المُرافَق بالحكمة والعدالة؛ فلوثر كان يفضِّل أن يحكم حاكمٌ، حتى لو كان غيرَ مسيحيٍّ، ذو مؤهلات عقلية جيدة وحكمة سديدة، على أن يحكم حاكمٌ مسيحيٌّ غير حكيم ولا فهيم ولا مؤهل. ولكن أيضا من التفاوت في مواقف لوثر، أنه في أوقات معينة، دعا لوثر الحكام إلى الحكم بناءً على العقل والحكمة، قائلًا إن العقل والحكمة يسموان على الشريعة. لكن في أحيان أخرى، دعاهم إلى تطبيق الشريعة الموسوية كما هي دون التوقف كثيرًا عند سلبيات بعض الشرائع.
أما جان كلفن، فقد أصرّ على ضرورة تطبيق الدولة للوصايا العشر التي اعتبرها قوانين نافذة للدول في كل مكان وزمان، والتي هي: “لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ” (خروج 20: 13- 17)، وقد قال إنها الزامية في كلِّ مكانٍ وزمانٍ ومجتمعٍ. وظن أن هذه الوصايا هي مضمون القانون الطبيعي. وبالرغم من تشديده على ضرورة التقيّد بتطبيق الوصايا العشر، اتخذ كلفن أيضًا موقفًا مشابهًا للوثر حول انتقائية قوانين العهد القديم. قال: “إن تفاصيل الشرائع الإلهية، التي وُضِعَت للأمة اليهوديَّة، قد وُضِعَت لأوقات معينة وفي ظروف معينة. لهذا، فهي ليست جميعها قابلة للتطبيق في عالم اليوم. لهذا يجب التمييز بين القوانين العامة التي يمكن تطبيقها، والقوانين الخاصة التي لا يمكن تطبيقها”. كما علّم كلفن، بأن الأوطان لها حرية تطبيق القوانين، التي تراها مفيدة وتخاطب حاجات وظروف الناس. ولكنه أصرّ على أن كل القوانين الموضوعة، يجب امتحانها بناءً على مبدأ المحبة.
الشعب
علّم المصلحون بأن على الشعب أن يخضعوا لقوانين الدولة، التي يسهر الحاكم على تطبيقها، مهما كانت تلك القوانين. وكان اهتمام المصلحين الأساسي، التأكيد للمواطنين، أن عليهم واجب احترام ما قد وضعه الله من قوانين لخير البشر وراحتهم. أما إذا فرض الحكّام أوامر وقوانين، تخالف وصايا الله، فعليهم ألا يخضعوا، بل يرفضوا ويحتجوا، ويستخدموا التأنيب الكلامي ضدهم، ولكن عليهم ألا يستخدموا العنف، بل يتركوا الانتقام لله؛ لأن بولس يقول في رسالته الى أهل رومية: “لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ” (رو 12: 19). في تفسير كلمات المسيح إلى رئيس الكهنة: “إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟” (يو 18: 23). قال مارتن لوثر: “هناك فرق كبير بين تقديم الخد الآخر، والرد على الذي يضربنا، بتوجيه كلمات ردية أو تأنيب. صحيح أنه كان على المسيح أن يتألم، ولكن وضعت الكلمة على فمه، كيما يتكلم ويحتجّ على ما هو غير عادل. وبالتالي، فموقف المسيحي، يجب ألا يكون الصمت والخضوع، ولكن عليه أن يرفع صوته، ولكن سلميًّا، ضد الظلم وضد الأحكام التي تخالف وصايا الله. على المسيحي أن يكون مستعدًّا للمخاطرة بحياته وحتى تحمُّل الاستشهاد في سبيل إيمانه”.
وأوضح لوثر: “أن الوعاظ الذين يفشلون في خدمة الله، بتأنيب الحكام على خطاياهم وشرورهم، هم كسولون وغير مستحقين أن يكونوا وعَّاظًا”. كما قال، في عرضه لمفهومه حول لاهوت الصليب، بأن الكنيسة سوف تتألم دائمًا، من قِبَل الذين هم في سلطة، لكن على المسيحي أن يكون صوتًا صارخًا في البرية. مثلًا، عندما أمرت السلطات المدنية بحظر توزيع العهد الجديد من الكتاب المقدس، الذي كان قد ترجمه لوثر، احتج لوثر على قرار الحاكم، ووصفه بأنه يقف ضد إرادة الله. حتى أنه عاد وشدَّد على ضرورة فصل الكنيسة عن الدولة، بحجة أن الدولة بقرارها هذا تنفصل عن الله، لأنها لا تساعد في تقدم الإنجيل. وفي أوقات أخرى، تكلم لوثر بازدراء عن الحكام الذين، مارسوا الظلم، ووقفوا ضد وصايا الله.
وقال اللاهوتي اللوثري الشهير القس “ديتريش بونهوفر”، الذي قاوم ظلم الحكم النازي في القرن العشرين “يمكن لجهود البعض أن تنتج تأسيس بعض العدالة في هذا العالم، والتي سوف تفشل. لكن، لا زال لديهم الواجب بإعلان المقاييس العادلة للعالم. فبالرغم من أن جماعة الإيمان، لن تكون قادرة على إعادة هذه الخليقة الساقطة والمدمرة، ولكن عليها مسؤولية وواجب، أن تشهد لإرادة الله”.
في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1530، وقّع لوثر مع لاهوتيِّ وقضاة، مدينة ويتنبرغ، وثيقةً تاريخيةً تبرّر المقاومة ضد الحكام الطغاة، من خلال الدفاع عن النفس، على “أسس شرعية”. قال لوثر: “الحروب يجب أن تكون في إطار الدفاع عن النفس، وأي انخراط ديني في الحرب يجب تجنُّبه”. وأضاف: “يجب على رجال الدين ألاّ يقودوا الحروب، أو أن يكونوا جزءًا من التصادم العنيف”. وضع لوثر هذه الوثيقة، بعد مراجعة القوانين: الإقطاعية والرومانية والقانون الكنسي، وغيرها من القوانين. وقد ذكر في الوثيقة أن السلطة التي تطلب من الشعب إطاعتها، هي نفسها تسمح بحق المقاومة، في حال خانت أمانتها للشعب. وهذا ما يمكن تسميته “حق التعاقد للمقاومة المسلحة ضد ظلم الحكام”، وهو عقد شرعي. والحجة التي استُخدمت لتبرير المقاومة، هي أنه عندما يقترف حاكم رسمي الظلم، ضد شعبه. فهو يجب ألا يطاع، لأنه تحوّل إلى قاتل. والمرجع الكتابي الذين استندوا عليه في الوثيقة، هو قول الرسول بولس لتيموثاوس: “عَالِمًا هذَا: أَنَّ النَّامُوسَ لَمْ يُوضَعْ لِلْبَارِّ، بَلْ لِلأَثَمَةِ وَالْمُتَمَرِّدِينَ، لِلْفُجَّارِ وَالْخُطَاةِ، لِلدَّنِسِينَ وَالْمُسْتَبِيحِينَ، لِقَاتِلِي الآبَاءِ وَقَاتِلِي الأُمَّهَاتِ، لِقَاتِلِي النَّاسِ” (1تي 1: 9).
بالنسبة لرأي المصلح جان كلفن حول مقاومة الشعب لظلم الحاكم. اعتقد كلفن أنه في حال وجود قانون في الدستور الموافَق عليه من قبل السلطة القضائية في الدولة، يعطي الحق للمواطنين بحمل السلام ضد حاكم ظالم، فهذا الأمر يبرر حمل السلاح. لكن كلفن لم يقبل أن يتخذ الإنسان المسيحي قرار حمل السلاح من تلقاء نفسه، دون موافقة السلطات القضائيَّة. لقد سمح كلفن بمقاومة ظلم الملوك من خلال ما قد أسميه “السلطة السياسية الثانية” أو “الحكام الشعبيين” الذين هم مجموعة الحكام الذين يمثلون الشعب. نأخذ مثالًا على ذلك، مجموعة الأمراء الأقل سلطة من الإمبراطور، الذين يحكمون المقاطعات تحت قيادة الإمبراطور الروماني المقدس، الحاكم الأول. قال كلفن إن أولئك الأمراء الشعبيين، قد أقامهم الله وانتخبهم الشعب، لمواجهة طغيان الملوك الذين يسيئون إلى الله، ويسببون الذل والإهانة للشعب. فالملوك الذين يظلمون شعبهم يقترفون خيانة كبيرة ضد حرية الشعب. لهذا من المتوقع من الأمراء الشعبيين، أن يثوروا ويتمرّدوا على الإمبراطور الظالم، ويقيّدوا ميله الجنوني في الحكم، ويقدّموا المساعدة للناس المظلومين، كي يتخلصوا منه، متَّخذًا من تاريخ سبارطة، وأثينا، وروما، مثالًا لذلك. ولكن إذا فشل الحكام الشعبيُّون، أو السلطة الثانية في واجباتها، فإنها تكون قد اقترفت خطية الخيانة العظمى ضد الشعب.
تكلم كلفن عن الحالات، التي يخلع فيها الله الحكام الظالمين، وهي أن يأمر الله واحدًا أو مجموعة من خدامه بأن يخلعوا ملكًا ظالمًا، حتى لو كانت هذه المجموعة تقصد شيئًا آخر. أو أن يستخدم الله دولة غريبة قوية لتقوم بالعمل. في تفسيره لسفر القضاة، أشار كلفن إلى إمكانية أن يقيم الله خدامًا أمناء، ويكلّفهم بمسؤولية تخليص الشعب من ظلم الملوك. والمثل الأساسي الذي قدّمه، هو النبي موسى الذي أقامه الله ومنحه القوة، ليحرّر الشعب العبري من ظلم فرعون مصر. وقد اعتبر كلفن أنها وسيلة شرعية استخدمها الله لتحرير الناس من ظلم الحكام. إلا أن الخطر الحقيقي الذي أدركه كلفن، هو أن يدَّعي بعض الأفراد، بأن لديهم هكذا تعليمات إلهية لاستخدام القوة ضد الحكام. لهذا، لم يشجع المواطنين على اكتشاف هذه الإمكانيات الثورية.
في محاضرة للمؤرخ المعاصر “جان ويت”، بعنوان “الكنيسة والدولة في جنيف الكلفنية”، التي ألقاها عام 2009، بمناسبة مرور 500 عام على ولادة المصلح جان كلفن، قال: “إن فصل الدين عن الدولة أو الكنيسة عن الدولة، في فكر جان كلفن، يرجع أصوله إلى تقدير كلفن للحرية الإنسانية أو حقوق الإنسان، التي تمنح الإنسان الحرية، ليعبد، ويطيع الله، ويعيش، ويتزوج، ويمتلك أملاكًا خاصة”. كما أضاف: “أن الكنيسة والدولة في جنيف، أصبحتا منفصلتين، ليس لقناعة كلفن بأنه يجب ألا يكون هناك علاقة قريبة بين المؤسستين، ولكن كيما يقلّل كلفن، من ميل الذين في السلطة لاستخدام القوة في تطبيق القوانين الإصلاحية. فالحرية الإنسانية، لا تمنح إجازةً مفتوحةً ليعمل كلُّ إنسان ما يسرُّه ويرغب به. فهناك القانون، وهناك شخص درس القانون هو كلفن، الذي استخدمه لتنمية البر الروحي والمدني عند المواطنين”. وقد اقتبس قول كلفن: “الناس مخلوقون على صورة الله. لهذا يجب ألا يُرغَموا على خدمة الله، أو الآخرين. ولكن أن يعطوا الحرية، ليقوموا بذلك بملء حريتهم”.
اسم الكاتب : القس محسن منير
في كنيسة كورنثوس، أُثِيرت مشكلةٌ بشأن قيامة الموتى؛ حيث روج البعض أن الموتى لا يقومون وشاع هذا الفكر في الكنيسة حتى استسلم كثيرون فيها للحزن، علم بذلك الرسول بولس، ونحو اقتلاع هذا الفكر الفاسد من جذوره خصَّص جزءًا من رسالته الأولى إلى الكنيسة لمعالجة هذا الأمر متخذًا من قيامة المسيح مرجعيَّةً لتقديم الفكر الصحيح في حقيقة القيامة.
في الإصحاح ١٥ من الرسالة يبدأ الحديث عن “قيامة المسيح” بدءًا من العدد الأول حتى العدد ٣٤ ويقدمها كأساس ومحور ومركز الإيمان المسيحي. حيث يعلن بكل وضوح “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ” (15: 14). وبهذا يقدم قيامة المسيح من الموت بعد صليب الفداء كمصدر لمصداقية كرازته وبدونها يصبح بمثابة “شاهد زور”، وأيضًا يؤكد لكنيسة كورنثوس ولكل العالم من بعدها أنه بدون قيامة المسيح كحدثٍ حقيقيٍّ ثابتٍ يصير إيمانهم “باطلً”. أي أنَّ قيامة المسيح هي أساس إيماننا وخيوطها تشكل كل نسيج حياتنا الروحية.
ومن هنا، فالحديث عن قيامة المسيح لا يصح أن يصبح أسيرًا فقط لمناسبة الاحتفال بعيد القيامة، القيامة هي لبُّ الإنجيل وبدونها لا يمكن للمؤمن المسيحي أن يعيش ويسعد ويختبر كل بركات الإيمان التي لا توصف.
لكننا في هذه الدراسة سنتوقف -باختصار وتركيز- أمام ثلاث بركات أساسية للقيامة في حياة المؤمن وهي:
(١) القيامة- مواعيد صادقة وعمل تام.
(٢) القيامة- نصرة أكيدة.
(٣) القيامة- حياة جديدة.
أولًا: في القيامة مواعيد صادقة وعمل تام
يؤكد ١كو ١٥: ٤ أن حدث القيامة قد تم تحقيقًا لنبوات سابقة (مز ١٦: ٨- ١١ مع أع ٢: ٢٥- ٣٢)، ويسجل الرسول بولس في الأعداد من ٥- ٩ ستة ظهورات مختلفة للسيد المسيح بعد القيامة تأكيدًا لها كحقيقة راسخة.
عمل الله دائمًا تامٌّ وكاملٌ، نقرأ في رو ٤: ٢٥: “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا”، القيامة للتبرير لأنها تحمل إعلان الله الآب قبولَه للموت الكفاري للابن المتجسِّد، والقيامة هي أيضًا السبيل لوجوده عن يمين الآب يشفع فينا ويحقق فوائد وبركات فدائه.
لذا تمسك بمواعيد الرب. هي صادقة دائمًا. حتى إذا تأنَّى في تحقيقها، فهو كلي المعرفة والأكثر دراية بأفضل توقيت لتحقيقها، لذا لا تقلق فالرب دائمًا يحقق مقاصده إلى التمام. انتظره في كل وعوده لك ولن تخزى، فحقيقة القيامة تؤكد ذلك.
ثانيًا: في القيامة نصرة أكيدة
النصرة التي تعلنها حقيقة قيامة المسيح، حقًّا ويقينًا، تشمل كل جوانب الحياة، وللاختصار والتركيز سأطرح فقط أربعة مجالات:
عزيزي القارئ، في تأملك في قيامة المسيح، استَعِدْ يقينَك في حتميَّة النصرة النهائية للحق كما تعلنه كلمة الله على كل وأي باطل يروِّجه عدو الخير.
النصرة أكيدة وحتمية -عزيزي القارئ- فلا تتخلَّ عن حياة الحق والخير والمحبة، ولا تخشَ الموت، حتى لو ازدهر الباطل وانتشر الشر وتصاعدت الكراهية في أي مكان أو زمان في العالم من حولنا.
ثالثًا: في القيامة حياة جديدة
قيامة المسيح، تعلن وتؤكد لنا أن الذين يؤمنون بالمسيح ويحيون له سيختبرون نوعًا مختلفًا من الحياة على الأرض مصدرها اليقين بقيامة الراقدين في الرب من الموت، لنستمع من جديد لكلمات الرسول بولس في ١كو ١٥: ٣٢: “إِنْ كُنْتُ كَإِنْسَانٍ قَدْ حَارَبْتُ وُحُوشًا فِي أَفَسُسَ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ لِي؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ، «فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!»”. أي أن حياتنا بدون حقيقة قيامتنا من الموت والنابعة من حقيقة قيامة المسيح، ستكون بلا قيمة أو معنى أو هدف.. مجرد سنون تمضي وبعدها موت وفَناء أبدي.
حقيقة قيامة المسيح قادت الرسول بولس إلى أن لا يخشى مخاطر حروب أو وحوش أو موت -وذلك ليس من قبيل الاستهانة أو الاستهتار- لكن من اليقين بحقيقة قيامة الأموات في الرب لحياة جديدة أبدية والتي تقود لحياة على الأرض ذات قيمة، ومعنى، وهدف، ورسالة. فهي حياة باهتمامات جديدة “فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ” (كو ٣: ١- ٢) أي أنه في الإدراك الواعي لما تمثله حقيقة قيامة يسوع، يعيش المؤمن باهتماماتٍ ذات طبيعةٍ سماويَّة، يكون شخص يسوع هو مركزها، بالطبع لا يعني هذا الانسلاخ عن العالم في حياة عزلة وانطواء، بل هي دعوة للنظر إلى الأشياء في ضوء الأبدية. وعندما نعيش هكذا سنرى ونختبر قِيَمًا جديدة، اتجاهات واهتمامات وأولويات جديدة في الحياة، تقييمًا جديدًا للأحداث والأشياء، معايير جديدةً في الحكم على الأمور. نعم سنستمر نعيش في العالم لكننا لن نعيش له، نستخدم أشياء في العالم لكن بدوافع سماوية لا نجعل منها مركزًا لحياتنا، بل سيكون المسيح دائمًا هو مركز الحياة وهدفها.
قيامة المسيح ليست مجرد مناسبة مبهجة نحتفل بها كل عام، لكنها يجب أن تشكِّل نظرة جديدة لكل شيء في حياتنا الأرضية المحدودة حتى يحين موعد الحياة السماوية الأبدية.
المراجع المُستَخدَمة:
(١) هنري، متى- التفسير الكامل للكتاب المقدس- الجزء الثاني، الرسالة الأولى لأهل كورنثوس- القاهرة- مطبوعات إيجلز ١٣٥٠٤/ ٢٠٠٢.
(٢) إدي- وليم- الكنز الجليل في تفسير الإنجيل- الجزء السادس- شرح رسالتي كورنثوس الأولى والثانية- بيروت- مجمع الكنائس في الشرق الأدنى- ١٩٧٣.
(٣) باركلي- وليم- تفسير العهد الجديد- المجلد الثالث- كورنثوس الأولى- القاهرة- دار الثقافة- ٢٣٢٣/١٩٩١.
اسم الكاتب : د. ق. ثروت وهيب وهبة
نشأت الكنيسةُ الإنجيليَّةُ المصريَّةُ كنتيجةٍ طبيعيَّةٍ لحركة الإصلاح الإنجيليّ التي ظهرت في أوروبا في القرن السادس عشر. فقد دخل مصر بعض المرسلين الذين ينتمون إلى كيانات إنجيلية غربية مثل اللوثريين الذين جاءوا إلى مصر في القرن السابع عشر، ولكن لم يستمروا طويلًا.[1] كما جاء المورافيون من أواسط أوروبا وعملوا في مصر منذ عام 1752 حتى عام 1782، وكانت خدمتهم تشمل العمل الطبي والخدمة الروحية.[2] ثم جاء بعدهم الأنجيليكان متمثلين في هيئتهم “هيئة الكنيسة المرسلية” CMS، وأسسوا خدمتهم عام 1825، وعملوا على تنمية الكنيسة القبطية المصرية وافتتحوا عددًا من المدارس والمستشفيات، واستمروا في الخدمة كمرحلة أولى حتى عام 1863.[3] لم تَسْعَ الهيئات المرسلية السابق ذكرها إلى تأسيس كنائس جديدة بل سَعَت إلى محاولة إصلاح الكنيسة المصريَّة، التي كانت قد وصلت إلى حالة تحتاج للنهضة في مجالاتٍ مثل التعليم والرعاية وتأهيل رجال الدين، ومقاومة الجهل والخرافات، ونشر الكتاب المقدس، وتطوير الوعظ والترنيم والخدمة في مجال التربية المسيحيَّة للأطفال والشباب وتطوير التعليم اللاهوتيّ.[4]
استمرت الأوضاع الكنسية والروحية في مصر راكدةً إلا قليلاً حتى عام 1854 عندما وصل المرسلون الأمريكان التابعون لإحدى الكنائس المشيخيَّة في أمريكا، والذين كانوا قد بدأوا خدمتهم في سوريا ولبنان منذ عام 1818.[5] جاء هؤلاء المرسلون وفي قلبهم تقديم المساعدة الروحيَّة اللازمة لشعب مصر. وبعد سنواتٍ قليلةٍ من خدمتهم وضعوا أيديهم على الاحتياجات الحقيقيَّة للشعب المصري؛ فوجدوها تتمثل في مجالات التعليم والصحة بالإضافة إلى الاحتياجات الروحيَّة. وعليه ركزت الإرسالية الأمريكية جهودها في إقامة المدارس للبنين والبنات وإنشاء المستشفيات. أما على الجانب الروحي فقد أنشأت الإرسالية الأمريكية الكنيسة الإنجيلية المصرية بمؤسساتها التعليميَّة واللاهوتيَّة والاجتماعيَّة. وسرعان ما استوعب المصريُّون الرؤية الجديدة وظهرت قياداتٌ مصريَّةٌ أخذت زمام القيادة لتتحول الكنيسة إلى كنيسةٍ وطنيَّةٍ تعمل على خدمة ورُقِيِّ المجتمع المصريّ. ثم توالت بعد ذلك الهيئاتُ المرسليَّةُ من طوائف إنجيليَّةٍ أخرى فنشأت كنائس جديدة تنتمي لاتجاهات لاهوتية متنوعة مثل الكنائس الرسوليَّة والخمسينيَّة ونهضة القداسة والإخوة والإخوة المرحبين والمعمدانية، بالإضافة إلى الكنيسة الأسقفية، وغيرها من الكنائس التي أسهمت في إحداث تأثير حقيقي في المجتمع المصري في كثير من المجالات.[6]
بعد هذه المقدمة التاريخية تستعرض هذه الدراسة ثلاثة من أهم المجالات التي أسهمت فيها الكنائس الإنجيلية المصرية بمختلف مذاهبها من أجل خدمة المجتمع وإعلاء قِيَمِ ملكوت الله.
أولاً: التأثير الروحي
حرَّكت الكنائسُ الإنجيليَّةُ المصريَّة البيئةَ الروحيَّةَ الراكدة في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر. فكما سبق القول، فإن الحالة الروحيَّة التي كانت عليها الكنيسة المصريَّة كانت تواجه تحدياتٍ كبيرةً، بشهادة المؤرخين الأقباط أنفسهم.[7] وقد كان لدخول الكنائس الإنجيلية بأفكارها اللاهوتية المصلحة وبممارساتها الدور الأكبر في تغيير الصورة الروحية في مصر وقد تمثل التأثير الروحي للكنائس الإنجيلية في:
اعتمد المسيحيُّون المصريُّون حتى القرن التاسع عشر على وجود الكتاب المقدَّس داخل الكنيسة باللغة القبطيَّة وندرت الترجمات العربيَّة في أيدي المصريين. ولكن بدخول العمل الإنجيليِّ إلى مصر سَعَتِ الكنائسُ والهيئاتُ الإنجيليَّةُ إلى توفير الكتاب المقدَّس باللغة العربيَّة للمصريين كافةً.
ولقد لعبت ترجمة فان دايك/سميث دورًا بارزًا استمر منذ عام 1865 حتى اليوم في صياغة العقليَّة المصريَّة المسيحيَّة من ناحية التعبيرات الكتابيَّة. وبالرغم من عدم قبول هذه الترجمة في البداية -بل ومقاومتها- إلا أن اليوم لا تقبل الكنائس المصرية غير ترجمة فان دايك/سميث للكتاب المقدس وتعتبر سواها ترجماتٍ غير مُعتَرَفٍ بها.[8]
ولعبت دارُ الكتاب المقدس المصريَّة دورًا بارزًا في انتشار الكتاب المقدس من خلال إقامة المكتبات في أنحاء القُطْر المصري ومن خلال وجود شبكة نشيطة من الموزعين حتى تجاوز ما توزعه دار الكتاب المقدس من المطبوعات الكتابية المختلفة ملايين النسخ خلال السنوات العشرين الأخيرة. وكان لانتشار وسائل الاتصال الحديثة، كالقنوات الفضائية وشبكة الانترنت والتليفون الجوال، دورًا كبيرًا في نشر كلمة الله بطرق حديثة ومعاصرة جعلت الكتاب المقدس في متناول كل يد وداخل كلِّ بيت. واليوم في مصر، نجد الشبابَ المسيحيَّ وعلى رأسهم الشباب القبطي الأرثوذكسيّ يحملون الكتب المقدسة إلى كنائسهم ومجموعاتهم الدراسيَّة يقرأون ويحفظون ويتبارون في الإلمام بالكتاب المقدس. لقد لعبت الكنائسُ الإنجيليةُ ومؤسساتها دورًا مهمًّا في انتشار الكتاب المقدَّس لكل طوائف الشعب المصريّ وهو أمر يساهم في إعادة تشكيل الخريطة الروحيَّة لمصر.[9]
لم تعرف الكنائسُ المصريَّةُ الوعظَ إلا قليلًا خلال العصور المظلمة في تاريخ الكنيسة. وكان الوعظ مقتصرًا على بعض القادة الكنسيِّين في المناسبات العامَّة، ولم يكن موجودًا في ليتورﭼـية العبادة داخل الكنائس. ولكن الكنائس الإنجيليَّة مارست الوعظ داخل الكنائس بانتظام، ودرَّبت قادتها على القيام بهذا الأمر باحترافيَّةٍ، مما شجع الكنائس الأخرى على أن تمارس الوعظ ويصبح جزءًا من الممارسات الكنسية. وتغير الوعظ من كونه سردًا لبعض القصص والمواعظ بلغة كلاسيكيةٍ، غير مفهومة في بعض الأحيان، إلى وعظ كتابيٍّ تفسيريٍّ يشرح الكتاب المقدس ويربط المفاهيم الكتابية بالواقع المعاصر. وأصبح الوعظُ الإنجيليُّ هو النموذجَ الأكثر انتشارًا في مصر، وساد على كلِّ الكنائس من كلِّ الطوائف لما فيه من مفاهيم روحية وعملية أيضًا.
أما عن الترنيم، فلقد تطور تطورًا هائلًا عبر السنين؛ ففي عصر ما قبل دخول الكنيسة الإنجيليَّة مصر لم تعرف مصر إلا الألحان القبطيَّة القديمة التي كانت تُحفَظ عن ظهر قلب، وتُردَّد حتى دون فهم معانيها، في بعض الأحيان. ولكن بدخولِ الكنائسِ الإنجيليَّةِ تُرجِمَتِ العديدُ من الترانيم من اللغة الإنجليزيَّة، ونُظِمَت نظمًا جيدًا، ورُنِّمت بالألحان الغربيَّة. كان هذا في المرحلة الأولى من دخول الترنيم إلى مصر. ثم تطور الترنيمُ إلى أن أصبح أحد أهم الوسائل التي تجذب الكثيرين إلى الكنيسة بل وإلى المسيحية. لقد أجاد كثيرٌ من الإنجيليين المصريين تأليفَ وتلحينَ الترانيم بطريقةٍ تجمع بين الفكر اللاهوتيّ وبين الألحان التي تتناسب مع شرائح مختلفة من الشعب المصريِّ. فبعض الترانيم ذات ألحان غربية سريعة تجذب شريحةً كبيرة من الشباب، وكذلك بعض الترانيم ذات ألحان شرقية تستهوي عامَّةَ الشعب. كما احتفظت الترانيمُ الكلاسيكية القديمة بمكانتها في بعض الكنائس. اخترقت هذه الأساليبُ الكنيسةَ القبطيَّةَ بل ووجدت لها سبيلًا إلى الساحَّة العامَّة؛ إذ يستمع كثيرٌ من المصريين إلى الترانيم المسيحيَّة في بعض المناسبات العامة، سواء في وسائل الإعلام المختلفة أو في بعض اللقاءات المفتوحة. ولعبت الكنيسةُ الإنجيليَّةُ دورًا كبيرًا في تطوير الترنيم الذي يحمل في طياته الرسالة المسيحيَّة بما يناسب الأعمار والشرائح المجتمعيَّة المختلفة مما أحدث تأثيرًا روحيًّا حقيقيًّا في مصر.[10]
تحرص الكنائسُ الإنجيليَّةُ المصريَّةُ على تعليم قادتها وشعبها تعليمًا لاهوتيًّا عميقًا؛ فبعد بداية العمل الإنجيليّ في مصر بأقل من عشر سنوات تأسَّس فصلٌ للتعليم اللاهوتي بغرض إعداد رعاة وقادة للكنيسة الإنجيلية. وتطور الأمرُ حتى أصبح للكنائس الإنجيليَّة المصرية أكثر من عشر كليَّاتِ لاهوتٍ متفاوتة المستوى العلميّ والأكاديميّ ومتنوعة في توجُّهاتها اللاهوتيَّة. وتلعب كليَّاتُ اللاهوت دورًا كبيرًا ليس فقط في إعداد رعاة وخدام متفرغين للخدمة داخل الكنائس المختلفة، بل أيضًا في تعليم وإعداد قادة علمانيين للكنيسة والمجتمع. فالعديد من كليات اللاهوت تفتح أبوابها لتعليم شعب الكنيسة في المجالات اللاهوتية المتنوعة، وتمنح هذه الكليات درجاتٍ علميَّةً ودراسات تساعد الدراسين على الإلمام بلاهوت وعقيدة كنيستهم، كما تزوِّدُهم بأدوات الخدمة الحديثة والمعاصرة. وتأثرت الكنائسُ غير الإنجيليَّة بهذا الأمر، فأنشأت كليَّات لاهوت خاصة بها تقوم بإعداد الخدام للخدمة داخل هذه الكنائس. وأدى ذلك التعليمُ اللاهوتيُّ المتطوِّرُ إلى وجود أجيال من الباحثين في مجالات اللاهوت المختلفة وكذلك ظهور العديد من الكتب والمراجع والتفاسير التي تُغني المكتبة اللاهوتية العربية مما ساعد على بزوغ اتجاهات لاهوتية عربية تشق طريقها بتؤدة بين الاتجاهات اللاهوتية العالمية.[11]
ولا يقتصر التأثيرُ الروحيُّ للكنيسةِ الإنجيليَّةِ على المجالات السَّابق ذكرها؛ فقد امتد التأثيرُ لمجالاتٍ كثيرةٍ أخرى يضيق المجالُ عن ذكرها، مثل مجالات الكرازة والعمل المرسليّ، والرعاية، والتربية المسيحيَّة، والمشورة المسيحيَّة، وخدمة الأجيال المختلفة من الأطفال والفتية والشبيبة والأسرة والمسنِّين وغيرها من الفئات. هذا بالإضافة إلى مجالات الخدمة الروحيَّة بين غير المسيحيين والنتائج المشجِّعة لهذه الخدمة بالإضافة إلى الخدمة الروحيَّة بين الجاليات العربيَّة في بلاد المهجر وغيرها من البلدان. كل هذه المجالات تُظهِر التأثيرَ الروحيَّ المتزايد الذي تقوم به الكنائس الإنجيليَّة المصريَّة بمختلف مذاهبها مما يصبغ المستقبل الروحي للبلاد بمزيد من الرجاء والأمل.
ثانيًا: التأثير الاجتماعيُّ
منذ بداية تواجدها على أرض مصر حرصت الكنائسُ الإنجيليَّةُ -بمختلف مذاهبها- على الانخراط في الحياة الاجتماعيَّة للوطن. وعلى الرغم من وجود بعض التيارات اللاهوتيَّة بين بعض المذاهب الإنجيلية التي تنادي بانعزال الكنيسة عن العالم وبالتالي عدم المشاركة المجتمعيَّة، إلا أن هذه التيارات لا تُعَدُّ هي السائدة بين الكنائس الإنجيلية اليوم. بل يغلب التيار الذي ينادي بأن للكنيسة دورًا في خدمة المجتمع والتأثير الإيجابي في أعضاء المجتمع بمختلف فئاتهم. ولقد شمل تأثير الكنيسة الاجتماعيّ على المجتمع المصري في عدة جوانب نذكر منها على سبيل المثال:
يُعد التعليم هو المجال الأكبر الذي شاركت فيه الكنائس الإنجيلية المجتمع المصريّ، وحققت فيه أعظم الإنجازات سواء تاريخيًّا أو في الوقت الحالي. فمنذ بداية العمل الإنجيلي في مصر، أدرك المُرسَلون ومن بعدهم قادة الكنيسة من المصريين أن حاجة الوطن في المرحلة ما بين منتصف القرن التاسع عشر لمدة قرن من الزمان هي إلى التعليم. فوفَّرت الكنيسة الإنجيلية عددًا من المدارس قدمت مستوًى راقيًا من التعليم يفوق ما كان مقدَّمًا من المؤسَّسات التعليميَّة الحكوميَّة. وبلغ انتشار المدارس التابعة للكنائس الإنجيلية في بدايات القرن العشرين إلى حدِّ أن عددَ هذه المدارس فاق عدد المدارس التي تديرها الحكومةُ![12]
وسَعَتِ الكنائسُ الإنجيليَّةُ لربط وجود الكنيسة في مدينةٍ أو قريةٍ ما بوجود المدرسة في أغلب الأحيان، ووجود المستشفى في بعض الأحيان. ولعبت المدارسُ الإنجيليَّةُ دورًا بارزًا في إعداد أجيال من المتعلِّمين والمثقَّفين المصريّين في مُختَلَف المجالات؛ فتخرج في المدارس الإنجيلية الوزراء، والأطباء، والمعلمون، والمهندسون، وقادة الفكر، والفن والصحافة. ومن المدارس الإنجيلية خرجت دعاوى الحرية السياسية وتحرير المرأة وحقوق الأقليات والنزعة القومية الوطنية وغيرها من الدعاوى التي ساهمت في تطوير الأداء الاجتماعي للوطن.
وحرصت الكنائسُ الإنجيليَّةُ كذلك على المساهمة في العمليَّة التعليميَّة بالمدارس التابعة لها؛ حيث كان الكتاب المقدس يُدرَّس لكل التلاميذ من كل الخلفيَّات الدينيَّة، وذلك منذ مُنتَصَف القرن التاسع عشر وحتى عام 1946. كما كان على كل الطلاب حضور فترات العبادة اليومية بقاعة العبادة الملحقة بكل مدرسة. ولعبت هذه المدارس دورًا بارزًا في نشر روح التسامح بين الطلاب من كافة الديانات، مما أوجد مجالًا لقبول ليس فقط الإنجيليين، ولكن كل المسيحيين؛ لأن أهالي البلدان التي تُوجَد فيها المدارسُ الإنجيليَّةُ أدركوا بالامتنان الدور التنويري الذي لعبته المدارس في تعليم أبنائهم على أعلى مستوى علميٍّ وأخلاقيٍّ، وحتى عندما واجهت مصر بعض الهجمات الإرهابيَّة والأحداث بين المسلمين والمسيحيين لم تتعرض أية كنيسة أو مدرسة إنجيلية لأي أذى بسبب محبة كل أطياف المجتمع للكنيسة ومؤسساتها وللدور الذي لعبته في تعليم الأجيال.[13]
واليوم، فبالرغم من تناقص أعداد المدارس التابعة للكنائس الإنجيلية في العدد، إلا أن أعداد التلاميذ فيها يُعد بعشرات الآلاف، كما أن جودة التعليم والأخلاق التي تُقدَّم في هذه المدارس جعل الإقبال عليها يفوق الوصف حتى إن بعض المدارس يتقدَّم إليها بضعة آلاف من التلاميذ في الوقت الذي تستوعب فيه المدارس عدة مئات من المتقدِّمين الجدد مما يعكس مدى الثقة التي توليها طوائف المجتمع المختلفة للتعليم الذي تقدمه الكنائس الإنجيلية من خلال مدارسها.
عانت مصرُ لفترة طويلة من تاريخها الحديث من تدنِّي الخدمات الصحيَّة المُقدَّمة للمواطنين. ولقد أدركت الكنائسُ الإنجيليَّةُ هذه المعاناةَ، وسَعَتْ بما استطاعت الحصول عليه من موارد ماليَّة أو بشريَّة إلى إقامة المستشفيات والعيادات لخدمة حاجة الإنسان المصريِّ الصحيَّة. لذا، أنشأت بعضُ الكنائس الإنجيليَّة -مثل الكنيسة المشيخية والكنيسة الأسقفية وبعض الكنائس الأخرى- عددًا من المستشفيات. ولعبت هذه المستشفيات دورًا بارزًا في تقديم خدمة طبية متميزة حرصت على المستويات القياسية والمعايير العلمية لتقديم الخدمة الطبية، كل ذلك بمصاحبة أداء أخلاقي إنساني مسيحي كتابي رفيع المستوى. وساهم الإنجيليون المصريون في إنشاء وتقديم الدعم الماديّ للعديد من المستشفيات والعيادات. كما عمل الأطباء الإنجيليُّون في هذه المستشفيات متطوعين في أغلب الأحيان أو بأجور رمزية في أحيان أخرى. وكان الهدف هو تسديد حاجة متزايدة للمجتمع المصري للحصول على هذا النوع المتميز من العناية الطبية، كما أنها كانت ومازالت وسيلة ناجحة لإظهار المحبة والسلوك المسيحيين مما يجذب كثيرين للإيمان المسيحي الذي يشاهدونه عمليًّا. وبالإضافة للمستشفيات الكبيرة التي تملكها بعض المذاهب الإنجيلية، تنتشر في مدن مصر وقراها العشرات من الوحدات الطبية الصغيرة المسماة بالمستوصفات، وتدار هذه المستوصفات بمعرفة الكنائس المحلية.[14]
تعدَّدت المجالاتُ التي خدمت فيها الكنيسةُ الإنجيليةُ بمختلف مذاهبها المجتمعَ المصريَّ؛ فبالإضافة للتعليم والخدمة الطبيَّة شملت خدمةُ الكنيسة الكثيرَ من أطياف وظواهر المجتمع مثل خدمة المرأة، والمهمَّشين، والمدمنين، وذوي الإعاقة، والأيتام وغيرهم. كما شملت الخدمةُ الاجتماعيَّةُ مجالات تنمية القرية وتنظيم الأسرة والتنمية المستدامة ومواجهة الظواهر الاجتماعيَّة السلبيَّة وتعزيز قيم المشاركة المجتمعيَّة.
حدثت كلُّ هذه الأمور تدريجيًّا عبر تاريخ الكنائس الإنجيليَّة. ففي البدايات المبكِّرة خدمت الكنيسة الأسرة المصريَّة عن طريق خدمة النساء في بيوتهن. فقد خصصت الكنيسة بعض الخادمات من المرسلات والوطنيات للقيام بزيارة البيوت وتقديم النصح والإرشاد للنساء في مجالات تربية الأطفال، والأشغال البيئيَّة، والخياطة، والتوعية الصحية بالإضافة إلى مشاركة الإنجيل. وفي الوقت ذاته لعب الإنجيليُّون دورًا بارزًا في التصدِّي لبعض الظواهر الاجتماعيَّة السلبيَّة. ففي نهايات القرن التاسع عشر حارب الإنجيليُّون ظاهرة العبوديَّة؛ ففي إحدى المرات منعت الكنيسة أحد أعضائها من الحصول على منصب وكيل الطائفة الإنجيليَّة حتى يحرِّرَ العبيدَ الذين كانوا بحوزته وقد فعل ذلك. كما عملت الكنيسةُ مع الحكومة المصريَّة على التوعية الشعبيَّة والمشاركة الفعالة لإبطال هذه الظاهرة حتى نجحت في ذلك. وفي بدايات القرن العشرين تصدَّت الكنيسة لظاهرة التدخين وشرب الخمر وتعاطي المخدرات وأسست بعض الجمعيات الأهلية للتوعية والتوجيه.[15]
أما في مجال رعاية الأيتام؛ فقد ساهمت الكنائسُ الإنجيليَّةُ في إقامة عددٍ من الدور لاستيعاب الأطفال الذين فقدوا ذويهم في كثير من المدن مثل القاهرة، وأسيوط والإسكندرية وغيرها. ولعل ملجأ ليليان تراشر بمدينة أسيوط خير شاهد على الدور التاريخي الذي لعبته ليليان تراشر في هذا المجال وتسلمت منها الكنيسة الرسولية هذه الخدمة حتى اليوم بما يمثِّل شهادةً لامعةً عن عمل الله في البلاد المصريَّة.
