مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور أكتوبر2023 _العدد (10)

فهرس عدد أكتوبر 2023

  • افتتاحية رئيس التحرير: الافتتاحية – د. ق. اندريه زكي.
  • جولة العدد – ق. عيد صلاح.
  • ملف العدد: خمسون عاما على حرب أكتوبر ….. السلام نموذجا.
  • دراسة العدد تأصيل لاهوتي للسلام – د. ق. وفيق وهيب
  • 50 سنه على تحقيق طريق النصر المستحيل….. في طريق الأشواك…… معاهدة كامب ديفيد والسلام – هاني لبيب.
  • حرب أكتوبر بداية تغيير- د. سامية قدري.
  • الموقف الإنجيلي من دولة إسرائيل – ق. محسن منير.
  • المفهوم الكتابي للسلام – ق. جرجس جورج.
  • ليس هناك للسلام، السلام هو الطريق – ق. سهيل سعود.
  • مواطنون مصريون مسيحيون شاركوا نصر أكتوبر المجيد – عماد توماس.
  • حرب أكتوبر هزمت السينما المصرية – روبير الفارس.
  • نماذج من الصحافة المسيحية وانتصارات أكتوبر المجيدة – د. رامي عطا.
  • موقف الكنيسة الإنجيلية من حرب أكتوبر والدور السياسي دراسة وثائقية – ق. عيد صلاح.
  • عرض كتاب ” قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح: المزاعم الصهيونية لنهاية التاريخ”- جرجس صبحي.
  • شذرات لاهوتية – ش. د. إيهاب الخراط.
  • شذرات كتابية – ش. أسامة رشدى.

50 سنة على تحقيق طريق النصر المستحيل.. في طريق الأشواك.. معاهدة كامب ديفيد والسلام!

اسم الكاتب : هاني لبيب

تحتفل مصر خلال شهر أكتوبر 2023 بمرور 50 سنة على تحقيق المستحيل.. حلم الانتصار في 6 أكتوبر 1973. وتأتي احتفالات هذا العام في ظل أكبر أزمة تواجه السلام في الشرق الأوسط بسبب بداية أكبر تحدٍّ في شكل العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية بشكل خاص. وهي الأزمة التي عُرفت إعلاميًّا باسم “أزمة غزة”.. تلك الأزمة التي أعادت القضية الفلسطينية لأجواء 1948. وتداعيات تأثيرها على مستقبل السلام في المنطقة العربية.

6 أكتوبر ليس مجرد ذكرى وطنية لحدث تاريخي مر على المجتمع المصري، ولكنه مرحلة تاريخية فاصلة بين عهود قديمة لها ظروفها وسياقها، وعهد جديد ارتبط بالانتصار في مقابل الانكسار الذي حدث للشخصية المصرية.

الاحتفال بانتصار 6 أكتوبر ليس مجرد كلمات نقرأها في المناهج الدراسية أو كتب التاريخ، ولكنه الارتكاز الحقيقي للوطنية المصرية في العصر الحديث في مقابل حالة التغريب التي تمكنت تدريجيًّا من السيطرة على أفكار الأجيال الجديدة ومستقبلها. تلك الأجيال التي غاب عنها حديث مكانة التاريخ وتحديات الجغرافيا لمصر. ولذا لن يشعر العديد منهم بتاريخهم وأهميته سوى عندما يختبرون عمليًّا ما يقوم به غيرهم من الشعوب التي تصنع من أحداث معاصرة تاريخًا جديدًا لهم، بل ويتعاملوا معه بمنطق التقديس.. رغم حداثة نشأتهم بين الأمم. ولذا يظل الاعتزاز بتاريخنا هو السبيل للانتماء والولاء.

الكرامة الوطنية

انتصار 6 أكتوبر هو نموذج عملي على أعظم انتصارات العسكرية المصرية، واستعادة الأرض والكرامة والعزة لتحقيق الوطنية المصرية. هذه الوطنية التي شارك في تحقيقها حينذاك كلُّ مواطن بغضِّ النظر عن انتمائه الديني والسياسي في مقابل الحفاظ على الكرامة الوطنية والشخصية المصرية. والأمثلة عديدة على تأكيد ما سبق، ويظل باقي زكي يوسف “محطم خط بارليف” وفؤاد عزيز غالي “رجل المهام العسكرية الصعبة”، من النماذج الوطنية المشرفة التي عرفنا الكثير عن تفاصيل بطولاتهما الحقيقية خلال السنوات القليلة الماضية.

* * *

ما قبل السلام

بعد انتصار 6 أكتوبر 73، لم يكن هناك أي اتصال دبلوماسي أو مفاوضات سياسية مباشرة بين مصر وإسرائيل. وهو ما تتطلب وجود طرف ثالث ليقوم بدور وسيط السلام. وهو الدور الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الرئيس جيمي كارتر، وما طرأ من تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية حينذاك باتباع منهج حوار متعدد الأطراف للخروج من مأزق العلاقات الدبلوماسية الثنائية المقطوعة للوصول للحوار والتفاوض حول السلام في الشرق الأوسط.

* * *

اتفاقية ومعاهدة

تخلط الكثير من الكتابات في الحديث بين اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة كامب ديفيد. ومع الملاحظة أن القاسم المشترك بينهما هو عقدهما في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد بولاية ميريلاند، والذي حمل سياسيًّا اسم واحدة من أهم انجازات السلام في القرن العشرين. وهو ما تم بين الرئيس المصري أنور السادات ومناحم بيجين “رئيس الوزراء الإسرائيلي” تحت رعاية وضيافة ودعم جيمي كارتر “الرئيس الأمريكي”.

اتفاقيات كامب ديفيد تعود إلى سنة 1978، وهي تتكون من اتفاقيتين: الأولى تحمل عنوان “إطار السلام في الشرق الأوسط”، والثانية تحمل عنوان “إطار الاتفاق لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل”. وهما بهذا الشكل يمثلان معًا إطارًا محددًا للمبادئ العامة التي ستكون المرجعية الأساسية التي ستحدد معاهدة كامب ديفيد سنة 1979، والمعروفة بـ”معاهدة السلام”.

* * *

اتفاقيتا كامب ديفيد..

الاتفاقية الأولى “إطار السلام في الشرق الأوسط”: وهي توثق الفترة الزمنية التي اجتمع فيها كل من: السادات وبيجين وكارتر خلال الفترة من 5 إلى 17 سبتمبر 1978. وقد نصت على دعوة أطراف النزاع العربي- الإسرائيلي الأخرى للانضمام إليهم.

أقرت الاتفاقية قاعدة متَّفق عليها للتسوية السلمية للنزاع بين إسرائيل وجيرانها، ارتكازًا على قرار مجلس الأمن رقم 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن عامي 1967 و1973، واللذين يقران -دون تحديد أسماء الدول- مبدأ عدم جواز استيلاء إسرائيل على الأرض العربية بطريق القوة من جانب، ومبدأ ضرورة اعتراف العرب بوجود دولة إسرائيل داخل حدود آمنة ومعترف بها من جانب آخر.

أقرت الاتفاقية مبدأ إجراء مفاوضات في المستقبل بين إسرائيل وأي دولة مجاورة مستعدة للتفاوض بشأن السلام كشرط لتنفيذ بنود ومبادئ قراري مجلس الأمن المذكورين. ونصت الاتفاقية على أن السلام يتطلب احترام السيادة والوحدة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة وحقها في العيش في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها، وأن دعم هذا الاتجاه من شأنه أن يقود التحرك نحو عصر جديد من التصالح في الشرق الأوسط بتأكيد التعاون على تنمية التطور الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار والأمن.

 ومن أهم ما تقره الاتفاقية الأولى هو وضع المبادئ التي تم الاتفاق عليها لحل المشكلة الفلسطينية على ثلاثة محاور: الأول: نقل السلطة إلي الفلسطينيين في الضفة وغزة، لإقامة سلطة حكم ذاتي لمدة لا تتجاوز خمس سنوات. والثاني: إجراء التفاوض على الوضع النهائي للضفة وغزة، وعلى أن يقر الحل الناتج عن المفاوضات بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. والثالث: هي مرحلة تنفيذ الاتفاق النهائي.

 

الاتفاقية الثانية “إطار الاتفاق لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل”: نصت في السطر الأول منها على موافقة مصر وإسرائيل على التفاوض بنيَّةٍ صادقةٍ، وذلك بهدف التوصل إلى معاهدة سلام بينهما خلال 3 أشهر من تاريخ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978. كما نصت الاتفاقية على تطبيق كل مبادئ قرار الأمم المتحدة رقم 242 الخاص بحل النزاع بين مصر وإسرائيل. وعلى أن يتم تنفيذ المعاهدة التي سيجري التوصل إليها في فترة بين عامين وثلاثة أعوام من تاريخ توقيعها.

والأهم أنها تنص على المسائل التي اتفق عليها الطرفان:

  • ممارسة مصر سيادتها كاملة على المنطقة التي تمتد إلى الحدود المُعتَرَف بها دوليًّا بين مصر وفلسطين خلال فترة الانتداب.
  • انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من سيناء.
  • حرية مرور السفن الإسرائيلية في خليج السويس وقناة السويس.

وتتناول الاتفاقية أوضاع القوات المصرية- الإسرائيلية على جانبي الحدود، ووضع القوات التابعة للأمم المتحدة. ثم تنتقل إلى الانسحاب المرحلي بعد توقيع المعاهدة، وإقامة علاقات طبيعية بعد الانسحاب.

* * *

معاهد السلام المصرية– الإسرائيلية

مثَّلت الاتفاقية الثانية بهذا الشكل، التمهيد للتفاوض حول معاهدة السلام التي وُقِّعت في 26 مارس 1979. وهكذا أصبحت المعاهدة، وليس الاتفاقيتين هي المرجع المنظم للعلاقات المصرية– الإسرائيلية، والالتزامات المُتبادَلَة ووسائل حل الخلافات بين مصر وإسرائيل.

نظمت معاهدة السلام أسلوب تعديل وضع القوات الأمنية، حسبما ورد في الفقرة الرابعة من المادة الرابعة، بأنه بناءً على طلب أحد الطرفين يتم إعادة النظر في ترتيبات الأمن. وجاء بالمادة السابعة من المعاهدة أسلوب تنظيم حل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير المعاهدة من خلال التفاوض، وإذا لم تحل الخلافات بالتفاوض.. تحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم.

وفي 9 نوفمبر 2021، نجحت اللجنة العسكرية المصرية– الإسرائيلية المشتركة في تعديل الاتفاقية الأمنية بما يسمح لمصر بزيادة عدد قوات حرس الحدود وإمكاناتهما بالمنطقة الحدودية في رفح.

* * *

تاريخ

– 11 نوفمبر 1977: أعلن مناحم بيجن ترحيبه بمبادرة السادات، ووجَّه إليه دعوة رسمية عن طريق السفارة الأمريكية للزيارة.

– 19– 21 نوفمبر 1977: السادات يقوم بزيارة القدس المحتلة، ويلقي خطابًا أمام الكنيست.. يعرض فيه وجهة نظره في الصراع العربي الإسرائيلي.

– 26 مارس 1979: توقيع اتفاقية الصلح بين مصر وإسرائيل في واشنطن.

– 4 أبريل 1979: موافقة مجلس الوزراء المصري على اتفاقية الصلح.

– 5 أبريل 1979: إحالة الاتفاقية إلى لجان العلاقات الخارجية والشؤون العربية والأمن القومي بمجلس الشعب.

– 7 أبريل 1979: اجتماع لجان العلاقات الخارجية والشؤون العربية والأمن القومي بمجلس الشعب للاطلاع على 31 وثيقة من المستندات والخرائط.

– 8 أبريل 1979: لجان العلاقات الخارجية والشؤون العربية والأمن القومي بمجلس الشعب تصدر تقريرها بالموافقة على اتفاقية الصلح.

– 9 أبريل 1979: مجلس الشعب برئاسة سيد مرعي يناقش بنود الاتفاقية، وتقرير اللجنة.

– 10 أبريل 1979: غلق باب المناقشة بمجلس الشعب بعد اعتراض نواب حزب الوفد وحزب التجمع والتحالف العربي الاشتراكي على الصلح مع إسرائيل.

– 10 أبريل 1979: التصويت على اتفاقية الصلح، وجاءت النتيجة: 329 موافقة، و15 اعتراض، و1 امتناع، و13 غياب.

– 11 أبريل 1979: الرئيس السادات يصدر قرارًا بحل مجلس الشعب، واجراء استفتاء على اتفاقية الصلح.

– 19 أبريل 1979: استفتاء الشعب على اتفاقية الصلح.

– 20 أبريل 1979: وزارة الداخلية تعلن نتيجة الاستفتاء بالموافقة على اتفاق الصلح بنسبة 90.2%.

وهكذا.. دخلت المعاهدة حيز التنفيذ العملي، والتزام مصر بها.

ونتيجة لجهود الرئيس أنور السادات ومناحم بيجين “رئيس وزراء إسرائيل” في الوصول لطريق السلام.. حصلا مناصفة على جائزة نوبل للسلام سنة 1978 نتيجة لجهودهما الحساسة في تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.

* * *

أزمة غزة الحالية

أعتقد ان ما رفضه الفلسطينيون من حقوق لهم مع اتفاقية ومعاهدة كامب ديفيد سنة 1978 هو ما وصل بنا إلى أكبر أزمة تواجه الشعب الفلسطيني الآن في سنة 2023. وهي المكتسبات التي لن يتمكنوا الآن من الحصول عليها الآن.

ما مرت به المنطقة العربية منذ 7 أكتوبر 2023.. هو ظرف استثنائي في كل الأحوال. وهو ظرف يرتبط بملامح ضبابية حول إعادة صياغة شكل التحالفات الدولية في ظل علاقات معقدة لاستقرار المنطقة العربية التي أصبح البعض من دولها على وشك التفجير الداخلي أو تم تفجير أمنه الداخلي فعليًّا.

ما وصل إليه الوضع في أحداث غزة له أسباب تاريخية تراكمية طويلة بسبب فشل العديد من المفاوضات، وعدم استغلال العديد من الفرص منذ مبادرة الرئيس أنور السادات في كامب ديفيد وإلى الآن. تراجعت أهمية القضية الفلسطينية عربيًّا -قبل دوليًّا- بسبب عدم الاستقرار الذي أصاب العديد من دول المنطقة العربية، وما زاد على ذلك من تحديات دولية. ويبقي الأساس هو الانقسام الفلسطيني المستمر الذي يجاهد البعض لتكريسه واستمراره لتحقيق مصالح ربما تكون شخصية أكثر منها وطنية.

* * *

موقف مصر

موقف مصر من القضية الفلسطينية منذ سنة 1948 وإلى الآن واضحٌ ومباشرٌ مع الحفاظ على الحق الفلسطيني، وقبل ذلك على الشعب الفلسطيني نفسه. وهو موقف يجب التذكير به حتى لا يتم المزايدة على هذا الموقف الوطني والإنساني. كما يجب التأكيد على أن مصر لن تكون الوطن البديل حسب مفاهيم ومصطلحات الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة من جهة، وحسب المرجعية الفكرية لهذه الأفكار بداية من برنارد لويس ومخططات التقسيم، مرورًا بصمويل هنتنجتون في كتابه “صدام الحضارات”، وصولًا إلى فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”. بالإضافة إلى دراسات وأبحاث مراكز الأبحاث الأمريكية التي تبنت بالفعل الترويج لتلك الأفكار والسيناريوهات.

* * *

قمة القاهرة للسلام

لا يستطيع أحد أن يزايد على وضوح الموقف المصري وثباته سواء على مستوى القيادة السياسية أو على المستوى الشعبي في التفاعل مع القضية الفلسطينية ودعمها ومساندتها. ومثلما تبنت مصر قبل ذلك العديد من الحوارات والمفاوضات سواء بين الفصائل الفلسطينية وبعضها البعض، أو بين فلسطين وإسرائيل.. جاءت دعوة مصر لعقد قمة دولية موسعة “قمة القاهرة للسلام” في 21 أكتوبر 2023 من منطلق مسؤوليتها الإنسانية التي تقع على عاتقها تجاه أمن الشعب الفلسطيني ووحدته قبل أي شيء آخر. وهو ما جعل هناك استجابات دولية لحضور القمة ودعمها من رؤساء العديد من دول العالم.. بعد أن وصلت إلى نقطة الصفر بسبب التطورات السريعة.

الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير ولم يتراجع، ولا يزال يتم دعمه سياسيًّا.. على المستوى الرئاسي والشعبي. ولذا كان الموقف من المطالبة المستمرة بتمرير المساعدات الإنسانية لقطاع غزة.. باعتباره موقفًا يسهم في تحقيق السلام والاستقرار.

أعتقد أنه يجب على طرفي النزاع.. التوقف عند مسارات الصراع العربي الإسرائيلي التي امتدت سنوات طويلة. ومن المهم أيضًا استدعاء تجربة اتفاقية كامب ديفيد للسلام 1978. وما نتج عنها من تحقيق الاستقرار والأمن اللذين مهدا لفتح طريق التعايش والاندماج والبحث عن المصالح والاتفاقيات المشتركة بين مصر وإسرائيل. وهي التجربة التي طبقتها العديد من دول المنطقة العربية الآن.. رغم مقاطعتهم لمصر حينما تبنت السلام كخيار استراتيجي واختيار وطني للحفاظ على الأمن القومي المصري واستعادة كرامة الأرض وعزتها.

ومن المهم أيضًا، الرجوع لتوصيات المبادرة العربية للسلام المنعقدة ببيروت في 27 و28 مارس 2002، والتي أقرت قاعدة مرجعية تشترط منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة من خلال: إنشاء دولة فلسطين وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان لتحقيق اندماج حقيقي مع إسرائيل في المنطقة العربية.

نرفض توطين الفلسطينيين في سيناء. وهو حق وطني لا جدال فيه أو نزاع أو اختلاف. ولكنه في الوقت نفسه، تجاهل مقصود لفكرة أن تهجير الفلسطينيين سينهي تمامًا حل الدولتين، وحينها لن تكون هناك دولة فلسطينية من الأصل. ولا زالت مصر على موقفها من رفض مخططات تهجير الشعب الفلسطيني وتوطينه في سيناء.. منذ تم طرحها مبكرًا من سنوات طويلة وإلى الآن تحت مسميات متعددة سواء الشرق الأوسط الكبير أو الفوضى الخلاقة أو الأديان الإبراهيمية. وحذرت مصر من الفكرة الفاسدة السابقة لكونها تمثل تصفية للقضية الفلسطينية، وما صاحب ذلك من تنفيذ مخطط تهويد القدس بشكل ممنهج ومدروس، واستقطاع أراضٍ جديدة وضمها للسيطرة الإسرائيلية، وبناء مستوطنات جديدة عليها. وهو ما يعني نتيجة واحدة هي تصفية القضية الفلسطينية. 

* * *

نقطة ومن أول السطر..

6 أكتوبر مجد وطني وفخر مصري..

لا تزال انتصارات أكتوبر تحمل في خزائنها أسرارًا من البطولات التي نحتاج لمعرفتها.

السياسة هي فن الممكن.. أما 6 أكتوبر فهي تحقيق المستحيل.

لا يزال هدف مصر هو السلام.. الذي بدأته مع معاهدة كامب ديفيد. وغيره يكلف الجميع إنسانيًّا واقتصاديًّا.  

في الحرب، الجميع يخسر.. المنتصر قبل المهزوم..

نماذج من الصحافة المسيحية وانتصارات أكتوبر المجيدة.

اسم الكاتب: .د. رامي عطا صديق

  • البابا شنوده الثالث: إننا ندافع عن أراضينا ودفاعًا عن الحق.. وأرض سيناء مقبرة الإسرائيليين
  • الأنبا غريغوريوس- أسقف البحث العلمي: زعم إسرائيل أنها شعب الله المختار
  • الأنبا يوأنس- أسقف الغربية: مستقبل إسرائيل
  • الأب متى المسكين يكتب: كلنا تحت السلاح
  • الوزير ألبرت برسوم سلامة يكتب: الوحدة الوطنية والمعركة

ليس من باب المبالغة القول بإن انتصار السادس من أكتوبر 1973م يُمثل الحدث الأبرز والأهم في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، ولم يكن غريبًا أن تهتمَّ الصحف المصرية، العامة منها والدينية، بهذا الانتصار الذي أعاد للمصريين أرضهم وللجيش عزته وكرامته، ومن ثم كان من الطبيعي أن تهتم الصحف، على مختلف أشكالها وتنوع مضامينها، بهذا الحدث العظيم والجلل.

حيث ضمت هذه المجلات مقالات وقصائد شعر وكتابات حماسية تمجد الدولة المصرية وجيشها وجنودها، وتؤكد الحق المصري والعربي، ومن جانب آخر تنتقد الجانب الإسرائيلي، بكتابات من الكتاب المقدس بعهديه القدم والجديد.

ويرصد هذا المقال ما نشرته آنذاك عدة مجلات مسيحية قبطية أرثوذكسية عن انتصارات أكتوبر على النحو التالي:

  • مجلة (اليقظة)، مجلة دينية أدبية اجتماعية، أسسها القمص إبراهيم لوقا (1897- 1950م) في سنة 1924م بأسيوط ثم انتقل ومجلته إلى كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة سنة 1925م.
  • مجلة (رسالة المحبة)، دينية عقائدية أخلاقية تاريخية شهرية، تصدرها جمعية المحبة القبطية، القبطية الأرثوذكسية بشبرا مصر.
  • مجلة (مدارس الأحد)، شهرية دينية، شعارها “رسالة البعث الجديد”، تصدر عن بيت مدارس الأحد بشبرا منذ إبريل 1947م.
  • مجلة (مرقس) دينية شهرية، شعارها: “رسالة الفكر المسيحي للشباب والخدام”، رئيس التحرير د. رءوف جرجس، مدير التحرير ثروت فؤاد، مدير الإدارة عقيد كمال فايق، بدأ صدورها سنة 1959م.

رسالة السادات

تحت عنوان “هذه المعركة” نشرت مجلة (رسالة المحبة)، في عددها الصادر بتاريخ أكتوبر- ديسمبر 1973م، جانبًا من كلمة الرئيس أنور السادات في لقائه التاريخي مع ممثلي الشعب في 17 أكتوبر، وكان مما قاله: “إننا قاتلنا وسوف نقاتل لتحرير أراضينا التي أمسك بها الاحتلال سنة 1967 ولإيجاد السبيل لاستعادة واحترام الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، ونحن في هذا نقبل التزامنا بقرارات الأمم المتحدة… الجمعية العامة.. ومجلس الأمن.. إننا على استعداد لقبول وقف إطلاق النار على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من كل الاراضي المحتلة فورًا، وتحت إشراف دولي إلى خطوط ما قبل يونيه 1967″، “إن القوات المسلحة المصرية قامت بمعجزة على أي مقياس عسكري، وإن التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلًا بالدرس والفحص أمام العملية التي قامت بها القوات يوم السادس من أكتوبر حتى تمكنت من اقتحام مانع قناة السويس الصعب، واجتياح خط بارليف المنيع، وإقامة رؤوس جسور لها، بعد أن أفقدت العدو توازنه في 6 ساعات فقط”، “إن العدو المتغطرس فقد توازنه إلى هذه اللحظة… وأن هذه الأمة الجريحة استعادت شرفها.. وإن هذا الوطن يستطيع أن يطمئن بعد خوف إنه قد أصبح له درع وسيف”، “وقال الرئيس، ومشاعر الإعزاز والتقدير والعرفان تحيط بسيادته، مرتديًا زي القائد الأعلى للقوات المسلحة: إن الواجب يقتضينا أن نسجل من هنا، وباسم هذا الشعب، ثقتنا المطلقة في قواتنا المسلحة… ثقتنا في قيادتها التي خططت وثقتنا في ضباطها وجنودها الذين نفذوا بالنار والدم”، “وعن السلام قال الرئيس إننا على استعداد هذه الساعة، بل هذه الدقيقة، أن نبدأ في تطهير قناة السويس وفتحها أمام الملاحة العالمية لكي تعود إلى أداء دورها لرخاء العالم وازدهاره… ولقد أصدرت الأمر بالفعل إلى رئيس هيئة قناة السويس بالبدء في هذه العملية غداة إتمام تحرير الضفة الشرقية للقناة، وقد بدأت مقدمات الاستعداد لهذه المهمة”.

ونشرت المجلة مقالًا عنوانه “أرض سيناء مقبرة الإسرائيليين” للبابا شنوده الثالث، مع صورة لقداسته في جبهة القتال، قال في بدايته: “في شبه جزيرة سيناء الآن، تدور حرب طاحنة بين مصر وإسرائيل. وكان الأحرى بإسرائيل، قبل أن تدخل حربًا من أجل سيناء، أن ترجع إلى التوراة، وترى فيما كتبه موسى النبي العظيم، ماذا يقول الوحي الإلهي عن علاقة سيناء بإسرائيل…!”، ويضيف أن “سيناء لم تكن في يوم من الأيام موطنًا لإسرائيل.. بل كانت على العكس أرض متاهة، ومكان تأديب، ومدفنًا سقطت فيه كل جثث الإسرائيليين الذين خرجوا من أرض مصر أحياء.. وكانت أيضًا المكان الذي شهد خطايا إسرائيل وتمردها على الرب، وعلى نبيه موسى…”، وهكذا أخذ البابا شنوده يؤكد في مقاله أن سيناء كانت وعبر التاريخ أرض متاهة وغربة للإسرائيليين. واختتم مقاله بقوله: “صلوا جميعًا من أجل جميع أولادنا المحاربين في سيناء، ليحفظهم الرب في يمينه الحصينة، ويردهم إلى أسراتهم سالمين.. وصلوا من أجل قادتنا ليعطيهم الرب حكمة، ويؤيد جهادهم بالنصر، آمين”.

وتحت عنوان “زعم إسرائيل أنها شعب الله المختار” نشرت مجلة (رسالة المحبة) مقالًا لنيافة الأنبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمي والثقافة القبطية، وكان مما جاء فيه “إن اليهودية الآن هي ديانة الذين أنكروا المسيح ورفضوا دعوته ورسالته وخلاصه وتعاليمه الروحانية، متطلعين إلى مسيح آخر من طراز شمشون الجبار وغيره من المحاربين الأشداء الذين يبددون المعارك الحربية ليحققوا لشعبهم نصرًا ماديًّا أرضيًّا، ولا يزالون مرتبطين بفكرة المملكة الأرضية التي تقوم على التوسع المادي والاقتصادي ليسودوا العالم ويحكموا ويتسلطوا على غيرهم من الشعوب اعتقادًا منهم أنهم -وهم وحدهم- شعب الله المختار، هذه النزعة الشريرة القاتلة التي أباحت لهم في كل العصور أن يضروا ويؤذوا كل من لم يكن يهوديًّا. وهذا هو سر عدائهم للمسيح وللمسيحيين، لأن المسيح علم بأبوة الله لكل البشر، وأن جميع الناس إخوة لا فرق بين يهودي وغير يهودي، عبد أو حر، ذكر أو أنثى”، وهو يختتم مقاله بتأكيده: “ليس هو الله الذي أقام دولة إسرائيل، لكن اليهود هم الذين أقاموها لمحاولة إنسانية وخطة بشرية، ليس الله صاحبها. الأمة اليهودية انتهت ككنيسة الله، ولم يعد لها وجود أمام الله، لأنها تحت الغضب الإلهي”.

كما نشرت (رسالة المحبة) مقالًا عنوانه “مستقبل إسرائيل” لنيافة الانبا يوأنس أسقف الغربية، أكد فيه أن مستقبل إسرائيل واضح وأن كل ادعاءاتهم باطلة وأنهم أعداء الله وأعداء البشرية وأعداء أنفسهم قد عذبوا القديسين والأنبياء وتوجوا جرائمهم بصلب المسيح، فاستحقوا غضب الله. ويضيف “نحن نخوض الآن معركة من أكبر معارك الحروب وأعنفها في سيناء من أجل استعادة أرضنا واسترداد حقوقنا السليبة. ليت الإسرائيليين يرجعون إلى توراتهم ليقرأوا عن تاريخهم في سيناء… لقد كانت سيناء بأمر الله ومشيئته أرض متاهة ومكان تأديب لهم، ومدفنًا قُبرت فيه كل جثث موتاهم الذين خرجوا من أرض مصر أحياء. وكانت مسرحًا شهد خطايا بني إسرائيل وتمردهم على الله ونبيه موسى. وإن لم يشاؤوا أن يرجعوا إلى التاريخ -هروبًا من واقعه الاليم- فليعلموا أن عجلة التاريخ تسير ولن تتوقف، والتاريخ يعيد نفسه”.

وفي مقال عنوانه “الوحدة الوطنية والمعركة”، أكد الأستاذ ألبرت برسوم سلامة -وزير الدولة لمجلس الشعب- أن الوحدة الوطنية في مصر “ثابتة القواعد، شامخة العمد، صلبة الأركان”، موضحًا أن المتتبع لأحداث تاريخنا القومي على مر العصور يسترعي اهتمامه ذلك التكتل والتماسك الرصين بين أبناء الأمة مما حقق للوطن القوة، وتجاوز الشدائد في مجابهة المواقف الكبرى، حيث الوطن واحد والمصير واحد والوطنية هي دين الجميع، واستشهد في مقاله بوحدة المصريين في ثورة سنة 1919م، وثورة يوليو 1952م، وأثناء عدوان 1956م ومعركة 1967م، ورفض المصريين -وفي مقدمتهم رئيسهم الرئيس محمد أنور السادات- محاولات الفتنة بين المسلمين والأقباط.

وفي مجلة (رسالة المحبة) كتب القمص صموئيل تاوضروس السرياني مقالًا عنوانه “الكنيسة والمعركة”، أكد فيه وطنية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور، ذلك أنها “ساهمت وما زالت تساهم إلى اليوم بكل إمكانياتها الروحية والمادية في ردع أي عدوان تتعرض له بلادنا العزيزة”، وقد تجلت وطنيتها وقت الرومان والاحتلال البيزنطي والفرس والاحتلال العثماني..، كما أوضح أن المشكلة الرئيسية التي تشغل الكنيسة اليوم هي معركتها مع إسرائيل، وهي مشكلة  لم تبدأ في عام 1948م كما يظن البعض، لكنها تشكلت في السنة الأولى للميلاد عندما طارد اليهود الطفل يسوع وهو لا يزال في مهده، ومجيء العائلة المقدسة إلى أرض مصر، وتطور الأحداث وطلبهم قتل السيد المسيح، ورجمهم للقديس استفانوس ومطاردة المؤمنين. كما بيَّن كيف أن مصر قد احتضنت جالية إسرائيلية كبيرة “ولكن اليهود في مصر وغيرها من الأقطار العربية لم يراعوا هذا الإحسان الجميل بل تأثروا بالدعاية الصهيونية التي أتتهم من الخارج، وأخذوا يتنكرون لمواطنيهم في كل البلاد التي يعيشون فيها، وامتلأت قلوبهم حقدًا وشرًّا بعد أن وعدهم بلفور سنة 1917 بالوطن القومي، وأخذوا يهاجرون من شتاتهم إلى أرض فلسطين في جماعات كثيرة وبدأوا في إنشاء المزارع والمستعمرات واقتناء الأسلحة بكافة أنواعها حتى تحولت قراهم إلى ثكنات عسكرية، فصاروا يتربصون للعرب ويتحرشون بهم إلى أن اشتبكوا معهم في قتال مسلح سنة 1948م…”، ويرى الكاتب أن اليهود غير مُرضِين لله وأضداد لجميع الناس “هذه هي إسرائيل التي مزق الرب شملها وشتتها بين الشعوب. هذه هي إسرائيل التي تقاتلها الآن جيوشنا العربية الباسلة حتى تضع حدًّا لمطامعها. هذه هي إسرائيل التي تحاربها الكنيسة روحيًّا ومعنويًّا حتى تعود إلى صوابها وتعرف مكانها من المسيح الذي أوجدها في وضع شائن إلى أن تعترف به ربًّا وإلهًا ومخلصًا وتهتف قائلة مع شعوب الأرض: مبارك الآتي باسم الرب”.

وتحت عنوان “رجوع إسرائيل” للقمص إبراهيم جبرة نشرت مجلة (رسالة المحبة) مقالًا قال فيه إنه كثر الجدل وتعددت الآراء حول رجوع إسرائيل إلى أرضهم ووطنهم، وقيام دولتهم التي زالت وتحقيق أحلامهم العريضة التي تبددت! موضحًا أنه مهما كانت ادعاءات إسرائيل فإنها لن تغير من حكم الله تعالى المشمول بالنفاذ، مؤكدًا أيضًا أن مواعيد الله وبركاته كانت مشروطة ببقاء هذا الشعب أمينًا لله مخلصًا لربه مطيعًا لوصاياه وفيًّا لعهده. وحيث إن هذا الشعب قد خالف وصايا الله وعصى وتمرد فقد حقت عليه العقوبة والقصاص: “لِذَلِكَ هَأَنَذَا أَنْسَاكُمْ نِسْيَانًا، وَأَرْفُضُكُمْ مِنْ أَمَامِ وَجْهِي، أَنْتُمْ وَالْمَدِينَةَ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ وَآبَاءَكُمْ إِيَّاهَا. وَأَجْعَلُ عَلَيْكُمْ عَارًا أَبَدِيًّا وَخِزْيًا أَبَدِيًّا لَا يُنْسَى” (إرميا 23: 39- 40)، “هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هُمْ (بنو إسرائيل) يَبْنُونَ وَأَنَا أَهْدِمُ. وَيَدْعُونَهُمْ تُخُومَ الشَّرِّ، وَالشَّعْبَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الرَّبُّ إِلَى الْأَبَدِ” (ملاخي 1: 4). فإن شقاء اليهود لم يكن قصد الله منه رجوعهم إلى وطنهم، وإنما هو القصاص الذي يستحقُّونه، ومن جانب آخر فقد أصبح شعب الله جميع المؤمنين بالمسيح، وأصبح تبعًا لذلك أن ليس اليهود وحدهم هم أبناء إبراهيم بل من له إيمان وأعمال إبراهيم.

مجلة (مدارس الأحد) وعدد خاص عن المعركة

أصدرت مجلة (مدارس الأحد) نشرةً مع عددها الصادر في أكتوبر 1973م، جاءت تحت عنوان “كلنا في المعركة”، كما أصدرت عددًا خاصًّا من المجلة عن المعركة.

جاءت افتتاحيةُ عددِها الخاص تحت عنوان “الأرض والنهر والجيش في صلوات كنيستنا”، حيث بينت اهتمام الكنيسة بالصلاة من أجل كافة أمور الوطن، حيث الزرع والهواء والنيل، الأرملة واليتيم والغريب والضيف، العشب والزروع ونبات الحقل، الحكام والوزراء والجند.. وقالت المجلة في ختام افتتاحيتها: “واليوم وبلادنا تجتاز معركة المصير فإن هذه الأم الرؤوم: الكنيسة، تشارك في إيجابية، ليس فقط مشاركة الأب البطريرك والآباء الأساقفة، وأبنائهم جميعًا في مختلف المجالات الدينية والقومية، وإنما بصلواتها وشفافيتها الروحية أيضًا، ومن خلال دعاء قديسيها وقديساتها، من شهداء وآباء ومعلمين ونساك، سنصل بإذن الله إلى النصر ورفع علمنا عاليًا ليرفرف من جديد فوق أرضنا دون غريب يشاركنا فيها أو عدو يقتسمها معنا. نعم سننتصر فانتصارنا هو، في الواقع، انتصار للحرية التي كثيرًا ما ارتوت بدمائنا، وإكبار للإنسانية التي طالما شاركنا في صياغة صورتها وجلوها… إنه دفع جديد للحضارة، ونحن من صُنَّاعها، على الطريق إلى مزيد من العدل والارتقاء والتقدم”.

وتحت عنوان “كلنا جنود في خدمة هذا الوطن العزيز” نشرت نص الحديث الذي ألقاه غبطة البابا في التليفزيون، وفيها شكر الله، والرئيس البطل أنور السادات، والقوات المسلحة، المصرية والسورية، وقال: “في حالة الحرب لا يصح أن يقف الجيش وحده يدفع ثمن التضحية عن الأمة كلها، وإنما يجب أن نشترك معه جميعًا في هذه التضحية. في حالة الحرب لا يصح أن الدولة وحدها هي التي تحمل عبء الحرب وتكاليفها وإنما يجب أن نشترك معها جميعًا في حمل هذا العبء. وعلينا جميعًا أن نصلي باستمرار أن يكون الله معنا لأن قوتنا الشخصية ليست كل شيء وإن كان الله معنا فمن علينا. وعلينا جميعًا أن نؤمن بعدالة قضيتنا ونثق في حكمة قادتنا والله الذي كان معنا طول هذه الفترة وأتى بنا إلى هذه الساعة المباركة ونقلنا من الهزيمة إلى النصر هو قادر أن يكمل الطريق معنا حتى نصل إلى النصر الشامل بمعونته الإلهية”.

ونشرت موضوعًا عن زيارة البابا شنوده الثالث للجنود الجرحى في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، والترحيب بقداسته. وأعادت المجلة نشر مقال كتبته الأستاذة سكينة السادات في مجلة (المصور) عنوانه “مصر التي كانت… ومصر التي ستكون.. لمحة…!”، وكذا كلمة الأستاذ توفيق الحكيم في جريدة (الأهرام) وعنوانها “العبور”، و”ملامح صغيرة…” من كلمات الأستاذ كمال الملاخ. ونشرت نص البيان الذي أصدره المجلس الملي العام/ هيئة الأوقاف القبطية.

وتحت عنوان “ماذا قال مفكرونا عن إسرائيل؟” نشرت (مدارس الأحد) كلمات لقداسة البابا شنوده الثالث من محاضرته عن المسيحية وإسرائيل التي ألقاها في نقابة الصحفيين يوم 5 ديسمبر 1971م، وبعضًا مما كتبه نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي في جريدة (وطني) 21 أكتوبر 1973م وكتابه (الكنيسة ومزاعم إسرائيل السبعة)، وجزءًا مما كتبه القمص متى المسكين في كتابه (ما وراء خط النار) ونُشر عام 1967م، وجزءًا من كتاب الدكتور مراد كامل (إسرائيل في التوراة والإنجيل).

ونشرت قصيدة شعر للمهندس وليم نجيب سيفين عنوانها “عود إلى سيناء: دعونا الله… والله استجابا”، قال إنها “مهداة إلى قواتنا التي لثمت تراب سيناء بعد عبور قناة السويس”، وهو يقول في مطلعها:

جنود الله قد لثموا الترابا

وعادوا بعد أن ملوا الغيابا

        سنين ست قد مرت بصبر

                صمود الشعب عن عزم أجابا

        طبول النصر قد دقت بسينا

                وكان عبورنا عجبا عجابا

وقصيدة شعر أخرى للشاعر الأستاذ جرجس رفلة عنوانها “أسطورة.. تحطمت؟”، يقول في مطلعها:

مرحى! أسود النيل! قد حطمتمو.. أسطورة الجيش الذي لا يُقهر..

أرغمتمو أنفا تشامخ عاليا.. –كبرا- وخدا طالما قد صعروا..

جزتم على سد منيع شاهق.. زعم البغاة بأنه لا يعبر..

وأزلتمو تحصين بارليف الذي.. غالوا فقالوا: قلعة لا تكسر

كما نشرت حديثًا مع نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والعلاقات المسكونية تحت عنوان “الكنيسة ومعركة المصير”، أجراه معه الأستاذ سليمان نسيم، ودار الحوار حول وطنية الكنيسة القبطية، والتزام الكنيسة الروحي والوطني، وجهود الكنيسة لخدمة المعركة وحفظ حقوق الفلسطينيين العرب، ومقاومة الاستعمار والظلم، وصلوات الكنيسة من أجل النصر، وزيارة قداسة البابا شنوده الثالث لإثيوبيا وقطع إثيوبيا- الإمبراطور هيلاسلاسي العلاقات مع إسرائيل.

وتحت عنوان “معًا على الطريق” نشرت مجلة (مدارس الأحد) قصيدة شعر كتبها غبطة البابا شنوده الثالث، عنوانها “… سكنتم في سماء الخالدين” يقول فيها:

نلتم الأمجاد في دنيا ودين.. وهزأتم بالطغاة الملحدين

لم تموتوا أيها الأبطال بل.. قد سكنتم في سماء الخالدين

لم يَمُت من قاوم الكفرَ ومن.. بيسوع هز عرش الكافرين

لم يَمُت من صار باستشهاده.. قدوةً تبقى على مر السنين

لم يَمُت من قدم الروح على.. مذبح الحق جريئًا لا يلين

لم يمت كل غريب ههنا.. مر بالدنيا مرور الزائرين

عجبًا كيف صمدتم للطغاة.. في ثبات أدهش الكون مداه

أي شيء حبَّب الموت لكم.. هل رأيتم فيه إكليل الحياة؟

أيما قد كان داعي الموت لن.. نستطيع حسبانكم في المائتين

لم تموتوا أيها الأبطال بل.. قد سكنتم في سماء الخالدين

رأي المسيحية في إسرائيل

نشرت مجلة (اليقظة)، في عددها الصادر بتاريخ نوفمبر وديسمبر 1973م، مقالًا عنوانه “رأي المسيحية في إسرائيل”، أوضحت فيه أن وعد الله لإسرائيل بامتلاك الأرض وأن يكون شعبًا مختارًا له، إنما كان وعدًا مشروطًا، فإن لم يطع إسرائيل عهد الرب يقطعه الرب عن وجه الأرض ويجعله مثلًا وهزأة وحتى البيت المقدس الذي هو الهيكل يحطمه الرب وكل من يراه يتعجب، وما حدث هو أن شعب إسرائيل نقض عهد الله ولم يحفظ وعده، حيث كان شعبًا عنيدًا متذمرًا صلب الرقبة طوال تاريخه، شعبًا شريرًا عابدًا للأصنام.

كما أوضحت (اليقظة) أن هناك نوعين من البنوة لإبراهيم، بنوة جسدية لا تفيد شيئًا لأن الله قادر أن يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم، وهناك البنوة الروحية وهي بنوة الإيمان، وفي المسيحية فإن شعب الله المختار هو جميع المؤمنين به، ومع انتشار الإيمان فكل المؤمنين هم رعية الله وشعبه ومختاروه، ومن هنا انتهت فكرة شعب الله المختار وفكرة أرض معينة يجلس فيها مثل هذا الشعب.

مجلة (مرقس) وكلمات خالدة للسادات

صدر عدد نوفمبر 19723م من مجلة (مرقس) وعلى الغلاف صورة الرئيس السادات وعلى يمينه مفتي الجمهورية وعلى يساره البابا شنوده الثالث، حيث جاء تحتها: “بعد أن ألقى سيادة رئيس الجمهورية أنور السادات خطابه التاريخي الخالد عن المعركة. ويظهر الرئيس في الصورة يتوسط غبطة البابا شنوده الثالث وفضيلة مفتي الجمهورية أحمد خاطر”.

نشرت مجلة (مرقس) “كلمات خالدة للرئيس أنور السادات”، جاء فيها: “خرج الأبطال من هذا الشعب ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء… لقد كان الليل طويلًا وثقيلًا ولكن الأمة لم تفقد إيمانها بطلوع الفجر”.

ونشرت مجلة (مرقس) عدة عناوين على مدار صفحاتها: “لسنا دعاة إبادة”، “السلام بالعدل وحده… والسلام ليس بالإرهاب مهما أمعن في الطغيان…”، “لسنا مغامري حرب وإنما نحن طلاب سلام”، “حاربنا من أجل السلام الوحيد الذي يستحق وقفة سلام وهو السلام القائم على العدل”، “لقد أعطى شعبنا جهدًا غير محدود وقدم شعبنا تضحيات غير محدودة. وأظهر شعبنا وعيًا غير محدود”، “كنت أعتقد أنه ليس هناك شفاء لضمير الأمة ولا راحة له إلا عندما تواجه الأمة لحظات التحدي”، “إن حربنا لم تكن من أجل العدوان ولكن ضد العدوان”، “إن حربنا هي شرارة للحرب الإنسانية ضد الفاشية والنازية”، “لقد كنا نطمئن بعطف العالم ونحن الآن نعتز باحترامه”، “إنني أفضل احترام العالم ولو بغير عطف على عطف العالم إذا كان بغير احترام”، “إذا كنا نريد أن يدخل العالم… لعصر من السلام فإن السلام… له معنى واحد هو أن تشعر كل شعوب الأرض أنه سلام لها وليس سلامًا مفروضًا عليها”، “نواجه هذه الساعات بخشوع الصادقين مع الله ومع أنفسهم… ومع أمتهم ومع إنسانيتهم”، “هذه ساعات تتقرر فيها مصائر.. وتحدد فيها علاقات.. تتحدد فيها علاقات سوف تفرض نفسها على المستقبل وهي تؤكد نفسها بالحق”، “إننا كنا ولا زلنا نريد الحق ولا نريد الحرب لكننا كنا ولا زلنا نريد الحق حتى إذا فُرضت علينا الحرب”.

وأعادت مجلة (مرقس) نشر مقال عنوانه “كلنا تحت السلاح” للأب متى المسكين، كانت المجلة قد نشرته في عدد مارس 1970م “ونعيد نشرها الآن لمناسبتها للأحداث”، جاء فيه:

“إخوتنا في الميدان يحملون السلاح، ويضمدون الجراح، وماذا نحن فاعلون؟

هل نطلي زجاج الشبابيك باللون الأزرق ونجلس في الصالونات نتسامر؟

كلا يا سادة، فنحن كلنا تحت السلاح!

سلاح جنودنا في أيديهم يتكلم دمًا ونارًا، أما سلاحنا فهو في القلب،

يتكلم إيمانًا، بل دعاء، بل غيظًا، بل عهدًا على المقاومة حتى الموت!

فإن كان الذين في الجبهة هم أبطال في المقدمة، فنحن لن نكون أقل من أبطال في المؤخرة!

العدو عجز عن أن يحدِّث أبطالنا في المواجهة بلغة الهزيمة بمائة طائرة وألف مدفع، فتجاوزهم خلسة ودخل إلى العمق لعله يخلع قلوب المؤخرة بقنبلة أو بفرقعة وتحطيم زجاج!

كلا يا عدونا… إن قلوبنا حصون شامخة، حصون مسلَّحة بالإيمان، وعليها سوف تتحطم كل طائراتك وصواريخك وقنابلك الحارقة…

يا لإسرائيل الصغيرة الفاجرة، لما انجرح كبرياؤها في معارك المدافع والميج وإيلات، جها غضبها الأحمق لتصب نقمتها على المصانع والمخازن وأعمدة النور! وما علمت أنها بحماقتها جلبت على نفسها غضب الله والعالم أجمع، فها هوذا دم الأطفال والعمال الأبرياء يصرخ أمام الله يطلب النقمة من البنت الفاجرة، إسرائيل الحقيرة سفاكة الدماء.

إيه يا إسرائيل آخر الأيام، لقد تجلت فيكِ مجددًا روح اللعنة الأولى التي حلت على إسرائيل القديمة قاتلة عريسها، المطرودة من وجه الله، المشتتة في أطراف الأمم، المحكوم عليها بالغضب الإلهي عبثًا تطلبين بيت الزوجية يا قاتلة عريسها! عبثًا تحتلين أورشليم مدينة السلام يا بنت الدماء، عبثًا تطلبين هيكلكِ المنقوض يا قاتلة الأنبياء… الهزيمة تنتظركِ، سوف نعرض طائرات الفانتوم المهمشة في ميدان الحرية؛ أما غناكِ الكثير الذي كسبتِه بغشكِ وسحر سياستكِ فسوف تنفقيه كله في ضمادة جروحكِ يوم تطلبين رثاء ولا يكون من يرثى لهزيمتكِ يا بنت الظلام…”.

أخبار

وتحت عنوان “أخبار الكنيسة” نشرت مجلة (مرقس) مجموعة أخبار تتعلق بالحرب على النحو التالي:

“قام قداسة البابا شنوده الثالث صباح يومي السبت والاثنين الماضيين وبصحبته نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والأستاذ راغب حنا وكيل المجلس الملي العام وهيئة الأوقاف القبطية بزيارة مستشفى القوات المسلحة بالمعادي وغيرها حيث قام قداسته بتفقد الجرحى من ضباطنا وجنودنا البواسل وتقديم الهدايا إليهم ونسخًا من الكتاب المقدس للمسيحيين منهم تلبية لإدارة المستشفى”.

“قررت هيئة الأوقاف القبطية والمجلس الملي العام في جلسته الأخيرة برئاسة قداسة البابا شنوده الثالث الاكتتاب في سندات الجهاد بمبلغ خمسة آلاف جنيه دعمًا لمعركة المصير”.

“رأس قداسة البابا شنوده الثالث اجتماعات لجان الكنائس والجمعيات القبطية لمتابعة ما تقوم وتساهم به هذه الهيئات في مجال جمع التبرعات وتقديم الخدمات المناسبة من أجل المعركة”.

“قدم قداسة البابا شنوده الثالث بعض الهدايا إلى جمعية الهلال الأحمر لتوزيعها على المستشفيات وقد قام نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة بزيارة جمعية الهلال الأحمر وتقديم هذه الهدايا وهي عبارة عن ألف فوطة وجه”.

“قرر مجمع الكهنة في اجتماعهم الأخير تكوين 6 لجان وتتألف كل لجنة من 6 كهنة لزيارة المستشفيات وتفقد الجرحى وتقديم الهدايا إلى جنودنا البواسل”.

بيان البابا شنوده

نشرت مجلتا (مرقس) و(رسالة المحبة) بيان قداسة البابا شنوده عن المعركة جاء فيه: “لا شك أن قلوبنا جميعًا وأفكارنا وكل مشاعرنا مركزة حاليًا في أخبار الحرب التي تجوزها بلادنا، دفاعًا عن أراضينا واستردادًا لحقوقنا المسلوبة. ولعل أول ما نقوله في موضوع الحرب هو أن بلادنا عاشت محبة للسلام طوال تاريخها ولا تزال ساعية إلى السلام بكل جهدها، ولم تدخل الحرب إلا مضطرة… فلقد بذلنا كل جهودنا من أجل حل مشكلتنا حلًّا سلميًّا، وصبرنا أكثر من ست سنوات نفاوض ونناقش ونعرض الحلول بدون جدوى، وخلال هذه السنوات كلها كانت إسرائيل معتزة بذاتها، شاعرة أنها في مركز القوة، رافضة كل حل سلمي، محتلة أراضينا بدون وجه حق، بل كانت لها آمال في التوسع تزداد يومًا بعد يوم ولعلها كانت تظن محبتنا للسلام لونًا من الضعف أو الخوف، لذلك اضطرت بلادنا أخيرًا أن تدافع عن حقها بالقوة، وأن تعمل على استرجاع أراضيها وصيانة كرامتها. ولقد قال الكتاب المقدس “إن الملك لا يحمل السيف عبثًا”. إننا لا نخوض حربًا عدوانية فليس العدوان من طبعنا ولسنا نعتدي الآن على أحد بل إننا نحارب داخل أراضينا دفاعًا عنها. ولا لوم إطلاقًا في الدفاع عن النفس وكل ما نطلبه من عدونا هو أن يخرج من أراضينا فنعيش في سلام مبني على العدل، والحق يقف إلى جوارنا.

لهذا فإن بلادنا تحارب بضمير مستريح وبقلب نقي، بل أنها كسبت إلى جوارها ضمير العالم غير المتحيز، المحب للعدل، فوقفت معنا كل دول العالم غير المنحازة، وكل دول إفريقيا وكل الدول العربية وأيضًا هيئة الأمم المتحدة.

لكل هذا نحن مؤمنون بقضيتنا كل الإيمان، ولعل من ثمرة هذا الإيمان البسالة العجيبة التي حارب بها جنودنا. يدفعهم حماسهم. وتدفعهم كرامتهم، وتدفعهم ضمائرهم، شاعرين أن الله معهم. لأن الرب يحكم للمظلومين كما يقول المزمور.

ولعل من ثمرة هذا الإيمان، أننا لا نساوم، وإنما نتكلم في وضوح، نعرض الحق ونستصرخ ضمير العالم للدفاع عنه. وإن من يتتبع خُطَب رئيسنا البطل أنور السادات يرى نفس الوضوح ونفس الصراحة ونفس الحق، لا يتغير.. إنه لا يطلب شيئًا سوى الحق، والحق اسم من أسماء الله تبارك وتعالى.

إن جنودنا تحارب في الميدان والله في السماء يرى ويسمع، ويعمل أيضًا. وقد قال الكتاب إن الحرب للرب، والله قادر أن يغلب بالكثير والقليل..

سلام لكم من الله يا جنودنا الأحباء. الرب معكم، حافظ عليكم، وينصركم، ويعز البلاد بكم، ويسمعنا عنكم كل حين كل خبر طيب.

كل قلوبنا معكم، مملوءة بالحب والتقدير، وصلواتنا جميعًا مرفوعة من أجلكم، قادة وجندًا.

كونوا بخير، ولتكن قوة الله حافظة لكم، ترشد خطواتكم، وترشد خططكم.

وأنتِ يا مصر، صاحبة التاريخ المجيد الطويل العريق، البلد الذي قال عنه الله في كتابه المقدس “مبارك شعبي مصر”. كم من غزاة حاربوكِ، وبقيتِ كما أنتِ مرفوعة الرأس لم يقوَ الباطل الذي فيهم على الحق الذي فيكِ.

إننا متفائلون ونشكر الله أن الضيقات باستمرار تزيدنا قوة، تجعل صفوفنا أكثر وحدة، وأصلب عودًا، وأشد إصرارًا وعنادًا على الجهاد من أجل الحق.

وفي هذا الأيام نرى الكنيسة والجامع يعملان بكل قوتهما من أجل الوطن المفدى. الكل في نشاط دائم دائب من أجل المعركة. لا شيء يشغلنا سوى تركيز كل جهدنا في مساندة جنودنا. المسلم والقبطي يذهبان معًا إلى مراكز التبرع بالدم لبذل دمائهما من أجل قواتنا المسلحة، والمسلم والقبطي يتبرعان معًا في المؤسسات والنقابات وكافة المصالح والهيئات لأجل المجهود الحربي. والشيخ والقس كلاهما يعملان في توعية الشعب وفي حثه على التفاني في خدمة الوطن، سواء من فوق المنبر أو المحراب. الكل يشترك في الدفاع المدني والكل يشترك في خدمة الجنود وزياراتهم.

إن الحرب جعلت الكل جنودًا سواء المدنيين أو القوات المسلحة أو شعب مصر خارج حدودها في بلاد المهجر. ولقد هز قلبي جدًّا التأثير الروحي والمادي أيضًا الذي يقوم به أبناؤنا في كنائس أمريكا وأستراليا أولئك يعيشون في الخارج وقلوبهم في مصر. وما أجمل البرقيات التي وصلتنا من لوس أنجلوس ونيويورك وغيرهما وما يجمعه كل أولئك من تبرعات لأجل مصر.

حفظ الله بلادنا سالمة وأدام روحنا المعنوية قوية ومرتفعة، وحفظ الله رئيسنا البطل أنور السادات وكل صحبه ورجاله، وحفظ الله قواتنا المسلحة وكل قادتها وجنودها، وحفظ الله سوريا الحبيبة ورئيسها البطل حافظ الأسد وحفظ الله الحق سالمًا لأصحابه، بصلوات جميع القديسين آمين”.

المفهومُ الكتابيُّ للسَّلام

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب : القس جرجس جورج 

  • إنه ذلك التمثال الذي يصوِّر إنسانًا يشكِّل السيوف بمطرقته ويحولها إلى محاريث، للفنان إيفجيني فوشيتيتش (1908- 1974)، والذي يعبر عن صرخة لإيقاف الحروب وتحويل أدوات التدمير إلى أدوات للزرع والحياة لفائدة الإنسان. قال السيد المسيح: “طُوبَى لصَانِعِي السَّلام”. حقًّا السَّلام صناعة؛ تغيير الظلم والتدمير إلى عدل وبناء، فهي تلك المقدرة التي تسعى لتحويل الشرِّ إلى خيرٍ، اليأسِ إلى رجاءٍ، العري إلى كساء، والجوع إلى شبع. وهذا ما عبَّر عنه النبي إشعياء 2: 4 وفي ميخا 4: 3 “… فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.”

    السَّلامُ في العهدِ القديمِ

    الكلمة العبرية شالوم שׁלום، والتي تُترجَم بشكل متعارَف عليه “سلام”، تُخفي خلفها معاني أخرى أعمق من هذه الترجمة أو هذا التعريف البسيط؛ حيث نجد أن المعنى المجرَّد لهذا الاسم جاء ليعطي معاني “الكمال أو القداسة”، وجاء الفعل بمعنى “لتكتَمل، لتصنع الكمال، لتنهي، أو لتصنع النهاية”، وفي تعريف ألبرت فريدلاندر Albert Friedlander هو رباي يهودي، لكلمة السلام، حاول تعريفها بالضد، فمضاد السلام ليس مجرد غياب الحرب والعنف أو التعديات، لكن بما أن الكلمة العبرية منشأها معنى الكمال، إذن يصبح عدم الكمال، أو النقص هو المضاد للشالوم.

    ذُكرت كلمة شالوم ومشتقَّاتها في العديد من المواضع في العهد القديم؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في سفر الخروج إصحاح 21، 22، أحد الاستخدامات المبكرة لجذر كلمة شالوم وهو شلام، حيث تم ذكره 14 مرة، عندما أعطى موسى تعليمات للناس حول ما يجب فعله عندما يتسبب شخص ما في خسارة مادية أو في حالة سرقة الممتلكات. عند حدوث تلك الخسارة أو الضرر، يعتبر المالك ناقصًا أو غير مكتمل. والتعويض او السلام الوحيد هو جعل الأمور في نصابها الصحيح. (21: 34، 36، 37؛ 22: 2، 3، 4، 5، 6، 8، 10، 11، 12، 13، 14)، فكلمة “شلام” تُرجمت إلى “يُعَوِّضُ” وفي ترجمات إنجليزية تم ترجمتها على أنها: “اجعلها جيدة، ستدفع بالتأكيد، استرد كامل، أو استرداد”. وهذه الترجمات مرتبطةٌ بأصل المعنى العبري القديم لشلام وهو “صنع شيء كامل”. والمعنى ليس فقط فيما يتعلق بالاستعادة المادية للأشياء التي فُقدت أو سُرقت، لكن مع الشعور العام بالامتلاء والاكتمال في العقل والجسد والممتلكات.[1]

    وعليه تتخذ الكلمةُ معاني كثيرة ومتعددة وفقًا للقرينة والاستخدام:[2]

    • عادةً ما يعني شالوم السلام (تكوين 15: 15)، السلامة (زك 8: 10) هي أيضًا دلالة متكررة (آمنة، بأمان).
    • يشير الاسم إلى العديد من المعاني: الرفاهية (1صم 17: 18)، والضمان (1صم 20: 42)، والازدهار (إشعياء 9: 7)، والنجاح (إش 45: 7)، أو القوة/ الصحة (مز 38: 3).
    • يمكن أن يكون شالوم إجابة إيجابية (تكوين 41: 16) أو حلفاء/ آمنين (مز 69: 22).
    • الأفكار الدالة على الحال: جيدة (تكوين 29: 6)، بهدوء (1صم 29: 7)، تمامًا (إرميا 13: 19)، وكل الحق (2صم 18: 29).
    • يمكن أن يعني شالوم الرضا (خروج 18: 23)، أو الأمان (أيوب 5: 24)، أو سالمًا (إرميا 43: 12).
    • تُستخدم كتحية فالسؤال عن شالوم، هو تحية (1صم 30: 21) أو يسأل كيف يكون شخص ما (1صم 10: 4).
    • “رجال شالوم” هم أشخاص موثوق بهم (إرميا 20: 10) أو أصدقاء موثوق بهم (إرميا 38: 22).
    • “يتحدث شالوم” يتحدث بطرق ودية (مز 28: 3).

    فهذا التنوع والغنى في الكلمة يجعلها الكلمة القياسيَّة في الحياة اليومية؛ فمن خلالها يُفهم غِنى العلاقات، وضرورة الشريعة والناموس، وسمو يهوه، فالمعنى في ذهن كاتب العهد القديم: أنَّ السلام هو حالةُ الكمال. تلك الحالة الأصلية التي كانت في جنة عدن؛ حيث تمتَّع بها آدمُ وحواء مع الله كالمصدر الكلي للسلام، وكان هناك سلام بين الإنسان مع الإنسان، وسلام الإنسان مع الطبيعة والحيوانات. السلام مع الوجود والإدراك العميق لضرورته للتمتع بالحياة، وهو الهدف الأسمى الذي يجب أن يصل إليه الإنسان منذ وجوده على الأرض. فيكون الجهد المبذول والقوة الدافعة للحياة التي كانت في القصة الأولى للتكوين في الحفاظ على هذه الحالة، بالاعتناء بالجنة شجرها وحيواناتها، بالاحتفاظ بأبعاد الحياة. وصور السلام تظهر في ذلك السبت الذي استراح الله فيه، هذا السلام في العبادة، والتأمل، والجمال، والعلاقة. سنة اليوبيل، والصورة الإسخاتولوجية في عقل الأنبياء عن السلام.[3] السكن في شالوم هو الاستمتاع بالعيش أمام الله، والحماية بالعيش في كنفه، والتفاعل بالعيش مع الآخرين، والتمتع بالحياة مع الذات.

    أما بعد اضطراب حالة السلام الأولى بسقوط الإنسان في الخطية تغيَّر السعي نحو الشالوم ذلك السلام والأمل المنشود ليكمل نقص الإنسانية؛ فالحاجة هي الوصول للأمل والرجاء والكمال على كافة المستويات، وهو ينشد جميع جوانب الحياة. فالسلام هو الحياة كما يجب أن تكون -الطبيعة والخليقة والعلاقة- وليس مجرد غياب الصراع أو انتهاء الحروب والاعتداء.

    السَّلامُ في العهدِ الجديدِ

    استخدم كُتَّابُ العهد الجديد مصطلح “εἰρήνη/ إيرين” ليعني “السلام”؛ وتأتي من الجذر eirō، والذي يعني ربط الأجزاء ببعضها ككلٍّ، وأول استخدام للكلمة كان في إنجيل متى 10: 13 “فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُسْتَحِقًّا فَلْيَأْتِ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا فَلْيَرْجعْ سَلاَمُكُمْ إِلَيْكُمْ.” وكانت الكلمة الآرامية “شلومو” تتضمن مفاهيم الشالوم بمعاني تعانق الحياة كما استخدمها الرب يسوع المسيح وعاشها.

    والمفهوم للكلمة في العهد الجديد سار على خطى المفهوم في العهد القديم؛ فمن المُحتَمَل أنَّ كُتَّاب العهد الجديد السَّاميِّين فهموا الشالوم العبريّ، على أنه يشمل البناء الأكبر ومفهوم السلام الأوسع. فكان السلام يميل بشكل كبير إلى مفاهيم الحب والعدالة ونية الله التي خلقها، وهي مفاهيم تجعل كلمة شالوم حقًّا بنيةً عميقةً. لذا السلام هو رؤية أخلاقيَّة متكاملة للإنسانية، تبنَّاها كتَّابُ العهد الجديد لكن بشكل أكثر ارتباطًا بالنعمة الإلهيَّة وخصوصًا في رسائل العهد الجديد، تحديدًا في رسائل الرسول بولس؛ إذ أخرج الكلمة من إطارها كتقليدٍ وطقسٍ واستخدمها لهيكلة رسائله، لتعلن عن قصد وهوية السلام كطبيعةٍ إلهيَّة، فالله سلامٌ. لقد أنار العهد الجديد فكرَ السلام في شخصية الرب يسوع الصانع الحقيقي للسلام للإنسانية، الذي أعاد حالة السلام بين الله والإنسان. لقد أضفى العهدُ الجديد الطابعَ الخلاصي على مفهوم السلام، ليتمتع به المؤمنون أصحاب العلاقة مع الرب يسوع المسيح. كما يربط العهدُ الجديدُ السلامَ بشكل خلاقٍ وإبداعيٍّ بالمفاهيم والقضايا الخَلاصيَّة: كالبر، التبرير، المصالحة، والعدل.

    فالسلام دعوة إلى البشرية، ودعوتها للتحول جذريًّا من قبل إلهٍ مُسالِمٍ؛ بحيث يمكن للإنسانيَّة أن تعكس صورة الله المسالِمة. وبذلك يكون السلامُ هو أكثر بكثير من مجرد خيارٍ، هو شرط أساسي للحياة.[4] فهو الرؤية الأخلاقية البارزة لجميع البشر كمخلوقات الله. إنه رؤية للطريقة التي يجب أن تكون عليها الأمور، ورؤية للطريقة التي يجب على جميع الناس أن يعيشوا بها، فالسلام هو الغاية التي من أجلها خلق الله البشر، فيجب أن يوجِّه السلامُ أفكارَهم وكلماتهم وأفعالهم. فالسلام هو رؤية أخلاقية وروحية شاملة.[5]

    يعلِّم العهدُ الجديدُ أيضًا أن السلام هو ثمرةُ الروح، نتيجة العيش وفقًا لإرادة الله (غلاطية 5: 22- 23). السلام هبةٌ من الله، ولكنه أيضًا مسؤوليَّةٌ عن شعبه. نحن مدعوون إلى البحث عن السلام والسعي نحوه، والعيش في سلام مع الله وأنفسنا والآخرين (1 بطرس 3: 11؛ رومية 12: 18؛ كولوسي 3: 15). السلام ليس تجربةً شخصيَّةً فحسب، بل هو أيضًا تجربةٌ جماعيَّةٌ. الكنيسة مدعوَّةٌ إلى أن تكون صانعَ سلامٍ في العالم، وأن تعلن إنجيل السلام وأن تُظهر محبة الله وعدالته (أفسس 2: 14- 18؛ متى 5: 9).

    السلامُ والحربُ.. منطقيَّةُ المفهومِ الكتابيِّ

    إذ كان المفهوم الكتابي في هذا السياق والرؤية الكتابية رؤية أخلاقيَّة تنشد السلام، فكيف يكون منطق السلام في ظل حروب العهد القديم.

    العديد من القصص في العهد القديم موضوعها الرئيس هو الحرب، فمن الصعب، بل من الخطر قراءة أجزاء من العهد القديم مثل قصص الانتصار conquest narratives دون الرجوع إلى قصص الهزيمة defeat narratives.  فلا يمكن فهم كتابات الحرب في العهد القديم إلا من خلال النظر إليها كمثال parable له أبعاد تاريخية، كمثال لطبيعة الإنسانية فهي تعكس لنا أن خطية الإنسان وشره التي جعلت العنف ميراثًا إنسانيًّا مستوطنًا في الأمم.[6]

    فكاتب هذه الكتابات فهم الله أو “يهوه” في إطار ثقافته القبلية التي تدفعه بأن يجد لنفسه قوة وأرضًا ولم يجد غير وازعه الديني فخلق عالمه وفهمه الخاص عن الله في تلك الحقبة ليعكس من خلاله الأحداث والرغبة في تملُّك الأرض. وتطور هذا المفهوم في الكتابات -الإعلان المتدرج- لنرى الله صانع السلام أيضًا. (إشعياء 52: 7، 19): “مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ، الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ، الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ، الْقَائِلِ لِصِهْيَوْنَ: «قَدْ مَلَكَ إِلهُكِ!»… خَالِقًا ثَمَرَ الشَّفَتَيْنِ. سَلاَمٌ سَلاَمٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ، قَالَ الرَّبُّ، وَسَأَشْفِيهِ.” لذلك جاءت تلك الكتابات كتعبير إيماني عن قوة يهوه وعظمته، أكثر من أن تكون مجرد قصص تحث على الحرب أو العنف.[7]

    البعد الإلهي للوصية العظمى “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ” (لوقا 10: 27)، هذا هو البُعد الأخلاقي المقتبس مباشرةً من التوراة، لذلك فمبدأ المحبة، مبدأ أساسي. كما أن وصية الله أيضًا “لا تَقتُل” (خروج 20: 13) وصيَّةٌ واضحةٌ؛ فالرؤية الأخلاقيَّة في وصية الله لا ترحب بالحرب وتنشد السلام. لكن المشكلة تكمن في الإنسان، في فهم الإنسان للوصية، ومدى تطبيقه لها. وعندها نجد العجز البشري والقصور في فهم الوصية، في فهم الله وصلاحه. فنجد الإنسان وقد ترجم الأحداث من منطقِه الأخلاقيِّ، من منطلق ظروف حياته التي عكست صورة عن الله محدودة وضيقة ومشوهة، لتتحول الحروب إلى حقيقة إنسانية شارك فيها الجميع، في صراع الإنسان الذي أسقط تصوراته على الحروب باسم الله حتى غاب المعنى الحقيقي للديانة لتخضع لصراع الإنسان، ويضفي عليها القداسة باسم يهوه.

    لذا نجد أن الإعلان يظهر السلام ويتصاعد في الفكرة، وهكذا فهم كتَّابُ العهد الجديد العهدَ القديم وفسَّروه، وقبلت الكنيسةُ الأولى تعاليم السلام وواجهت العنفَ بالسِّلم، ونشرت بشارة الإنجيل بالسلام “حَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. لَا تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ… لَا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رو 12: 18- 19، 21).

    فالسلامُ مشيئة الله منذ بداية الخليقة كفعل حُبٍّ، ونية وقصد لكل الخليقة، واستمرت دعوة الناس إلى تلك الرؤية ليكون السلامُ هو النعمةَ والعطيةَ والعدالةَ، وليست الغاية فقط بل الوسيلة التي تقود للسلام، فالسلامُ يحقق السلامَ، مضفورًا بكل جوانب الحياة، فالسلام ماهيتنا، وهويتنا.

    [1] Anderson, Gordon L. “THE ELUSIVE DEFINITION OF PEACE.” International Journal on World Peace 2, no. 3 (1985): 101–4. http://www.jstor.org/stable/20750942.101

    [2] Peace-Shalom (Hebrew Word Study), https://www.preceptaustin.org/shalom_-_definition

    [3] Randy S. Woodley, Shalom and the Community of Creation: An Indigenous Vision. (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2012), 36.

    [4] Pieter G.R. de Villiers,. “Peace In the Pauline Letters: A Perspective on Biblical Spirituality.” Neotestamentica 43, no. 1 (2009): 1–26. http://www.jstor.org/stable/43048702.

    [5] Nathan D. Shannon, “The Comprehensive Ethic of Shalom.” In Shalom and the Ethics of Belief: Nicholas Wolterstorff’s Theory of Situated Rationality, 1st ed., 86–121. The Lutterworth Press, 2015. https://doi.org/10.2307/j.ctt1cgfc0c.8.

    [6]  Peter C. Caraigie, “The Problem of The War in The Old Testament, “(Grand Rapid: Eerdmans, 1983), 94-97.

    [7]  Grehard Von Rad, “Old Testament Theology,” V2, (New York: Harper and Raw,1965), 379

تأصيل لاهوت السلام

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : الدكتور القس وفيق وهبه

  • تحتفل بلادنا العزيزة مصر بمرور ٥٠ عامًا على انتصارات أكتوبر ١٩٧٣، وما تلتها من مبادرة السلام التاريخية التي قام بها الرئيس الأسبق أنور السادات عندما زار القدس وتل أبيب. لقد دفعت مصر ثمنًا غاليًا لتحقيق السلام بدم شبابها الذين خاضوا ملحمة أكتوبر بقدرات فائقة في التخطيط وتنفيذ إستراتيجيات دفاعية غير مسبوقة.

    استعادت مصرُ سيناءَ واستعادت كرامةَ شعبها، ذلك الشعب العظيم ذي الحضارة العريقة والمُثُل العليا. في السنين التالية لانتصارات أكتوبر احتفلت مصرُ والعالمُ بأول معاهدة سلام بين مصر واسرائيل في عام ١٩٧٨، والتي نتج عنها توفير جوٍّ من الوفاق السياسي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

    ويحق لنا -ونحن نحتفل بذكرى هذه الأحداث التاريخيَّة- أن نتوقف أمام لاهوت السلام وما يعنيه السلام بالنسبة لشعب الرب كجماعة وكأفراد. كيف نختبر ونعيش هذا السلام الذي وعدنا به الرب يسوع له المجد وحققه بموته الكفاري على الصليب وانتصاره في القيامة.

    تقدم لنا كلمة الله أبعادًا ومفاهيمَ عميقةً عن لاهوت السلام؛ فالكلمة العبرية “شالوم” تقابل الكلمة العربية “سلام” تحمل معنى الهدوء والطمأنينة والتوافق على الرغم من الظروف والأحداث المحيطة.

    • السلام هبة إلهية

    يذكِّرنا العهدُ القديمُ بأن السلام هو هبة أو عطية إلهية “وأجعَلُ سلامًا في الأرضِ” (لاويين ٢٦: ٦)، ولقد كلم الربُّ موسى بأن يبارك الشعب بالكلمات “يُبارِكُكَ الرَّبُّ ويَحرُسُكَ… يَرفَعُ الرَّبُّ وجهَهُ علَيكَ ويَمنَحُكَ سلامًا” (عدد ٦: ٢٦).

    ويردد المرنم: “بسَلامَةٍ أضطَجِعُ بل أيضًا أنامُ، لأنَّكَ أنتَ يا رَبُّ مُنفَرِدًا في طُمأنينَةٍ تُسَكِّنُني” (مزمور ٤: ٨)، كما أن الربَّ “يُبارِكُ شَعبَهُ بالسَّلامِ” (مزمور ٢٩: ١١) و”يتَكلَّمُ بالسَّلامِ لشَعبِهِ ولأتقيائهِ” (مزمور ٨٥: ٨) أيضًا الودعاء “يَتَلَذَّذونَ في كثرَةِ السَّلامَةِ” (مزمور ٣٧: ١١) والعَقِبَ (أي المستقبل المشرق) “لإنسانِ السَّلامَةِ” (مزمور ٣٧: ٣٧) ويردد إشعياء النبي في أنشودة حمدٍ “يا رَبُّ، تجعَلُ لنا سلامًا لأنَّكَ كُلَّ أعمالِنا صَنَعتَها لنا” (إشعياء ٢٦: ١٢).

    • ميثاق أو عهد السلام

    وترتبط هذه العطية الإلهية -هبة السلام- بمواعيد الله وعهوده؛ فالله هو الذي يقيم عهد أو ميثاق السلام “هأنَذا أُعطيهِ ميثاقي ميثاقَ السَّلامِ” (عدد ٢٥: ١٢) ويؤكد إشعياء: “أمّا إحساني فلا يَزولُ عنكِ، وعَهدُ سلامي لا يتَزَعزَعُ، قالَ راحِمُكِ الرَّبُّ” (إشعياء ٥٤: ١١) ويكرر حزقيال كلمات هذا العدد مرات عديدة “وأقطَعُ معهُمْ عَهدَ سلامٍ”… (حزقيال ٣٤: ٢٦، ٣٧: ٢٦… إلخ) ويسترجع ملاخي عهد الله مع سبط لاوي بالقول: “كانَ عَهدي معهُ للحياةِ والسَّلامِ” (ملاخي ٢: ٥).

    ويذكِّرنا سليمان الحكيم بأن حفظ وصايا الرب تزيد الإنسان طول أيام “وسِني حياةٍ وسَلامَة” (أمثال ٣: ٢) كما يؤكد أن “مَسالِك (الحكمة الإلهية) سلامٌ” (أمثال ٣: ١٧).

    وتؤكد لنا كلمة الله أن وعد الله بالسلام لشعبه يتحقق لأن الله هو مبدأ هذا العهد وأن الله يحفظ ميثاق هذا العهد على الرغم من كسر الإنسان للعهد والابتعاد عن الرب. يؤكد إرميا “هأنَذا أضَعُ علَيها رِفادَةً وعِلاجًا، وأشفيهِمْ وأُعلِنُ لهُمْ كثرَةَ السَّلامِ والأمانَةِ” (إرميا ٣٣: ٦). “فيَخافونَ ويَرتَعِدونَ مِنْ أجلِ كُلِّ الخَيرِ ومِنْ أجلِ كُلِّ السَّلامِ الّذي أصنَعُهُ لها” (إرميا ٣٣: ٩) قارن اشعياء ٦٦: ١٢ “هأنَذا أُديرُ علَيها سلامًا كنهرٍ…”.

     

    • الله يعلن عن نفسه انه اله السلام

    فالسلام ليس فقط عطيَّةً إلهيَّةً نبعها هو الله؛ فالسلام صفة في جوهر الله تعكس لنا طبيعة الله كبشر. فالكلمة المقدسة تعرِّفنا أن الله يعلن عن نفسه بأنه إله السلام؛ ففي إعلان الله عن نفسه لجدعون بادَرَه بالكلمات “السَّلامُ لكَ… لا تخَفْ…” (قضاة ٦: ٢٣) وكان رد فعل جدعون أنه بنى مذبحًا للرب ودعاه “يهوه شلوم” أي “الله سلام” (قضاة ٦: ٢٤) . فلقد أدرك جدعون أن طبيعة الله أنه إله السلام.

    ولقد أكد إشعياء بروح النبوة عن مجيء المخلِّص أنه “رئيس السلام” (إشعياء ٩: ٦) وأنه “ملك السلام” (إشعياء ٩: ٧). وفي مجيئه يتحقق السلام والخلاص “ما أجمَلَ علَى الجِبالِ قَدَمَيِ المُبَشِّرِ، المُخبِرِ بالسَّلامِ، المُبَشِّرِ بالخَيرِ، المُخبِرِ بالخَلاصِ، القائلِ لصِهيَوْنَ: قد مَلكَ إلهُكِ” (إشعياء ٥٢: ٧) قارن (ناحوم ١: ١٥) “هوذا علَى الجِبالِ قَدَما مُبَشِّرٍ مُنادٍ بالسَّلامِ”.

    ويؤكد زكريا أنه ملك السلام “ويَتَكلَّمُ بالسَّلامِ للأُمَمِ، وسُلطانُهُ مِنَ البحرِ إلَى البحرِ، ومِنَ النَّهرِ إلَى أقاصي الأرضِ” (زكريا ٩: ١٠).

    • المسيح سلامُنا

    فإنْ كان الله في طبيعته “سلام” فتجسُّد المسيح يجسِّد لنا هذا السلام. فلقد كانت بشارة الملائكة في مولده “وعلَى الأرضِ السَّلامُ” (لوقا ٢: ١٤). وقبل أن تعلن الملائكة عن تجسُّد السلام في مجيء المخلص، ردَّد زكريا الكاهن بروح النبوة عن المسيح “لكَيْ يَهديَ أقدامَنا في طريقِ السَّلامِ” (لوقا ١: ٧٩). ونجد أن الربَّ يسوع استخدم تحية السلام في كل تعاملاته سواء مع تلاميذه أو مع الجموع. فهو دائمًا يبادر سامعيه بالكلمات “اِذهَبي بسَلامٍ” (لوقا ٧: ٥٠، ٨: ٤٨). وفي ظهوراته للتلاميذ ردَّد دائمًا الكلمات “سلامٌ لكُمْ” (لوقا ٢٤: ٣٦، يوحنا ٢٠: ١٩، ٢٠: ٢١، ٢٠: ٢٦). فالمسيح يؤكد أنه هو مصدر السلام وهو الذي يمنح السلام الذي يبدد الخوف والقلق. وكثيرًا ما سبقت كلمات المسيح “سلامٌ لكُمْ” العبارة “لا تخف أو لا تخافوا”. ونلاحظ هنا اكتمال  وتناغم الوحي المقدس عن طبيعة الله أنه سلام في كل الكتاب المقدس بعهدَيْه القديم والجديد. فإن كان المسيح هو تجسُّد الله للسلام فهو يستخدم نفس العبارات التي أعلن بها الله “يهوه” عن نفسه في العهد القديم. (قارن دانيآل ١٠: ١٩ وقال (لدانيآل): “لا تخَفْ أيُّها الرَّجُلُ المَحبوبُ. سلامٌ لكَ” قارن أيضًا قضاة ٦: ٢٣ في مقابلة يهوه مع جدعون.

    فالله دائمًا يبادر الإنسان بطبيعته “سلام” لكيما يبدد الخوف والاضطراب الذي نتج عن الخطية. فلقد أدرك آدم حال سقوطه وابتعاده عن الشركة مع الله الخوف “سمِعتُ صوتَكَ في الجَنَّةِ فخَشيتُ” (تكوين ٣: ١٠) فلقد تبدلت شركة الفرح والسلام مع الله بخوف وخشية من الله، وبالتالي بالخوف من كل ما نقابله من ظروف وأحداث. لقد أكد المصلح المشيخي جون كالفن أن الإنسان قبل السقوط كان يتمتع بأعمق علاقة محبة وسلام واطمئنان مع الله. لقد كان الإنسان الأول يتمتع بنقاء القلب وصفاء الفكر والمشاعر. إلا أن السقوط أدخل الخوف في قلب الإنسان ونزع منه واحدة من أعظم العطايا الإلهية “السلام”. لذلك كانت دائمًا رسالة الله للإنسان “لا تخف… سلام لك” تلك الرسالة التي عاشها وأكدها المسيح في حياته وتعاملاته وبأشمل وأكمل صورة في موته الكفاري على الصليب. فالسلام الإلهي تجسد في مولد المخلص وتم تفعيله في حياة المسيح وموته على الصليب.

    ويتنبأ إشعياء عن عمل المسيح الكفاري بقوله: “تأديبُ سلامِنا علَيهِ” (إشعياء ٥٣: ٥) أي أن المسيح بآلامه وصلبه وموته أعطى لنا السلام الحقيقي الذي فُقد في السقوط بسبب الخطيَّة. فلقد دفعَ المسيح ثمن الخطية وما تبعها من خوف وابتعاد عن الله بدمه لكيما يعيد لنا السلام مع الله. فالفداء الذي قدَّمه المسيحُ بدمه على الصليب هو وحده القادر أن يعيد للإنسان السلام مع الله والاطمئنان في تعاملاته في الحياة. فالرسول بولس يؤكد “فإذْ قد تبَرَّرنا بالإيمانِ لنا سلامٌ مع اللهِ برَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ” (رومية ٥: ١)، فالمسيح صنع هذا السلام بموته على الصليب “عامِلًا الصُّلحَ بدَمِ صَليبِهِ” (كولوسي ١: ٢٠) وهكذا يقودنا الرسول بولس إلى عمق عمل المسيح في الفداء وصنع السلام بتأكيده أن السلام في شخص وليس في تحسن ظروف وأحداث حول الإنسان. “أنَّهُ هو سلامُنا… مُبطِلًا بجَسَدِهِ ناموسَ الوَصايا… صانِعًا سلامًا” (أفسس ٢: ١٤، ١٥)؛ فالسلام الحقيقي تحقق واكتمل في شخص المسيح وعمله الكفاري، إنه ليس سلامًا نتيجة معطيات بشرية أو توفر الظروف والأحداث المطمئنة. إنه سلام نابع من القلب على الرغم من كل الظروف والأحداث المحيطة بالمؤمن المسيحي.

    وهكذا ترك المسيحُ لتلاميذه وللكنيسة أعظم عطية، السلام الذي هو مصدره والذي وحده يملكه ويستطيع أن يمنحه. “سلامًا أترُكُ لكُمْ. سلامي أُعطيكُمْ. ليس كما يُعطي العالَمُ أُعطيكُمْ أنا” (يوحنا ١٤: ٢٧) فالمسيح هنا يؤكد على أن السلام الذي يمنحه للمؤمنين من خلال عمل الفداء هو سلام شخصي يختلف كل الاختلاف عمَّا يدعيه العالم من سلام.

    • السلام في حياة الكنيسة

    لقد تشكلت حياة الكنيسة الأولى برسالة وعمل السلام الذي قدَّمه المسيح بموته الكفاريِّ على الصليب. وهكذا بدأت تكرز ببشارة الانجيل (أي الخبر السار أو المفرح) وأصبح محور هذا الخبر السار البشارة “بالسَّلامِ بيَسوعَ المَسيحِ” (أعمال ١٠: ٣٦) أو البشارة “بإنجيلِ السَّلامِ” (أفسس ٦: ١٥). ولقد أدركت الكنيسة أن ملكوت الله المُبشّر به من خلال رسالة الإنجيل “هو برٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الرّوحِ القُدُسِ” (رومية ١٤: ١٧). فالرسول بولس دائمًا يؤكد على حقيقة أن السلام الداخلي الذي يتمتَّع به المؤمنون هو أيضًا عطية وثمر الروح القدس “وأمّا ثَمَرُ الرّوحِ فهو: مَحَبَّةٌ، فرَحٌ، سلامٌ…” (غلاطية ٥: ٢٢) ونلاحظ هنا رسالة الإنجيل وعمل الروح القدس في حياة الكنيسة تؤكد على ارتباط السلام بالبر والفرح والمحبة. كما أن السلام يرتبط أيضًا بالرجاء والإيمان المسيحي “وليَملأكُمْ إلهُ الرَّجاءِ كُلَّ سُرورٍ وسَلامٍ في الإيمانِ” (رومية ١٥: ١٣) فيذكِّرنا اللاهوتي السويسري كارل بارت أن السلام الذي يتمتع به المؤمنون مرتبط ارتباطًا كاملًا بتعمق المسيحي في معرفة ودراسة كلمة الله؛ لأنه يوجد توافق كامل بين ما تقدمه كلمة الله عن عمل نعمة المسيح في الفداء وعمل الروح القدس في حياة الكنيسة والتمتع بسلام الله. فالإصغاء إلى كلمة الله ووصاياه يمنح السلام. “لَيتَكَ أصغَيتَ لوَصايايَ، فكانَ كنهرٍ سلامُكَ” (إشعياء ٤٨: ١٨). كما أن السلام يقود إلى حياةٍ أخلاقيَّةٍ وتصرفات عملية تعكس حضور إله السلام في حياة الكنيسة. فالرسول بولس يذكِّر المؤمنين في أفسس أن “تحفَظوا وحدانيَّةَ الرّوحِ برِباطِ السَّلامِ” (أفسس ٤: ٣) وهكذا يعيشوا حياة الوحدة في الكنيسة ويسلكوا كأبناء نور في العالم.

