أ. يوسف إدوارد.
اسم الكاتب : د. ق. هاني يوسف قُسْطَنْدِي حَنَّا
في لَيْلَةِ عِيدِ المِيلادِ، حِينَ يُغَنِّي المَسيحيُّون ”حَلَّ في الأرْضِ سَلامٌ … واتِّحادٌ ووئامٌ“ (نَظْم المَزَامِير، تَرْنِيمَة ٢ في المُلْحَق)، انْدَلَعَتْ في عام ١٩١٤ حَرْبٌ عالميةٌ بين مَسِيحِيِّي أورپا مُقَسِّمَةً إياها وقاتلةً أبناءَها، لَكِنَّ الجُّنُودَ لِتَدَيُّنِهِم حَرِصُوا على الاشْتِرَاكِ في عَشَاءِ الرَّبِ وسط الحَرْبِ (Weintraub, Silent Night, 2001, 4). وفي لَيلةِ ميلادٍ أُخْرَى في شِيلي في ثَمَانِينِيَّات القَّرْن العِشْرِين، بَعْد أنْ اشْتَرَكَ سِيَاسِيُّون مَسِيحِيُّون في عَشَاءِ الرَّبِ مُتعهدِين بإنهاء عَهْدِ الصِّراعات والعُنْفِ، انْقَلَبَ بعضُهم على بعضٍ خَائِنِينَ عَهْدَهُم الَّذي قَطَعُوه حَوْلَ مائدةِ الرَّبِ. وتقريبًا عِنْدَ بِدَايَةِ الصَّوْمِ الكَّبير في عام ٢٠٢٢، اقْتَحَمَ ڤْلادِيمِير پُوتِن المَسِيحِيُّ أُوكْرانْيا المَسِيحِيَّةَ هادِمًا إيَّاها وطارِدًا أهْلَهَا مِنْ بَيْتِهِم. ويبدو أنَّ پُوتِن سَيَحْتَفِلُ بِخَمِيسِ العهد في أثناء قَصْفِهِ لأُوكْرَانْيا.
من الواضح أنَّ المسيحيين عندما يجتمعون حَوْلَ مائدةِ رَبِّهِم، هناك أشياء كثيرة هُمْ لا يُدْرِكُونَها. ففي كل حالة من الحالات الثلاثة السابقة، واضح أنَّ هناك شيئًا غَرِيبًا يَصِلُ إلى حَدِّ التَّنَاقُضِ بين العقيدة والأخلاق. إنَّ عَشَاءَ الرَّبِّ يُخَاطِبُ الضَّمِيرَ المَسِيحِيَّ. وعلى الرَّغْمِ مِنَ الجَدَلِ الطَّويل حَوْلَ مَدَى مُلائَمَةِ الاشتراك في الحرب، ما زال يَشُوبُ الشَّكُّ الضَّمِيرَ المسيحيَّ حول هذا الأمْرِ. وذلك حَتَّى فيما يَتعلق بما يُسَمَّى ”الحَرْب العادلة.“
إنَّ كلَّ تاريخ الخلاص يَتقارب حَوْل مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ الَّتِي يُعْلَنُ فيها هذا الخَلاصُ. ففي كَسْرِ الخُبز والشُّرْب مِنَ الكَّأسِ نفسِهِ، يَتَذَكَّرُ المسيحيُّون ويَشتركون في الحَدَثِ المَرْكَزيّ لإيمانهم. فالمسيحُ يَسوعُ تألَّمَ ومَاتَ في نهايةِ حياةٍ وخدمةٍ نادَى فيها بمَلَكوتِ اللهِ، مُعْطِيًا حياةَ اللهِ للآخَرين وفاضحًا مَظَالِمَ القُّوَى والسُّلُطَات الَّتِي تَتَحَالَفُ حَوْلَ ظنٍّ وَاهِمٍ بأنَّهُ يُمْكِنُ للإنسان تأمين حياتِهِ بِطَرِيقٍ آخَر سِوَى المسيح يسوع. لكنَّ اللهَ قد أقَرَّ طريقَ المَسيح يسوع إذْ أقَامَهُ مِنَ المَوْتِ، والمسيحُ الآن حاضرٌ في الكنيسةِ وفي العالم. فَبِالنَّظَرِ إلى الماضي، يَرَى المسيحيون أنَّ حياةَ المَسيحِ ومَوْتَهُ كانا تحقيقًا لأمانةِ اللهِ لِعَهْدِهِ مع شَعْبِهِ، ومِنْ خِلالِ هذا الشَّعْبِ مَعَ كُلِّ البَشَرِ. وبالنَّظَرِ إلى المُسْتَقْبَل، يَرَى المَسيحيون كلَّ ما فَعَلَهُ يسوعُ بِاعْتِبَارِهِ تَوَقُّعًا لِوَلِيمَةٍ مَسِيحَانِيَّةٍ عظيمةٍ في نهايةِ التَّاريخ حين يَجْمَعُ اللهُ البَشَرِيَّةَ السَّاقطة ويَشْفِي الخليقةَ الكَّسِيرَةَ من خلال شركة وحدة ملكوت الله الأبديّ (رو ٨: ٢١-٢٣؛ رؤ ١٩: ١-١٠؛ رؤ ٢١: ١). وبالنَّظَرِ إلى الحاضر، يَرى المسيحيون ضَعْفَ العالم وانكساره. لَكِنَّهُم يَرَوْنَهُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ والرَّجَاءِ. فَكَمَا يَنْكَسِرُ الخُبْزُ أمَامَنَا في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ، اشْتَرَكَ اللهُ في الانْكِسَارِ البَشَرِيّ مُفْسِحًا مكانًا في الزَّمَنِ كي نَتَّحِدَ بالله وبِبَعْضِنَا البَعْض في شَرِكَةٍ شَافِيَةٍ. (Cavanaugh,Torture and Eucharist, 1998 222-34)
والاشتراكُ في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ لَهُ تَضْمِينَاتٌ جَادَّةٌ. فَمَنْ يَشترك فيها هو مُتَضَمَّنٌ في دِينامِيكِيَّتِها، أيْ في كَيْفِيَّةِ مُنَادَاةِ يَسوع بملكوتِ اللهِ (Spohn, Go and Do Likewise, 1999, 166). فعندما جَمَعَ يسوعُ تلاميذَه حَوْل المَائِدَةِ، لَمْ يَكُنْ ذلك بِهَدَفِ تَحقيق العَدْل عَن طريقِ تَشْكيلِ هُوِيَّتهم بِكَيْفِيَّةٍ تَتَّسِمُ بتأمين الذَّات الَّتي نَراها في مُعْظَمِ التَّحَالُفَات. فَعِوَضًا عن وَضْعِ حَوَاجِزَ تُبْعِدُ المَنْبُوذِين والأعداء، قد دَعَاهُم لِيَتَعَشَّوا مَعَهُ. وبَدَلًا مِن إنْجَازِ رِسَالَتِهِ عَنْ طَرِيقِ تَهْدِيدِ الآخرين بِأَخْذِ حياتهم، أرانا طريقَ اللهِ بتقديمِهِ حَيَاتَهُ للآخَرين. وخلافًا لِتَوَجُّهِ شَيْطَنَةِ الغُرَبَاءِ، قد أَحَبَّ الأعداءَ. لقد حَقَّقَ يسوعُ الأمانَ عَن طريق كَرَمِ الضِّيافةِ لا عن طريق الاستبعاد، وعن طريق المخاطرة لا عن طريق الخوف. فهو لم يَقتل أحدًا، بل قد ماتَ. وهو الآن حيٌّ. هذا هو إقرارُ المسيحيين. ولكن عندما يَشترك المسيحيون في مَائِدَةِ المَسيحِ يَسُوعَ ويَجِدون حياةً في حَيَاتِهِ الَّتي هي حَيَاةُ اللهِ الوَاحِدِ الثَّالُوثِ، فَهُمْ بِالتَّبَعِيَّةِ مُتَضَمَّنُون في طريق اللهِ الَّذِي هو طَرِيقُ الحُبِّ واللَّاعُنْفِ.