وتشمل الخدمةُ الاجتماعيَّةُ التي تقوم بها الكنائس الإنجيلية، خدمةَ بعض الفئات التي تعاني احتياجًا مثل ذوي الإعاقات الجسدية، أو العقلية؛ حيث توجد بعض المؤسسات الإنجيلية التي توفر خدمة متميزة تحاول أن تساند الأفراد والأسر التي تواجه مثل هذه الظروف. لا يقتصر الأمر على المذاهب الإنجيليَّة الكبيرة، ولكن يمتدُّ كذلك إلى بعض الكنائس المحليَّة التي توفِّر أماكن وخدمات صحيَّةً واجتماعيَّةً وروحيَّةً لهذه الفئات الأكثر احتياجًا.[16]
وتُعَدُّ خدمة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية نموذجًا للمؤسسات الإنجيلية الاجتماعية التي تربط بين الكنيسة والمجتمع؛ فمنذ نشأتها في خمسينيات القرن العشرين وتحت القيادة المتميزة للقس صموئيل حبيب، قامت هذه الهيئة بخدمة احتياجات المجتمع خاصة القرويّ. وتتعدَّد المجالاتُ التي قامت وتقوم بها الهيئة الإنجيليَّة، لتشمل مشاريع محو الأمية، والتوعية الصحيَّة، والتنمية الريفيَّة المستدامة، والمجالات الزراعيَّة، والقروض الصغيرة، وخدمة المرأة، بالإضافة إلى التدريب على مهارات فضِّ النزاعات وصنع السلام وغيرها من المجالات. وللهيئة الإنجيليَّة تواجدٌ في الشارع المصري ووسائل الإعلام لما لها من خطاب معتدل يجذب النخبة ومما لها من مصداقية في شهادتها وخدمتها بنتها عبر السنين.[17]
وتطوَّرت مشاركة الكنيسة للمجتمع عبر السنين؛ فخفتت النغمةُ التي كانت سائدة من قبل والتي نادت بانعزال الكنيسة عن المجتمع واقتصار دورها على خدمة أعضائها. ولكن أصبح هناك الآن وعي أكبر بدور الكنيسة النبوي في تقديم الحق والخير والجمال للمجتمع من خلال خدمة الحاجات الحقيقية وتقديم الرسالة المسيحية في صورة عملية.
ثالثًا: التأثيرُ السياسيُّ
رغم أن الكنيسة لا تعمل بالسياسة، إلا أنها تهتمُّ بها؛ فالكنيسة تعيش في مجتمعها وتتأثر بالأحداث السياسية التي تحيط بها، فتتفاعل وتظهر مواقفها المتصالحة مع مبادئها. ولا يقتصر دور الكنيسة على مجرد المراقبة والتأييد أو الشجب، ولكن عليها دور الراعي لتطبيق مبادئ ملكوت الله من حقٍّ وبرٍّ وعدلٍ ومساواةٍ وكرامةٍ لكلِّ إنسانٍ. وحاولت الكنيسةُ الإنجيليَّةُ المصريَّةُ بمذاهبها المتنوعة لعب دورٍ سياسيٍّ، وإن كان محدودًا، ولكنه مؤثِّرٌ؛ ففي المراحل التاريخية المبكرة من وجودها في مصر، تفاعلت الكنيسة مع التطورات السياسية في مصر.[18]
وعندما جاء الاحتلال البريطاني إلى مصر عام 1882، ظن البعض أن المستعمر سيكون نصيرًا للمسيحيين وللخدمة المسيحية. ولكن خابت آمال الكثيرين حين وجدوا أن المستعمر لا يهتم بالشأن الديني، بل جعل جل اهتمامه بالجانب السياسي. بل على العكس فلقد حاجى المستعمر الأغلبية المسلمة من الشعب المصري على حساب المسيحيين، مما جعل الخدمة المسيحية أصعب تحت الحكم الإنجليزي عنه في أواخر الحكم العثماني الذي سيطر على مصر قبل ذلك. وما يؤيد هذا الرأي هو الصورة السلبية التي نظر بها الإنجليز للأقباط المصريين واتهامهم بالجهل والخداع والكذب. كل هذه الدلائل تنفي بصورة قاطعة الرأي القائل أن الإرساليات الإنجيلية وبالتالي الكنائس الإنجيلية هي صَنُو الاستعمار؛ فحقائق التاريخ تثبت أن الكنيسة الإنجيليَّة هي كنيسة وطنية تفاعلت مع تعاليم الإصلاح الإنجيلي واحتفظت بجذورها في التربة الوطنية المصرية فشاركت في حياة الوطن.[19]
وحين هبت جموع الشعب المصري في وجه الاستعمار البريطاني عام 1919، لعب الإنجيليُّون دورًا بارزًا في إذكاء الروح الوطنية والمشاركة الإيجابية في الوقوف أمام الاستعمار. وهناك العديد من الشخصيات ذات الأصول الإنجيلية والتي تنتمي لكبريات العائلات الإنجيليَّة خاصَّةً في صعيد مصر التي شاركت بإيجابية في أحداث الثورة. ومن هذه الشخصيات تبرز شخصية مكرم عبيد الذي تعلم في كلية أسيوط الأمريكية التابعة للإرسالية الأمريكية في مصر. وقد لعب دورًا بارزًا في الحياة السياسية المصرية فكان عضوًا في مجلس النواب ووزيرًا ورئيسًا لحزب ولاعبًا أساسيًّا في الحياة السياسيَّة المصريَّة. وهناك كذلك ألكسان أبسخيرون الذي لعب دورًا وطنيًّا بارزًا وكان عضوًا في مجلس النواب المصري. وكذلك ﭼـورچ خياط.[20]
أما أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًّا في الحركة السياسيَّة والاجتماعيَّة في مصر فهي أستر فهمي ويصا التي وقفت أمام الاستعمار البريطاني. وأستر هي سليلة أكبر العائلات الإنجيلية في صعيد مصر وهي عائلة أخنوخ فـانوس. تعلمت أستر في مدرسة البنات الأمريكية بأسيوط وتخرجت فيها عام 1910. ترأست أستر ويصا العديد من الجمعيات واللجان الحزبية في حزب الوفد والجمعيات النسائية. وعُرِفت عنها المناداة بحقوق المرأة والدعوة لمقاومة الاستعمار. وقد كتبت أستر ويصا عشرات الخطابات إلى اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر تدافع عن حق بلادها في الحرية والاستقلال. وعندما هدأت الأمور من الناحية السياسية، اتجهت أستر ويصا للعمل الاجتماعي؛ حيث أسست عددًا من الجمعيات الخاصة بالخدمة الاجتماعية مثل جمعية العمل لمصر، والاتحاد النسائي المصري.[21]
وعندما شرعت الدولة المصرية في كتابة دستور جديد للبلاد عام 1923، ساهمت الكنيسة الإنجيلية بأكثر من طريقة. ففي الجمعية التأسيسية المنوطة بكتابة الدستور الجديد اشترك ستة من الإنجيليين في هذه الصياغة. وعلى التوازي مع ذلك شكلت الكنيسة الإنجيلية لجنة من أبنائها تضع مواد في الدستور تضمن حرية العبادة والاعتقاد وحقوق الإنسان ورفعتها للجنة التأسيسية. وقد أخذ المنوطون بوضع الدستور الجديد بالعديد من الأفكار التي طالب بها الإنجيليون.[22]
تثبت مساهمات الإنجيليين في الحياة السياسية المصرية أن الكنيسة من خلال أفرادها هي عنصر مهم في المجتمع وليست بمعزل عن قضاياه. ظهر هذا أيضًا حينما نشبت مشكلة فلسطين حيث علا صوت الكنيسة الإنجيلية مناديًا بالحرية والاستقلال لشعب فلسطين. كما قدمت الكنيسةُ الإنجيليَّةُ بكلِّ مذاهبها المعونات المادية والعينية لإغاثة الشعب الفلسطيني، وكتبت الأقلام الإنجيلية منددة بالاستعمار الصهيوني وشارحة لمعنى إسرائيل في الكتاب المقدس من وجهة نظر إنجيلية مصرية.[23]
وساندت الكنيسة الإنجيلية بلادها في أوقات الحروب عام 1956 وعند حدوث هزيمة 1967 وأيام انتصار أكتوبر عام 1973. وعندما بادرت الحكومة المصرية بإقامة سلام مع إسرائيل وتوقيع معاهدة بهذا المعنى أيدت الكنيسة الإنجيلية هذه الخطوة وشرحتها في المحافل المسكونية والدولية.[24]
وفي أيامنا الحاضرة تفاعلت الكنيسة الإنجيلية مع قضايا الوطن تفاعلاً إيجابيًّا. فلقد أصدرت رئاسة الطائفة الإنجيلية في مصر العديد من البيانات المؤيدة لثورة شعب مصر في 25 يناير/كانون ثاني 2011. جاءت هذه البيانات لتؤكد على أحقية الشعب المصري في الاحتجاج السلمي على الأوضاع السيئة القائمة. وحين بدأت معالم الثورة في الوضوح، نادت الكنيسة الإنجيلية بمدنية الدولة وحقوق الإنسان والأقليات في التعبير والاعتقاد. وتعقد الكنيسة الإنجيلية على المستويات الوطنية والمحلية العديد من المحاضرات وندوات التوعية لحفز الإنجيليين على المشاركة السياسية الفعالة. وعلى الرغم من الغياب القسري للكنيسة الإنجيلية في الأعوام الخمسين الأخيرة عن القيام بأي نشاط سياسي ملحوظ، فإن مشاركة الكنيسة في فاعليات الثورة المصرية من خلال الأفراد والكنائس المحلية يعد مؤشرًا مهمًّا لبداية نهضة حقيقية نحو استعادة الكنيسة دورها النبوي الفاعل، وليس فقط مواكبة وتأييد ما يحدث حولها من أحداث، وما فيه من تملق للحاكم وإنكار للدور الذي من أجله وجدت الكنيسة في العالم.[25]
خاتمة
وفي الختام فإنه يمكن القول بأن الكنيسة الإنجيلية بمذاهبها المختلفة كانت ومازالت تلعب دورًا حيويًّا في حياة بلادها. وإن كانت الظروف السياسيَّة والاجتماعية والاقتصادية قد أبعدت الكنيسة عن القيام بدورها النبوي، إلا أن أهمية هذا الدور لم تقل عبر السنين. فحين وجدت الكنيسة الفرصة سانحة للقيام بدورها قامت به بكل فاعلية. ولعل هذه الدراسة البانورامية تكون قد ألقت قدرًا من الضوء على بعض ما قامت به الكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة وبتاريخها مع الاعتراف بأن هذا الدور يحتاج للمزيد والمزيد من الدراسة والتسجيل والتحليل واستخلاص الدروس التي تساعد الأجيال القادمة على الانخراط الفاعل في حياة الوطن وتقديم نموذج يحمل قِيَم ملكوت الله وينشر مبادئ إنجيل المسيح للمجتمع المصري والعربي والشرق-أوسطي.
المراجع
أولاً: المراجع العربية:
توماس، عماد. حوارات وقضايا القاهرة: المؤلف، 2008.
جيد، نظير. ثم قال الله ليكن نور، مقالات في مجلة مدارس الأحد، العدد 9-10 نوفمبر وديسمبر 1951.
سلامة، أديب نجيب. تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر والسودان. القاهرة: دار الثقافة، 1982.
________. الإنجيليون والعمل القومي. القاهرة: دار الثقافة، 1993.
عبد الفتاح، نبيل. محرر، تقرير الحالة الدينية في مصر. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتـيـﭽية بالأهرام، 1995.
لمعي، إكرام. الوجه الآخر للكنيسة. القاهرة: دار الثقافة، 1997.
مجلة الهدى، العدد 1134، مارس وأبريل 2011.
ويصا، حنا فهمي. أسيوط حدوتة عائلة مصرية. بدون دار نشر، بدون بلد النشر، 1996.
ثانياً: المراجع الإنجليزية:
Elder, Earl E. Vindicating a Vision: The Story of the American Mission in Egypt 1854 -1954, Philadelphia: The United Presbyterian Board of Foreign Missions, 1958.
Hewitt, Gordon the Problem of Success: A History of the Church Missionary Society 1910-1942, Vol. I, London: SCM Press Ltd, 1971.
Lansing, Gulian Religious Toleration in Egypt: Official Correspondence Relating to the Indemnity Obtained for the Maltreatment of Faris El-Hakim, An Agent of the American Missionaries in Egypt, London: Privately printed, 1862.
Richter, Julius. A History of the Protestant Missions in the Near East, Edinburgh: Oliphant, Anderson and Ferrier, 1910.
Stock, Eugene. ed. The History of the Church Missionary Society: Its Environment, Its Men and Its Work, vol. 1. London: Church Missionary Society, 1899.
UPCNA, Board of Foreign Missions, The 50th Annual Report of the American United Presbyterian Mission in Egypt for the Year 1904, Philadelphia: Board of Foreign Missions, 1904.
Virtue, David W. A Vision of Hope: The Story of Samuel Habib, One of the Arab World’s Greatest Contemporary Leaders, and his Plan for Peace in the Strife-torn Middle East where the Cross and the Crescent Meet and where Bible, Koran and Torah vie Centre Stage, Oxford: Regnum Books International, 1996.
Wahba, Tharwat. The Practice of Mission in Egypt: A Historical Study of the Integration between the American Mission and The Evangelical Church of Egypt, 1854-1970, London: Lanham Monograph, 2016.
Watson, Andrew. The American Mission in Egypt 1854 to 1896, 2nd ed. Pittsburgh: United Presbyterian Board of Publication, 1904.
Whately, M. L. Among the Huts in Egypt: Scenes from Real Life. London: Seeley, Jackson, & Halliday. 1871.
[1] Julius Richter, A History of the Protestant Missions in the Near East (Edinburgh: Oliphant, Anderson and Ferrier, 1910), 92.
[2] Andrew Watson, The American Mission in Egypt 1854 to 1896, 2nd ed. (Pittsburgh: United Presbyterian Board of Publication, 1904), 23.
[3] Eugene Stock, ed. The History of the Church Missionary Society: Its Environment, Its Men and Its Work, vol. 1. (London: Church Missionary Society, 1899), 351 & Gordon Hewitt, The Problem of Success: A History of the Church Missionary Society 1910-1942, vol. 1 (London: SCM Press Ltd, 1971), 306.
[4] M. L. Whately, Among the Huts in Egypt: Scenes from Real Life (London: Seeley, Jackson, & Halliday. 1871), 147-9.
[5] Earl E. Elder, Vindicating a Vision: The Story of the American Mission in Egypt 1854 -1954 (Philadelphia: The United Presbyterian Board of Foreign Missions, 1958), 1.
[6] نبيل عبد الفتاح، محرر، تقرير الحالة الدينية في مصر (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتـيـﭽية بالأهرام، 1995)، 122-123.
[7] نظير جيد، ثم قال الله ليكن نور، مقالات في مجلة مدارس الأحد، العدد 9-10 نوفمبر وديسمبر 1951.
[8] Elder, Vindicating, 35.
[9] عبد الفتاح، تقرير الحالة الدينية في مصر، 90- 91.
[10] عماد توماس، حوارات وقضايا (القاهرة: المؤلف، 2008)، 128-129.
[11] Richter, A History, 350.
[12] UPCNA, Board of Foreign Missions, The 50th Annual Report of the American United Presbyterian Mission in Egypt for the Year 1904, (Philadelphia: Board of Foreign Missions, 1904), 93.
[13] أديب نجيب سلامة، تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر والسودان (القاهرة: دار الثقافة، 1982)، 201.
[14] Tharwat Wahba, The Practice of Mission in Egypt: A Historical Study of the Integration between the American Mission And The Evangelical Church Of Egypt, 1854-1970, (London: Lnagham Mongraph, 2016), 21& 81.
[15] أديب نجيب سلامة. الإنجيليون والعمل القومي (القاهرة: دار الثقافة، 1993)، 159-161. عبد الفتاح، تقرير الحالة الدينية، 249.
[16] سلامة، الإنجيليون والعمل القومي، 123.
[17] للمزيد عن الهيئة القبطية ودور القس صموئيل حبيب انظر:
Virtue, David W. A Vision of Hope: The Story of Samuel Habib, one of the Arab World’s Greatest Contemporary Leaders and his Plan for Peace in the Strife-torn Middle East where the Cross and the Crescent Meet and where Bible, Koran and Torah vie Centre Stage (Oxford: Regnum Books International, 1996).
[18] Gulian Lansing, Religious Toleration in Egypt: Official Correspondence Relating to the Indemnity Obtained for the Maltreatment of Faris El- Hakim, An Agent of the American Missionaries in Egypt (London: Privately printed, 1862), 1-16.
[19] إكرام لمعي، الوجه الآخر للكنيسة (القاهرة: دار الثقافة، 1997)، 214-215.
[20] سلامة. الإنجيليون والعمل القومي، 180-195.
[21] عن أستر ويصا وسيرة حياتها وأعمالها انظر: حنا فهمي ويصا، أسيوط حدوتة عائلة مصرية، (بدون دار نشر، بدون بلد النشر، 1996)، 190- 374.
[22] المرجع السابق، 257-259.
[23] المرجع السابق، 221-324.
[24] المرجع السابق، 393-406.
[25] مجلة الهدى، العدد 1134، مارس وأبريل 2011.
اسم الكاتب : القس إسحق وليم
ملخص: هذا المقال هو ترجمة لبحث قدمه الكاتب كأحد متطلبات مادة دراسية في برنامج الدكتوراة. يهدف الباحث للتمييز بين مفهومي اللاهوت السياقي أو القريني Contextual theology والتوفيقية ما بين الأديان Syncretisim. سيقوم الكاتب بهذا من خلال مناقشة خبرة عملية لمرسل أمريكي اصطدم مع الثقافة المصرية في عام 1863.
يحكي الأديب الأمريكي اللبناني الأصل جبران خليل جبران في واحدة من روائعه الأدبية القصيرة، أن ملكًا قويًّا وحكيمًا كان يحكم مدينة هادئة بعيدة حيث يعيش شعبها في سكينة. لكن ساحرة شريرة حقدت عليهم فجاءت والناس نيام وألقت في بئر يشرب منه سكان المدينة قطرات من سائل سحري جعل كلَّ من يشرب من البئر يُجن. شرب كل السكان ما عدا الملك والوزير اللذان ظلا عاقلين. بدأت الجماهير المجنونة تغضب لاختلاف الملك والوزير عنها وقالوا: كيف يمكن أن نسمح أن يحكمنا ملك ووزير مجنونان؟ لذا أسرع الملك قبل أن تتفاقم الأوضاع وأخذ كأسًا كبيرة من ماء البئر وشرب هو ووزيره. وما إن شربا حتى قال الناس: “الحمد لله، لقد عاد الملك والوزير إلى رشديهما!”.[1]
في القصة السابقة، يُجسِّم جبران ببراعة الصراعَ بين الفرد والسياق، أو بين القناعة الفردية وقناعة الأغلبية. يجد العديد من المرسلين واللاهوتيين وحتى الكنائس نفسها في وضعٍ مشابهٍ للملك في القصة السابقة، ويواجهون نفس الحاجة لاتخاذ قرار حاسم بين أن يحتفظوا بعقلهم أو يتخلوا عنه أمام ضغط التيار المحيط. كيف يمكن تصنيف سلوك الملك بطل قصة جبران؟ هل هو مراعاة للسياق أم مساومة على المبادئ؟ لا توجد إجابات بسيطة للأسئلة المعقَّدة. السؤال الرئيسي الذي يسعى هذا المقال إلى الإجابة عنه هو كيفية التمييز بين السياقية (Contextualization) والتوفيقية (Syncretism). السياقية أو لاهوت السياق، هي مفهوم إيجابي يُقصد به صياغة رسالة لاهوتية متجسدة في القرينة الثقافية المحيطة بحيث تكون مفهومة وواضحة تمامًا فيها. التوفيقية في المقابل هي مفهوم سلبي يعني خلط الدين مع الثقافة المحيطة، أو خلط الإيمان المسيحي مع العقائد الأخرى (Syncretism) والخروج بمزيج مختلط من الاثنين. سيحاول هذا المقال الإجابة على هذا السؤال المعقد من خلال ربط تعريف المصطلحين في علم اللاهوت المرسلي ((Missiology مع دراسة حالة من الخبرة المصرية. لذلك سيتضمن هذا المقال ثلاثة أجزاء: الجزء الأول سوف يقدم ملخصًا وتحليلًا لآراء علماء الإرساليات حول المفهومين والعلاقة بينهما. أما القسم الثاني فيعرض ويحلل خبرة إرسالية حقيقية لصراع بين مُرسَل أمريكي والثقافة المصرية في القرن التاسع عشر. سيختتم الجزء الثالث بتقديم مقترحات للتمييز ما بين المفهومين. الفرضية الرئيسية لهذه الورقة هي أن الفشل في تقديم إنجيل المسيح كاملًا هو نوع من التوفيقية أو السياقية الفاشلة، بل يُعد تقديمًا لإنجيل آخر.[2]
تحديد المفاهيم
ظهر مصطلح لاهوت السياق (Contextual theology) أولًا في المجال المسكوني حوالي عام 1972.[3] حيث استخدم شوكي كو وأهارون سابسزيان، مديرا هيئة صندوق التعليم اللاهوتي (TEF) التابعة لمجلس الكنائس العالمي المصطلح لأول مرة وقتها.[4] (TEF) هي هيئة مسؤولة عن تطوير التعليم اللاهوتي بدول العالم النامي. وفقًا لاستخدامهما، كان المصطلح مرادفًا لتوطين اللاهوت في البيئات المحلية.[5] مع انتشار المسيحية في نصف الكرة الجنوبي، ظهرت الحاجة إلى اللاهوت السياقي؛ إذ طالب هذان اللاهوتيان أن تؤخذ سياقات العالم النامي في الاعتبار عند صياغة اللاهوت. يؤكد دين س. جيليلاند أن اللاهوت السياقي هو استراتيجية مناهضة للإمبريالية.[6] ويتفق عالم الأنثروبولوجي الثقافي المسيحي بول ج. هيبرت مع نفس المبدأ مشجعًا المرسلين على مراعاة سياق حقل خدمتهم في البيئات المحلية وألا يصبغوا تقديمهم لرسالة الإنجيل بصبغة الثقافة الغربية.[7] وعلى الرغم من أن المصطلح لا يزال يفترض سياقية اللاهوت في بيئات العالم النامي، إلا أن المفهوم اتسع ليشير إلى العلاقة الشاملة بين الإيمان المسيحي والثقافة بصورة عامة في كلِّ العالم. يعتقد سكوت مورو أن السياقية يجب أن تشمل كل الممارسات الكنسية والخدمة واللاهوت في كل مكان.[8]
لذا فإن طبيعة ووظيفة اللاهوت السياقي استدعت تعميمه وتطبيقه على الكنيسة العالمية. يعرّفها بروس نيكولز على النحو التالي:
يُزعم أن السياقية هي القدرة على الاستجابة بشكل هادف للإنجيل في إطار قرينة [سياق] الفرد. إن مراعاة السياق ليست مجرد ابتكار أو شعار، بل هي ضرورة لاهوتية تتطلبها طبيعة كلمة الله القابلة للتجسد في كل ثقافة.[9]
يركز نيكولز على مركزية كلمة الله. ويؤكد أيضًا أن اللاهوت السياقي (القريني) لم يأتِ بسبب الابتكار الفكري الإنساني، بل كضرورةٍ تتطلبها طبيعة الإنجيل نفسه. يسير في نفس المضمار اللاهوتي دين جيليلاند، حيث يسلط الضوء على الحوار المستمر بين كلمة الله والعالم من خلال مراعاة السياق.[10] بالطريقة نفسها، يقول بروس فليمينج، يُنظر إلى اللاهوت السياقي على أنه موجود من أجل قرينته.[11] باختصار، فإن تعريفات السياقية في اللاهوت تسلِّط الضوءَ على أهمية علاقة الإيمان المسيحي بالثقافة المحلية والعالمية في العالم الحديث. تسعى السياقيَّة إلى فهم سياق العالم مكانيًّا من حيث الخصوصية التي تفرضها الجغرافيا وزمانيًّا لمواكبة عالم ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار، السريع التغيُّر. لذلك، فإن وظيفة السياقية الديناميكية والطموحة جعلتها ضرورة للكنيسة العالمية.
ثانيًا، يتفق اللاهوتيون وعلماء الإرسالية على أن مفهوم السياقية هو مفهومٌ واسعٌ ومتعدِّدُ الجوانب. يرى سكوت مورو أن مفهوم السياقية شامل يتضمن الأبعاد الاجتماعية، والخيالية (القصص التي تجسِّد القِيَم، والرؤى للعالم والحياة، ونماذج الأدوار)، والأخلاقية، والطقسية، والأبعاد الفلسفية العقائدية.[12] ومع ذلك، يرى علماء آخرون أن التعريف الواسع للسياقية له جانب سلبي؛ لأنها قد تتحول إلى مفهوم عائم ومبهم قد يؤدي إلى إعاقة عمل الإنجيل بدلًا من أن يسهله.[13]
ثالثًا، موقف كلمة الله المُعبَّر عنه في الإيمان بالسلطة المعصومة للكتاب المقدس هو المعيار الذي يميز المدارس المختلفة في مقاربتها لمفهوم السياقية. يصر اللاهوتيون الإنجيليون المحافظون على وضع كلمة الله كسلطة أعلى من الثقافة؛ بينما الليبراليون على الجانب الآخر يعطون الأولوية للسياق على النص الكتابي نفسه مفترضين أن النظرة للنص المقدس يجب أن تصاغ دائمًا في ضوء القرينة فقط.[14]
رابعًا، تسلط السياقية الضوء على ضرورة وضع علم اللاهوت في موضع الحركة والتشكيل المستمر. الإيمان المسيحي ثابت، ولكن علم اللاهوت الذي يعبر عنه ويشرحه يجب أن يجدد أساليبه دائمًا طبقًا لاحتياجات القرينة أو السياق. ولا يمكن أن يحدث هذا إلا من خلال سعي اللاهوت إلى إقامة حوار مستمر بين أسئلة القرينة الثقافية المتجددة والإيمان المسيحي للحصول على الإجابات ذات الصلة والدلالة للعصر الحديث.[15]
خامسًا، تنطلق عملية السياقية من نظرة إيجابية للإنسان والثقافة. لا تخلو أي إشارة تقريبًا تتعامل مع السياقية من التأكيد على قيمة البشر كصورة الله وقيمة الثقافة باعتبارها خليقة الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن عقيدة التجسد تُعد الركيزة الأساسية التي يستند عليها مفهوم السياقية. لقد أظهر الله نفسه بشكل مفهوم وملائم في شخص المسيح.[16] لذلك، يجب على الكنيسة كجسده أن تحذو حذوه في التجسُّد في الثقافة البشرية. علاوةً على ذلك، يمكن فهم أن تحديات السياق تمثل فرصًا للكنيسة لفهم إعلان الله في النص (الكتاب المقدس) بعمق أكبر.
سادسًا، إلى جانب دراسة علم اللاهوت، تتطلب السياقية دراسة البشر أنفسهم أيضًا لبناء الجسر الصحيح بين كلمة الله والسياق. تحتاج الكنيسة إلى دراسة الكلمة والعالم معًا. يلفت هيبيرت الانتباه إلى ضرورة دراسة الأنثروبولوجيا كإطار نظري لا غنى عنه لفهم الإنسان والثقافة. إنه يعتقد أن الأنثروبولوجيا وعلم الإرساليات هما تخصصان لا ينفصلان.[17]
سابعًا، إن السياقية الإنجيلية تبني نفسها على الدور الحاسم للروح القدس في قيادة الكنيسة من خلال العملية المستمرة لصياغة لاهوت سياقي. النشاط السياقي ليس فقط نشاطًا عقليًّا أو فلسفيًّا. إنه يتطلب الخضوع الكامل لتوجيهات الروح القدس، الذي يشحذ وينير وعي الكنيسة بالله، وبالذات، وبالعالم ويقودها لتجديد نفسها كل وقت.[18] ينتج عن قيادة الروح القدس ثلاث نتائج: أنه يحمي الكنيسة من الانزلاق للتوفيقية بين المعتقدات، ويحقق مجد الله، ويؤدي في النهاية إلى خلاص البشر ونمو الكنيسة.[19]
ثامنًا، لأن السياقية تدرس العلاقة الديناميكية بين المسيحية والثقافة، فإن معظم الدراسات في هذا المجال تحاول أن تحدِّدَ الفوارقَ بين السياقية والتوفيقية حتى لا ينتهي المفهوم في النهاية إلى المساومة بشأن حق الإنجيل. التوفيقية قد تكون استبدال أو إضعاف الحقائق الأساسية للإنجيل من خلال دمج عناصر غير مسيحية به.[20] كما يؤكد مورو أن التمييز بين هذه الأبعاد التي لا تتفق مع الإيمان المسيحي أمر صعب؛ لأن التوفيقية بين المعتقدات قد ترتدي أحيانًا أقنعةً مقدسةً. صُنِّفت عبادة إسرائيل للحية النحاسية كعبادة وثنية- أي توفيقية. في المقابل، لم تتم إدانة تصرف نعمان السرياني حين طلب من أليشع أن يتفهم مرافقته للملك حين يذهب للسجود للإله الوثني في آرام، على هذا النحو يلزمنا حكمة حقيقية للتمييز بين السياقية بمعناها الإيجابي والتوفيقية بمعناها السلبي.[21]
دراسة حالة: انتقام مُرسَل
كان جوليان لانسينج (1825- 1892) أحد رواد المُرسلين الأمريكيين في مصر عاش بأمانة خمسة وأربعين عامًا في مصر حتى مات ودُفِن في أرضها. يصفه زميله المُرسَل أندرو واطسون بأنه رجل صلاة أمين وله إيمان قوي بالرب.[22] كتب كلاهما سجلات دقيقة حول إرساليتهما في مصر، تاركين كنزًا دقيقًا من التحليل الأنثروبولوجي والمرسلي للمجتمع المصري بأكمله في تلك الحقبة.[23]
في عام 1863، زار لانسينج ديرًا أرثوذكسيًّا في شمال شرق القاهرة سُمِّي على اسم القديسة دميانة، أو كما سماها الأقباط وقتها بحسب رواية لانسينج “ستنا دميانة”. سجل لانسينج هذه الزيارة بالتفصيل في كتابه أمراء مصر. إلا أنه بسبب عمق هذه الخبرة نشر مقالًا عنها في مجلة هاربر في وطنه الأم. كما ذكر واطسون هذه القصة بإيجاز في كتابه الإرسالية الأمريكية في مصر من 1854 إلى 1896.[24]
اعتاد الأقباط على إقامة احتفال سنوي لإحياء ذكرى القديسة دميانة. ووفقًا للتقاليد القبطية، فهي أميرة استُشهِدت بسبب إيمانها المسيحي مع 40 من العذارى الأخريات. لا يزال الاحتفال بمولد القديسة دميانة قائمًا حتى اليوم. ويسجل لانسينج أن مولد ستنا دميانة يستمر لأسبوع؛ حيث يأتي المشاركون فيه للإقامة في الخيام بجوار الدير. في نهاية الأسبوع، جاء البطريرك نفسه لقيادة القداس في ختام الاحتفال. ذهب لانسينج إلى المولد وسط الجمهور القبطي ليبيع الكتب المقدسة والكتب التبشيرية الأخرى التي عنيت الإرساليةُ الأمريكيةُ بطبعها في هذه الفترة. عاش لانسينج تجربة المولد بأكملها وسجَّل ما حدث في الخيام والدير.
زيارة مولد ستنا دميانة تكاد تكون خبرة مكثفة جمعت فيها كل خبرة الإرسالية الأمريكية في مصر وصدامها مع الثقافة المحلية لمصر في هذا الوقت. أولًا، اهتم لانسينج بتسجيل لمحة موجزة عن مكانة المرأة في الثقافة العربية وقتها. كتب لانسينج أن عوض شريكه المصري في الخدمة وفي هذه الرحلة للدير، سمع محادثة بين زوجين مصريين في المركب المجاور لهما أثناء السفر إلى الدير جاء فيها أن الزوجة سألت زوجها: لماذا سيكون لدى الرجل في الجنة العديد من الحوريات بينما لا تأخذ المرأة شيئًا؟ ويتابع لانسينج أن الزوج غضب بشدة من سؤال زوجته وطلَّقها بالثلاثة على الفور نتيجةً لفضولها وتهور سؤالها! وبدون إدانة أو انتقاد للثقافة الإسلامية نظرًا لتسهيل الطلاق، يذكر لانسينج القصة ويترك الحكم لقرَّائِه.[25]
ثانيًا، يصف لانسينج بإسهاب فساد مؤسسة الكهنوت المصرية في ذلك الوقت. لقد سجَّل أن مولدًا مثل هذا كان يحقق آلاف الجنيهات للكهنة. توضح رواية لانسينج أنه كان على علاقة وثيقة برئيس دير دميانة وأنه كان يعرفه قبلًا كراهبٍ زاهدٍ فقيرٍ حافي القدمين، ولكن بعد أن أصبح راهبٌ صديقٌ له بطريركًا وهو البابا ديمتريوس الثاني (1862- 1871)، عيَّنه رئيسًا لدير دميانة. لذلك، أصبح يتحكم في ثروة هائلة.[26]
هذا مقار كنت قد التقيتُ به قبل عام في دير القديس الذي يحمل اسمه في وادي النطرون. لكن لكم تغير! لقد كان راهبًا فقيرًا حافي القدمين. الآن لديه حذاء وجوارب، يرتدي عباءة قماشية واسعة فوق سترة حريرية، ويزهو بطاقم طويل. وقتها كان سعيدًا بالسير معي لمدة ست ساعات فوق رمال الصحراء إلى الدير الآخر مقابل بضعة قروش؛ أما الآن لقد جاء إلى هنا لابتلاع آلافه.[27]
من الجدير بالذكر أن هذه المرة في عام 1863، سجل لانسينج وواطسون ظروفهما الاقتصادية القاسية في مصر بسبب افتقارهما إلى الموارد المالية التي انقطعت عنهما وعن رفاقهما الآخرين خلال الحرب الأهلية الأمريكية. كلاهما أيضا ذكرا كيف ازدهر الاقتصاد المصري خلال هذه الفترة بسبب زراعة القطن المصري، وأن كل الأسعار ارتفعت بالنسبة لهم بسبب تضخم الدولار أمام الجنيه المصري.[28] يروي لانسينج أنه اضطر هو وعوض إلى دفع إيجار 4 دولارات لموقع الخيمة التي أقاماها لبيع الأناجيل خلال المولد. وكيف كان هذا مبلغًا مبالغًا فيه، لكنهم قبلوه لأن الموقع كان بجوار بوابة الدير حتى يمر بها كلُّ من دخل الدير.[29] الصورة النمطية للمُرسَل الغني وحقل الإرسالية الفقير في دول العالم النامي لم تكن صحيحةً في الحالة المصرية في هذا العصر. لم يكتفِ الكهنة بالدخل المبالغ فيه الذي يجنونه من مولد دميانة، بل يسجل لانسينج كيف كان الكهنة يبيعون الشموع للمصلين بأسعار باهظة لإشعالها كنذر لستنا دميانة، وبمجرد ذهابهم يطفئ الكهنة الشموع ويحفظونها لكي يبيعوها لمشترين جدد. بالإضافة إلى الفساد المادي، يلحظ لانسينج أن الكهنة كانوا يدهنون النساء القبطيات بزيت الميرون بين أثدائهن أثناء الصلاة. يعلق ساخرًا:
أنا واثق من أن قلبه منشغل في الصلاة التي يتمتم بها في هذه الأثناء، لكن الأقباط أنفسهم بشكل عام بدأوا يتهامسون فيما بينهم أن الصلاة مع النساء بهذه الطريقة ليست من شأن الكهنة الذين تحت نذر الرهبنة.[30]
ثالثًا، يسجل لانسينج ممارسة تجارة الرقيق التي كانت شائعة في مصر في ذلك الوقت. كانت مقاومة هذه الممارسة المقيتة أولويةً قصوى للمُرسلين الأمريكيين. استغلوا علاقاتهم مع حكومات بلادهم والسلطات البريطانية، التي احتلت مصر عام 1882، للضغط على الحكومة المصرية لإنهاء تجارة الرقيق.[31] كانت مفارقة غريبة في مولد دميانة أن خيمة تاجر رقيق كانت مجاورة لخيمة لانسينج. ومن اللافت للنظر أيضًا أن زيارة لانسينج لمولد دميانة حدثت خلال الحرب الأهلية الأمريكية والتي كان تحرير العبيد أحد أسبابها الرئيسية.
يرثي لانسينج لحال ثلاث فتيات أفريقيات كان تاجر العبيد بجانبه يحاول بيعهن. وسجل كيف تعرضت إحداهن لمضايقات مقززة من شيخ مسلم مسنٍّ أثناء قيامه بتفحُّص جسدها لغرض الشراء. والغريب أن الرجل الذي تفحص جسد الفتاة البائسة دون حياء سأل تاجر الرقيق هل هذه الفتاة متدينة وتصلي أم لا؟ وقد أكد التاجر له أنها تقيم الفروض بانتظام. إلا أن الصفقة انتهت بالفشل وذهب المشتري دون شراء.[32] مرة أخرى، يترك لانسينج دعوةً مفتوحةً لقُرَّائه للتفكير في التناقضات الأخلاقية للمجتمع المصري في ذلك الوقت دون إدانتها صراحة.
بالإضافة إلى خيمة تجارة الرقيق في مولد ستنا دميانة، كان هناك الكثير من الخيام التي تبيع النبيذ المصري المحلي المسمى عَرَق.[33] كان الانغماس في شرب الخمر بكثرة عادةً أخرى شائعة في المجتمع المصري مارسها الأساقفةُ والكهنةُ الأقباط أنفسهم. بحسب رواية لانسينج كان معظم الرجال ينامون نهارًا في الخيام ويستيقظون ليلًا للأكل وشرب الخمر. يسجل لانسينج سلوك الأقباط في خيام المولد ليلًا:
لقد ألمحت بالفعل إلى أن كوكب الزهرة ربما لا يكون المفضل لدى ستنا دميانة… لكن في الواقع، لا بد أن باخوس [إله الخمر في الميثولوجيا اليونانية] كان صهرًا لها، أو أحد أقاربها الآخرين الأقربين، لأنني في كل مكان أقمت فيه في الشرق لم أرَ هذ الكم من شرب الخمور كما كان خلال تلك الأيام القليلة.[34]
ما يقوله لانسينج هنا يتفق مع العديد من الشهود الأقباط الآخرين الذين انتقدوا الأقباط بسبب نفس العادات خلال احتفالاتهم الدينية في الموالد.[35] اتخذ المُرسلون الأمريكيون في مصر موقفًا متحفظًا للغاية ضد شرب الخمر ونقلوه إلى البروتستانت المصريين. لذلك كان التحول إلى البروتستانتية تحولًا مصحوبًا بتغيير كامل في نمط الحياة والسلوك.