    ويتضح تشكُّل الكنيسة الأولى برسالة السلام من خلال كل التحيات الافتتاحية والختامية للرسائل التي كتبها الرسول بولس وغيره. فعادةً تبدأ الرسائل إلى الكنائس والأفراد بالعبارة المشهورة “نِعمَةٌ لكُمْ وسَلامٌ مِنَ اللهِ أبينا والرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ” (١كورنثوس ١: ٣، ٢كورنثوس ١: ٢، غلاطية ١: ١٣، أفسس ١: ٢، فيلبي ١: ٢، ٢تسالونيكي ١: ٢، ٢تيموثاوس ١: ٢، تيطس ١: ٤، فليمون ١: ٣، ٢بطرس ١: ٢، ٢يوحنا ١: ٣، يوحنا ١: ١٥، يهوذا ١: ٢) ونلاحظ هنا ارتباط السلام بالنعمة المعطاة من الله؛ فالسلام والنعمة كلاهما عطايا لا نستحقها لكنها وُهبت لنا من خلال عمل المسيح الكفاري على الصليب.

    والرسول بولس يؤكد لكنيسة فيلبي على وعد المسيح لتلاميذه ليعطيهم السلام الشخصي الذي يهبه المسيح فقط بقوله: “وسَلامُ اللهِ الّذي يَفوقُ كُلَّ عَقلٍ، يَحفَظُ قُلوبَكُمْ وأفكارَكُمْ في المَسيحِ يَسوعَ” (فيلبي ٤: ٧). من الواضح أن هذا النوع من السلام الذي يفوق قدرات العقل والمنطق البشري لا يستطيع أي شيء في العالم أن يمنحه ولا يمكن لأي ظروف بيئية أو مجتمعية أن توفر هذا السلام الفريد، كما أن كل التحديات لا تستطيع أن تسلب المؤمنين هذا السلام الإلهي. نعم رب السلام وحده هو الذي يعطي السلام “ورَبُّ السَّلامِ نَفسُهُ يُعطيكُمُ السَّلامَ دائمًا مِنْ كُلِّ وجهٍ” (٢تسالونيكي ٣: ١٦).

    • صنع السلام:

    فإن كان الله في طبيعته سلام وفي تجسُّده جسَّد لنا السَّلامَ في شخص المسيح؛ فالله يتوقَّع من الكنيسة والمؤمنين أن يقوموا بدورهم في صنع السلام. “اطلُبِ السَّلامَةَ، واسعَ وراءَها” (مزمور ٣٤: ١٤) . “فأحِبّوا الحَقَّ والسَّلامَ” (زكريا ٨: ١٩) حتى أثناء السبي وتحت الضغوط السياسيَّة والاجتماعيَّة العصيبة ينبه الرب شعبه “واطلُبوا سلامَ المدينةِ الّتي سبَيتُكُمْ إليها، وصَلّوا لأجلِها إلَى الرَّبِّ، لأنَّهُ بسَلامِها يكونُ لكُمْ سلامٌ” (إرميا ٢٩: ٧). والمسيح يذكرنا في الموعظة على الجبل “طوبَى لصانِعي السَّلامِ، لأنَّهُمْ أبناءَ اللهِ يُدعَوْنَ” (متى ٥: ٩).

    فالمسيحي مُطالَب بتفعيل حياة السلام بالقيام بدور فعَّال في صُنع السلام وتوفير الجو الملائم للوفاق والطمأنينة “ليَطلُبِ السَّلامَ، ويَجِدَّ في أثَرِهِ” (١بطرس ٣: ١١) لأن “وثَمَرُ البِرِّ يُزرَعُ في السَّلامِ مِنَ الّذينَ يَفعَلونَ السَّلامَ” (يعقوب ٣: ١٨). فهناك جوانب سلوكية عديدة مرتبطة بصُنع السلام وفعل السلام، من أهمها الحفاظ على وحدانية جسد المسيح وبنيانه “فلنَعكُفْ إذًا علَى ما هو للسَّلامِ، وما هو للبُنيانِ بَعضُنا لبَعضٍ” (رومية ١٤: ١٩). “مُجتَهِدينَ أنْ تحفَظوا وحدانيَّةَ الرّوحِ برِباطِ السَّلامِ” (أفسس ٤: ٣) وأيضًا السعي للعيش في سلام مع الآخرين. “إنْ كانَ مُمكِنًا فحَسَبَ طاقَتِكُمْ سالِموا جميعَ النّاسِ” (رومية ١٢: ١٨).

    • السلام داخل البلاد

    الله هو الذي يهب سلامًا لحدود تُخِم الدول، “الّذي يَجعَلُ تُخومَكِ سلامًا” (مزمور ١٤٧: ١٤) “ليَكُنْ سلامٌ في أبراجِكِ… سلامٌ بكِ” (مزمور ١٢٢: ٧، ٨). وهكذا كان وعد الله لشعبه “ويَسكُنُ شَعبي في مَسكَنِ السَّلامِ، وفي مَساكِنَ مُطمَئنَّةٍ وفي مَحَلّاتٍ أمينَةٍ” (إشعياء ٣٢: ١٨). كثيرًا ما كنا نسمع العبارات السياسية “نسعى نحو سلام عادل وشامل” مثل هذه العبارات تعكس الرغبة والتطلع إلى سلام دائم مبني على العدل، وكثيرًا ما تحاول الدول أن تصل إلى معاهدات سلام مبنيَّةٍ على العدل والحق لتوفر لشعوبها حياة الاطمئنان والخير. وتذكِّرنا كلمة الله أن السلام يجب أن يكون دائمًا مبنيًّا على العدل والحق “ويكونُ صُنعُ العَدلِ سلامًا، وعَمَلُ العَدلِ سُكونًا وطُمأنينَةً إلَى الأبدِ” (إشعياء ٣٢: ١٧). فإن إله الحق والعدل والسلام هو وحده القادر أن يهبنا هذا السلام العادل.

    وعطية السلام تشمل القادة والمسؤولين “وأجعَلُ وُكلاءَكِ سلامًا” (إشعياء ٦٠: ١٧). فعندما يتمتع القادة والحكام بسلام الله وهدوء النفس بدلًا من التيه والتخبط، يستريح الشعبُ ويتمتع بحياة الاستقرار والهدوء والطمأنينة. “لأنَّ اللهَ ليس إلهَ تشويشٍ بل إلهُ سلامٍ” (١كورنثوس ١٤: ٣٣).

    وتشمل عطية أو هبة السلام شعب الرب وأولاده “وكُلَّ بَنيكِ تلاميذَ الرَّبِّ، وسَلامَ بَنيكِ كثيرًا” (إشعياء ٥٤: ١٣). “لأنَّكُمْ بفَرَحٍ تخرُجونَ وبسَلامٍ تُحضَرونَ” (إشعياء ٥٥: ١٢).

    أخيرًا نؤمن أن السلام الذي يهبه الله للمؤمنين هو سلام إسخاتولوجيٌّ؛ أي أننا نثق بالإيمان أن اكتمال السلام يتحقق في ملكوت الله هنا على الأرض، وأيضًا بصورة أشمل وأكمل في المستقبل الأبديِّ مع الله. كما يذكِّرنا اللاهوتيُّ الألمانيُّ المعاصر يورغن مولتمان “نحن نعيش بالرجاء هنا في العالم لأننا نعلم أن لنا مستقبلًا أفضل وأعظم في السماويات. هذا الرجاء هو الذي يعطي لنا القوة أن نواجه التحديات المعاصرة. كما أن خبرتنا في سلام الله الذي نتمتع به الآن في العالم يؤكد لنا أن هناك مستقبلًا أفضل مع الله في السماويات”. هذا ما أكده الرسول بولس: “فإنّي أحسِبُ أنَّ آلامَ الزَّمانِ الحاضِرِ لا تُقاسُ بالمَجدِ العَتيدِ أنْ يُستَعلَنَ فينا” (رومية ٨: ١٨).

    دعونا نردِّد مع المرنم:

    “في سلام في سلام   إنني دائمًا في سلام”

    وسَلامُ اللهِ الّذي يَفوقُ كُلَّ عَقلٍ، يَحفَظُ قُلوبَكُمْ وأفكارَكُمْ في المَسيحِ يَسوعَ

    أهم المراجع 

    Calvin, John, Institutes of the Christian Religion, Editor, John T. McNeil, Westminster John Knox Press, 1994.

    Barth, Karl, Dogmatics in Outline, Harper & Row Publishers, 1959.

    Moltman, Jurgen, Theology of Hope, Fortress Press, 1993

حرب أكتوبر هزمت السينما المصرية! لماذا لم يكتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس روايا

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : روبير الفارس

  • اهتمت السينما العالمية منذ نشأتها (عام 1895) بالظروف الاجتماعية والسياسية، ولم تقتصر وظيفتها على الجانب الترفيهي والاستعراضي فقط، وإنما أدرك السياسيون -منذ الوهلة الأولى- أن الاهتمام بها وتوظيفها يفتحان أمامهم منافذ عديدة تساعدهم على تسيير أمورهم، خاصةً المتعلقة منها بالدعاية، وهي المرحلة الأولى في علاقة السينما بالسياسة. وبما أن الحرب هي نتاج قرار سياسي، فإن السينمائيين لم يترددوا في إقحام هذا الموضوع في السينما، ويؤكد المؤرِّخون بأن السينما بدأت تغازل الحرب منذ عام 1897 وذلك من أجل تجديد مواضيعها، وتموضعها، في الوقت نفسه. ولم يكن قد مضى من عمر السينما سوى ما يقارب السنتين فقط، عندما أخرجَ المخرج جورج ميليبس أفلامًا عن حوادث في الحرب اليونانية، وعن انفجار مدرعة “مين” في مرفأ هافانا سنة 1898، الذي أشعل فتيل الحرب الإسبانية الأمريكية، لتضع ملابساتها على طاولة التناول السينمائي. ولا تُحصى الأفلام التي تناولت الحربين العالميتين والتي مازالت تستلهم أحداثَها أفلامُ هوليود.

    وعلى مستوى السينما المصرية، يبدو أن نصر أكتوبر -الذي مر عليه نصف قرن- قد كشف ضعف إنتاجها وقصور مضمونها؛ فلم تقدم أعمالًا عظيمة تليق فعلًا بهذه الحرب الكبرى، التي غيَّرت في الاستراتيجية العسكرية العالمية، ولكنها في السينما المصرية أصبحت تطعم قصصًا اجتماعيَّةً ساذجةً وكأنها حدث بسيط لا محور رئيسي. يظهر ذلك من إلقاء النظر على الأفلام التي تعرضت لحرب أكتوبر وأولها فيلم “الوفاء العظيم”- 1974.

    الفيلم عن قصة فيصل ندا، إخراج حلمي رفلة، بطولة نجلاء فتحي ومحمود ياسين وكمال الشناوي وسمير صبري وعبد المنعم إبراهيم. تدور الأحداثُ في قالب اجتماعيٍّ؛ فالحبيب (ضابط الجيش) الذي يتقدم لخطبة حبيبته فيرفض والدها بسبب خلافات قديمة بين العائلتين ويجهلها الحبيبان، ويقرر الأب تزويجها لشخص آخر، والذي لا بد وأن يكون ضابطًا أيضًا في الجيش هو الآخر. والصدفة الكبرى أن الزوج يعمل في الجيش تحت قيادة حبيب زوجته الأول. وتتواصل أحداث الفيلم إلى أن يصاب الزوج في الحرب ويتعرض الحبيب الأول لبتر ساقه نتيجة لمحاولته افتداء الزوج أثناء الحرب. ويرقد الرَّجُلان بنفس المستشفى، وبالصدفة يعرف الزوجُ علاقةَ الحب القديمة التي كانت بين وزوجته وقائده، فيقرر أن يتنازل عنها برضاه واقتناعه ليتزوجها الحبيب القديم، ويوافق أبوها على هذه الزيجة برغم العداء القديم بين العائلتين، تقديرًا ووفاءً لتضحية القائد أو الحبيب القديم من أجل الزوج في الحرب التي كانت البوتقة التي انصهرت فيها كل الخلافات من أجل الوطن.

    فيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي”- 1974، قصة إحسان عبد القدوس وإخراج حسام الدين مصطفى، بطولة محمود ياسين وحسين فهمي ويوسف شعبان وصلاح السعدني ونجوى إبراهيم. وهو فيلم من الأفلام القلائل التي بدأت أحداثه مع نكسة يونيو 67 وحرب الاستنزاف وانتهت أحداثه بحرب أكتوبر 73، واحتوت على مشاهد كثيرة للمعارك الحربية ذات مستوى فني وتقني معقول ومبرر وليس مقحمًا على أحداث الفيلم. وتدور الأحداث حول المُجنَّد الذي عاش بنفسه لحظات النكسة ومرارتها، ونجا بنفسه من طائرات الهليكوبتر التي كانت تتلذذ بحصد الجنود المصريين في سيناء 67، ويسقط من شدة الإعياء لينقذه أحد البدو في سيناء ويخفيه عن أعين الإسرائيليين في أحد المواقع القريبة منهم، ويساعده على الهرب إلى الضفة الغربية للقناة ومنها إلى القاهرة. وقد شاهد بنفسه المذابح البشعة التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون ضد الأسرى المصريين العُزَّل من السلاح. وبعد العودة نجده حاملًا رصاصة في جيبه، ويُقسم على أن تبقى في جيبه إلى أن يسترد تراب أرضه وعرضه؛ فمثلما اغتصب العدوُّ الخارجيُّ أرضَه؛ فقد اغتصب -على الجانب الآخر- العدوُّ الداخليُّ ابنة خاله فاطمة في غيابه. ويعود المجند إلى الجيش يحمل كل معاني الأسى والمرارة لاغتصاب أرضه وعرضه، ويشارك في حرب الاستنزاف ثم يعود إلى قريته محاولًا تغيير أو إصلاح الأوضاع، وسرعان ما يعود إلى الجيش بعد استدعاء عاجل. ليبدأ حرب التحرير واسترداد العزة والكرامة المُغتَصَبة في مشاهد هي الأطول في كل ما أُنتج عن حرب أكتوبر.

     ويعود المجند إلى قريته ليجد الأوضاع قد استقرت بعد أن اختفى المغتصِب لابنة خاله، ولكن وبرغم أن الحرب الكبرى في الميدان قد انتهت إلا أنه لا تزال الرصاصة في جيبه استعدادًا للدفاع عن أرضه.

    فيلم “بـدور”- 1974، عن قصة وإخراج نادر جلال، بطولة نجلاء فتحي ومحمود ياسين ومجدي وهبة وهدى سلطان ومحمد رضا وتوفيق الدقن. يعمل البطل بمصلحة المجاري والبطلة لصة محترفة يتقابل الاثنان بينما كانت تحاول البطلة الاختفاء من المطاردة عقب سرقتها أحد الأشخاص. ويضطر البطل إلى إيواء البطلة في منزله على مضض بعد أن أوهم الجميع أنها شقيقته. ويقع كلٌّ منهما في حب الآخر، وبعد استعراض لحياة البطل وأهل حارته، وفي اللحظة التي تحقق للبطل حلم من أحلامه وهو الحصول أخيرًا على علاوةً على أجره، لم تَدُم سعادته طويلًا فيتم استدعاؤه للجيش. وللصدفة العجيبة فإن البطل يحارب في نفس الفصيلة مع أحد اللصوص من الذين كان قد تصدى لهم مع أهل حارته قبل الحرب، وتنتهي الحرب. ويعود الجميع من الجبهة إلا البطل. ونشاهد القصة التي يرويها ذلك اللصُّ التائب الذي قابله في الحرب، والذي يؤكد لهم فيها بأن البطل قد استُشهد وهو يطلق قذيفة على إحدى الدبابات. وتنهار البطلة ويحزن الجميع ولكن فجأة يعود البطل كما وعدها عند الفجر. وفي هذا الفيلم تجد أشهر مشهد كوميديا متكرر في معظم أفلام حرب أكتوبر 1973: الناس على المقهى يشربون شاي وحلبة وينسون، ويدخنون الشيشة… وفجأة صوت المذيع على الراديو يقول: “نجحت قواتنا المسلحة في عبور قناة السويس وإسقاط خط بارليف المنيع وتدمير جميع المواقع العسكرية للعدو بنجاح…”، يفرح الناس، ويعلن أحدهم: “يا جماعة كل مشاريب القهوة دي على حسابي!”. وللعلم الحرب كانت يوم 10 رمضان، فكيف كان الشرب والتدخين بهذه الصورة في وقت الصوم؟

    فيلم “أبناء الصمت”- 1974، قصة مجيد طوبيا، وإخراج محمد راضي، وبطولة ميرفت أمين ونور الشريف ومحمود مرسي ومديحة كامل وأحمد زكي ومحمد صبحي.

    يُعد هذا الفيلمُ من أفضل الأفلام عن حرب أكتوبر؛ لأن أصله الروائيَّ لأديبٍ كبيرٍ، وهو يجعلنا نطرح السؤال المحيِّر الذي ظل بلا إجابة: لماذا لم يكتب نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم أو يوسف إدريس أي رواية عن حرب أكتوبر، رغم مكانتهم الفريدة في عالم الإبداع عالميًّا ومحليًّا وقوة الأثر الذي يتركه إبداعهم خاصةً عندما يتحول لأفلام سينمائية وأعمال درامية؟ وكأن الثلاثة الكبار قد تركوا المجال بأكمله -بدون اتفاق مكتوب بينهم- لآخرين مثل الأدباء إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف القعيد، الذين تحولت أعمالهم إلى أفلام. ولكنَّ أديبًا واحدًا لم يَنَل ما يستحق من تقدير هو الكاتب الكبير مجيد طوبيا (1938- 2022) وتميَّز عملُه الروائيُّ والفيلميّ “أبناء الصمت”؛ حيث تدور الأحداث من خلال مجموعة من المجندين من طبقات اجتماعية وشرائح مختلفة من المجتمع المصري، ولكلٍّ منهم مشاكله الخاصة كل حسب ظروفه الاجتماعية، ولكنهم أثناء حرب الاستنزاف يجمعهم خندق واحد، وكان بعضهم قد عايش هزيمة 67 لذلك فبعضهم يحس مرارة الهزيمة والمهانة. وعلى الجانب الآخر نجد الصحفية “نبيلة” خطيبة زميلهم في الفصيلة “مجدي” التي تصطدم برئيس التحرير، الذي كان في الماضي مناضلًا وطنيًّا ثم تعرض للاعتقال وعُذب، ولذلك فهو يعترض على الموضوعات الجريئة التي تكتبها بعد أن تخلى عن مبادئه الوطنية. وهو الأمر الذي يجعلها تذهب للجبهة للبحث عن بطولات الجنود.

    يقول الجندي الذي شارك في الحرب الأديب النوبي “حجاج أدول”: “أنا أعتبر أفلام ما بعد الحرب عبارة عن فضائح فلا تمثل جنود الحرب لا من بعيد ولا قريب، ربما نقول إن فيلم أبناء الصمت هو الأقرب للحقيقة، لكن أبطاله كانوا يرتدون ملابس نظيفة وبشَعْر وسوالف مُرتَّبة عكس جنود الحرب؛ فقد كنا قرع منهكين وعيوننا كالصقور. أتذكر أني بكيت مرة أمام فيلم قد شاهدته اسمه بدور وكنت جالسًا على كراسي سينما ريالتي في الإسكندرية بصحبة زملاء الحرب، جلسنا نشاهد وقد استدعى لذاكرتي الأيام والضغط والتدريب، ودمعت عيني من تفاهة ما يُعرَض، وكان السؤال في عقلي: كيف سيشاهد الناس ويقيِّمون هذه الأحداث بعد مرور السنوات؟ وشعرت أن الحرب استُغِلَّت مقابل وضاعه الشهرة”.

    ويضيف: “قبل هزيمة 67 دخلت الجيش للتجنيد لم تكن سنة أو سنتين أو ثلاث، كانت سبع سنوات كاملة، كان معي أصدقاء خدموا في الجيش 11 سنة، أتوا من اليمن لسيناء مباشرةً، ووقعت حرب 67، فبقوا مجندين معنا حتى أتينا بالانتصار، هل تتخيلوا 11 عامًا في الحروب؟! كانت مشاكلنا اليومية تنحصر في الأكل والمياه وطبيعة الصحراء، والأخطر من كل ذلك الضغط والهزيمة التي تلاحق الجيش المصري كله، والتي خلقت حالة من التوتر بدايةً من أول رتبة في القوات المسلحة حتى العسكري البسيط، كلهم يحملون هم وعار الهزيمة. ومع التدريب الجاد المنهِك في هجير الصحراء، والقتال على ضفة القناة خلال الاستنزاف طوال سبع سنوات، كان وقع هزيمة 67 ثقيلًا علينا؛ فهي إهانة يجب الانتقام لها وتحقيق النصر”.

    ويتابع أدول: “في الجيش -وما لا تصدقونه- أننا كنا في نهاية الفترة -1973- على وشك الانهيار؛ لأننا من لحم ودم؛ فإن عقلنا يعمل مثل الآلة، كنا ننفذ ما تدربنا عليه؛ فعند العبور سنفعل كذا. وحين تقع علينا قذائف مدفعية العدو نفعل كذا. حينما يحدث انفجار نفعل كذا. وعندما يُطلق صاروخ نُجري كذا… تدريب تدريب تدريب، وكنا نردد دائمًا “التدريب وقت السلم يوفر الدم في وقت الحرب”… كلٌّ منا فهم سلاحه جيدًا، وتيقن أنه وسلاحه قطعة واحدة لا تنفصل. إسرائيل -من ناحية النوعية- كانت تمتلك أسلحة دقيقة جدًّا، لكننا كنا نمتلك عزيمة أكبر بكثير من الأسلحة”.

    ويضيف: “كان يرافقنا صديقٌ صعيديٌّ دمه خفيف، وكان يخفف عنا الضغط العصبي. وكان فينا مَن يحب التمثيل ومن يعشق الكتابة ومن هو رياضي حقيقي… إلخ. عِشنا أيامًا طوالًا، كلنا واحد، نخاف على الزملاء كما نخاف على أنفسنا، كنا درعًا واحدًا وعظمةً واحدةً وروحًا واحدة، تكاتف عميق، مبدأ من مبادئنا عمل الواجب لمصر. وكلنا من أنحاء الوطن، من الجنوب والشمال والشرق والغرب. مدن قرى واحات… إلخ. لذا أقول يقينا إن جيشَ مصر هو جيش وطني 100%. قاتلنا بضراوة ومنَّا مَن خرج مِن الجيش سليم الجسد، ومِنا مَن أصيب ومن استُشهد. لماذا كل هذا؟ هل يرانا أحدٌ أو سننال مكافأةً ما؟ أبدًا، إنه الوطنُ وشرفُه. إنه أخذ بالثأر ورفع علم مصر على كل أنحاء مصر… كنا نؤمن بأن البطولة ليست في كوني جنديًّا شارَكَ في الحرب، ولكن البطولة هي فعلتَ الواجب أم لا… وهذا ما عبَّر عنه بقوة فيلم أبناء الصمت”.

    ويقول الناقد السينمائي “محمود عبد الشكور”: “أتفق مع الذين يرون أن فيلم “أبناء الصمت” هو أفضل أفلام حرب أكتوبر، رغم أنه أُعِدَّ أصلًا عن حرب الاستنزاف، وأُضيفت له مشاهد الحرب في النهاية. أعتبره عن حرب أكتوبر لأنه بالأساس عن الجندي المصري، الذى ظل دومًا هناك، وحارب كلَّ المعارك، أي أننا لم نستورد جيشًا لحرب أكتوبر وحدها، الفيلم يقدِّم هذا الجنديَّ بصورة إنسانية وبكل ظروفه ومخاوفه، وبكل هزائمه السابقة، بشر من لحم ودم من كل مكان، يحتويهم خندق، ويجمعهم صمت مفروض، حرب أكتوبر منحت الحكاية مكافأة عظيمة مدهشة، لولا هذا الحصار والصمت، ما كان الاقتحام والشراسة بهذه القوة، إذا كان الصمت القسري هو المقدمة، فإن الحرب هي النتيجة، هي آخرة صبر أيوب المصري”.

    ويضيف عبد الشكور: “كل شخصية رُسِمت بعناية، ورجال الخنادق الذين نرى ملامح وجههم بالكاد في ضوء خافت، هم أنفسهم الذين سيملؤون الشاشة صعودًا فوق الساتر الترابي، ثم انحدارًا فوق خط بارليف، “أبناء الصمت” بدون مشاهد الزحف والعبور، سيكون مُحاصَرًا بطابع فيلم أفضل أسبق هو “أغنية على الممر”؛ حيث الجنود الصامدون رغم الهزيمة، في انتظار الثأر، ولكن مشاهد العبور هي أصوات الصمت التي تراكمت عبر سنوات الهزيمة، لتصنع في النهاية هديرًا وطوفانًا مكتَسِحًا، لا يُبقي ولا يذر، يكتسب الفيلم دلالة عظيمة بهذه النهاية بوصفه رحلة معاناة من آلام البقاء في الخندق، إلى نشوة الصعود فوق الساتر، ورفض العودة إلى الخندق من جديد، مهما كانت النتائج، وهناك رحلة موازية أيضًا من صمت تحت الأرض، إلى هتاف صارخ فوق صفحة مياه القناة”.

    فيلم “حتى آخر العمر”- 1975، عن قصة يوسف السباعي، إخراج أشرف فهمي، بطولة نجوى إبراهيم ومحمود عبد العزيز وعمر خورشيد. وتدور معظم هذه أحداث الفيلم بعد الحرب، والأحداث تركز حول ما يجب أن يُقدم من علامات الشكر لمصابي الحرب. وبَطَل الفيلم ضابط طيار أصيب أثناء الحرب مما نتج عنه إصابته بالشلل، ويركز الفيلم على معاناة المصاب في حياته الشخصية والاجتماعية. ويكشف عن الأثر السلبي للحرب في حياة المصابين المنسيين. وقدمت السينما المصرية عام 1980 فيلمًا بعنوان “الرغبة”، قصة بشير الديك، وإخراج محمد خان، بطولة نور الشريف ومديحة كامل وإيمان حسين الشربيني. يدور في هذا الفلك حيث يُصاب البطل في الحرب ويعود عاجزًا جنسيًّا فيقرر تدمير حياة خطيبته السابقة مع زوجها حتى ينتحر.

    وفيلم “العمر لحظة”- 1978، مأخوذ أيضًا عن قصة يوسف السباعي، إخراج محمد راضي، بطولة ماجدة أحمد مظهر وناهد شريف ونبيلة عبيد ومحمد خيري وأحمد زكي. ويتناول الفيلم الحرب من جانب اجتماعي من خلال الصحفية التي تعاني من مشاكل زوجية نتيجة غراميات زوجها، رئيس التحرير، والذي تعج مقالاته بالانهزامية واليأس بعد هزيمة 1967، بينما هي على العكس تحاول جاهدةً توجيه كل اهتماماتها للقضايا الوطنية وتدعو بقوه إلى رفع الروح المعنوية، وتحارب اليأس الذي يبثه زوجها في نفوس الشعب بعد الهزيمة. وتسافر الصحفية إلى الجبهة فترى الصمود والمعاناة النفسيَّة للجنود على الجبهة، وتقترب بشدة من المجندين وترعى شؤونهم وشؤون أهاليهم، وتتدخل لحل مشاكلهم، وتتطوع من أجل المصابين في أحد المستشفيات، وهناك تقع رغمًا عنها في علاقة حب مع أحد الضباط المصابين. وترمز العلاقة بين الصحفية والضابط إلى اقتران الجبهتين الداخلية والعسكرية، هذا الاقتران ضروريٌّ لأي أمةٍ ستخوض غمار أي حرب من الحروب.

     

    الصوت الضائع

    في فيلم “كباريه”- 2008، تأليف أحمد عبد الله، إخراج سامح عبد العزيز، تم تقديم نموذج آخر لأحد ضحايا حرب أكتوبر وهي شخصية “فرعون”، قام بدوره الفنان محمد لطفي، وهو حارس خاص فقد صوته في الحرب عندما تم تفجير أحد المواقع وأصيب زملاؤه، فأخذ يصرخ حتى ضاع صوته وعاد من الحرب بلا تكريم حقيقي أو حياة كريمة، لذلك يعمل حارسًا خاصًّا في أحد الكباريهات، وحتى هذا العمل يفقده؛ إذ يتعرض لهزيمة أخرى عندما يُضرَب من أعداء صاحب المكان. لقد انتصر في الحرب ولكنه انهزم في حياته كلها.  

    النتائج

    • أفلام الحرب تحتاج إلى ميزانية ضخمة جدًّا وكتابة عميقة.
    • ما قدَّمته السينما المصرية يُصنَّف كأفلام اجتماعيَّة عن أثر الحرب أكثر من كونها أفلامًا حربيةً عن عظمة النصر.
    • بعد نصف قرن من أعظم حروب مصر، عجزت السينما الروائية عن تقديم الصورة المبهرة لحرب أكتوبر. رغم أنها عبرت عن الهزيمة بصورة أفضل في أفلام مثل “العصفور”، ليوسف شاهين، و”أغنية على الممر”، لعلي عبد الخالق. فهل تمكنت الهزيمة من الكاميرا أكثر من النصر؟

حرب أكتوبر... بداية التغيير

اسم الكاتب : د. سامية قدرى

  •       ونحن نحتفل بمرور خمسين عامًا على اندلاع حرب أكتوبر، تعود بي الذاكرة إلى أجواء الحياة اليومية للمصريين قُبيل الحرب، وأثناءها، والسنوات التي أعقبتها. حقبة زمنية قصيرة ولكن أحداثها كثيرة ومُتسارعة تعلن عن بداية مرحلة جديدة في حياة شعب عاش ثمانية عشر عامًا في ظل نظام آمنوا بهِ ومَنحوه ثقتهم حتى في ظل إخفاقاته. فلقد تمتع المصريون خلال الحقبة الناصرية بمزايا غير مسبوقة في السكن، والتعليم، وفرص العمل، والخدمات الصحية، والتغذية، وبحلول نهاية هذه الحقبة تحسنت ظروف العمل والعمال، رغم بقاء الفقر، ونما الاقتصاد الوطني في ظل المشروعات التنموية الضخمة وتحديث البنية التحتية، كما كانت الحقبة الناصرية بمثابة العصر الذهبي للثقافة في مُختلف مجالاتها: السينما، التلفزيون، الإذاعة، الأدب. كُنت حينها في العاشرة من عمري  ولكني أتذكر تفاصيل دقيقة عن هذه الحقبة، حيث لعب أبي دورًا مهمًّا في احتفاظي بها؛ إذ كان وطنيًّا مُحبًّا ومُخلصًا لبلده ولنظامها، وساعيًا إلى غرس هذه الروح لديَّ، كما تكرَّست هذه المشاعر عبر النظام التعليمي الحكومي الذي تعلم فيه جموع المصريين، وعبر الفنون المختلفة التي نُقِلت إلينا عبر الإعلام والتعليم الذي اهتمت بِهِ الدولة اهتمامًا خاصًّا.

           في الأول من أكتوبر عام ١٩٧٠م، خرج المصريون بالملايين لتوديع رئيسهم المحبوب جمال عبد الناصر في جنازة تاريخية لم يسبق لها مثيل، كانت الجنازة بمثابة مظاهرة حب تشي برضا المصريين عن زعيمهم وحياتهم في ظل رئاسته. لم يمضِ على رحيل عبد الناصر أسبوعان حتى عُيِّن نائبه أنور السادات رئيسًا للجمهورية، والذي مُنِح فوزًا ساحقًا بمساعدة مراكز القوى في عهد عبد الناصر، وذلك بعد تعهُّده بالسير على خطى ناصر ونهجه في الحكم. أعلن السادات للشعب في خطاب تنصيبه في السابع من أكتوبر ١٩٧٠م، مواصلة مسيرة ناصر، ولكنه لم يحقق ذلك في الواقع. وظهر ذلك جليًّا في خطابه في مايو ١٩٧١م، خطاب ثورة التصحيح التاريخي الشهير، الذي أعلن فيه صياغة جديدة للحياة في مصر. لقد كان الخطاب بمثابة هجمة أيديولوجية على مبادئ جمال عبد الناصر السياسية والاجتماعية: “لن أُفرط في الأمانة… لن أسمح بقيام مراكز للقوى على الإطلاق… سأتقدم للشعب لإجراء انتخابات حرة من القاعدة إلى القمة للاتحاد الاشتراكي، وسأشرف على كل صغيرة وكبيرة؛ لكي نأتي باتحاد 9، 10 مايو”. لقد قام السادات بثورة التصحيح لتأمين أركان حكمه وخلخلة أركان الحكم الناصري.

         بدأ السادات خطابه بحديث غير مكتوب قائلًا: “أُفضل أن أتحدث إليكم حديثًا من القلب المفتوح؛ لأنه لا بد أن يعلم الشعبُ كلَّ شيء وكل حقيقة بشكل مفتوح وبشكل عادي وبشكل طبيعي… نعيش في ظل ظروف النكسة، بما تمليه علينا من اعتبارات وما تضعه على حياتنا من قيود… وبرغم أن شاغلنا الأول كان الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة مع عدوٍّ يحتل أرضنا ويتربص بنا ولا يكف عن تهديدنا في قلب بلادنا، إلا أنني وجدت أنه لا بد من اتخاذ الموقف الحازم الذي يلبي هذه الرغبة العميقة لدى الشعب واثقًا من فطرة جماهيرنا السليمة ومن التفاف الشعب حول قيادته خلال معركة المصير، كان لا بد أن يشعر كل مواطن أنه مسئول عن أقدار بلاده، وأن قضاياه الأساسية تُناقَش أمامه علانية، وأنه لا توجد وصاية تمارس عليه في الخفاء، كان لا بد أن يزول الخوف وأن تختفي بذور الشك وأن تتراجع الحزازات والأحقاد، وأن يحس كل فرد أنه آمن على يومه وغده، وعلى نفسه وأهله وماله”، بهذه الكلمات استطاع السادات أن يستميل الشعب بعد أن أكد له أن المؤامرة التي دبِّرت مُجرد “زوبعة في فنجان” وانتهت ولن تكون هناك زوابع أخرى في طريق المسيرة، وتبقى مصر القلعة التي لن ينال منها أحد. وفي نهاية الخطاب قال السادات إنه سيترك كل ما حدث للشعب ليحكم بنفسه. توالت الخطوات الإصلاحية التي نتجت عن حركة مايو مما مهد لبداية حقبة جديدة استهلها السادات بنصر أكتوبر ٧٣.

           لم يعكر صفو حياة المصريين منذُ تولي السادات الحكم سوى إرهاصات الفتنة الطائفية التي نشبت أول مظاهرها بأحداث الخانكة عام ١٩٧٢م، مع تصاعد تيار الإسلام السياسي بعد إفراج السادات عن الجماعات الدينية والسياسية المتشددة من سجون الفترة الناصرية، فقد كان حادث حرق كنيسة الخانكة وما تبعه من مظاهر عنف بمثابة علامة على الدخول إلى مرحلة جديدة من الاحتقان الطائفي الذي لم تشهده مصر منذُ ثورة ١٩١٩م وحتى بداية حكم السادات. وعلى الرغم من تكليف السادات مجلس الشعب بالتحقيق في الواقعة وقيام المجلس بوضع توصيات لتفعيل الدستور والمساواة بين المصريين في الحقوق والواجبات، إلا أن ذلك لم يحدث وتوالت الأحداث الطائفية فيما بعد خاصة عندما أعلن الرئيس السادات أنه الرئيس المؤمن لدولة مسلمة.

          اندلعت حرب أكتوبر ١٩٧٣م وأظهر المصريون كعادتهم في أوقات المِحَن والشدائد حالة من التلاحُم الوطني سواء في ساحة القتال أو في الجبهة الداخلية. فمازال عالقًا في ذاكرتي جلوس المصريين حول أجهزة الراديو وأمام شاشات التلفزيون لمتابعة الأحداث أول بأول وهتافاتهم “الله أكبر” كلما أحرز جيشنا انتصارًا على العدو. كان الشعب المصري قد تم تعبئته قُبيل الحرب بشهور قليلة في بادرة ذكية من السادات الذي خصص وزارة “الإعداد للحرب” برئاسة عزيز صدقي، و”وزارة الحرب” برئاسة عبد العزيز حجازي وذلك لمد جسور الثقة بين الشعب والجيش. كما قام السادات ببعض الإجراءات لتعويض كل من تضرر من ويلات الحروب السابقة، خاصةً المُهجَّرين من مُدن القنال، ودعوة بعض الأفراد من أبناء الشعب لزيارة جبهة القتال.

    جملة القول، لقد عمد السادات إلى تهيئة الشعب نفسيًّا ومعنويًّا حتى جاء وقت الحرب، فأظهر الشعب صمودًا كان بمثابة السند والدعم للجيش، كما كانت الجبهة الداخلية في لُحمة اعتادها المصريون وقت الأزمات، كان الكل في واحد لا يشكو أحد من أي شيء لا شكوى من الغارات، فقد أسرعت كل جماعة لبناء ساتر أمام منازلهم لصد أية قاذفات، لا شكوى من صوت صفارات الإنذار، لا شكوى من نقص المواد التموينية، سارع الجميع للتبرع بالدم، للدرجة التي أعلنت فيها وزارة الصحة عن تكدس ثلاجات الوزارة من كميات الدم، لا شكوى من استشهاد المدنيين، تبرع القادرون من الشعب بالأموال والمصوغات للمجهود الحربي، تراجعت معدلات الجريمة، انضم الشباب لحركة المقاومة الشعبية والتطوع في الحرب. لقد كشف المصريون عن قيم التضحية، والتسامح، وتغييب المصلحة الخاصة في سبيل إعلاء الصالح العام. فقد أظهر الشعب المصري أنه شعب جاهز عبر الأزمنة لامتصاص الأزمات والتعاطي معها.

            في السادس عشر من أكتوبر، ألقى الرئيس السادات أحد أهم خطاباته، “خطاب النصر” أو “خطاب الحرب والسلام” مُعلنًا فيه عن الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة خلال الحرب وموضحًا للشعب بأننا حاربنا من أجل السلام، لا لسلام المنطقة فحسب بل سلام العالم، جاء السادات ليعلن للشعب بأنه أوفى بما وعدهم بِهِ وأن يثبت لهم وللعالم أن نكسة ٦٧ لم تكن إلا حادثة استثنائية في تاريخنا العسكري ولم تكن أبدًا قاعدة، وأن التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلًا بالفحص والدرس أمام عملية ٦ أكتوبر، وأن الدور الذي قام بِهِ الشعب دور لا يُستهان بِهِ: “لقد كان كل شيء منوطًا بإرادة الأمة، لقد أعطى الشعب جهدًا غير محدود، ووعيًا غير محدود، وإيمانًا غير محدود”، وأنهى خطابه بالدعاء: “اللهم بارك لنا في شعبنا وأمتنا”. بهذا الخطاب التاريخي استطاع السادات أن يكسب ثقة ورضا الشعب المصري وأن يكون انتصار أكتوبر إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر والمصريين، مرحلة تغيير راديكالي، على المستوى السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي فيما عرف بسياسة الانفتاح الاقتصادي.

         دشن السادات في العام ١٩٧٤م السياسة الجديدة التي بموجبها تغير توجه الدولة المالي من الاشتراكية إلى الرأسمالية أو الاقتصاد الحر ونمو رؤوس الأموال الصغيرة وتحولها إلى رؤوس أموال كبيرة أدت إلى ظهور طبقة ثرية جديدة. تطلب تدشين هذه السياسة مجموعة من القوانين والإجراءات؛ فقد اقتربت هذه السياسات إلى أوروبا وأمريكا وأضعفت العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، كما أوجب تغييرات سياسية بالتحول نحو التعددية الحزبية، وإن كان تحولًا شكليًّا بسبب هيمنة الحزب الحاكم، الحزب الوطني الديموقراطي. كما أطلق السادات تيار الإسلام السياسي سعيًا لتنفيذ سياسة الانفتاح الاقتصادي. هذا بالإضافة إلى أن التحول نحو الاقتصاد الحر أظهر الحاجة إلى التمويل الأجنبي وجذب الاستثمارات الأجنبية، ففتح المجال على مصراعيه للاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما فتح باب الهجرة إلى دول الخليج فحدث الحراك الاجتماعي غير المسبوق في تاريخ مصر الحديث والذي بدوره يعد المسئول عما حدث من تغييرات كبيرة وعميقة على حياة المصريين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال فترة زمنية وجيزة، انتهت تلك الفترة ولكن لم ينتهِ تأثيرها خاصة في ظل تحولات كبيرة قد حدثت في الداخل والخارج.

شذرات كتابيه

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : الشيخ أسامة رشدي

  • شذرة كتابية (1)

    متى تعزِّيني يا ربُّ؟

    “كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى قَوْلِكَ فَأَقُولُ: مَتَى تُعَزِّينِي؟”

    (مزمور 119: 82)

    هل هذه هي صلاتك لإلهك؟ هل تنتظر استجابةً بعد طول انتظار؟ هل أمام عينيك (كلمة) قالها لك ولم يتحقَّق الوعدُ بها بعدُ؟ هل أنت مُنتظر تعزيةً وفرحةً منه لقلبك المكسور ولم تَعرف وقتَها؟ لقد توقَعْتَ وصَبِرت؛ امتلأتَ بأملٍ، ورجاءٍ، ثم فجأةً بإحباط ويأس! هل عبرْتَ بكل هذا؟ لا تقلق؛ ففي كل هذه الأوقات الصعبة ينمو إيمانُكَ بعمقٍ ويكتمل، تشكيلُ الربِّ عجيب وإصبعه إصبع فخاريٍّ ماهر، هو يُصيغ إناءَكَ الخزفيَّ الهشَّ ليُصبح إناءً للكرامة، تعبر في نارٍ، وتعبر في ماءٍ، لكن كل هذا لخيرك (مزمور 66: 12)، هو حنونٌ جدًّا ولن يتركك بدون تعزية، هو يرجع فيُعزيك فتهتف مع المرنم: “لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ أَعَنْتَنِي وَعَزَّيْتَنِي” (مزمور 86: 17).

     

     

    شذرة كتابية (2)

    أنهارُ تعزياتٍ غامرةٌ

    “أقَلِيلَةٌ عِنْدَكَ تَعْزِيَاتُ اللهِ وَالْكَلاَمُ مَعَكَ بِالرِّفْقِ!”

    (أيوب 15: 11)

    ما أروع “تعزيات الله”!

    فعند كثرة همومك تعزياته مُشبعة “عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي.” (مزمور 94: 19). وأنت أمام أزمةٍ، متضعٌ وصابرٌ ومنتظرٌ؛ تعزياته كثيرةٌ وغامرةٌ، يعزِّيك وأنت صامت بوداعةٍ أمام تجريح الناس وُظلمهم، يعزِّيك وأنت وحيدٌ وحائرٌ بعدما خاب استنادُك على حبيب أو صديق، يعزيك وأنت أمام خسارةٍ لا تعرف كيف تعوِّضها، ولا تعلم من أين أتت. وأنت أمام تجارب وضيقات وشدائد وضرورات واضطهادات وآلام. كلامه يعزيك، وعده يعزيك، روحه يعزيك، وإذا سرت في وادي ظل الموت هو معك، بعصاه وعكازه يعزيك. “عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.” (مزمور 23: 4)، نعم، لا يترك ضيقة إلا ويعزيك فيها، وتعزياته في حياتك ليست قليلة… هللويا.