حاليًّا هناك نَظَرِيَّتان مَسِيحِيَّتَان أسَاسِيَّتَان فِيما يَتَعَلَّقُ بموضوع الحَرْبِ: النَّظريةُ الأُولى هي ”السَّلامِيَّة أو السِّلْمِيَّة pacifism،“ والنَّظَرِيَّةُ الثَّانيةُ هي ”الحَرْب العادلة just war.“ و تَتَّفِقُ النَّظريتان على أنَّ الحَرْبَ ليست خِيَارًا مَحْمُودًا مِنَ المَنْظُورِ المَسِيحيّ، لَكِنَّهُما تَختلفان حَوْلَ عَمَّا إذَا كانت هُناك ظُروف أو شُروط يُمْكِنُ معها اتِّخاذُ قَرَارِ الاشْتِراكِ في حَرْبٍ.
فَالسَّلامِيَّةُ بصفةٍ عامَّةٍ تَرْفُضُ اختيارَ الحَرْب رفضًا تامًّا تَحْتَ أيِّ ظَرْفٍ. وعلى الرَّغْمِ من أن مَسِيحِيِّي القُّرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى لَم يَكونوا سَلامِيِّين بالمَعْنَى الحَدِيثِ، قَدْ اعْتَبَرُوا أيَّ سَفْكٍ للدِّمَاءِ خَطَيَّةً. ولذا رَفَضُوا الانضمامَ للخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ واعْتَقَدُوا أنَّ نُّبُوَّات إش ٢ ومي ٤، الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ عَصْرٍ تَكُفُّ فِيهِ الأُممُ عن الحُرُوبِ، هي نُبُوَّاتٌ كانَتْ تَتَحَقَّقُ في حَيَاةِ الكَّنِيسَةِ آنَذَاك (Kreider, The Change of Conversion and the Origin of Christendom, 1999, 27). ويَلْجَأ السَّلامِيُّون في إثبات وجْهَةِ نَظَرِهِمْ إلى أمْثِلَةٍ تاريخيَّةٍ نَجَحَتْ فيها السَّلامِيَّةُ في تَحقيق النَّصْرِ في صراعات هامَّةٍ—مثل حُصُولِ الهند على اسْتِقْلالِها بَعْدَ نِّضَالِ لاعُنْفِيٍّ بقيادة غَانْدِي، وحُصُول الأمْرِيكان مِنْ أصْلٍ أفْرِيقيّ على حُقُوقِهِم المَدَنِيَّة بقيادة مارْتِن لُوثَر كِينْج، والتَّخَلُّص مِنَ التَّفْرِقَةِ العُنْصُرِيَّة في جنوب أفريقيا بقيادة نِيلْسُون مَانْدِيلا، وتَحَوُّل الفِيلِپِّين إلى الدِّيمُوقْرَاطِيَّة، والتَّخَلُّص مِنَ الحُكم الشّيُوعِيّ في الاتِّحاد السُّوڤْيِيتِّي. وكلُّ هذه الأمثلةِ وغَيْرُها تُثْبِتُ أنَّ السَّلامِيَّةَ اسْتْراتِيجِيَّةٌ سياسيةٌ قويةٌ ولَيْسَتْ مُجَرَّدَ أخلاقٍ فَرْدِيَّةٍ مِثَالِيَّةٍ. كما يُحَاجِجُ السَّلامِيُّون بأنَّ العُنْفَ يُوَلِّدُ عُنْفًا، الأمْرُ الَّذي حَتْمًا يَدْفعُ أطرافَ الصِّراعِ إلى الدُّخُولِ في دائرةٍ مُفْرَغَةٍ تُسَبِّبُ دَمَارًا أشْمَلَ حَتَّى لو كانَتْ وراء هذه الحَرْبِ تبريراتٌ عادلةٌ أو نَوَايَا حَسَنَةٌ. كما إنَّ تَكْلِفَةَ الاستعداد للحَرْبِ، حتَّى مِنْ دُونِ الدُّخُول فيها، تُمَثِّلُ في حَدِّ ذَاتِهَا نَزِيفًا اقتصاديًّا لِتَأثِيرِها السَّلْبِيّ على الأنْشِطَة الإنتاجيَّةِ للبِلاد. فإنَّ اختيارات الحَرْبِ تُمَثِّلُ حُلولًا قَصِيرَةَ الأمَدِ، وتَنْتُجُ عَنْها مُشْكِلاتٌ اجتماعيةٌ مُعَقَّدَةٍ يَطُول أمَدُها (بندلي، نِضَال عُنْفِيّ أو لاعُنْفِيّ؟ لإحقاق العدالة، ١٩٨٨، ٢٧-٣٥، ١٢٣-٦٧). لَكِنَّ السَّلامِيِّين لا يَبْنُونَ رَفْضَهُم للحَرْبِ بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ على هذه الأسباب. فالموقفُ السَّلامِيُّ مُؤَسَّسٌ على حياة وموت وقيامة يسوع المسيح الذي فيه بَيَّنَ اللهُ أنَّ تَصْحِيحَ الأوْضَاعِ لا يَنْبُعُ من مَنْطِقِ الأسْبَابِ والنَّتائج، بَل مِنَ المَنْطِقِ اللَّامُتَوَقَّع للصَّلِيبِ والقِّيَامَةِ (Yoder, When War is Unjust, 1996, 204). والسَّلامِيُّون المسيحيون لَيْسُوا جَمَاعَةً مِنَ السُّذَّجِ الَّذين يَعتقدون أنَّ كلَّ الصِّراعاتِ سَتُحَلُّ بسهولةٍ بِوَسَائِلَ لاعُنْفِيَّة. فَهُمْ يَثِقُون في المسيح الَّذي يَتَعَلَّمُونَهُ في الإنجيل ويُقَابِلُونَهُ بالنِّعْمَةِ في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ، والذي يُدَرِّبُهُم على تَوَقُّعِ اللَّامُتَوَقَّع. وبِمُقْتَضَى أنهم مُتَضَمَّنُون في الطَّرِيقِ اللَّامُتَوَقَّع الَّذي أَعْلَنَ بِهِ المسيحُ ملكوتَ اللهِ، قد حُرِّرُوا لكي يُخاطِرُوا بالحياةِ هُنَا والآن طِبْقًا لِهَذا المَلَكُوتِ.
إنَّ بَعْضًا مِمَّنْ يَتَبَنُّون نَظَرِيَّةَ ”الحرب العادلة“ لا يَسْعَوْن في الحقيقة لأنْ يَجِدُوا مُبَرِّرَات للحرب، بِقَدْرِ أن يَضَعُوا حُدُودًا للعُنفِ المرتبط بالحَرْبِ. ونَظَرِيَّةُ ”الحَرْب العَادِلَة“ تَقولُ إنَّ مَن يَخُوْض حَرْبًا عَلَيْهِ اسْتِيفاءُ المَعَايير التَّالِيَة: (١) أنْ يَكُونَ للحَرْبِ سَبَبٌ مُعْلَنٌ بدون أجِنْدَاتٍ خَفِيَّة؛ (٢) أنْ يَكونَ هذا السَّببُ عادلًا، مثلًا للرَّدِ على شَرٍّ عَلَنِيٍّ شديدٍ؛ (٣) أنْ تَكونَ الحَربُ هي المَلاذ الأخَيِر؛ (٤) أن يَكونَ نجاحُ الحَرْبِ أمْرًا مُحْتَمَلًا، وأن تَكون لِنتيجةِ الحَرْبِ المَرْجُوَّةِ قِيمَةٌ أكْبَرَ مِنْ تَكْلِفَةِ الدَّمَار النَّاتِج عَنْ هذه الحَرْبِ. فَلا تَكون الحَربُ خسارةً فظيعةً للأرواح وإهدارًا فادحًا للوقت والمَصَادِر؛ (٥) أن تَكون هناك شَرْعِيَّةٌ لِمَنْ له سُلطَةُ أَخْذِ قرار الحَرْبِ، وأنْ يَكُونَ قَدْ نُصِّبَ لِخدمةِ الشَّعْبِ لا لخدمةِ مَصالِحَ شخصيةٍ؛ (٦) أنْ يتم تأمين المَدَنِيِّين، فلا يَمَسُّهم سُوءٌ؛ (٧) أنْ تَستَمِّرَ النَّوَايا الصالحةُ حتَّى نهاية الحَرْب، أي أن تَستمرَّ الحَرْبُ حَتَّى نهايتها مدفوعةً بِالرَّغْبَةِ في تَحقيقِ السَّلامِ والعَدْلِ لا الانْتِقَامِ والكَّراهِيةِ. (سْتُوت، المَسيحيَّة والقَّضَايا المُعَاصِرَة، ١٩٩٠، ٨٨-٩٦.)