حتى الآن، لا يزال لانسينج ضيفًا سلبيًّا في المولد، يسجل ملاحظاته ومحاوراته مع الأقباط في الخيمة التي يبيع فيها الكتب في المولد. ومع ذلك، عندما يصل الصدامُ مع الثقافة الأصلية إلى ذروته، اختار أن يتصرف بشكل مختلف تمامًا عن المَلِك في قصة جبران.
كانت هناك غرفة صغيرة منخفضة المستوى في الدير بها فتحة في السقف حيث ظهرت انعكاسات أجساد المارة خارج الغرفة على الجدار المقابل للفتحة. احتفل الأقباط المتعطشون لظواهر خارقة للطبيعة بهذه الظاهرة احتفالًا هستيريًّا باعتبارها ظهورًا للقديسين وبركات لستنا دميانة. يصف لانسينج سلوك الأقباط المتحمسين الذين احتشدوا في هذه الغرفة بالعشرات. بمجرد أن رأوا ظلًّا يسير عبر الحائط، كانوا يهتفون ويصلون للقديسين. ويسجل لانسينج الكثير من التفاصيل التي كانت تحدث في هذه الغرفة كالزحام، ورائحة العرق التي لا تُطاق. وكيف اجتمع المصلون صارخين حول سيدة مسكينة لإخراج الشيطان منها ويكتب معلقًا أنها سوف تتحول إلى أردأ بعد أن مرت بهذه الخبرة.
التزم لانسينج الصمت، وهو يشاهد هذا الاحتفال الوثنيَّ لأيام. ومع ذلك، في النهاية، لم يتمكن من الصمت. يقول مؤرخٌ آخر من تلك الحقبة إن بعض الأجانب زاروا هذه الغرفة من قبل وعرفوا التفسير العلمي للظاهرة؛ لكنهم كانوا يخشون إخبار الأقباط المتحمسين بحقيقتها.[36] بسبب صداقته مع رئيس الدير، طلب لانسينج منه سد الفتحة الموجودة في سقف تلك الغرفة. رفض رئيس الدير في البداية. ومع ذلك، أقنعه لانسينج أنه إذا كانت هذه ظهورات فعلية للقديسين، فستستمر بعد إغلاق الفتحة. قَبِل رئيسُ الدير التحديَ. كان رأي عوض أن يؤجِّل لانسينج هذه المواجهة حتى اليوم الأخير حتى يتمكنوا من بيع أكبر كمية ممكنة من الكتب. إلا أن لانسينج، الذي لم يستطع تحمُّل العيش في هذا الجو أكثر من ذلك خاصةً مع الحر الشديد بالنهار والبرد الشديد بالليل، قرر المغادرة مبكرًا وأن يهدم المعبد قبل مغادرته. بعد الاتفاق مع رئيس الدير على سد الحفرة ليلا، غادر في الصباح الباكر واختفت الظهورات الوهمية بعد مغادرته بالطبع. كما هو مُتوقَّع، لم يبع عوض أي كتاب في ذلك اليوم. لذلك أغلق دكانه وتوجه إلى البابا شخصيًّا الذي كان قد وصل بالفعل إلى الدير. سأل عوض بشجاعة البابا لماذا منع الناس من شراء الكتب منه. وأكد له البابا أنه لم يفعل ذلك. وذهب معه البابا بنفسه لشراء كتب من دكانه. بمجرد أن رآه الناس يفعل ذلك، احتشدوا على عوض واشتروا الكتب.
بينما كان يغادر الدير، قال لانسينج هذه الكلمات لنفسه عن رئيس الدير الذي جاء لتوديعه:
التفتُّ إليه، متعهدًا في قلبي بالانتقام من سته دميانة وأن أنفذ ذلك بأفضل طريقة سواء عن طريق الكتابة والنشر لكشف النقاب عن هذه الخرافة، أو عن طريق ترتيب إحدى الغرف المظلمة في مقر إرساليتنا في القاهرة لتقوم بعمل ظاهرة الكاميرا، ودعوة الحجاج الأقباط لها، عند عودتهم عن طريق القاهرة، للصعود ومشاهدة معجزات غير عادية أكثر من تلك التي ذهبوا لرؤيتها في مولد ستنا دميانة.[37]
لماذا فكر لانسينج في الانتقام؟ لماذا لم ينشر انتقامه بالعربية حتى يصل إلى وجهته المقصودة؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى مزيدٍ من البحث. لكن كل أعمال الإرسالية الأمريكية في مصر كانت انتقاميةً من كل الظواهر السلبية التي وردت في تجربة زيارة المولد. قاتلت الإرسالية الأمريكية من أجل تمكين المرأة وتعليمها، وتحرير العبيد، وتحرير الأقباط من الخرافات عن طريق التعليم وإنشاء المدارس، وتحرير المؤمنين من السلوك غير الأخلاقي. علاوة على ذلك، فجوهر الفكر البروتستانتي هو تحرير الكنيسة من نظام الكهنوت الفردي إلى إعلان كهنوت جميع المؤمنين.
لكن السؤال الآن هل اجتاز لانسينج امتحان السياقية بنجاح؟ لقد ذهب إلى المولد مع الناس وعاش في خيامهم. كما كان قد تعلم مع زملائه اللغة العربية، وأتقنوها وغمسوا أنفسهم في الثقافة المصرية العربية حتى هامة الرأس. قاموا بترجمة الكتاب المقدس بسرعة. بالإضافة إلى ذلك، توضح القصة السابقة اعتماد لانسينج على شريكه المصري مما يعكس فلسفة تمكين المحليين التي تبنتها الإرسالية الأمريكية مع الكنيسة الوليدة منذ عهد مبكر جدًّا. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن لانسينج في نقده للخرافات التي يتبناها الأقباط لا ينتقد الثقافة القبطية نفسها ولا يقلل من شأنها. كان المُرسلون في مصر أبرياء من وصفهم بأنهم متعالون عرقيًّا أو ثقافيًّا. بالإضافة إلى ذلك، يشير عنوان كتابه الذي سجل فيه خبرته كمرسل في مصر، أمراء مصر، إلى مدى احترامه للبلد الذي كرَّس حياته لخدمته. ويؤكد في تفسيره لعنوان الكتاب في المقدمة هذه الحقيقة. حيث يقتبس مزمور 68: 31 للدلالة على بركة الله وتشريفه لمصر والسودان.[38]
لكن احترام الثقافة شيء وتجاهل انحرافها شيء آخر. في هذه الحالة، واجه لانسينج ما يمكن تسميته “التوفيقية المركَّبة بين المعتقدات.” كما يشير مايكل كوبر.[39] يعطي كوبر العديد من الأمثلة على التوفيقية بين المعتقدات كما لوكان يشرح ما واجهه لانسينج؛ إذ يعرف التوفيقية على أنها إحياء للعناصر الوثنية داخل الممارسات المسيحية مثل تحويل الاحتفال بالآلهة إلى احتفال بالقديسين، تضخيم قوة الكهنوت، والجمع بين السلطة الدينية والسياسية. وكل ذلك للأسف التقى في الثقافة المصرية التي اصطدم بها لانسينج. من الجدير بالذكر أن لانسينج يؤكد أنه قرأ التاريخ القبطي جيدًا ولم يعثر على أية إشارة لوجود قديسة قبطية اسمها دميانة، ويرجِّح أن الاحتفال كان للإلهة ديانا نفسها. ويستند لانسينج إلى إحدى الوثائق اليونانية للمؤرخ اليوناني هيرودوت الذي زار مصر وسجل أنه كان هناك معبد للإلهة ديانا في وسط الدلتا بالقرب من دير القديسة دميانة الحالي، كما ينقل عن هيرودوت أنه كان هناك احتفال سنوي يُعقد للإلهة ديانا في وسط الدلتا تُشرَب فيه الخمور بكثرة. من ثم يضع لانسينج افتراضًا معقولًا أن الاحتفال بالقديسة دميانة كان نفس الاحتفال بديانا بعد إعطائه صبغة مسيحية.[40]
إعادة النظر في المفاهيم
بعد إجراء مقابلات مع التعريفات النظرية للسياقية والتوفيقية مع تلك الخبرة العملية من التاريخ المصري الحديث، ستحاول هذه الورقة الآن وضع معايير التمييز بين السياقية والتوفيقية.
أولًا، السياقية الصحيحة هي تقديم الإنجيل الكامل غير المنقوص. الكتاب المقدس هو الخبر السار عن تجسُّد وموت وقيامة يسوع المسيح. تستخدم معظم المراجع في علم الإرساليات عقيدة التجسد من أجل إثبات أن الرسالة المسيحية يجب أن تكون مفهومة ومقبولة. لكن هذا في الواقع نصف الحقيقة؛ حيث لا يؤدي الإيمان بتجسد الله بالضرورة إلى قبول الرسالة المسيحية، بل بالعكس هي عامل أساسي لرفضها. إن التجسد يجعل الرسالة كاملة الوضوح، لكنه لا يجعلها أكثر قبولًا. إذ تبدو مسألة تجسد الله منافيةً للعقل والمنطق البشري خاصةً في بيئة إسلامية. إن التجسد ليس مقبولًا اليوم أكثر مما كان عليه عندما حدث في التاريخ قبل ألفي عام. يستشهد معظم لاهوتيِّ السياق بما يقوله بولس في كورنثوس الأولى 9: 20 أن بولس صار لليهودي كيهودي ولليوناني كيوناني ويتجاهلون كورنثوس الأولى 1: 23 والتي تُقِرُّ بأن الإنجيل عثرة لليهود وجهالة لليونانيين. إنَّ تجسُّدَ الله وجوهر رسالة الإنجيل هو بشرى سارة وحجَر عثرة في آن واحد، ويجب أن نقدمه كما هو. هدف الإرسالية ليس السعي وراء الشعبية والقبول، ولكن لخلاص المؤمنين الحقيقيين. لا يمكننا الهروب من حقيقة أن تقديم ابن الله المتجسد يسبب الخلاص والدينونة معًا.
ثانيًا، بنفس الطريقة الشاملة التي نفهم بها عقيدة التجسد في احتوائها على البشارة والعثرة، يجب أن نفهم الثقافة في ضوء عقيدة الخلق. نعم الثقافة البشرية هي جزء من خليقة الله الصالحة، ولكن هذا نصف الحقيقة. فالثقافة تظل أيضًا منتجًا إنسانيًّا من صنع البشرية الساقطة. لا ينبغي افتراض أن الثقافة البشرية صالحة بشكل مطلق، ولا هي شريرة بشكل مطلق كذلك. إن عقيدة الخليقة تتوجب وضع الثقافة في موضعها الصحيح بين الخلق والسقوط من ثم السعي إلى افتدائها وتجديدها مما لحق بها من انحراف وفساد نتيجة للخطية. باختصار يجب أن تأخذ السياقيةُ في اعتبارها الخلقَ والسقوطَ، ومن ثم رجاءَ الفداء. لذلك لا يمكن للثقافة أن تكون نقطة البداية في صياغة اللاهوت؛ فهي ليست معصومة. بينما اللاهوت يجب أن يُبنَى على كلمة الله في المقام الأول باعتبارها وحدها الأساس المعصوم للإيمان والأعمال.
ثالثًا، الميل لصياغة لاهوت عالمي يخلو من النزعة الاستعمارية الغربية لا يجب أن ينتهي بتمجيد الثقافات المحلية لشعوب العالم النامي في المقابل. إن معالجة ظاهرة تمجيد الثقافة الغربية لن يأتي بتمجيد الثقافات غير الغربية والدفاع عنها كضحية بريئة للنزعة الاستعمارية في كل وقت. لكل الثقافات إيجابياتها وسلبياتها. وهي تتساوى جميعها في حاجتها للفداء والتصحيح.
ليس من العدل أن تتُّهَم كل أجزاء الثقافة الغربية بالنزعة الاستعمارية الإمبريالية والنظرة الفوقية لباقي الثقافات. يرى الباحث أن النزعة الاستعمارية الإقصائية والنظرة الفوقية للآخر هي متجذرة في مختلف الثقافات البشرية بصورة عامة وليست فقط في الغرب؛ حيث ينظر البشر بصورة عامة لثقافتهم على أنها أفضل من الثقافات الأخرى. بالإضافة لهذا، كما تظهر الحالة المصرية، فإن إنكار الإنجازات البارزة للمُرسلين الغربيين في تحرير المجتمعات والثقافات وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية في العديد من أماكن العالم هو أمر يشوبه سوء التقدير.
ثالثًا، ستنزلق الكنيسة إلى التوفيقية بين المعتقدات إذا سادت النزعة السياقية على الاتجاه النبويّ. يقدم بروس فليمينج وجهة النظر هذه بشكلٍ صحيحٍ. حيث يفيد أنَّ هناك ظواهرَ ثقافيَّةً غير أخلاقيَّةٍ يجب إدانتها بحسمٍ، خاصةً تلك الممارسات القمعية بحق بعض الأفراد خاصة المرأة.[41] يتفق ما فعله لانسينج في دراسة الحالة مع ما يعلمه فليمنغ. فلم يكن من المتوقَّع أن يجري لانسينج بحثًا مطولًا عما إذا كانت الظواهر التي واجهها في مولد ستِّنا دميانة صوابًا أم خطأً، كما لم يمكن لومه بحجة أنه ينظر نظرةً متدنيةً لثقافة الأقباط في ذلك الوقت.
رابعًا، يفترض الدور النبوي القدرة على الوصول إلى الحق في الإيمان والأخلاق معًا. الشبح الثاني الذي يهدد السياقية هو النسبية الأخلاقية. يجب أن نكون حذرين عندما نروِّج لفكرة الأخلاق السياقيَّة لأنها قد تؤدي إلى الانزلاق إلى النسبية الأخلاقية لقيمة الحق. يؤكد هيبرت أن فهمنا للكتاب المقدس محدودٌ، وهذا صحيحٌ.[42] علاوة على ذلك، يؤكد أن السياق يلعب أيضًا دورًا أساسيًّا في تشكيل كيفية تقييمنا للأشياء. ومع ذلك يجب أن نؤمن بأن الوصول إلى حقيقةٍ متماسكةٍ أمرٌ ممكنٌ إذا اتَّبعنا بأمانةٍ صوتَ الروح القدس والمسيح الحاضر دائمًا وسط الكنيسة ليفحصها. خلاف ذلك، قد تغرينا الأخلاق السياقية بفقدان القدرة على تمييز الحق.
يجب إعطاء الأولوية للنصِّ، وليس السياق كمعيار لمعرفة الحق. مثل هيبيرت يتبنَّى مورو فكرة الأخلاق السياقيَّة. يجادل بأن الوصايا العشر والقاعدة الذهبية للمعاملات يجب اعتبارها أخلاقيةً وليس عقائديَّةً.[43] هذه الورقة تجادل بأن الفصل بين الاثنين أمر مستحيل؛ حيث يستلزم تطبيق الوصية كأخلاق الإيمان بها أولا كعقيدة. إن نفي الجانب العقائدي للوصايا سيؤدي إلى نسبية أخلاقية عائمة بالكامل.
خاتمة
حاولت هذه الورقةُ فهم العلاقة والتمييز بين السياقية بمعناها الإيجابي والتوفيقة بين المعتقدات بمعناها السلبي. حيث إن تقديم الإنجيل في ثوب مقبول ومتجسِّد ثقافيًّا لا يعني على الإطلاق خلط الإنجيل بعناصر الثقافة البشرية كما أنه لا يعد بجعل رسالة الإنجيل أكثر قبولًا لدى الآخرين. من خلال الحوار بين مناقشة علم الإرساليات لمفهومي السياقية والتوفيقية وبين الخبرة العملية لمُرسَل أمريكيٍّ في مصر في القرن التاسع عشر جادلت هذه الورقة بأن السياقية الصحيحة تتطلب تقديم الإنجيل كاملًا وأن تقوم الكنيسة بدورها النبوي بأمانة. ولكن في النهاية تجد هذه الورقة أن هناك العديد من الأسئلة الأخرى بحاجة إلى البحث.
لقد جاءت فكرة السياقية من الرغبة إلى جعل رسالة مفهومة ومقبولة. ومع ذلك، لماذا ينتشر الإسلام على سبيل المثال بين غير العرب أكثر من العرب أنفسهم، على الرغم من أن الإسلام لا يهتم كثيرًا بمفهوم السياقية أو قابلية الترجمة؟ فالمسلمون في كل اللغات والثقافات عليهم استخدام اللغة العربية في الصلاة. إن رسالة الإنجيل تتحدى العقل البشري والطبيعة البشرية وسيظل الإنجيل رغم كل اجتهاد في تقديمه واضحًا جدًّا للذين يقبلونه وغامضًا جدًّا لأولئك الذين لا يقبلونه سيظل رسالة حياة وموت. السؤال الصعب الآخر هو كيف يمكن لكل كنيسة أن تكتشف ميلها إلى التوفيقية بين المعتقدات؟ بأكثر جرأة كيف يمكن للكنيسة اليوم أن تكتشف العناصر الوثنية التي تسللت إليها في الممارسات والأفكار وتعيد تصحيح ذاتها؟ والمطلوب هنا أن تقوم كل كنيسة وكل فرد بفحص ذاته خضوعًا للكلمة المتجسد والكلمة المكتوبة وعمل الروح القدس وليس إدانة الآخرين.
المراجع
Primary Historical Resources
Lansing, Gulian. Egypt’s Princes: A Narrative of Missionary Labor in the Valley of the Nile. New York: Robert Carter and Bros, 1865.
____. “A Visit to The Convent of Sittna (Our Lady), Damiana.” Harper’s New Monthly
Magazine. (May 1864) 757:747.
Watson, Andrew. The American Mission in Egypt 1854;1896. Pittsburgh: United Presbyterian Board of Publication, 1898.
Missiological Resources
Cooper, Michael T. “Post-Christian Missions: Lessons from the Resurgence of Paganism.” In Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents. Ed Van Rheenen, Gailyn, 179-203. Pasadena, CA: William Carey Library, 2006.
Engle, Richard W. “Contextualization in missions: A Biblical and Theological Appraisal.” Grace Theological Journal 4, no. 1 (1983): 85-107.
Fleming, Bruce C. E. Contextualization of Theology: An Evangelical Assessment. CA: William Carey Library, 1980.
Gilliland, Dean S. The Word among Us: Contextualizing Theology for Mission Today. Dallas: Word Pub, 1989.
Hesselgrave, David J. “Syncretism: Mission and Missionary Induced.” In Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents. Ed Van Rheenen, Gailyn, 71-98. Pasadena, CA: William Carey Library, 2006.
Hiebert, Paul G. Anthropological Insights for Missionaries. Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1985.
____. “Syncretism and Social Paradigm,” in Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents. Ed Van Rheenen, Gailyn, 31-46. Pasadena, CA: William Carey Library, 2006.
Moreau, A. Scott. Contextualizing Faith: A Holistic Approach. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2018.
____. “Contextualization, Syncretism and Spiritual Warfare: Identifying the Issues.” In Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents. Ed Van Rheenen, Gailyn, 47-67. Pasadena, CA: William Carey Library, 2006.
Nicholls, Bruce J. Contextualization: A Theology of Gospel and Culture. Outreach and Identity, No. 3. Illinois: Intervarsity, 1979.
Russell, William P. Contextualization: Origins, Meaning and Implications. Rome: Pontificia, 1995.
Van Rheenen, Gailyn. Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents. Evangelical Missiological Society Series, No. 13. Pasadena, CA: William Carey Library, 2006.
Historical Resources
Armanios, Feb. Coptic Christianity in Ottoman Egypt. Oxford: Oxford University Press, 2011.
Arabic Resources
تادرس، رمزي. الأقباط في القرن العشرين الجزء الأول. القاهرة: جريدة مصر، 1910.
ويصا، حنا فهمي. أسيوط: حدوتة عائلة مصرية. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 1996.
[1] Kahlil Gibran, The Mad Man: His Parables and His Poems, The Madman by Kahlil Gibran (gutenberg.net.au) Accessed on June 1, 2022.
[2] غلا 1: 6-7
[3] William P. Russell, Contextualization: Origins, Meaning and Implications (Rome: Pontificia, 1995), 9.
[4] Bruce J, Nicholls, Contextualization: A Theology of Gospel and Culture. Outreach and Identity, Vol 3 (Illinois: Intervarsity Press, 1979), 21.
[5] Nicholls, Contextualization: A Theology of Gospel and Culture, 21.
[6] Dean S. Gilliland, The Word among Us: Contextualizing Theology for Mission Today (Dallas: Word Pub, 1989), 13.
[7] Paul G. Hiebert, Anthropological Insights for Missionaries (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1985), 186.
[8] A. Scott. Moreau, Contextualizing the Faith: A Holistic Approach (Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2018), 2.
[9] Bruce J, Nicholls, Contextualization: A Theology of Gospel and Culture. Outreach and Identity, No.3 (Illinois: Intervarsity, 1979), 21.
[10] Gilliland, The Word among Us: Contextualizing Theology for Mission Today, 10.
[11] Bruce C. E, Fleming, Contextualization of Theology: An Evangelical Assessment (CA: William Carey Library, 1980), 7.
[12] A. Scott. Moreau, Contextualizing the Faith: A Holistic Approach (Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2018), 5-10.
[13] Richard W. Engle, “Contextualization in missions: A Biblical and Theological Appraisal,” Grace Theological Journal 4, no. 1 (1983), 102.
[14] Bruce C. E, Fleming, Contextualization of Theology: An Evangelical Assessment, 59.
[15] Gilliland, The Word among Us: Contextualizing Theology for Mission Today, 10-11
[16] Paul G. Hiebert, “Syncretism and Social Paradigm,” in Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents, Gailyn, Ed Van Rheenen (Pasadena, CA: William Carey Library, 2006), 41.
[17] Paul G. Hiebert, “Syncretism and Social Paradigm,” 33-35.
[18] Gilliland, The Word among Us: Contextualizing Theology for Mission Today, 15-16.
[19] Paul G. Hiebert, “Syncretism and Social Paradigm,” 41
[20] A. Scott Moreau, “Contextualization, Syncretism and Spiritual Warfare: Identifying the Issues,” in Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents, Gailyn, Ed Van Rheenen (Pasadena, CA: William Carey Library, 2006), 48.
[21] A. Scott Moreau, “Contextualization, Syncretism and Spiritual Warfare: Identifying the Issues,”
[22] Andrew Watson, D. D, The American Mission in Egypt 1854;1896 (Pittsburgh: United Presbyterian Board of Publication, (1898), 399.
[23] Watson wrote the previously cited book, and Julian Lansing, Egypt’s Princes: A Narrative of Missionary Labor in the Valley of the Nile (New York: Robert Carter and Bros, 1865).
[24] Watson, D. D, The American Mission in Egypt, 157-58
[25] Lansing, Egypt’s Princes: A Narrative of Missionary Labor in the Valley of the Nile (New York: Robert Carter and Bros, 1865), 377-78.
[26] The patriarch number 111 of the Coptic Orthodox church. See. البابا ديمتريوس الثاني – البطريرك رقم 111 | St-Takla.org.
[27] Lansing, Egypt’s Princes, 388-89.
[28] Andrew Watson, D. D, The American Mission in Egypt 1854;1896 (Pittsburgh: United Presbyterian Board of Publication, (1898), 150
[29] Gulian Lansing, Egypt’s Princes: A Narrative of Missionary Labor in the Valley of the Nile (New York: Robert Carter and Bros, 1865). 391
[30] Lansing, Egypt’s Princess. 398.
[31] Ḥana Fahmī Wiṣā, Asiout: Ḥadotat ʿAelā Miṣryah [Asyut: A story of an Egyptian Family] (Maktabat alʾAskandariah, 1996), 133.
[32] Lansing, “A Visit to the Convent of Sittna (Our Lady), Damiana,” Harper’s New Monthly Magazine. (May 1864) 757:747. https://harpers.org/archive/1864/05/a-visit-to-the-convent-of-sittna-our-lady-damiane/ accessed on March 3, 2021.761.
[33] Lansing, “A Visit to The Convent of Sittna (Our Lady), Damiana,” 765
[34] Lansing, Egypt’s Princes, 401.
[35] رمزي تادرس، الأقباط في مصر في القرن العشرين ج 1 (القاهرة: جريدة مصر، 1910)، 76.
[36] Febe Armanios, Coptic Christianity in Ottoman Egypt (Oxford: Oxford University Press, 2011), 85.
[37] Lansing, Egypt’s Princess, 405.
[38] Lansing, Egypt’s Princess, 6.
[39] Michael T, Cooper, “Post-Christian Missions: Lessons from the Resurgence of Paganism,” in Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents, Gailyn, Ed Van Rheenen (Pasadena, CA: William Carey Library, 2006), 185-190
[40] Lansing, “A Visit to the Convent of Sittna (Our Lady), Damiana, 776.
[41] Bruce C. E, Fleming, Contextualization of Theology: An Evangelical Assessment (CA: William Carey Library, 1980), 70.
[42] Paul G. Hiebert, “Syncretism and Social Paradigm,” in Contextualization and Syncretism: Navigating Cultural Currents, Gailyn, Ed Van Rheenen (Pasadena, CA: William Carey Library, 2006), 40
[43] A. Scott. Moreau, Contextualizing the Faith: A Holistic Approach (Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2018), 7.
اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح
نعرض في هذه الورقة النظرةَ التاريخيَّةَ لخدمة ودور المرأة في الخدمة الدينيَّة في الكنيسةِ الإنجيليَّةِ بمصر من خلال الثورات المصريَّة وعلاقتها بقضية المرأة المصريَّة المسيحيَّة في الكنيسة الإنجيليَّة لنحاول أنْ نجيبَ على السؤال المهم: هل مِنْ علاقةٍ بين قضيَّة المرأة وقضيَّة الوطن؟ وهل مِنْ علاقة بين تحرير المرأة وتحرير الوطن؟ لماذا تُثار قضيَّةُ المرأة داخل الكنيسة بعد الثورات المصريَّة؟ هل استجابت الكنيسةُ عبر تاريخها للحراك الوطنيِّ الثوريِّ؟ كيف نستفيد مِنْ هذا السرد التاريخيِّ هنا والآن؟
في كتاب صدر عن دار نشر جامعة برنستون عام 2008م باللغة الإنجليزية لهارتي شاركي Heather J. Sharkey وعنوانه American Evangelicals in Egypt: Missionary Encounters in an Age of Empire عن الإنجيليّين الأمريكان في مصر: الإرساليّة تواجه في عصر الإمبراطوريّة. يُسَجِّل هذا الكتاب عمل الإرساليَّة الأمريكيَّة في مصر والفلسفة التي كانت تتحرَّك بها، ومن خلالها، فتذكر شاركي Sharkey أنَّ:
“الأمريكان في مصر كان لهم فكرتان واضحتان عن كيف تعمل الكنيسةُ، وهذا يعكس إحساسهم الإنجيليَّ المشيخيَّ: الفكرة الأولى وهي أنَّ الكتاب المقدَّس مثل الصلاة والعبادة لا بد وأن يُقَدَّم باللغة التي يفهمها الشعب، وبالتالي ينبغي أنْ تكون اللغة العربيّة هي لغة الكتاب المقدَّس، والصلاة، والعبادة في مصر، مثل اللغة الإنجليزيّة التي هي لغة أساسيّة في الولايات المتحدة. وبالتالي الليتورجيّة القبطيّة لم تكن في برنامجهم أو مخططهم. الفكرة الثانية هي أنَّ الأمريكان آمنوا بأنَّ الأعضاء في الكنيسة لا بد وأن يلعبوا دورًا أساسيًّا في إدارة الكنيسة، العلمانيُّون وليس فقط رجال الدين (القسوس) لا بد وأن يتخذوا القرارات الكنسيَّة في الاجتماعات المحليّة، وعلى المستوى الأوسع في المنطقة (المجمع)، وعلى المستوى العام في (السنودس) بواسطة الإجماع في الرأي أو التصويت… النظام المشيخيّ يُدار بواسطة الشيوخ” (Sharkey, 35).
هذه كانت الفلسفة التي حكمت الكنيسة في مهدها الأول في مصر وشكَّلت فكرَها في التواصل مع الناس باللغة المفهومة ومشاركة الشعب في اتخاذ قراراته دون تمييز.
وقبل أنْ تأتي الكنيسة الإنجيليّة بمصر كان وضع المرأة صعبًا، ولعلَّ ما وصفه لويس بونابارت في رسالته لأخيه جوزيف بونابرت في 6 يوليو 1798م يجسِّد حالة المرأة، ويقول: “ونساؤهم بصفةٍ خاصة يلتحفنَ بملاءةٍ تحيط بهنَّ وتغطي الرأسَ حتى الحواجب. وملاءة النّساء البسطاء تغطي الرؤية من الأمام ولا تترك سوى فتحة للعينين. وأي انحراف بالملائة يثير لديهنَّ الانزعاج” (شرارة، 39).
هذا الوصفُ عن مستوى الشكل -المرأة مغطَّاة- وعلى المستوى الاجتماعيّ لا نصيب لها في التعليم. وكانت الحملة الفرنسية أول احتكاك بين الغرب والشرق بعد الحملات الصليبيّة، واسمها الصحيح حسب المؤرخين العرب (حملات الفرنجة)، والتي من خلالها أتاحت أنْ تنفتح أعينُ المصريِّين على فكر وأدوات الحداثة مثل المطبعة والأسلوب المختلف في التفكير والحياة، وبالتالي، كانت هناك رغبة في التطوير والتعليم قادها محمد علي وأسرته في مصر من بعده.
ساهم المسيحيُّون في مصر لمسايرة ركب الحداثة فأنشأ البابا كيرلس الرابع 1816-1861م (البابا 110) الذي سُمَّيَ بأبي الإصلاح القبطيّ مدارس للبنات في الوقت الذي أنشأت فيه الإرساليّات مدارس خاصة أيضًا للبنات، وسارت أيضًا الإرساليات الكاثوليكيّة في هذا الركب. كان الهدف هو التعليم الذي يحرّر الإنسان ولا سيما المرأة من عصر التخلف والجهل التي ظلت فيه أمينةً ووفيةً لممارسة العرف الاجتماعيّ والثقافيّ المبني على عادات وتقاليد من جيل إلى جيل. ومن المواقف المؤثرة في تاريخ الفكر العربيّ هو موقف الجيل الأول من الإنجيليين في مصر والشرق الأوسط، فنستمع إلى كلمات واطسن في تبنِّيه لقضية المرأة، إذ يقول: “إنَّ النّساء لم يُخلَقْن فقط للجنس”، كما طالب بحق التعليم للجميع. (زكي، مارس أبريل 2010م، 8).
ومن المواقف المشرفة أيضًا هو موقف المعلم بُطرس البستانيّ، يقول في هذا الصدد وحيد عبد المجيد: “وربما كان بُطرس البستانيّ، الذي حمل لقب المعلِّم عن حق، هو أول مَن تبنى موقفًا قويًّا في صفِّ المرأة قبل قاسم أمين، ولم يكتفِ بالتعبير عن رأيه في ضرورة تحريرها، وإنَّما شنَّ هجومًا شديدًا على من يعتبرونها إنسانًا من درجة تانية، ويصرون على إبقائها في حالة جهلٍ وعبوديّةٍ، وكشف زَيْفَ تستُّرهم بالدين لتحقيق هذا الغرض؛ لأنهم ينزلون بها منزلتها المعيَّنة من خالق الكون، ويختلسون منها حقَّها -على حد تعبيره- كما نبَّه إلى أنَّ المرأة لم تُخلَق لتكون أداة للزينة تُحفَظ في البيت، داعيًا إلى أن تكون عضوًا يليق بجماعة متمدنة. وكان المعلم بُطرس البستانيّ هو أول من ربط تقدُّم المجتمع بتحرير المرأة ارتباط الشارط والمشروط خصوصًا من زاوية انتشار العلم الذي اعتبره روَّادُ النهضة أحد مقومات التقدُّم وجادل بأنه لا يمكن أن ينتشر العلم في أوساط الرجال إذا حُجِبَ عن النّساء” (عبد المجيد، 10).
كان القرن التاسع عشر هو بمثابة اليقظة الفكريّة واللاهوتيّة في العالم العربيّ، رصدها جورج طناس في كتابه المهم والقيّم “اليقظة العربيّة”، والركن المهم من خلال تفاعل الإرساليّات مع المجمتع والكنيسة، وزيادة القوميّة أيضًا، وقد لعبت فيه الكنيسةُ الإنجيليَّةُ دورًا مهمًّا في تاريخ النهضة والتنوير في مصر والعالم العربيِّ، هذا الدور لا يمكن إنكاره من خلال المناداة بالتعليم والمساواة بين الرجل والمرأة. وقبل أنْ ينتهي القرنُ التاسع عشر كان قاسم أمين (1865-1908م) قد كَتَبَ “تحرير المرأة” 1899م، وكتب في بداية القرن العشرين “المرأة الجديدة” 1901م.
ويرصد جابر عصفور هذه الفترة فيقول: “في سياقٍ من صعودِ وعيٍ نسائيٍّ، وجد ما يدعمه في الانتشار النسبيّ للتعليم المدنيِّ للمرأة. وذلك هو التعليم الذي استهَلَّه علي مبارك (1823-1893م) في مصر، حكوميًّا، حين فرغ من إنشاء المدرسة السّنيَّة سنة 1873م، تحت رعاية الخديوي إسماعيل، وتنفيذًا لأوامره التي أصدرها إليه في السادس من مايو 1896م. وكان ذلك بعد بدايات أهلية قامت فيها الجاليات الأجنبيّة بالدور الأكبر، ابتداءً من إنشاء مدرسة راهبات الراعي الصالح في شبرا سنة 1844م، ثم مدرسة الأمريكان للبنات بالأزبكيّة 1856م، ثم مدرسة راهبات الفرنسيسكان الإيطالية سنة 1859م، ولم تكن هناك مدرسة أميريّة للبنات في مصر قبل المدرسة السَّنية سوى مدرسة القوابل التي أنشأها محمد علي (1793-1849م) سنة 1831 بعشر جوارٍ سودانيَّاتٍ صغيرات السن انتخبهن كلوت بك (1793- 1868م) لفن الولادة، ومعهن اثنان من أغوات الحريم لتعلّم الطب والجراحة النسائيّة. وكان ذلك بعد أربع سنوات من إنشاء محمد علي سنة 1827م المدرسة الطبيّة التي أدارها كلوت بك.” (عصفور، 151-152).
كانت هذه مقدمةً واجبةً مُختَصَرةً قد لا تفي الغرض، ولكن هي فتح لكي نصل إلى وضع المرأة ولا سيما في الخدمة الدينيَّة، وسوف نناقش الأمر عن علاقة المرأة الإنجيليَّة بالخدمة الدينيَّة والعمل العام بعد خمس ثورات مرّت بتاريخ مصر المعاصر وهي 9 سبتمبر 19881م، ثورة 20 مارس 1919م، وثورة 23 يوليو 1952م، وثورة 25 يناير 2011م، و30 يونيو 2013م. الصورة التي نعرض لها هي كيف كان وضع الكنيسة ناحية المرأة المصرية ارتباطًا بهذه الثورات التي حدثت في مصر؟
أولاً: الثورة العرابيَّة 9 سبتمبر 1881م والموجة الأولى لبذور الكرامة والاستقلال الوطنيّ
ظهرت بوادر الثورة في فبراير1881 إثر سجن أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي، وقد قام الجيشُ بها أولًا لتنفيذ مطالبه وهي عزل وزير الحربية عثمان رفقي؛ والذي ظلم الضباط المصريّين، ونتج عنها: موافقة الخديوي وهو مرغم على عزل عثمان رفقي وتعيين محمود سامي البارودي بدلًا منه. ارتفاع شأن عرابي كزعيم وطني يمكن الاعتماد عليه في تحقيق طلبات الشعب في الحرية والتحرر من النفوذ الأجنبيّ.
وفي 9 سبتمبر 1881 اندلعت الثورة العرابيَّة. وهذا المرة لم تكن في نطاق عسكريٍّ فقط بل شملت أيضًا المدنيين من جميع فئات الشعب، وكانت بسبب سوء الأحوال الاقتصاديّة، والتدخل الأجنبيّ في شؤون مصر، ومعاملة رياض باشا القاسية للمصريين، ونمو الوعي القوميّ. وشارك الشعب المصريّ بكامل طوائفه مع الجيش بقيادة عرابي الذي أعلن مطالب الشعب للخديوي توفيق وكانت: زيادة عدد الجيش إلى 18000 جندي. تشكيل مجلس شورى النواب على النسق الأوروبي. عزل وزارة رياض باشا.
الملمح الأول: بذور الوعي الوطني وفكر الاستقلال والحرية
والحوار الذي تمَّ بين الخديوي توفيق وأحمد عرابي هو النواة الحقيقيّة للحرية والاستقلال في التاريخ المصريّ المعاصر؛ فقال الخديوي: “كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا”. إلا أنَّ عرابي قال: “لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا فوالله الذي لا إله إلا هو لن نُورَّث ولن نُستَعبَد بعد اليوم”.
استجاب الخديوي لمطالب الأمة، وعَزَل رياض باشا من رئاسة الوزارة، وعهد إلى شريف باشا بتشكيل الوزارة، وكان رجلا كريمًا مشهودًا له بالوطنيَّة والاستقامة، فألَّف وزارته في (19 شوال 1298 هـ = 14 سبتمبر 1881م)، وكان محمود سامى البارودي وزيرًا للحربيّة بها، وسعى لوضع دستور للبلاد، ونجح في الانتهاء منه وعرضه على مجلس النواب الذي أقر معظم مواده، ثم عصف بهذا الجهد تدخُّل إنجلترا وفرنسا في شؤون البلاد بإرسال المذكرة المشتركة الأولى في 7 يناير 1882 والتي أعلنتا فيها مساندتهما للخديو، وتأزمت الأمور، وتقدم “شريف باشا” باستقالته في (2 ربيع الآخر 1299هـ = 2 فبراير 1882م) بسبب قبول الخديوي تلك المذكرة.
وتشكلت حكومة جديدة برئاسة محمود سامي البارودي، وشغل عرابي فيها منصب وزير الحربية، وقوبلت وزارة البارودي بالارتياح والقبول من مختلف الدوائر العسكريّة والمدنيّة؛ لأنها كانت تحقيقًا لرغبة الأمة، ومعقد الآمال، وكانت عند حسن الظن، فأعلنت الدستور، وصدر المرسوم الخديوي به في (18 ربيع الأول 1299هـ/ 7 فبراير 1882م). وسُمِّيَت هذه الوزارة باسم وزارة الثورة؛ لأنها حقَّقت رضا الشعب والجيش كليهما. (الإنترنت).
الملمح الثاني: موقف الثورة العرابيّة من المرأة المصريّة
وإذا كانت الحركة الديمقراطيّة المصريّة قد وُلدت بميلاد الحزب الوطنيِّ القديم، في تاريخ غير محدَّد بين نهاية 1881 وصيف 1882 فإنَّ برنامج هذا الحزب لم يُشِر إلى أي دور للمرأة؛ لأن أولوياته كانت تنحصر في الحدِّ من استبداد الحاكم وتخليص ثروات البلاد من قبضة الأجانب. ومنذ تلك اللحظة وللحركة الوطنيّة المصريّة مطلبان تتفرع عنهما بقيَّةُ المطالب: الحكم النيابيُّ والاستقلال الوطنيُّ. وإذا كانت الحركة العرابيّة التي فجَّرها الحزب الوطنيُّ القديم هي الجدَّ الأعلى لثورة يوليو، وأحمد عرابي باشا هو الصورة المبكِّرة لجمال عبد الناصر. فقد احتاجت الوطنيَّةُ المصريَّةُ لأكثر من سبعين سنة حتى تعطي المرأةَ الإذنَ بدخول البرلمان. (الغازولي، الإنترنت، 5 أبريل 2012م).