     

     

    شذرة كتابية (3)

    استغاثه من مؤمن صامت

    “يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ إِلَيْكَ يَأْتِي كُلُّ بَشَرٍ”

    (مزمور 65: 2)

    سامعُ الصلاةِ. حتى لو كانت صلاتُك صامتةً (كحَنَّة)، تتكلم في قلبك وتسكب نفسَك، وصوتك لا يسمعه إنسانٌ، ثق بأن إلهك يسمع، حتى لو كنت في عمقِ الضيقةِ من جوفِ الحُوتِ (كيونان)، مطروحًا في العمقِ، ونفسك تصرخ في إعياء، وصليت باستغاثةٍ (يونان 2: 1) ثق بأن إلهك يسمع، حتى لو كنت في مواجهه العدو الخطير (كيهوشافاط)، تصرخ “لا نعلم ماذا نفعل لكن نحوك أعيننا” (أخبار الأيام الثاني 20: 12) ثق بأن إلهك يسمع، حتى لو كنت في مواجهة المستحيل (كأليشع)، وصبي الشونمية أمامك، لا حياة ولا أمل، وأغلقت باب العُلِّيَّة خلفَك، وصَلَّيت بإيمان (ملوك الثاني 4: 33)؛ ثق بأنَّ إلهك يسمع، صلاتك موضوع اهتمامه، هو يُميل أذنيه ليسمعك، قد يتأنَّى، وقد يصمت، لكنه يستجيب في الوقت المناسب.

     

     

     

    شذرة كتابية (4)

    هدوء فطيم

    “يَا رَبُّ لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي. 2بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ. نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ. 3لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ.”

    (مزمور 131)

    (ترجمة كتاب الحياة: يا رب لم يشمخ قلبي ولا استعلت عيناي ولا حفلت بالعظائم وما يفوق إدراكي. ولكني سكَّنتُ نفسي وهدَّأتُها، فصار قلبي مطمئنًّا كطفل مفطوم مستسلم بين ذراعي أمه)

    نعم، لتهدأ نفوسنا. فالطموحات حولنا عاليةٌ، والتحديات قويَّةٌ، والرغبات فوق الاستطاعة، العظائم تنادينا، والسباق عنيفٌ، وبين ما نحصل عليه وما لا نستطيع الحصول عليه حرمانٌ شديدٌ، كحرمانِ الفطيم من أُمِّهِ، نفسهُ مكسورةٌ، وصراخهُ لا يتوقف. نحن مثلهُ، نرغب في الكثير، ونحصل على القليل، لا نكتفي ولا نقنع بما لدينا، نطلب المزيد ولا نشكر على ما وُهب لنا. في كلِّ هذا نحتاج للسكينة والهدوء، نحتاج أن نُفطم عن الرغبات والشهوات، نحتاج إلى القناعة والاتضاع الحقيقي للنفس، نحتاج أن ندرك أن الطريق الوحيد لسلام النفس العميق هو في الرجاء بالرَّبِّ وحده، فلنرجو الربَّ مِنَ الآنَ وكل أيام حياتنا القادمة؛ لأنه فيه كل الكفاية والشبع والسلام. “مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئاً فِي الأَرْضِ.” (مزمور 73: 25).

شذراتٌ لاهوتيَّةٌ في قبول خلاص المسيح

اسم الكاتب : ش. د. إيهاب الخراط

  • قال هذا الواعظ الأمريكيّ الشابّ نسبيًّا: “إنَّ صلاة الخاطئ بعثت للجحيم أكثر من أي شيء آخر”. ثم ظهر في الفيديو كليب الواعظان الشهيران جويل أوستن وجويس ماير يوجهان نداءً لأن يدخل الناس إلى عائلة الله، وأن يقبلوا المسيح فيخلصوا. وهتف الواعظ الشاب بحماس بعدها: “يسوع لم يَقُل صلِّ صلاة الخاطئ فتدخل ملكوت السماوات، بل قال إن ملكوت السماوات اقترب فتوبوا وآمنوا”. وعلى حد قوله: “صلاة الخاطئ لقبول المسيح يصليها كثيرون. ثم يعيشون عيشة كالشياطين ويتوقعون دخول السماء”.

    أوافق على تأكيده على أهمية التوبة المستمرة والإيمان المتجدِّد، لكن من جهة أخرى، بيلي جراهام له محاضرة رائعة في الدعوة لاتخاذ قرارٍ لحظيٍّ في الكتاب المقدس بعهدَيه مقدمًا نماذج لهذه القرارات: “قرِّروا اليوم من تعبدون؟”، “اتبعني! فقام وتبعه”. ثم وهو الأكثر صلةً بكلامه، ألم يقل يسوع نفسه عن الخاطئ الذي قرع على صدره قائلًا: “ارحمني أنا الخاطئ”، إنه نزل إلى بيته “مبررًا”؟! ولم يقل الخاطئُ في هذا المثل أيَّ شيء مباشر عن توبة أو إيمان. ويمكن الاستدلال على هذا، بقدر من حُسن الظن أن صلاة الخاطئ لها قيمة كبرى. ثم أَلَمْ يَقُل يسوع نفسه: “اليوم تكون معي في الفردوس للصِّ المصلوب إلى جواره، الذي قال: “اذكرني يارب متى جئت في ملكوتك”؟! لم يكن لهذا الخاطئ أي مجال لأن يُظهِر بأعمالِه إيمانَه.

    • في مثل العشَّار والفَرِّيسي. هذا العشار الخاطئ الذي طلب الرحمة بتواضعٍ وانسحاقٍ، هل كانت لديه أدنى معرفة عن يسوع وعمله الكفاريِّ؟
    • هذا الواعظ الشابُّ يبدو في كلامه صدى لتأكيد المبشِّر واللاهوتي العظيم تشارلز فيني، على أن كثيرين “يعلنون”Profess التوبة والإيمان وقبول المسيح، ثم لا يكون هذا الإعلان “قلبيًّا”؛ أي لا يعبِّر عن تغيير حقيقي في توجُّه القلب وأسلوب الحياة إلى سلوكِ تائبٍ مؤمنٍ، وحياةٍ تسعى للبر والشركة المستمرة مع المسيح.
    • لكن السؤال: “هل كل من يسمع كلام الدعوة للتوبة والإيمان ويُظهِر التجاوب تكون قد وقعت مفاعيلها في قلبه؟” يوازيه سؤالٌ آخر: “هل كل من يقول “صلاة الخاطئ” البسيطة هذه لا يحدث تغيير عميق وجذري من حياته وقلبه؟”.
    • هذا يأخذنا مباشرةً إلى التأكد الكالفيني: “نحن لا نعرف المختارين والله يعرف الذين له”. ورغم أنَّ تأكيدًا كالفينيًّا آخرَ موازيًا يطمئنُ المؤمنَ بأنه إذا أعلن قبوله وعزمَ بقلبِه على التوبة والإيمان والاتكال على نعمة الله وحده معترفًا بمذنوبيَّتِه وكفاية عمل المسيح الكفاريّ وقيامته المبرِّرةِ للخاطئِ. فله أن يطمئنَّ على خلاصِه.
    • لكن مع هذا تجدُ كالفينيين متشدِّدين يؤكدون أننا لا نعلم، ولا حتى الشخص نفسه يعلم.
    • يردنا هذا إلى موقف الكنائس التقليديَّة عن “عدم يقينيَّة الخلاص”، لكن حتى هذه الكنائس تؤكد أن من يعترف ويتناول قبل أن يموت تُغفر خطاياه، وهذا يضع -مرة ثانية- سلطةً يراها كل البروتستانت “متجبِّرة” في أيدي “الكهنة”، كما يترك أمر الخلاص الأبديِّ لظروف الوفاة ومدى فجائيَّتِها أو توقُّعِها.
    • فندور دائرة كاملة نحو تعليمٍ معمدانيٍّ، وخاص بكنائس الإخوة وجميع الكنائس والحركات الكرازية الإنجيليَّة (كجمعيات خلاص النفوس). الذي يؤكِّد على أن “صلاة الخاطئ” هذه -وسواء كان مَن يصلي فاهمًا أو ناقص الفهم- طالما دُعي فيها باسم الرب يسوع، فهي وحدها تربطه ببرِّ المسيح للأبد فيخلُص. وحتى لو عاش حياة الخطيَّة بعدها سيؤدِّبه الربُّ تأديباتٍ كثيرةً، حتى يمكن أن يموت تحت التأديب لكنه سيذهب للسماء مع هذا.
    • أما ما يبدو أنه موقف الكنيسة المشيخيَّة المصرية، فإن “المؤمن الحقيقي (أي المختار) لا يرتدُّ ارتدادًا كاملًا أو نهائيًّا” بل لا بد أن يعود قبل موته فيخلص.
    • ولا زلت أرى عن نفسي أن التعليم الذي علَّمناه في كنيستنا (قصر الدوبارة الإنجيليَّة) يحلُّ إشكاليَّاتٍ كثيرةً من النوع عاليه. وهو أن التوبة هي عودةٌ للمسيح ورغبةٌ في طاعة تعليمه والحياة منه وبه وله، وأن الإيمان يعني الالتصاق بالمسيح؛ لأنه “هو خلاصنا”. ومن ثم ليست المسألة إما “صلاة الخاطئ” أو صلاة “توبة وإيمان”. إنما المسألة في حياة محورها وهدفها ومصدر قوتها المسيح وحده. وكل وسائط النعمة ليست شيئًا ما لَمْ تَدُر حول المسيح وحده، وليس مصلحتنا أو سعينا للبر أو سعينا لضمان الحياة الأبديَّة؛ لأنه هو حياتنا الأبدية ذاتها.

    إذا كان الأمر كذلك فشرط الخلاص ليس كلمات التوبة والإيمان ولا هو النطق بصلاة الخاطئ (وإن كان هذا أو ذاك قد يعبر عن القبول الحقيقي للمسيح). وشرط الخلاص ليس هو معرفة العقائد الكتابية (وإن كانت العقائد الكتابية السليمة تدفع وتدعو إلى الاتكال على النعمة باتضاع وقبول المسيح والحياة التي تتمحور حول السعي إلى معرفته وإعلان مجده).

    شرط الخلاص هو السعي لمعرفة الحق، قولًا وفعلًا وفكرًا. وطلب أن تحب الله على قدرِ ما نفهمه ساعين إلى مزيد من معرفة وجهه. والسعي لمحبة وخدمة القريب كالنفس. عندئذٍ فقط نتبرر لا بمُقتَضَى أعمالنا أو صلاح أنفسنا بل بمقتضى قصد الله لخلاص نفوسنا ونعمته التي أعلنها في المسيح.

    ومن ثم:

    • علينا أن نعلن مجد وجمال الله، كما ظهر في الإنسان يسوع المسيح: الله الظاهر في الجسد.
    • وسنفهم نحن -كما سيفهم آخرون- هذا المجد بصورة متزايدة الوضوح. قدر سعينا، لكن تظل محدودةً حتى إعلانه الأخير عن نفسه.
    • يكاد لا يوجد فهم متطابق لمن هو المسيح وكيف يعلن عن نفسه بصورة تؤدي للخلاص في الكنائس والطوائف المختلفة كما يتباين فهم كل إنسان وكل كنيسة لكيفية قبول الإنسان (نوع الوجود) الذي يتصف بالإخلاص والرغبة في “طاعة الحق” والحياة الباذلة المتَّكِلة على نعمة تفوق البشر هو دائمًا نتاج عمل روح الله وحده، ونحن لا نستطيع أن نحدَّه، هو يعمل حيثما شاء وكيفما شاء. لكن ثقتنا أنه يبكت “العالم” (الخطاة) ويقنعهم من القلب بالإيمان وبالبر الذي في المسيح وبدينونة رئيس هذا العالم.
    • نكرر بكل إيمان وقوة، ونسعى لأن يعلن البشر ونعلن نحن الاتكال على النعمة (الإيمان) والعزم على الحياة المستقيمة المحبة (التوبة) في المسيح. لكن هو وحده يعرف القلوب، قلوب الذين نراهم يعلنون ويعودون وقلوب الذين لا نراهم، بل الذين نراهم لا يعودون حتى.
    • خطة خلاصه التي تتوق الملائكة نفسها أن تفهمها لا نستطيع إلا أن نرى منها إلا لمحات نور.  

على الأرض السلام

اسم الكاتب : د.ق.أندريه زكي

  •  نحتفل هذه الأيام بالذكرى الخمسين لحرب أكتوبر المجيدة. وقد بدأت الحرب في يوم السبت 6 أكتوبر 1973 الموافق ليوم 10 رمضان 1393 هـ بهجوم مفاجئ من قبل الجيش المصري والجيش السوري على القوات الإسرائيلية التي كانت مرابطة في سيناء وهضبة الجولان.

    وبعد نصر أكتوبر، بدأت معركة أخرى، وهي «المعركة الدبلوماسية» بين مصر وإسرائيل، وكانت بدايتها المفاوضات للفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية عام 1974 وعام 1975، بعدها زار الرئيس الراحل أنور السـادات القدس في نوفمبر 1977 وذلك بعد الخطاب الشهير الذي ألقاهُ في مجلس الشعب المصري باستعداده للذهاب لإسرائيل من أجل السلام، وبالفعل قام الرئيس السادات بزيارة إسرائيل وألقى كلمة بالكنيست الإسرائيلي طرح من خلالها مبادرته للسلام.

    في الخامس من سبتمبر 1978 وافقت مصر وإسرائيل على الاقتراح الأمريكي بعقد مؤتمر ثلاثي في كامب ديفيد بالولايات المتحدة الأمريكية، وتم الإعلان عن التوصل لاتفاق بين مصر وإٍسرائيل يوم 17 سبتمبر عام 1978، كما تم التوقيع على وثيقة كامب ديفيد في البيت الأبيض يوم 18 سبتمبر 1978، ويحتوي الاتفاق على وثيقتين هامتين لتحقيق تسوية شاملة للنزاع العربي ـ الإسرائيلي. وتكللت المساعي السلمية في 25 أبريل 1982، بخروج إسرائيل من آخر منطقة محتلة علي أرضنا، ورفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها كاملة. وهكذا نرى أنه رغم أن الحرب كانت هي شرارة البداية، إلا أن السلام هو من انتصر في النهاية.

    يُعرَّف السلام كمصطلح ضد الحرب؛ بأنّه غياب الاضطرابات وأعمال العُنف، والحروب، مثل: الإرهاب، أو النزاعات الدينية، أو الطائفية، أو المناطقية؛ وذلك لاعتبارات سياسية، أو اقتصادية، أو عرقية. كما يأتي تعريف السلام بمعنى الأمان والاستقرار والانسجام.

    بناءً على هذا التعريف فإنّ السلام يكون حالةً إيجابيّةً مرغوبةً، تسعى إليه الجماعات البشرية أو الدول، في عقد اتفاق فيما بينهم للوصول إلى حالة من الهدوء والاستقرار، فالسلام في هذا التعريف لا يعني عدم وجود الاضطرابات بكافة أشكالها، وإنما يعني السعي في الوصول إلى المظاهر الإيجابية.

    ولهذا تسعى دول العالم أجمع لترسيخ السلام في شتى أنحاء العالم، وقد أسست منظمات تدعم السلام في بقاع العالم المختلفة، مثل الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، وهذه الجهات تحاول ضمان السلام للدول الشريكة فيها، من خلال إقامة حوار فعَّال بين الأطراف المتنازعة، ومن ثمَّ الوصول لحلول وسط تضمن السلام الشامل.

    كما أن السلام لا يقتصر على الدول، بل على الأفراد على حد سواء، وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه السلام المجتمعي، والذي فيه يتعايش أطراف المجتمع المختلفين في اللون أو العرق أو الدين في حالة من السلام الشامل، والتي فيها يتعاملون بشكل يضمن لكل طرف ممارسة حياته دون خوف بسبب وجود أي توترات من أي نوع تهدد سلم أي فرد من أفراد المجتمع.

    وللدولة دور كبير في ضمان السلام المجتمعي، من خلال سن قوانين تضمن حرية كل طيف من أطياف المجتمع. فدولة القانون هي نقطة الارتكاز الرئيسية لضمان حقوق الأفراد والجماعات داخل الدولة، ولن يمكن ضمان حرية أي فرد وجماعة دون وجود دولة قانون قوية تدعم التعددية.

    وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني، والتي بدرها تسعى لإقامة حوار فعال بين أطياف المجتمع، هذا الحور يسعى لضمان حرية كل طرف في أن يمارس حياته بشكل طبيعي، دون خوف. هذا يأتي من خلال أن يعرف كل طرف الطرف الآخر، ويتفهم احتياجاته سواء في ممارساته الدينية أو الاجتماعية.

    .نهاية، أؤكد أن السلام لا يقتصر على أن يكون قضية بين دولة وأخرى، أو بين فصيل وآخر، فالسلام يجب أن يشمل المجتمع كله، بكل أبعاده وتفاصيله وطبقاته. السلام هو محور تقدم الشعوب والمجتمعات، فالمجتمع بلا سلام مضطرب، لا يقدر على النمو أو الإثمار.

في هذا العدد تقرأ

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

  • خمسون عامًا على حرب أكتوبر: دراسات ورؤى

    يطل علينا شهر أكتوبر عام 2023م بذكرى مرور خمسين عامًا على حرب أكتوبر المجيدة، التي كانت نقطة فاصلة في تاريخ مصر، وقد خصصت النسور هذا العدد للحديث عن حرب أكتوبر والسلام.

    وتأتي افتتاحية العدد للدكتور القسّ أندرية زكي يعرض لأهمية حرب أكتوبر 1973 مع مدرسة الدبلوماسيّة المصريّة للوصول للسلام 1978. ويؤكِّد على أنَّ السلام لا يقتصر على أنْ يكون قضية بين دولة وأخرى، أو بين فصيل وآخر، فالسلام يجب أنْ يشمل المجتمع كله، بكل أبعاده وتفاصيله وطبقاته. السلام هو محور تقدم الشعوب والمجتمعات، فالمجتمع بلا سلام مضطرب، لا يقدر على النمو أو الإثمار.

    ملف العدد: حرب أكتوبر والسلام

    دراسة العدد:

    وتأتي دراسة العدد تحت عنوان: “تأصيل لاهوتي للسلام” للدكتور القسّ وفيق وهيب، وتشرح هذه الدراسة البُعد التاريخي للحدث، والبُعد الواقعي الآن؛ حيث إن الأحداث التاريخية تدعونا إلى أن نتوقف أمام لاهوت السلام وما يعنيه السلام بالنسبة لشعب الرب كجماعة وكأفراد. كيف نختبر ونعيش هذا السلام الذي وعدنا به الرب يسوع له المجد، والذي حققه بموته الكفاري على الصليب وبانتصاره في القيامة. وتؤكد الدراسة على أن السلام هبةٌ من الله، ويوجد ميثاق أو عهد سلام مع الله، ثم أن الله يعلن نفسه أنه دائمًا إله سلام، ثم المسيح سلامنا. السلام داخل الكنيسة، وصنع السلام، والسلام داخل البلاد.

    وفي مقالة تحمل عنوان “50 سنة على تحقيق طريق النصر المستحيل.. في طريق الأشواك.. معاهدة كامب ديفيد والسلام”، يجري أ. هاني لبيب دراسة تحوي في سطورها واحدة من أهم انجازات السلام في القرن العشرين وهي معاهدات السلام التي بادرت مصر بعقدها مع إسرائيل ووضعت بها أسسًا ومبادئَ للسلام العملي، الذي يحمي منطقة الشرق الأوسط من ويلات الحروب لتكمل مصر طريق السلام الذي بدأته بحرب التحرير السادس من أكتوبر.

    في مقال “حرب أكتوبر بداية تغيير” للدكتورة سامية قدري، ترصد التغيرات السلبية والإيجابية التي طرأت على المجتمع المصري وخبرتها الشخصية مع حرب أكتوبر لتصل برصدها وتحليلها إلى أن السادات في العام ١٩٧٤ دشن السياسة الجديدة التي بموجبها تغير توجه الدولة المالي من الاشتراكية إلى الرأسمالية أو الاقتصاد الحر ونمو رؤوس الأموال الصغيرة وتحولها إلى رؤوس أموال كبيرة أدت إلى ظهور طبقة ثرية جديدة. تطلَّب تدشين هذه السياسة مجموعة من القوانين والإجراءات؛ فقد اقتربت هذه السياسات إلى أوروبا وأمريكا وأضعفت العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، كما أوجبت تغييرات سياسية بالتحول نحو التعددية الحزبية، وإن كان تحولًا شكليًّا بسبب هيمنة الحزب الحاكم، الحزب الوطني الديموقراطي. كما أطلق السادات تيار الإسلام السياسي سعيًا لتنفيذ سياسة الانفتاح الاقتصادي. هذا بالإضافة إلى أن التحول نحو الاقتصاد الحر أظهر الحاجة إلى التمويل الأجنبي وجذب الاستثمارات الأجنبية، ففتح المجال على مصراعيه للاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما فتح باب الهجرة إلى دول الخليج فحدث الحراك الاجتماعي غير المسبوق في تاريخ مصر الحديث والذي بدوره يعد المسؤول عما حدث من تغييرات كبيرة وعميقة على حياة المصريين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال فترة زمنية وجيزة، انتهت تلك الفترة، ولكن لم ينتهِ تأثيرها خاصة في ظل تحولات كبيرة قد حدثت في الداخل والخارج.

    وقد فرضت الحرب مع إسرائيل ظلالها على التفكير حول الموقف من قضية إسرائيل؟ وهل إسرائيل الحالية هي إسرائيل الكتابية، وفي هذا الصدد يكتب القسّ محسن منير عن الموقف الإنجيلي من دولة إسرائيل من الناحية الكتابية واللاهوتية والتفسيرية، ويرصد للاتجاهات اللاهوتية حول هذه القضية، ويضع عددًا من المبادئ التفسيرية حول القضية ليصل إلى نتيجة مفادها أن لا علاقة من قريب أو بعيد بين دولة إسرائيل الحالية -والتي قامت بمجهودات الحركة الصهيونية العالمية بتدعيم سياسي وعسكري من بعض الدول- وبين حقيقة شعب الله في نبوات العهد القديم -والتي تحققت فعليًّا في إطارها الزمني التاريخي في العهد القديم واكتملت في معناها الروحي الأصيل في المسيح والكنيسة. وتؤكد الدراسة أيضًا على أن فكر الكنيسة الإنجيلية المشيخية في هذا الأمر ليس وليد ظروف سياسية أو ثقافية يعيشها الإنجيلي المشيخي الشرق أوسطي حيث زُرِعت دولة إسرائيل المحتلة، لكنه ينبع من فكر الكنيسة كما شرحه وبلوره وكتبه المُصلح چون كلفن مؤسس الكنيسة المشيخية منذ عام ١٥٥٩.

    يطوف القسّ جرجس جورج في دراسته حول “المفهوم الكتابي للسلام” في جولة حول السلام في الكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد، ثم يناقش السلام والحرب من منطقية الكتاب المقدس. ليصل بنا إلى نتيجة مفادها أن السلام مشيئة الله منذ بداية الخليقة كفعل حب، ونية وقصد لكل الخليقة، واستمرت دعوة الناس إلى تلك الرؤية ليكون السلام هو النعمة والعطية والعدالة، وليست الغاية فقط بل الوسيلة التي تقود للسلام، فالسلام يحقق السلام، مضفورًا بكل جوانب الحياة، فالسلام ماهيتنا، وهويتنا.

    في دراسة القسّ سهيل سعيد “ليس هناك طريق للسلام، السلام هو الطريق” يعرض الكاتب أن الطريق الوحيد للسلام هو السلام ذاته ويفرق بين كلمتين هما “السِّلْم، والسلام”: تعني كلمة “السلم”، “غياب النزاعات ووقف القتال”. هذا السلم هو من صنع الإنسان، من صنع قادة الدول الكبرى. هذا السلم، يخضع لمصالح سياسية واقتصادية وتجارية. يخضع لتجاذبات إقليمية ودولية، وشهوة النفوذ والتسلّط، والتحكم بمصائر الناس ودول المنطقة. هذا هو “سلم العالم”. أما “السلام” الذي أنشدته الملائكة بولادة المسيح، “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة”، فهو أمر مختلف تمامًا عن “السلم”. يعرّف الكتاب المقدس “السلام”، على أنه حالة روحية، تمنح الانسان المؤمن، الأمان الداخلي والراحة والاستقرار النفسي وسلام الضمير. هذا السلام ليس من صنع البشر كما “السلم”، بل هو من صنع الله، بل عطية الله.

    وبالانتقال إلى النماذج الوطنية المصريّة المسيحيّة يشارك الأستاذ عماد توماس بالكتابة عن “شخصيات مصريّة مسيحيّة شاركوا في نصر أكتوبر المجيد” فيتحدث عن: الفريق “فؤاد عزيز غالي” بطل الحرب والتنمية، ومشوار تنمية سيناء، واللواء أركان حرب نصري جرجس: نسر الدفاع الجوي في نصر أكتوبر.

     ومن المفاهيم اللاهوتية والكتابية وما أحدثته أكتوبر من تغييرات ونماذج الشخصيات التي شاركت فيها، يتعرض الأستاذ روبير الفارس لزاوية أخرى وهي زاوية الفن، في دراسة تحت عنوان: “حرب أكتوبر هزمت السينما المصرية” يتعرض للأفلام التي أُنتجت في هذه الفترة والتي تناولت حرب أكتوبر، ويناقش أن حرب أكتوبر هزمت السينما المصرية! ثم يطرح سؤالاً: لماذا لم يكتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس روايات عن النصر؟ ويسجل ملاحظة وهي أنه بعد نصف قرن، قدمت السينما أفلامًا اجتماعية عن الحرب ولم تقدم فيلمًا حربيًّا.

    من الفن للصحافة يكتب الدكتور رامي عطا دراسة مهمة عن “نماذج من الصحافة المسيحية وانتصارات أكتوبر المجيدة” يسجل فيها موقف الكنيسة الأرثوذكسية من حرب أكتوبر. يبيِّن عطا موقف الكنيسة الأرثوذكسية في الحرب وموقفها من دولة إسرائيل من خلال الصحف المسيحية التي كانت تصدر عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مسجلة المواقف الوطنية للكنيسة.

    ومن زاوية أخرى يكتب القسّ عيد صلاح عن “موقف الكنيسة الإنجيليّة في مصر من حرب أكتوبر 1973م والدور الوطنيّ في الذكرى المجيدة بمرور خمسين عامًا عليها دراسة وثائقيَّة” يسجل فيها موقف الكنيسة الإنجيلية في مصر من حرب أكتوبر عبر الوسائل المتعددة من بيانات وكتابات ودراسات لتسجل موقف الكنيسة ضد دولة إسرائيل والدور الوطني.

    عرض كتاب:

    وفي هذا المجال يعرض الأستاذ جرجس صبحي كتابًا مهمًّا للدكتور القسّ مكرم نجيب عنوانه: “قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح: المزاعم الصهيونية لنهاية التاريخ”، صدر الكتاب في القاهرة عن دار الثقافة عام 2002، ويعرض جرجس لنموذج مصريّ مسيحيّ ولاهوتيّ بارع وهو الراحل الدكتور القسّ مكرم نجيب (1974-2019)، الراعي السابق للكنيسةِ الإنجيليَّةِ بمصرَ الجديدةِ، وقد كتب عدة مؤلَّفات في هذا المجال. يتناول الكتاب المفاهيم الكتابية واللاهوتية حول القضايا المتعلقة بدولة إسرائيل والمجيء الثاني للمسيح.

    شذرات لاهوتية

    في باب شذرات لاهوتية يكتب د. إيهاب الخراط مقالًا بعنوان “في قبول خلاص المسيح” ويعرض فيه لإشكالية هذه الموضوع في جوانبه المختلفة وفق التعاليم اللاهوتية التي يتبناها كل فريق، ليصل إلى قناعة يسجلها في هذا المقال بالقول: إن التوبة هي عودة للمسيح ورغبة في طاعة تعليمه والحياة منه وبه وله. وأن الإيمان يعني الالتصاق بالمسيح. لأنه “هو خلاصنا”. ومن ثم ليست المسألة إما “صلاة الخاطئ” أو صلاة “توبة وإيمان”. إنما المسألة في حياة محورها وهدفها ومصدر قوتها المسيح وحده. وكل وسائط النعمة ليست شيئاً ما لم تدُر حول المسيح وحده، وليس مصلحتنا أو سعينا للبر أو سعينا لضمان الحياة الأبدية. لأنه هو حياتنا الأبدية ذاتها.

    شذرات كتابية

    وفي باب شذرات كتابية يقدم الشيخ أسامة رشدي مجموعة طيبة من التأملات الكتابية حول أربعة موضوعات وهي: متى تعزيني يا رب؟ أنهار تعزيات غامرة، استغاثه من مؤمن صامت، هدوء فطيم.

    ملحق العدد:

    وفي ملحق العدد يكتب القسّ عيد صلاح دراسة بعنوان “من النكسة إلى السلام الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في حرب أكتوبر 1973م: مواقف وقضايا وملامح دراسة تحليليّة” تتناول هذه الدراسة الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ؛ أي الكتابات العربيّة المسيحيّة الإنجيليّة التي ظهرت في الكنيسة الإنجيليّة بمصر عبر منابرها الإعلاميّة في فترة السادس من أكتوبر 1973، وقبلها منذ عام يونيو 1967، وبعدها وصولاً إلى اتفاقية كامب ديفيد 1978. والأسئلة التي سوف تجيب عليها الدراسة: كيف كان الخطاب الدينيُّ وقت الحرب؟ وما هي القضايا التي ركَّز عليها؟ هل القضايا التي فجرتها قضايا الحرب انتهت بها أم ما زالت قائمة (أقصد هنا القضايا اللاهوتيّة والكتابيّة والسياسيّة)؟ ما هي ملامح الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في تلك الفترة المهمة؟

قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح: المزاعم الصهيونية لنهاية التاريخ للدكتور القس مكرم نجيب

جرجس صبحي

اسم الكاتب :  جرجس صبحي

  • بعض القضايا تختلط فيها الأمور، وتُشوَّش المفاهيم، نتيجة غياب التعريف الدقيق للمصطلحات، أو غياب المعرفة الدقيقة حولها. فتؤدي كل هذه العوامل إلى نوع من الوصم والعداوة، وعدم فهم للآخر، وهو ما يمكن أن يُترجم لاحقًا إلى خطاب كراهية.

    واحدة من أهم القضايا التي تنطبق عليها هذه العوامل هي قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عامةً، وقضية ما يُسمى “الصهيونية المسيحية” خاصةً. ولقد أدى خلطُ المفاهيم في هذه القضية إلى توجيه بعض الاتهامات للمسيحيين العرب بموالاة أو بدعم إسرائيل، استنادًا على تأييد بعض الطوائف المسيحية في الغرب لقيام إسرائيل ودعمها، مؤسسين هذا على تفسيرهم الخاص لبعض النصوص الكتابية.

    لهذا، بذل عددٌ من اللاهوتيّين المصريّين جهدًا عظيمًا في إعداد دراسات أكاديمية دقيقة، للمساهمة في توضيح المفاهيم المختلطة بدقة، وشرح المصطلحات -المتداولة عشوائيًّا- شرحًا صحيحًا وافيًا مستندًا إلى قراءة هذه التيارات وتاريخها وعقائدها، والفرق بينها وبين عقائد المسيحيين العرب. وأعرض في هذا المقال نموذجًا لاهوتيًّا مصريًّا وهو  الراحل الدكتور القس مكرم نجيب (1974- 2019)، راعي الكنيسةِ الإنجيليَّةِ بمصرَ الجديدةِ، وقد كتب عدة مؤلَّفات في هذا المجال، أعرض منها هنا كتابه الأهم “قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح”، والصادر عن دار الثقافة، عام 2002، في 136 صفحة من القطع الوسط.

     

     

    الدوافع والأسباب ومنهج الدراسة

    في مقدمة الكتاب يسرد المؤلف ثلاثة عوامل دفعته إلى الاهتمام بهذا الموضوع:

    • أولًا: الخلط في المفاهيم الكتابية واللاهوتية حول موضوع المجيء الثاني للسيد المسيح، وانخراط بعض المذاهب والجماعات في الخلط بين ما هو يهودي وما هو مسيحي، وبين الحقائق الدينية والأحداث السياسية للخروج بحسابات وتواريخ وجداول وخرائط حول أحداث النهاية والمجيء الثاني تشبع الفضول البشري.
    • ثانيًا: ما نتج عن هذا الخلط من تشويش، ليس فقط في الساحة الكنسية، بل امتد إلى المجال الوطني والقومي، والموقف من دولة إسرائيل، ومفهوم شعب الله المختار. إضافةً إلى الخلط بين العديد من الفرق والمذاهب في الغرب التي تحمل لافتة “إنجيلية”، والذين يعملون بدوافع إيمانهم على خدمة أغراض صهيونية.
    • ثالثًا: تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001، وهي السنة السابقة لإصدار الكتاب وما أحدثته حينها من آثار سياسية وأيديولوجية وإثارتها لعدد من القضايا الشائكة في المنطقة.

    يقدم الكاتب أفكاره في بحث أكاديمي دقيق، مقسَّم على سبعة فصول، يتناول فيها دراسة المفهوم الإسخاتولوجي، والتركيز على حقيقة تدرج الإعلان الإلهي، ثم مبادئ تفسير النصوص الكتابية.  

    • الفصل الأول: نهاية التاريخ والمجيء الثاني

    في هذا الفصل، يعرض الكاتب نظريات نهاية التاريخ، لافتًا إلى أن الأحداث العظمى التي تحدث في العالم تدفع بعض التيارات الدينية للتحدث عن نهاية التاريخ ومجيء المسيح، إلى جانب الباحثين الآخرين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، أمثال فرنسيس فوكوياما، ودانيال بِل، وصموئيل هانتجتون، والذين تناولت أبحاثهم ومقالاتهم أفكارًا عدة حول مصير البشرية بناءً على التغيرات السياسية والاجتماعية.

    ثم يعرض الكاتب بالتفصيل الشيع الدينية اليمينية المتطرفة؛ ولافتًا إلى بعض هذه التيارات في أمريكا والتي استندت إلى حرب الخليج 1990- 1991 برهانًا لتأييد نظرياتها حول نهاية العالم، وارتفاع حرارة الحديث عن مجيء المسيح الثاني مع امتلاك إسرائيل للسلاح النووي. ثم يخصص الكاتب جزءًا في هذا الفصل لعرض أهم هذه التيارات في الفرق والمذاهب الإنجيلية، ومن أبرز ما ورد في الكتاب “المدرسة الدهرية Dispensational school”.

    ثم يدعو الكاتب في هذا الفصل إلى خطورة التعميم بين هذه المذاهب المتطرفة؛ خاصة في الشرق الذي يصفها كلها بأنها “إنجيلية”، أو “بروتستانتية”، غير مميز بين هذه المذاهب وبين الكنيسة الإنجيلية المشيخية في الغرب والشرق والتي تختلف تمامًا مع هذه الأفكار والمزاعم.

    • الفصل الثاني: المفهوم الإسخاتولوجي ومبادئ تفسير النصوص

           في البداية يشرح الكاتب معنى كلمة إسخاتولوجي، والتي تعني بصفة عامة النبوات والأحداث المتعلقة بمجيء المسيا، وعمله وتحقيق ملكوت الله سواء في الحاضر أو المستقبل، وتعني بصفة خاصة الأمور المستقبلية المختصة بالأحداث الأخيرة. ويلفت في هذا الفصل إلى اتجاهين في هذا المجال:

     الاتجاه الأول: يرى أن وحي الكتاب المقدس أو الإعلان الإلهي يقود إلى خلاصة أن كل الكتاب مساوٍ في القيمة اللاهوتية، وأن نبواته العديدة مثل قطع الموزايك تكمل بعضها الآخر، ومن أمثلة المنادين بهذا الاتجاه التدبيريون أصحاب نظرية “سابقي الألف Pre-Millennialism”.

    الاتجاه الثاني: يفسر النبوات والنصوص الكتابية عامةً في ضوء الإدراك الواعي للطبيعة المتدرجة المتصاعدة للإعلان الإلهي في الكتاب، مرتبطةً بعنصر الوقت أ الزمن، ويستند هذا الاتجاه إلى مبادئ التفسير المعروفة للنصوص الكتابية، والتي تسمى “القراءة اللغوية والتاريخية Grammatical- Historical Reading”.

    ويضع الكاتب في هذا الفصل سبعة مبادئ تفسيرية مهمة:

    1. عدم تفسير النص الكتابي أو بناء عقيدة في ضوء الأحداث السياسية المتقلبة والمتغيرة.
    2. تفسير العهد القديم في نور العهد الجديد وفي نور شخص السيد المسيح وعمله الفدائي.
    3. عدم تفسير النصوص الواضحة بالنصوص الغامضة، بل أن يتم العكس.
    4. عدم بناء عقيدة على اقتطاع كلمة أو عبارة من النص أو أخذ بعض النصوص المتناثرة.
    5. مراعاة الترتيب التصاعدي للإعلان الإلهي المتدرج الذي وصل إلى ذروته في المسيح.
    6. تفسير النصوص الرؤيوية في إطار القواعد المعمول بها في التعامل مع الطبيعة الخاصة لهذه النصوص.
    7. الدراسة الجيدة لطبيعة النبوات أو النصوص النبوية في الكتاب المقدس عامةً؛ مثل رسالة النبوة وسياقها، ومداها، وأسلوبها.
    • الفصل الثالث: تطور المفهوم الإسخاتولوجي

    يهتم الكاتب في هذا الفصل بالتفريق بين مصطلحي “ملكوت الله” و”شعب الله” عارضًا لهما في إطار طبيعة تدرج الإعلان الإلهي التي أكد عليها في الفصلين السابقين. وهذا العرض جاء كتمهيد للإجابة عن سؤال: ما الموقف من إسرائيل الحديثة؟ ويخلُص في هذا إلى أن لا علاقة من قريب أو بعيد بين دولة إسرائيل الحديثة وحقيقة شعب الله في نبوات العهد القديم. وعارضًا أيضًا لجهود الكنيسة الإنجيلية المشيخية مع الكنائس المسيحية الأخرى في الشرق والغرب في توضيح الفكر الكتابي واللاهوتي الصحيح، من خلال مؤتمرات وندوات محلية ودولية ودراسات لاهوتية لنفس الهدف.

    • الفصل الرابع: مصطلحات المجيء

    تعَدُّ المصطلحات إحدى القضايا المحورية في هذا الكتاب، إذ يهتم الكاتب اهتمامًا كبيرًا بتعريف المصطلحات وتوضيح الفروق بينها، ويعرض هنا لمجموعة من المصطلحات التي استُخدمت لدعم أيديولوجيات صهيونية مقتطعةً بهذا من سياقها الصحيح:

    1. يوم الرب Day of the Lord
    2. حضور Parousia
    3. استعلان Apokalypsis
    4. ظهور Epiphaneia
    5. ماران أثا Maran Atha

    ورغم ما يبدو من تقارب وتشابه بين هذه المصطلحات إلا أن الكاتب يعرض التعريفات بدراسة دقيقة لمدلولاتها الكتابية وسياقاتها السليمة، موضحًا الفرق بين كلٍّ منها.

    • الفصل الخامس: نظريات مختلفة

    يدرس الكاتب هنا ثلاث نظريات مختلفة في تفسير المجيء الثاني للمسيح وأحداث النهاية. وتحت كل نظرية يعرض الطوائف أو المذاهب التي تعتنق هذه النظرية، ويوضح أفكار كل نظرية بمجموعة مهمة من الرسومات التوضيحية لتقريب الفكرة للقارئ.

    1. النظرية الأولى: لاحقو الألف Post Millennialism
    2. النظرية الثانية: سابقو الألف Millennialism Pre-
    3. النظرية الثالثة: ضد الألف A Millennialism
    • الفصل السادس: الرأي الإنجيلي المشيخي

    يمكن اعتبار هذا الكتاب جامعًا لما تقدم من فصول وضحت تدريجيًّا موقف الكنيسة الإنجيلية المشيخية من قضية المجيء الثاني، وقضايا التيارات التي تدعم الأفكار الصهيونية، وكذلك الموقف من دولة إسرائيل الحديثة. ويختتم الفصل بثلاثة تحذيرات مهمة في التعامل مع قضية المجيء الثاني:

    1. المجيء الثاني عنصر مهم من عناصر إيماننا المسيحي ومن الخبرة المسيحية لأنه ضمن عمل المسيح ورسالته.
    2. ضرورة التفريق بين الازدياد في فهم كلمة الله، لنعرف بعمق من نحن وما ننادي به وما ينادي به الآخرون، وبين أن تتأثر محبتنا أو احترامنا للمختلفين معنا في الفكر.
    3. التمييز بين المحبة وروح الانفتاح المسكوني على الجميع وبين الانتماء الراسخ الذي يظهر في مجالات عديدة من أهمها وحدة التعليم ووحدانية الإيمان.

     

    • الفصل السابع: أنوار الرجاء

    طالما أن الإسخاتولوجي عنصرًا رئيسًا في مناقشة قضية الكتاب، فالإسخاتولوجي يشتمل على الرجاء كمفهوم رئيس ومحور أساس في معانيه، لهذا رأى الكاتب، الدكتور القس مكرم نجيب، ضرورة ملحة لمناقشة أنوار الرجاء المسيحي، وتأمل عمله الخلاق في حياتنا، وقسم هذا التأمل إلى 6 أفكار:

    1. المعنى
    2. الأساس
    3. الاتجاه
    4. الصور
    5. الكيفية
    6. العلامة

    وفي تعريف الرجاء المسيحي تجاه الإسخاتولوجي، توضيح مهم لموقف الكنيسة الإنجيلية المشيخية وإيمانها إزاء المجيء الثاني للمسيح، وبالتالي، إزاء كل القضايا المتعلقة بها، محل الخلاف، ومنها الموقف تجاه دولة إسرائيل الحديثة.

ليس هناك طريق للسلام.. السلام هو الطريق

اسم الكاتب : القس سهيل سعود

  • يعلّمنا التاريخ الإنسانيُّ أنّ العنف المنتشر في أرجاء كثيرة من العالم، هو ثمرة تربية غير سلمية وغير سلاميَّة، أثّرت عبر السنين على طريقة تفكير الفرد والمجتمع، وعلى أسلوب معالجته للأمور. اعتقدت شعوبٌ كثيرةٌ، أنَّ العنف ضرورة حتمية ووسيلة اجتماعية مقبولة لمعالجة النزاعات. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي أدّت إلى موت الكثير من الناس، أعلنت منظمة الأمم المتحدة، بأن هدفها للقرن الحادي والعشرين، هو التربية على السلام. فرعب الحروب وهول المآسي ومرارة الآلام التي خلّفتها، أبرزت الحاجة الشديدة إلى نشر تربية جديدة، تشجب الحرب وتنبذ العنف، تربية تحترم الحياة وتنظر إلى الإنسان كقيمة روحية لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله. تربية شافية تسعى لتضميد جروح المجتمع لا لتعميقها. تربية جامعة تسعى لجمع الناس لا لتفريقهم، تربية تصالحية تسعى لإعادة وصل العلاقات بين الناس لا لقطعها. تربية تعتمد فقط الوسائل السلمية للوصول إلى السلام، تربية ترفض التبريرات السياسية للدول الكبرى، التي باسم السلام، تبرّر الحروب، وباسم السلام تشرّعها كوسيلة للوصول إلى السلام. فالحرب لا تولّد الا الحرب، والعنف لا يولّد الا العنف لكن السلام، لا بد أن يولّد السلام.