ومَنْ يُدَقِّق، يُلاحِظ أنَّ هذه المَعايير مُسْتَمَدَّةٌ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ لا مِنْ تَعاليم المسيح. وقد يَكونُ هذا هو السَّبَبُ الرَّئِيسِيُّ وراءَ اسْتِمرارِ وتَطَوُّرِ نَظَرِيَّةِ ”الحَرْب العادلة“ عَبْرَ العُصور. ويَرَى مُفكِّرون مَسيحيون أنَّ المسيحيين عليهم أنْ يُتَمِّمُوا دعوةَ الإنجيل لِمَحَبَّةِ القَّرِيبِ. لكنَّ عَليهِم أنْ يَفْعَلُوا ذلك في العالَم الذي يَجِدُونَ أنْفُسَهُم في رِحَابِهِ، وهو عالَمٌ ساقطٌ ولا يَمْتَثِلُ لِمُلْكِ اللهِ. فحياةُ المسيح وتعاليمُه تُمَثِّلُ المِقياسَ الصحيحَ لِكُلِّ فِعْلٍ بَشَرِيٍّ، وهي تَنْهَىَ (مَعَ وَصَايَا النَّامُوسِ) عَن العُنْفِ. لَكِنَّ سُقوطَ العَالمِ يُحَتِّمُ عمليًّا حُدوثَ اسْتثناءات للقاعدة الأخلاقية. بكلماتٍ أُخْرَى، تُحاولُ نظريةُ ”الحَرْب العادلة“ أن تَصِفَ دِينَامِيكِيَّةَ هذا الاسْتِثْنَاءِ الحَتْمِيّ، ولَكِنْ بِكَيْفِيَّةٍ تَحْتَرِمُ المِقْيَاسَ المَسِيحِيَّ الَّذي يُنَبِّرُ على أهَمِّيَّةِ الحِفَاظِ على الحَيَاةِ ومَحَبَّةِ القَّريبِ وأيضًا مَحَبَّةِ الأعْدَاء عَنْ طَرِيق احْتِرَامِ كَرَامَتِهِم الإنسانيةِ في وَقْتِ الحَرْبِ. إنَّ المسيحيين يَعِيشُونَ في مَرْحَلَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْن إعْلانِ مَلَكُوتِ اللهِ في المسيحِ يَسُوعَ واكْتِمَالِ إتْيَانِ هذا المَلَكُوتِ. فالمسيحُ المُقَامُ حاضرٌ مَعَنا بِالرُّوحِ القُدُسِ في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ، لَكِنَّنَا ما زِلْنَا نَحْيا في فَتْرَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْن قِيامَةِ يَسُوعَ والقِّيَامَةِ النِّهَائِيَّة حِينَ يَخْلِقُ اللهُ سَمَاءً وأرضًا جَدِيدَتَيْن (إش ٦٥: ١٧؛ رؤ ٢١).