أما بالنسبة لشخصية عرابي فقد كانت له كاريزما خاصة وحضور بين النّساء يقول أسامة الغازولي: “أحمد عرابي باشا كان رجلًا تنجذب إليه النّساء بشكل لا يُصدَّق ويلقين بأنفسهن تحت قدميه. وعندما دخل إلى قاعة المحكمة ليحاكَم بتهمة الخيانة العظمى لأنه تمرد على الخديوي وأراد إسقاط حكمه، هرعت بعضُ نساء الأسرة الخديويَّة إليه ورُحن يلقين عليه الورود. ورغم ذلك لم يخطر بباله ولا ببال قادة الثورة العرابيّة أن يدعو لتحرير المرأة وإعطائها دورًا في الحياة العامة، وقد جاءت الثورة بعد قرار إسماعيل باشا بحظر تعدد الزوجات في الأسرة الحاكمة فطلق زوجاته كلهن إلا واحدة وأعطى كل مطلقة قصرًا يخصها وإيرادًا ماليًّا يليق بمكانتها وكذلك حذا الأمراء حذوه. لكن ذلك لم يكن إلا إيهامًا للأجانب بأن الأسرة الحاكمة تتخلى عن أساليب الحياة الشرقيّة وتنهج نهج الغربيين في حياتهم” (الغازولي، الإنترنت).
الملمح الثاني: موقف الكنيسة
موقف الكنيسة في هذه المرحلة كان موقفًا مغايرًا لموقف المجتمع متجسِّدًا في فكر الثورة العرابيّة الذي همَّش المرأة بالرغم مناداته بالاستقلال. من خلال الفكر المشيخي الذي أشرنا إليه وهو أنَّ القيادة في الكنيسة الإنجيليّة حسب رؤية المرسلين كانت من خلال المؤمنين في الكنيسة ومبدأ كهنوت جميع المؤمنين، ظهرت مجموعةٌ من الشواهد المهمة والتاريخيّة سجّلها دفتر السنودس الذي يمثل حركة الكنيسة الإنجيليّة في مصر وديوان حياتها المعاصرة.
أولاً: جمعيَّة الإناث التبشيريَّة والمعلمة أنيسة موسى
يذكر محضر سنودس يناير 1888م المنعقد في المنيا عن مكتوبِ كاتبةِ جمعيَّة الإناث التبشيريّة بأسيوط: “قُرِئَت عريضة المعلمة أنيسة موسى-كاتبة جمعية الإناث التبشيريّة- فيها تذكر أنَّ الجمعيّة المذكورة قد كرَّست نصف إيرادها السنة الحاضرة لعمل التبشير، وترغب في تسليم ما كرَّسته لأمين صندوق المجمع لجل صرفه في في عمل التبشير بالرجا أن المجمع بقدر الإمكان يخصِّص العطية المذكورة بالعمل بين النّساء.” (زكي، مارس 2007م).
ثانيًا: وردة بشاي والاهتمام بقضية التعليم
وتسجّل دفاتر السنودس أيضًا في فبراير 1890م في سنورس، الفيوم “عريضة الست وردة بشاي تطلب مساعدة المجمع في أجرة منزل بمدينة الفيوم لإدارة مدرسة البنات التب افتتحتْها هي ومديرة التعليم حسب الطريقة الإنجيليَّة، فترجو من المجمع أن يساعدها في أجرة المنزل الذي يُستَعمَل أيضًا للجمعيات الدينيّة.” (زكي، مارس 2007م).
ثالثًا: جمعية الشيوخ والعلمانيين والاهتمام بالمرأة
ويُسجِّل محضر السنودس في الالتئام الثالث والعشرين 5 مارس 1919م بخصوص جمعيّة الشيوخ والعلمانيين تحت بند الجمعيّة وتشغيل النّساء بالقول: “هذا ولم يفت الجمعية أن المرأة عامل قوي في الهيئة الاجتماعيّة وكنيسة المسيح، وقد اهتم بهن السيّد فأعطاهنَّ مقامًا في عمله وقفَّى على أثره الرسل فكانت لهن الأيادي البيضاء في خدمة الكنيسة الرسوليّة، فكنَّ نبيّات وخادمات وشماسات وعاملات خير، لذلك لا عجب إنْ كانت تترأس إحدى لجان الكنائس سيدة فاضلة هي السيدة أم فرج بدير مواس، وإنْ كانت لهن لجان عاملة لمدينة أسيوط وفي أمكنة أخرى ونتعشم أنْ يعمّ هذا التعاون للكنائس كلها فلا تُعدم الكنيسة خدمتهن اللطيفة المؤثرة.” (زكي، 2007م، 3-4).
رابعًا: لليان تراشر والنموذج النسائيّ المشرِّف وموقف السنودس
وفي السنودس المنعقد في أسيوط في 15 مارس 1911م نجد في مضبطة السنودس: “مكتوب من الست ليليان ترشر تخبرنا فيه بأنها شرعت في عمل ملجأ للأيتام غير خاص بطائفة معينة، وذلك بمدينة أسيوط، وتطلب من السنودس تشجيع هذا المشروع بصلواته وهي تعد بقبول مرسل أحد أعضاء السنودس ورؤي أن يحرَّر إليها مكتوبُ تشجيع يُرسل إليها على يد القسّ معوض حنا والدكتور ألكسان يذكر فيه أن أعضاء السنودس أجمعين يعضدون عملها ويصلون إلى الله أن ينجح المشروع.” (زكي، مارس 2007م، 8). وهنا نرى بل نرصد موقف السنودس من خدمة وقيادة المرأة وتشجيعه لها أيضًا.
ثانيًا: ثورة 1919م والموجة الثانية- المرأة بجانب الرجل
كانت ثورة 1919م نقطةً فاصلةً في تاريخ المجتمع المصريّ، وهي جاءت نتيجة لحركة التعليم لدى قطاع واسع من الشعب المصريّ، وكان لها تأثير على الشأن العام المصريّ وتأثير خاص على المرأة المصريّة بصفة عامة والإنجيلية بصفة خاصة، وسنحاول أن نرصد لهذه الصور معًا.
الصورة الأولى: تحرير المرأة مرتبط بتحرير الوطن
خير ما أتت به ثورة 1919م بجانب التأكيد على الاستقلال الوطنيّ هو بروز الحركة النسائيّة على الساحة المصريّة، ووقوف الرجل والمرأة معًا ضد الاحتلال الأجنبيّ، تقول سهام أبو العمرين: “تُعَدُّ الحركة النسائيّة المصريّة من أقدم الحركات النسائيَّة في الوطن العربيِّ، وقد انبثقت من خضم الحركة الوطنيَّة؛ إذ سارت قضية تحرير المرأة مع قضية التحرير الكبرى للوطن. ففي أثناء المطالبة بالاستقلال -إبان الاستعمار الإنجليزيّ- وقيام الحركة التحريريَّة بتأسيس الأحزاب الوطنيَّة، والتنظيمات العماليّة ظهرت أصوات نسائيّة مطالبات بالاستقلال السياسيّ فخرجت النّساء في مظاهرات 1919م مطالباتٍ بتحرير الوطن وتحرير الذات.” (أبو العمرين، 38).
وبالطبع كان هذا نتيجةً طبيعيةً لما أشرنا إليه من قبل بفكر رواد النهضة المصلحين المستنيرين “وقد بدأت إرهاصات وجود حركة نسائيّة -كما بات معروفًا- بكتابات رواد النهضة من المصريّين المصلحين المستنيرين، الذين التفتوا إلى ضرورة تحسين وضع المرأة بتعليمها للنهوض قدمًا بالمجتمع ككل، أمثال رفاعة الطهطاوي (1801- 1873م)، وعلي مبارك (1824- 1893م)، والشيخ محمد عبده (ت 1905م)، وجميعهم نشدوا التعليم للمرأة للارتقاء بمستواها بعدما استنكروا الحالة التي عليها من الجهالة، واستندوا في دعواهم إلى الأدلة التي تعضد موقفهم الداعم لتعليم المرأة وأوضحوا أنَّ الإسلام لا يفرّق بين ذكر وأنثى في طلب العلم وأكدوا على أنَّ العلم له فوائده المثمرة التي سيجنيها المجتمع، ولا تشكل خطرًا على الفتيات.” (أبو العمرين، 39).
الصورة الثانية: النضج السياسيّ للمرأة
وقد أثرت الثورةُ في الفكر السياسي المصريّ فأنضجته للرجل كما المرأة، تقول زينب العسال عن هذا النضج الخاص بالمرأة الآتي: “ولا يمكن إنكار دور ثورة 1919 في إنضاج الوعي السياسيّ للمرأة، وإتاحة الفرصة لها للمشاركة بجوار الرجل، فكانت المظاهرات التي أعدتها المرأة، وشاركت فيها منذ صباح العشرين مارس 1919م” (العسال، 43). وقد ظهرت على الساحة الكنيسة مجموعة من المتغيرات نحاول رصد البعض منها:
المتغير الأول: المناداة بالاحتفال بعيد الأم لتكريم المرأة
جعلت ثورة 1919م قضية المرأة في الصدارة فكتب الطالبُ في اللاهوت آن ذاك والقسّيس بعد ذلك جرجس هابيل عام 1931 مقالة مهمة “أما آن لمصر أن تحتفل بيوم الأمهات” يدعو فيها للاحتفال بعيد الأم، والاحتفال الذي نادى به هو تقدير لدور المرأة في الأسرة، فيقول: “وفي عنقنا أنْ نعترف بأنَّ أمهاتنا كنَّ لنا المعلم الأول إذ علمننا المبادئ المسيحيّة ففي حجورهن تعلمنا كيف نصلي. وفي حياتهن حياة التضحية والاحتمال رأينا أقرب صورة بشرية لمحبة المسيح الفائقة الوصف، فتعلمنا اللطف من غير ادعاء والمحبة من غير رياء والإحسان للجميع من غير عجب أو خيلاء… لنشترك مع باقي الأمم في العالم أجمع في تخصيص يوم نُشعر أمهاتنا فيه بأنَّ لهن مقامًا ساميًا في قلوبنا وهذا اليوم هو الأحد الثاني من شهر مايو من كل عام، فيه يعلِّق الجميع رجالاً ونساءً على صدورهن وردة بيضاء رمزًا لمحبة الأم الطاهرة الدائمة ويهدي الشبان والشابات هدايا لأمهاتهم إن كنَّ على قيد الحياة أو يهدون الهدايا للبؤساء اليتامى باسم أمهاتهم إن كن قد سبقنهم إلى دار الخلود، ويعظ خدام الدين عظات خاصة عن مسؤولية الأمهات وواجبات الأبناء من نحو أمهاتهم، إني أثق كل الثقة بأن هذه الفكرة ستصادف هوى في قلوب كل مصريٍّ ومصريَّةٍ.” (هابيل، 3). وهو بهذه المبادرة سبق –بعقود- الكاتبَ المصريَّ علي أمين، الذي نادى بتخصيص يوم 21 مارس للاحتفال بعيد الأم.
المتغير الثاني: المرأة والعمل
تحت عنوان “المرأة وميدان العمل” كتب رمزي يوسف، طالب الحقوق في ذلك الوقت، يقول: “فليس منا من ينكر قيام النّساء في وقتنا الحاضر بقسط وافر من الأعمال التي ظل الرجال محتكرينها لأنفسهم مدة طويلة. ولا يستطيع إنسانٌ ما أن يُنكر ما يقمن به من الأعمال وما يُظهرنه من ضروب النشاط والخبرة في أعمالهن. وكثيران منهن من أظهرن نبوغًا ولفت أنظار رؤسائهن وجعلهم يفاخرون بهن” (يوسف، 6).
ويذكر يوسف المواقف المشرفة للمرأة في النطاق العام والمشاركة في الحروب فيقول: “وقد أدت المرأة دورًا عظيمًا باشتراكها في تخفيف ويلات العالم وبمعالجة مرضاه وضمد جروح الملايين من الجنود وأيضًا عمل جمعية الصليب الأحمر ومعظم عمالها من النِّساء فكم اقتحمن من الموت الزوؤام وعرَّضن حياتهنَّ للخطر تحت وابل القنابل… فإذا الرجل يفاخر بالتنكيل بأخيه الإنسان والتفنن في طريق الفتك به، فأولئك يحق لهن التفاخر بتفوقهن في ضمد الجروح وتخفيف الويلات.” (يوسف، 6-7).
ويكمل يوسف فيقول: “ليس هذا كل ما فعلته المرأة في وقتنا الحاضر بل إن دائرة اشتراكها مع الرجل في العمل قد امتدت إلى أوسع من ذلك وشملت أنواعًا من العمل غير ما ذكر فهاك المحال التجارية والبوتات المالية بل وبعض الورش الصناعية تشهد بما يقمن به من أعمال…ومنهن الكاتبات والسكرتيرات ومديرات الأعمال الحسابيّة والتاجرات والصانعات بل أصبح منهن الأديبات والصحفيات القديرات والمعلمات والمربيات ومديرات المدارس والطبيبات بل والمشترعات السياسيات. وبالاختصار قد تناولت جهود المرأة أكثر مرافق الحياة، ولا نستطيع أن نتكهن بما ستكون عليه المرأة في المستقبل ولكننا ننتظر أن يكون لها شأن عظيم في تيسير دفة الأمور العامة وتأثير يانع في تطورات الأمم وحياتها.” (يوسف، 7).
المتغير الثالث: المشاركة في الشأن المصريّ السياسيّ العام
لمعت في هذه الفترة السيدة استر فهمي ويصا 1895-1990م وقد لعبت دورًا سياسيًّا مهمًّا في اشتراكها في الثورة الوطنية 1919م، وكان إحدى المؤسِّسات للجنة الوفد وهي اللجنة التي لعبت دورًا كبيرًا في الكفاح ضد المستعمر الإنجليزي. وكتب رسائل كثيرة للورد اللنبي تطالب باستقلال البلاد.
المتغير الرابع: المبشِّرات المتفرِّغات للإنجيل
من أهم ما تميزت به الكنيسة في هذه الفترة هو تعليم المرأة المشاركة في الكرازة والتبشير “وفي عشرينيات القرن الماضي كانت للكنيسة الإنجيليّة في مصر مدرستان لا لتعليم الفتيات فقط، بل لتخريج المبشِّرات المتفرِّغات لخدمة الإنجيل، بالتساوي مع المبشرين العلمانيين خريجي مدرسة اللاهوت، واستمر هذا الحال حتى الخمسينيات، وتحديدًا بعد إصدار قانون العمل والذي وضع مسؤولية على سنودس النيل الإنجيلي -المجلس الأعلى للكنيسة الإنجيليّة المشيخية- أن يُسجل المبشرين والمبشرات لديه في هيئة التأمينات الاجتماعيّة، وقتها قرر السنودس الاستغناء عن وظيفة مبشر علماني، وبناءً عليه فقد تحولت المبشرات العاملات في الكنيسة وقتئذٍ للعمل في جهات أخرى منها دار الكتاب المقدس أو لتعليم الدين في المدارس.” (زكريا، 12-13).
المتغير الخامس: التفكير في رسامة المرأة شيخًا
من المدهش للباحث في هذه الفترة أن يعرف أنه كان هناك تفكير جاد لرسامة المرأة شيخًا في كنيسة الأزبكيّة يقول القسّ نصرالله: “كما يسجِّل التاريخُ أيضًا أن مجلس الكنيسة الإنجيليّة بالأزبكية –أقدم كنيسة إنجيلية في مصر- وقت أن كان القسّ غبريال رزق الله رئيسًا لمجلسها، اتخذ قرارًا في عام 1937، برسامة المرأة شيخًا مدبرًا، وقد تم انتخاب المرأة لرسامتها شيخًا مع عدد من الرجال، إلا أن قسًّا وقتئذٍ، اعتراض على تلك الخطوة فما كان من القسّ غبريال رزق الله ومجلس كنيسة الأزبكية إلا أن يؤجلوا رسامة المرأة شيخًا حتى لا يُعثِروا ذلك القسّ، وليمنحوه الوقت الكافي لتفهم ذلك القرار، ومع تكرار التأجيل لم ترتسم المرأة شيخًا في تلك الفترة.” (زكريا، 13). وهكذا تتصدر قضية رسامة المرأة المشهد الكنسيّ من آن لآخر.
ثالثًا: ثورة 1952م الموجة الثالثة وتحقيق بعض المكاسب
جيلي تربى على مبادئ الثورة التي حفظناها وتعلمناها، ولكن عندما كبرنا صُدمنا فيها؛ فمن القضاء على الإقطاع، والتأكيد على الاستقلال الوطنيّ إلى تأسّيس جيش مصريّ قوي، ثم القضاء على الفساد، إلى تأسيس حياة ديمقراطية سليمة، مع الزمن تحقق البعض ولم يتحقق البعض الآخر، ولكن لا ينكر أحدٌ أن ثورة يوليو غيَّرت البنية الاجتماعيّة للمجتمع المصريِّ. هذا على المستوى السياسيّ العام، ولكن على المستوى الفكري الكنسيّ نرى أن مياهًا كثيرة قد جرت نحاول أن نرصد البعض من التغيير والتحول حول وضع المرأة الإنجيليّة في مصر في هذه الفترة.
هذه الموجة هي الأكثر في تاريخ الكنيسة؛ إذ تمتد من 1952-2011م قرابة نصف قرن من الزمان جرت فيها تغييرات كثيرة في كل شيء، وتميَّزت بأنَّ المرأة أبتدأت تتبنى قضيتها بنفسها، وظهرت في كتاباتٍ نسائيَّةٍ، فتقول زينب العسال عن هذه الكتابات: “شهدت الكتابات النسويّة في منتصف القرن العشرين تحولا كبيرًا في الموضوعات التي تناولتها الرواية النسويّة… أخذت الكتابات سمت الصراحة والقوة والاحتجاج على كل الممارسات المقيدة لحركة المرأة التي بدأت تتلمس خطواتها نحو التحرير.” (العسال، 84).
الصورة الأولى: لأول مرة تمثل المرأة في البرلمان
السابقة الأولى التي اخذتها المرأة في الموجة الثالثة هي حق المرأة في الانتخاب أو الترشيح يقول الغازولي: “منذ أنشأ إسماعيل باشا مجلس شورى النواب في 1866م، وحتى أنشأ جمال عبد الناصر مجلس الأمة في 1957م ظلت المرأة المصريّة، قرابة قرن من الزمان، تعيش خارج الديمقراطيّة البرلمانيّة قبل أنْ يكون لها حق الانتخاب أو الترشيح، لم يأتِ دخول المرأة إلى قلب الحياة البرلمانية منحةً من جمال عبد الناصر بقدر ما كان اعترافًا بواقع تجسد بعد كفاح طويل” (الغازولي، الإنترنت).
وتشرح سهير مشهور هذه الفكرة وتؤصِّلُها بالقول: “فقد كان حق الانتخاب مقصورًا على الذكور دون الإناث وكانت (هدى شعراوي) منذ عام 1946م تدعو بوصفها رئيسة الاتحاد النسائي المصري إلى منح المرأة حق التصويت والانتخاب استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي يستنكر التمييز المجحف بين المواطنين بسبب النوع أو الجنس أو اللغة أو الدين. وفي مارس عام 1947م قُدِّم اقتراحٌ لمجلس الشيوخ المصرى بمشروع قانون أساسه أن الدستور المصريّ خوَّل حق الانتخاب للرجال والنّساء على قدم المساواة وأن قانون الانتخاب قد خالف الدستور حين سلب المرأة حق الانتخاب الذى قرره الدستور وجاءت الخطوة التالية في أول دستور مصري بعد الثورة، والذي صدر عام 1956م، إذ لوحظ فيه الاهتمام بإعطاء المرأة المصريّة حقوقها السياسية، بل والاهتمام بإبراز ما يتعلق بشؤونها من حيث الدور الذي تقوم به في المجتمع وفي الأسرة، وقد كفل هذا الدستور للمرأة المصريّة التوفيق بين عملها في كل هذين المجالين.” (مشهور، الإنترنت) هذا في الشأن العام المصريّ السياسيّ لكن دعونا ننظر لما تم داخل الكنيسة في هذه الفترة.
الصورة الثانية: المرأة لها حق الانتخاب في الكنيسة
إذا عقدنا مقارنة بين ما جرى في مصر في الشأن لسياسيّ في إعطاء المرأة لحق الانتخاب عام 1956م، وهذا كان من مُكتَسَبات الثورة نجد أن الكنيسة سبقت مصر بكثير. فتشير آمال توفيق إلى هذه الفكرة بالقول: “منذ تأسيس الكنيسة المشيخية في مصر، قدَّم رؤساؤها كل تقدير واحترام للمرأة، فأسَّسوا المدارس والمعاهد لتعليمها. كما أُعطِيَت المرأة حقَّ التصويت في الجمعيات العموميّة للكنيسة، الجلسة الإدارية للكنيسة حسب وصف دستور الكنيسة (لانتخاب الراعي والشيوخ والشماسة)، وذلك قبل حصولها على حق التصويت السياسيّ سنة 1956م.” (توفيق، 158). وقد أعطت الكنيسة الإنجيلية حق الانتخاب للمرأة في اختيار القيادات الدينية في الكنيسة المحلية قبل أن تحصل على هذا الحق في قانون مباشرة الحقوق السياسية.
الصورة الثالثة: سقوط الحاجز في الكنيسة بين الرجال والنّساء
تأثُّرًا بالروح الثوريّة التي شهدها المجتمع المصريُّ في 23 يوليو 1952م والمكاسب التي حققتها الثورة، نجد أن طيب الذكر، الثوريّ الفكر، القسّ صموئيل حبيب يقوم بثورة في الكنيسة الإنجيليّة المصريّة، لتسقط الحواجز الماديّة والمعنويّة بين الرجل والمرأة داخل الكنيسة، كتب القسّ صموئيل حبيب في رسالة النور 1964م يقول: “كنت في جحدم (إحدى قرى أسيوط) وتحدثنا في الكنيسة، وقلت في ذلك اليوم إنَّ الحاجز بين السيدات والرجال ليس من صميم العقيدة المسيحيّة وإنَّما هو دخيل عليها؛ فالمسيحيّة تؤمن بأن لا فرق بين ذكر وأنثى في المسيح يسوع. إن فكرة الحاجز ليست سوى أمر جانبي فإنَّ المشكلة الواقعيّة التي نريد أن نصل إليها هي مشكلة احتقار المرأة واعتبارها مصدرًا لكل شر، إنني أنادي برفع الحاجز لأن ذلك معناه رفع مركز المرأة واحترامها والبلد التي لا تحترم المرأة لا تفهم روح المسيحيّة. إننا نريد أن نرتفع بمركز المرأة إلى القيادة الكنسيّة، مبروك يا جحدم ومن يا ترى الكنيسة الثانية التي ترفع ولو الجزء العلوي من الحاجز.” (حبيب، 16).
ويؤصل طيب الذكر القسّ صموئيل حبيب لهذه الفكرة بالقول: “بدأت في أكتوبر 1955م الدعوة إلى تحرير المرأة لتكون لها مكانتها الفعالة في الأسرة والمجتمع. قال بعض الناس في ذلك الوقت: هذا غير ممكن وقال البعض إن المرأة أقل من الرجال كفاءة وقدرة. والواقع غير ذلك. إنَّ المرأة إنسان خلقه الله مساو للرجل في القدرات والمهارات. إن الفرق بين الرجل والمرأة هو أن المجتمع أعطى الرجل الفرص ليدخل إلى المجتمع ولتكون له الاختبارات عن طريق العمل الجاد ولكنه لم يعطِ الفرصَ للمرأة. وكانت النتيجة أن المرأة تعطلت في الطريق وتعثرت خطواتها… إنني أدعو إلى مجتمعٍ يعمل فيه الرجلُ جنبًا إلى جنب مع المرأة كأخٍ وأختٍ يخدمان مصر ويخدمان البيئة المحليّة.” (حبيب، 16) والجدير بالذكر أن صموئيل حبيب كان له دور في الوقوف بجانب المرأة سواء في فصول محو الأمية أو تمكينها بصورة عامة.
الصورة الرابعة: تأسيس الرابطة العامة للسيدات 1956م
حول تأسيس الرابطة العامة للسيدات، وهي تُعتَبَر أول تشكيل نسائيٍّ كنسيٍّ في تاريخ الكنيسة الإنجيلية بمصر، تقول أمال توفيق في دراسة قيِّمة لها: “تأسست رابطة السيدات العامة 1954م بهدف تنظيم نشاطات المرأة في حوالي مئتي كنيسة مشيخية في مصر مما يزيد فاعليتهن ونشاطاتهن. في الواقع، كان هذا العمل اعترافًا كاملًا من الكنيسة بأهمية دور النّساء فيها.” (توفيق، 158). وأصدرت الرابطة العامة للسيدات مجلة “أعمدة الزوايا” 1956م وهي مجلة تكتب خصيصًا للمرأة، وتُعتَبَر المجلة المسيحيّة النسائية التي تستمر في الإصدار حتى أيامنا هذه.
الصورة الخامسة: المرأة تلتحق بالدراسات اللاهوتيّة بكلية اللاهوت
ومع نهاية ستينيات القرن الماضي وبالتحديد في عام 1970، شهدت كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة تخريج أول سيدة بدرجة بكالوريوس الفلسفة والعلوم اللاهوتيّة، وهي الدرجة العلمية المؤهلة للرسامة قسًّا، وكانت تلك السيدة هي فيكتوريا فهيم عزيز.
الصورة السادسة: رسامة المرأة شيخًا
وفي عام 1971، اتخذ مجلس الكنيسة الإنجيليّة بالملك الصالح، قرارًا برسامة المرأة شيخًا مدبرًا للكنيسة، وقد كان الدكتور القسّ لبيب مشرقي راعيًا لتلك الكنيسة ورئيسًا لمجلسها وقت اتخاذ ذالك القرار، وبالفعل تمت رسامة سيدتين للمشيخة في الكنيسة، وهما السيدة ماري فاضل، والسيدة منيرة توفيق، ولأن رسامة الشيوخ حق أصيل لمجلس الكنيسة يكفله له دستور الكنيسة الإنجيليّة المشيخية، فقد كان قرار المجلس قرارًا سليمًا من الناحية الدستورية، وبالرغم من ذلك،كان المجلس سبق ودرس اتخاذ مثل هذا القرار -عبر سنوات- من كافة النواحي الكتابية واللاهوتية والدستورية والاجتماعيّة، قبل أن يُقر تلك الخطوة التي رأى المجلس والكنيسة وقتها أنها في احتياج حقيقي لوجود المرأة شيخًا في خدمة الكنيسة. (زكريا، 13).
الصورة السابعة: رسامة المرأة تصبح قضية لاهوتية
ومع تفعيل قرار مجلس الكنيسة –صاحب الحق الأصيل- لقراره برسامة المرأة شيخًا، ثارت زوبعة فكرية ولاهوتية ودستورية في جنبات الكنيسة الإنجيليّة في مصر، ورُفع قرار رسامة المرأة شيخًا لعرضه على سنودس النيل الإنجيلي –المجلس الأعلى للكنيسة الإنجيليّة في مصر الذي اتخذ قراره رقم (76/ 73)، بتأجيل النظر في الموضوع للعام التالي حتى يكون الموضوع مطُروحًا للنقاش وليقدِّم كل فريق -مؤيد أو معارض- دراساته في هذا الشأن. ولم يتَّخِذ السنودس في ذلك الوقت قرارًا يؤيد أو يُعارض تلك الخطوة التي اتخذها مجلس الكنيسة الإنجيليّة بالملك الصالح. (زكريا، 13).
أكثر من أربعين عامًا (1973-2012م) وقضية المرأة تشغل بال الكنيسة في مصر والشرق الأوسط وتعدّدت الرؤى والأطروحات من دراسات كتابيّة ولاهوتيّة واجتماعيّة لتؤكد على قيمة ومكانة المرأة في الكنيسة والمجتمع. الكتابات التي رصدناها سابقًا سواء كانت من تفاعل محليّ عربيّ من كتّاب عرب مسيحيين وكتابات تُرجمت إلى العربيّة من دراسات أجنبيّة ركَّزت على المرأة في خدمتها ورسالتها ومساواتها للرجل، وهي تعتبر ركيزة للدارس حول هذه القضية، وهي أيضًا بمثابة خبرة تراكميّة للبحث والدراسة. وهي جزء من كل؛ فكمّ الكتابات العربيّة التي صدرت لتدعيم المرأة في مصر والشرق الأوسط كثيرة جدًّا وبالتالي الفكر العربيّ المسيحيّ -الذي رصدناه في هذا العرض- حول قضية المرأة لم يخرج خارج السياق الفكريّ والمجتمعيّ حول قضية المرأة بل في مواقف كثيرة تخطاه نحو الأمام بأفكار خلاقة.
هذه الكتابات قد جمعتها من مكتبتي الشخصية وبكل تأكيد هناك كتابات أخرى في المنطقة العربيّة لكتاب عرب مسيحيين لم تصل إليها يدي ولم تدركها معرفتي بعد. ومن خلال هذا تكون دعوتي للجميع بأن بضيفوا ما يرونه مناسبًا لهذه القائمة المتميزة والتي أثبتت نضجًا وفهمًا للقضية المطروحة. وفي هذا الصدد أشير إلى دراسات ومقالات كثيرة حول الموضوع نُشرت في مجلات (الهدى، وأجنحة النسور، وأعمدة الزوايا، والنسور)، ولكني ركّزت فقط على الدراسات المنشورة في كتب.
كل هذه الكتب والدراسات (65 كتابًا حتى كتابة هذه السطور) جعلت قضية المرأة في صدارة التفكير الكنسيّ واللاهوتيّ وإذا درسنا هذه الكتابات في ضوء الواقع الثقافيّ والسياسيّ والاجتماعيّ نجد أن قضية المرأة أيضًا مطروحة على الساحة الفكريّة والثقافيّة في المجتمع، وأحسب نفسي فخورًا بحجم الانتاج الأدبيّ والفكريّ هذا حول قضية المرأة كباحث مصريّ عربيّ مسيحيّ. وبالتالي قرار خدمة المرأة في الكنيسة في الوظائف والخدمات المختلفة لم يأتِ من فراغ ولكن نتيجة لتراكم الدراسات وهضمها وفهمها وفق حركة التاريخ وتطور الزمن.
الصورة الثامنة: السنودس يقرر أن المرأة شيخٌ
قرار 116/31 في عام 2006م “يقرِّر السنودس الموافقة على رسامة المرأة شيخًا مدبرًا ويترك للمجامع ومجالس الكنائس حرية تنفيذ هذا القرار، وما أن حلَّ عام 2007، إلا واتخذ مجلس الكنيسة الإنجيليّة بالفيوم قراره الذي يتوافق مع قرار السنودس وكتفعيل له، برسامة السيدة وفاء فيكتور، شيخًا للكنيسة الإنجيليّة بالفيوم، وكذلك ما اتخذه مجلس الكنيسة الإنجيليّة بالعطارين عام 2008، بإقرار رسامة السيدة جان كامل يوسف شيخًا بالكنيسة. وفي عام 2010، رُسِمَت السيدة فيبي زاخر غالي شيخًا بالكنيسة الإنجيليّة الرابعة بالمنيا، وهكذا أصبح من حق المرأة أن تُرتسم شيخًا في الكنيسة الإنجيليّة بقرار سنودسيّ ودون اعتراض منه. (زكريا، 14). وتوالت رسامة المرأة شيخًا بعد ذلك في مناطق عديدة.
الصورة التاسعة: العلاقة بين التيارات الدينيّة والمرأة
تشرح فينيس نيقولا هذه العلاقة المتوترة بين السياق الاجتماعيّ والثقافيّ والطرح اللاهوتيّ، وتقول: “في الستينات من القرن العشرين -حيث ساد عدم التعصب الدينيّ- وفي ظل الاشتراكيّة شاركت المرأة في الوزارة وبالتالي شاركت في مجالس سنودس النيل الإنجيليّ وانتعش دور المرأة. مع السبعينات من القرن الماضي ظهر التطرف الدينيّ وانحسر دور المرأة في الكنيسة. ويبدو أن هناك دورًا متبادلًا بين الفكر الدينيّ والمجتمع أو العكس.” (نيقولا، 159).
رابعًا: ثورة 25 يناير 2011م والموجة الرابعة بالتأكيد على العيش الحرية والكرامة الإنسانيّة
احتلت ثورة 25 يناير 2011م الأفضل في مقارنتها مع ربيع الثورات العربيّة، وهي جاءت نتيجة للفساد السياسيّ والاجتماعيّ، واتساع رقعة الفقراء والمهمَّشين، وتآكل الطبقات الاجتماعيَّة والفكر السياسيِّ في مصر. وفشل في الإرادة السياسيّة للتغيُّر. أحدثت ثورة يناير حالةً لا مثيل لها من الحراك السياسيّ والانتماء الوطنيّ، لو استُغِلَّت الثورة لتغيُّر مناخ مصر، لكن الثورة تدار بنفس الفكر وبنفس الفلسفة. وعلى المستوى الكنسيّ نجد أن الكنائس والمجامع قد تأثرت بالروح الثوريّة فاتخذت قرار رسامة المرأة قسًّا في ظل هذاالحراك السياسيّ والمجتمعيّ الذي أعاد قضية المرأة مرة أخرى لصدارة المشهد السياسيّ والاجتماعيّ. وهناك ارتباط وثيق بما يتم في الحالات الثورية وبين مكانة المرأة كقضية مجتمعية.
المشهد الأول: قرار مجمع القاهرة رسامة المرأة قسيسةً
جاء قرار مجمع القاهرة متشبعًا بالروح الثوريّة -في ذلك الوقت- التي يجتاز فيها المجتمع حراكًا ثوريًّا وسياسيًّا لم يسبق له مثيل، وفي وجهة نظري لولا الثورة -25 يناير- لم يكن هناك جرأة لاتخاذ هذا القرار. ويشرح القسّ نصرالله هذا الأمر في الدراسة التي أشرنا له من قبل: “بعد تقديم السيدة “آن إميل” طلبًا لمجمع القاهرة الإنجيلي تطلب فيه رسامتها قسًّا، حيث أتمت المؤهلات الدراسية التي تمنحها هذا الحق، ولأنها تشعر بدعوة لأن تُرتسم قسًّا بالكنيسة الإنجيليّة، قَبِل مجمع القاهرة الإنجيلي طلبها من حيث المبدأ، وبعد مناقشات مستفيضة، قرر إحالة طلب رسامة المرأة قسًّا للسنودس، بالإضافة لتحديد موعد خاص لأعضاء المجمع بكلية اللاهوت الإنجيليّة لتقديم الدراسات الكتابية واللاهوتية في ضوء ظروف المجتمع المصريّ، سواء كانت تلك الدراسات مؤيدة أم معارضة لفكر رسامة المرأة قسًّا. ومن ثم تحدد خلال عام 2010م، حيث قُدِّمت دراستان أحدهما مؤيدة والأخرى معارضة رسامة المرأة قسًّا بالرغم من أن الدراستين استندتا على بعض من نصوص الكتاب المقدس.
ومع انعقاد دورة السنودس، ودراسته لطلب الرأي المقدَّم من مجمع القاهرة بشأن رسامة المرأة قسًّا، أعاد السنودس الطلب لمجمع القاهرة مؤكِّدًا على أن المجمع هو صاحب الحق الأصيل في اتخاذ القرار بالرسامة أو الرفض. وفي انعقاد مجمع القاهرة عام 2010م، قدمت السيدة آن طلبها للمرة الثانية، ورأى المجمع إحالة الطلب للجنة التنفيذيّة للمجمع، التي اجتمعت وناقشت الموضوع، وحيث إن السنودس لم يتخذ قرارًا في هذا الشأن، بل أعاده للمجمع صاحب الحق الأصيل في اتخاذ القرار من عدمه، أبقت اللجنة التنفيذيّة الطلب أمام المجمع لحين اتخاذ قرار سنودسي بخصوص هذا الأمر، وبالتالي كان قرار اللجنة رفع الطلب للسنودس مرة أخرى، كما قرّرت اللجنة التنفيذيّة إمكانية رسامة السيدة “آن إميل” خارج البلاد.
وفي انعقاد مجمع القاهرة في دورته العادية في عام 2011 بالكنيسة الإنجيليّة بالعباسيّة، تم طرح موضوع رسامة المرأة قسًّا للمرة الثالثة، وبعد مناقشات قرَّر المجمع إحالة الطلب للجنة التنفيذيّة المجعميّة للدراسة وعقد مجمع خاص لدراسة هذا الأمر من كافة جوانبه، وبناءً عليه، قرّرت اللجنة التنفيذيّة لمجمع القاهرة عقد مجمع خاص يوم الخميس 19 يناير 2012، للاستماع لبعض الدراسات المتنوِّعة سواء المؤيد منها والمعارض لرسامة المرأة قسًّا، وقد عُقِد المجمع فعلًا في الموعد المحدَّد، وكانت جلسة الانعقاد قانونية من الجهة الدستورية والقانونية، وبعد الاستماع للرأي والرأي الآخر ومناقشة الحضور أمر رسامة المرأة قسًّا، طُرح الموضوع للتصويت، وكان التصويت بالأغلبية لصالح قرار رسامة المرأة قسًّا، وتُلي نص القرار كالتالي: “بشأن موضوع رسامة المرأة قسًّا، وبعد دراسة الموضوع لاهوتيًّا وكتابيًّا واجتماعيًّا، وبعد الصلاة؛ قرر المجمع رسامة امرأة قسًّا بأغلبية الأصوات” (زكريا، 15-16).
تم الطعن مرتين على قرار مجمع القاهرة، وفي المرتين كان القرار غير دستوري لأن القرار لا بد وأن يصدر من الهيئة التشريعية العليا، وهو سنودس النيل الإنجيلي (يمكن الرجوع لمدونات المجلس القضائي في هذه الفترة لاستيضاح الأمر). وحين عُرِض الأمر على سنودس النيل الإنجيلي عام 2016م، كان القرار كالتالي: (5/126) بشأن رسامة المرأة قسيسًا (16/125، 72/125، اللجنة التنفيذية السنودسية 3، 97/125)؛ قدمت اللجنة التنفيذية السنودسية رؤيتها، ونتائج الاستبيان الذي قامت به اللجنة التي كلفتها، كما تُلي المكتوب الموقَّع من 79 عضوًا يطلبون التأجيل؛ وبعد مناقشات مستفيضة؛ قرر السنودس تأجيل قضية رسامة المرأة قسيسًا لمدة عشر سنوات.
المشهد الثاني: إشكاليات حول وضع المرأة الآن
شاركت المرأة بصورة طيبة ومشرفة في ثورة 25 يناير/30 يونيو، ولكنَّ المرأة بعد ثورة 25 يناير لم تحقق ما هو مرجو بالرغم من الحصول على العديد من المكاسب. وما زالت بعض التيارات الدينية المتشددة بتفاضيل كثيرة خاصة بالمرأة من ناحية العمل والملبس… إلخ. أما في المجال الكنسيّ أرصد أربعة أمور مهمة لمستها في الربع الأول من عام 2012م وهو الوقت الذي اتخذ مجمع القاهرة قراره الذي لُقِّبَ بالتاريخيّ وقتها، بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه.
التشدد سمة مجتمعيّة، وأشد أنواع التشدد هو التشدد المغلّف بالفكر الدينيّ، المواقف الخمسة السابقة؛ الأول يعبر عن حرية شخصية لها احترامها وتقديرها، لكن المواقف الأربعة هي تعبير عن تشدد دينيّ وثقافيّ بصورة لا تختلف عن الموقف السلفيّ للتيارات الدينيّة الإسلاميّة ناحية المرأة، والموقفان الرابع الخامس يمثلان موقف المرأة الرافض للمرأة، وهذا أمر يدعو للغرابة.