    يخبرنا الرسول يعقوب في الإصحاح الرابع من رسالته، أنّ طبيعتنا الخاطئة الفاسدة والساقطة لا تهوى السلام، بل تهوى وتفتخر وتلتذّ بالانقسامات والخصومات والحروب. يقول: “مِنْ أَيْنَ الْحُرُوبُ وَالْخُصُومَاتُ بَيْنَكُمْ؟ أَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا: مِنْ لَذَّاتِكُمُ الْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ؟ تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ. تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ. تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ.” (يعقوب 4: 1-3). تأتي الانقسامات والخصومات والحروب من الحسد والغيرة وتفضيل المصالح الذاتيَّة على المصلحة العامَّة. يريد الإنسان أن يسلبَ من الآخر ما لا يملكه هو؛ لأن مطالبه ونواياه رديّة، فهو يريد إعلاء ذاته وشأنه، على حساب دماء الناس الأبرياء.

    في رسالته إلى أهل أفسس، أظهر الرسول بولس أنّ كل ما عمله الله لأجل الإنسان، لا سيما إرساله ابنه يسوع المسيح ليسفك دمه لأجلنا على الصليب، كان هدفه الأسمى صنع السلام. سلام مع الله بالإيمان، وسلام مع الآخرين بالمصالحة. يقول الرسول بولس: “لِأَنَّهُ هُوَ سَلَامُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلَامًا” (أفسس 2: 14- 15).

    يظن البعضُ أنَّ صنع السلام هو القرار الأسهل؛ يعتقدون أنه قرار الضعفاء الذين لا مقوّمات ولا إمكانيات لديهم لصنع الحروب، لكن هذا الأمر غير صحيح في أحيانٍ كثيرةٍ. فقرار صنع السلام هو قرار أصعب من قرار صنع الحرب. فكم من القادة والناس، عاجزون عن صنع السلام، عاجزون عن التواصل وإيجاد الحلول وتقريب وجهات النظر، عاجزون عن التواضع والتنازل من أجل المصلحة العامة! قالت المربية بيتي ريردون: “صُنع السلام هو نهج الشجعان”، وهذه حقيقة صحيحة. لأنّ قرار صنع السلام يتطلّب: الجرأة والتواضع والغفران، والاستعداد لدفع الثمن.

    قال أحد الحكماء: “لا يوجد طريق للسلام، لأن السلام هو الطريق”. فالأسلوب الذي نتبع فيه السلام، هو في الحقيقة السلام نفسه. فالسلام يتطلّب أمرين أساسيين، هما: “الشجاعة والتربية”. قالت المربية بيتي ريردون: “التربية على السلام هي نهج الشجعان”. وهذا صحيح لأن قرار صنع السلام يتطلّب شجاعة، أكبر من قرار صنع الحرب.

    لم يَصدُر قرارُ المسيح بصنع السلام من ضعفٍ، بل من قوَّةٍ. تخبرنا الأناجيلُ أنه عندما قرّر المسيح التوجُّه الى مدينة أورشليم ومنها إلى الجلجثة، ليُعَلَّق على الصليب ويسفك دمه من أجل خلاصنا، كانت الأجواء السياسية مشحونةً ومهيّأةً للحرب والمواجهات. كان الشعبُ اليهوديُّ يعيش تحت ضغوطاتٍ سياسيَّةٍ كبيرةٍ، بسبب رزوحهم تحت سيطرة الحكم الرومانيّ. كانوا ينتظرون بشوق تلك الساعة إذ ظنُّوا أن الله سيرسل لهم المسيّا المخلِّص كقائدٍ عسكريٍّ يقوم بثورة داخليَّة للإطاحة بالحكم الروماني، كيما يستعيدوا سيادتهم وحكمهم الذاتي على أراضيهم. وعندما دخل المسيح الى أورشليم، ظنّ الكثير من الشعب بأنها قد أتت الساعة، وحلّت الفرصة المنتظرة، لأنهم رأوا في المسيح قائدًا عسكريًّا، يتمتّع بقدرات روحية وعجائبية هائلة.

    يخبرنا إنجيل يوحنا أنه عندما صنع المسيح أعجوبة إشباع الخمسة الآلاف من خمسة أرغفة شعير وسمكتين، فإنهم اندهشوا من قدراته، وأرادوا أن ينصّبوه ملكًا عليهم، لكن المسيح لم يُرِد ذلك؛ لأن الجلوس على العروش الأرضية لم يكن من ضمن اهتماماته. يذكر النص الكتابي: “وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ.” (يوحنا 6: 15). وللقدرات المميّزة التي اختبرها الشعب في المسيح، فإنه عندما دخل إلى أورشليم، استقبلوه استقبالَ الملوك الفاتحين: فرشوا ثيابهم في الطريق، لوّحوا بأغصان النخيل، هتفوا قائلين: “أوصنّا لابن داود، مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب”. فالملك داود هو أعظم ملك في تاريخ اليهود، لأنه الملك الذي صنع السلام وأقام الوحدة بين أبناء وبنات شعبه المتفرّقين والمقسَّمين، بتوحيد مملكتي يهوذا وإسرائيل في مملكة واحدة.

    إنَّ هتافهم بكلمة “أوصنّا” وباللغة الآرامية “أوشعنا”، تعني: “يا رب أنقذ. يا ربّ خلِّص”، هي مأخوذة من المزمور الملوكي المئة والثامن عشر، الذي يُنشَد في احتفالات انتصار الملوك في المعارك كشكرٍ لله على انتصارهم. وبالتالي، كانت صرختهم: “أنقذنا، وخلّصنا يا يسوع من تلك السلطة المستعمِرة”. إنها صرخة شعب يريد الحريةَ والخلاص من تحكُّم النظام الروماني في مصيرهم وحياتهم. إلَّا أنه بالرغم من أنَّ الأجواء السياسيَّة كانت مهيّأةً للحرب، لكن المسيح اختار أن لا يشعل فتيل الحرب، لأنه لم يأتِ إلى عالمنا ليصنع الحروب، التي تدمّر حياة الناس وتسبب المآسي والأحزان، بل ليصنع السلام الالهي الذي يفوق كل عقل.

    يخبرنا إنجيل متى أنه عندما أُلقِيَ القبضُ على يسوع لاقتياده للمحاكمة، وقطَعَ تلميذُهُ بطرسُ بالسيفِ أذنَ ملخسَ أحدِ عبيدِ قائد المئة. فقد استاء يسوع جدًّا من تصرُّفِه وقال له: “رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ… أَتَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الْآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟” (متى 26: 52، 53). بالطبع، كان المسيح قادرًا على صنع الحرب. لكنه اختار صنع السلام، لأنه ليس هناك طريق للسلام، بل السلام هو الطريق.

    إنّ دخول يسوع الى مدينة أورشليم، على ظهر حمار، وليس على ظهر حصان، هو أحد الأدلة لاختياره قرار السلام على الحرب. يشير امتطاء الأحصنة إلى المشاركة في الحروب، ويشير الركوب على الحمير إلى صنع السَّلام. لم يرِدْ يسوعُ أن يدخلَ بين هتاف الجنود، بَل بَيْن هتاف الجموع والأطفال المرنِّمين: “أوصنّا في الأعالي”. لَم يرد أنْ يلوِّح له الجنودُ بالرماح والسيوف، بل أراد أنْ يلوِّح له الأطفال بأغصان النخيل والزيتون. لم يرد أن يدخل ليتوَّج بإكليل مِن ذهب كما يحصل للملوك، بل أراد يتوَّج بإكليل من شوك يدمي رأسه من أجل خلاص البشرية. لقد تنبّأ النبيُّ زكريا عن مهمة وقرار السلام الذي جاء يسوع ليصنعه، قبل عدّة قرون من حلول الحدث، قائلًا: “اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ… وَيَتَكَلَّمُ بِالسَّلَامِ لِلْأُمَمِ، وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الْأَرْضِ” (زكريا 9: 9، 10). لم يأتِ المسيحُ إلى عالمنا، ليؤسّس مملكةً زمنيةً، على دماء الناس وصراخ الأطفال وعويل الأمهات، بل ليؤسس مملكةً روحيةً، تقوم على قوة التغيير الذي يجريه المسيح بالإيمان، في حياة الإنسان. من أجل هذا الهدف، دخل المسيح إلى أورشليم، ليتوجّه نحو صليب الجلجثة، لأنه أدرك تمامًا، أن صنع السلام يبدأ من الصليب.

    في كتابه “علم التربية وعلم الاجتماع”، يقول عالم اجتماع فرنسي: “لكل مجتمعٍ طبيعتُه الحقيقية المميّزة التي يعبّر من خلالها عن حقيقة نفسه. طبيعة تسمو وتتجاوز الأفراد الذين يتشكّل منهم المجتمع”. ويتابع قائلًا: “يحافظ المجتمع على استقراره، إذا ما وُجِد بين أبنائه وبناته مستوى كافٍ من الانسجام والتآلف واللحمة. ودور التربية هو المساهمة الفاعلة في الاستقرار الاجتماعي، من خلال تنشئة وتربية أولادنا منذ نعومة أظافرهم على القيم الجوهرية المشابهة والمشتركة بين أفراد وشرائح المجتمع. فهذه القيم الجوهرية المشتركة هي التي تصنع هذا الانسجام والتآلف واللحمة”.

    يقدّم الإنجيلُ قيمًا خالدةً تصنع الاستقرارَ في كل البلدان المضطربة، هي قيم: العدل والحق والرحمة والتواضع، واحترام معتقد الآخر وحريته وكرامته، وغيرها من القيم الجوهرية الأخرى. يقول النبي ميخا: “قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ” (ميخا 6: 8). أما الرسول بولس فيقول لأهل فيلبّي: “أَخِيرًا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هَذِهِ افْتَكِرُوا” (فيلبي 4: 8). قال أحد الحكماء: “لا يوجد طريق للسلام، فالسلام هو الطريق”. فالأسلوب الذي نتّبع فيه السلام، هو في الحقيقة السلام نفسه.

    نحن مدعوون لنحضّر جيلًا جديدًا يساهم في خلق ديناميكيةٍ اجتماعيةٍ سلميةٍ. وهذا يتطلب أمرين أساسيين “الشجاعة والتربية”. قالت المربية بيتي ريردون: “التربية على السلام هو منهج الشجعان”. وهذا صحيح لأنّ قرار صنع السلام، يتطلّب في معظم الأحيان، شجاعةً أكبر من قرار صنع الحرب. التربية على السلام، تتطلّب جهودًا تربويةً كبيرةً، لنعرف كيف نربّي أولادنا، لنعرف كيف نصرف أموالنا، لنعرف كيف نهيئ المناخ المناسب لنمو التفكير النقدي لإدراك المسؤولية الاجتماعية الخطيرة التي تخلّفها الحروب، ونبدأ التفكير في أساليب سلمية جديدة، لحل النزاعات في بلادنا ومنطقتنا.

    في تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1993 حول العنف، ورد ما يلي: “كما تبدأ الحرب في الذهن، هكذا يبدأ السلام من الذهن”. فالتغيير يبدأ من الذهن، وهدف التربية التغيير ابتداءً من الذهن. لهذا  لكي أكون عمليًّا في طرحي، فمن الضروري إدراج مادة التربية على السلام إلى مناهج المدارس في منطقتنا، لنشر ثقافة السلام، ابتداءً من الصف والمدرسة، لأن الصف والمدرسة، هما المكان المناسب لبدء التغيير في المجتمع. الصف والمدرسة هما المختبر العلمي والعملي الذي يتعلّم فيه تلامذتُنا المهارات العلمية، والمعرفة النفسية والفكرية والاجتماعية والمواقف المناسبة، ليكونوا صانعي سلامٍ. الصف والمدرسة، هما المكان المناسب الذي يتزوّد فيه تلامذتُنا، بمهارات فنّ الحوار الصادق والبنّاء. مهارات حلّ النزاعات التي تنشأ بين بعضهم البعض بالطرق السلمية. مهارات التعاطي مع مشاعرهم السلبية: مشاعر العدائية، والكراهية، والغضب، بطريقة غير مؤذية، ليتمكّنوا من المحافظة على سلامهم تحت ظروف نفسية صعبة. ويتعلمون أيضًا مهارات التواصل، مهارات فنّ الكلام، فنّ الإصغاء، فنّ الاعتذار، بل ثقافة وشجاعة الاعتذار التي تصنع العجائب، وتعيد التواصل بين الناس.

    في النهاية، لا بدّ من التمييز بين كلمتين، هما: “السِّلْم، والسَّلام”: تعني كلمة “السلم”، “غياب النزاعات ووقف القتال”. هذا السلم هو من صنع الإنسان، من صنع قادة الدول الكبرى. هذا السلم، يخضع لمصالح سياسية واقتصادية وتجارية. يخضع لتجاذبات إقليمية ودولية، وشهوة النفوذ والتسلّط، والتحكم بمصائر الناس ودول المنطقة . هذا هو “سلم العالم”. أما “السلام” الذي أنشدته الملائكة بولادة المسيح: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة”، فهو أمر مختلف تمامًا عن “السِّلْم”. يعرِّف الكتاب المقدس “السلام”، على أنه حالة روحية، تمنح الإنسان المؤمن، الأمان الداخلي والراحة والاستقرار النفسي وسلام الضمير. هذا السلام ليس من صنع البشر كما “السلم”، بل هو من صنع الله، عطية الله.

    حين قال الرب يسوع المسيح لتلاميذه: “سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ” (يوحنا 14: 27)، فقد ميّز بين “السلم، والسلام”. بين ما يعطيه العالم وما يعطيه هو، الرب يسوع المسيح. إنّ “سِلْمَ” العالم وتوقُّفَ الحرب لفترة من الوقت، لا يضمن وقف الاضطراب والرهبة والخوف. أما سلام المسيح، فإنه سلامٌ داخليٌّ يمكن للمؤمنين والمؤمنات اختباره، حتى في وسط التوتّرات والاضطرابات، لأنه عطية من الله. حاول الرسول بولس أن يصف بكلماته المحدودة هذا “السلام”، إلاّ أن الكلمات لم تسعفه كثيرا، كونه سلامًا يتجاوز محدوديَّة عقله وفكره وتصوره. قال لكنيسة فيلبي: “وَسَلَامُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (فيلبي 4: 7).

    يقدّم الكتابُ المقدّس رؤيةً إسخاتولوجيةً للعالم، هي رؤية السلام الكامل. هذه الرؤية رآها النبيُّ ميخا منذ آلاف السنين، والعالم يحلم أن يراها أيضًا. إنها رؤية اليوم الذي تتوقف فيه الحروبُ بشكل كامل في العالم، ويسود الإنصاف بين جميع الناس؛ إذ في ذلك اليوم تتحوّل أدواتُ الحروب إلى وسائل للفلاحة والزراعة والحصاد. والأموال الهائلة التي تصرف لشراء الأسلحة، تُستخدَم لإطعام الفقراء لكي لا يكون هناك جائعٌ واحدٌ في العالم. فرؤية النبي ميخا للسلام نجدها في قوله: “فَيَقْضِي بَيْنَ شُعُوبٍ كَثِيرِينَ. يُنْصِفُ لِأُمَمٍ قَوِيَّةٍ بَعِيدَةٍ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا، وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لَا تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلَا يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ” (ميخا 4: 3).

    نصلِّي إلى الرب القدير، أن يحفظ قلوبنا وحياتنا وأوطاننا بسلامه الذي يفوق كل عقل، إلى أن تتحقّق تلك الرؤية الإسخاتولوجية، عندما يأتي المسيح ثانيةً في المجد. آمين.

مصريُّون مسيحيُّون شاركوا في نصر أكتوبر المجيد

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب :عماد توماس

  • نحتفل في هذه الأيام بذكرى مرور 50 عامًا على نصر أكتوبر العظيم، الذي فيه، ومن خلال قواتنا المسلحة المصريَّة الباسلة، استعاد المصريُّون كرامتهم التي غابت بعد نكسة 1967، وشهدت حرب أكتوبر وحدة المصريين على مُختَلَف تياراتهم السياسية والدينية، وشارك المسيحيون إخوانهم المسلمين في بذل الجهد والعرق والدماء من أجل استعادة الكرامة والانتصار.

    ونرصد هنا بطولات عددٍ من المصريين المسيحيين، الذين شاركوا في انتصار أكتوبر المجيد، ونتتبع سيرتهم العطرة لكى نتمثَّل بشجاعتهم وتضحياتهم من أجل وطن أفضل.

     

    الفريق “فؤاد عزيز غالي”… بطل الحرب والتنمية

    فؤاد عزيز غالي، هو ذلك الشاب القادم من المنيا، وبدلًا من أن يلتحق بكلية الطب، فضَّل الالتحاق بالكلية الحربيَّة، واستطاع أن يتولى كافة القيادات العسكريَّة بدءًا من قائد فصيلة، حتى فرقة وجيش ميداني، ورئيس لهيئة من هيئات القوات المسلحة، ومساعد لوزير الدفاع، وبعد نهاية الحرب عُيِّن محافظًا لجنوب سيناء.

    ولد فؤاد عزيز غالي في 10 ديسمبر عام 1927 في المنيا، وتوفي في 7 يناير عام 2000، والده “عزيز غالي” كان مديرًا عامًّا في بنك التسليف في شبين الكوم، ووالدته “روز”. له 6 أشقاء. تزوج من بنت عمه السيدة “ماتلدا صادق بنيامين”، وأنجب منها أربعة أبناء: “نجوى” و”ناهد” و”نادية” و”شريف”.

    كان الراحل الكريم محبًّا للقراءة والاطلاع، مهتمًّا بزوجته وأفراد أسرته رغم مشاغله، ومحبًّا وممارسًا للرياضة.

    الفترة العسكرية من حياته

    أدى “فؤاد عزيز غالى” حياته –كما يذكر اللواء الدكتور جمال مظلوم في كتابه عن سيرة الفريق غالي- جنديًّا مخلصًا وفيًّا لوطنه، محبًّا لعمله، متفانيًا في أداء المهام التي كُلِّف بها طوال مشواره العسكري، منذ انضمامه لسلاح المشاة بالقوات المسلحة ضابطًا برتبة ملازم عام 1948. وتدرج بعدها في كافة الوظائف القياديَّة الصغرى والكبرى في القوات المسلحة حتى قائد كتيبة، لواء، فرقة، وأكبر تشكيل في القوات المسلحة وهو قائد للجيش الثاني الميداني منذ أكتوبر عام 1973 حتى أواخر العام 1977. وعُيِّن مساعدًا لوزير الدفاع ورئيسًا لهيئة التنظيم والإدارة داخل القوات المسلحة، والتي قضى فيها حوالي أكثر من عامين تقاعد بعدهما.

    كرَّمته الدولة والقوات المسلحة بترقيته إلى رتبة الفريق الشرفية أواخر فترة خدمته بالقوات المسلحة، تكريمًا لأدائه وتفانيه في خدمة قواتنا المسلحة، رافعًا راية مصر خفاقةً.

    شارك “فؤاد عزيز غالي” كقائد لفرقة المشاة في خطة الخداع الاستراتيجي في الدولة عن الحرب. وفي الشق العسكري، شاركت الفرقة في أنشطة القوات المسلحة استكمالًا لخطة حرب أكتوبر، وفي إطار الاستعداد لعبور قناة السويس. منها فرض السرية على الاستعدادات العسكريَّة وإحاطة القوات بأنها استعدادات لمناورات دورية عادية، والحفاظ على الأوضاع الدفاعية، والحديث عن استحالة عبور القناة كأكبر مانع مائي في التاريخ.

    شهد عنه المشير “عبد الغني الجمسي”، رئيس هيئة العمليَّات المسلحة في حرب أكتوبر قائلًا: “لقد كانت الحصون التي بناها العدو في قطاع القنطرة شرق من أقوى حصون خط بارليف… وتمكَّنت قوات الفرقة 18 بقيادة اللواء “فؤاد عزيز غالي” من حصار المدينة في نهاية يوم 7 أكتوبر والسيطرة عليها تمهيدًا لتحريرها”.

    وجاء يوم 8 أكتوبر، وتمكنت الفرقة 18 بقيادة “فؤاد عزيز غالي”، من تحرير مدينة القنطرة شرق بعد أن حاصرتها داخليًّا وخارجيًّا ثم اقتحمتها، ودار القتال في شوارعها وداخل مبانيها حتى انهارت القواتُ المعاديةُ، واستولت الفرقةُ على كميَّةٍ من أسلحة العدو ومعداته، بينها عددٌ من الدبابات وتم أسر 30 فردًا من قوات العدو.

    “فؤاد عزيز غالي”.. مشوار تنمية سيناء

    بعد أن عُيِّن اللواء “فريد عزت” محافظًا لجنوب سيناء، كأول محافظ لها منذ إعلان إنشائها عام 1979 حتى نهاية عام 1980، تقرر تعيين اللواء “فؤاد عزيز غالي” كثاني محافظٍ لجنوب سيناء في النصف الثاني من عام 1980 حتى أواخر 1982، لمدة أكثر من عامين، وهي فترة حاسمة في التاريخ المصري، والتي واكبت الانسحاب الإسرائيلي من سيناء.

    ومثَّلَ مشوار “فؤاد عزيز غالي” كمحافظ لجنوب سيناء بداية تنمية المحافظة في وضع اللبنة الأولى في مسيرة المحافظة الشابة، وبدء عجلة التنمية الشاملة في المحافظة، والتي تضمنت العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

    اللواء “باقي زكي يوسف”: صاحب فكرة تفتيت الساتر الترابي (خط بارليف)

    اللواء المصري المسيحي باقي زكي، هو صاحب فكرة تفتيت الساتر الترابي في حرب أكتوبر 1973، المعروف باسم (خط بارليف)، تمهيدًا لعبور القوات المصرية إلى سيناء؛ حيث إن الخسائر التقديرية لتفتيت هذا الساتر الترابي كانت نحو 20 ألف شهيد.

    قبل أربع سنوات من حرب أكتوبر، وتحديدًا عام 1969م، جلس باقي زكي، في اجتماع مع قائد الفرقة. كانت الاقتراحات المُقدَّمة لتفتيت الساتر الترابي هي استخدام الصواريخ أو المتفجرات أو المدفعيَّات بكل أنواعها أو الطيران بالقنابل، وكان أقل وقت لفتح ثغرة من 12 إلى 15 ساعة، بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح التي قد تصل لنحو 20 ألف جنديٍّ على أقل تقدير. وهو ما جعله يهتم بعرض الفكرة وتنفيذها. فاقترح على قادته أن يتم فتح ثغرات داخل الساتر الترابي قائلًا “ربنا ادانا المشكلة وادانا الحل في نفس الوقت”، شارحًا أن الساتر الترابي على الضفة الشرقية للقناة مباشرة، كان ارتفاعه 20 متر وميل حاد 80 درجة، مما يصعِّب من اقتحامه، ولكن وضع الله الحل في مياه القناة التي تنساب تحته فكانت الفكرة سحب المياه من قناة السويس وضخها على الساتر الترابي لتفتيته عن طريق مضخات توضع على زوارق خفيفة لسحب المياه. مشيرًا إلى أنه أثناء عمله في السد العالي استخدم مثل هذه الفكرة ونجحت.

    فطلب منه قادته إعداد مذكرة، ووصلت الفكرة للرئيس جمال عبد الناصر، ووافق عليها. ثم جاءته التعليمات بعدم الحديث عن الفكرة مطلقًا مع أي شخص، وبدءِ التجارب تمهيدًا لتنفيذها.

    يقول زكي: “إن أول ثغرة تم فتحها في الساتر الترابي كانت نحو الساعة السادسة مساء يوم السادس من أكتوبر، حتى نجح الجيش المصري في فتح نحو 60 ثغرة في الساعة العاشرة مساءً، حتى انهار نحو 90 ألف متر مكعب من رمال الساتر الترابي إلى مياه القناة. ليتم عبور لواء مدرع بالكامل من معبر شمال القرش. ويكون مدخلًا مهمًّا لانتصار الجيش المصري في حرب 1973”.  

    اللواء أركان حرب نصري جرجس.. نسر الدفاع الجوي في نصر أكتوبر

    شارك اللواء أركان حرب مهندس نصري جرجس نسر، في حرب اليمن 1962 وحرب 1967 ونصر أكتوبر 1973، فبعد أن تخرج من قسم الكهرباء بكلية الهندسة، جامعة القاهرة عام 1961م، التحق بالقوات المسلحة كضابط مهندس عامل، ثم بالقوات الجويَّة، ثم الدفاع الجوي، بعد إنشائه كأحد الأفرع الرئيسة بعد 67، واستمر في الخدمة العسكرية حتى عام 1991.

    شارك اللواء نسر في الحصول على الدورات التدريبية الأساسية في الاتحاد السوفييتي، كما حصل على ماجستير العلوم العسكرية (أ. ح) من كلية القادة والأركان، وزميل كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية العليا. وعمل في محطة الاستقبال اللاسلكي في المعادي (محطة ماركوني سابقًا)، وقدم في الكلية الحربية بدون أن يُخطر أي شخص من عائلته، وكان اختبار القبول عبارة عن “كشف الهيئة” و”تحريات”. وبعد أن تخرج من الكلية الحربية انضم إلى الكلية الجوية، وشارك في حرب اليمن.

    كان اللواء نسر، ضابطًا مسؤولًا عن محطة الرادار؛ حيث انتشرت في ذلك الوقت مواقع الرادار في الجزء الشمالي من الجمهورية وسيناء لمراقبة المجال الجوي.

    واختير ضمن 11 ضابطًا لبعثة بالاتحاد السوفييتي والتحاقه بكلية القادة والأركان، واختير ضمن 6 ضباط من الدفاع الجوي لحضور دورة بكلية الحرب العليا، ثم كُلِّف برئاسة لجان سواء لدراسة موضوعات تهم الدفاع الجوي أو تمثل مشاكل يبحث لها عن حلول أو لتخطيط أنشطة داخل الدفاع الجوي أو مشتركة مع جهات خارجية سواء مصرية أو أجنبية، واختير عضوًا في لجان تطوير وتنويع مصادر تسليح الدفاع الجوي. وحصل على جوائز تقييم كأفضل الأبحاث التي تقدم في دورات القادة والأركان وكلية الحرب العليا.

    يرى اللواء نسر، أن غياب المعلومات عن قدرات وإمكانيات إسرائيل القتالية والتدريب العالي المستوى، والشعور المعنوي الزائف بالنصر كانوا من أسباب نكسة 1967م، ومن ضمن المؤثرات الإيجابية التي ساعدت في نصر أكتوبر هو رفع الروح المعنوية للجنود، وتعميق الانتماء للوحدة والانتماء للسلاح وللقوات المسلحة والوطن. فتقلصت الأنانية والفردية وساد الحب والإيثار بين الجميع ومن الطبيعي أن يظهر هذا في ميدان المعركة بالاستعداد ببذل الدم، وإصرار الكل على أداء مهامه في أقل وقت ممكن وبأعلى درجة من الكفاءة مهما كلفه ذلك من جهد ووقت وحرمان من حياة اجتماعية عادية ودون الحاجة إلى إشراف أو متابعة؛ فقد كان الاقتناع والجهد ذاتي نابعًا من داخل كل فرد.

    ويؤكد على أننا في حرب أكتوبر أصبح لدينا معلومات معروفة عن العدو، وجدية في العمل، وأصبحت القوات المسلحة تضُم “أهل الخبرة فقط” وليس “أهل الثقة” على حساب أهل الخبرة، فكان الاهتمام أكثر بالدفاع الجوي، فإسرائيل دولة صغيرة لو اختُرِقت بريًّا يمكن أن تنتهي، فالقوات الجوية هي الذراع الطويلة التي تصل إلى أماكن بعيدة وتهيئ المجال للقوات البرية.

    من الشخصيات المسيحية التي لها دور بارز في نصر أكتوبر، يتذكر اللواء نسر بعضًا من زملائه مثل: العقيد فيليب نصيف زخاري، قائد لواء الصواريخ الذي دافع عن بورسعيد. واللواء جميل إسحاق عبد المسيح، قائد لواء الصواريخ في بني سويف. واللواء جورج ماضي عبده، قائد لواء الصواريخ في الجبهة، ويكاد يكون اللواء الوحيد الذي مر إلى شرق القناة وعاد مرة أخرى. والمقدم ناجي عدلي نخلة، الذى كان قائد فوج الجبهة ومسؤولًا عن الإنذار عن طائرات العدو لكل القوات المسلحة في الجو. واللواء عادل فوزي جرجس، الذي كان قائد كتيبة مشاة في 1973 من الذين مروا من القناة وغيرهم.

    علم اللواء نسر بساعة الصفر قبل الموعد بحوالي 6 إلى 8 ساعات، فكان اختيار يوم 6 أكتوبر بناءً على دراسة كاملة أعدها المشير الجمسي، ولحساسيتها الشديدة، وللمحافظة على سريتها العالية، كتبها بخط يده وبالقلم الرصاص في كراسة عادية. لم يشعر بالخوف أثناء خوضه الحرب، فكان إيمانه الراسخ بالله وإيمانه بأنه يؤدي عملًا وطنيًّا له تأثير على الملايين.

    يؤكد اللواء نسر على أن حرب أكتوبر 73 كانت مدرسةً، من بداية الاستعداد لها إلى تنفيذها، فنحن نخطئ في حق أنفسنا وفى حق وطننا لو لم نستلهمها دائمًا ونرجع إليها وإلى الدروس المستفادة منها؛ لأنها قادرة على أن تعطينا المثل والقدوة للتغلب على جميع ما نصادفه من مشاكل.

منَ النكسةِ إلى السلامِ الخطابُ الدينيُّ المصريُّ المسيحيُّ العربيُّ الإنجيليُّ في حرب أكتوبر 1973م: مواقف وقضايا وملامح دراسة تحليليَّة

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

  • تتناول هذه الدراسة الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ؛ أي الكتابات العربيّة المسيحيّة الإنجيليّة التي ظهرت في الكنيسة الإنجيليّة بمصر عبر منابرها الإعلاميّة في فترة السادس من أكتوبر 1973م، وقبلها منذ عام يونيو 1967م، وبعدها وصولاً إلى اتفاقية كامب ديفيد 1978م. والأسئلة التي سوف تجيب عليها الدراسة: كيف كان الخطاب الدينيُّ وقت الحرب؟ وما هي القضايا التي ركَّز عليها؟ هل القضايا التي فجرتها قضايا الحرب انتهت بها أم ما زالت قائمة (أقصد هنا القضايا اللاهوتيّة والكتابيّة والسياسيّة)؟ ما هي ملامح الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في تلك الفترة المهمة؟

    والمنهج الذي اتبعته هو المنهج التحليليّ للخطاب الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ، وما احتواه من مضامين وقضايا وملامح، وما خطه من مواقف من سبعينيات القرن الماضي حتى الآن، ولا سيما بالتركيز على الدراسات التي نُشِرَت وقت الأحداث وما بعدها في هذا الصدد وحتى الآن. وبالطبع يُقرأ هذا في ضوء السياق المصريّ العربيّ العام والخطاب العام في تنوعاته المختلفة ثقافيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

    مواقف الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في وقت الحرب

    يحتوي الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ على مواقف ومحطات مهمَّة ركَّز عليها الخطاب الدينيّ من النكسة إلى السلام، في الآتي: الوضوح رغم صعوبة الموقف، ومع الأزمات والخوف يدعو الخطابُ إلى الطمأنينة، ثم تمت قراءته قراءة روحيّة شخصية مثل التركيز على خطورة الكبرياء، وكيف تكسب المعركة الروحيّة، والعبور الروحيّ الأعظم. والتأكيد على اللُّحمة الوطنية وسط الأزمة، أخيرًا النقد الشديد لدولة إسرائيل وسياساتها. هذه المواقف جميعها شكَّلت صورةً للحطاب المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في هذه الفترة الحساسة من تاريخ الوطن، وهي بالطبع جزء من الخطاب السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والدينيّ العام الذي تناول ذات الموضوعات بصور مختلفة وأساليب متنوعة.

    الموقف الأول: الوضوح رغم صعوبة الموقف

    من المعروف أنَّ الوعظ أو الخطاب الدينيّ بصورة إجمالية -بكافة صوره وأشكاله-فيه صعوبة وسط الأزمات، بل في وقت الحروب يكون أشد صعوبةً. كما أن البيانات والقرارات التي صدرت عن الطائفة -سنودس النيل الإنجيليّ-التي أشرت لها من قبل، خلقت تيارًا من الوعي، وجيَّشت الفكر ضد أعمال الحرب التي قامت بها إسرائيل في يونيو 1967، ففي شهر يونيو 67 كتب نجيب سليمان مقالاً عنوانه: “إسرائيل شعب تائه متمرد ليس له نصيب في المواعيد الإلهية“، (مجلة شمس البر، مايو ويونيو 1967م، ص 18-21).

     وبعد عام من هذا الحدث كتب القس سعيد بشاي مقالة بعنوان: “في ذكرى اغتصاب فلسطين إسرائيل دولة التضليل” (الهدى، مايو 68، العدد الخامس، السنة 58، ص 146-154). وكتب ألبرت فهيم مقالة بعنوان: “شعب الشيطان المحتال لا شعب الله المختار” (شمس البر، يوليو أغسطس 1968م، ص 6-7). من الملاحَظ أنَّ المفردات المستخدَمة في لغة الخطاب، وصفت العدوَّ بأوصاف قوية مثل: إسرائيل شعب تائه متمرد، دولة التضليل، شعب الشيطان المحتال. هذه المفردات تبين الموقف القوي ضد دولة إسرائيل والانحياز للقضايا المصيريّة والمصريّة الوطنيّة.

    الموقف الثاني: مع الأزمات خطاب يدعو للطمأنينة

    قبل حرب أكتوبر 1973 -وبعدها-تصدَّرَ المجلات المسيحيّة عددٌ كبيرٌ من رسائل الطمأنينة بصورة أو بأخرى، ونعرض هنا لمجموعة من الأفكار التي كُتبت في المجلات المسيحيّة الإنجيليّة. فمن المنبر الإنجيليّ كتب القس فريد منقريوس رسالة تحت عنوان “الطمأنينة”، وهو نص الخطاب الذي ألقاه في 18 نوفمبر 1973م في جمعية الشبان المسيحيّة بلغة أدبيّة قوية وبلاغة لغوية عالية المستوى، قال: نغمة عذبة شجية في جو مشحون بالضوضاء المزعجة، زهرة جميلة في وسط أشواك جارحة مؤذية. ابتسامة رقيقة ضاحكة على ثغر طفل بريء بين يدي أمه الحنون بينما يحيط بهم جو الاضطراب والعداوة والمجون. تلك هي الطمأنينة. لكن تلك النغمة لا تعزفها أوتارٌ أرضيةٌ بل قيثارة سماويةٌ، وتلك الزهرة لن تزرعها أيدٍ بشرية بل قوة إلهية. وتلك الابتسامة لا تخرج مُفتَعَلَةً بمشاعر بشريةٍ بل بعناية أبديةٍ. تلك هي الطمأنينة، طمأنينة العقل والقلب، تنزع من القلب حيرته وشكه وتردُّده، ومن القلب اضطرابه وقلقه وخوفه. الطمأنينة وما أجمل حديثنا عن الطمأنينة يجيء بعد حرب ضروس. بل وما أَلْيَقَ حديثنا عن الطمأنينة يجيء بعد نصر تاريخي فاخر، رفع عزة مصر حينما عبرت قواتُنا القنالَ عن فجر جديد، وحين تخطت حاجز برليف خطت إلى عصر مجيد، فبدأت بلادنا تاريخًا زاهرًا وبدت أمام العالم تستعيد مجدها القديم. (منقريوس، 46-47).

    فما أجمل الحديث عن الطمأنينة! لكن الطمأنينة الحقيقيَّة هي تلك التي ترتكز على أساس سليم قوي، فهناك طمأنينة أساسها الخيال. وهناك طمأنينة مفتعلة أساسها الجبن والهروب كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال. وهناك الطمأنينة المخدوعة التي تعتمد على الوعود الكاذبة والقوى المزعومة الضعيفة. وهناك الطمأنينة التي تعتمد على غرور الثقة النفسية الكاذبة. (منقريوس، 47).

    هو نفس ما ذهب إليه القس الدكتور غبريال رزق الله في دراسة له بعنوان: “طمأنينة أولاد الله”؛ حيث شرح مزمور 46، وبالرغم من أنه لم يُشِر إلى الحرب -لا من قريب أو بعيد-فإنه يقوم بقراءة انعكاسية على الواقع من خلال عمل الله المطمئِنِ في مزمور 46. يقول: إن كنا نسمع في المزمور صوت عجيج البحر وجيوش أمواجه، صوت زحزحة الأرض وسقوط جبالها. ولكننا نجد في موسيقاها محطات الراحة الدالة على السكينة والهدوء. ففي المزمور إحدى عشرة آية، وبحسب العبرية اثنتا عشرة آية، باعتبار العنوان آية، فهو من هذه الناحية ثلاثية، مؤلَّف من ثلاثة أجزاء في كل جزء منها أربع آيات تنتهي بلفظة سلاه التي تشير غالبًا إلى سكوت المرنمين مع استمرار الآلة الموسيقية. وفي هذا المزمور تدل على أنَّ للمرنمين قلبًا مطمئنًّا في وسط انقلابات بحر العالم المضطرب. (رزق الله، أجنحة النسور، 73، 10).

    الموقف الثالث: خطاب يؤكد على السلام لا الحرب

    في مقال “أجراس الميلاد تتكلم” للدكتور القس إبراهيم سعيد يقول: تقول أجراس الميلاد مع دقتها الأولى المستَخلَصة من عبر الماضي: إنَّ الكلمة العليا للسلام لا للحرب، وإنَّ الانتصارَ الختاميَّ للنور لا للظلام. نعم طغت الحربُ على العالم، ولكن كادت دورة الزمن تكتمل، حتى ألقت أسلحتها عند موطئ قدمي السلام. (سعيد، أجنحة النسور 73، 11). إنَّ العامل الأعظم في حَسْم النزاع القائم ليس في قوة السلاح، بل في قوة المحبَّة المضحِّية، وقد تنجح قوةُ السلاح في كسب الحرب، لكنها لن تفلح في كسب السِّلم ومعضلات السِّلم أعقد من معضلات الحرب. (سعيد، أجنحة النسور، 73، 13).

    وكتب القس صموئيل وهبي عظةً عنوانها: “السلام على الأرض أو على الأرض السلام” يقول: “لا بدَّ لنا أن نتذكر ابتداءً أن الحرب ليست من صنع الله بل هي من طبع البشر، وأنها مَثَلٌ صارخ لتحدِّي البشر لإرادة الله. إرادة الله السلام. فالله سبحانه يريد الحب والسلام لكن البشر يريدون الحرب والخصام”. (وهبي، ديسمبر 73، 15). فإما أن يتحقَّق السلامُ على الأرض أو قُل على الأرض السلام. (وهبي، ديسمبر، 15).

    الموقف الرابع: التأكيد على اللُّحمة الوطنيَّة وسط الأزمة

    الجدير بالذكر أنَّ الأزمات توحِّد الشعوبَ، وقد جاء على غلاف مجلة “شمس البر”، أكتوبر 1967م، السنة التاسعة عشرة، (صورة فوتوغرافية تضم قسوسًا وكهنة وشيوخًا)، وكُتِب تحتها: صورة التضامن والتماسك بين عناصر الأمة الواحدة من مسلمين ومسيحيين على اختلاف مذاهبهم في وحدةٍ متآلفة ضد العدو الصهيوني، وهم ينتقلون معًا بين المسجد والكنيسة ضارعين إلى الله أن يبعد شبح الاستعمار عن أراضينا. كان هذا المنظر مهمًّا للتأكيد على اللُّحمة المصرية والمجتمعيَّة والوحدة الوطنيَّة في مقابل العدو الغاشم.

    الموقف الخامس: النقد الواضح لدولة إسرائيل وسياساتها

    تناول المنبرُ الإنجيليُّ في تلك الفترة إسرائيلَ بالنقد الشديد، وأصبح الأمر مركزيًّا في الخطاب الدينيّ نرى أنَّ المنبر الإنجيليَّ يتناول إسرائيل ويصفها بأوصاف قاسية، والجدير بالذكر أنَّ ما حدث من إسرائيل المغتَصِبة جعل الناس يتناولون الحالة السلبيّة لإسرائيل الكتابيّة ويطبقونها على إسرائيل الحالية؛ فكتب منير إسحق في باب أفكار وعظية عن: بني إسرائيل، ووصفهم بالآتي: أعداء الله خروج 32: 35؛ يعبدون الأصنام 1مل 11: 26-40، 14: 1-16؛ خر 32: 4؛ قاتلي الأنبياء والرسل مت 23: 37؛ خبثاء ومتآمرين تك 37: 18-20، مت 26: 4-5؛ ليست لهم كلمة شرف خر 16: 27-28، لو 23: 1-6؛ خطاة مت 23: 28؛ خونة هو 1: 5، مت 26: 14-16، مر 14: 10-11؛ حقودين يو 11: 46-53؛ متذمرين 2مل 18: 10-11، لو 21: 24؛ طماعين خر 16: 19-20؛ أسرى 2أخ 13: 12-13؛ سافكي دماء مت 23: 35، تك 37: 22؛ لا يعرفون السلام خر 16: 2-3؛ غضب الله عليهم هو 1: 10، لو 19: 43، كرههم للمسيح وصلبه لو 14: 1، 23: 21؛ نظرة المسيح لهم مت 23: 13-37؛ نبوءة المسيح لهم لو 21: 20-24، مت 24: 1-31. (إسحق، 14). ونقل عن أخبار اليوم الآتي: مادام اليهود يزرعون النار فلن يحصدوا غير الرماد، وما داموا يزرعون القمح في الدم وينشدون السلام بالنار فلا أمل في أمن لهم على هذه الأرض. (أخبار اليوم، 27 أكتوبر 1973م).

    ثالثًا: قراءة روحيّة للحدث

    في محاولة لقراءة المشهد قراءة روحية أو روحنة المشهد-بمعنى كيف نستفيد من المشهد، رصدت ثلاثة دروس تناولها الخطاب الدينيّ الإنجيليّ المسيحيّ، وهي: الكبرياء، وكيف تكسب المعركة الروحيّة، والعبور الروحيّ الأعظم، والتأكيد على السلام الروحيّ.