القضية إذن هي قضية وطن، وعندما يتحرّر الوطن تتحرر المرأة، والكنيسة هنا تمثِّل الدورَ النبويَّ الذي يناشد المجتمع بالاستمرار بالحرية للمرأة بصفة خاصة وللإنسان بصورة عامة، ومن حقها -أي الكنيسة- أن تأخذ مبادرات حقيقيّة لتثبت ذلك عن قناعة فكريّة ولاهوتيّة فرسالتها هي تقديم خدمة المصالحة. الثورة لن تنتهِ بعد وترتبط الثورة بوضع المرأة والفئات المهمشة، وحركة اللاهوت والتاريخ في تناغم مستمر. الدور الذي احتلته المرأة في الكنيسة بناءً على حركة التاريخ وتفاعل اللاهوت هو دور تصاعدي من قيادة عادية، إلى خدمة الشموسيَّة ثم المشيخة ثم خدمة القسّيسة. وهذا تطور طبيعي وبطيء لطبيعة وجود الكنيسة في الشرق.
من التهميش للتمكين حاولت الربط بين الثورات المصريّة والمرأة المصرية المسيحية الإنجيليّة وقد تبيَّن مما لا يدع مجالًا للشك أن الكنيسة الإنجيليّة بمصر سبقت عصرها بمراحل، لأنَّها استوعبت المتغيرات مبكرًا، وكانت الأجرأ في التفكير واتخاذ القرارات، وبالتالي القضية في الأساس هي قضية وطن، عندما يتحرَّر الوطن يتحرَّر الإنسان، وبالتالي المرأة. وستبقى المرأة في قلب الوطن والكنيسة أيضًا بغض النظر عن مسميات الخدمة.
المراجع
أبو العمرين، سهام. الخطاب الروائي النسويّ دراسة في تقنيات التشكيل السرديّ. القاهرة: وزارة الثقافة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة كتابات نقديّة 205، 2012م.
توفيق، آمال. “رسامة المرأة في مصر” معًا! أختاه سيري رسامة النّساء لرتبة الكهنوت وجهات نظر إصلاحية، ترجمة القسّ جورج مراد، دراسات للاتحاد العالمي للكنائس المصلحة. بيروت: 1995م.
حبيب، صموئيل. المرأة في المجتمع، من أرشيف كلية اللاهوت والسنودس المحرر القسّ إميل زكي. القاهرة: كلية اللاهوت الإنجيليّة، نشرة غير دوريّة، مارس 2009م. نشر هذا المقال في رسالة النور مارس 1989م.
حبيب، صموئيل. تغيير في جحدم. من أرشيف كلية اللاهوت الإنجيليّة والسنودس المحرر القسّ إميل زكي. القاهرة: كلية اللاهوت الإنجيليّة، نشرة غير دورية مارس 2009م. نشرت هذه المقالة في مجلة رسالة النور 1964م.
زكريا، نصر الله. رسامة المرأة قسًّا الخلفيات التاريخيّة وحيثيات اتخاذ القرار. الهدى، فبراير 2012م.
زكي، إميل (المحرر). من مكتب سكرتارية سنودس النيل الإنجيليّ الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر، نشرة غير دورية، مارس 2007م.
زكي، إميل (المحرر). الدين والمناهج التعليميّة، من أرشيف سنودس النيل الإنجيليّ وكلية اللاهوت الإنجيليّة قراءة ودراسة وتحليل. القاهرة: كلية اللاهوت، نشرة غير دورية، مارس وأبريل 2010م.
شرارة، يوسف (ترجمة وتعليق). الأيام الأولى للحملة الفرنسيّة على مصر رسائل لقادتها. (القاهرة: مكتبة الآداب، 2011).
عبد المجيد، وحيد. المرأة المصريّة في مئوية قاسم أمين. الأهرام، 2 سبتمبر 2008م.
العسال، زينب. النّقد النّسائي للأدب القصصي في مصر. القاهرة: الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2008م.
عصفور، جابر. الرواية والاستنارة. دبي: دار الصدى، كتاب دبي الثقافيّة 55، نوفمبر 2011م.
الغازولي، أسامة. المرأة العربيّة والمشاركة السياسيّة… فايدة أسست للحكم مدى الحياة. ومتاح على http://92.52.88.82/Alqabas/ArticlePrint تمّ الاطلاع عليه بتاريخ 5 أبريل 2012م.
مشهور، سهير. ثورة 25 يناير والمرأة المصريّة، متاح على موقع http://digital.ahram.org.eg/articles تم الاطلاع عليه بتاريخ 5 أبريل 2012م.
نيقولا، فينيس. قضيتكِ يا سيدتي مسؤولية من المرأة أم الرجل؟ القاهرة: المؤلف، 2009م.
هابيل، جرجس. أما آن لمصر بأن تحتفل بيوم الأمهات، من أرشيف كلية اللاهوت الإنجيليّة، المحرر القسّ إميل زكي. القاهرة كلية اللاهوت الإنجيليّة، نشرة غير دورية، مارس 2009م. سبق ونشر هذا المقال في مجلة الهدى 1931م.
يوسف، رمزي. المرأة وميدان العمل، من أرشيف كلية اللاهوت المحرر القسّ إميل زكي (القاهرة: كلية اللاهوت، نشرة غير دورية، مارس 2009م). نشر هذا المقال من قبل في مجلة الشرق والغرب يناير 1923م.
Sharkey, Heather J. American Evangelicals in Egypt: Missionary Encounters in an Age of Empire. Princeton: Princeton University Press, 2008.
اسم الكاتب : .أمينة شفيق
تلقيت في عام 1994 دعوة لحضور مؤتمر في مدينة بورسعيد، وكان عنوان المؤتمر “التسامح الديني وقبول الآخر” وكان من الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، وتحمِلُ الدعوةُ توقيع المهندس نبيل صموئيل. بعد قبولي الدعوة وسافرت مع الهيئة المديرة للحوار والضيوف المدعوين إلى المدينة الساحلية. وهناك كان لقائي الأول بشاب نحيل يشارك في قيادة المؤتمر اسمه أندريه زكي. وكنت أعلم بعض الشيء عن الهيئة هذه من رئيسها القس صموئيل حبيب، رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر عندما كان يداوم على دعوتي على العشاء مع زميلي الراحل جلال عيسى وكيل نقابة الصحفيين. وكان الراحل القس صموئيل حبيب رجلًا شديد الرقة والذكاء والحب والتقدير لمصر ولشعبها. وكم من ساعات عمل عشاء قضيناها نتحدث عن ضرورة العمل سويًّا من أجل تقدم مصر.
ثم وبعد المؤتمر دُعِيتُ مرة أخرى للسفر إلى لبنان وسوريا للإعداد لنشاط جديد تنوي الهيئة القبطية للخدمات الاجتماعية تدشينه. وفي هذه الرحلة اكتشفنا بعضنا البعض، أندريه زكي وشخصي. وقد دنوتُ منه أكثر عندما قام يلقي كلمةً في أحد مساجد دمشق المكتظّ بالمصلِّين وكان عنوان الكلمة “المسيحيُّون العرب هم جزء من حل المشكلة السياسية” قاصدًا مشكلة فلسطين. كان ملخص الكلمة أن الانتصار العربي سيكون على يد شعوب موحدة إثنيًّا ودينيًّا وسياسيًّا. ثم عرج على التسامح الديني وما تقوم به الهيئة في مصر من أجل نشره، ليس فقط بالقانون إنما بالممارسة اليومية الشعبية.
ثم اختفى الشاب الوسيم أندريه زكي لعدة مؤتمرات كنت أُدعى إليها ليظهر بعد ذلك وقد زاد وزنه بعض الشيء وعدل من لقبه فأصبح القس الدكتور أندريه زكي. ومنذ ذلك اليوم ونحن أصدقاء وصحبة في أنشطة كثيرة للهيئة. يلجأ إليَّ عندما يسعى للعمل الصعب ولا أقدم له إلا الرأي والنصيحة الحقة التي أشعر بها وأعرفها وتحديدًا عندما جاء الإخوان المسلمون إلى الحكم في مصر وشعرت كما شعر هو بالخوف الشديد على شعار “التسامح الديني وقبول الآخر”، الذي استمر شعارنا نحن الاثنين إلى الآن، وسوف يستمر إلى أن نبني سويًّا نحن أبناء وبنات الشعب المصري مصرنا التي نَصبُو إليها.
تحياتي وتهنئتي إلى شعب الكنيسة الإنجيليَّة، وإلى رئيسها القس الدكتور أندريه زكي، وإلى أسرته الصغيرة، زوجته وأبنائه. وكل انتخابات وكلهم وكل المصريين طيبون.
اسم الكاتب : سامية قدري
تُعرف المسيحية بكونها” كنيسة”، والكنيسة تعني جماعة المؤمنين، وهي أيضًا بيت الله، فالله لا يسكن في السماء ويوجه من هنالك التاريخ وحياة البشر ولكنه يتَّحد معهم. فوفقًا للإيمان المسيحي أن الله أخذ الطبيعة البشرية وقدَّسها، كما أن هدف الشخص المسيحي هو الوصول إلى حالة الاتحاد مع الله؛ أي يكون مشابهًا لله في حالة القداسة، وهذا هو دور الكنيسة عندما يشترك الإنسان في العبادة أن يكون “مقدسًا” لله. ويقول الكتاب المقدس في ذلك: “الدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الْآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلَا دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ” (يعقوب 1: 27)، إذًا فعمل الكنيسة هو عمل وقائيٌّ يسعى لحفظ الإنسان من الدنس ومن الخطيئة، كما أنه عمل علاجي يهدف إلى شفاء أمراض الناس الاجتماعية والنفسية.
ومن هنا يُمكننا أن نتحدث عن دور الكنيسة في بناء الوعي وعن مسؤولياتها تجاه رعاياها وتجاه المجتمع، خاصةً وأن مفهوم الكنيسة يتَّفق أيضًا مع مفهوم “العدل” كمبدأ أخلاقيٍّ يتم في ضوئه المساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، وتوزيع الفرص، وفي الثواب والعقاب مما يُحقق الانسجام والسلام بين أبناء المجتمع الواحد ويمنحهم الفرصة لبناء مجتمع قائم على الإنجاز والاستمرار في الحياة. ويتأسس هذا المبدأ كذلك على النظرة للإنسان على أنه “إنسان” يتساوى في إنسانيته مع الآخرين، لذلك فإن المبدأ الأخلاقي للعدل هو مبدأ عام يشتق من الأديان كما يشتق من القانون الطبيعي. ويُعتبر العدل هو الفضيلة الأولى للإنسان والمجتمعات التي يعيش فيها. فإذا تحقق العدل بين الناس، تزدهر الفضائل الأخرى مثل: السعادة، والمساواة، وحب الخير، والسلام، والرضا… وغيرها من الفضائل. وتتفق روح المسيحية مع هذا المفهوم، فهي روح أراد بها الله أن يعرف الناس ما ينبغي أن يكون، وإيجاد الروح الطبيعية والقلب النقي الطاهر أينما وجد، في العمل، في التعليم، في السياسة، وفي كافة أوجه ومجالات الحياة.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، يبدأ مفهوم الرعاية الكنسية، فإذا كان الله هو الراعي، كما يقول الكتاب المقدس، “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ… أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي” (يو ١٠: ١١، 14). وإذا كان الله هو الراعي، فهنالك رعاه آخرون، كما قال الكتاب: “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ” (أفسس 4: 11- 12). وبذلك تقع عملية الرعاية وبناء الإنسان الداخلي على أشخاص يتولون مهمة القيام بالطقوس الدينيَّة إلى جانب الرعاية الاجتماعيَّة من أجل تحقيق مبادئ العدالة وبناء الإنسان، الذي هو الهدف الأسمَى للخليقة. ويتفق هذا مع ما ذهب إليه عالمُ الاجتماع الشهير ماكس فيبر بأن كل دين يحتاج إلى مؤسَّسة “مقدسة” لها أربع مهام: تحديد ما هو الدين الصحيح وتعليمه ونقله إلى الأجيال اعتقادًا وسلوكًا والدعوة إليه أو التبشير به، وإدارة شئونه ومعاهدة وجمعياته، وتنظيم علاقته بالسلطات والديانات الأخرى.
وإلى جانب هذا فإن مفاهيم الرعاية، والعدالة، والمسؤولية والأخلاق هي مفاهيم تتداخل في منظومة متكاملة، تبدأ من الكليَّات المُطلَقة للدين، وتنتهي عند الأفعال الخيِّرة التي يسديها المعروف، والذي هو أحد المكونات الأساسية في كل الأديان، مرورًا بالمنظومة الأخلاقية التي تُحدِّد للبشر معايير الثواب والعقاب، والتي تُعبِّر عن الاكتمال الأخلاقيِّ الذي يُعبِّر بدوره عن السعي الإنسانيِّ لمعرفة الله، إذًا فالغاية الكبرى للدين هو تغيُّر وتحوُّل في دنيا البشر ووجودهم، تحوُّل نحو الأفضل والأكمل وارتفاع نحو المتعالي، عبر تكوين علاقة مستقيمة مع الله، بإيمان وإخلاص أو معرفةٍ نورانيَّةٍ بحقائق الحياة وتحوُّلاتها. وانطلاقًا من هذه المفاهيم كان حضور الكنيسة الإنجيليَّة في المجال العام.
والمجال العام، هو المجال الذي يتفاعل فيه مواطنون، فرادى أو من خلال مؤسسات، من أجل تحقيق الصالح العام ومن أجل تحقيق تغييراتٍ جوهريَّةٍ في بنية الثقافة بكافة عناصرها الماديَّة وغير الماديَّة. وقد ارتبط الحضورُ الإنجيليُّ في مصر مع تاريخ مصر الحديث، مع مطلع القرن التاسع عشر وبداية حكم محمد علي، كأحد التغيرات الاجتماعية المهمة التي أحدثها محمد علي، والتي عجَّلت بهدم المؤسَّسات الاجتماعيَّة الموروثة التي ساهمت في تراجع المجتمع وتخلُّفه، وقد ساهم في ذلك وجود الخبرات الأجنبيَّة وفتح المجال العام أمام الإرساليَّات الأجنبيَّة لخدمة المجتمع والمساهمة في بنائه. وقد كان للإرساليَّة الأمريكيَّة دور في هذا البناء، وإن كان وجودها سابقًا على هذا التاريخ على نحو ما ذهبت بعضُ المصادر، فقد عملت الإرساليَّةُ الأمريكيَّةُ على الإصلاح الاجتماعيّ من خلال التعليم والرعاية الصحيَّة وخدمة الفقراء، ولا سيِّما في صعيد مصر، توالت جهود المُرسَلين إلى أن تم الاعتراف بالطائفة الإنجيليَّة رسميًّا عند نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر.
بعد اعتبار الطائفة الإنجيلية طائفةً قائمةً بذاتها في العام ١٨٥٠م، بدأ العملُ الإنجيليُّ المشيخيُّ في مصر بتأسيس جمعية الكتاب المقدَّس الأمريكيَّة، التي أسَّسها سير “كالهون” أول مُرسل أمريكيّ إلى الشرق الأوسط. وفي سنوات الخمسينيات بدأ عمل الإرسالية وبداية الخدمة المجتمعيَّة بافتتاح أول مدرسة لتعليم البنين عام ١٩٥٥م، ومع مطلع الستينيات ومع تشكيل أو مجمع للكنيسة، تأسست أول مدرسة لتعليم البنات بحي الأزبكية. توالت خدمةُ التعليم، اللاهوتيِّ والعامّ، للبنين والبنات، حتى شملت أرجاء المسكونة إيمانًا بأهميَّة التعليم في التغيير الاجتماعيّ والثقافيّ. والجدير بالذكر، أن حركة التعليم لم تكن مقتصرةً على الكنيسة ورعاتها، بل لعب العديد من العلمانيين دورًا مهمًّا في هذا الصدد حتى أنه بحلول العام ١٨٩٨م، أي مع فلول القرن التاسع عشر كان عدد المدارس قد وصل إلى مئتين وثلاث مدارس.
لم يقتصر العمل الاجتماعي على التعليم، بل تساوق مع خدمة التعليم الخدمة الصحيَّة الطبيَّة؛ ففي العام ١٨٦٨م بدأ القس “يوهانس” تأسيس عيادة طبية صغيرة بأسيوط، إلى جانب خدمة المرضى بمنازلهم تلاها تأسيس مستشفى طنطا عام ١٨٦٩م، ومع مطلع القرن العشرين تأسس مستشفى “الجرمانية” الذي أنشأته البعثة الإنجيلية الألمانية بأسوان، ومستشفى أسيوط الذي يُعرف “بالمستشفى الأمريكاني”. وفي منتصف القرن العشرين تم تأسيس المركز الطبي الإنجيلي بحي “الأزبكية” بوسط القاهرة. وفي مجال خدمة الفقراء واليتامى، الضلع الثالث من ثالوث التخلُّف، أُنشِئَت الجمعية الخيرية بأسيوط عام ١٨٧٦م، تلا ذلك تأسيس دار “فاولر” لرعاية الفقراء واليتامى، والذي بدأ عمله تحت رعاية الإرسالية الأمريكية ثم آلت إدارته إلى الكنيسة الإنجيلية المشيخيَّة، كما أُنشِئَتِ الجمعيَّةُ الإنجيليَّةُ لخدمة الإنسان عام ١٩١٧م، ثم مجلس الخدمات والتنمية الذي يُعَدُّ الجناح التنموي للكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نُشير إلى واحدةٍ من أهم علامات العمل الاجتماعيِّ للكنيسة الإنجيليَّةِ المشيخيَّةِ في مصر وهى “الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية Ceoss”، التي أنشأها الدكتور القس صموئيل حبيب عام 1950م بمبادرةٍ فرديةٍ هو وزوجته، في المنزل الذى كانا يعيشا به لتعليم أبناء القرية، وسرعان ما تحوَّلت الفكرةُ إلى مدرسةٍ ذات فصل واحد، ثم إلى هيئة تنمويَّة من الهيئات الكبرى لتقديم خدماتها المختلفة للمجتمع، مستهدفةً في المقام الأول الفئات الفقيرة والمُهمَّشَة اجتماعيًّا وأيضًا الفئات المُعرَّضة للخطر، إلى جانب دعم المبادئ والقِيَمِ الاجتماعيَّة والإنسانيَّة التي نتعامل معها، كما تهدف إلى الحوارِ مع فئات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية لجميع هذه الفئات. وتعمل الهيئة القبطية الإنجيلية في مجالات الزراعة، والتعليم، والهيئة الإسكانية وتنمية الموارد البشرية، حوار الديانات والثقافات، القروض الصغيرة والمتناهية الصغر.
لم يكن للعمل أن يجني ثمارَه إلا من خلال فاعلين مؤثرين في هذا المجال وداعمين للأنشطة المختلفة التي تقود إلى التغيير المنشود سواء عمل هؤلاء الفاعلون فرادى بدافع الوطنية والمسؤولية الاجتماعية أو إيمانًا بدور الكنيسة في تحقيق الصالح العام أو الخير العام Public Good، ويمكننا في هذا الصدد أن نُشير إلى علاماتٍ مصريَّةٍ بارزة، بعضها قاد العمل في بداياته بما لديهم من قدرات مادية وعلاقات اجتماعية ونشاط سياسي مكَّنهم من القيام بدور فاعل في التأثير في المجال العام المصري آنذاك، والبعض ظهر تباعًا ليقدم خدماتٍ كلٌّ في مجال تخصُّصه. ويمكنني في هذا السياق أن أشير إلى بعض من هذه العلامات البارزة:
– أخنوخ فانوس (1856-1918م): تعلَّم بمدرسة أسيوط الأمريكيَّة ودرس بالجامعة الأمريكيَّة ببيروت، وفي نفس عام تخرُّجه أسَّس الجمعيَّة الخيريَّة بأسيوط لمساعدة منكوبي الأزمة الاقتصاديَّة، اختير مرَّتَيْن عضوًا بمجلس الأمَّة عن دائرة أبنوب، رأس المجلس الإنجيلي العام بأمر من الخديوي عام ١٩٠٢م، ورأس الطائفة من العام ١٩٠٢ إلى العام ١٩١١م. يُعد أخنوخ فانوس أحد الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًّا في المجال العام الاجتماعي والسياسي في مصر.
– ألكسان أبسخيرون (١٨٦٥-١٩٤٩م): وُلد ألكسان أبسخيرون بمركز أبنوب بمحافظة أسيوط، وتعلَّم بكلية أسيوط الأمريكيَّة، الكليَّة التي أنشأتها الإرساليَّةُ الأمريكيَّةُ، وبعد تخرُّجه منها في العام ١٨٨٢م، درس بمدرسة الحقوق، والتحق بالعمل مع خاله أخنوخ فانوس المحامي، وفي نفس الوقت كانت له تجارتُه وأرضه التي يرعاها في مناطق مختلفة في أسيوط، انضم إلى عضوية الطائفة الإنجيلية عام ١٨٨٠م، وتدرج في العمل إلى أن شغل منصب رئيس الطائفة الإنجيليَّة من العام ١٩١١ إلى ١٩٤٩، كما عُيِّن بمجلس الشيوخ عام ١٩٣٦م. شيَّد أبسخيرون قصرًا رائعًا في تصميمه وذوقه الفني بمدينة أسيوط ليكون واجهةً ثقافيةً مهمةً آنذاك ولعقد الاجتماعات بين الثقافات المختلفة وهو الأمر الذي دعم الحضور في المجال العام، وقوَّى التواصل بين الفاعلين في هذا المجال آنذاك. والجدير بالذكر، أن الملك فاروق قد منحه الباشوية بعد أن شاهد القصر وأُعجِبَ به.
– إستر ويصا (١٨٩٥-١٩٩٠م): وهي ابنة أخنوخ فانوس والسيدة بلسم ويصا، لكنها عُرفت بإستر ويصا بعد زواجها من فهمي بك ويصا. تُعد مدام ويصا واحدة من أهم رائدات الحركة النسائيَّة المصريَّة لكونها إحدى مؤسِّسيها من ناحية، وللدور الاجتماعي والسياسيِّ الذي قامت به خلال مسيرتها الطويلة في العمل في المجال العام من ناحية أخرى، والذي تُوِّج بحصولها على وسام الكمال الذي منحه إياها الرئيس جمال عبد الناصر. بدأ حسها الوطني منذُ أن كانت في بيت أسرتها التي اتَّسمت بالوطنيَّة والاهتمام بالشأن العامّ، شاركت في المظاهرة النسائيَّة لثورة ١٩١٩م وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، كما اشتركت في لجنة الوفد التي قادها سعد زغلول لرفع الانتداب البريطانيّ عن مصر، وفي العام ١٩٢٣م شاركت في تأسيس الاتحاد النسائيِّ المصريِّ مع هدى شعراوي وزميلاتها، وفي العام ١٩٢٤م أسست جمعية “العمل من أجل مصر” لمساعدة النساء الفقيرات ولتحسين أوضاع النساء الاجتماعيَّة. والجدير بالذكر، أنها المرأة الوحيدة التي ألقت خطبةً من على منبر مسجد لحثِّ المصريين للدفاع عن الوطن وتحريره من الإنجليز.
– الشيخ جرجس بشتلي: أنشأ أول مدرسة في أخميم بمديرية سوهاج عام ١٨٧٠م انضم إليها حين افتتاحها خمسة وأربعون تلميذًا.
– الشيخ ميخائيل فلتس (1848– 1911م): أحد أثرياء الأقباط الذين قدموا خدمات جليلة لأبناء وطنه عامةً وأبناء بلدته صنبو بمحافظة أسيوط خاصةً، وهو من الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًّا في دعم مسيرة الإرسالية الأمريكيَّة بأسيوط. على الرغم من كونه أميًّا، إلا أنه اهتم بالتعليم للبنين والبنات على السواء؛ حيث أقام مدرستين بقرية صنبو -واحدة للبنات وأخرى للبنين- وخصَّهما برعايةٍ لم يكن لها مثيل في الحقبة التاريخيَّة التي أُنشِئَت فيها، فعلاوةً على مجانية التعليم بتلك المدارس، كانت مجهزة بوسائل لراحة التلاميذ خاصةً الذين يفدون من أماكن تبعد عن المدرسة، كما أنشأ مدرسةً للتعليم الفني. لم يقتصر دور الخواجة ميخائيل على خدمة التعليم بل امتد إلى العمل في مجال الصحة ورعاية الفقراء والأيتام، كما أنه طلب من صهره الخواجة أسعد عبد المتجلِّي أن يكون مهر ابنته بناء الكنيسة الإنجيلية بقريته “صنبو” وقد كان له ما طلب إلى جانب مدرسة بالقرية تحمل اسم أسعد عبد المتجلي حتى الآن.
– الإخوة خياط: وهم عائلة من أكبر العائلات المصرية التي لعبت دورًا اجتماعيًّا مهمًّا وفاعلًا خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. بدأ دور الأخوين خياط (بسطروروس، وجورجي) بإنشاء المدارس لتعليم البنات والبنين إيمانًا بأهمية التعليم في تطور المجتمع، ففي العام ١٨٧٦م أنشآ مدرسة “الخياط الواصفية” كما تبرعا لإنشاء الجامعة المصريَّة ولإقامة المستشفيات والملاجئ… وغيرها من الأعمال الخيريَّة. كان جورجي ويصا أيضًا من رُوَّاد العمل الصحفيّ، وأصدر أكثر من مجلَّةٍ لمناقشة القضايا الاجتماعيَّةِ كما كان شاعرًا موهوبًا. وبقراءة الوثائق التاريخيَّة نجد أن اسم عائلة خياط كثيرًا ما يتردد عن الحديث عن الدور الاجتماعي والثقافي للأقباط خاصة في صعيد مصر.
– الأخوان بقطر: ويصا وحنا بقطر شابَّان عصاميَّان وُلِدَا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر بقرية بني قرة، عملا بالتجارة إلى أن أصبحا من أعيان أسيوط، لُقِّب ويصا الأخ الأكبر بملك الأغنياء في صعيد مصر وكان سبَّاقًا لخدمة بلدته والمساهمة في المشروعات الخيريَّة. أول من قاما بتأسيس مدرسة بأسيوط وأوقفا عليها مائة فدان من أجود الأراضي كما تبرعا لإنشاء مدرسة محمد علي الصناعية بالشاطبي بالإسكندرية.
اسم الكاتب : الشيخ أسامة رشدي
شذرة كتابية (1)
هذا هو الوقت…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«فَإِنَّهُ وَقْتٌ لِطَلَبِ الرَّبِّ حَتَّى يَأْتِيَ وَيُعَلِّمَكُمُ الْبِرَّ.»
(هوشع 10: 12)
نعم، هذا وقتٌ لطلَبِ الرب، فلتسكُب نَفسَك أمام الرب كما سكبتها حنَّة؛ فنالت سؤل قلبها وأعطاها الرب صموئيل (صموئيل الأول 1: 15)، ولتتضرع سجودًا أمام الربِّ كما فعل إيليـا؛ فنال غيمةً صغيرةً وأعطاه الرب مطرًا عظيمًا (الملوك الأول 18: 42)، ولتدخل إلى العلية أمام الرب كما دخل أليشع؛ فنال استجابةً عظيمةً وأقام ابن الشونمية (الملوك الثاني 4: 33)، ولتذرف الدموع أمام الرب كما بكي نحميا؛ فنال نجاحًا وأعطاه الرب بناءَ الأسوار. (نحميا 1: 4)
إنه وقت لتجاهد معه بصـــلاة متضعة، ولا تترك إلهك، حتى يسمع لك ويستجيب.
شذرة كتابيَّة (2)
عودة من المدينة الوسطى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“فَوَجَّهَ حَزَقِيَّا وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَصَلَّى إلى الرب وقال «آهِ يَا رَبُّ»”
(إشعياء 38: 2)
يا لها من صرخة “آه يا رب”!
فهل في داخلك صرخة “آه يا رب” كصرخةِ هذا الملك أمام امتحان الإيمان؟ هل امتلأت عيناك بدموعٍ كما امتلأت عيناه؟ وهل بَكيَت بُكاء عظيمًا كما بكى؟ هل وجَّهت وجَهكَ إلى الحائطِ وضاقت نفسك كما ضاقت نفسُهُ؟ اطمئن، إن الرب في حنانِ قلبه لم يحتمل آهات حزقيا، ولم يدع إشعياء النبي يستكمل مغادرة المدينة الوسطى، حتى قال له: “ارجع” وقال لحزقيا:
«قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هَأَنَذَا أَشْفِيكَ.»
(ملوك الثاني 20: 5)
فهل يوجد قلبُ أبٍ مُحبٍّ مثل قلب إلهــك؟ هل توجد أحشاء رحمة وعطف مثل رحمته وعطفه؟ افرح، لأنه سمع صلاتك، رأى دموعك، تحنن عليك، وفي شدة آلامك وعدهُ لك “هأنذا أشفيك”، افرح لأنك ابنه الغالي، وصلاتك ودموعك غالية جدًّا على قلبه “حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي”.
(نشيد الأنشاد 6: 5)
شذره كتابية (3)
غالٍ جدًّا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ.”
(إشعياء 43: 4)
نعم، أنت غالٍ وعزيزٌ ومُكرَّمٌ في عيني إلهك. قد لا تجد اهتمامًا أو إكرامًا أو تقديرًا من البشر، لكن في قلبه لك مكان خاص، أحشاؤه تفيض عليك بعطفٍ وحنانٍ، محبته ورضاه يحيطان بك من كل جهة، فإن كان الرب دعا إبراهيم “خليلي” ( إشعياء 41: 8)، وقال عن موسي وهو ثقيل الفم واللسان “عبدي” (عدد 12: 7)، وشجع جدعون الضعيف وناداه “يا جبّار البأس” (قضاة 6: 12)، واقترب للطفل وهو وحيد في سكون الليل وناداه بالاسم “صموئيل صموئيل” (صموئيل الأول 3: 10)، ولمس دانيآل وقوَّاه وناداه “أيها الرجل المحبوب” (دانيآل 10: 11)، وقال لتلاميذه الذين تركوا كل شيء وتبعوه “يا أولادي” (يوحنا 13: 33)؛ فكيف لا يقترب إليك؟ كيف لا يحنو عليك؟ كيف لا يحاوطك وأنت في ضيقتك بإحسان ومراحم، كيف لا يحملك على ذراعه الأبدية، وفى حضنهِ وعلى قلبهِ، وفى عينيهِ، وأنت الابن المفدي بدمِ المسيح الكريم؟ تشجع أنت غالٍ جدًّا.
شذره كتابية (4)
طوق النجاة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“يَا إِلَهَنَا أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هَذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ، وَلَكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا”
(أخبار الأيام الثاني 20: 12)
يا لها من صلاة رائعة “نحوك أعيننا”!
فهذه هي صلاة يهوشافاط الملك، عندما وقف ضعيفًا أمام جمهور كثير من الأعداء وطلب معونة إلهية؛ فاستجاب له الرب وأعطاهُ نصرة. والدرس لك واضح؛ قد لا تعلم ماذا تعمل أمام أمرٍ مُعقَّدٍ وصعبٍ، أمام بابٍ مُغلَقٍ، أمام مرضٍ خطيرٍ، أمام احتياجٍ لا تعرف كيفيَّةَ سداده، أمام غُربةٍ لا يوجد فيها أمانٌ، لم يتبقَّ لديك قوةٌ أمام كلِّ هذه التحديات، لكن يبقى لك طوقُ النجاة الوحيد في إلهك، فارفع عينيك إليه، ثق به وبمحبته، ليكن اتكالك وانتظارك لشخصه ولا سواه، دعهُ يتدخل بحكمتهِ وبطريقتهِ، وافرح بالاستجابات التي يصنعها لأنه لم يترك طالبيه، ولم يخزَ أبدًا منتظروه.
اسم الكاتب : ق.بيتر وديع
كتاب التنمية من الإحسان إلى مجتمع المتانة والمرونة هو أحدث مؤلفات الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيليّة بمصر ورئيس الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة، وصدر عن دار الثقافة في بداية عام 2022، وهو مؤلَّف من مؤلَّفات مجال المسيحيَّة والمجتمع.
من الجدير بالذكر أن الكاتب من أقدر الكُتَّاب العرب في هذا المجال، حيث إنه رُسم قسًّا لخدمات التنمية منذ أكثر من 35 عامًا، وله باع طويل في العمل الاجتماعي التنموي؛ إذ عمل في مجال التنمية المحلية والنشر بدار الثقافة وأيضًا الحوار بين الثقافات وبناء السلام، وهو يرأس الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة بكل قطاعتها وجميع مجالاتها، منذ عام 2010 وحتى الآن. إضافةً إلى ذلك فقد أنجز زكي إنجازًا أكاديميًّا عظيمًا في مجال التنمية الاجتماعيّة ومجال الأديان والسياسة، وحصل على درجة الماجستير من الولايات المتحدة الأمريكيّة، ودرجة الدكتورة من المملكة المتحدة.
يأتي كتاب التنمية من الإحسان إلى مجتمع المتانة والمرونة في 114 صفحة، ومُقسَّم إلى فصلين عدا المقدمة والمراجع. الفصل الأول تأسيسيٌّ نظريٌّ بعنوان تطور مراحل العمل التنموي، والفصل الثاني تطبيقيٌّ عمليٌّ بعنوان مبادرات مجتمعية.
يتميز الكتاب بأنه مُهدَّفُ الرسالةِ وليس به استطراد، كما أنه سَلِسُ اللغة يستطيع الجميعُ قراءتَه، فهو يخاطب الأكاديميين من خلال تأصيل نظري للعمل الاجتماعي وتاريخه ومراحل تطوره، وأيضًا العاملين والناشطين في المجتمع المدني في مجالات التنمية المختلفة.
أريد أن ألقي ضوءًا مختصرًا على الكتاب، وأقدّم لكَ -عزيزي قارئ مجلة النسور- عرضًا سريعًا له، متمنيًا أن يكون هذا المقال فاتح شهية لكَ لقراءة الكتاب، ومن ثم قراءة المزيد والمزيد في هذا المجال المهم للكنيسة ودورها وإرساليتها.
الفصل الأول: مراحل تتطور العمل التنموي
يقدم هذا الفصل خلفيةً نظريّةً للعمل التنموي وعرضَ أهم مراحل تطور مفهوم هذا العمل في المجتمع المصري. ويتكلم عن المرحلة الأولى وهي مرحلة العمل الخيري ومفهوم الإحسان؛ وهو المفهوم الذي يسعى لتقديم المساعدات الاجتماعية للطبقات والمحرومة والفقيرة في صور مثل: تقديم خدمات صحية مباشرة أو توزيع الطعام والملبس، والإنفاق على الطلبة في المدارس. ثم يدخل على المرحلة الثانية وهي مرحلة تنمية المجتمع -مرحلة ما بعد العمل الخيري- والتي تهتم بالمجتمع المحليّ ككل، وتبحث عن السلبيات والمشكلات التي تواجه المجتمع ككلّ وتعمل على اقتراح تدخُّلاتٍ لحلِّها. وبعد ذلك تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة مفهوم النمو وعلاقته بالتنمية، ويختلف مفهوم النمو عن التنمية، فمفهوم النمو يمكن أن ينطوي على الاستغلال كما أنه يمكن أن يكون غيرَ متوازن، وأما التنمية بمعناها التحرُّري فتنطوي على التوازن والشمول والمساواة. وفي هذه المرحلة تم تطور مفاهيم التنمية بما يُسمَّى التنمية الشاملة والتنمية المستدامة. التنمية الشاملة تهدف إلى تنمية المجتمع في كل جوانبه ومراعاة كل احتياجاته، من خلال إسهام المجتمع والمشاركة الشعبية. والتنمية المستدامة تهدف إلى معالجة الأزمات من خلال ثلاثة عناصر ضرورية، هي: التنمية الاقتصاديّة، والعدالة الاجتماعيّة، وحماية البيئة.
بعد ذلك حدث تطور في استراتيجيات العمل التنموي، لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، وتطورت الاستراتيجيات عبر الوقت، والتي هدفت إلى الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها وسيطًا تنمويًّا يتم تمكينه وبناء قدراته ليتمكن من إدارة البرامج التنموية المختلفة.
ودخل العمل التنموي عصرًا جديدًا بتطور مفهم واستراتيجية التنمية المرتكزة على الحقوق Rights – Based Approaches for Development، والتي ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان؛ كالمساواة، والمساءلة، والشفافية، والمشاركة. وهو يهدف إلى تنظيم المجتمعات المحلية لدعم مصالحها وحقوقها والدفاع عنها.
ثم ظهر تطور جديد وهو التنمية المرتكزة على المتانة والمرونة المجتمعية The Social Resilience – Based Development model، والتي تستهدف بناء القدرات وتعبئة الموارد لمواجهة المخاطر والتهديدات والصعوبات الحالية لتمكين المجتمع من قراءة واستشراف المستقبل بما يحمله أيضًا من تغيرات ومخاطر ليتم الاستعداد لها في الوقت الراهن.
الفصل الثاني: مبادرات مجتمعية: تطور الخبرة التنمويّة للهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة
الهيئة القبطيّة هي جمعية مصريّة ذات صفة عامة لا تهدف إلى الربح، تسعى إلى الارتقاء بنوعية الحياة في المجتمعات المهمشة والفقيرة عن طريق الأفراد والمجتمعات من خلال التنمية. نشأت عام 1950، ثم أُشهِرت تحت وزارة التضامن الاجتماعي عام 1960 تقريبًا، فهي تخدم المجتمع المصري منذ أكثر من 70 عامًا تقريبًا.
وتطورت استراتيجيات العمل في الهيئة والنهج التنموي التي تتبناه عبر الوقت، فلقد بدأت عملها التنموي من خلال استراتيجية التنمية بالمشاركة مع المجتمعات المحلية، والتي كانت تغطي تقريبًا السنوات العشر الأولى. ثم انتقلت إلى استراتيجية المتابعة والاعتماد على الذات: التي تصل إلى خمس سنوات أو أكثر، يتم من خلالها نقل مسؤوليات البرامج والإدارة إلى المجتمع مع انسحاب فريق الهيئة تدريجيًّا.
ثم في عام 2000، تطور العمل في الهيئة وتحول من المشاركة والمتابعة والاعتماد على الذات إلى استراتيجية الدعم المؤسسي وبناء القدرات لجمعيات تنمية مجتمعية محلية، وفي عام 2011، تبنت الهيئة إحدى أهم استراتيجيات العمل التنموي وهي منهجية التنمية المرتكزة على الحقوق، وفي نفس العام أيضًا تبنت نموذجًا يُعرَف بـ”التنمية المناطقية”، الذي يهدف إلى تطوير وتنظيم المناطق الريفية المحرومة والمهمشة. وبعد ذلك مؤخرًا بدأت الهيئة في التحرك بنهج المتانة والمرونة في التنمية المجتمعية.
يدخل الكتاب بعد ذلك في الجزء العملي التطبيقي، فيما يُسمَّى المبادرات المجتمعية التي قامت بها الهيئة القبطية كنموذج تطبيقي معاصر في خدمة المجتمع، ويعرض لنا الكتاب أبرز وأهم نماذج من المبادرات المجتمعية كالتالي:
وبعد ذلك يعرض لنا الكاتب خمس مبادرات من المبادرات التي قام بها منتدى حوار الثقافات بالهيئة خلال الفترة الماضية، والتي كان لها صدى حقيقي في التأثير على المجتمع، وبناء الجسور والسلام بين فئاته.
وبذلك يكون قد اختتم الكاتب هذا الكتاب القيم الذي هو بكل تأكيد إضافة للمكتبة العربيّة بشكل عام، والمكتبة العربيّة المسيحيّة بشكل خاص، حيث هذه المساحة التي تربط الدين بالمجتمع، وتؤصل للعمل الاجتماعي كتابيًّا ولاهوتيًّا.
اسم الكاتب : القس جادالله نجيب
يكتب يوحنا في بشارته الإصحاح 13 قصة غسل أرجل التلاميذ أثناء العشاء قبل عيد الفصح، والتي لم تأتِ في موضع آخر لباقي البشائر (متى ومرقس ولوقا). إلا أن لوقا يذكر أنه حدثت مشاجرةٌ بين التلاميذ في مسألة من فيهم يكون الأعظم. أما مرقس فيسجل بشكل مباشر أن المشاجرة حدثت بعد طلبٍ مباشرٍ من يعقوب ويوحنا من السيد أن يكون واحدًا عن اليمين وآخر عن اليسار.
ومن المفارقة العجيبة أنه بينما كان يتحدث المسيح إليهم عن آلامه وموته، يطلب التلميذان مكانتهما وموقعهما. غياب الإحساس والتعاطف مع السيد فيما سيجتازه، حجب عن قلبيهما أن يعيشا اللحظة مع قائدهم ومعلمهم، والأقسى من ذلك البحث عن “عز المُلْك معه” حسب تعبير الأب متى المسكين. (متى المسكين، 526)، أليس هو حال الكنيسة الآن بين الخدام؟
لم تكن رغبة الأعظم هي في قلب وعقل يعقوب ويوحنا فقط، فباقي التلاميذ شعروا بالغيظ والغضب، فأيُّ امتيازٍ يكون لهما أكثر، هكذا كان حالهم. “وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا”، من هنا نجد أن مرقس ولوقا يسجلان رد فعل السيد: “فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الْأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلًا، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مرقس 10: 42- 45). أما يوحنا فقد سجَّل لنا غسلَ الأرجل كوسيلةٍ تعليميَّةٍ تنطبع في الوجدان وتُحْدِث تغييرًا جذريًّا في هويتهم ومنهج تفكيرهم.
تميز يوحنا في كتاباته عن باقي البشائر بأنه لا يكتب الأحداث والحقائق بدقة فقط، بل يهتم بما هو أبعد من الأحداث فيقدم بعدًا جديدًا ومعنًى أعمق مستترًا، ودلالاتٍ واضحةً خلف كلماته. لذلك، فإن إنجيله ليس تسجيلاً تاريخيًّا فحسب -على حد قول وليم باركلي في مقدمة تفسيره للإنجيل- بل “إنجيل روحي” (وليم باركلي، 21) من واقع المعايشة والاختبار. أما الأب جيرالد أو كُلِنز اليسوعي في كتابه (يسوع، ملامح من شخصيته) فيوضِّح أن الفرق بين الأناجيل الثلاثة: “لم يكونوا شهود عيان أنفسهم، ولكنهم كانوا قريبين من الطرق التي روى من خلالها شهود العيان الأصليون تاريخهم مع يسوع… غير أن الإنجيل الرابع يعرض نسخة أعمق تفسيرًا لحياة يسوع. فمن خلال رواية أشد حبكًا، واختيار أدق للأحداث المُدوَّنة، أصبح هذا الإنجيل تفسيرًا تأمليًّا عميقًا لهوية يسوع ورسالته” (الأب جيرالد، 13).
يحمل الحدثُ الجلل الذي قدمه السيد المسيح لنا بغسل أرجل التلاميذ معنَيَيْن: المعنى الأول الذي يظهر على السطح أو قل الأقرب لذهن القارئ هو تواضع السيد العظيم؛ حيث قام يسوع بدور العبيد، فخدمتهم في وقت الولائم هي صب الماء وغسل الأرجل. أما المعنى الأعمق هو أن غسل الأقدام سبق إعلانه عن نفسه ذبيح الفصح، الذي من خلال موته يغسل وسخ أخلاقنا الردية وآثامنا وذنوبنا، (Bruce,198) من خلال شركته الحقيقة وحبه الأسمى حتى المنتهى لخاصته.
غسل الأرجل
في الشرق الأدنى، كان كرم الضيافة عادة أصيلة، والذي ارتبط بالترحيب بالضيف بغسل رجليه لتنظيفهما من اتساخ غبار الطريق وراحة من عناء السفر. نرى هذه العادة واضحة في سفر التكوين؛ فقد استقبل إبراهيم ضيوفه في تكوين 18: 4 بغسل أرجلهم. ولم تكن هذه المسؤولية هي مسؤولية رب الأسرة ولا عبد عبراني، بل للعبد الغريب (ويرزبي، 11). إلا أنها عادة لا تحتقر كرامة أحد، فقد كانت علامةً على الحب، فكان المضيف أحيانًا يغسل أرجل ضيوفه والزوجة كانت تغسل قدمي الزوج حبًّا وتكريمًا له وهكذا كانت تفعل الابنة لأبيها. يقول بعض الباحثين إن إبراهيم أحضر الماء بنفسه وهو من غسل أرجل ضيوفه (White, 26).
يكتب فيلو -الفيلسوف السكندري اليهودي المعاصر للرب يسوع- تعليقًا على ضيافة إبراهيم، أن غسل الأيدي والأقدام كانت علامة وإشارة عن حياة بلا لوم، وقوة أخلاقية وروحية… كما أكَّد على أن غسل الأقدام عند الكهنة كان علامةً على استقامة الأخلاق، ونقاء القلب، وتقديس النفس، حيث كان الكاهن يدخل محضر الله طاهرًا , 26) White).
نلاحظ في تكوين 24: 32؛ 43: 24 أن الضيوف يغسلون أرجلهم بأنفسهم دون عبيد أو حتى صاحب البيت. “فَدَخَلَ الرَّجُلُ إِلَى الْبَيْتِ وَحَلَّ عَنِ الْجِمَالِ، فَأَعْطَى تِبْنًا وَعَلَفًا لِلْجِمَالِ، وَمَاءً لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ وَأَرْجُلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَعَهُ”، “وَأَدْخَلَ الرَّجُلُ الرِّجَالَ إِلَى بَيْتِ يُوسُفَ وَأَعْطَاهُمْ مَاءً لِيَغْسِلُوا أَرْجُلَهُمْ…”.
ومن روائع القصص التي نقرأها عن غسل الأرجل، والتي تجسِّد المعنى الحقيقي لغسل الأقدام في الشرق والذي يعني بالدرجة الأولى المحبة والخدمة، هي قصة امرأة يوسف “أسنات” ابنة كاهن فرعوني “وَدَعَا فِرْعَوْنُ اسْمَ يُوسُفَ «صَفْنَاتَ فَعْنِيحَ»، وَأَعْطَاهُ أَسْنَاتَ بِنْتَ فُوطِي فَارَعَ كَاهِنِ أُونَ زَوْجَةً” (تكوين 41: 45). والتي تتمشى مع تقاليد وعُرف ذلك الزمان لغسل الزوجة لقدمي زوجها. تحكي القصة بأنه “حال وصول يوسف إلى بيت أبيها، استقبلته أسنات وقالت له: «تعالَ يا سيدي وادخل إلى بيتنا فإني أعددت لك عشاءً شهيًّا»، وأمسَكَت بيده اليمنى وأدخلته إلى بيتها وأجلسته على كرسي والدها، ثم أتت بماء لتغسل رجليه. فقال لها يوسف: «أحضري عذراء من الخادمات لتغسل رجليّ». فقالت له أسنات بلغة حاسمة: «لا يا سيدي، فأنت من الآن فصاعدًا مولاي، وأنا لك خادمة. لماذا تطلب أن أدعو عذراء لتغسل قدميك؟ فاعلم يا سيدي أن قدميْك هي قدماي ويديْك هي يداي وروحك هي روحي، ولن تغسل رجليك بعد اليوم امرأة غيري»، وابتدأت أسنات تغسل رجليه. تطلع يوسف إلى يديْها، فكانتا في عينيه كيدين تَهَبُ الحياة، وأناملها كأصابع كاتب ماهر. فأمسك بيدها اليمنى وقَبّلها، أما أسنات قبَّلت رأسه وجلست عن يمينه” (White, 42).
لم تغسل أسنات رجليّ يوسف، بسبب التقاليد والأعراف في زمانها، بل بدافع الحب والتقدير والاحترام، قدمت نفسها طواعية لتكون خادمة له مدى الحياة.
في تعليق بديع يتناسب مع ما فعلته أسنات ليوسف، عما فعلته مريم المجدلية للسيد المسيح حينما ذهبت للقبر مع بطرس ويوحنا، يقول: “كانت المحبة التي في قلوبهم ليسوع هي النور الذي أشرق في العينين لرؤية الحقيقة، والنور الذي بدد ظلام القلب… فالمحبة هي أعظم مترجم يهضم أفكار الآخرين ويقدمها للناس. المحبة هي التي تغوص في الأعماق لتكشف لآلي الحق، في الوقت الذي يتخبط فيه المنطق على الشاطئ. المحبة هي التي تحقق معنى الأشياء التي يعجز البحث عن الوصول إليها. (باركلي، 529– 530) وهي طاقة الارتباط والاتحاد والوحدة في الأسرة والمجتمع. چان فانييه قدم وصفًا للمحبة بطريقة عبقرية، عندما قال: “المحبة ليست عاطفة عابرة تصل لمن نحب، ولا مشاعر جياشة تمتلكنا، بل هي إقرار عهد متبادل مع من ننتمي إليه” (Called community, 121).
في الثقافة اليونانية الرومانية كان هناك أيضًا تطهير للكهنة في دخولهم لدور العبادة لآلهتهم. في دراسة لكاتب غير معروف تقول إن يوحنا كان يعيش في ثقافة يونانية رومانية تتبع تقليد أن رب العائلة الذي يدعو ضيوفًا إلى وليمة في بيته، يقوم بواجب الترحيب وغسل أرجل ضيوفه ثم بعد الانتهاء من مأدبته، يبتدئ رب الأسرة في دور التعليم والإجابة على أسئلة الحاضرين بعدها يختم بصلاة. ومن هنا نفهم أن الإصحاحات من 13- 17 وحدة واحدة. هذه الإصحاحات تسجِّل كل ما حدث في ليلة العشاء من تجمع التلاميذ مع الرب يسوع وغسل أرجلهم مع اعتراض بطرس ثم التعليم الذي قدمه الرب لهم، وتنهي بالصلاة التي خُتِمَت بها الإصحاحات الخمسة.
لم تكن مناسبة غسل الأرجل ضيافة من المسيح للتلاميذ لتخفيف عنهم معاناة الطريق وغبارها، بل حفلة وداع أخذت طابعها المتميز ومعانيها التي لم يفهمها حتى التلاميذ أنفسهم. لم يستقبل السيد تلاميذه بغسل أرجلهم حال وصولهم وقبل العشاء كما كانت العادة آنذاك، بل في أثناء العشاء قام السيد ليغسل أرجلهم وبعدها أكملوا العشاء.
من القراءة للنص يبدو أن السيد أعطى الفرصة للتلاميذ ليغسل أحدهم أرجل الآخر، وحيث إنه لم يجد من هو مستعد لهذه الخدمة، أخذ هو -وهو السيد والمعلم- المبادرةَ، ليغسل أرجل تلاميذه. (Bruce, 196).
كانت المبادرة من قلبٍ محبٍّ، الذي أحبَّ خاصته إلى المنتهى، بلا نقد أو توبيخ أو تأنيب لهم؛ فمحبته حسمت الموقف. غَسْلُ أرجلهم شكَّل عقولهم وقلوبهم، بل مَلَكَ وجدانَهم نموذجٌ لن يُنسى. كان السيد نموذجًا للعبد، ونموذجًا للسيد والمعلم (الرَّبّيّ) الذي لا يرحب فقط، بل يعلِّم ويصلِّي من أجل ضيوفه. غسل الأرجل وسيلة قدمها يسوع لمصالحة النفس والآخر، ومقدمة للصليب. فالصليب هو “طريق الخلاص ومفتاح تشكيل وبناء مجتمع المحبة” (Bruce, 199)والوحدة التي تجسد محبة الله.
غسل الأرجل اتجاه وإرسالية؟
يربط البشير بين وجبة عشاء -دَعَا لها السيد المسيح تلاميذه في وقت رحيله من هذا العالم للعودة إلى أبيه (الله) وكانت وجبة العشاء تسبق عيد الفصح مباشرةً- وبين إعلانه عن حبه العميق لخاصته “إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”. في عشاء الوداع يقدم يسوع البعد الروحي والإنساني والاجتماعي لمحبته لتلاميذه. هذه المحبة بمعناها الشامل تتجسد في علاقة المعلم بتلاميذه في عدة محاور:
المحور الأول: هو أن ساعة المسيح قد جاءت، الساعة الحاسمة لعبوره من هذا العالم إلى بيت الآب (13: 3، 14: 2 و28). إنها الساعة التي فيها يعلّم تلاميذه -في إطار الفصح كما كان يفعل رب العائلة اليهودية في عيد الفصح، في جو من رباط وشركة مقدسة. “يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي”. إنها ساعة ولادة الكنيسة، لتُبْقِي فيهم وبهم الحضور الإلهي بين البشر بعد الفصح أي بعد موت المسيح وقيامته.
المحور الثاني: المثال الحي للخادم الشريك مع المسيح. “خَلَعَ ثِيَابَهُ… وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلَامِيذِ”، في ترجمة فان ديك العربية المترجمة عن King James تأتي الكلمة اليونانية بالجمع “ثياب” لا “ثوب”، “laid aside his garments، أوoff his outer clothing took” (الملابس الخارجية)، لو كان مجرد ثوب خارجي فهذا يعني (القفطان) لأصحاب المقامات الاجتماعية أو الدينية وبالتالي تكون الترجمة خاطئة من جهة وإفسادًا للمعنى وقصورًا في فهم الهدف من وراء هذه الممارسة.
أبدع الأب متى المسكين في شرحه المتميز لترجمة ثياب لا ثوب، فالثوب يُعتَبَر (القفطان) الخارجي فقط، إلا أن المسيح خلع الثياب أي كل الثياب الخارجية ولا يتبقى منها إلا الملابس الداخلية. (نفهم نحن المصريين أو قاطني الشرق الأوسط، أن الملابس الداخلية تشبه لبس الفلاح المصري وهو يعمل في حقله، وبالتالي هناك فرق شاسع بين الملابس الداخلية في زماننا اليوم وأيام المسيح آنذاك). يقول الأب متى المسكين إن الملابس التي ظهر بها يسوع وهو يغسل أرجل التلاميذ هي نفس ملابس الخدم والعبيد الذين يغسلون أرجل الضيوف. هذه الصورة تعلن أن العبد في “ظل قوانين العصور الأولى والقانون الروماني فاقد لحقوقه الإنسانية ويُباع ويُشتَرَى ويرتهن ويعاقب ويقتل بيد صاحبه أو سيده دون مؤاخذه” (متى المسكين، 783).
في الكنيسة الأولى يعلن لنا لوقا البشير عن حياة المؤمنين وشركتهم تخطت كل الحدود، ليس مجرد غسل الأرجل، ولا قبول الواحد الآخر وتقديره، بل ثمرة الحب الإلهي في قلوبهم جعلتهم يتسارعون في البذل والعطاء حتى بذل الذات (أعمال 2: 41- 47). اختبر المؤمنون الأوائل الشركةَ في معناها الحقيقيّ. لم يمارسوا الشركة معًا من وقت لآخر، بل كانوا هم الشركة، ولم يذهبوا إلى الكنيسة، بل كانوا هم الكنيسة متجسدة في شركتهم. (Charles E. Moore, 87).
إن خلع الثياب وظهور المسيح أمام تلاميذه هو مثال ونموذج لإعداد كنيسة خادمة ومُرْسَلة، وتجهيز أقدام المبشرين لبشارة الإنجيل. البشارة التي لا يمارسها من يتطلعون لأنصبة أو مصلحة ذاتية، بل أولئك الذين يخدمون كما فعل لهم معلمهم “حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلَامِ” (أف 6: 15).
أما غسل الأرجل فهو النموذج الأكثر صعوبة وتأثيرًا على الإطلاق، الصورة التي تحرك الوجدان، وتظل عالقة في القلب والذهن عند التلاميذ ولدى كل المؤمنين المُخلِصين الذين يدركون معنى الخدمة. إنه عملٌ يفوق الوصف؛ إذ “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”. الذي يُعلن فيه “كمال محبته وملئها لخاصته” وعبارة “إلى المنتهى” تحمل معنيين: الأول كمال المحبة، والثاني إلى آخر حياته. محبة حتى الموت لأجل أحبائه. (COLOE, 400-415).
لم تكن محبة يسوع مجرد مشاعر أو عوطف إنسانية يعبِّر بها لتلاميذه، ولا حتى أعمال قدَّمَها لهم فحسب، بل محبته كانت ومازالت اتجاه قلب ومنهج حياة للعلاقة بينه وبينهم. قدم المسيحُ محبته من خلال قبولهم كأشخاص لهم قيمة وجديرين بالاحترام لهم كما هم، فتكونت شخصياتهم، وزُرِع الإيمانُ فيهم بالمعايشة معه والاحتكاكات اليومية. كان موت المسيح صدمةً عنيفةً، أحدثت خللًا في تصرفاتهم فتركوه، إلا أن عيونهم انفتحت على الحق بالقيامة.
المحبة التي أعلنها يسوع تجاوزت الحاجز الطبقي الاجتماعي، والصراع الإنساني بين التلاميذ فيمن يكون الأعظم! فأدركوا أنهم أشخاص يكوِّنون مجتمعًا على الأرض، مجتمع الكنيسة الولود، مجتمع المصالحة في نفوسهم ومصالحة بعضهم لبعض. لقد تشكَّلت هُويتهم وعرفوا أنهم الخدام المرسلون للعالم، وأن إرساليتهم اتجاه ومنهج، هوية وأسلوب حياة.
المحور الثالث: الشركة “إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ”. مفهوم غسل الأرجل اتخذ تدرجًا واضحًا يبدأ بالترحيب والضيافة وراحة من عناء الطريق في المفهوم اليهودي وحتى في العبادات الرومانية اليونانية في ذلك الوقت، أما المسيح فاتخذ خطوة لم يعرفها أحد من قبل ولن تأتي خطوة بعدها. فالشركة (Communion) هي قمة العلاقة والرفقة. ففي الشركة يكون للتلميذ نصيب أي الرفقة في الحياة، وحميمية العلاقة مع الله. فالشركة في العموم تحمل معنى التواضع والمساواة والعدالة والحق والمحبة الرحيمة. الخوري، بولس الفغالي، إنجيل يوحنا، دراسات وتأملات (عميشيت، 328).
الكلمة اليونانية (κοινωνία-كيْنونيْة) التي تترجم شركة باللغة العربية، تترجم بأكثر من مصطلح باللغة الإنجليزية:
الزمالة Fellowship: تعني الزمالة، مثل زميل العمل، زميل الدراسة أي حياة مشتركة بين اثنين أو مجموعة يقومون بأشياء مماثلة. (الإنترنت). كما تُطلق هذه اللفظة (Fellowship) على الكنيسة المحلية.
الرفقة Companionship: تأتي بمعنى المشاركة معًا في الأكل، وإطعام أحدهما للآخر، أو السير معًا. يشبه الرفيق القابلة (الداية التي كانت تساعد في التوليد). فالرفيق يساعدنا على الولادة في الحياة، بل يعطي معنى ودفئًا للحياة لرفيقه (الإنترنت). الرفقة ضروريةٌ في كل مرحلة من مراحل حياتنا، لكنها ضرورية في لحظات الأزمة عندما نشعر بالضياع. ويمتلكنا الغم والهم، عندما تنتابنا مشاعر الغربة والنقص. الرفيق هو من يمنح العون والثقة والتأكيد، بل يمنح روح الأمل الاستشراق لحياة جديدة. الرفيق لا يحكم أو يدين، بل يكشف الأجمل والأكثر قيمة في داخلنا، لا يتجاهل التعاطف مع ألمنا وأوجاعنا الداخلية.
الشركة Communion: تعني اتحادًا وترابطًا، وهي الأعمق من الزمالة ومن الرفقة. فهذه الكلمة تعني تقاسم الحياة وتبادلها الواحد مع الآخر. كما تحمل الكلمة معنى المجتمع بخصوصيته، وقيمه، ومبادئه، ورسالته.
كلمة الشركة التي ذُكِرت في ثلاث كلمات تحمل أيضًا أبعادًا أخرى كالآتي:
الانتماء يحدد الشخص هويتَه، ويجد فيه الأمان. في الانتماء يشكِّل الفردُ أسلوب حياته، ويحسِّن من قدراته، ويحترم الآخر ويقدِّره، ويتقاسم الحياة مع الآخر. في الانتماء تنكسر قشرة الأنانية والتمركز حول الذات وطلب المصلحة الفردية أو المجد الذاتي، ونتعلم كيف نحل الصراعات. في الانتماء ننفتح بعضنا على بعض ليتشارك الجميع في صنع القرارات. ويتضح هذا بقوة في أعمال الرسل إصحاح 15.
الشركة هي القدرة على أن أُعَبِّر عن مشاعري وأفكاري بحرية دون خوف. في معناها وممارستها تختلف عن التعاون أو التعايش السلمي أو العمل معًا في هدف مشترك. الشركة أعمق من نجاح مجموعات عمل أو إنجازها. الشركة ليست مجرد التعايش معًا أو العمل معًا كفريق، وليست مجرد تحقيق هدف مشترك، فالأهم فيها ليس هو النجاح في الإنجاز، بل بكل بساطة وجودهم معًا له معنى ومذاقه الخاص واستمتاع الواحد بوجود الآخر والاهتمام به (Vanier, 93- 97).
في كل رحلة خدمة يسوع، نرى تدرُّج شركته مع تلاميذه من وقت دعوته لهم كل بشخصه، واصطحابهم له في كل المواقف من إشباع الجوعى، ومشاركة البعض في أحزانهم وآخرين في أفراحهم، في شفاء مرضى وإقامة ميْت، وفي إرسالهم للتدريب العملي في الخدمة، ومواجهة أصعب المواقف وقت أن قُطعت رأس يوحنا المعمدان، إلى الوصول لقمة الرفقة والشركة في ليلة العشاء توجت عندما أخذ خبزًا وخمرًا وأعطاهم ليأكلوا ويشربوا، معلنًا أن الخبز هو جسده والخمر دمه، وعندما يأكلون ويشربون يثبتون فيه وهو فيهم، إنه الاتحاد السري.
أحب يسوع المسيح تلاميذه، ليقدم لهم نفسه مثالًا…
علَّمهم لكي يفهموا أن قبوله لهم كما هم، واحدة من أعلى مستويات التعليم والإعداد والتجهيز… دربهم لكي يكونوا أنفسهم فيصبحوا خدامًا للحق…
لم يحاول أن يغيّر من شخصياتهم ولا طباعهم، قَبِلَهم كما هم بعيوبهم ومحدودياتهم، بمَلَكَاتهم وسمات شخصياتهم. كان السيد يحرص أن يكون كل واحد فيهم نفسه، يتعلم لينمو، يتتلمذ منه لكي تتشكل شخصيته من الداخل. لم يمنع يهوذا أن يكون معه في حفل الوداع ولا حتى في العشاء الأخير. لم ينتهر بطرس الذي أنكره ثلاث مرات ولا حتى وقت أن قرر أن يرجع للصيد مرة أخرى. لم يتجاهل طلب توما أن يتأكد من صحة ما قيل من التلاميذ عن قيامته. هكذا كان أهم درس من دروس غسل الأرجل.
هكذا علم السيد المسيح تلاميذه، عمليًّا، وهكذا كان خطابه لهم قائلاً: أنتم أحبائي، لا عبيد. أحببتكم واخترتكم ودعوتكم تلاميذًا لي. عايشتم حياتي ولاحظتم تفاصيلها. جئت بكم لأجهزكم لمرحلة جديدة، فأنتم خدام الكنيسة التي ستولد في الجلجثة. أعطيتكم حياتي نموذجًا، وغسلت أرجلكم، عندما لم أجد منكم مبادرًا ليخدم إخوته، لكي تتعلموا أن غسل الأرجل اتجاه لا ممارسة وإرسالية لا طقس أو فريضة.
اغسلوا أنتم أرجل بعضكم البعض لكي لا يستعلي أو يستكبر أحدكم على الآخر…
اخترتكم لتكونوا تلاميذي، قبلتكم كما أنتم وأحببتكم بكل ما فيكم لكي تقدروا أن تقدموا حياة أصلية وخدمة حقيقية بلا زيف…
فكونوا أنفسكم، واقبلوا بعضكم بعضًا…
قدِّموا الحق الذي في داخلكم الذي شكَّل شخصياتكم… ليسكن الحق فيكم ويشكل شخصيات من تخدمونهم ليكونوا أنفسهم…
أخيرًا وليس آخرًا، لم يكن خطاب المسيح لتلاميذه فقط، بل لكل خادم وخادمة، لكل مؤمن ومؤمنة، لكل باحث عن نفسه الضائعة. إنه خطاب لي ولك أيها القارئ الكريم. وأترك لك سؤالًا محوريًّا، هل غسل الأرجل هو فقط ممارسة دينية نفهم منها أن من يغسل الأرجل متواضعًا، أو يغفر زلات الآخرين أم غسل الأرجل هُويّة تلازم المؤمن والخادم في حياته وخدمته وإرساليته؟
English Bibliography
Vanier, Jane. Called to Community, the life Jesus wants for His People, chapter 14, Communion (Robertsbridge: Plough Publishing House, 2016).
Milne, Bruce. The Bible Speaks Today, The Message of John (Nottingham: Inter- Varsity 1993).
Bromiley, W., Geoffrey. Theological Dictionary of The New Testament (Grand Rapids: William B. Eerdmans Publishing Company, 1985).
White G., Ellen. The Story of Patriarchs and Prophets (Mountain View, CA: Pacific Press Publishing Association, 1958).
[1] Coloue, L., Mary. Journal ARTICLE, Welcome into the Household of God: The Foot Washing in John 13. The Catholic Biblical Quarterly, Vol. 66, No. 3 (July 2004) (Virginia: Catholic Biblical Association).
المراجع العربية
اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
في حدث قيامة المسيح أرى الكثير من الأفكار والتأملات، لكن ونحن نتذكر القيامة أحيانًا يغيب عن بالنا أنها رحلة وطريق ذي معالم، هو طريق الآلام، وفي غمرة الفرح بالقيامة وبهجتها، لا ننسى أنها مرحلةٌ تاليةٌ لموتٍ وآلامٍ. وهي تُشبِهُ حالةً من مخاض الولادة؛ فهو ينطوي على آلام وأوجاع شديدة، لكنه ينتهي بفرحةٍ كبيرةٍ. هذا التشبيهُ استخدَمَهُ السيد المسيح في حديثه مع تلاميذه عندما كان يبصِّرهم بما ينتظرهم من اضطهادات وآلام، فقال: “اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ، وَلكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ، لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ” (إنجيل يوحنا 16: 21).
نتذكر القيامة لكننا لا نغفل الموت، ويزداد الحديث عن الموت في الفترات التاريخية التي تشهد تقلبات كعصرنا الراهن؛ فحالة الركود الاقتصادي التي يعيشها العالم جراء تأثيرات وباء كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية الضروس التي لا يعلم أحد إلى أين تتجه، وتخلف وراءها قتلى وجرحى وآلاف القصص المأساوية. هذه الظروف تنطوي على موت جسدي حقيقي، وموت داخلي، يتمثل في انعدام الرغبة في الحياة وغلبة اليأس والخوف في نفوس الناس، وسيادة عدم وضوح الرؤية على العقول وانعدام الهدف من الحياة.
إذن بأية قيامة نحتفل؟ وهل من أمل في قيامة من هذه الآلام؟ هل من رجاء في عالم أفضل؟
وفي هذا السياق يلهمني كثيرًا ما ورد في الرسالة إلى العبرانيين 2: 14- 15: “فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ”.
يشير هذا النص الكتابي إلى أفكار كثيرة حول حالة العبودية للموت واليأس، ويشير أيضًا إلى مشاركة السيد المسيح للإنسانيَّة في هذه الحالة المأساويَّة، ويشير إلى النصرة على الشر، وهو ما يفتح أمامنا طاقات الأمل والرجاء.
مبدأ المشاركة
وفقًا لما قرأناه في النص السابق، نفهم أن أول خطوة اتخذها المسيحُ نحو الإنسانية هي أنه تشارك معها في اللحم والدم، والنص يعني بذلك أن السيد المسيح أصبح متَّحدًا بالإنسانية في ظروفها. فرغبة المسيح وهدفه كانا واضحَيْن ومباشرَيْن: أن ينقذ الإنسانية من كل ما بها من موت بأشكاله المتعددة. أراد كاتب الرسالة إلى العبرانيين بقوله “تشارك في اللحم والدم”، أن يؤكد على التضامن الكامل من السيد المسيح وتوجُّهه نحو الإنسانية. تشارك كلي في كل شيء، ماعدا الخطية.
يشير كاتب الرسالة إلى العبرانيين إلى السيد المسيح بقيامته هزم إبليس، مصدر كل شر وألم وموت. قام السيد المسيح من الموت لتحرير البشر من قبضة الشر والشرير، لذلك فهناك سبيل للحرية مع المسيح.
تأثير المشاركة
لا يمكن إلا أن يكون لهذه المشاركة أثر عميق في الهوية الإنسانية، وما يقوله الوحي المقدس هنا مهمٌّ للغاية، لأنه يعلِّم أن قيامة المسيح تعطي بُعدًا جديدًا للإنسان؛ فلا يعود الإنسان بَعد عبدًا، بل ابنًا، وشريكًا، فينشر الحياةَ والأملَ والرجاءَ بين البشر بدلاً من جرح البشر بالأنانية والتمركز حول الذات وهي أصل كل الشرور والخطايا. هذه الهوية الجديدة يستمدها الإنسان من وعيه بحقيقة القيامة.
إنه سؤال جادٌّ يوجهه الله للإنسان: هل تقبل الحياة؟ كان هذا هو السؤال الذي وجَّهه نبي الله موسى للشعب قديمًا: “أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ” (تث 30: 19).
قيامة المسيح تضامن وانفتاح نحو الإنسانية
أدعوكم اليوم ونحن نفكر في القيامة أن نتأمل في أشكال الموت من حولنا. هل هناك فقير من حولنا؟ هل هناك مظلوم من حولنا؟ هل نعرف مسكينًا سحقت به الحياة للدرجة التي يأس منها فأصبحت الأخلاقيات مجرد رفاهية؟ هل نعرف جائعًا لا يجد قوت يومه فلا توجد لديه الفرصة أن يفكر في ملكوت الله؟ إن احتفالنا الحقيقي بالقيامة ليس فقط بترديد العبارات الدينية، بل هو سعي لتغيير المجتمع نحو الأفضل. أدعوكم أن نمد يد العون لكل من يقاسي صعوبات التحديات الاقتصادية. في كل مرة تمتد أيدينا لإنقاذ إنسان فنحن ننفذ روح الوصية الإلهية.
لهذا فإن قيامة المسيح هي إعلان تضامن عظيم بين الإنسان وأخيه الإنسان، مبني في الأساس على تضامن إلهي مع الإنسانية. التضامن بين الإنسان وأخيه الإنسان يبني الحياة، ويحفظ الكرامة، ويؤسس لعهد جديد لا فرق فيه بين رجل وامرأة، غني وفقير، قوي وضعيف.
التضامن الإنساني هو ما يمكِّننا من مواجهة التحديات والشر، وبه نستطيع الوقوف في وجه الموت الداخلي واليأس والإحباط. بهذا تصبح عبادتنا وتقربنا إلى الله ليست مجرد دعوات وصلوات لتحسين وضع الإنسانية، بل لتنفيذ وصية الله في العمل والخير الذي في خطته للإنسان.
ختامًا، لا أقول نصلي فقط، بل نصلي ونعمل لأجل بلادنا وسلامها وازدهارها، نصلي ونعمل معًا مع المسؤولين في بلادنا، رئيسًا وحكومةً ومجتمعًا، نصلي ونعمل لأجل كل محتاج لانتشاله من براثن اليأس لرسم طريق أفضل للحياة.
اسم الكاتب : هاني لبيب
دائمًا ما شغلني السؤال المكرَّر والمُعلَّق حول الدور الوطنيِّ للكنيسة الإنجيليَّة في مصر. وهو السُّؤال الذي يمثل حالةً من الاشتباك المباشر حول من يملك حقَّ منح صفة الوطنيَّة أو العكس سواء فكريًّا أو تاريخيًّا. وقبل ذلك كله ما تمثله الإجابة عن هذا السؤال اللغم عند البعض لارتباطه بالدور الوطني والتاريخي للكنيسة المصرية في مجملها في سياق تاريخ الدولة المصرية.
ولذا أؤكد أن الإطار المرجعي الحاكم لهذا المقال هو خبرتي الشخصية التي اكتسبتها وتفاعلت معها من خلال نشأتي وتكويني في عائلة “أرثوذكسية” صميمة، ثم دراستي خلال المراحل الدراسية “الحضانة والابتدائي والإعدادي” بمدرسة الفرير دي لاسال College de la Sale “الكاثوليكية”، وتطوعي بعد ذلك في أنشطة الشباب بجمعية كاريتاس مصر “الكاثوليكية”. ثم عملي بجمعية الصعيد للتربية والتنمية “الكاثوليكية”. ثم مشاركتي للهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية في العديد من برامجها ومشروعاتها التنموية ولقاءات “منتدى حوار الثقافات” الفكرية. والمشاركة في العديد من لقاءات سنودس النيل الإنجيلي.
قبل الاشتباك
الملاحظة الأساسية في رصد التاريخ الوطني للكنيسة الإنجيلية أنها تمثل نموذجًا للمؤسسات التي تترك لغيرها أن يكتب تاريخَها حسبما يتراءى له طبقًا لتوجهاته من جانب، وبما يخدم مصالحه من جانب آخر. وربما هو ما جعل المعروف والمنشور بحثيًّا عن تاريخ الكنيسة الإنجيلية يضعها باعتبارها استمرارًا للإرساليَّات التبشيريَّة التي صاحبت الاستعمارَ العسكريَّ واحتلال مصر.
للأسف الشديد، لا تزال العديدُ من الكتب المرجعيَّة التي تتحدث عن تاريخ الكنيسة الإنجيلية تربطها بمصطلح “الإرساليَّات التبشيريَّة” المرتبط بالاستعمار والاحتلال دون رصدٍ معلوماتيٍّ دقيقٍ للسياق التاريخيِّ والاجتماعيِّ والدينيِّ لها من جانبٍ، ودون تحليلٍ لأسباب بقائها واستمراراها إلى الآن في القيام بدورها الدينيِّ لأتباعها من جانبٍ آخر. فضلًا عن دورها الفكري والثقافي والاجتماعي والتربوي التي تميزت به لحد الريادة.
ويظل الاشتباكُ الأساسيُّ في الحديث عن الدور الوطنيِّ للكنيسة الإنجيليَّةِ متأثرًا سلبيًّا بكتابات القوميّين والعروبيّين والإسلاميّين؛ فالقوميُّون والعروبيُّون اعتبروا الكنيسة الإنجيلية هي صناعة الاستعمار واستكمالًا لدوره من مُنطَلَق أحاديَّةِ رؤيتهم التي لم تَرَ في العمل السياسي سوى التمسُّك بالعروبة والقوميَّة وبَعدَها الناصرية. ولا تزال بقايا تلك الاتجاهات موجودة على الرغم من انتهائها فكريًّا قبل سياسيًّا. أما الإسلاميُّون فاستهدفوا التشكيكَ في وطنيَّتِهم من جهةٍ، وتفتيت الجماعة الوطنيَّةِ المسيحيَّةِ المصريَّةِ خاصةً، على اعتبار أنه في وحدتهم قوة، وتفتيت الجماعة الوطنيَّة المصريَّة عامَّةً. حتى يصبَّ هذا التشرذمُ في صالح رصيدِ قوَّةِ جماعات الإسلام السياسيِّ بأشكالها المتعدِّدة.
* * *
تاريخ
بدأ الاهتمامُ بتأسيس الصحافة الإنجيليَّة المصريَّة باعتبارها وسيلةً من أجل التوعية (النشرة الإنجيلية المصرية سنة 1864م، والمرشد سنة 1894م، والهدى سنة 1911م، والقول الحق سنة 1898م، ومصباح الشرق سنة 1898م، وبرهان الحق سنة 1899م، ونجم المشرق سنة 1900م، والمحيط سنة 1901م، وبشائر السلام سنة 1901م، وبوق القداسة سنة 1903م، والشرق والغرب سنة 1904م، وكوكب الصبح سنة 1909م، والمرشد المدرسي سنة 1912م، والمراعي الخضراء سنة 1920م، وبوق القداسة سنة 1920م، وصحيفة المساعي 1927م، والمثال المسيحي 1927م، ورسالة السلام 1935م، وبشير الإنجيل 1936م، ورسالة الخلاص 1948م، والأخبار السارة 1951م، وأعمدة الزوايا 1957م، وأجنحة النسور 1959م).
يمكن رصد موجز لبعض الأحداث التاريخية ذات الدلالة في فهم الدور الوطني للكنيسة الإنجيلية في مصر من خلال:
– أول مُرسَلٍ لوثريٍّ إلى مصر هو بيتر هيلنج Peter Heyling سنة 1633م.
– بدأ العمل المرسلي للكنيسة المورافيَّة (كنيسة الإخوة المتحدين) مع زيارة الكونت زنزندروف Zinzendorf سنة 1750م.
– أول مُرسَلي الكنيسة المورافيَّة هو د. فريدريك وليم هوكر Frederic W.Hocker سنة 1750م. وخلفه جون هنري دانك سنة 1768م.
– صدر الفرمانُ العثمانيُّ من السلطان عبد المجيد خان بحق وكيل الطائفة الإنجيلية بالنظر في كافة الشؤون الملِّيَّة والشخصيَّة والاجتماعيَّة لأتباع الطائفة في 20 نوفمبر 1850م.
– وصول الإرساليّة المشيخية إلى مصر سنة 1854م.
– أنشأت الإرساليةُ الأمريكيةُ أول مدرسة للبنين في القاهرة سنة 1855م.
– تشكيل أول مجمع للكنيسة المشيخية بمصر في شهر أبريل 1860م، وضم سبعة أعضاء بينهم القس الدكتور يوحنا هوج، وسيدة من أصل سوري هي “وردة بركات”. وهنا تأسست أول كنيسة إنجيلية بمصر في درب الجنينة بحي الموسكي بالقاهرة.
– تأسيس أول مدرسة للبنات بحارة السقايين بالقاهرة في يونيو سنة 1860م.
– إنشاء مدرسة لاهوتيَّة إنجيليَّة، وافتتاح فصول لاهوتيَّة مسائيَّة غير منتظمة سنة 1863م.
– افتتاح صفِّ اللاهوت على يد القس د. يوحنا هوج سنة 1864م.
– افتتاح فصل التعليم اللاهوتي بالقاهرة سنة 1864م.
– تأسيس أول مدرسة للبنات بأسيوط في صعيد مصر سنة 1865م.
– بداية تأسيس خدمة مستشفى طنطا سنة 1869م.
– انفصلت الإرسالية الأمريكية رسميًّا عن الكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة، وكُتِب دستورٌ يشمل مبادئ نظام الكنيسة سنة 1870م.
– تنصيب القس تادرس يوسف أول قسيس إنجيلي مصري سنة 1871م.
– تحولت لغة تسجيل محاضر جلسات المجمع الإنجيلي المشيخي المصري إلى اللغة العربية سنة 1872م. بينما كانت باللغة الإنجليزية منذ تأسيس المجمع سنة 1860م.
– أسس ميخائيل عبد السيد جريدة “الوطن” الأسبوعية سنة 1877م.
– اعترف الخديوي توفيق رسميًّا بالكنيسة الإنجيلية كطائفة سنة 1878. وما ترتب على ذلك الاعتراف من تمكين الكنيسة من وضع قواعد مراسم الأحوال الشخصية.
– اعتماد تعيين جرجس بك برسوم أول وكيل للطائفة الإنجيلية في مصر بقرار من الخديوي في 4 يونيو 1878م.