    • الله يقاوم المستكبرين: لا يُغفَل أن الصحف الإنجيليّة تناولت الحرب من خلال مدلول روحي، فكتب القس إلياس مقار في مقال له تحت عنوان: “حرب 6 أكتوبر”: “ولعل ما ينبغي أن نتعلمه منها -أي من حرب 6 أكتوبر- هو أنَّ الله يقاوم المستكبرين أما المتواضعون فيعطيهم نعمة، إن نقطة الضعف نعمةٌ، إن نقطة الضعف القاتلة عند الإسرائيليين هي كبرياؤهم وتصورهم أنهم أكبر وأقوى وأعتى من أن يُقهَروا، وهي نفس الحماقة التي ارتكبها نبوخذنصر قديمًا عندما وقف فوق سور بابل ليتكلم بكبرياء وعجرفة، فحوَّله اللهُ القدير حيوانًا أصيب بالجنون… أيها الأصدقاء أرجو أن أحداث الوطن في هذه الأيام تعطي مجدًا لسيدنا وإلهنا، وخيرًا وفيرًا ومجيدًا لبلادنا”. (مقار، نوفمبر وديسمبر، 73).
    • كيف تكسب معركة الحياة الروحيّة: كانت عظة العدد التي كتبها القس حبيب حكيم للنسور تحت عنوان: “كيف تكسب المعركة!” بنى العظة على النص الكتابيّ في سفر (القضاة 7: 16-17)، ومن الماضي للحاضر ومن الحاضر للماضي، في رحلة ذهاب وعودة، تكلَّم عن كيف نكسب المعركة، والمعركة التي يقصدها هنا هي “معركة الحياة الروحيَّة بجملتها في وجه الطاغية الغاشم إبليس… ووضع العظة في فكرتين هما: مثالها، ومثلها، مثالها: جدعون. ومثلها: ضربوا الأبواق كسروا الجرار، أمسكوا المصابيح. كيف نكسب المعركة من خال المثال والمثل”. (حكيم، النسور، 11-14).
    • العبور الروحي الأعظم: بعد الحديث عن القيمة العسكرية والأدبية لحرب أكتوبر المجيدة -في المقال المشار إليه سابقًا العبور الأعظم- يتلكم مقار عن القيمة الروحيّة: “لكني أود أن أقول -إضافةً لهذا كلِّه- إن هناك عبورًا أعظم روحيًّا يعبره كل إنسان في هذه الحياة، وإن كان كل واحد منا يعبر يومًا دون توقف، حتى نقف أمام الله في يوم قريب أو بعيد، هذا هو العبور الأعظم للناس جميعًا، عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعًا، فإذا كانت الحياة لا يمكن أن تعود إلى وراء أو تتكرر، فإن مهمة كل واحد منا أن يعبر أمام الله في قصته الأرضية، نقيًّا، نبيلًا، شجاعًا، كريمًا، باذلاً مضحِّيًا، خادمًا… وليعلم الجميع أنه يوجد في الأبدية شيء أهم من أهم حوادث التاريخ، حين نقف جميعًا أمام كرسيِّ المسيح، ليعطي كلُّ واحد منا حسابًا عمَّا فعل بالجسد، خيرًا كان أم شرًا… فإما عبور إلى مجد أبدي، أو عبور إلى العار والازدراء الأبدي”. (مقار، نوفمبر وديسمبر، 1974م).
    • التأكيد على السلام الروحيّ: في عظته: “السلام على الأرض أو قل على الأرض السلام” يربط القس صموئيل وهبي بين السلام بعد الحرب بالسلام الداخلي لدى النفس بناءً على عمل المسيح، فيقول: “هذا السلام الذي يريده الله للناس سلام روحي يقوم أساسًا على التوبة عن الخطية والبراءة من عقدة الذنب، وذلك بالإيمان بيسوع المسيح بتجسُّده ومولده، وحياته البارة وموته الفدائي، وبقيامته وقيامه في السماء شافعًا مدافعًا مترافعًا عن المؤمنين، إلى جانب قيامه في قلوب المؤمنين المتجددين شافعًا فيهم بروحه القدس منشئًا فيهم حب السلام وإرادة السلام”. (وهبي، ديسمبر، 16).

     

    قضايا لاهوتيّة وكتابيّة ظهرت في الحروب مع إسرائيل من النكسة إلى السلام

    الحرب مع إسرائيل ولَّدَت مجموعةً من القضايا المهمة الجديرة بالتفكير والدراسة مثل: مفهوم دولة إسرائيل، والملك الألفي، والمجيء الثاني، وعلاقة الحروب بالكتاب المقدّس، وتناوُل النبوات الكتابيّة، والصهيونية المسيحيّة، واللاهوت العهديّ في مقابل اللاهوت التدبيريّ، وظهرت أيضًا قراءةٌ عربية لمفهوم القوة والسلام. وما أشير إليه هنا هو حجم الإنتاج في الدراسات التي صدرت في هذا الشأن ليبيِّن أن أولوية الخطاب الدينيّ المسيحيّ ليس فقط في المساندة الوطنيّة، ولكن أيضًا في دحض كافة المزاعم اليهوديّة المبنيَّة على أساسٍ من الكتاب المقدَّس، وإعطاء المعنى الصحيح لهذه القضايا والعقائد التي طَفَتْ على الساحة من جراء الحرب مع إسرائيل. والكتب والدراسات التي عالجت هذا الأمر متداخلةٌ ومتشابكةٌ معًا.

    القضية الأولى: الموقف من دولة إسرائيل

              من نكسة/هزيمة يونيو 1967م حتى اتفاقية كامب ديفيد 1978م والقضية التي شغلت الرأي العام الإنجيليّ في مصر والعالم العربيّ هو الموقف من دولة إسرائيل من الناحية الدينيّة والسياسيّة؛ فمن الناحية الوطنيَّة السياسيَّة، وقفت الكنيسة بجانب الدولة ودعمتها بكافة الطرق الممكنة، ومن الناحية الدينيّة، كان يجب توضيح الموقف من إسرائيل كدولة، وفي هذا الصدد صدرت كتابات كثيرة تنتقد ليس سياسة إسرائيل فقط بل ووجودها ككيان.

    • غبريال رزق الله، من هو إسرائيل؟ صدر في ثلاث طبعات، الأولى عن المطبعة الفنية الحديثة، عام 1971م، وتقع في 88 صفحة من القطع الصغير. الثانية صدرت عن مجلس الإعلام والنشر سنودس النيل الإنجيليّ 2014م، ويقع في 36 صفحة من القطع المتوسط، وقدَّم له أمير ثروت مقدمة عن غبريال رزق الله حياته وكتاباته وأسلوب كتاباته. الثالثة، صدرت مُلحَقةً مع مجلة النسور، طبعة إلكترونية، سبتمبر 2021م، تقديم أمير ثروت وتحرير عيد صلاح، وتقع في 27 صفحة من القطع الكبير. رغم صغر حجمه إلا أنَّ له أهمية خاصة جدًّا؛ تعود إلى تاريخ نشره الأول: في عام 1970م، حيث لم يكن هناك اتجاه تفسيريّ ولاهوتيّ واضح في الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر حول الإسخاتولوجيّ -الفكر اللاهوتيّ حول الأخرويّات- وخصوصًا المتعلق بوضع شعب إسرائيل في المجيء الثاني للمسيح. إلا أنَّ الكاتب قدَّم طرحًا مهمًّا في الفكر اللاهوتيّ الكتابيّ آنذاك حول هذا الموضوع؛ وقد كان كتابه هذا بمثابة الجزء الأول من سلسلة كان ينوي أن يستكمِلَها؛ حيث وضع بقية مباحث هذه السلسلة على الغلاف الخلفيّ للكتاب في طبعته الأولى. فالجزء الأول المنشور بين يديك الآن عزيزي القارئ عنوانه: لقب إسرائيل، أما بقية الأجزاء فعناوينها تباعًا: مملكة إسرائيل، ثم سقوط إسرائيل، ثم ملك إسرائيل. غير أنَّ الكاتب لم يكمل خطته البحثيّة. ولو تتبعنا منهجيّة الكاتب في هذا المبحث الأول من دراسته فسنجده قد ركَّز بحثه حول إسرائيل كلقب كتابيّ -وإنْ كان الكتاب كلّه عبارة عن مقال مطول بلا فواصل ولا عناوين فرعيّة- فتكلم عن الصيغة اللفظيّة للَّقب في أصله العبريّ، ثم تكلم عن الصيغة الرمزيّة للَّقب في الشريعة والنبوات. ويمكننا أن نضع عناوين فصلية للكتاب، كما قام محرِّر النصِّ، كالتالي: أولًا، إسرائيل ابني البكر؛ دراسة للنصِّ الكتابيِّ الوارد في سفر الخروج 4: 22. ثانيًا، نسل إبراهيم؛ دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في سفر التكوين 21: 12. ثالثًا، عبدي إسرائيل؛ دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في إشعياء 49: 3. (ثروت، 2021م، 2). ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ كتاب “مَنْ هو إسرائيل؟” قد تُرجِم إلى الإنجليزيّة عام 2000م. على يد الدكتور إسحق بولس، الذي نَشَر الكتاب على نفقته الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، كما قام بإيداع الكتاب في مكتبة الكونجرس الأمريكيّ. (ثروت، 2021م، 2).
    • مجموعة من المؤلفين، مفهوم إسرائيل في الكتاب المقدّس، صدر عن دار الثقافة بالقاهرة، 1971م، يقع الكتاب في 35 صفحة من القطع المتوسط. وهو مجموع لعدد المحاضرات التي قُدِّمت في مؤتمر التوعية بشأن معنى إسرائيل في الكتاب المقدّس أثناء انعقاد الدورة الثمانين لسنودس النيل الإنجيليّ، في اجتماع خاصٍّ يوم الأربعاء 31 مارس 1971م. ويحتوي الكتاب: “الكنيسة المسيحيّة إتمام للنبوات”، بشاي سعيد، ص 4-8، “أرض الميعاد”، نصيف طانيوس، ص 9-13، “نسل إبراهيم“، حبيب حكيم، ص 14-25، “مأساة فلسطين والضمير الروحيّ” صموئيل وهبي، ص 26-35.
    • كمال رمزي استينو، معنى إسرائيل في الكتاب المقدّس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م، ويقع الكتاب في 30 صفحة من القطع المتوسط. قدَّم كلٌّ من عبد الملك مهني، رئيس السنودس، وصموئيل حبيب، أمين عام السنودس، لهذا الكتاب بالقول: “إنَّ السنودس يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الاستعمار-بكل ألوانه- شرٌّ بغيضٌ لا يتفق مع رسالة المسيحيّة الحقيقيّة. كما أنَّ السنودس يدعو للحرية والديمقراطيّة والاشتراكيّة باعتبارها تعبيرًا عن المسيحيّة الصحيحة. وقد رأى السنودس بأن البعض قد أساءوا تفسير معنى “إسرائيل” في الكتاب المقدّس، لهذا أراد السنودس أن يقوم بدور توعية بالعقيدة الإنجيليّة الصحيحة بالتفسير الصحيح لكلمة “إسرائيل” في الكتاب المقدّس. وقد نشرت هذه العقيدة في كتب عقيدة الكنيسة الإنجيليّة منذ نشأتها بمصر، منذ 117عامًا. لهذا دعا السنودس إلى مؤتمر إنجيلي عام للتوعية بمعنى “إسرائيل” في الكتاب المقدّس. وقد قُدِّمت دراسات لاهوتيّة في هذا المؤتمر. (استينو، 1971م، 4).
    • بشاي سعيد، حقيقة إسرائيل عقيدة الكنيسة الإنجيليّة عن إسرائيل في الكتاب المقدّس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م. يقع الكتاب في 16 صفحة من القطع المتوسط.
    • برادلي واتكنز، هل دولة إسرائيل الحديثة تحقيق لنبوة كتابيّة؟ ترجمة عزرا مرجان. القاهرة: دار الثقافة، 1974م. يقع في 31 صفحة من القطع المتوسط.

    القضية الثانية: الملك الألفي

    هل يملك المسيح ألف سنة بصورة حرفيَّة؟ وهل هذه الفكرة لها علاقة بالفكر المسيحيّ؟ كيف نشأت؟ وما هي خطورة هذه العقيدة على الفكرة المسيحيّ؟ وقد تناولت الكتابات التالية هذا الموضوع بصورة واضحة.

    • إكرام لمعي، هل يملك المسيحُ على الأرض؟ القاهرة: دار الثقافة، 1997م. يقع الكتاب في 66 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على توضيح تفسير لمدرستين تتناولان هذه القضية، وعلامات المجيء وأحداثه، ثم الملك الألفي، والمعركة الأخيرة.
    • عزت شاكر، الملك الألفي. القاهرة: مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ، 2002م. وعن الكنيسة الإنجيليّة في مدينة نصر، 2006م. يقع الكتاب في 88 صفحة من القطع المتوسط. يرد على أسئلة: متى ظهرت عقيدة الملك الألفي. متى يقيَّد الشيطان؟ ما هو هدف ربط الشيطان؟ هل ستجتاز الكنيسةُ الضيقةَ العظيمةَ؟ هل هناك نبوات بإعادة بناء الهيكل؟ ما هي الأحداث الملازمة لمجي المسيح الثاني؟
    • عزيز توما، أين ومتى يملك المسيح؟ القاهرة: دار الثقافة، 2007م، يقع الكتاب في 190 صفحة من القطع المتوسط، ويجب على الأسئلة الآتية: هل سيملك المسيحُ على الأرض؟ أين سنكون نحن إذا حدث ذلك؟ هل الله سوف يتحيز لليهود في نهاية الزمان؟ ماذا يقول الكتاب المقدّس عن عقيدة الملك الألفي؟
    • جرجس جورج، جذور فكرة الملك الألفي. القاهرة: دار الفكر الإنجيليّ، د. ت. يقع الكتاب في 64 صفحة من القطع المتوسط، ويناقش جذور فكرة عقيدة الألف سنة، وهل كانت هذه العقيدة موجودة قبل المسيحيّة أم لا؟ وهل أشارت الديانة اليهوديّة لمثل هذه العقيدة؟ ثم يتحدث عن نظريات الملك الألفي في المسيحيّة.

    القضية الثالثة: المجيء الثاني للمسيح

    ما معنى المجيء الثاني للمسيح؟ وكيف نفهمه بصورة واضحة؟ وما هي علاماته؟ وكيفية مجيء المسيح؟ هذه القضايا تمت مناقشتها بصورة واضحة ومتسعة، في الكتابات التالية:

    • فايز فارس، مجيء المسيح ثانيةً، القاهرة: دار الثقافة- بالتعاون مع مجلس كنائس الشرق الأدنى 1969م، يقع في 64 صفحة من القطع المتوسط. وهو أولى الكتابات التي ظهرت بعد النكسة لكي توضح معنى المجيء الثاني للمسيح.
    • منيس عبد النور، مجيء المسيح وسوابقه التاريخيّة. القاهرة: الكنيسة الإنجيليّة بقصر الدوبارة، 1993م. يقع الكتاب في 96 صفحة من القطع المتوسط. والكتاب هو عَصْرَنة لما كتبه لما ورد في كتابين مهمين، هما: “القواعد السَّنِيَّة في تفسير الأسفار الإلهيّة” للقس جيمس أنس، 1880م، والكتاب الثاني: “نظام التعليم في علم اللاهوت القويم” لجيمس أنس، 1890م.
    • نصرالله زكريا، رؤيا معاصرة حول مجيء المسيح الثاني، يقع الكتاب في 104 صفحة من القطع الصغير، وقد كتبه ونشره المهندس نصرالله زكريا، طُبع في مطبعة الطلبة-خلوصي-القاهرة، وذلك إبان حرب الخليج الأولى في تسعينيات القرن العشرين وتحديدًا في عام 1991م، عندما اعتقد البعض أنَّ هذه الحرب هي مقدمة لنهاية العالم، ومجيء المسيح ثانيةً. يأتي هذا الكتاب في ثمانية فصول، تناول فيها الكاتب، يقينيّة المجيء الثاني للمسيح وأهميته كعقيدة في المسيحيّة، باختلاف طوائفها ومذاهبها، وكيف تطورت هذه العقيدة خلال عهدي الكتاب المقدّس، القديم والجديد، ولماذا تنال هذه العقيدةُ تحديدًا، أهميّةً في نهايات الأعوام والقرون، أو في الفترات التي تظهر فيها الحروب المؤثرة، كالحروب العالميّة، أو كما حدث في حرب الخليج؛ حيث طفت هذه العقيدة، وأخذت حيزًا كبيرًا في التعليم الدينيّ، ونشرات الأخبار ووسائط الميديا الحديثة. ويختتم الكاتب بتوضيح أهم الاختلافات اللاهوتيّة والفقهيّة حول هذه العقيدة.
    • مكرم نجيب، المجيء الثاني للمسيح. القاهرة: دار الثقافة، 1997م، يتكون الكتاب من 243 صفحة من القطع المتوسط، ويناقش قضايا مثل: هل هناك علاقة بين النبوات القديمة والسياسات المعاصرة؟ كيف نفسر النصوص النبويّة والرؤويّة؟ من هم شعب الله المختار؟ ما الموقف من دولة إسرائيل الحديثة؟ ما هي النظريات المختلفة للمجيء الثاني للمسيح؟ الألف سنة هل هي حقيقة أم أسطورة؟ ما هي الأحداث الأخيرة ونهاية العالم؟
    • استفانوس زكي استفانوس، المجيء الثاني والرجاء المبارك. القاهرة: مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ، 1999م. يتكون الكتاب من 40 صفحة من القطع المتوسط.
    • نصرالله زكريا، المجيء الثاني للمسيح بين الادعاءات الصهيونيّة والحقائق الدينيّة: هل من علاقة بين قيام دولة إسرائيل ومحاولات بناء الهيكل اليهوديّ وبين المجيء الثاني للمسيح. القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2003م. يقع الكتاب في 252 من القطع المتوسط. ويجاوب الكتاب على أسئلة كثيرة مثل: هل صحيح ما يتردد عن أن شعب اليهود هم شعب الله المختار؟ ثم يتحدث عن المسيحيّة الصهيونيّة والأصوليّة الإنجيليّة وموقف الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة من قضية إسرائيل.
    • مكرم نجيب، قراءة عربيَّة للمجيء الثاني للمسيح: المزاعم الصهيونيَّة لنهاية التاريخ. القاهرة: دار الثقافة، 2002م، يقع الكتاب في 136 صفحة من القطع الكبير. يناقش الكتاب العقيدة المتعلقة بمجيء المسيحيّ الثاني وماذا يعني ذلك؟ وما هو يوم الرب؟ وماذا يعني حكم الألف سنة؟ وهل هو مرتبط بنهاية التاريخ؟ هذه قضايا تبناها مفكرون لاهوتيّون في زمن سابق من وجهات نظر مختلفة مما شجع بعض الفرق المسيحيّة لتبني هذه القضايا بأسس مختلفة عن الأخرى، ومما شجعها على ذلك تطور الأحداث مثل الحروب الدوليّة والإقليميّة في الشرق الأوسط وظهور دولة إسرائيل كدولة في منتصف القرن العشرين، مما جدد المحاولات في هذا الشأن. هذا الكتاب يناقش هذه القضية من خلال كلمة الله في دراسة لاهوتيّة متعمقة شاملة. مناديًا بوحدة المؤمنين المبنية على المحبة.
    • إكرام لمعي، هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح الثاني؟ القاهرة: دار الثقافة، 1990م، يقع الكتاب في 16 صفحة من القطع المتوسط. يناقش الكتاب عقيدة الملك الألفي للمسيح، ومعركة هرمجدون، والأبعاد اللاهوتيّة والأخلاقيّة والسياسيّة لترويج هذا الفكر.
    • أديب نجيب سلامة، موقف اليمين المسيحيّ والكنائس الأمريكية من قضايا الشرق الأوسط. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات والإستراتيجية. 2002م. يقع الكتاب في 38 صفحة من القطع الكبير.

    القضية الرابعة: علاقة الحروب بنبوات الكتاب المقدّس

    فهم النصوص الكتابيّة الخاطئ يزداد وسط الأزمات كالحروب ويربط الناس بين نصوص بعينها من الكتاب المقدّس وبين ما يحدث من حروب، وقد ظهرت بعض الكتابات والدراسات التي تعالج هذا الأمر بصورة واضحة في الكتابات التالية:

    • فايز فارس، حرب الخليج ونهاية العالم. نُشر في طبعتين: الأولى، القاهرة: دار الثقافة، 1991م، وتقع في 55 صفحة من القطع المتوسط، والثانية، ملحق النسور، مايو 2022م، تحرير وتقديم عيد صلاح، ويقع في 24 صفحة من القطع الكبير. في هذه العظات الثلاث تحت عنوان: “حرب الخليج ونهاية العالم” يقدم فارس نظرة موضوعية لعلاقة الحرب بالنبوات في الكتاب المقدّس، والعظات الثلاث: الأولى هي “أزمة الخليج ونبوات انتهاء العالم”، يناقش فيها موضوع علاقة حرب الخليج وأية حروب بالأيام الأخيرة، وموضوع تحديد الأوقات والأزمنة وواجب الاستعداد الدائم ثم المسؤوليّة الحاضرة. الثانية تحت عنوان: “صور من انهيار الأمان التي تُبنى على ثلاث أمور، وهي: الطمأنينة الباطلة، الحكمة المضللة، الأنانية القاتلة”. الثالثة تحت عنوان: “ملكوت الله وحركة التاريخ”، يتحدث فيها عن أمرين هما: ملكوت الله في التاريخ الإنسانيّ، ودور أبناء الله في التاريخ الإنسانيّ. وكانت هذه العظات بأفكارها ردًّا على ما قيل في ذلك الوقت عن نهاية العالم نتيجةً لحرب الخليج.
    • وقد خصَّصَت النسور في عدد مايو 2022م أيضًا ملفًّا كاملاً (ص 22-93) عن الحروب، ضمَّ عددًا من الدراسات حول الموضوع من زوايا متعددة، وهي: لماذا الحروب؟ القس فيكتور عطالله، ص 22-25. “حروب العهد القديم” أ. ديفيد ويصا، ص 26-41. “الحروب والأوبئة وعلامات نهاية الزمان ومجيء المسيح ثانية” د. ق عاطف مهني، ص 42-51. “الأخلاق والحرب” د. ق. هاني يوسف حنا، ص 52-57. “الحرب العادلة” القس جوهر عزمي، ص 58-65. “الفكر اللاهوتيّ ومآسي الحروب: ديتريش بنهوفر أنموذجًا” د. ق. موريس أمين، 66-77. “قِرَاءة فِي فِكر هيرمان باڤينك عَنِ الحَربِ والمسيحيّة” أ. مينا عبد الله أنيس، ص 78-84. قراء نقدية في فيلم Hacksaw Ridge، ق. بيتر وديع، ص 78-87. “أكثرها تأثيرًا وتدميرًا الجيل الرابع والخامس.. حروب المعلومات الافتراضية!” الأستاذ هاني لبيب، ص 88-93. ثم ضم ملحقُ العدد كتاب “حرب الخليج ونهاية العالم“، د. ق. فايز فارس، تحرير وتقديم ق. عيد صلاح.

    القضية الخامسة: قضايا الإسخاتولوجيّ

    عِلم الأخرويات (الإسخاتولوجيّ) مرتبطٌ بفهم الحاضر والمستقبل أيضًا. والمفاهيم المستقبليّة بالطبع تؤثر سلبًا أو إيجابًا على الواقع الحالي:

    • ج. أ. وليامسون. دراسة الأخرويات بحسب العهد الجديد. ترجمة بخيت متى، مراجعة عبد المسيح استفانوس. القاهرة: الرابطة الإنجيليّة في الشرق الأوسط، 1999. يقع الكتاب في 60 صفحة من القطع المتوسط.
    • واستكمالاً لهذه المسيرة اللاهوتيّة الفكريّة المنضبطة والواضحة خصَّصت مجلة النسور في سبتمبر 2021م، ص 36-119، ملفًّا كاملاً عن “الإسخاتولوجيّ”، احتوى الملف على تسع دراسات، وهي: “كيف نفهم النصوص الرؤيّة“، محسن نعيم، ص 36-47؛ “سفر الرؤيا“، كرم لمعي، ص 48-56؛ “علامات الأزمنة ونهاية التاريخ“، محسن منير، ص 57-66؛ “نعم نؤمن بالاختطاف“، حمدي سعد، ص 67-72. “جوج من أرض ماجوج العدو القادم من الشمال“، جميل فوزي، ص 73-83؛ “حديث خرافة فكرة الملك الألفي“، جرجس جورج، ص 84-93؛ “الهيكل في الفكر التدبيريّ“، إسحق وليم، 94-100؛ “العهود والتدابير بين الفكر العهديّ والتدبيريّ“، بيتر عادل وديع، 101-109؛ “الرجاء الأخروي بين الإيمان والهروب من الواقع“، ديفيد فيكتور، ص 110-119.

    القضية السابعة: علاقة الكنيسة بالنبوات

    فهم النبوات أمرٌ في غاية الأهمية، فيكون الحديث عن ملكوت الله وكيف نفهمه ونحياه فكرًا وسلوكًا، وفهم الكنيسة في النبوات أمرٌ في غاية الأهمية أيضًا، وهل قصد الله هو الكنيسة أم الأمة اليهوديّة؟ وهناك فارق كبير بين الفهمين، والكتابات التالية عالجت هذه الأمور بصورة واضحة:

    • فهيم عزيز، ملكوت الله. صدر عن دار الثقافة في ثلاث طبعات: الأولى 1970م، والثانية 1988م، والثالثة 2020م. يتحدث فيه عن معنى ومفهوم ملكوت الله، وتاريخه من خلال عصر الاستعداد، الإعلان، والنهاية. ثم الرعية والعضوية والانتساب في ملكوت الله من خلال العضوية وكيفيتها وحالتها وسلوكها. ويركِّز في هذه الدراسة عن مركزيّة الكنيسة في الكلمة المقدّسة وأنها حلت محل إسرائيل في العهد القديم.
    • حمدي سعد، أشهر النبوات. دار الثقافة: القاهرة، 1998م. يقع الكتاب في 188 صفحة من القطع المتوسط، ويتناول الكتاب النصوص النبوية في العهدين القديم والجديد، التي تتكلم عن المستقبل، ويشرح المدارس المختلفة في تفسير النبوات معتمدًا على كلمة الله.
    • حمدي سعد، الكنيسة في النبوات. القاهرة: دار الثقافة، 2016م، يقع الكتاب في 108 صفحة من القطع الصغير. ويناقش الكتاب عددًا من الموضوعات مثل: هل سيحكم المسيح ألف سنة؟ هل يسوع هو مركز نبوات العهد القديم، ولا تفسير لها إلا في المسيح؟ هل تحدَّث العهد القديم عن الكنيسة؟ ما هي السبع الكنائس الواردة في سفر الرؤيا؟ هل الكنيسة مجرد “تدبير” بمثابة جملة اعتراضية في البرنامج النبوي الإلهي لإسرائيل؟
    • رالف إدوارد وودر، الاختطاف السريّ هل هو حقيقة كتابيّة. ترجمة حمدي سعد. القاهرة: الرابطة الإنجيليّة في الشرق الأوسط، 2000م. يقع الكتاب في 90 صفحة من القطع المتوسط.

    القضية الثامنة: نقد الصهيونية المسيحيّة

    مصطلح الصهيونية المسيحيّة ارتبط بالمسيحيّة مؤخرًا، وقد فندت هذه الكتابات مفهوم الصهيونية المسيحيّة، هل تم الاختراق الصهيوني للمسيحية؟ وكيف واجه الفكر المسيحيُّ الإنجيليُّ هذا الأمر؟ في الكتابات الآتية نجد الصورة الصحيحة عن هذا الفكر:

    • إكرام لمعي، الاختراق الصهيونيّ للمسيحيّة. القاهرة: دار الشروق، 1991م. يقع الكتاب في 213 صفحة من القطع المتوسط.
    • مكرم نجيب وعبد الوهاب المسيري، الإنجيليّون العرب والصهيونيّة. القاهرة: دار الثقافة، 2001م، يقع الكتاب في 56 صفحة من القطع المتوسط. يقوم الكتاب بنقد المزاعم حول دولة إسرائيل وربطها بالكتاب المقدّس. وهي محاضرات ألقاها عبد الوهاب المسيري الكاتب المتخصص في الدراسات اليهوديّة والصهيونية، ومكرم نجيب الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيليّة بمصر الجديدة.
    • محسن نعيم، الكتاب المقدّس والصهيونية. دمشق: المؤلف، 2010م، يقع الكتاب في 39 صفحة من القطع المتوسط، ويجيب الكتاب على مجموعة من الأسئلة مثل: هل من علاقة بين الكتاب المقدّس والصهيونيّة؟ هل هناك مسيحيّة صهيونيّة؟ ما معنى الوعد بالأرض ملكًا أبديًّا لإسرائيل؟ ما هو موقف السيد المسيح من قضية الأرض؟ هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح ثانية؟ من منظور الكتاب المقدّس هل سيُعاد الهيكل؟ ولماذا؟
    • رفيق إبراهيم، المسيحيّة الصهيونية. القاهرة: دار الثقافة، 2023م. يقع الكتاب في 134 صفحة ويجيب على الأسئلة الآتية: من هي إسرائيل الحالية وهل لا يزال الإسرائيليون الحاليون هم شعب الله المختار؟ إلى ماذا يشير مصلح الصهيونية المسيحيّة، وعلى أي أساس لاهوتيّ أو كتابي يبني مناصرو هذ الحركة معتقداتهم؟

    القضية التاسعة: التأكيد على لاهوت العهد في مقابل الفكر التدبيريّ

    ظهر اتجاه التفكير العهديّ في مقابل الفكر التدبيريّ، والاتجاهان مختلفان، الفكر التدبيريّ يدعم الأمة اليهوديّة في مقابل الفكر العهديّ يدعم الكنيسة من مفهوم لاهوت العهد بحسب كلمة الله في العهديّن القديم والجديد، والتفكير اللاهوتيّ عن العهد يعتبر ركنًا أساسيًّا في اللاهوت الإنجيليّ المصلح. ويقترب الكاتب منه من عدة زوايا فيكتب عن الزاوية الكتابيّة واللاهوتيّة والعمليّة. وبهذا الكتاب يعيدنا الكاتب إلى بوصلة التفكير اللاهوتيّ الإنجيليّ المصلح الصحيح في تمايز واضح مع الفكر التدبيريّ.

    • أفرايم معزوز، العهد الأبديّ، وصَدَر عن المؤلف سنة 2021، ويقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط، ويُقسَّم إلى أربعة فصول:
    • الفصل الأول وهو تمهيد، ويبدأ فيه الكاتب بشرح حقيقة العهد الأبديّ باعتباره نخاع الكتاب المقدّس، وأهم موضوعات لاهوت الكتاب المقدّس، والخلفية التاريخيّة للعهد في العهود القديمة (أطراف العهد، الوثيقة، القسم، شروط العهد، الجزاءات، الاختام والوعود، طقس العهد)، وتعريف العهد والمفاهيم الكتابيّة للعهد، والمصطلحات الكتابيّة للكلمة، والطقوس العهديّة في الشرق القديم وفي كلمة الله، وطبيعة العهد، وأطراف العهد، والشروط، والنتائج، والضمان، ويشرح الكاتب بعد ذلك الإعلان الإلهيّ والعهد، والله الثالوث والعهد.
    • الفصل الثاني: العهود الكتابيّة، يبدأ الكاتب بالكلام عن العهد النوحي، وهو أول عهد يذكره الكتاب المقدّس بوضوح، فيه منح الله للإنسان نِعَمًا غير مُستَحَقَّة، وبركات طبيعية زمنية، كما أنه عهد غير مشروط للحفاظ على جميع البشر، وقد صاحب هذا العهد انتظام فصول السنة. والعهد الإبراهيميّ، الذي أقامه الله مع إبراهيم، ووعدان تم تأسّيسهما: تضاعُف نسل إبراهيم، وميراث أرض الموعد، وقد تم تحقيقهم بالأدلة الكتابيّة، وبعد ذلك طقس قطع العهد مع إبراهيم، ووعود الله له بالنعمة، وليس على أساس استحقاق إبراهيم، وعلامة العهد الإبراهيميّ وهي الختان الجسدي، ويتكلّم الكاتب بعد ذلك عن العهد السينائيّ (الموسويّ)، بركات حفظ العهد، وناموس موسي، والعهد السينائي المؤكد بالدم مثل العهد الإبراهيميّ، وقصد الله من هذا العهد أنه تجديد للعهد الإبراهيميّ، وقصد الله من الناموس كشف شر الإنسان، وليس لتبرير الحياة بالناموس، ولكن يتطلّب الناموس اعتراف الإنسان بعجزه وفشله واتضاعه، فيطلب رحمة الله ونعمته، بمعونة روحه القدوس. والعهد الداودي بعد ذلك، الذي هو وثيق الصلة بالعهد السينائيّ، وثبات رحمة الله لداود ونسله بسبب مواعيد الله، والكلام عن المسيح الملِك رسول العهد، ثم يشرح الكاتبُ العهدَ الجديد وربَّنا يسوع المسيح ذبيحة العهد وجوهره، وفي العهد الجديد، بصليب المسيح تمَّت بركة نسل إبراهيم الروحيّ (المؤمنين)، وأُزِيلت لعنة الناموس بصليب المسيح في العهد السينائيّ، وتحقّق الوعد الداوديّ وصار المسيح الملِك الداوديّ على العرش الأبديّ الذي فيه انتهت كل رموز العهد القديم، والمسيح الوسيط والموصي والمرموز إليه. والكلام بعد ذلك عن الفرائض الكتابيّة للعهد الجديد، وموضوع معمودية الأطفال.
    • الفصل الثالث: العهود اللاهوتيّة، لا يتكلم الكتاب المقدّس عنها إلا ضمنيًّا، لكن كافة عناصر العهود اللاهوتيّة موجودة وهي أولًا: عهد الفداء: يتكلم الكاتب عن الخلق والفداء كعمل الثالوث القدوس، والمسيح الغصن في العهد القديم، ووظيفتَيِ المسيح الملكية والكهنوتية في سفر زكريا (زك 3: 12، 13)، والمسيح في العهد الجديد كمتمِّمٍ لهذه النبوة، والكلام بعد ذلك عن أطراف وشروط وهدف عهد الفداء، ويتطرّق الكاتب بعد ذلك للكلام عن خصائص عهد الفداء (الأزليّة، الحرية السياديّة، الرحمة، النعمة، الثبات)، والوظيفة الثلاثية للمسيح (النبي، الكاهن، الملِك). ثانيًا: عهد الأعمال، وفي هذا العهد الذي بدأ في جنة عدن، قدَّم الله اتفاقًا مُلزِمًا يُحدّد شرط العهد بين الله والإنسان، ويعطي بركة الطاعة ولعنة العصيان، وقد كانت الحياة الأبديّة مُجرّد دين مرتبط بشرط طاعة آدم، وفي استمراره في طاعة الله له حق الحياة الأبديّة، وإذا فقد شرط الطاعة وعصي الله، فقد الحياة الأبديّة، وإن عهد الأعمال مازال ساريًا على كل كائن بشري من نسل آدم، ومنفصل عن المسيح، ويكشف وجود الطبيعة الخاطئة التي وُلدنا بها، ويتكلّم الكاتب بعد ذلك عن ناموس الضمير من آدم لموسى، وكيف كان يعمل في قلوب جميع البشر قبل نزول ناموس موسى المكتوب، ويتكلّم بعد ذلك عن ناموس موسى الذي زيد بسبب التعديات ليكشف غضب الله على الخطية والتعدِّي، وأيضًا طبيعة الفساد الموروث من آدم إلى نسل إبراهيم الجسديّ، وإنهم منتهكو العهد، وتحت غضب الله. وعهد الأعمال من آدم لآخر الزمان، الذي يكشف أن كل إنسان مولود (يهوديّ أو أمميّ) من نسل آدم هو بالطبيعة تحت عهد الأعمال منذ ولادته، ومُدان في صُلْب أبيه آدم الأول الذي كَسَر عهد الأعمال، ومُتحد به في عهد الناموس، والجميع انتظروا الشخص الوحيد الذي أرضى الله في عهد الأعمال، والذي لم يفعل شيئًا يبطل به فضيلة ذلك العهد أمام الله. وأيضًا يتكلّم الكاتب عن إسرائيل نسل إبراهيم الجسدي في ظل عهد الأعمال، وموقفه الروحيّ أمام الله الذي تميّز بالعصيان المستمر، كما قال عنهم استفانوس في عظته الخالدة: “يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ!‏ أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ،‏ الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلاَئِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ”.‏ (أع 7: 51، 53). ثالثًا: عهد النعمة، وفي هذا الجزء يتحدّث الكاتب عن عهود الكتاب المقدّس التي قدّم الله فيها نعمته، ولكن قبل هذا يبدأ بالكلام عن أزلية عهد النعمة، وأطراف العهد وهما الله والمسيح كممثّل شعبه، والبشر الذين اختارهم الله أزلًا، دخلوا في مظلة هذا العهد في زمان وجودهم على الأرض، والمسيح وسيط عهد النعمة، وكيفية نوال عهد النعمة، ووعد العهد الذي هو أساس العهد، وأولاد الموعد وهم المؤمنون الحقيقيون من كل الشعوب، ويبدأ الكاتب بالكلام عن عهد النعمة الآدمي ونعمة الله بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية، وعهد النعمة النوحي وهو عهد نعمة غير مشروط للحفاظ على جميع البشر، وعهد النعمة الإبراهيميّ الذي حقّق الله فيه نمو نسل إسرائيل وإعطاءه الأرض التي وعد آباءهم بها (نح 9: 7، 8) (2أخ 9: 26)، والقصد من هذا هو التطلّع لأورشليم السماويّة والعلاقة الأبديّة مع الله (عب 11: 9، 10، 16)، وبركة وجود نسل إبراهيم الروحيّ من اليهود والأمم في المسيح يسوع (غل 3: 29)، والرب يسوع المسيح نسل إبراهيم الذي هو جوهر الوعد، وختان القلب بالروح في العهدين القديم والجديد، ويتكلّم الكاتب بعد ذلك عن عهد النعمة السينائي الذي فيه قدّم الله الناموس ليجعل إسرائيل يدركون حقيقة خطاياهم ويرون حاجتهم إلى مُخلّص، وأن الناموس لا يبرّر أو يعطي خلاصًا، ولكن يعلن نظام البر الأخلاقيّ الكامل، لنتعلّم منه إرادة الله، ونرى شخصية مخلصنا فيه، فنلجأ دائمًا للمسيح، ونخضع لإرادته بحرية وسرور بعمل روحه القدوس. وأيضًا نعمة غفران الله على أساس كفارة المسيح في كل العهد القديم، وبعد ذلك عهد النعمة الداودي، ومسيح الجلجثة الملِك المنتصر، ونعمة العهد الجديد الممتدّ لجميع الأمم، الذي بلغ ذروة إعلانه في ملء نعمة المسيح، وموت الموصي الذي فعَّل الوصية، وجعلها نافذة المفعول، ودم العهد الأبديّ، والنعمة والاختيار الإلهيّ، والنعمة والخلاص، والنعمة والتبرير.
    • الفصل الرابع: مقتطفات حول العهد الأبديّ، ويتكلّم الكاتب فيه عن أهمية لاهوت العهد روحيًّا، وتاريخيًّا، ثم هاجر وسارة رمز العهدان (الأعمال والنعمة)، وإسرائيل والكنيسة والفرق بينهما في اللاهوت المُصلح، وأخيرًا الفرق بين العهد والتدبير.
    • يختتم الكاتب كتابه بخلاصةٍ وخاتمةٍ وهدفٍ للكتاب يوضّح فيه القصد من كتابه، وهو إعلان وحدة العهد الذي يكشف وحدة قصد الله، وكلمته وعهده وكفارته ومختاريه بصورة أوضح وأكمل. (يمكن الرجوع إلى عيد صلاح، القسّ فيليب معزوز: مسيرة رعويّة ولاهوتيّة، الإنترنت).
    • حمدي سعد، لاهوت العهد: كيف تقرأ القصَّة الكتابيّة وتاريخ الفداء؟ القاهرة: دار جلوري للنشر 2022م يُناقش هذا الكتاب ماهية وأهمية لاهوت العهد، ويعرض إلى القراءة العهديّة في إقرار إيمان وستمنستر، ثم يقدم قراءة للكتاب المقدّس من خلال العهود الإلهيّة، ويقسمها إلى: عهد الفداء، عهد الأعمال، عهد النِّعمة مع نوح وإبراهيم وموسى وداود، ثم يعرض إلى العهد الجديد في الأناجيل وكتابات بولس الرَّسول ويوحنا الرَّسول، وفي الأخير يختتم الكاتب حديثه بمقارنة بين لاهوت العهد واللاهوت التدبيريّ، كما يفرد حديثًا للقراءة العهديّة لفريضتي الكنيسة المُصْلَحَة.
    • لاهوت العهد” وهو ملف عدد مجلَّة أغصان الكرمة العدد السَّابع عشر، تصدر عن لجنة الإعلام والنَّشر في مجمع مشيخة المنيا الإنجيليّ، العدد السَّابع عشر، يوليو/أغسطس 2023م. وشمل المقالات والدراسات الآتية: ق. القس مدحت موريس، عهديّ أم تدبيريّ؟ قراءة مقارنة بين أبرز الاختلافات بين اللاهوت العهديّ واللّاهوت التدبيريّ. ق. جرجس چورچ، المفهوم الكتابيّ للعَهد. يقدم الكاتب شرحًا لماهية العهد في الفكر الكتابيّ. ق. رفيق إبراهيم، لاهوت العهد وتطبيقات حياتيّة. يبين المقال كيف يختلف لاهوت العهد والّلاهوت التدبيريّ كنظامين لاهوتيّين في وجهات نظرهما عن التاريخ، والكنيسة، ووعود الله لإسرائيل. ويبين أهمية تعليم لاهوت العهد لإنشاء مناخ متوازن في قراءة الكتاب المقدّس في ظل القضايا المعاصرة. ق. حمدي سعد، اللّاهوت العهديّ وإقرار إيمان وستمنستر. يقدم الكاتب في هذا المقال مقدمة تاريخيّة عن إقرار إيمان وستمنستر، ثم يعرض إلى دور اللّاهوت العهديّ في تشكيل مواد الإقرار. ق. نصر الله زكريّا، “الفريضتان واللاهوت العهديّ”، يقدم الكاتب سردًا للعهود الكتابيّة، ثم قراءة للدور العهديّ في تأسيس العقيدة المُصْلَحة في الفرائض. د. مارك عبد المسيح، لماذا تحتاج لفهم عهد الأعمال؟ يقدم الكاتب قراءةً مركَّزةً على عهد الأعمال، ويوضح كيف تفيدنا هذه القراءة في قراءة بقيَّة العهود، لا سيما عهد النِّعمة. ق. سهيل سعود، بولينغر لاهوتيّ العهد بامتياز. يستعرض الكاتب قراءة تاريخية تحليليَّة لسيرة حياة اللاهوتيّ المُصْلَح هنري بولينغر الشهير بلاهوتيّ العهد، مستعرضًا كيف أثر اللاهوت العهديّ في حياته وأعماله. د.ق. يوحنَّا كتناشو، العهد مع موسى. يتناول الكاتب العهد الموسويّ ليس بوصفه شرائع وقوانين فحسب، بل يقرأ فيه دور الإيمان في الصراع السياسيّ وبناء مجتمع عادل. وتحرير الشعوب من عبوديّة الاستبداد السياسيّ، وإنصاف المظلومين وردع الشر الاجتماعيّ. أ. مينا عبد الله، قراءة نقديَّة في كتاب: لاهوت العهد – مايكل هورتون. د. شريف عاطف، عهد الفداء. يتناول الكاتب عهد الفداء، والأدلة الكتابيّة عليه، ودور الأقانيم في عهد الفداء. ق. كرم لمعي، لاهوت العهد. قراءة في ماهيّة لاهوت العهد وأهميَّة ومحوريَّة هذا اللاهوت. م. چورچ إسحق، العهديّة التَّدرُّجيَّة: محاولة توفيقيَّة، أم أطروحة تجديديَّة؟ يناقش فيها الكاتب أطروحة العهديّة التَّدرُّجيَّة، ماذا قدَّمت، وهل هي أطروحة لاهوتيّة مُجدِّدة أم أنها مجرد محاولة توفيقيَّة بين اللاهوت العهديّ واللاهوت التدبيريّ؟ وهل أصابت هذه المحاولة؟

     القضية العاشرة: رؤية مسيحية عربيّة للسلام

    قدَّم الطيب الذكر د. ق. مكرم نجيب في كتابه: الفكر اللاهوتيّ للقوة رؤية مسيحيّة عربيّة للحرب والسلام (القاهرة: دار الثقافة، 2003م)، الذي يقع الكتاب في 38 صفحة رؤية لاهوتيّة للقوة من خلال رؤية مسيحيّة عربيّة للحرب والسلام، ويجيب فيه على الأسئلة الآتية: ما المقصود بالقوة؟ هل هناك علاقة بين القوة والسلطة والعنف؟ هل القوة أو السلطة في ذاتها صالحة أم شريرة؟ متى تتحول القوة والسلطة إلى طغيان؟ هل يوجد مكان الآن لفكرة المستبد العادل؟ ما هو مفهوم الحرب العادلة؟ متى وكيف ترتدي القوة أو السلطة عباءة الدين؟ ما هو فكرنا الكتابيّ واللاهوتيّ الذي يحدد رؤيتنا؟ وهذه الرؤية تحتاج إلى التوسع فيها من خلال الكتابة عنها لأننا في أمسِّ الاحتياج إليها في عالمنا العربيّ.

    ومن خلال ما سبق يتضح لنا أنَّ التاريخ المسيحيّ الإنجيليّ المشيخيّ في مصر والعالم وقف ضد دولة إسرائيل، وفي دراسةٍ لأديب نجيب سلامة صدرت عن مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة، يقول: “موقف الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة يُعَدُّ من أقوى المواقف في مواجهة التيار اليمينيّ الدينيّ الأمريكيّ.” (نجيب، 2003، 1).

    ملامح الخطاب الدينيّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في زمن الحرب والسلام:

    من خلال قراءتنا لخطابات ووعظات وبيانات ودراسات هذه الفترة وما تلاها نجد بعضَ الملامح التي ميَّزت وشكَّلت الخطاب الدينيّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ وهو: خطاب واقعي يبتعد عن الغيبيّات وتغييب العقل، خطاب متوازن يربط بين دور الله ودور الإنسان، خطاب يدعو إلى السلام والعدالة والمصالحة، خطاب يحترم السياق والقرينة المعاصرة والكتابيّة، خطاب يدعو إلى السلام والعدالة والمصالحة، خطاب وطني قادر على توجيه النقد للدول الكبرى، خطاب يربط بين الصلاة والدعاء إلى الله وفي نفس الوقت مناصرة المأزومين من جراء العدوان، خطاب مسؤول يقدِّر حجم الأزمة بكل تداعياتها.  

    أولًا: خطابٌ واقعيٌّ بعيدٌ عن الغيبيات وتغييب العقل

    في الأزمات يُشَلُّ التفكير ويغيب العقل أحيانًا، وتنتشر الخرافات بعض الوقت، لكن الخطاب الإنجيليّ في تلك الفترة لم ينحاز لهذا التوجه بل دعم التفكير العقليّ والإستراتيجيّ. والتفكير الذي يدعو إلى تحمل المسؤوليّة في ظل الظروف الصعبة، وأنَّ المعجزة الحقيقية هي في التخطيط والاتقان والواقعيّة وليس في الغيبيّات والدروشة.

    ثانيًا: خطاب متوازن يربط بين دور الله ودور الإنسان

    شهد الخطاب الصادر عن الكنيسة الإنجيليّة بمصر في بيانات، أو قرارات، أو مقالات، أو عظات عن خطاب متوازن بعيد عن الشطط والدروشة أو الغيبيات، ويربط بين دور الإنسان ودور الله، فالعمل العسكريّ عمل إنسانيّ بحت مبني على خطط وإمكانيات ومعدات بشرية، والله ضد الظلم والإثم والعدوان ومع إقرار السلام الشامل والكامل في المنطقة العربية.

    ثالثًا: خطاب يدعو إلى السلام والعدالة والمصالحة

    وسط الأزمة يكون الخطاب انتقاميًّا عدوانيًّا حادًّا لكنَّ الرسالة التي حملتها الكنيسة هي رسالة المصالحة والسلام والعدالة. فأكدت على رسالة السلام، وإقرار العدالة، وتحقيق المصالحة. وهذا ما أكدت عليه الكنيسة في خطابها وبياناتها والقرارات التي صدرت عنها أنها دائمًا بجانب السلام وبجانب الوطن وضد العدوان بصُوَرِه المختلفة. هكذا عبَّر القس طانيوس زخاري عن موقف الكنيسة الإنجيلية في مصر: “أن الكنيسة يجب أن تؤكد باستمرار أن فهمها للمصالحة يقوم على أساس السلام والعدالة والحرية بين الشعوب. وأن شهادة الكنيسة يجب أن تهدف إلى تحطيم الحواجز التي تفصل الناس عن بعضهم. وهذه طعنة في صدر إسرائيل التي تنادي بالعزلة وتمنع الفلسطينيين من العودة إلى بلدهم وبيوتهم التي سُلِبت ظلمًا. تؤكد الكنيسة على أن العدالة هي أساس المصالحة ولبها، فإن كان لا بد من مصالحة في الشرق الأوسط، فالمصالحة تتطلب تصحيح الأخطاء، ورد المسلوب، وتعويض المظلوم، وإعادة الشرف والكرامة والعزة لمن سُلِبت منهم. (زخاري، 142-143). 

    رابعًا: خطاب يحترم السياق والقرينة المعاصرة والكتابيّة

    لا يمكن فصل البيانات والقرارات والعظات والدراسات التي صدرت بدون السياق المعاصر الذي يعتز بالمصرية بصورة خاصة والعروبة بصورة عامة، ولا يمكن فصل الخطاب عن الرؤية الكتابيّة التي توضح ما هي دولة إسرائيل الكتابيّة في مقابل دولة إسرائيل المغتصِبة.  الخطاب لم يكن منفصلًا أو منعزلًا عن الأحداث، لكن كان واعيًا بما يجري. قدم الخطاب الديني المصري المسيحي الإنجيلي -ومازال يقدم- تفسيرًا واضحًا ومعتدلًا وكتابيًّا نحو كافة القضايا كعودة المسيح وبناء الله والملك الألفي… إلخ. فالظرف التاريخي فرض عليها ذلك فقدمت خطابًا يحترم السياق المعاصر والسياق الكتابيّ.

    خامسًا: خطاب وطني قادر على توجيه النقد للدول الكبرى

    انتقد الخطاب الإنجيليّ دولة أمريكا وانحيازها ودعمها لإسرائيل، وأرسل بياناتٍ للداخل والخارج توضح القضية العربيّة في ظل الظلم والعدوان الإسرائيليّ على مصر والبلدان العربية، والمطالبة بحق الفلسطينيين الذين أضيروا من ذلك العدوان، وتحقيق سلام عادل وشامل. انحاز المصريون المسيحيون لقضايا بلدهم ووقفوا جنبًا إلى جنب مع كل أعضاء المجتمع المصريّ مسلمين ومسيحيين ضد العدو ومن يناصروه حتى لو كانت هذه الدولة ترفع راية المسيحية.

    سادسًا: خطاب مناصرة المأزومين من جراء العدوان

    لم يقف الخطاب الديني عد طلب الصلاة فقط، والصلاة لم تكن تنفيسًا عن مشاعر غضب أو لغو كلام، بل هي حوار متزن مع الله لنصرة قواتنا المسلحة وإعلاء شأن الوطن والعروبة، ومناصرة الذين أضيروا من ويلات الحروب والمساعدة والمساندة بالدعم والمال كما يساعد الجنودُ بالدم والنفس. المناصرة والوقوف بجانب المظلومين والذين قد أهينوا من شبح الحرب هما من الملامح الرئيسة للخطاب المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ.

    سابعًا: خطاب مسؤول يقدِّر حجم الأزمة بكل تداعياتها

    دون تهويل أو تهوين، كان الخطاب المسيحيّ قد قدَّر حجم الأزمة، ومن واقع المسؤولية الدينيّة والأخلاقية والسياسيّة، كان الخطاب الدينيّ في الأزمة يعرف قدرها، ويعرف طريق النجاة منها متضامنًا مع الدولة بحس وطني ومعرفة دينية واعية. لم يعيِّشِ الناس في وهم، ولم يسحبهم إلى السراب، ولكن دعاهم لمواجهة الواقع بكافة تحدياته المختلفة والمؤلمة أيضًا.

    خاتمة:

    من خلال المواقف والقضايا والملامح طُفنا في الخطاب المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ، والذي بيَّن لنا أن الكنيسة كان مدركةً لواقعها، منحازةً للقضايا الوطنية، لم تغترب عن الوطن، ولكن وقفت بجانب القوات المسلحة وعضدت اللُّحمة الوطنية والتماسك المجتمعي، ومن خلال إنتاجها الأدبي والفكري في كُتبٍ وعِظاتٍ وبياناتٍ جسَّدت هذه المفاهيم الطيبة أن الكنيسة نورٌ للعالم وملحٌ للأرض، وفي وقت الأزمات يكون خيار الوطن هو الأهم من أي خيار آخر. وما زالت الكنيسة تنادي بصوت نبوي لتحقيق السلام والعدالة والمصالحة في الشرق الأوسط، وللعالم أجمع.

    المراجع:

    الانتصار الأول، أجنحة النسور، مارس 1974م، العدد 180.

    حكيم، حبيب. كيف نكسب المعركة. أجنحة النسور، مارس 1974م، العدد 180.

    رزق الله، غبريال. طمأنينة أولاد الله. أجنحة النسور، أبريل 1975م، العدد 181.

    زكي، إميل وفنيس نيقولا. الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر البدايات والتفاعل والتطور. القاهرة: دار الثقافة، 2015م.

    سعيد، إبراهيم. أجراس الميلاد تتكلم. أجنحة النسور، ديسمبر 1973م، العدد 177.

    صلاح، عيد. القسّ فيليب معزوز: مسيرة رعويّة ولاهوتيّة، متاح على موقع أرشيف الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر https://epcear.com تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2023م.

    مشرقي، لبيب. العدوان الإسرائيليّ وموضوعات أخرى. الهدى، نوفمبر وديسمبر 1973، السنة 63.

    مقار، إلياس. العبور الأعظم. الهدى، نوفمبر وديسمبر 1974م، السنة 64.

    ______. حرب 6 أكتوبر، الهدى نوفمبر وديسمبر، 1973م، السنة 63.

    ______. حرب السلام وحرب الكلام. الهدى، أكتوبر عام 1978م، السنة 86.

    منقريوس، فريد. الطمأنينة. أجنحة النسور، مارس أبريل 1974م، السنة 64.

    منير، إسحق. بنو إسرائيل، في باب أفكار وعظية، النسور، 15 نوفمبر 1973م، العدد 176، 14.

    نجيب، أديب. موقف اليمين المسيحيّ والكنائس الأمريكيّة من قضايا الشرق الأوسط، سلسلة كراسات إستراتيجيّة، السنة الثالثة عشر، 122. القاهرة: مركز الدراسات السياسيّة والإستراتيجيَّة، 2002م.

    وهبي، صموئيل. السلام على الأرض أو على الأرض السلام. أجنحة النسور، ديسمبر 1973م، العدد 177.

موقف الكنيسة الإنجيليّة في مصر من حرب أكتوبر 1973م والدور الوطنيّ في الذكرى المجيدة بمرور خمسين عامًا عليها دراسة وثائقيَّة

اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

  • مقدِّمةٌ

    تأتي هذه الدراسة بمناسبة مرور خمسين عامًا على نصر أكتوبر، وتجيب عن سؤال: ما هو موقف الكنيسة الإنجيليّة في مصر من حرب السادس من أكتوبر؟ وما هي الرسالة التي تحملها لنا من موقفها اليوم؟ وما هي المواقف التي سجَّلتها الكنيسةُ منذ نكسة 67 مرورًا بحرب أكتوبر، وصولًا لاتفاقية السلام مع إسرائيل؟ ستعتمد الدراسة على المصادر الأولية مثل: محاضر جلسات السنودس، ثم الصحف الإنجيليّة مثل: الهدى، وأجنحة النسور. والدراسات التي صدرت في هذا الشأن مثل كتاب: “الإنجيليّون والعمل القوميّ” لأديب نجيب سلامة، والكنيسة الإنجيليّة المشيخية في مصر، للقس إميل زكي والدكتورة فنيس نيقولا.

    وستشمل الدراسةُ الكتبَ والدراسات التي صدرت بمناسبة القضايا اللاهوتيَّة الناشئة عن قضية الصراع مع إسرائيل، وسوف نشير إلى هذه الكتب في هذه الدراسة. كل هذه المصادر تبيَّن دور الكنيسة الإنجيليّة المشيخيَّة بصورة شاملة لحرب أكتوبر 1973م عبر مؤسَّساتها وكياناتها وشخوصها وشعبها. معبرة عن خطاب دينيٍّ مصريٍّ مسيحيٍّ عربيٍّ إنجيليٍّ يقف مع قضايا الوطن، ويندد بالظلم، ويسعى للسلام.

    حرب أكتوبر في الأدبيات والمدوَّنات الإنجيليّة

    هكذا سجَّلت الأدبيّات الصادرة عن الكنيسة الإنجيليّة بمصر، ففي كتاب “أعيادنا القوميّة”، الصادر عن دار الثقافة 1979م، وجاء فيه الكلام عن السادس من أكتوبر بالقول: “حرب 6 أكتوبر هي حرب النصر بعد الهزيمة، حرب العزة والكرامة بعد الذل والنكسة، حرب التقدير من العالم بعد أنْ كان يستهين بنا، حرب أكتوبر هي حرب ضد الخوف وضد الانهزاميّة وضد أعداء العرب في كل مكان. فعالم بعد أكتوبر غير عالم ما قبل أكتوبر… وستظل حرب أكتوبر ذكرى مجيدة في حياة هذا الشعب وبقية الشعوب العربيّة.” (منير، 36).                      ويقول القسّ إلياس مقار: “مما لا شك فيه أنَّ حرب السادس من أكتوبر تركت وستترك أثرًا عميقًا غائرًا في وطننا وفي البلاد العربيّة، وفي سائر العام أجمع. (مقار، نوفمبر وديسمبر، 73).

    وبعد مرور عام على حرب أكتوبر كتب أيضًا القسّ إلياس مقار في مقال له تحت عنوان “العبور الأعظم”، يتحدث فيه عن المعجزة العسكرية بالقول: “كان لنا في السادس من أكتوبر الماضي ذكرى العام الأول للعبور الذي به اقتحم جيشنا خط بارليف وعبر إلى ما وراء قناة السويس وما مع لهذا العبور من قيمة عسكرية هائلة، إذ تم في وقت قصير مذهل، وبأقل عدد من الخسائر مما يُعتَبَر في تقدير العسكريين في العالم كله بمثابة معجزة.” (مقار، نوفمبر وديسمبر، 1974م).

     ثم يتحدث عن القيمة الأدبية للانتصار بالقول: “إلا أن القيمة الأدبية أعلى وأعظم، لقد كان عبورًا للتخلُّف الذي حاول الإسرائيليون أن يصوروه للعالم كله عن المسافة الحضارية بينهم وبين العرب، وكان عبورًا للخوف الذي سيطر على الشعوب العربية. وكان عبورًا للخوف الذي سيطر على الشعوب العربيّة حتى أورثها ما يشبه الشلل واليأس والتجمد. وكان عبورًا للهزيمة التي ظلت من عام 1967م تمرغ الأوطان العربية جميعًا في التراب والرماد، هذا هو العبور الأدبي”. (مقار، نوفمبر وديسمبر، 1974م).

    الموقف من نكسة يونيو 1967م: الولاء التام للوطن

    في يونيو 1976م كانت صورة غلاف مجلة الهدى الرئيس المصري عبد الناصر، وتحت الصورة: إلى الأمام يا ريسنا، قلوبنا تحيطك، وصلاتنا ترفعك، وعين الله ترعاكم. وكتب د. القسّ إبراهيم سعيد مقالة مهمة يقول فيها: “نؤيدك يا جمال بالدعاء والولد والمال” (الهدى، يونيو 67، ص 162-164)، وختم مقولته بالآية القرآنية ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ آل عمران 190.  وقد نشرت مجلة شمس البر في عددها مايو ويونيو 1967م نفس المقال.

    وكان رد فعل المؤسسات الإنجيليّة سريعًا؛ حيث تم إرسال برقية رئيس السنودس الدكتور القسّ فهيم الأخضري: “في هذا الظرف الخطير الذي تجتازه بلادنا تعلن طائفة الأقباط الإنجيليين تأييدها لسيادة الرئيس وولائها التام للوطن” وقد أرسل رئيس الطائفة ورئيس السنودس برقيات تأييد وولاء، وهما:

    زعيمنا البطل ورئيسنا المناضل الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربيّة المتحدة-القصر الجمهوري

    باسم الأقباط الإنجيليين في الجمهورية العربيّة المتحدة، نشكر لسيادتكم تنازلكم عن استقالتكم استجابة لصوت الوطن المفدَّى وإرادة الشعب لتستكملوا نضالكم الشريف حتى يتحقق لوطننا العزيز هدفه كاملًا فأنتم ثورة الثورة، خلقتم للنضال وحققتم معجزة القرن العشرين لأنكم أنتم أنفسكم معجزة خلقتم لتحيوا للنضال فلا تزيدكم المشقات إلا صلابة فوق صلابة فإلى الأمام يا رئيسنا فقلوبنا تحيطك وصلاتنا ترفعك، وعين الله ترعاكم ونفوسنا وكلنا فداؤك. الدكتور القسّ إبراهيم سعيد الممثل الرسمي لطائفة الأقباط الإنجيليين-قصر الدوبارة (الهدى، يونيو 67، العدد السادس، السنة 57، ص 160).

    وفي برقية مماثلة أرسل رئيس سنودس النيل الإنجيلي في ذلك الوقت رسالة يقول فيها:

    السيد الرئيس جمال عبد الناصر-رئاسة الجمهورية-القاهرة

    “سنودس النيل الإنجيلي المجمع الأعلى لطائفة الإنجيليّة بجمهورية مصر العربيّة المتحدة، رئيسه وجميع أعضائه يشكرون الله ويقدرون لسيادتكم قراركم الرائع بالاستجابة لرغبة الشعب العربي بالبقاء في مقام الرياسة والزعامة، ونهنئ الأمة العربيّة من الخليج إلى المحيط كما نهنئ أنفسنا ببقائكم قائدًا وزعيمًا للعرب حتى يتحقق لنا النصر الكامل على الصهيونية والاستعمار فإلى الأمام يا زعيم العرب وقائدهم العظيم، الله معك والشعب وراءك” رئيس السنودس الدكتور القسّ فهيم الأخضري (الهدى، يونيو 67، العدد السادس، السنة 57، ص 160).

    وقد أرسل الرئيس جمال عبد الناصر برقية لرئيس السنودس يقول فيها:

    القس فهيم جرجس رئيس المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية

    أشكركم والسادة الأعضاء على برقيتكم الرقيقة التي بعثتم بها إليَّ، وفقنا الله إلى ما فيه تحقيق النصر للوطن والعزة للعروبة وأعرب لكم وللجميع عن أطيب الأمنيات” جمال عبد الناصر (الهدى، مايو، 1968م).

    تجلى الموقف من خلال قنوات مهمة، مثل: بيان اللجنة التنفيذية السنودسية 22 يونيو 1967، ورسالة السنودس 1969، وزيارات لمخيمات المهجرين من مدن القناة، التدريب على الإسعافات الأولية والدفاع المدني، تبرعات الكنائس الإنجيليّة للمعركة. أما بالنسبة للدور الإعلامي للكنيسة الإنجيليّة، فهناك الإعلام الداخلي ممثَّلًا في: مؤتمرات التوعية، أحاديث بالإذاعة، الصحافة الإنجيليّة (مجلات: الهدى، رسالة النور، أجنحة النسور، شمس البر)، مقالات في الصحف العامة. وهناك أيضًا الإعلام الخارجي مع مجلس الكنائس العالمي، زيارة مساعد السكرتير العام لمجلس الكنائس العالمي لمصر، اجتماع اللجنة العامة المركزية (كريت-أغسطس 1967)، الدورة الرابعة لمجلس الكنائس العالمي، زيارة الأمين العام للمجلس لمصر، الجمعية العمومية الخامسة لمجلس الكنائس العالمي. وغيرها. (موريس، النسور، 2023). كذلك الإسهام في أعمال بعض المؤتمرات الكنسية الدولية، والقرارات التي صدرت عنها بشأن الشرق الأوسط: مؤتمرات السلام المسيحي، الجمعية العامة للاتحاد العالمي للكنائس المصلحة، اللجنة العامة لمجلس كنائس كل أفريقيا، حلقة مسكونية لبحث دور الكنائس المسيحية في مواجهة مشكلات العصر وأزماته، الجمعية العمومية السادسة لمجلس الكنائس العالمي، المؤتمر العالمي برسالة الكنيسة، الجمعية العمومية السابعة لمجلس الكنائس العالمي، المحفل العام للكنيسة المشيخية بإسكتلندا. (موريس، النسور مايو 2023).

    السؤال حول علاقة الكنيسة بالدولة

    وعن رأي الكنيسة والدولة كُتِبَ في جولة العدد: إنَّ كثيرًا من دول العالم فصلت بين الكنيسة والدولة، إن للكنيسة خدمتها، وللدولة حكامها ورجال التدبير فيها. فهل معنى هذا أن لا علاقة بين الكنيسة والدولة؟ كلا، وألف كلا، إنَّ للكنيسة بأن تهيب بالشعب أن يكونوا مواطنين صالحين… على أن الكنيسة فوق ذلك ينبغي أن تعاون الحكومة بالتأييد الروحيّ والأدبيّ وبالصلاة من أجل الرئيس ونوابه ووزرائه والحكام جميعًا، إنَّ رعاة الكنيسة الإنجيليّة يرفعون في كل خدماتهم في الكنيسة الصلاة طالبين أن يبارك الله الرئيس والحكام وهم يفعلون ذلك أولاً بصفتهم مواطنين تهمهم بلادهم ورفاهيتها وكرامتها وكذلك بصفتهم مؤمنين يطلب منهم الكتاب أنْ يصلوا من أجل الحكام.  (الهدى، يونيو 67، العدد السادس، السنة 57، ص 166).

    الكنيسة الإنجيليّة وأحداث الوطن العربيّ

    وبناءً على هذا الموقف خصَّصت الهدى ملفًّا عن الكنيسة والأحداث الجارية بعنوان “الكنيسة الإنجيليّة وأحداث الوطن العربيّ” (الهدى، يوليو أغسطس 67م) يؤكِّد على انخراط الكنيسة في الشأن العام ليس من منطلق حزبيّ سياسي ضيق، ولكن من منطلق وطني عام واسع، فيقول: “لم تتدخل الكنيسة في السياسة، لم تتدخل في المنازعات الحزبيَّة يوم أن كانت هناك أحزاب، ولكن عندما ارتفع الأمر عن الجدليات الحزبية إلى المسائل الحيوية للوطن هبت الكنيسة تناصر الزعماء الذين حلوا الأحزاب، وأقاموا الدولة الجديدة، وتؤيدهم بكل ما عندها من قوى.” (الهدى، يوليو وأغسطس 67، العدد السابع، السنة 57، ص 194). وذلك ردًّا على الأصوات غير الرسميّة التي كانت تقول ما دخل الكنيسة بالسياسة.

    وفي ملف “الكنيسة الإنجيليّة وأحداث الوطن العربيّ” في مجلة الهدى، (يوليو وأغسطس 67، العدد السابع، السنة 57). كتب إبراهيم سعيد “بالرجاء والمثابرة نجعل من النكسة المؤقتة نقطة انطلاق إلى نصرة محققة” (ص 201-206)، وكتب الدكتور القسّ غبريال رزق عن: إسرائيل كرم لم ينتج فماذا؟ (ص 212-215). وكتب القسّ فهيم عزيز دراسة بعنوان: “إسرائيل كأمة ونظام انتهت في العهد الجديد” (ص 216-220. وكتب القسّ جرجس جريس: إسرائيل لن تعود وملكوت المسيح ملكوت روحي (ص 221-227). والقسّ إبراهيم عبد الله: موقف المسيح من أمة اليهود (ص 228-230). والدكتور القسّ فريد منقريوس: ماذا؟ ثم ماذا؟ ماذا كان موقف رسل المسيح من اليهود؟ وماذا كان موقف اليهود من رسل المسيح؟ (ص 231-234). ورئيس السنودس القسّ فهيم الأخضري: “الحرب مع إسرائيل وواجب الكنيسة الإنجيليّة” (ص 235-244). وكتب القسّ إلياس مقار عن: “الوطنيّة والدين” (ص 245-246). والقسّ فايز فارس عن: الدين والمعركة والحرب النفسيّة (ص 248-250). وكتب القسّ إلياس مقار عن: “القضية العربيّة والقانون الدولي العام.” (ص 251-225).

    مُلك المسيح ليس عنصريًّا أو جسديًّا

    وفي هذه الظروف كان لا بد أن تبيَّن الكنيسة موقفها من دولة إسرائيل: “نؤمن أنَّ المسيح سيأتي مرة ثانية إلى العالم ليدين العالم وليعلن ملكه الروحيّ على جميع الناس. هذا هو إيماننا أنَّ مُلكه الجسديّ على أورشليم ومجيئه إلى الهيكل لا مكان لهما في العقيدة الإنجيليّة. نحن نؤمن أنَّ المسيحَ سيملك ملكًا روحيًّا على جميع الناس. لن يكون ملكه عنصريًّا أو جسديًّا لأنَّ المسيح هو ملك الملوك ورب الأرباب.” (الهدى، يوليو وأغسطس 67، العدد السابع، السنة 57، ص 197-198).

    الكنيسة الإنجيليّة ومخاطبة الرأي العام العالمي

    ومن نشر التوعية في الواقع المحلي بالتنوير والمساندة ونشر الوعي، خاطبت الكنيسة الرأي العام العالمي، قد أرسل رئيس الطائفة الإنجيليّة رسالة إلى مجلس الكنائس العالميّ يقول فيها: إنَّ رئيس وأعضاء طائفة الأقباط الإنجيليين بالجمهوريّة العربيّة المتحدة يناشدونكم باسم يسوع المسيح رئيس السلام أن تقاوموا العدوان على الأماكن المقدسة في القدس وسائر البلاد المحتلة التي اغتصبها قوم صلبوا المسيح كما أنهم ينكرون قيامته. وها نحن نعلن تكتلنا وراء زعيمنا البطل إلى جانب شعبنا العربيّ طالبين إليكم أن تستخدموا نفوذكم القوي لدى جمعية الأمم المتحدة فتستنكروا العدوان المثلث الأنجلو أمريكي الذي استتر وراء إسرائيل وهاجم مصرنا العزيزة بل والأمة العربيّة كلها. ونحن نطالب برد المعتدين إلى ما وراء خطوط الهدنة.

    دكتور القسّ إبراهيم سعيد، رئيس الأقباط الإنجيليين بالجمهورية العربيّة المتحدة في 17 يونيو 1967م (الهدى، يوليو وأغسطس 67، العدد السابع، السنة 57، ص 259).

    وهو نفس الموقف الذي تبنته الكنيسة الإنجيليّة المشيخية في مصر في مناشدة الغرب وأمريكا في بيانها التالي في الدورة رقم 79 عام 1970م أرسل السنودس برقية إلى السيد الرئيس جمال عبد الناصر، يقول فيها: سنودس النيل الإنجيلي، المجمع الأعلى للأقباط الإنجيليين بالجمهورية العربيّة المتحدة في اجتماعه بالكنيسة الإنجيليّة بالمنيا، يرفع صلاته لله أن يساندكم وأنتم تقودون العرب إلى معركة المصير ضد العدوان الغادر-إسرائيل، الذي يسانده استعمار مغرض غادر. لقد قرر السنودس اليوم أن يرسل نداء إلى الكنائس المسيحية والهيئات الكنسية في العالم وخاصة المسيحية في دول الغرب يعرض عليهم الوضع الحالي، ويناشدهم مطالبة حكوماتهم أن تنظر إلى قضية الشرق الأوسط نظرة عادلة. تحقق مطالب شعب فلسطين. إنَّ السنودس وهو يحس بدوره في المعركة المصرية، يعلن أن الكنائس الإنجيليّة في كل الجمهورية سوف تقف معكم مجاهدة إلى أن تزول آثار العدوان البغيض وترد الأرض لأصحابها.

    رئيس السنودس، وهو نداء يرفعه السنودس للكنائس والهيئات الكنسية الدولة بشأن قضية الشرق الأوسط. (محاضر جلسات السنودس، 1970م، 177-178).

    النصر لمصر والقرارات بشأن المعركة

    نصر أكتوبر أعظم نصر

    تحت عنوان: الانتصار الأول كُتب الآتي: لقد حقق جيش مصر بطولة عظمى عندما اجتاز خط بارليف وعسكر شرق القناة. لقد حقق الرئيس السادات أعظم نصر عندما اجتاز معركة 6 أكتوبر، فغيَّر التاريخ، ثم حقق نصرًا سياسيًّا رائعًا عندما انسحبت جيوش العدو من غرب القناة. إننا نصلي أن يواصل الله تحقيق النصر لبلادنا، واسترداد الأرض، واسترداد حقوق شعب فلسطين المظلوم. وإننا نصلي أن يرشد الله رئيس بلادنا المحبوب، الرئيس السادات، وأن يوجهه لتحقيق آمال العرب وأمانيهم (أجنحة النسور، مارس 1974م، العدد 180، 8-9).

    انعقاد استثنائي لسنودس النيل الإنجيلي

    بعد أن اندلعت حرب أكتوبر المجيدة، وفي جلسة استثنائية يبيِّن السنودس فيها موقفه، صدر قرار رقم 174/1973م:

    قرَّرَ سنودس النيل الإنجيليّ، المجمع الأعلى لكنيسة الأقباط الإنجيليين، بجمهوريّة مصر العربيّة، في دورته الاستثنائيّة الثالثة والثمانين، بالقاهرة، في 13 نوفمبر 1973م: لما كانت قضيَّة الشرق الأوسط مشكلةً عاشها العرب مدة خمسة وعشرين عامًا، بسبب تواجد إسرائيل في المنطقة، وبسبب الظلم الأليم الذي لحق بالشعب الفلسطينيّ البريء. ولما كانت محنة يونيو 1967م، وليدة حرب من طرف واحد، حيث إنَّ العرب لم يحاربوا فعلًا، إلا أنَّها دفعت إسرائيل لغرور قاتل، في جيشها الذي لا يُقهَر، وفي قوتها التي لا يمكن مواجهتها. ثم بُنِي خط بارليف، الذي زاد من الغرور بأنَّه خَطٌّ لا يُعبَر. وقد نتج عن ذلك أن إسرائيل لم ترضَ بقرارات الأمم المتحدة، ولم تتجاوب مع حلٍّ سلمي، إحساسًا منها بمكانها في المنطقة الذي لن يتزعزع.

    ولما كان العرب يحسون بكثير من الذل والهوان من آثار نكسة 1967م، وهم يلقون العطف أحيانًا ولا يجدونه أحيانًا أخرى، ثم هم يبذلون الجهد، عائشين حياة قلق مستمر بين اللاسلم واللاحرب، تضايقهم مهانة الهزيمة، ويحطمهم غرور العدو. ولما كان إحساس الشعب، بأن رد العدوان صار واجبًا حتميًّا، لإعلان حق العرب، ولرفع غبن نشأ عن هزيمة مباغتة، واسترداد كرامة كان لا بد من استردادها. كان الرئيس محمد أنور السادات، يضع الخطة الحكيمة ليفاجئ العدو، ويحطم كبرياءه وغروره، ويدفعه لمواجهة الواقع. تحطم خط بارليف، وتقدمت الجيوش العربيّة وصار هناك صراعٌ في معارك ضارية قاسية، أثبتت فيها الجيوش العربيّة مقدرة فائقة. كان لا بد من هذه الخطوة، لاسترداد كرامة ضائعة، وإعلاء حق مهضوم. واليوم في وقت يتحرك فيه المجتمع الدولي لإقرار سلام عادل في المنطقة، إنَّ سنودس النيل الإنجيلي يدعو الشعب الإنجيلي في كل البلاد:

    أولاً: أن يستمر في الصلاة حتى يحقق الله نصرًا عادلًا للعرب، وإنسانية كريمة لشعب فلسطين الجريح.

    ثانيًا: أن يواصل الصلاة لأجل الرئيس المحبوب الحكيم محمد أنور السادات رئيس الجمهورية ليرشده الله إلى الخطوات القادمة، التي قد تكون أقسى وأصعب مما مضى حتى الآن.

    ثالثًا: أن تعتبر الكنائس الإنجيليّة نفسها في كل أنحاء الجمهورية، قسوسًا وشعبًا، على أتم الاستعداد في خدمة المعركة: في الدفاع المدنيّ، والتمريض، والتبرع بالدم والمال والأمتعة اللازمة للمقاتلين وضحايا العدوان.

    رابعًا: يعلن هذا القرار من منابر كل الكنائس صباح الأحد القادم، وينشر في صحف الطائفة. (محاضر جلسات، 1973، 8-9).

    وقد قرر السنودس إرسال البرقية التالية للسيد رئيس الجمهورية، بحسب قرار 135/1973:

    السيد الرئيس محمد أنور السادات

    القاهرة: سنودس النيل الإنجيليّ، المجمع الأعلى لكنيسة الأقباط الإنجيليّين بجمهوريّة مصر العربيّة، في اجتماعه الاستثنائيّ اليوم بالفجالة بالقاهرة، يُعلن تأييده الكامل لقيادتكم الرشيدة، وللقرارات التي اتخذتموها لرد العدوان، ولتحريك العالم نحو إقرار السلام العادل في المنطقة. إنَّ قيادتكم لمعركة انتصر فيها العرب، وأبلت فيها قواتنا المسلحة بلاءً حسنًا رفع رأس الأمة بعد سنوات مريرة. لقد أعلنَّا في جلستنا اليوم، أن تستمر كنائسنا الإنجيليّة في خدمة المعركة حتى النصر بإذن الله. وإننا نصلي أن يرشدكم الله دائمًا لما فيه الخير للأمة العربيّة، ولمصر.

    القسّ عياد زخاري، رئيس السنودس (محاضر جلسات، 1973، 9-10)

    موقف الكنيسة: الصلاة والإسهام في المجهود الحربيّ

    قرار 136/1973م أفاد الأمين العام بقرار اللجنة التنفيذيّة السنودسيّة للإسهام في المجهود الحربيّ بـ1500 جنيه مصري باسم السنودس، بخلاف التبرعات الأخرى التي قُدِّمت من كافة أنحاء الكنائس وشعبها في الجمهوريّة.

    قرار 137/1973م: قرَّر السنودس تسجيل ما قامت به اللجنة التنفيذيّة للإمداد للمعركة، وما قامت به الكنائس ومنه:

    • خصَّصت الكنائس الإنجيليّة يوم الجمعة 19 أكتوبر يوم صوم وصلاة لطلب الرب، ليمنح العرب انتصارًا شاملًا في المعركة.
    • خصَّصت الكنائس الإنجيليّة الأحد 21 أكتوبر يومًا للتوعية. (محاضر جلسات السنودس، 1973، 10).

    تبيَّن من خلال محاضر السنودس وقرارته تبيَّن أن حجم الدعم من الكنيسة وصل إلى 265 ألف جنيه مصري، وهذا المبلغ مقارنه بزمنه كان كبيرًا.

    رأي السنودس في الموقف السياسي الراهن

    من خلال مدونات السنودس الإدارية نجد أنه سجَّل رأيًا سياسيًّا تجاه القضايا الراهنة والتي عاصرها منذ النكسة 67 وحتى النصر وصولاً للسلام، ففي 26 مارس 1974م انعقد سنودس النيل الإنجيلي المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر، وقد قرر الآتي: قرار 6/1974م قرر السنودس إرسال برقية تأييد وتقدير للسيد رئيس الجمهورية. ظهر في هذا القرار ما أسماه السنودس بالموقف السياسيّ: وحول رأي السنودس في الموقف السياسيّ الراهن [كما كتب في مضابط السنودس]، قرَّر السنودس الآتي:

    عاشت بلادنا منذ نكسة 1967م، فترة عصيبة قاسية، كانت نتيجة حتمية لوعد بلفور الذي أعطى شعب اليهود حق إقامة دولة دينيّة صهيونيّة في المنطقة على حساب شعب فلسطين الذي تشرد في أماكن عديدة في العالم، منهم حوالي مليون ونصف يرزحون تحت نوع من أنواع الاحتلال أو التهديد. وقد كان لا بد لقواتنا المسلحة أن تتحرك في 6 أكتوبر 1973 لتحطم كبرياء العدو، ولتدلل على مقدرة العرب في التخطيط لنصر رائع يتحدى أكبر العوائق. لقد حققت مصر نصرًا على صعيد الحرب، كما حققته على صعيد السلم، وخلال هذه الفترة تمت انتصارات أخرى مجيدة فللمرة الأولى يتحد العرب بقوة وإصرار، وللمرة الأولى يحظى العرب بتأييد ساحق من أمم العالم. لقد كان اشتراك البترول في المعركة، دليلاً للعالم على أن دولاً نامية يمكنها أن تؤثر في اقتصاد الدول الكبرى بأن تقيم وزنًا للدول النامية.

    وعليه

    فإنَّ السنودس:

    • يذكر بالتقدير الكبير، والتأييد الشامل، سياسة الرئيس المحبوب محمد أنور السادات، في تحقيق النصر، وجمع شمل العرب.
    • يذكر بالتقدير أبناء الوطن الأبرار، ومن رجال الدين ومن أبناء الشعب، الذين دافعوا عن الوطن العزيز، سواء من بقي منهم على قيد الحياة، أو من قدم دمه فداء على أرضه.
    • يواصل السنودس صلاته، ومشاركته للنضال العربيّ المصريّ، برجاله وأمواله وكل طاقاته المختلفة حتى تُسترد باقي الأرض المغتصبة، وينال شعب فلسطين حقوقه المشروعة.
    • يواصل السنودس جهده داخل البلاد وخارجها لشرح القضية العربيّة وللاشتراك في دراسات توضح المعنى الصحيح لإسرائيل في الكتاب المقدّس لتصحيح الزيف الذي استُخدم في تفسير كلمة الله المقدسة، بتقديم التعليم اللاهوتي الإنجيليّ الصحيح. يُتلى هذا القرار من منابر الكنيسة الأحد 7 أبريل. (محاضر جلسات، 1974م، 10-11).

    وصلت البرقية التالية من السيد رئيس الجمهورية ردًّا على برقية السنودس لسيادته:

    رئاسة الجمهورية عابدين

    القسّ عياد زخاري رئيس سنودس النيل الإنجيليّ يوم 10/4 المنيا محطة.

    أشكركم على برقيتكم الرقيقة راجيًا أنْ يوفقنا الله إلى ما فيه تحقيق النصر للوطن والعزة والكرامة لشعوب أمتنا وأعرب لكم وللجميع عن أطيب الأمنيات.

    أنور السادات

    (محاضر جلسات، 1974م، 15).

    رأي السنودس في القضية العربيّة

    • أفاد الرئيس -رئيس السنودس- بحضور فريق من خمسة أشخاص هم دين لويس، ونانسي كراسا، وليم هارتر، بيتر جونسون، سنجمان ري. لدراسة قضية الشرق الأوسط. وقد قابلوا بعض المسؤولين في وزارة الخارجية وجامعة الدول العربيّة ووزارة الإعلام. قضوا بمصر الفترة من 26 سبتمبر 1973م حتى 29 منه، وقد رتب الرئيس والأمين العام لهم جلسة مع بعض من أبناء الكنيسة من القسّوس والعلمانيين يوم الأربعاء 3 أكتوبر 1973 الساعة الخامسة مساءً بدار السنودس بالأزبكية.
    • تقرَّر تقديم ألفي جنيه لضحايا العدوان على أن تُقدَّم باسم السنودس للسيد عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام، وقد تم ذلك.
    • درست اللجنة عن طريق مجامعها فوجدت أن جملة تبرعات الشعب الإنجيلي للمعركة عن طريق هيئات مختلفة بلغت أكثر من 250 ألفًا من الجنيهات.
    • وصلت برقية من السيد Dean Lewis (مكتب العلاقات الدوليّة للكنيسة المشيخيّة المتحدة بأمريكا) يهنئ رئيس السنودس بانسحاب القوات الإسرائيليّة ويصلي أن يستمر التحرك للوصول إلى سلام دائم في المنطقة. (محاضر جلسات، 1974م، 15-16).

    قدَّم السيد القسّ إلياس مقار وكيل الطائفة خطابًا، قدم فيه تحية للسيد رئيس الجمهورية، وأشاد فيه بدور الكنائس الإنجيليّة في معركة 6 أكتوبر، ما أثنى بالشكر والعرفان على السيد رئيس الجمهورية وصحبه من المسؤولين السيد وزير الداخلية وأجهزة الأمن لخدماتهم الكبرى في التصريح ببناء الكنائس وإقامة الشعائر الدينيّة فيها، تم إفادة سيادته بالإجراءات اللازمة ببناء الكنائس. (محاضر السنودس، 1974م، 14).

    الكنيسة صوت الوطن في المحافل الدولية

    في المحفل العام للشرق الأوسط، بمدينة لوفيل بولاية كنتاكي، في المحفل العام للكنيسة المشيخية المتحدة في 17-26 يوليو 1974م، وقد حضر اللقاء أكثر من 2000 من قادة الكنيسة في الولايات المتحدة الأمريكية، كتب القسّ طانيوس زخاري: “بلغ الاهتمام بموضوع الشرق الأوسط أقصى حد، فَهِمَ آلافٌ من الناس القضية العربية على حقيقتها لأول مرة في حياتهم. نحن ككنيسة لا نقوم بدور هنري كسينجر، لكننا نقوم بدور أكمل، فنحن رسل السلام والمصالحة، ورسالة كنيسة المسيح هي رسالة السلام والمصالحة، وأظهر المتكلمون بصوت العرب أن السلام لا يتم إلا بالعدالة. والعدالة تقتضي رعاية حقوق الفلسطينيين سواء منهم من يعيشون في الغربة أم في الأراضي التي احتلتها إسرائيل ظلمًا وعدوانًا. وأن لا سبيل للسلام إلا بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم إذا أرادوا، وتعويض من لا يريد منهم العودة. ولا سبيل للسلام إلا باحترام قرار 242 الذي يقضي بإرجاع جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967م إلى أصحابها العرب. ونرجو أن تسمع أمريكا وإسرائيل هذا الصوت، وأن تقوم الكنيسة بدورها كرسول سلام وتودي رسالتها في التعمير والمصالحة. (زخاري، 142). وأمام المحفل شكر زخاري موقف المراسلين الأجانب في الشرق الأوسط حيث إنهم عاشوا في البلاد العربية ودافعوا عن قضية العرب وفهموا حقيقة القضايا العربية لا كما شوهتها الأكاذيب الصهيونية ووسائل الإعلام الأمريكية المغرضة. وعرض مجموعة من التوصيات أمام المحفل العام وهي:

    • إن الكنيسة التي تقوم شهادتها على حرية الإنسان في تكييف حياته حسب قصد الله، وفي استخدام قوة الله الخلاقة في إتمام هدف الحياة للبشرية، عليها أن تقرر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، هذا الحق المؤسس على الحرية الكاملة للجميع، الحق الذي يجب أن تعترف به جميع الأطراف في الشرق الأوسط وفي المحافل الدولية.
    • المصالحة: أن الكنيسة يجب أن تؤكد باستمرار أن فهمها للمصالحة يقوم على أساس السلام والعدالة والحرية بين الشعوب. وأن شهادة الكنيسة يجب أن تهدف إلى تحطيم الحواجز التي تفصل الناس عن بعضهم. وهذه طعنة في صدر إسرائيل التي تنادي العزلة وتمنع الفلسطينيين من العودة إلى بردهم وبيوتهم التي سلبت ظلمًا.
    • العدالة: تؤكد الكنيسة على أن العدالة هي أساس المصالحة ولبها، فإن كان لا بد من مصالحة في الشرق الأوسط، فالمصالحة تتطلب تصحيح الأخطاء، ورد المسلوب، وتعويض المظلوم، وإعادة الشرف والكرامة والعزة لمن سُلِبت منهم.
    • ودافعت التوصيات عن حقوق الفلسطينيين السياسية والمدنية، وعن حق العرب في استخدام زيتهم [البترول] كما يريدون، وعن حق إعادة القدس المحتلة، ورعاية مقدَّساتهم إلى غير ذلك لما لا يتَّسع له المجال.
    • أن تدرس المجامع والكنائس والهيئات علاقة العهد الإلهي في ضوء العهد الجديد، الذي يبين بوضوح أن مواعيد الله تمت في المسيح، ولم يعد لإسرائيل حق في الادعاء بأنهم شعب الله المختار، فقد حكم عليهم المسيح نهائيًّا “أن ملكوت الله يؤخذ منكم ويعطى لأمة تصنع أثماره” إن الكنيسة هي شعب الله المختار، والكهنوت الملوكي، وأن المسيح وحده ابن داود الذي يملك ولا يكون لملكه نهاية. (زخاري، 142-143).