– تأسيس كلية رمسيس للبنات سنة 1904م.
– صدور أول لائحة للأحوال الشخصية للأقباط الانجيليين سنة 1904م.
– استقلَّت مصر رسميًّا سنة 1922م، ووُضِعَ دستور 1923م. وتطلع المصريُّون للخلاص من الاستعمار الأجنبي، والحصول على الاستقلال الكامل.
– قرر سنودس النيل الإنجيلي تشكيل لجنة لتكوين مكتبات لنشر الثقافة في الكنائس والمدارس سنة 1924م.
– بناء كلية اللاهوت الإنجيلية في شارع السكة البيضا في حي العباسيَّة بالقاهرة سنة 1926م.
– استقلال الكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة ماليًّا عن الإرساليَّة الأمريكيَّة سنة 1926م.
– انضمام الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الإنجيلية إلى عضوية مجلس الكنائس العالمي سنة 1948م.
– انخفض عدد المدارس الإنجيلية نتيجة لقرار الحكومة المصرية سنة 1951م بمجانية التعليم.
– بدأ القس الدكتور صموئيل حبيب التعاون مع دافيدا فني في مشروع لمحو الأمية في قرى صعيد مصر سنة 1952م. وهو المشروع الذي تطوَّرت فكرتُه لتتأسس الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية سنة 1960م.
– بدأ الاهتمام بتأسيس الصحافة الإنجيليَّة المصريَّة باعتبارها وسيلةً من أجل التوعية (النشرة الإنجيليَّة المصريّة 1864، المرشد 1894، الهدى 1911، القول الحق 1898، مصباح الشرق 1898، برهان الحق 1899، نجم المشرق 1900، المحيط 1901، بشائر السلام 1901، بوق القداسة 1903، الشرق والغرب 1904، كوكب الصبح 1909، المرشد المدرسي 1912، المراعي الخضراء 1920، بوق القداسة 1920، صحيفة المساعي 1927، المثال المسيحي 1927، رسالة السلام 1935، بشير الإنجيل 1936، رسالة الخلاص 1948، الأخبار السارة 1951، أعمدة الزوايا 1957، أجنحة النسور 1959).
– شكَّلت الحكومةُ المصرية المجالس الحَسْبيَّة، سنة 1952م، وترتب عليه نزع بعض اختصاصات المجلس الملِّي الإنجيلي مثل: حَصر التَّركات، وتنصيب الأوصياء، والقوامة، والحَجْر.
– سنودس النيل الإنجيلي يعيِّن مجلسًا عامًّا لإدارة المدارس الإنجيليَّة سنة 1954م.
– اتجهت الكنيسة الإنجيلية إلى الاهتمام ببرامج محوِ الأميَّة في محافظات الصعيد سنة 1955م.
– تنازلت الإرسالية الأمريكية عن إدارة مدارس سنودس النيل الإنجيلي بالجمهورية العربية المتحدة إلى سنودس النيل باعتباره المجمع الأعلى لطائفة الأقباط الإنجيليين سنة 1956م.
– تنفيذ مشروع لإذاعة صوت الإنجيل من خلال لجنة تنفيذية من وسائل التعليم السمعية والبصرية التابعة للمجلس المسيحي للشرق الأدنى عام 1959م.
– أعلن سنودس النيل الإنجيلي استقلاله عن المحفل العام للكنيسة المشيخية المتحدة لأمريكا الشمالية UPCNA سنة 1958م، وسَلَّمت الإرساليَّةُ معظمَ أعمالها للسنودس.
– تأسيس الرابطة العامة للسيدات سنة 1960م.
– تصاعد حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، وترتب عليها مغادرة كل المرسلين الأمريكيين سنة 1967م.
– تشكيل مجلس كنائس الشرق الوسط بمشاركة وعضوية كلٍّ من الكنيسة الأرثوذكسيَّة والكنيسة الإنجيليَّة بمصر سنة 1974م.
– بداية الحوار اللاهوتيِّ بين الكنيستَيْن الأرثوذكسيَّةِ والإنجيليَّةِ المشيخيَّةِ. وصدرت عنه أولُ مجلَّةٍ مسكونيَّةٍ هي “الكرمة”، وفيها بيان للقضايا اللاهوتيَّةِ المتَّفَق عليها بين الكنيستَيْن في موضوع الخلاص. وذلك خلال الفترة من 1988م وإلى سنة 1991م.
* * *
شخصيَّاتٌ ورموز إنجيليَّة مصريَّة
* د. أخنوخ فانوس روفائيل (1856– 1918م): وكيل الطائفة وشارك في تأسيس “مجتمع الإصلاح القبطي”، وشارك في المؤتمر القبطي سنة 1910م. ودعا إلى تأسيس الحزب المصري سنة 1908م، وساهم في تأسيس جامعة القاهرة سنة 1906م.
وابنه لويس أخنوخ فانوس عضو مجلس الشيوخ سنة 1936م.
وابنته عايدة أخنوخ (عايدة حليم فارس نسبة إلى زوجها حليم فارس)، أسَّست جمعيَّةَ الشابات المسيحيَّة في أسيوط سنة 1938م.
* جورج خياط (1862– 1932م): دعا إلى مقاطعة البضائع البريطانية وسحب المدَّخرات المصرية من البنوك البريطانية، وكان من أهم دعاة دعم سعد زغلول واستقلال البلاد. واشترك في المؤتمر القبطيّ بأسيوط سنة 19011م. كما كانت روجينا خياط عضوَ أوَّلِ مجلس إدارة للاتحاد النسائيِّ المصريِّ، الذي تأسس على يد هدى شعراوي في مارس سنة 1923م.
* ويصا واصف (1873– 1931م): عضو في اللجنة الإداريَّة للحزب الوطنيّ بعد وفاة مصطفى كامل 1908م. ثم أصبح عضوًا بحزب الوفد وعارَض ويصا واصف التمثيلَ النسبيَّ للأقباط في البرلمان، وصدر دستور 1923م خاليًا من أية إشارة إلى التمثيل النسبيِّ. وكان ويصا واصف وكيلًا لمجلس النواب في عهد سعد زغلول ورئيسًا له في عهد مصطفى النحاس.
* توفيق دوس (1875– 1950م): سياسي، انضم إلى حزب الأحرار الدستوريين عام 1922م، وعُيِّن عضوًا بلجنة صياغة دستور1923م. وأصبح وزيرًا للزراعة في وزارة زيور باشا عام 1925م. ثم انضم إلى حزب الشعب الذى أسَّسه صدقي باشا 1930م، وأصبح عضوًا بمجلس إدارة العديد من المؤسسات مثل بنك مصر، الاتحاد العقاري المصري، وجمعية حورس للطيران. واهتم في المرحلة الأخيرة من حياته بالشؤون العربيَّة من خلال وكالته للاتحاد العربيِّ.
* ألكسان باشا أبسخيرون (1865– 1949م) اتخذ المحاماة مهنةً له، وتزوج من السيدة فاروزة ابنة ويصا بقطر كبير الأسيوطيين في ذلك الوقت، وأحد أركان الكنيسة الإنجيلية. تزعم “جمعية نهضة الشيوخ والعلمانيين التبشيرية”، وفي عام 1940م رُسم شيخًا لكنيسة قصر الدوبارة وقد كان مقرها وقتئذٍ في شارع إبراهيم باشا بالقاهرة. عُيِّن وكيلًا للطائفة الإنجيليَّة لمدة أربعين سنة تقريبًا (1909– 1949م). وكان عضوًا في مجلس الشيوخ لمدة 10 أعوام (1936– 1946م)، وأسهم إسهامًا بارزًا في مجال الأعمال الخيريَّة.
* إلياس باشا عوض (1866– 1952م): وكيل نيابة لمدة خمسة عشر عامًا، ثم استقال من منصبه الحكوميّ ليمارس مهنة المحاماة. وعُيِّن عضوًا بمجلس الشيوخ في عهد حكومة محمد محمود باشا. وفي 1923م، اختاره عدلي يكن باشا مستشارًا للوفد المصري في المباحثات مع الحكومة البريطانية.
* إستر فهمي ويصا (1895– 1990م). نسبة إلى زوجها فهمي بك حنا ويصا من رائدات الحركة النسائية والحركة الوطنيَّة المصريَّة، لعبت دورًا كبيرًا في ثورة 1919م، والدها أخنوخ فانوس رئيس الطائفة الإنجيليَّة. ساهمت بحماس في رفع وتطبيق شعار “الهلال مع الصليب” خلال الثورة الوطنية 1919م. كما لعبت دورًا كبيرًا في الكفاح ضد الاستعمار الإنجليزي.
وابنها جميل فهمي عضو مجلس النواب سنة 1949م.
* مكرم باشا عبيد (1889– 1961م): درس بالكليَّة الأمريكيَّة بأسيوط (مدرسة العروبة الآن). اعتبر أن الكنيسة الإنجيلية تحمل فكرًا تنويريًّا سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، ولعب دورًا كبيرًا منذ ثورة 19 وحتى رحيله، ويُعَدُّ من أشهر المسيحيين المصريين الذين عملوا بالسياسة.
* * *
تفاعلاتٌ وطنيَّةٌ
– أسهم العديد من السياسيين المصريين المسيحيين الإنجيليين في الثورات الوطنيَّة، وثورة 1919م، وصياغة الدستور المصري سنة 1923م، وتشكيل الأحزاب السياسية. حينذاك دليلٌ على ذلك.
– الطائفة الإنجيلية تؤيد ثورة يوليو 1952، وتصلي من أجل تحقيق الإصلاح المنشود (مجلة الهدى 13 سبتمبر 1952م).
– سنودس النيل الإنجيلي (المجمع الروحيُّ الأعلى للإنجيليين) يستنكر ويشمئز من الاعتداء البريطاني الفرنسي الإسرائيلي (العدوان الثلاثي) على مصر (مجلة الهدى 15 ديسمبر 1956م).
– تأييد الموقف الوطني ضد هزيمة يونيو 1967 (مجلة الهدى يوليو وأغسطس 1967م).
– استنكار الاعتداءات الاسرائيلية على المدنيِّين بمصنع أبو زعبل 1970م ومدرسة بحر البقر 1970م (مجلة الهدى مايو 1970م).
– الاجتماع الطارئ للجنة التنفيذية للسنودس يدعم الموقف الوطني في حرب أكتوبر 1973.
– الانحياز لموقف الشعب الفلسطينيّ من خلال بيانات وتصريحات متعدِّدة خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
– دعم مبادرة الرئيس أنور السادات للسلام 1978م (مجلة الهدى يناير 1978م).
– انحياز الكنيسة الإنجيلية لموقف الشعب المصري في 25 يناير 2011م.
– التأكيد على مشروعية المطالب، ورفض تأسيس أحزاب دينيَّة. والتأكيد على الدولة المدنية خلال التفاعلات السياسية ما بعد 25 يناير 2011 وإلى ثورة 30 يونيو 2013.
– دعم الكنيسة لثورة الشعب المصري في 30 يونيو 2013م.
* * *
شخصيات عامة من رموز المدارس الإنجيلية
* * *
إشكاليَّاتٌ وطنيَّةٌ
يمكن أن نحدد أن الإشكالية الرئيسية التي تمثل اشتباكًا حقيقيًّا مع مضمون مفهوم الدور الوطني للكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة هو ما يختزل بأشكال متعددة من خلال علاقتها بالإرساليات التبشيرية. ثم سأتناول بالتحليل بعد ذلك لنموذجين من القضايا الخلافية ذات الصلة، وهي:
إشكاليَّة الكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة والإرساليَّات التبشيريَّة
تُعرَّف الإرساليات بأنها جهدٌ منظمٌ لنشر العقيدة المسيحيَّة، وغالبًا ما يتم ذلك من خلال أفراد وجماعات. ومن أكثر من هاجم الإرساليات التبشيرية بمحاولة ربطها قصريًّا بالاحتلال والاستعمار هما التيار القومي العروبيّ وتيارات الإسلام السياسيّ. اللذان لعبا على التشكيك في قضية الولاء والانتماء الوطني.
ومع ملاحظة، أنه رغم ذلك فإن العديد من رموز التيارين السابقين كانا على خط التماس مع الكنيسة الإنجيلية سواء من خلال خدماتها التعليمية أو الثقافية من خلال منتدى حوار الثقافات بالهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية.
لقد فتحت مدارسُ الكنيسة الإنجيلية أبوابَها لكلِّ المصريين، دون تمييز من جهة الدين أو المذهب، ودائمًا ما اتَّسمت هذه المدارس بسُمعة متميزة أخلاقيًّا وتربويًّا وعلميًّا.
والحقيقة أن الكنيسة الإنجيليَّة في مصر لم تولِ اهتمامًا برصدِ وتوثيق تاريخها ومواقفها الوطنيَّة، مما فتح البابَ للبعض في التشكيك في هذا الدَّور استنادًا لاستنتاجاتٍ تاريخيَّةٍ غير مدقِّقة وتفتقر للمعلومات الأساسيَّة من أجل الوصول لحالة التشكيك الوطنيّ.
التميُّز الوطنيُّ
* إذا كانت رئاسة الكنيسة الإنجيلية في الماضي غربية الرئاسة، فهذا قد تغيَّر تمامًا الآن، بعد أن أصبحت كنائسَ وطنيَّةً مصريَّةً، وأثبت تاريخُها ومواقفُها ذلك. كما أن السبب الأساسي للإرساليات التبشيرية الغربية هو العمل على وحدة الكنيسة بوجه عام عند بعضها، وتقديم خدماتٍ إنسانيَّةٍ مرتكزةٍ على تعاليم الكتاب المقدَّس عند البعض الآخر. وهي مبادئ لا علاقة لها بالسيطرة والتغريب مثلما روَّجت بعضُ الكتابات.
* تتحدَّد المرجعيَّةُ الغربية للكنيسة الإنجيلية المصرية في وحدة الإيمان اللاهوتي والروحي من جانب، والعلاقات التاريخيَّة من جانب آخر. وتظل للكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة الخصوصيَّة والاستقلاليَّة فيما تراه من مواقف وطنيَّةٍ، واتِّباع الأنظمة الإداريَّةِ والماليَّةِ. وهو ما يعني أنَّ ما سبق يتم طبقًا للصالح الوطنيِّ المصريِّ العامّ. لأن الكنيسة الإنجيليَّة المصريَّة هي في نهاية المطاف محليَّةُ التوجُّه الوطنيّ والسياسيّ.
* قدَّمت الكنيسةُ الإنجيليَّةُ للمجتمع المصريِّ العديدَ من الخدمات في مجالات التوعية والتربية والتنمية والصحَّة في غالبيَّةِ محافظات مصر، وبالتالي حقَّقت هذه الخدماتُ نوعًا من النهضة للمجتمعات المحليَّة في إطار مساعدةِ الدولة ومساندتها للرقيّ والتقدُّم.
* أحد عوامل النهضة في المجتمع المصري هي نتاجُ التعليم في المدارس الإنجيليَّة والكاثوليكيَّة. وذلك على اعتبار أن المدارس والجامعات وجمعيَّات المجتمع المدنيِّ المرتبطة بالكنائس والرهبانيَّات، كانت هي المدخل للحداثةِ من خلال ما تقوم به من نشر قيم الحرية والفكر النقديّ، واستقلاليَّةِ كل علمٍ من العلوم، وعلى نسبيَّة الآراء والأفكار والفرضيَّات.
دلالات
أولًا: نؤكد على أن جميع المواطنين المسيحيين (الأرثوذوكس والإنجيليين والكاثوليك) ينتمون إلى مصر انتماءً كاملًا وغير منقوصٍ بلا أيِّ نزاع، ودون تمييز أو تفرقة. وذلك بدون أن يكون العدد “أي الكم” بين الأغلبية والأقلية هو معيارَ التعامل مع أتباع تلك الكنائس والحكم عليهم.
ثانيًا: من المهم أن تسجِّل الكنيسةُ الإنجيليَّةُ مواقفَها، وتوثِّق تاريخَها الوطنيَّ. وأن يكون لها موقفٌ مُعلَنٌ واضحٌ في القضايا الوطنيَّة الجدليَّة. وأن توضح بشكلٍ لا لبس فيه أن التزامها بالمرجعية الروحية الغربية (مثل التبعية المباشرة للكنيسة الكاثوليكية للفاتيكان) لا يمنع إطلاقًا الالتزام بالإجماع الوطنيِّ للدولةِ المصريَّةِ حسبما حاولت تيَّاراتُ الإسلام السياسيّ المتشدِّدةُ أن تشكِّك في وطنيَّتِها.
ثالثًا: لا يعني أنه إذا كانت هناك تجاوزات صاحبت دخول الإرساليَّات التبشيرية الغربيَّة (الإنجيليَّة والكاثوليكيَّة) إلى مصر منذ أكثر من مئة وخمسين عامًا، أن نشكك في ولائها وانتمائها الوطني. كما أن دورها المجتمعيَّ كفيلٌ بتوضيح مدى أهميَّة وجودِها وتأثيرها الإيجابيّ على عدة مستويات (ثقافيًّا وتنمويًّا وتربويًّا وتعليميًّا وصحيًّا). وليس معنى أن الماضي يحمل بعض الملامح السلبيَّة، أن يكون الحاضر والمستقبل كذلك بالضرورة.
رابعًا: عند تتبُّع بعض مواقف المسيحيَّة الغربيَّة تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، نجد أن موقف الكنيسة الإنجيليَّة في أوروبا أكثر تفهُّمًا للموقف العربيّ من نظيرتها في الولايات المتحدة الأمريكية التي تضمُّ عددًا كبيرًا من الكنائس الإنجيليَّة ذات التوجُّهات المختلفة؛ حيث تلعب القيادةُ الدينيَّةُ لبعض القساوسة هناك دورًا بارزًا في تحديد المواقف السياسيَّة والاجتماعيَّة لتلك الكنائس التي يقودونها. كما تتأثر مواقفُ نسبةٍ كبيرةٍ منها ببعض الحركات الدينيَّة المسيحيَّة الحديثة نسبيًّا، والتي تجمعها مظلةٌ واحدةٌ يُطلَق عليها “المسيحية اليمينية”.
القضايا الخلافية
تم تنظيم لقاءين للحوار بين الكنيسة الإنجيلية وجماعة الإخوان؛ اللقاء الأول في 28 فبراير سنة 2012م؛ حيث ذهب وفدٌ كنسيٌّ إلى مقر الجماعة بالمقطم. واللقاء الثاني في 13 مارس سنة 2012م حيث ذهب وفدٌ برئاسة المرشد لمقرِّ الكنيسة الإنجيليَّةِ بمصر الجديدة.
لم يكن اللقاء سياسيًّا بقدر ما كان حوارًا يهدف إلى تبادل الأفكار حول مستقبل المواطنة وعلاقة مكوِّنات الشعب المصريِّ من المواطنين المسيحيين والمسلمين ببعضها البعض.
وعبورًا فوق كافة الملاحظات والتحفُّظات على هذا الحوار، فإنه بكل الحوال لم يخرج عن نطاق النقاش والحوار، ولم يترتب عليه أيُّ قراراتٍ أو إجراءاتٍ. ولا ننسى في هذا السياق، أن لقاء الكنيسة الإنجيلية المصرية بالمرشد محمد بديع وقيادات جماعة الإخوان المسلمين قد تم بناءً على ما طرأ على تغيير الخريطة السياسيَّة المصريَّة، والتي أصبحت فيها جماعة الإخوان المسلمين تمثل السلطة التشريعية التي تحكم. ومثلما كان من الطبيعي فتح قنوات للحوار والتواصل، كان من الطبيعي أيضًا تجميد الحوار في شهر أبريل 2012 بعدما سيطرت جماعة الإخوان المسلمين على الحياة السياسية، وتراجعوا عما أعلنوه وروجوا له.
لا زالت بعض القوانين المصرية. تصف بعض الكنائس المصريَّة بمصطلح “الطائفة” على غرار الطائفة الإنجيليَّة. وهو اسم طائفي. ورثناه من سيطرة الإمبراطورية العثمانية علينا. فضلًا عن كونه يرسخ مفهومَ الرعايا الذي يُعَدُّ في كل الأحوال ضد منظومة «المواطنة» التي نص عليها الدستورُ المصريُّ.
التغيير في القوانين من “الطائفة” إلى “الكنيسة” لن يترتب عليه أيُّ امتياز قانونيّ أو إداريّ، أو تغيير وتعديل فيما هو قائم. ولكنه سيكون فرصةً قويةً لترسيخ مفهوم المواطنة على مستوى العالم، وانتصار للدولة المدنيَّة المصريَّة؛ دولة القانون والعدالة وحقوق الإنسان.
* * *
وبعد
تاريخ الكنيسة الإنجيليَّة هو تاريخٌ لا يزال قيدَ الاكتشاف. ويكفي القاعدة التي اتَّبعتها الكنيسةُ الإنجيليَّةُ المصريَّةُ منذ نشأتها، وهو أنه حيثما توجد جمعيةٌ أو كنيسةٌ، توجد مدرسةٌ أيضًا. كما أنها صاحبة الريادة في تداول الكتاب المقدس وتوزيعه باللغة العربية.
* * *
نقطة ومن أول السطر
لن يرتفعَ شأنُنا عندما نقلِّل من شأنِ بعضنا البعض، كما لن نجمِّل صورتنا إذا شوَّهنا صورةَ بعضنا البعض. خاصةً إذا عرفنا أن التعدُّديَّة الحالية لكنائس الشرق الأوسط لم تكن نتيجةً لانقساماتها دائمًا؛ فقد كانت لها كيانها الخاص قبل هذه الانقسامات، غير أن كنائسَ جديدةً قد انبثقت عن البعض الآخر بسبب هذه الانقسامات.
المراجع المتاحة
أديب نجيب سلامة، كتاب “تاريخ الكنيسة الانجيلية في مصر”، دار الثقافة، ط 1 – 1982م، القاهرة.
أديب نجيب سلامة، الإنجيليون والعمل القومي.. دراسة توثيقية، دار الثقافة ط 1 – 1993م، القاهرة.
القس عيد صلاح، “الصحافة الإنجيلية وأحداث الوطن: الهدى نموذجًا”، في مجلة القاهرة، القاهرة. وعلى موقع أرشيف الكنيسة الإنجيلية المشيخية، www.epcear.com
هاني لبيب، الكنيسة المصرية.. توازنات الدين والدولة، دار نهضة مصر، ط 1 – 2012م، القاهرة.
د. القس أندريه زكي، الأقباط والثورة، دار الثقافة، ط 1 – 2015م، القاهرة.
القس إميل زكي ود. فنيس نقولا، الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، دار الثقافة، ط 1 – 2015م، القاهرة.
ثروت وهيب، العمل المرسلي في مصر، دار نشر رسالتنا، ط 1 – 2021م، القاهرة.
هاني لبيب، سؤال الإصلاح.. الكنيسة المصرية في مجتمع متغير، دار سما للنشر، ط 1 – 2023م، القاهرة.
القس عيد صلاح، إستر فهمي ويصا ودورها في الحياة المصرية واللاهوت السياسي، قيد الطبع.
اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح
في ملحق العدد الذي يتحدث فيه عن الدور الوطنيّ للكنيسة الإنجيليّة في مصر يقتربُ من الموقف التنظيميّ وما تميَّزت به في أسلوب إدارة مختلف، يقترب منه الطيب الذكر الدكتور القسّ صموئيل حبيب (1928-1997م) حول “النظام المشيخيّ”، وهذه المقالات كتبها في الهدى وهي كالتالي: المقالة الأولى: “نظامنا المشيخيّ والفرص المتاحة للعمل” (الهدى 853 السنة 72 أغسطس وسبتمبر 1982م، ص 14-15). المقالة الثانية: “الكالفينيّة أساسًا أسلوب عمل جماعيّ واجتماعيّ نجاح أي نظام مشيخيّ يعتمد على مجالس الكنائس” (الهدى 854 السنة 72 أكتوبر ونوفمبر 1982م، ص 10-11). المقالة الثالثة: “المشيخية تتطلب قدرًا وفيرًا من الفهم الإداريِّ وتعتمد في أسلوب عملها على قياداتٍ واعية مسؤولة على كافة المستويات” (الهدى، العدد 855، السنة 72، ديسمبر 1982م، ص 5-6). المقالة الرابعة: “الديمقراطيّة واتجاه الريح” (الهدى، العدد 860، أغسطس وسبتمبر 1983م، ص 9-10). المقالة الخامسة: “رسالة مارتن لوثر للعصر الحاضر” (الهدى، العدد 863، السنة 74، يناير 1984م، ص 24-25).
في هذه المقالات يُقدِّم الدكتور القس صموئيل حبيب رؤية واضحة عن النظام الإداريّ المشيخيّ للكنيسة الإنجيلية في مصر وأسسه اللاهوتية مع تقديم نقد لهذا النظام بما يتناسب مع البيئة المصرية. مر ما يقرب من 50 عامًا على هذه المقالات ولكن ما زالت مفيدة وتدعو للتفكير، وهذه هي ميزة كتابات الدكتور القس صموئيل حبيب أنها تسبق زمانها.
المحرر
القسّ عيد صلاح
أولًا:
نظامنا المشيخيُّ والفرص المتاحة للعمل
الهدى 853 السنة 72 أغسطس وسبتمبر 1982م، ص 14-15))
يعتمد النظامُ المشيخيُّ أساسًا على أنَّ روح الله القدوس يعمل في الكنيسة عن طريق “الجماعات”، ولعلَّه يعيد إلى ذهننا أنَّ الله عندما دعا إبراهيم، لم يَدعُه لوحده، بل دعاه “كجماعة” وكوَّن منه “شعب الرب”. ينتظم الفكر -خلال العهد القديم- عن معاملات الله عن طريق “جماعة الرب” المتحركة في البريّة، ثم الثابتة في موقع جغرافيٍّ محدَّد. ومن ثم يأتي السيد المسيح -في الجسد- ويقيم بنفسه بين “جماعة الرب” واحدًا منها، متفاعلًا معها، ثم فاديًا لها. وبقدر اهتمام السيد المسيح، باجتذاب الأفراد للإيمان به، بقدر اهتمامه بتكوين “جماعة التلاميذ” أو “جماعة الرسل” أو تشكيل “أبناء الملكوت”.
الرأيُ الجماعيُّ:
وقد اهتمت الكنيسة الأولى برأي الجماعة، مجتمعةً معًا، لإصدار القرارات المختلفة، فلو أخذنا على سبيل المثال “مجمع أورشليم” (أع 15)، نرى أنه من هذا المجمع صدرت قرارات خطيرة بشأن قضايا لاهوتيَّة وإدارية: عدم فرض الختان في الممارسات المسيحيّة، ودخول الأمم إلى شعب الرب، واختيار رسولين هما بولس وبرنابا وإرسالهما إلى أنطاكيّة للعمل. فإنَّه منذ البداية كان أسلوب العمل المسيحيّ يتوقف على هذا الأساس: “رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع 15: 28).
اختلافُنا معًا:
ولا شك أنَّ العملَ الجماعيَّ يظهر فيه اختلاف رأي، اختلف بولس وبرنابا مع المتهودين وحدثت بينهم منازعة (أع 15: 2)، وحدثت مباحثة كثيرة في أورشليم بين الرسل وجماعة الرب (15: 7). وحدثت مشاجرة افترق بعدها بولس وبرنابا بسبب يوحنا مرقس (15: 39). إنَّ اختلاف الرأي أو اتفاقه، دليل عمل الجماعة بحرية كاملة، لا سيطرة فيها لفرد، أيًّا كان ذلك الفرد. وليس معنى ذلك أن جماعة الرب معصومة من الخطأ. لكن الجماعة عندما تخطئ تحمل مسؤولية الخطأ معًا. وخطأ الجماعة أقل وقوعًا من خطأ الفرد.
المساواةُ في الفُرَصِ المتاحة:
إنَّ ميزةَ العملِ الجماعيِّ، هي أن لكلِّ فردٍ داخل الجماعة “قيمة” متساوية. فلقد كلَّل الله “الإنسان” بمجد، وأعطاه سلطاتٍ على خليقة الله. فبولس رسول يسوع المسيح يتساوى داخل الجماعة مع أصغر عضو فيها. وإن ْكان هذا لا ينفي أنَّ الله يستخدم كل فرد داخل الجماعة بقدر المواهب والوزنات التي له، وبقدر سماح كل فرد لروح الله أن يستخدمه. ومن هذا المنطلق نجد أنَّ كلَّ فرد داخل الجماعة “لا” يتساوى مع غيره. وعلى هذا الأساس يختلف كلُّ “نجم” عن أي “نجم” آخر سواء في المجد أو داخل الجماعة. إلا أنَّ الحرية داخل الجماعة مكفولةٌ للكل على حدٍّ سواء، والفرص مكفولة للجميع على حدٍّ سواء؛ فالمساواةُ داخل جماعة الرب مساواةٌ في الحرية للتعبير عن النفس، والحرية في إبداء الرأي، والحرية في العمل بالمواهب والوزنات مما يعلن للجماعة كلِّها شخصيَّةَ كلِّ فردٍ على حدة، وبالتالي فهي حريَّةُ المساواة في الفرص المتاحة لإبراز عمل الله داخل الفرد، في الأماكن التي يمكن أن يعمل فيها.
الفرص المتاحة داخل النظام المشيخيِّ:
إنَّ الضابط الذي يضيِّق الخناق على الفرص هو النظام الدكتاتوريُّ. لكن النظامَ المشيخيَّ، هو نظامٌ يُطلِق الحريَّات، ويسمح بالفرص. فإَّن سلطة المجمع على الكنيسة المحليّة محدودة جدًّا. مما يسمح للكنيسة المحليّة أنْ تخطط برامجها وتنطلق لعملها بحريَّاتٍ لا حصرَ لها. ومن هذا الموقع تظهر مواهبُ وكفاءات الراعي والقيادات المحليّة دون أي قيود من سلطة أعلى. ولذلك، فإنَّ حريات العمل داخل الكنيسة المحليّة تكشف “كفاءات” و”قدرات” من هم بداخلها. ورغم سلطة المجمع على الراعي في انتقاله من موقعٍ لموقعٍ، فإنَّ هذه السلطة يحدُّها “بيروقراطيَّة الإجراءات”، ولم تكن هذه السلطة يومًا عائقًا لتحرُّكٍ ما، أو لانتقال الراعي إلى مكان آخر، يجد فيه نجاحًا أكثر لمواهبه.
ولو أننا تطلَّعْنا إلى علاقة السنودس بالمجمع، فإنَّها علاقةٌ نقابيَّةٌ، ممارسة السلطة فيها هي على “أقل مستوى إداريٍّ ممكن”. بل إنَّ النظام المشيخيّ يترك سلطات المجمع حرةً في نطاق عمله الداخليّ سواء في الرسامات، أو الشئون الماليّة أو العمل الرعويّ إلى غير ذلك، وليس للسنودس حقُّ ممارسة أي سلطان عليه سوى في مجالات تنسيق العمل العام بين المجامع. وبالتالي، فإنَّ الرعاة أو القسوس، الذين يعملون داخل مجمعٍ ما، لا سلطان للسنودس عليهم. كما أنَّ انتقال راعٍ من مجمع إلى مجمع يتمُّ بحريَّةٍ كاملةٍ بين المجمعَيْن. إن سُلطة المكافآت التي تُمنَح للرعاة، سلطةٌ مطلقةٌ للكنائس، لا تتداخل فيها أي سلطات أعلى. فإنَّ مجالس الكنائس لها الحريّات الكاملة في التصرف الماليّ. لذلك، فإنَّ النظام المشيخيّ، هو أفضل النظم الكنسيّة، التي تسمح لكل فرد بانطلاقته الحرة. والتي تسمح للتنظيمات الكنسيَّة، بالتصرف، بإرشاد روح الله، دون قيودٍ من سلطاتٍ أعلى، كما أنَّ النظام المشيخيَّ -وقد سمح للمجامع بانتخاب رؤساء أو أمناء- لم يسمحْ لأحد منهم “بسلطات مُطلَقة” دون العمل عن طريق اللجان المعيَّنة. إننا نفخر بالعمل المشترك ونشعر بأنَّ عمل “روح الله” مع الجماعات المنظمة داخل شعب الرب، هو الأسلوب الحقيقي السليم في تعليم العهد الجديد.
الأساس: الثقة في المنظَّمات الكنسيَّة
إنَّ أساس العمل “المشيخيّ” هو العملُ المشتَرَكُ للجماعة التي تمَّ “انتخابُها” أو “تعيينُها” حسب النظم الكنسيَّة الموضوعة. وعلى السُّلطات الكنسيَّة الأخرى أنْ تضع ثقتها في الأجهزة المنتَخَبة أو المعيَّنة، وأن تترك لها حريَّةَ العمل.
إنَّنا نعطي “مجلس الكنيسة” سلطاته وحريَّاته الكاملة. ولمجلس الكنيسة أنْ يعيِّنَ اللجان التي يراها مناسبةً، وينوط بكل لجنة عملَها الذي يُحدَّد لها، ويتركها تعمل. له الحق أن يحاسبَها إنْ أخطأتْ. إلا أنه ليس له الحق أنْ يوقفَها عن العمل، حتى يعطيها تعليمات خطوة بعد خطوة. إنَّه لا بد لمجلس الكنيسة أن يتعامل مع لجان تتعلَّم من الممارسة الصواب والخطأ. ولا بد له أنْ يعتبر أنَّ اللجان التي عيَّنها، ليست على مستوى “طفل” تمسك بيده في كل خطوة، بل على مستوى “النُّضجِ” والمسؤوليَّةِ في الاختصاصات التي نيطت بها. على مجلس الكنيسة أن “يثق” في لجانه ويخولها سلطات محدَّدة للعمل بحريَّةٍ.
وعلى “المجمع” أو “السنودس” أنْ يثق كلٌّ منهما في “لجانه” و”مجالسه” وأن يخوِّل كلًّا منها اختصاصاتٍ معيَّنةً، تكون لها حرياتها وانطلاقاتها للتحرك في دائرة هذه الاختصاصات.
ليس من المعقول أنَّ “مجلسًا” سنودسيًّا، لا يتحرك، حتى يمسك السنودس بيده خطوةً بعد خطوةٍ. فإنَّ “اللجان” و”المجالس” المنتَخَبة أو المعيَّنة، كلها تُشكَّل من أشخاص ملتزمين مسؤولين، ينبغي أن نثق بهم. فهم أشخاص يحملون المسؤوليّة أمام الله، وأمام الهيئة الكنسيَّة التي انتخبتْهم أو عيَّنتْهم. يعملون بإرشاد روح الله. وإلى جانب ذلك لهم أخطاؤهم كبَشَر.
دعونا نحمد الله لأجل نظامنا المشيخيِّ. لنفتخر بأنَّ “المشيخيَّة” أسلوبُ عمل، يتَّفق مع تعليم العهد الجديد. إنَّها الأسلوبُ الذي يتيح للجماعات العاملة، أنْ تشتغل بحريَّةٍ، وأنْ تحاط بثقةٍ من الهيئات التي انتخبتها أو عيَّنتها. إنَّ النظام المشيخيَّ هو أروع نظام يُبرز المواهبَ والوزنات، وبالتالي يعطي أكبر قدر من الفرص المتاحة، بمساواةٍ عادلةٍ للجميع. لنثبت “المشيخيَّة” أساسًا للخط الإداريِّ لعملِنا، ولنعطِ منظَّماتنا الكنسيّة أكبر قدر من الثقة والحرية للعمل دون قيود ودون عقبات.
ثانيًا:
الكالفينيّة أساسًا أسلوبُ عملٍ جماعيّ واجتماعيّ
نجاح أي نظام مشيخيٍّ يعتمد على مجالس الكنائس
(الهدى 854 السنة 72 أكتوبر ونوفمبر 1982م، ص 10-11)
في العدد الفائت ناقشْنا المشيخيَّةَ كأسلوبٍ إداريٍّ منفتحٍ، يعطي في ديمقراطيَّته، كما في تنظيم أجهزته مجالاتٍ للانطلاق والتحرُّك لكل الطاقات الخلَّاقة القائمة بداخله. واليوم، نطرق باب المشيخيَّة، بالرجوع إلى الأسس التي أُقِيمت عليها، علَّنا نقارن نظامها الواقعيَّ بالفكر الأصليِّ الذي أُقيمَت عليه.
كان أكثر ما ينبر عليه مارتن لوثر هو تأكيد الأساس الروحيِّ لدور الكنيسة باعتباره الركنَ الأكبر في حركة الإصلاح. وقد سار كالفن على نفس النهج، مؤكِّدًا أهميَّة الرسالة الروحيَّة للأفراد والجماعات، معطيًا الكنيسة أن تقوم بدورها البنَّاء في خدمة الإنسان. وقد ركَّز كالفن دعوته وهدفه حول الفكرة التي طالما ردَّدها “لله المجد” فإنَّ كل النشاط الكنسيّ ينبغي أنْ يدور حول هذا الهدف.
كالفن ونظرية المجتمع المقدَّس:
كانت دعوة كالفن إلى عقيدة “القضاء الإلهيّ” أو بالتعبير الشائع “الاختيار” هي الأساس الأعمق الذي بنى عليه نظريّة “عدم هلاك كل من يؤمن به”. وقد لقيت هذه العقيدة هجومًا حادًّا جدًّا ممن جاءوا بعد كالفن، من حركة الإصلاح. إلا أَّن كالفن، خرج من هذه العقيدة بالدعوة إلى “المجتمع المقدَّس” وهو مجتمع أولئك المختارين. وكان كالفن يُدرك أنَّ معرفة المختارين أمر مستحيل، لذلك فقد رأى أن “الكنيسة” هي ذلك المجتمع، الذي ينبت بداخله “القمح” و”الزوان” وهما ينميان معًا، إلى اليوم الأخير. حينما يميِّز الله “المختارين” عن “الدخلاء”.
النعمة والسيادة الإلهيَّة:
اعتمد كالفن في فكره اللاهوتيّ على أنَّ “النعمة” الإلهيّة هي أساس الدعوة، فإنَّ الله يدعو، ليس لأعمال إنسانيَّةٍ، بل من نعمته الغنيَّة دون “استحقاق” بشريٍّ أو إنسانيٍّ، فالمدعو ليس مدعوًّا لأنَّه “يستحق” بل لأنَّ نعمة الله اختارته. يتبع ذلك النظرية “النعمة” بالمقابلة مع “الأعمال” فإنَّ “الأعمال الصالحة” لم ولن تكون دافعًا لله أنْ قرَّر سياسته في دعوة البشر، لكن النعمة تقوم أساسًا على “مقاصد” الله الصالحة والعادلة. لذلك فإنَّ “الأعمال” هي وليدة انسكاب النعمة في الإنسان، وليست السبب الذي يجتذبها إليه. ففي الوقت الذي كان يضع فيه لوثر فكرة أنَّ “المحبة” هي مركز ذات الله، وضع كالفن “ربوبية الله وسيادته” مركزًا للذات الإلهيّة.
إنَّ عقيدة الاختيار تنبع من، وتُبنى على نظريَّة “سيادة الله المطلَقة” فإنَّ كالفن يرى أنَّ الإنسان لم يختَر لنفسه أن يكون “إنسانًا” أو “حيوانًا”، لكن الله هو الذي اختاره كذلك. بنفس القدر يرى كالفن أنَّ الله “يختار مختاريه”، حسب قصده الأعلى، ودون تدخُّل، أي دافع بشريّ. إنَّه من نعمة الله أنَّه يهب المؤمن غفران خطاياه، ويضمه إلى جماعة الرب. إنَّ الإفخارستيا “عشاء الرب” عند كالفن ليس فقط لمجرد الذكرى، لكنه علاقة سرية تربط المؤمن بالسيد المسيح. فإنَّ الافخارستيا في نظر كالفن شركة سريّة، فيها عمق العلاقة بين المؤمن وربه.
لقد نبَّر لوثر على “طهارة العقيدة”، فطهارة العقيدة في نظره تقود الإنسان إلى طهارة الإيمان، وهي في ذات الوقت أساس لطهارة الكنيسة. إلا أنَّ كالفن -وقد اتفق مع لوثر في هذا الأساس- امتدَّ في فكره إلى أن “طهارة العقيدة” تعاوِنُ المؤمنَ على “طهارة الحياة اليوميَّةِ”، وبالتالي “ضبط النفس على أساس نقيٍّ”. فإنْ كان لوثر، قد دعا إلى “التبرير بالإيمان” “كعقيدةٍ أساسيَّةٍ”، فإن كالفن نبَّر على “التقديس” كخطوةٍ لا تقلُّ في أهميَّتِها عن التبرير.
والتقديس عند كالفن ممارسةٌ لضبط النفس والسُّلوك اليوميِّ طبقًا لتعليم الله. إن لوثر -ككالفن- لم يقبل قطُّ أن يكون التقديسُ “درجةً” أو “مستوًى” أو “مسحةً” خاصَّةً. إنه ممارسة الإنسان في حياته اليوميَّة. للعيشة التي تطابق تعليمَ السَّيِّد.
فإن كان لوثر قد حكم “العقيدة” عن طريق كلمة الله، فإنَّ الكالفينيَّة جدَّدت كلَّ الكيانِ المسيحيِّ، في العقيدة وفي الكنيسة، في السلوك وفي الفكر، عن طريق الكتاب المقدَّس وحده. لذلك كان المعروف عن لوثر أنه “المصلح” وكان كالفن “اللاهوتيّ” قام كلٌّ منهما بدوره إلا أنَّ كالفن على أساس الفكر اللاهوتيّ الذي دعا إليه وضع أسس اللاهوت النظاميِّ، التي قادت المفكِّرين عبر الأجيال والعصور التي تلت ذلك.
عودة إلى “المجتمع المقدس”:
من هذه الرحلة الطويلة التي اجتزناها عبر فكر كالفن -بالمقارنة مع فكر لوثر في بعض جوانبه- نلقي الأضواء على فكر لوثر في المجتمع.
إنه من الأساس الفكري لعقيدة مسؤوليّة المؤمن الأخلاقيَّة ودوره في التقديس في حياته الشخصيَّة، تنبع فكر مسؤوليَّة “مجتمع المختارين” كجماعة الرب التي تحمل مسؤوليتها “التقديسيَّة” لتقديس المجتمع، ولتطمئن على أنَّ “القِيَم” التي تحكم المجتمع، قيم تتَّفقُ مع التعليم المسيحيِّ، لقد دعا كالفن إلى إعادة صياغة المجتمع الدنيويّ طبقًا لمقاصد الله والكلمة المقدَّسة. وفي نظره أنَّ “إعادة الصياغة” دور مهم للمجتمعات الدنيويَّة: كالأسرة، والدولة، والمجتمع، والحياة الاقتصاديَّة. وفي نظره أنَّ هذه الدعوة هي أيضًا للكنيسة، بقدر ما هي للمجتمعات الدنيويَّة.
إنَّ لوثر وكالفن رأيا أنَّ المجتمعات الدنيويَّة جزء من إطار المسؤوليَّة الإلهيَّة، فإنَّ ربوبيّة الله تشمل كل الكائنات وكل المجتمعات وكل العالم. إنَّ تركيز كالفن -في فكر اللاهوتيّ- على سيادة الله، يحفظ كل إطار العالم داخل “المقاصد الإلهيَّة”. نبَّر لوثر على أهمية “الحكم الذاتيّ”، ودعا إلى ضرورة أن أي مجتمع ينبغي أن يحكم ذاته. لكن كالفن كان يهتم بالأكثر بأنَّ “طهارة الكنيسة” ينبغي أنْ تكون فعاليتها في المجتمع الإنساني المحيط بها.
إدارة الكنيسة على أربعة أركان:
من هذا المنطلق أسَّس كالفن الجهاز الإداري لكنيسة الرب يسوع على أساس تشكيل أربعة أركان:
قلنا إنَّ أساس هذا التشكيل هو الدور “التقديسيّ” لكنيسة المسيح. إنَّ اختيار الرعاة، كان أساس التكوين الكنسيّ الرعويّ. أما اختيار الشمامسة والشيوخ والمجلس النظاميّ كان بمقتضى الأساس التقديسيّ في الرسالة، هو الأسلوب الذي دعا به إلى فاعلية الكنيسة داخل المجتمع كله. فإن التقديس -كما رآه كالفن- هو فاعليَّة الحياة المسيحيَّة الشخصيَّة والسلوكيَّة داخل المجتمع الأكبر، ولذلك فإن الرسالة الأكبر للشيوخ والشمامسة والمجالس الكنسيَّة كانت للمجتمع الأكبر.
إنَّ الله، خالق الكون، مدبر الأحداث، سيد الخليقة، وفادي البشريَّة، لا يمكن أن يتنصَّل من مسؤوليَّةٍ تجاه الخليقة، والكائنات بأنواعها، والطبيعة. بل والمجتمعات البشريّة كلها: الأسر، والمجتمعات، والكنائس، الدول… كلها تقع في دائرة اهتمامه وعنايته ومسؤوليته. ودورنا كعاملين مع الله يشمل هذا الإطار.
كالفن والإنسانيَّة:
عُرف عن كالفن بأنه رجل “عملي”، فإن دراسته اللاهوتيَّة لم تكن مجرد “نظريات” دعا إليها، قدر ما كان أسلوبًا عمليًّا، لكل التشكيلات الاجتماعيَّة. لقد اهتم كالفن بالتنمية الحضاريَّة قدر اهتمامه بالسلوك الأخلاقيِّ الروحيِّ. لقد كان اهتمامه بالسلوك الأخلاقيِّ الروحيِّ. كان اهتمامه بالإنسانيَّة، اهتمامًا عميقَ القَدْرِ على أساس أنَّ القيم الإنسانيَّة كلَّها من صنع الله. فقد نادى -كل حياته- بالاكتراث الكامل بكل ما هو “إنسانيّ”.
إلا أنَّ كالفن لم يرد الإنسانيَّةَ منفصلةً عن الله. إنَّ الإنسانيّة -في نظره- تعتمد على الله. وكالفن -في صميم فكره اللاهوتيّ- لم يكن متفقًا مع الدعوة التي تلت في عصر الاستنارة، والتي دفعت الإنسان إلى أن يعتمد على ذاته. إن الإنسان وكل منتجات الفكر العصريّ ينبغي أن تخضع لحكم السيد.
مجلس الكنيسة:
في السطور السابقة عشنا مع كالفن، مؤسِّس المشيخيَّة، مع فكره اللاهوتيّ، الذي على أساسه وضع النظام الكنسيّ. وقد كان كالفن حريصًا على أنْ يحقق النظام الكنسيَّ، الرسالة الأساسيّة، فالنظام الكنسيّ وسيلة لا هدف والهدف هو -لدى كالفن- إبراز مجد الله في المسكونة. ولذلك فالأسلوبُ الكنسيُّ كان يعتمدُ على وجود قياداتٍ متنوِّعةٍ، تشمل المختارين للخدمة وغيرهم ممن يُدْعَون “للتقديس” داخل الكنيسة، الجهاز الإداريّ، أولئك الذين دعاهم اللهُ إلى خدمة المجتمع الأكبر.
كانت خبرة كالفن أسلوبًا ممارسًا في جنيف، حيث كان راعيًا. وقد كان له مع قياداته دور فعَّال في جنيف، بل وفي سويسرا، وخارجها. لقد كان أعضاء “المجلس” مُنتَخَبين من المجتمع وهم يحملون مسؤولية دورهم “التقديسيّ” في مجتمع جنيف كله. وكما فهمنا كان معنى الدور التقديسيّ، هو مطابقة “القيم” الإيمانيّة والفكريّة من كلمة الله على الروحيّات والدنيويَّات بقدرٍ كافٍ وبنظامٍ واحدٍ لتكون الحياة الإنسانيَّةُ العاديةُ وفقَ المشيئة.
لقد أثار فكرُ كالفن مفكِّري العصر الحاضر. وكان فكر كالفن أساسًا للدعوة المعاصرة لمسؤوليَّة جماعة الربِّ تجاه حياة الفرد وسلوكه، وتجاه الجماعات: كالأُسَر، والفِرَق المختلفة، وتجاه الدول وسياساتها.
لذلك، فإنني أرى أنَّ فاعليَّة النظام المشيخيِّ تنبع أساسًا من مجالس الكنائس، أكثر منها عن طريق “المجامع والسنودسات”. فلو كان مجلس الكنيسة يحتوي داخل عضويته التمثيلَ الفعَّالَ للمجتمع المحيط، لأصبحت هذه المجالس أقدر على القيام بدورها العميق في المجتمع الأكبر لتحقيق إنسانيَّةِ الإنسانيَّةِ، ولتعميق طاعة الرب في السلوك الاجتماعيِّ الأخلاقيِّ. فهل لكنائسنا أنْ تُعيد النظر في فكر مجلس الكنيسة. إنَّه مجلسٌ ملتزمٌ أمام الله.
تتحقَّق الرسالة التقديسيَّةُ داخل المجتمع الأكبر، عن طريق الحياة العمليَّة والمشاركة الإنسانيَّة. هل يدرك الشمامسةُ أنَّ دورهم هو الخدمة “للفقراء” ليس فقط فقراء الكنيسة بل فقراء المجتمع؟ وليس فقط “لتوزيع الأموال” بأساليب الخير البائدة، بل للتفاعل مع الفقراء ليكون لهم الدور الفعال والحيويُّ لخدمة الإنسانيَّة المتألمة؟ هل لنا أن نعيد صياغة كنائسنا الإنجيليَّة لتعود إلى دورها المشيخيِّ الحقيقيِّ، كما دعا إليه كالفن؟
ثالثًا:
المشيخيَّة تتطلب قدرًا وفيرًا من الفهم الإداريّ
وتعتمد في أسلوب عملها على قيادات واعية مسؤولة
على كافة المستويات
(الهدى، العدد 855، السنة 72، ديسمبر 1982م، ص 5-6)
تحدَّثنا في العددين الفائتين عن المشيخيَّة كأسلوبٍ إداريٍّ منفتحٍ يعطي مجالاتٍ للانطلاق والتحرُّك. ثم عُدنا إلى دراسةٍ عن الكالفينيَّة وعلاقتها بأسلوب العمل الجماعيِّ ومكان المشيخيَّة بالنسبة للمجتمع الأكبر، كما علَّقنا في دراستنا على السبب الذي دفع كالفن لاختيار النظام المشيخيِّ الحاليِّ واختيار وظائفه ونظامه الإداريِّ. وفي هذه المرة نستعرض معًا مشكلات النظام المشيخيِّ ومطاليبه، لكي تتحقَّق منه الأهدافُ التي وُجِد من أجلها.
مما لا جدال فيه، إنَّ كالفن، عندما استنبط النظام المشيخيّ، خططه بالطريقة التي تناسب جنيف، وبالتالي المجتمع الأوروبيّ الذي كان على اتصال مباشر به. لا شك في أنَّ الدراسة الأساسيّة لكالفن نابعة من فهمه لكلمة الله. ونحن هنا نحاول أن نميِّز بين “الفكر اللاهوتيِّ” و”التنظيم الكنسيِّ”. فالفكر اللاهوتيُّ أساسًا هو الفكر المشيخيُّ، أما التنظيم الكنسيُّ فهو قد يختلف من موقعٍ لآخر حسب ظروف المجتمع، وحاجة الكنيسة. إنَّ الفكر اللاهوتيَّ مؤسَّسٌ على كلمة الله، أما التنظيم الكنسيُّ فلا يمكن أن يكون “مُنزَلًا” بل يجوز التفكير فيه ودراسته دراسةً شموليَّةً عريضةً، وتفصيليَّةً تطبيقيَّةً.
المشيخيَّةُ هنا، هي التعليم اللاهوتيُّ المؤسَّسُ على كهنوت المؤمنين، ومشاركة العلمانيِّين في الخدمة الدينيَّةِ كالمتفرِّغين، وارتباط العملِ الإنسانيِّ بالخدمة الكرازيَّةِ، وإعطاء السيادة لشعب الربِّ وليس لفردٍ معيَّن، والعمل المنطلق عن طريق “تنظيماتٍ جماعيَّةٍ كنسيَّةٍ” تعمل معًا بعد أن تخطِّطَ معًا. أما النظام الكنسيُّ، فهو يرتبط بـالوظائف وتوصيف الوظائف والتخطيط للعمل، ثم تنفيذ ما يُطلب. يدخل في النظام الكنسيِّ كلُّ ما يختص بالأجهزة الكنسيَّة كمجلس الكنيسة والمجمع والسنودس، والوظائف: كالراعي والشيخ والشماس والعمل العام بمصنَّفاته المختلفة، والوظائف المرتبطة بالأجهزة الكنسيَّة: كالرئيس والأمين وأمين الصندوق إلى غير ذلك. إنَّ إجراء تعديلات في هذه النُّظُم يمكن أنْ يتم دون المساس بمشيخيَّة الأساس اللاهوتيِّ للكنيسة.
كفاءةُ النظام الحاليّ:
وُضِعَ النظام الحاليُّ في جنيف، حيث المجتمع الحر، وارتبط النظام بمجتمع يقدِّر دوره الإداريَّ ومسؤوليته الحضاريَّة. كان المكلَّفون بالعمل أناسًا يقدِّرون مسؤوليَّتهم تجاه أنفسهم وتجاه المجتمع الأصغر الذي يعملون عن طريقه، أي “الكنيسة”، والمجتمع الأكبر الذي ينغرسون فيه أي “جنيف”، فكان التجاوب رائعًا.
فإن أخذنا نفس النظام -كما وضعه كالفن- لنطبِّقَه على مجتمع في أدغال أفريقيا، ماذا تكون النتيجة؟ أليس من الحكمة بمكان، أن يدرس كلُّ مجتمعٍ ذاتَه، ويبني نظامَه الكنسيَّ على الأساس اللاهوتيِّ الذي اختاره لنفسه؟ فإن كان المجتمع في أدغال أفريقيا، يعيش على الأسلوب القبليِّ الذي السيادة فيه لرئيس القبيلة، ولا تُمارَس فيه حرية لأفراد القبيلة، فأين يقف النظام؟
تطبيقات:
ولعلي هنا أبذل محاولة متواضعة -لست أدَّعي أنها شاملةٌ- ولكنها عيِّنةٌ من المشكلات التي تواجه النظام. ولعلِّي أبدأ بمشكلة انتخاب الشُّيوخ، هناك كنائس عديدة تنتَخِبُ الشيوخَ على أساس تمثيلهم لعائلات الكنيسة؟ فإن كانت هذه الظاهرة تمت 60-70% من الانتخاب الكنسيِّ، فهل هي “مشيخيَّةٌ” أم “قبليَّةٌ”؟ وأن كان هذا هو الأساس في “التركيبات الجماعيَّة” لمجالس الكنائس، وبالتالي في المجامع ثم السنودس؟ فأين يذهب النظامُ المشيخيُّ؟
ولعلي اقتبس مشكلةً أخرى. إنَّ قدرًا وفيرًا من القرارات الجماعيَّة يرتبط بالمجاملات أكثر من المبادئ. إننا مرات عديدة نأخذ القرار مجاملةً لفلان، معلهش ولماذا نضايقه؟ فإن أثرت القرارات “العاطفيَّة” على 50% من جملة قرارات أي جماعة مجتمعة، أليس ذلك خطرًا عليها؟ هل تصدر جماعةٌ ما قرارًا لاختيار شخص طالبًا في كلية اللاهوت “لأجل خاطر والده فلان”، ثم يظهر أنه غير صالح، أو غير لائق صحيًّا، أو غير ذلك؟ ألا يشكِّل مثلُ هذا الأسلوب خطرًا على مستقبل جماعة الرب؟ وعلى رسالتها؟ أليس من مسؤولية النظام الكنسيّ أنه يؤمِّن أكبر قدر من القرار الذي يخطط للمصلحة العامة أكثر مما يترك لعشوائية المجاملات؟
ولعلي أسمح لنفسي باختراق “مشكلة” من نوعٍ آخر: ما هي ضوابط النظام المشيخيِّ التي تمنع الانحراف؟ لو فرضنا -مثلًا- أن شخصًا باع أرض الكنيسة وأخذ أموالها في جيبه، ماذا يحدث؟ إنَّ النظام الكنسيَّ “المكتوب” به الضوابط التي تمنع الانحراف؟ إنها مكتوبة؟ بقي أن نتساءل كم عدد المرات التي أمكن فيها “الحكم” على الخطأ؟ وهل الأسلوب “الممارَس” يختلف عن المكتوب؟ وهل الأسلوب “الممارَس” يجيز للمخطئ تكرار الخطأ في موقع آخر؟ فما هو الضابط الذي يحمي الكنيسة، لتكون في خدمتها ورسالتها مطيعةً للطهارة التي دعا إليها سيِّدُها؟
إنَّ النظام المشيخيّ يرتبط أساسًا، بالقرار الجماعيِّ، على كافة المستويات. فإن كان القرار الجماعيُّ غيرَ مُلزِم لأحد، فهل يكون النظام القائم مشيخيًّا؟ إنَّ ما نحتاج إليه هو “مشيخيَّة” التطبيق بقدر متساوٍ مع مشيخيَّة النظام.
إن “المشيخيَّة” تتطلب مجتمعًا له قدرٌ وفيرٌ من الفهم الإداريِّ، ترافقه قدرةٌ على المناقشة “الموضوعيَّة” أكثر من “الشخصيَّة”، والتزامًا بالقرار الجماعيِّ حتى وإن كان “معارضًا”. إن “المشيخيّة” أسلوب عمل جماعيّ راقٍ، يعتمد على قياداتٍ واعيةٍ مسؤولة، على كافة مستويات النظام الإداريِّ. إنَّ “الأسلوب المشيخيَّ” ما لم تتحقَّق له القدرات، يبقى له “الاسم” دون “الجوهر” ويتحوَّل إلى أحبالٍ تشدُّه “للرجعيَّةِ” دون “التقدُّم” لمواجَهة القيمِ المعاصرة.
تطلعات:
قد يحس قارئ -بعد قراءة السطور أعلاه- بما أحس به أنا، لعله من غير الكريم أن نكتب هذه السطور. فهل لنا أن نناقش -بصراحةٍ- عيوبَ نظامِنا، ونتطلَّع منها إلى أسلوب أفضل؟ إن مهمَّة الطبيب كثيرًا ما تكون مؤلمةً؟ بل إن إحساس المريض بالجرح يكون دائمًا شديدًا؟ إنني في استعراضي للمشكلات أعتبر نفسي واحدًا في كلِّ إطار العمل الكنسيّ؛ أحمل مسؤوليَّتي من نحو ما في هذا النظام من عيوب بقدر مسؤوليَّتي عما فيه من مميزات. فإن وجَّهتُ لومًا أوجهه -بصدق والتزام أمام الله- إلى نفسي، قبل أن أوجِّهَه إلى “المجموع” بل إنني من قبيل إحساسي بالمسؤوليَّة أكتب. ولما كان “القرار” في جهازنا السنودسيِّ والكنسيِّ، هو عملٌ مُشتَرَكٌ، ولم يكن يومًا قرارًا فرديًّا، ولما كان الالتزام “جماعيًّا” لا “فرديًّا”، كان لا بد لي أن أكتب.
إنني أقدِّر الأساسَ “المشيخيَّ” كنظامٍ كتابيٍّ، وأدعو إلى استمراره، لكنني أرى ضرورةَ تطلُّعنا إلى “نظام” كنسيٍّ يحقِّقُ المستقبلَ الذي يريدُه اللهُ منَّا، ويدعونا إلى تحقيقه. اجتمعتْ منذُ سنوات لجانٌ لوضع “أهداف” الكنيسة، ومنها اشترك العديدون في وضع “خطَّة عمل”. ثم انتقلنا منها إلى “خطة” عمل جديدة. ونحن حاليًا ننتقل إلى “مؤتمر” يُعَدُّ بناءً على طلب السنودس “لخطة عمل” جديدة تواجه تحديات العصر، وتُبنَى على الأساس الجماعيِّ. أنفقنا على هذه الكثير؛ صرفنا ساعاتِ عمل طوالًا. فهل تُنفَّذ هذه الخطة؟ وكيف؟ لماذا ندرس ونخطِّط، وعند التنفيذ يُصاب عملُنا بالجمود؟
دعونا نتطلَّع إلى “مشيخيَّةٍ” فعَّالة، تحقِّق أهدافَنا، تنبع من بيئتنا ولا تتنافى مع طباعنا الشرقيَّة. دعونا نتطلع إلى “مشيخيَّةٍ” عمليَّةٍ يمكن ممارستُها بنجاح، لا “مثاليَّة” على الورق. دعونا نطلب “أسلوب عمل” يتفاعل معه أكبرُ عددٍ من القيادات في “التشريع” وأيضًا في “التنفيذ”.
اعتذار:
لا شك أنَّك، بعد مرورك معي على السطور المذكورة أعلاه، ستقول إنَّ الكاتب عرض للمشكلات دون أن يتعرض للحل. ولا شك أنك ستقول إنَّ هذا المقال ضمن المقالات السابقة، مبتورٌ، لأنه لم يقترح نظامًا إنني أوافقك على ذلك.
رابعًا:
الديمقراطيَّةُ واتِّجاه الريح
(الهدى، العدد 860، أغسطس وسبتمبر 1983م، 9-10)
في مقالات سابقة في الهدى عام 1982م تحدثتُ عن مفهوم المشيخيَّة، كما خطط لها اللاهوتيُّ العلمانيُّ المتعمِّق جون كالفن، وكيف رسمها من المجتمع السويسريُّ في ضوء تعليم العهد الجديد. وقد تابعنا في هذه الدراسة الأسس المشيخيَّة وأصولها، لتكون عميقة الجذور في المجتمع الإنسانيِّ المصريِّ.
واليوم أتجه للدراسة في “قضية الديمقراطيَّة” وهي قضية تواجه مصر سياسيًّا واجتماعيًّا، كما تواجه الكنيسة إداريًّا ونحن في هذا البحث نكتشف من تعليم العهد الجديد كما نحلِّل الممارسة والواقع، علَّنا ندرك موقع العمل الديمقراطيِّ في كنيسة الربِّ يسوع.
قضيَّةُ المساواة:
أول ما يتبادر إلى الذهن، عندما نتحدث عن الديمقراطية، هو “المساواة”. والمساواة بين البشر قضية كتابيَّة. فالجميع أمام الله سواسيةٌ، لا فرق. لقد ألحَّ الكتاب المقدَّس على أنَّه لا فرق بين ذكر وأنثى، سيِّدٍ أو عبدٍ، غنيٍّ أو فقيرٍ، قارَنَ السيدُ المسيحُ بين الغنيِّ ولعازر، وأبرزَ قيمةَ لعازر رغم فقرِه، لأن لعازر في ضوء القِيَم الإيمانيَّة، عمل ما هو أفضل. وتحدث السيد عن بارتيماوس، الذي كان يستعطي على قارعة الطريق، وقد توقف السيد خصيصًا ليكمل له الشفاء. بل أن “البرص” الذين رفضهم المجتمع اليهوديُّ، سارعُ السيد بشفائهم ليكونوا أفرادًا في المجتمع لهم كافة الحقوق والواجبات التي للآخرين.
إلا أنَّ السيد، كان واضحًا في أنْ يُحدد أَّن للمساواة بين البشر ملامحَ متميزةً. فالمساواة هي في “قيمة” الفرد، وذاتيَّتِه، ومعاملة الله معه. إلا أن البشر يختلفون في المواهب، والشخصيَّات، والخدمات، والإنتاج، والكفاءة، والأجور. حدَّثَنا السيِّدُ عن العاملِين الذين تقاضوا نفس الأجر في آخر اليوم، منهم من عمل كل اليوم، ومنهم من عمل نصف اليوم، ومنهم من عمل آخر ساعة أو ساعتَيْن من اليوم. وقد قدَّرَ المسيحُ في هذا “الاتفاق بين اثنين” لنوع العمل، وقيمة الأجر. ولكنه وافقَ على اختلاف الأجور.
كما تحدث السيِّدُ عن “الوزنات”، فإن لواحدٍ خمس وزنات، ولآخر وزنتين، ولآخر وزنة واحدة. إننا مختلفون في “العدد” و”الشكل” و”النوع”. ولا بد لنا من احترم وزنات غيرنا، والاقتناع بما لنا، مع استخدامه بالشكر لله. وعلى هذا الأساس، تم التنسيق بين أنواع “خدم” وأنواع مسؤوليَّات. وعندما بدأ الرسلُ مهمتهم، وزِّعت الأعمالُ بين “شيوخ” و”شمامسة”، وبين “رسل” و”معلمين” و”كارزين”… إلى غير ذلك. إن التنوع ظاهرةٌ صحيَّةٌ لازمةٌ ضروريَّةٌ لبناء بيت الربِّ أو لبناء مجتمع. والمجال واضح في قدرة الإنسان على استخدام الوزنة الواحدة أروع استخدام في التخصُّص الفنيِّ القدير، أو لصاحب الخمس وزنات. فإنَّ التقييمَ الذي أوضحَه السيِّدُ، هو للعمل الجادِّ، والإنتاج.
لذلك، فإننا كلَّما فكَّرنا في “المساواة”، لا بد لنا أن نقدِّر أن المقصود بالمساواة “القيمة الذاتيَّة للفرد الديمقراطيَّة، هو جانب العمل الجماعيّ المشترك. فإنَّ الربَّ من البدء، دعا إبراهيم أمَّةً، تعيش معًا، كجماعة الربِّ. ومن البدء في العهد المسيحيِّ، اجتمع الرسلُ والتلاميذُ، في أورشليم، يصنعون القرارات في القضايا الإيمانيَّة وقضايا الخدمة، وفي العمل الإداريِّ. فانتخاب من يحلُّ محلَّ يهوذا الإسخريوطيِّ تم بقرارٍ جماعيٍّ. ثم وُضِع نظام الشموسيَّة، وخدمة الموائد والتخطيط لها بانتخاب أشخاص مملوئين من الروح القدس، إلى غير ذلك، كان قرارًا جماعيًّا، ثم أن السماح بدخول الأمم إلى شعب الرب كان قرار القيادة الكنسيَّة معًا، إلى غير ذلك. فإنه من بدء العمل الكنسيِّ، كان الأمر شورى بين المؤمنين، وكان قادة الكنيسة في ضوء فهمهم لتعليم السيد والكلمة المقدَّسة، يقررون ما يرونه مناسبًا.
وقد بدأ العملُ الكنسيُّ المشيخيُّ، على أساس المشاركة في الرأي، عن طريق العمل الجماعيِّ. فإن دستور الكنيسة الإنجيليَّة ينظمُ أنَّ قرارات الكنيسة تصدر عن “مجلس الكنيسة” وعن “التئامٍ كنسيٍّ” أعيدت تسميتُه إلى “جمعيَّةٍ عموميَّةٍ” ورأى مجموعة كنائس في منطقة جغرافيَّة يتم عن طريق “المجمع”، وفي كلِّ الجمهورية يتم عن طريق “سنودس”. إن التركيز على العمل الجماعيّ أساس لاهوتيّ من كلمة الله. فإنَّ تعليم الكنيسة لا يوافق على أن يترك السلطة لفرد-أيًّا كان هذا الفرد. إلا أنَّه جدير بالذكر، أنَّ التمثيل في النظام الكنسيِّ ناقص جدًّا؛ فالشباب والنساء يندر أن يكون لهم تمثيلٌ. كما أنَّ النظام الكنسيَّ الحاليَّ لا يسمح بمرونةٍ كافيةٍ لتقييم القيادة الكنسيَّة التي تحتاج إليها الكنيسةُ في كلِّ حقبةٍ من الزمن. فإنَّ العديد من مجالس الكنائس لا يمثل الكنائس حقيقةً. والعديد من مجالس الكنائس لم يُدعَ إلى الالتئامات الكنسيَّة. والمجامع والسنودس كثيرًا ما تنعقد جلساتُها في أيام لا يقدر العلمانيُّون على حضورها لارتباطهم بوظائفهم. كما أنَّ المدعوين لا يمثلون فئات الكنيسة.
يُضاف إلى ذلك ظاهرة “الاستقلاليَّة” التي استبدت بالكنيسة وجعلتها تقف جامدةً غير متطوِّرة، وغير قادرةٍ على العمل المشتَرَك. إن الكنيسة التي تحتاج إلى مساعدةٍ ماليَّةٍ من المجمع أو السنودس، تجد نفسَها في مركبة العمل المشتَرَك. أما الكنسة القادرة فهي أحيانًا تأبى الشركة، وأحيانًا تقبلها متى أرادت، وأحيانًا تمارسها عن إحساس بالمسؤوليَّة الروحيَّة. إنَّ الانفراد أسهل، وأكثر إنتاجًا، إنه يبرز الذاتية بوضوحٍ، فلا تختفي “ذاتيَّة” الكنيسة المحليَّة في “متاهة” الكنيسة العامَّة. إنَّ المشاركة تحتاج إلى قدر من الأمانة، ليسهم كلُّ طرف بما عليه، بكل صدق، ودون رقابة، فإنه ما لم تكن المشاركة كاملةً من كلِّ جانبٍ فإن فاعليَّتِها تضيع.
إنَّ مشكلة كنيستنا أنها استقلاليَّةٌ، أكثر منها جماعيَّة، إنَّ تشكيل “السنودس” يعني إيمان الجماعة بالعمل المشتَرَك، والقرار الجماعيِّ، أساسًا لخدمة الرب. ألا أنَّ الواقع غير ذلك فإن َّكل “رعوية” سيادة مستقلة استقلالًا كاملًا عن كل رعوية أخرى. وعن المجمع والسنودس. وللرعوية أن تندمج في العمل العام متى أرادت ثم تنفصل متى أرادت، لها أن تطيع السنودس متى أرادت وتعصاه متى أرادت. من هذا المنطلق، فإن العمل الجماعيّ “منحل” من ذاته. والخيط الوحيد الذي يضمه هو “الشكل السنودسيّ” الذي متى أصابه عطب ما، ضاعت الجماعة أمام الاستقلاليَّة الذاتيَّة للكنيسة المحليَّة.
إنَّ السؤال الكبير الذي يفرض نفسه: كيف نعمل معًا، دون أن يستغلَّ الواحدُ الآخرَ، ودون أن يتعالى الواحدُ على الآخر؟ أقصد بسؤالي: كيف نعمل معًا ككنائس المسيح بمفهوم المسيح؟
خامسًا
رسالة مارتن لوثر للعصر الحاضر
(الهدى، العدد 863، السنة 74، يناير 1984م، ص 24-25)
لماذا يوم الإصلاح ولماذا نعود إلى مارتن لوثر، يوم الإصلاح يومنا، تاريخ الإصلاح تراثنا، إننا ككنيسة إنجيلية قبطيَّتُنا أصيلةٌ، عروبيَّتُنا عريقة، مصريَّتُنا تجري في دمائنا، لاهوتُنا مصلحٌ متطوِّرٌ.
لم نأتِ اليوم لنصنع مارتن لوثر بطلًا ولا قديسًا، لم نطلب منه شفاعةً ولا خدمةً. إن لوثر إنسانٌ عاديٌّ، له ميزاته وعيوبه، نتَّفقُ في بعض أفكاره ونعارضه في البعض الآخر، إننا لن نقبل عبادةَ الأشخاص.
لم نأتِ اليومَ لنسيءَ إلى أحد. إننا نحترم الكنيسةَ الأرثوذكسيَّة -رغم اختلافنا معها فكرًا وعقيدةً- كما نحترم الكنيسة الكاثوليكية -رغم اختلافنا معها لاهوتًا- إلا إننا نؤمن بالحوارِ والفكرِ الحرِّ. وندعو إلى اللقاء الفكريِّ. نحترم من يخالفُنا ولا نقبل الفكرَ المنغلقَ. كان مؤتمر الفاتيكان الثاني 1962- 1964 تطورًا فكريًّا مجيدًا في حياة الكثلكة، لدرجة أن البابا يوحنا الثالث والعشرين اعتُبر لوثر الكنيسة الكاثوليكيَّة في المجتمع المعاصر. إن العديد من علماء اللاهوت المعاصرين من أرثوذكس وكاثوليك يطالبون بدراسة لوثر إمعانًا في انفتاح الفكر، ونحن البروتستانت نحتاج أن نتعلم من الجميع وأن ننفتح على الفكر في كلِّ مجال.
لقد جئنا اليوم نبني بذورَ التفاهم وعلاقات الحب: بين المسيحيّين والمسلمين، بين الجميع. فإن دعوة المسيح لنا ألا يصدر منا إلا الحب، فجميع دون تفرقة مع الاحترام لفكر الجميع. أثار لوثر قضايا فكرية هامة تمس مجتمعنا المعاصر وحياتنا اليوميَّة.
أولًا: قضية المساواة بين البشر
دعا لوثر إلى المساواة بين الجنس البشريّ؛ فالكل أمام الله واحد لا فرق، أساس المساواة أن الإنسان خاطئ، الكل خطاة وغفران الله لخطايا الإنسان نعمة من عنده لا فضل للإنسان فيه، وفضل النعمة لله وحده فلا إله إلا هو وحده صاحب الفضل. بل إن نعمة الله تعطى للإنسان مجانًا، تبريرًا له، وتطهيرًا لذاته. وأمام نعمة الله لا يوجد في البشر مستوى أعلى ومستوى أقل، كانت ثورة لوثر مرتبطة بحق الله وحده في غفران الخطايا فليس لإنسان أن يغفر الخطايا إلا هو. اجتاز لوثر مراحل عديدة بحثًا عن غفران خطاياه؛ ذهب إلى دير متقشف أقصى درجات التقشف، ذهب إلى روما في رحلة تاريخية وصعد على درجات سُلَّم، صلَّى الصلاة الربانية على كل درجة منه، كل هذا ولم يحصل لوثر على سلام الله ولم يشعر بمغفرة خطاياه، حتى فاجأه صوت ينير على كلمات من الوحي المقدس هي: “أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا.” (عب 10: 38). إن نعمة الله للإنسان لا ترتبط بالفرائض، ولا بالكنيسة، ولا بالكاهن أو الراعي، أنها لا ترتبط بالتصوف أو التقشف، إنها لا ترتبط بشروطنا نحن. إن نعمة الله للإنسان لا تأتي لما يعمله الإنسان، بل لما عمله السيد لأجل الإنسان.
أعلن لوثر أن رسامته لا تميز إنسانًا على إنسان فالكل سواسية، الرسامة تخصُّص وتفرُّغ فقط. إنها لا تعطي ميزة أكبر لصاحبها. أنت لا تحتاج أن تلمسني وأنا مرتسم لعلك تأخذ بركة مني أكثر مما أحتاج أنا أن ألمسك لكي أحصل على بركة منك. كانت ثورة لوثر لأجل الشعب، فالكل خلقهم الله على صورته وروح الله ينسكب على كل بني البشر -رجالًا ونساء، كبارًا وصغارًا، عبيدًا وإماءً- بلا فرق. عندما حرم البابا لوثرَ في عام 1521 كان احتجاج لوثر مبنيًّا على أساسين: ليس للبابا سلطان الحرم، وليس من حق البابا -أو غيره- الحظر على حرية الفرد في التفكير، نشأ عن هذا التعليم “المساواة بين البشر”.
القضية الثانية: قضية المواطنة
كان لمارتن لوثر أثر عميق على حياة شعب ألمانيا وعلى تاريخها وآدابها؛ استبدل لوثرُ اللغةَ اللاتينيَّةَ في الصلاة والعبادة باللغة اللاتينيةِ لغة الشعب، ترجم الكتابَ المقدَّس إلى اللغة الألمانيَّة، أيقظ الشعور القوميَّ الألمانيَّ تجاه القوميَّة الإيطاليَّة في عصره ليعيش الألمانُ حياتَهم الوطنيَّةَ كألمان.
بل إن دعوةَ المواطنة امتدت لدعوة تحرير الفلاح من الظلم والاستعباد، وبالتالي حدثت حرب الفلاحين عامي 1524، 1525، فقامت ثورة الطبقات الكادحة ليكون لها حقُّ الحياة في مجتمعٍ ديمقراطيٍّ. فإنَّ قنوات الإصلاح نتيجة دعوة لوثر لم تسمح للأمراء بالتسيُّد على فقراء الشعب.
وكانت دعوة المواطنة أيضًا ظاهرةً في استنكار الإصلاح لخمول الفرد أو تراخيه؛ فقد دعا الإصلاح إلى مسؤوليّة الفرد أمام الله، فالإيمان يدفعُ الإنسانَ للعمل الجادِّ البنَّاء. إن نعمة الله التي يسكبها على الإنسان لا تسمح بالتراخي والتواكل، بل ببذل الجهدِ والعمل الشاقِّ والإنتاج.
وضع لوثر أسسَ المواطنة عندما تحدث عن السلطات في الدولة؛ فالدولة تستمدُّ سلطاتها من الله. رجال الدولة عند لوثر معيَّنون من الله ومسؤولون أمام الله مباشرةً، وعليهم الخضوعُ لله وهم مُطالَبون بإقامة الحقِّ والعدالة.
دعوة الإصلاح الجديد:
جئنا اليوم -أيها الإخوة والأخوات- نحتفل بيوم الإصلاح وفيه نتذكر يوم 31 أكتوبر 1517 يوم عشيَّة جميع القديسين عندما علَّق لوثر تعاليمَ الفكر البروتستانتيّ الإنجيليّ على باب كاتدرائية واتن برج بألمانيا دعوة للحرية والإيمان نداءً للحق والعدالة على أساس تعليم إنجيل مخلِّصنا وربِّنا يسوع المسيح.
كان لوثر يدعو دائمًا الكنائس كلها إلى التوبة والتجديد. وإنني اليوم أكرِّرُ دعوةَ لوثر لكل الكنائس إلى التوبةِ والتجديدِ. على أن نكتشف في الأيام القادمة ما يريدُه الله منَّا فنكون في طاعته لخدمة مصر ولخدمة المواطن المصريِّ.
مسردٌ أدبيٌّ لكتابات
الدّكتُور القسّ صَموئِيل حَبيب سُوريَال (1928- 1997م)
سيرة ببليوجرافيَّة
هذه محاولةٌ أوَّليَّةٌ لرصد كتابات الطيب الذكر الدكتور القسّ صموئيل حبيب (1928- 1997م)، التي تعدَّدت وتنوَّعت في مجالات شتَّى، اتسمت بالسهولة مع العمق، ودلَّت على مدرسةٍ متميزةٍ ومختلفةٍ في الكتابة، من حيث كونها تشتبكُ مع القضايا المجتمعيَّة من منظارٍ لاهوتيٍّ، هذه السيرة الببليوجرافيَّة، لا تقترب من الوظائف أو الخدمات التي تقلَّدها الدكتور القسّ صموئيل حبيب، وهي سيرة غنية مشرِّفة، ولكنها تقترب من زاوية خاصة ترصد الكتابات العربيّة التي نشرها في كتب، ولا يتعرّض السرد للكتابات المقاليّة في الصحف المسيحيّة والعامة، وهي كثيرة جدًّا، وأيضًا لا يشمل السرد على الكتابات باللغة الإنجليزية له أو عنه. ساعَدَني في السرد طيب الذكر القس جوزيف فتحي، وأخي القس عيَّاد صلاح، فلهما الشكر والتقدير.
قد لا يشمل السرد على حصر كافة الكتابات؛ فقد اعتمدنا على مكتبة كليَّة اللاهوت الإنجيليَّة بالقاهرة، ويمكن في النشر الثاني للسرد ما لم تتضمَّنه هذه الدراسة من كتابات للراحل الكريم. تجدر الإشارة إلى أن ترتيب السرد حسب الترتيب الأبجدي.