    موقف السنودس من اتفاقية السلام

    كما تضامنت الكنيسة مع موقف الحرب تضامن أيضًا مع موقف السلام وإقراره حسب اتفاقية كامب ديفيد، وقد صدر عن السنودس قرار 7/1978م، قرَّر فيه السنودس إرسال برقية إلى السيد رئيس الجمهوريّة هذا نصُّها: “سنودس النيل الإنجيليّ المجمع المقدَّس الأعلى لكنيسة الأقباط الإنجيليين بجمهورية مصر العربيّة وهو مجتَمِع بكامل هيئته بالكنيسة الإنجيليّة بسراي الرمل بالإسكندرية يسره أن يعلن تأييده لمسيرتكم في سبيل تحقيق السلام في الشرق الأوسط مع إعطاء شعب فلسطين حقوقه المغتَصَبة. إن مجمعنا يقدر جهودكم الحميدة في مسيرة الديمقراطية والوحدة الوطنيّة ويصلي أن يرشدكم الله لما فيه خير مصر والعرب.” القسّ فايز فارس، رئيس السنودس، (محاضر جلسات السنودس، 1978م، 15).

    في مقال مهم عن “حرب السلام وحرب الكلام” للقس إلياس مقار رئيس الطائفة الإنجيليّة في مصر، كتب عن السادات في موقف السلام في مقابل الرافضين للسلام، والذين يشنون حربًا بالكلام، بالقول: “إنَّه الرجل الذي يدخل اليوم معركة ضاربة، من أعظم معارك السلام في الأرض… وعندما تكتب القصة كاملة سيتبيَّن أن الرئيس السادات في كامب ديفيد، أو في معسكر كامب ديفيد، كان يقود معركة السلام على نحو لا يقل قوة وشجاعة وأصالة من قيادته لحرب أكتوبر 1973م… وجاء السادات لقلب الأمور رأسًا على عقب، ويدخل معركة السلام، وفي شجاعة لا يعرفها إلا القليلون من الأبطال… وفَّق الله رئيسنا الشجاع ليمضي في طريقه وليعطه الله النجاح من كل وجه لمجد اسمه وخير بلادنا الشعب كله في الشرق العربيّ.” (مقار، أكتوبر 1978م، 55).

    يعرض أديب نجيب في كتابه “الإنجيليون والعمل القومي” عددًا من المقالات لكلٍّ من: د. ق. لبيب مشرقي، ق. إلياس مقار، د. ق. صموئيل حبيب، ق. برسوم شحاتة. وقد أعلنت الكنائس الإنجيليّة عن تقديرها لمبادرة السلام، كما احتفلت الكنائس الإنجيليّة بالاشتراك مع كلية مسكنجم الأمريكية بتقديم درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس السادات تقديرًا لدوره في إقامة السلام العالمي. (موريس، النسور، مايو 2023).

    الدور التوعويّ والموقف من دولة إسرائيل

    من خلال الدور الذي قامت به الكنيسة بالتوعية، خاطبت الخارج وفي نفس الوقت الداخل، وكان لها قدرة نقدية على ما أسميته “الدور النبوي للكنيسة”، والموقف من دولة إسرائيل.

    الدور النبويّ للكنيسة

    امتلكت الكنيسة صوتًا نبويًّا قادرًا على النقد، من خلال التوعية، والتقصير في التوعية خيانة للوطن وخيانة للدين في الوقت نفسه، يقول القسّ لبيب مشرقي: “من أوجب الواجبات أن تهتم الكنيسة اهتمامًا خاصًّا بالوطن؛ ينبغي أن تصلي من أجله وتبذل في سبيله وتوعي الشعب بما ينبغي أن يقوموا به. وتقصيرنا في هذا الأمر خيانة للوطن وخيانة للدين.” (مشرقي، 274).

    وقد انتقد مشرقي الولايات المتحدة الأمريكية بالقول: “وقد اندهشنا من مسلك الحكومة الأمريكيّة أيما اندهاش، فإنها في الوقت الذي تدَّعي فيها أنها تنشد السلام، تساند العدوان، وقد حاولت أن أجد شيئًا من المنطق في تصريحات المسؤولين الأمريكان وتألمت أن دولة مسيحيّة أو المفروض أنها مسيحيّة تعاون الطغيان وتساعد على تشريد مئات الألوف وتسبب ويلات أدبية ومادية تمس العالم كله.” (مشرقي، 274).

    الدعوة في الداخل لأجل الوصول لسلام حقيقي  

    ومن نقد السياسة الأمريكيّة إلى الحديث للكنيسة المصريّة يقول مشرقي: “إنني هنا أوجه الحديث إلى الكنيسة المصريَّة أهيب بها أن تهب بقوة لتأييد السيد رئيس الجمهوريّة تأييده بالإرادة الصامدة بالدعاء أن يسدد الله خطواته نحو تحرير الأرض ونحو الوصول لسلام حقيقي. وفي نفس الوقت أن تقوم الكنيسة بواجبها العملي فتبذل لا من فائض بل من إعواز. أن لنا أبناء يدفعون ثمنًا غاليًا في تحرير الأرض يدفعون دمائهم. والذين يبذلون دمهم ينتظرون أن نبذل نحن أيضًا. (مشرقي، 275).

    وعن طريقة البذل التي يقصدها مشرقي: “ينبغي أن نوفر لهم التشجيع، وينبغي أن نقدم لهم كل ما يمكننا أن نقدمه بسخاء، ونحن بذلك لا نقدم إحسانًا ولا نعطي تفضُّلًا، إنهم أبناؤنا فلذات أكبادنا. إننا ملتزمون كآباء وأمهات أن نقوم بما ينبغي أن يقوم به الآباء والأمهات نحو أبنائهم. إنني لا أدعو ذلك تضحية أو أنكار ذات، فليكن ما نقدمه تضحية وإنكار ذات، إن أقل ما يُطلَب منا أن نقوم بهذا البذل. ستقام طلبات في الكنائس لينصر الله قضيتنا قضية الحق والعدل والسلام. (مشرقي، 275).

     الموقف من دولة إسرائيل

              من نكسة يونيو 1967م حتى اتفاقية كامب ديفيد 1978م والقضية التي شغلت الرأي العام الإنجيلي في مصر والعالم العربيّ هو الموقف من دولة إسرائيل من الناحية الدينية والسياسية، فمن الناحية السياسية وقفت الكنيسة بجانب الدولة ودعمتها بكافة الطرق الممكنة، ومن الناحية الدينية كان يجب توضيح الموقف من إسرائيل كدولة، وفي هذا الصدد صدرت كتابات كثيرة تنتقد ليس سياسة إسرائيل فقط بل ووجودها ككيان.

    • غبريال رزق الله، من هو إسرائيل؟ صدر في ثلاث طبعات، الأولى عن المطبعة الفنية الحديثة، عام 1971م، وتقع في 88 صفحة من القطع الصغير. الثانية صدرت عن مجلس الإعلام والنشر سنودس النيل الإنجيلي 2014م، وتقع في 36 صفحة من القطع المتوسط، وقدَّم له أمير ثروت مقدمة عن غبريال رزق الله حياته وكتاباته وأسلوب كتاباته. الثالثة، صدرت ملحقًا مع مجلة النسور، طبعة إلكترونية، سبتمبر 2021م، تقديم أمير ثروت وتحرير عيد صلاح، وتقع في 27 صفحة من القطع الكبير. رغم صغر حجمه إلا أنَّ له أهمية خاصة جدًّا؛ تعود إلى تاريخ نشره الأول: في عام 1970م، حيث لم يكن هناك اتجاه تفسيريّ ولاهوتيّ واضح في الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر حول الإسخاتولوجي -الفكر اللاهوتيّ حول الأخرويّات-وخصوصًا المتعلق بوضع شعب إسرائيل في المجيء الثاني للمسيح. إلا أنَّ الكاتب قدَّم طرحًا مهمًّا في الفكر اللاهوتيّ الكتابيّ آنذاك حول هذا الموضوع؛ وقد كان كتابه هذا بمثابة الجزء الأول من سلسلة كان ينوي أن يستكملها؛ حيث وضع بقية مباحث هذه السلسلة على الغلاف الخلفيّ للكتاب في طبعته الأولى. فالجزء الأول عنوانه: لقب إسرائيل، أما بقية الأجزاء فعناوينها تباعًا: مملكة إسرائيل، ثم سقوط إسرائيل، ثم ملك إسرائيل. غير أنَّ الكاتب لم يكمل خطته البحثيّة. ولو تتبعنا منهجيّة الكاتب في المبحث الأول من دراسته فسنجده قد ركَّز بحثه حول إسرائيل كلقب كتابيّ -وإنْ كان الكتاب كلّه عبارة عن مقال مطول بلا فواصل ولا عناوين فرعيّة-فتكلم عن الصيغة اللفظيّة للقب في أصله العبريّ، ثم تكلم عن الصيغة الرمزيّة للقب في الشريعة والنبوات، ويمكننا أن نضع عناوين فصلية للكتاب، كما قام محرِّر النصّ، كالتالي: أولاً، إسرائيل ابني البكر؛ دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في سفر خروج 4: 22. ثانيًا، نسل إبراهيم؛ دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في سفر تكوين 21: 12. ثالثًا، عبدي إسرائيل؛ دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في إشعياء 49: 3. (ثروت، 2021م، 2). ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ كتاب “مَنْ هو إسرائيل؟” قد تُرجِمَ إلى اللغة الإنجليزيّة عام 2000م. على يد الدكتور إسحق بولس، الذي نشر الكتاب على نفقته الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، كما قام بإيداع الكتاب في مكتبة الكونجرس الأمريكيّ. (ثروت، 2021م، 2).
    • مجموعة من المؤلفين، مفهوم إسرائيل في الكتاب المقدس، صدر عن دار الثقافة بالقاهرة، 1971م، يقع الكتاب في 35 صفحة من القطع المتوسط. وهو مجموع لعدد المحاضرات التي قُدمت في مؤتمر التوعية بشأن معنى إسرائيل في الكتاب المقدس أثناء انعقاد الدورة الثمانين لسنودس النيل الإنجيليّ، في اجتماع خاص يوم الأربعاء 31 مارس 1971م. ويحتوي الكتاب: “الكنيسة المسيحيَّة إتمام للنبوات”، بشاي سعيد، ص 4-8، “أرض الميعاد”، نصيف طانيوس، ص 9-13، “نسل إبراهيم“، حبيب حكيم، ص 14-25، “مأساة فلسطين والضمير الروحيّ” صموئيل وهبي، ص 26-35.
    • كمال رمزي استينو، معنى إسرائيل في الكتاب المقدَّس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م، ويقع الكتاب في 30 صفحة من القطع المتوسط. قدَّم كلٌّ من عبد الملك مهني، رئيس السنودس، وصموئيل حبيب، أمين عام السنودس لهذا الكتاب بالقول: “إنَّ السنودس يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الاستعمار -بكل ألوانه- شر بغيض لا يتفق مع رسالة المسيحية الحقيقيّة. كما أنَّ السنودس يدعو للحرية والديمقراطيّة والاشتراكيّة باعتبارها تعبيرًا عن المسيحية الصحيحة. وقد رأى السنودس بأن البعض قد أساءوا تفسير معنى “إسرائيل” في الكتاب المقدس، لهذا أراد السنودس أن يقوم بدور توعية بالعقيدة الإنجيليّة الصحيحة بالتفسير الصحيح لكلمة “إسرائيل” في الكتاب المقدس. وقد نشرت هذه العقيدة في كتب عقيدة الكنيسة الإنجيليّة منذ نشأتها بمصر، منذ 117عامًا. لهذا دعا السنودس إلى مؤتمر إنجيلي عام للتوعية بمعنى “إسرائيل” في الكتاب المقدس. وقد قدمت دراسات لاهوتيّة في هذا المؤتمر”. (استينو، 1971م، 4).
    • بشاي سعيد، حقيقة إسرائيل.. عقيدة الكنيسة الإنجيليّة عن إسرائيل في الكتاب المقدس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م. يقع الكتاب في 16 صفحة من القطع المتوسط.
    • برادلي واتكنز. هل دولة إسرائيل الحديثة تحقيق لنبوة كتابية؟ ترجمة عزرا مرجان. القاهرة: دار الثقافة، 1974م. يقع في 31 صفحة من القطع المتوسط.

    الكتابات الإنجيليّة التي تناولت الدور الوطنيّ: الكنيسة والسياسة من أديب نجيب لإميل زكي

    تكلم القسّ إميل زكي وفنيس نيقولا في حديثهما عن الكنيسة والسياسة في كتابهما: الكنيسة الإنجيليّة المشيخية في مصر البدايات والتفاعل والتطور” (دار الثقافة، 2015م)، عن ثورة 1919 وبعدها مباشرةً تكلما عن ثورة 25 يناير ولم يتطرَّقا لموقف الكنيسة في نكسة 1967م، أو نصر أكتوبر 1973م، أو اتفاقية معاهدة السلام كامب ديفيد 1978م، وليس هناك أي مبرر لعبور هذه الفترة الزمنية التي نحت فيها الكنيسة اتجاهًا وطنيًّا. (انظر إميل زكي وفنيس نيقولا، 55-57).

    في المقابل أفرد أديب نجيب سلامة في كتابه القَيِّم: “الإنجيليون والعمل القومي” القاهرة: دار الثقافة 1993م. يقع الكتاب في 592 صفحة من القطع الكبير. لمواقف الكنيسة في نكسة يونيو 1967م وانتصار أكتوبر 1973م واتفاقية السلام 1978م في دراسة تفصيلية يمكن الرجوع لها والاستفادة منها.

    يصل نجيب إلى نتيجة مفادها أن الكنيسة المشيخيّة في أمريكا كمثيلتها في مصر تقف ضد اليمن الأمريكي الذي يدعم دولة إسرائيل في دراسة له عن: موقف اليمين المسيحيّ والكنائس الأمريكية من قضايا الشرق الأوسط. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات والاستراتيجيّة. 2002م. يقع الكتاب في 38 صفحة من القطع الكبير. حيث يقول: “موقف الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة يُعَد من أقوى المواقف في مواجهة التيار اليمينيّ الدينيّ الأمريكيّ “. (نجيب، 2003، 1).

    خاتمة

    كان موقف الكنيسة الإنجيليّة عبر قنواتها الرسمية من بيانات وكتابات ومواقف في الداخل والخارج وطنيًّا بامتياز، وقد عبَّرت عن دورها الوطنيّ بحس واعٍ وإدراك متميز للظرف التاريخي الذي تمر به البلاد، فصلَّت، ودعمت، ووعت، وحافظت على وحدة الداخل، وخاطبت الخارج. وفي كل هذا تبنت دورًا نبويًّا بامتياز لتعبِّر عن آلام الوطن وطموحاته طالبة السلام والعدل والمصالحة.

    المراجع

    زكي، إميل وفنيس نيقولا. الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر البدايات والتفاعل والتطور. القاهرة: دار الثقافة، 2015م.

    محاضر جلسات الدورة التاسعة والسبعون، 7 أبريل 1970م، سنودس النيل الإنجيليّ. القاهرة: دار الثقافة، 1970م.

    محاضر جلسات الدورة الثالثة والثمانين 13-14 نوفمبر 1973م، سنودس النيل الإنجيليّ. القاهرة: دار الثقافة، 1973م.

    محاضر جلسات الدورة الثامنة والثمانين، مايو 1978م، سنودس النيل الإنجيليّ. القاهرة: دار الثقافة، 1973م.

    محاضر جلسات الدورة الرابعة والثمانين 6 مارس 1973م، سنودس النيل الإنجيليّ. القاهرة: دار الثقافة، 1973م.

    مشرقي، لبيب. العدوان الإسرائيليّ وموضوعات أخرى. الهدى، نوفمبر وديسمبر 1973، السنة 63.

    مقار، إلياس. حرب 6 أكتوبر، الهدى نوفمبر وديسمبر، 1973م، السنة 63.

    ______. العبور الأعظم. الهدى، نوفمبر وديسمبر 1974م، السنة 64.

    منير، إسحق. أعيادنا القوميّة. القاهرة: دار الثقافة، 1979م.

    موريس، مدحت. عرض كتاب الإنجيليون والعمل القومي لأديب نجيب سلامة. النسور، مايو 2023م

    نجيب، أديب. الإنجيليون والعمل القومي. القاهرة: دار الثقافة. 1996م.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. موقف اليمين المسيحيّ والكنائس الأمريكيّة من قضايا الشرق الأوسط، سلسلة كراسات استراتيجيّة، السنة الثالثة عشر، 122. القاهرة: مركز الدراسات السياسيَّة والاستراتيجيَّة، 2002م.

موقفُ الكنيسةِ الإنجيليَّة من دولة إسرائيل

اسم الكاتب: القس محسن منير

  • حرصًا على عدم وجود أي لبس أو خلط للأوراق، والذي قد ينشأ من عدم دقة استخدام المصطلحات، أرى ضرورة التحديد الواضح مبكرًا للمقصود بـ”الكنيسة الإنجيليَّة” في عنوان هذه الدراسة.

    المقصود هنا هي الكنيسة الإنجيلية المشيخية Presbyterian church والتي يُعبِّر عنها في بلادنا المصرية “سنودس النيل الإنجيلي”، بينما يُستَخدَم مصطلح “الإنجيليَّة” أو “البروتستانتية” بصفةٍ عامة كترجمة لـ Evangelical والتي تتضمَّن مذاهبَ أخرى غير المشيخيَّة.

    ولتحقيق هدف الوصول إلى الفهم الصحيح لفكر وموقف الكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة بمصر من دولة إسرائيل الحالية، سيتم بلورة الدراسة في الأفكار الأربع الأساسية التالية:

    ١- مبادئ تفسيرية أساسية

    ٢- عرض مختصر لفكر المدرسة الدهرية

    ٣- لماذا ترفض الكنيسة المشيخية فكر المدرسة الدهرية

    ٤- الأساس الكتابي واللاهوتي للفكر المشيخي في هذا الشأن

    أولاً: مبادئ تفسيريَّة أساسيَّة

    هذه المبادئ التفسيرية تمثل الأساس الصحيح الذي بدونه تختلُّ الأفكار والعقائد، والالتزام بها هو الضمان للوصول إلى أفكار وعقيدة صحيحة.

    المبدأ الأول:

    لا يجب أن نفسر النصوص الكتابيَّة أو نبني العقائد المسيحيَّة تماشيًا مع الأحداث السياسية والتي بطبيعتها متغيِّرة ومتقلِّبة.

    المبدأ الثاني:

    بصفة عامة، يُفسَّر العهدُ القديمُ في ضوء العهد الجديد، وفي نور شخص السيد المسيح ورسالته وعمله، وذلك انطلاقًا من أن الرب يسوع وعمله الفدائي هو لبُّ الكلمة المقدسة؛ حيث في شخص وعمل يسوع تحقَّقت كلُّ الأفكار والصور التي دارت حول المسيح في العهد القديم. وعلى سبيل المثال:

    • صورة مُركَّبة مثل “نسل المرأة” الذي يسحق رأس الحية (تكوين ٣: ١٥- مع رؤيا ١٢: ٣- ٥) أو “الملك الحربي” (عدد ٢٤: ١٧- ١٩) أو “النبي” (تثنية ١٨: ١٥، ١٨، ١٩).
    • صورة “الملك ابن داود” الملك القوي حربيًّا، استمر شعب إسرائيل يتمسك بصورة المخلِّص من نسل داود (٢صموئيل ٧: ١٣، ١٦، ٢٩؛ حزقيال ٣٧: ٢٤- ٢٨) حيث يقول في النص الأخير: “داود عبدي يكون ملكًا عليهم…”. وإذا عرفنا أن حزقيال كتب نبوته في ٥٩٣- ٥٩٢ ق.م بينما الملك داود كان قد مات ٩٧١ ق.م، أي كتبها بعد حوالي ٤٠٠ سنة من موت داود، فلا يمكن أن يكون المقصود في النبوة شخص الملك داود، بل الملك المخلِّص الذي من نسل داود.

    ج- صورة “المسيا المخلِّص” القديم منذ الأزل (ميخا ٥: ٢) وأيضًا الأبدي (إشعياء ٩: ٦- ٧).

    د- صورة المخلِّص “ابن الإنسان” (دانيآل ٧: ١٣- ١٤).

    هـ- صورة “عبد الرب” (إشعياء ٥٢: ١٣- ٥٣: ١٢).

    كل تلك الصور تحققت في شخص الرب يسوع وإرساليته، وكلها تؤكد هذا المبدأ، وهو أن العهد القديم يُفسَّر في ضوء العهد الجديد بصفة عامة، وفي ضوء شخص ورسالة الرب يسوع وعمله الفدائي بصفة خاصة.

    المبدأ الثالث:

    لا يتم تفسير النصوص المباشرة والواضحة بالنصوص الغامضة، بل العكس هو الصحيح تمامًا. وعلى سبيل المثال لا يصحُّ أن نفسِّرَ ما جاء عن مجيء المسيح الثاني وما يصحبه من أحداث كما ورد في رسالتي تسالونيكي بما جاء في سفر الرؤيا، بل العكس، سنفهم ما جاء في سفر الرؤيا في ضوء ما جاء في رسالتي تسالونيكي.

    لقد استخدم يوحنا في سفر الرؤيا العديد من الصور السابق استخدامها من قبله، لكنه استخدمها بمعانٍ مختلفة عن التي سبق واستخدمها اليهودُ، وعلى سبيل المثال، عند استخدامه لصورة المسيَّا الذي ينتظره اليهود ليحقق انتظاراتهم ونبواتهم، نلمس الفارق الكبير بين الكتب الرؤيويَّة المسيحيَّة وتلك اليهوديَّة. فبينما يصوِّره يوحنا حملًا مذبوحًا مع كونه أسدًا، ويصوِّره بأنه خرج غالبًا (منتصرًا)، ولكي يغلب، لكن ليس باستخدام سيف بتَّار لتقطيع الأجساد، بل باستخدام سيف فمه والمقصود به “الكلمة المقدسة”، مع استمرار صورة الأعداء فهُم وحوش كواسر؛ حيث إن عداوة العالمِ لشعب الرب مستمرةٌ وأسلحته الشريرة كما هي، لكن التغيير الجذريَّ يحدث في معسكر البر، فلم يعد يستخدم أسلحة العالم المعروفة والتي اعتقد اليهود أنه سيستخدمها، وهذا ما يؤكده الرسول بولس في ٢كورنثوس ١٠: ٣- ٤: “لِأَنَّنَا وَإِنْ كُنَّا نَسْلُكُ فِي الْجَسَدِ، لَسْنَا حَسَبَ الْجَسَدِ نُحَارِبُ. إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ”.

    وانطلاقًا ممَّا سبق، علينا الحرصُ -كل الحرص- من وضع المعاني اليهوديَّة في المصطلحات المسيحية، وألا نفسر رسالة سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي وفق تفسيرات اليهود لها؛ حيث إن ذلك يشوِّه الحقيقة ويدخل بنا في متاهاتٍ لا يعلنُها فكرُنا المسيحيُّ.

    المبدأ الرابع:

    لا نأخذ كلمةً أو عبارةً أو نصًّا بمفرده، أو بعض النصوص المتناثرة بلا رابط بينها، ثم نستنتج عقيدةً كاملةً بناءً عليها دون أن نلتزم بدراستها في ضوء الكتاب المقدس كلِّه. وهذا لكي نصل إلى التفسير الذي يضم معًا في بوتقة واحدة كلًّا من المعنى الطبيعي مع المعنى الأصلي من خلال الخلفيات التاريخية والقرائن المختلفة، والمعنى العام الذي يحقق الانسجام والتوافق بين النصوص المتعددة.

    فعلى سبيل المثال، عبارة “مجيء المسيح” لا تعني بصورة دائمة المجيء الثاني، حيث يذكر الكتاب المقدس أنواعًا من المجيء، فمثلاً مجيئه بالقيامة (يوحنا ١٤: ١٨) والكلمة “آتي” المستخدمة في هذا النص هي نفس الكلمة المستخدمة في المجيء الثاني، وقد يعني أيضًا مجيئه بقوة في الروح القدس (متى ١٦: ٢٨) ويتأكد ذلك من مقابلة تلك العبارة مع ما ورد في مرقس ٩: ١٠، وقد يعني أيضًا مجيئه في دينونة أورشليم وخراب الهيكل (متى ٢٤).

    المبدأ الخامس:

    إدراك الفرق بين نظرتي كلٍّ من العهد القديم والعهد الجديد، وذلك انطلاقًا من حقيقة تدرُّج الإعلان الإلهيِّ، والذي بلغ قمَّتَه في المسيح. ولا يعني ذلك الفصل بين العهدين، لكن فقط التمييز الواعي بين وجهةِ النظرِ في كلٍّ منهما؛ حيث يؤكدُ العهدُ الجديد حقائقَ العهد القديم لكنه يضعها في صورتها النهائية بعد اكتمال تحقيقها.

    المبدأ السادس:

    تفسير النصوص ذات الطبيعة الرؤيويَّة وفقًا للقواعد الملزِمة في التعامل مع هذه الطبيعة الخاصة لهذه النوعية من النصوص.

    نجد هذه النصوص في الكتاب المقدَّس في كتب الأنبياء، مثل أجزاء من أسفار حزقيال ودانيآل وإشعياء وزكريا في العهد القديم، وفي متى ٢٤، مرقس ١٣، وسفر الرؤيا اعتبارًا من الإصحاح الرابع وذلك في العهد الجديد. فالكلمة “إعلان” (رؤيا ١: ١) تعني  في الأصل اليوناني “كشف” أو “إعلان”، وكشف وإعلان ما هو مخفي.

    أول وأهم قاعدة هي “لا تفسر هذه الكتابات تفسيرًا حرفيًّا”؛ حتى لا يُشوَّه المعنى تمامًا. وعدم مراعاة هذه القاعدة هو الذي قاد إلى الفكر التدبيري، ومبعث هذه القاعدة هو أن الكتابات الرؤيوية يجب فهمها على أنها “أسلوبٌ للكتابة” لتوصيل رسالة معينة وليست وصفًا حرفيًّا أو تفصيليًّا لشيء بعينه قد حدث.

    المبدأ السابع:

    ضرورة وأهمية أن ندرس بصورة جادة أسلوب الاقتراب الصحيح من النبوات أو النصوص النبوية في الكتاب المقدس بصفة عامة وفي العهد القديم بصفة خاصة. وفيما يلي طرحٌ للجوانب الأربعة الرئيسة في طريقة الاقتراب من النبوات.

    • الرسالة:

    تنقسم رسالةُ الأنبياء بصفة عامةٍ إلى قسمين؛ يشمل القسمُ الأول المساحةَ الأكبر، وهو رسالة مباشرة تسعى لتفسير التاريخ في ضوء الأحداث الحاضرة، والتي تتلامسُ مع حياة السامعين في عصرهم. هذه الرسالة تتضمن الحثَّ والتوبيخَ والتصحيحَ والتعليمَ.

    وينالُ القسمُ الثاني المساحةَ الأقلَّ. ويهتمُّ هذا القسم بالحديث عن المستقبل، وهو ليس أمرًا تاريخيًّا مُجرَّدًا، بل هو رسالةٌ روحيَّةٌ مضمونها أن الله هو سيدُ التاريخ، وهو يقود أحداثَه وفق مشيئته المطلَقة حيث يوجِّهُه إلى الهدف السامي الذي سبق وحدَّده له من خلال أحداث التاريخ.

    • المدى:

    بناءً على الجانب (أ) ندرك أن رسالة الأنبياء لم تكن لإشباع فضول معرفة المستقبل، بل كانت لكي يعلن الله من خلالها إعلانًا محدود المدى فيما يخص المستقبل في حياة الشعب في ذلك الوقت بالقدرِ الذي يكفي لإظهار ما سوف يحدث.

    ونموذج لذلك -لإيضاح المقصود- إحدى أقدم نبوات العهد القديم، والنص الذي يعلن إتمامها أو تحقيقها في العهد الجديد.

    نبوة العهد القديم في عاموس ٩: ١١- ١٢: “فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ مِظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأُحَصِّنُ شُقُوقَهَا، وَأُقِيمُ رَدْمَهَا، وَأَبْنِيهَا كَأَيَّامِ الدَّهْرِ. لِكَيْ يَرِثُوا بَقِيَّةَ أَدُومَ وَجَمِيعَ الْأُمَمِ الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ”.

     التطبيقُ في العهد الجديد في أعمال الرسل ١٥: ١٤- ١٧؛ إذ يتحدَّث الرسول يعقوب في مجمع أورشليم، قائلًا: “سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللهُ أَوَّلًا الْأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْبًا عَلَى اسْمِهِ. وَهَذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: سَأَرْجِعُ بَعْدَ هَذَا وَأَبْنِي أَيْضًا خَيْمَةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأَبْنِي أَيْضًا رَدْمَهَا وَأُقِيمُهَا ثَانِيَةً، لِكَيْ يَطْلُبَ الْبَاقُونَ مِنَ النَّاسِ الرَّبَّ، وَجَمِيعُ الْأُمَمِ الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ”.  

    ج- الأساليب:

    استخدم الأنبياء في رسائلهم عدة أساليب، وعلى سبيل المثال الرؤى والأحلام (عدد ١٢: ٦؛ إرميا ٢٣: ٢٥)، وأيضًا الأمثال (إشعياء ٥: ١- ٧؛ ٢صموئيل ١٢: ١- ٧؛ حزقيال ١٦، ٢٣) وأيضًا الأعمال الرمزية (٢ملوك ١٣: ١٤؛ ١ملوك ١١: ٢٩- ٣٠؛ حزقيال ٤: ١- ٣). كما استخدموا أيضًا الأحداث الجارية وأيضًا استخدم الرب أحيانًا حياة النبي الخاصة ليعطي من خلالها رسالة للشعب كما حدث مع هوشع (هوشع ١، ٢) وعاموس (عاموس ٤: ١٢؛ ٨: ١- ٣).

    د- التفسير:

    أعتقد أنه لا بد أن يكون قد قفز إلى ذهنك -عزيزي القارئ- السؤال المنطقي: إذن ما هي خطوات تفسير النصوص النبوية؟ وإليك بعض الخطوات باختصار شديد:

    (١) تطبيق القواعد العامة للتفسير.

    (٢) إدراك أن كل نص نبوي هو جزء من كل ولذا يلزم أن نربط الأجزاء معًا.  

    (٣) لا بد من استيضاح رسالة النص ومن هم المتلقون الحقيقيُّون لها مع إدراك نوع النبوة (مثلًا: تعليميَّة، أخلاقيَّة، تشجيعيَّة، وعدٌ… إلخ).

    (٤) مراعاة طبيعة الكتابة الشعرية للنبوات.

    (٥) التركيز أيضًا على التفسير التاريخي للنبوة.

    (٦) لا تُفسَّر النبوات انطلاقًا من الأحداث السياسيَّة المتغيرة بطبيعتها، بل في ضوء العهد الجديد.

    (٧) نربط بين المعنى الأصلي للنبوة كما قصده النبي وبين رسالتها المعاصرة الآن.

    ثانيًا: عرض مختصر لفكر المدرسة الدهرية

    يُطلق عليها أيضًا “المدرسة التدبيرية”، التي ظهرت في النصف الثاني من القرن ١٩، وهم يعتقدون فيما يلي:

    • أن الكنيسة مجرد جملة اعتراضية في تاريخ التعامل الإلهي؛ حيث الأصل هي إسرائيل، وهي التي يستمرُّ التعامل معها (الكنيسة بدأت يوم الخمسين وتنتهي بالاختطاف) لذا فهم يخلطون جدًّا بين ما هو يهودي وما هو مسيحي، وبين الدين والأحداث السياسية.
    • يميزون بين مصطلحَيْ “ملكوت الله”، “ملكوت السماوات”؛ حيث الأول يتكون من اليهود كقادةٍ في المملكة وأيضًا كأمةٍ على الأرض، بينما المصطلح الثاني هو الكنيسة التي لم يعرفها أنبياء العهد القديم.

    ج- ينادون بالتسلسل الآتي لأحداث النهاية:

    • لا توجد علامات لمجيء المسيح الثاني.
    • الاختطاف هو مجيء المسيح السري لاختطاف الكنيسة بعد أن يقوم المؤمنون الراقدون ويجتمع الكلُّ مع المسيح لدخول عشاء عُرس الحَمَل.
    • في السماء يتم الظهور أمام كرسيِّ المسيح، بينما على الأرض سبع سنين ضيقة لليهود فيما يُدنَّس الهيكل، وخلالها يتعرف اليهود على المسيح الذين سبقوا ورفضوه.
    • في نهاية السنين السبع يأتي المسيح ثانيةً مع قديسيه إلى أورشليم ليملك على الأرض ويقيِّد إبليس، ويعود اليهود من كلِّ مكان إلى أورشليم وللمسيح، ويُعاد بناء الهيكل وتُقدَّم الذبائح فيه، ويملك المسيح والقديسون بالجسد الممجَّد على الأرض لمدة ألف سنة، ويصير اليهود دولةً تحكم كلَّ الأمم في عصر سلام وبركات وخيرات على الأرض.
    • في نهاية الألف سنة يرتفع المسيحُ إلى السماء ويتم حلُّ الشيطان الذي يقوم بإثارة الأمم ضد أورشليم فيحاصرونها، ثم تشتعل معركة هرمجدون الفاصلة حيث يدمر المسيحُ الجيوشَ المجتمعةَ على أورشليم.

    د- نبع هذا الفكر من خلال تبنِّي أسلوب معين في التفسير -لن نستطرد في سرد تفاصيله- يرى أن النبوات الخاصة بإسرائيل في العهد القديم تظل وتستمر لها كأمةٍ ولا تنتقل للكنيسة.

    ثالثًا: لماذا ترفض الكنيسةُ المشيخيَّةُ فكرَ المدرسة الدهريَّة؟

    للاختصار سأكتفي بطرح بعض المبادئ العامة، والتي منها تتشكَّل الأسبابُ الموضوعيَّةُ لرفض هذا الفكر:

    (١) يؤكد العهد الجديد الدلالة الإيمانية الروحية، وليست المادية التاريخية للعهد مع إبراهيم ونبوات العهد القديم وأنها جميعها تحققت في المسيح:

    • إرميا ٣١: ٣١- ٣٤ مع عبرانيين ٨: ٨- ١٣
    • غلاطية ٣: ١٦، ٢٨- ٢٩؛ أعمال الرسل ٣: ٢٥، ٢٦؛ يوحنا ٨: ٣٢- ٤٤.

    (٢) إبراهيم الذي كان له الوعد الأول لم يرَ وفي وجوده في إقليم جغرافي معين ما يحقق علاقته الكاملة مع الله (عبرانيين ١١: ٩، ١٠، ١٦).

    (٣) كان الوعد منذ البداية مشروطًا بضرورة طاعة إسرائيل للرب، بحفظ شرائعه، وإذا لم يتم ذلك يتم طردهم من الأرض والتشتت بين الشعوب (تثنية ٣٠: ١٥- ١٨)، وحيث إن الشعب قد نقض العهد، لذا لم يَعُد الأمر الخاص بالأرض في العهد ساريَ المفعول.

    (٤) القول بأن الاحتلالَ الإسرائيليَّ لفلسطين حاليًا هو إتمامٌ للنبوات يتعارضُ تمامًا مع فهمنا الكتابي لطبيعة الله ولإرسالية شعب الله لما يلي:

    أ- إذا مَنحنَا قدسيةً خاصةً لأورشليم وتطلَّعنا إلى تثبيت دولةٍ سياسيةٍ دينية فيها، فإن ذلك يعني أن الله محدودٌ في بقعة معينة دون غيرها على سطح الأرض (يوحنا ٤: ٢٢- ٢٤؛ إشعياء ٤٥: ٢٢).

    ب- الملك سليمان نفسه حين دشَّن الهيكل، أقر بسخف محاولة اختصار الله في موقع جغرافي بعينه على الأرض (٢أخبار ٦: ٨).

    ج- إشعياء ٤٢: ١- ٤؛ متى ١٢: ١٥- ٢١ نجد مفتاحَ هذه الفقرة التي سجَّلها إشعياءُ النبي واقتبسها البشير متى في كلمتي الأمم، القبائل والشعوب. فلقد اختار اللهُ شعبًا مُعيَّنًا -ليس لكي تبدأ وتنتهي به الإعلاناتُ الإلهيَّةُ- بل ليكون هذ الشعب أداةً ينتشر بواسطتها الإعلانُ الإلهيُّ لجميع الشعوب.

    د- يوضح العهدُ الجديدُ أن الإرساليَّة التي كانت إسرائيلُ مُكلَّفةً بها سيتم اكتمالها بواسطة الكنيسة (خروج ١٩: ٥- ٦ مع ١بطرس ٢: ٩).

    (٥) أ- أن ملكوت الله هو ملكوت روحي وليس ماديًّا، وهو شاملٌ لكل البشر:  

    • يوحنا ١٨: ٣٦؛ رومية ١٤: ١٧ ملكوت روحي
    • لوقا ١٣: ٢٩        ملكوت شامل

    ب- ونرى في متى ٢١: ٤٣ قولاً حاسمًا قاطعًا بأن هذه الأمة هي الكنيسة التي أسَّسها الله، وهي شعب الله الواحد الحقيقي والذي يشمل كل المؤمنين في العالم رومية ٢: ٢٨- ٢٩؛ رومية ٣: ٢٩- ٣٠؛ فيلبي ٣: ٢- ٣ من يهود وأمم وهي التي ورثت المواعيد والبركات التي كانت لإسرائيل قديمًا.

    بعد كل ما سبق، أترك معك -عزيزي القارئ- تساؤلاً منطقيًّا: ما هدف إعادة بناء هيكل انتهى دوره بمجيء المسيح وتدشين الكنيسة؟ وأية ذبائح سنقدِّم فيه بعد إتمام الذبيحة الكاملة بصلب المسيح وقيامته؟ (عبرانيين ٩: ١١؛ ١٠: ٤- ١٤).

    رابعًا: الأساس الكتابي واللاهوتي للفكر المشيخي في هذا الشأن

    (١) إعلان الله عن نفسه وعن عهده مع شعبه كما جاء في الكلمة المقدسة يتجه تدريجيًّا نحو التقدم والاكتمال حتى يتحقق نهائيًّا في العهد الجديد في شخص الرب يسوع المسيح وعمله ورسالته. وهذا ما يُعرف بتدرُّج الإعلان الإلهي (عبرانيين ١: ١- ٤).

    (٢) يُفسَّر العهد القديم في ضوء العهد الجديد (يوحنا ١: ١٨)، وفي ضوء شخص وعمل رسالة الرب يسوع (لوقا ٢٤: ٢٧).

    (٣) يجب أن يتم دراسة أي نص كتابي في ضوء المضمون الكتابي الشامل قارنين الروحيات بالروحيات (رؤيا ٧: ١٦؛ ٢١: ١).

    (٤) ضرورة إدراك وفهم الطبيعة الخاصة بالنصوص الرؤيويَّة حتى لا تُفسَّر حرفيًا أو بمعزل عن خلفياتها التاريخية. وهكذا أيضًا مع نصوص النبوات.

    (٥) المجيء الثاني للمسيح مجيءٌ واحدٌ علنيٌّ ومرئيٌّ، فلا يوجد مكانٌ سريٌّ لمجيءٍ سريٍّ لاختطاف الكنيسة.

    خاتمة:

    بناءً على كل ما تقدَّم، نؤكد أنه لا علاقة من قريب أو بعيد بين دولة إسرائيل الحالية، والتي قامت بمجهودات الحركة الصهيونيَّة العالميَّة بتدعيم سياسيٍّ وعسكريٍّ من بعض الدول- وبين حقيقة شعب الله في نبوات العهد القديم والتي تحققت فعليًّا في إطارها الزمني التاريخي في العهد القديم واكتملت في معناها الروحي الأصيل في المسيح والكنيسة.

    نؤكد أيضًا أن فكر الكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة في هذا الأمر ليس وليدَ ظروفٍ سياسيةٍ أو ثقافيةٍ يعيشها الإنجيليُّ المشيخيُّ الشرقُ أوسطيُّ؛ حيث تم زرع دولة إسرائيل المحتلة، لكنه ينبع من فكر الكنيسة كما شرحه وبلوره وكتبه المُصلح چون كلفن مؤسس الكنيسة المشيخية منذ عام ١٥٥٩م (أي قرابة أربعة قرون).

    المراجع المستخدمة:

    (١) لمعي، القس إكرام، الاختراق الصهيوني للمسيحية- دار الشروق- ١٦ ش جواد حسني- ١٩٩١م. القاهرة.

    (٢) نجيب، د. ق. مكرم- قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح- المزاعم الصهيونية لنهاية التاريخ- دار الثقافة. ص. ب ١٢٩٨- القاهرة – ٧٨٦٦/٢٠٠٢.

    (٣) جرودم- واين- علم اللاهوت النظامي- الجزء الثالث- برنامج التعليم اللاهوتي بالامتداد- ص. ب. ١٩٣١- عمان ١١١١٨ المملكة الأردنية الهاشمية، مطبوعات إيجلز. ص. ب ١١٠١ هليوبوليس بحري- القاهرة ١١٧٣٧٥- مصر. رقم الإيداع الأردن ٢٢٠٣/٨/٢٠٠٦- مصر ٧٢٧٩/٢٠٠٩.

    (٤) مذكرات دراسة سابقة أعدها وقدمها الكاتب بعنوان “هل إسرائيل الحالية هي شعب الله؟” سنة ٢٠٠٥.

    (٥) مذكرات دراسة سابقة أعدها وقدمها الكاتب بعنوان “المجيء الثاني” سنة ٢٠٠٨.