إنَّ القَّراراتِ الأخلاقيةَ دائِمًا يَشُوبُهَا قَدْرٌ مِنَ التَّعْقِيدِ، وهذا التَّعْقِيدُ يَتَضَاعَفُ فَلَكِيًّا في حالَةِ قَرَارِ الحَرْبِ. ولِتَوْضيح هذا التَّعْقِيد، لِنَأخُذ مَثَلًا القَّرَار العَسْكَرِيّ بشأن أَدُولْف هِتْلَر ولنُحَلِّلهُ في إطار نَظَرِيَّتَيّ السَّلامِيَّة والحَرْبِ العَادِلَةِ. فَمِنْ نَاحيةٍ، يبدو أنَّ شَنَّ الحرب على هِتْلَر كان ضروريًّا لِمَنْعِ شَرٍّ أفظع هو استمرار النَّازِيّ في قَتْلِ مَلايين البَشَرِ. ومِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرى، هِتْلَر نَفْسُهُ هو نِتَاجُ قَرْنٍ مِنَ التَّسليح في أورپا. كما إنَّ قرارَ مُحَارَبَةِ هِتْلَر تَطَلَّبَ تَحالفاتٍ أدَّتْ إلى تَوْطِيدِ قُوَّةِ الاتِّحَادِ السُّوڤييتِّي وحُدُوثِ الحَرْبِ البَارِدَةِ وافْتِتاح عَصْرٍ مِنَ الرُّعْبِ النَّوَوِيّ. ويُشِيرُ هذا التَّعقيدُ إلى حَقِيقَةِ أنَّ القَّرارَ الأخلاقيَّ ليس فقط يَصْنَعُهُ البَشَرُ. فَالقَّرَارُ الأخلاقيُّ أيضًا يَصْنَعُ البَشَرَ، إذْ يَخْلِقُ مَسَارَ عُنْفٍ يَصْعُبُ على الفَرْدِ والشُّعُوبِ الخُرُوجُ مِنْهُ. وبالتَّالي فإنَّ تَجَاهُلَ هذا التَّعْقِيدِ أو التَّهَاوُنَ في تَقْدِيرِهِ هو في حَدِّ ذَاتِهِ قَرَارٌ لاأخلاقيّ. وهذا التَّعْقِيدُ يَعْنِي أنَّه على الرَّغْمِ مِنْ أنَّ السَّلامِيِّين لا يُمْكِنُهم تَفادِي التَّحَدِّي المُتَمَثَّل في الإبادات الجَّمَاعِيَّة (مَثَلًا، الَّتي قامَتْ بها النَّازِيَّةُ)، اسْتِبْعَادُ المَزَاعِمَ السَّلامِيَّةِ لِعَدَمِ تَقديمها حَلًّا سَرِيعًا لِتَحَدِّي النَّازِيَّةِ هو بِمَثَابَةِ لَوْم طَبِيبٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ اليوم على علاج مُدَخِّنٍ شَرِهٍ رِئَتُهُ تَشَوَّهَتْ جدًّا على مَدَارِ عُقُودٍ مِنْ سُوءِ الاسْتِخْدَامِ.
إنَّ مُنَادَاةَ الإنجيلِ في مَائِدَةِ عشاء الرب تُحَتِّمُ على المَسِيحِيِّينَ إعَادَةَ التَّفْكِيرَ بِشَأْنِ سُؤالِ الحَرْبِ (وأيضًا بِشَأْنِ كُلِّ أشْكَالِ العُنْف الجَّسَدِيّ واللَّفْظِيّ والمِزَاجِيّ). فَمَائِدَةُ عَشَاءِ الرَّبِّ هي دعوةٌ للحَيَاةِ، ووَعْدٌ بضيافة الغُرَبَاء، ومشاركةٌ بالسَّلام، وتَذَوُّقٌ لِكَرَمِ اللهِ. إنها كَسْرٌ يَخْلِقُ مجالًا للشِّفَاءِ (Spohn, 165-84). إنها تَحْتَفِلُ بِنصْرَةِ اللهِ على قُوَى الشَّرِّ مِنْ خِلالِ حَمَلٍ قَد ذُبِحَ وشُهُودٍ لَهُ تَتْبَعُهُ (رؤ ٥، ١٢). وإدراكُ المَسِيحِيِّين بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِم للتَّنَاوُلِ مِنَ مَائِدَةِ إفْخَارِسْتِيا عَشَاءِ الرَّبِّ وَهُمْ يَقْبَلُونَ نِعْمَةَ اللهِ يَعْنِي شَيْئًا جَوْهَرِيًّا في الإيمانِ المَسِيحِيّ. إنَّهُ يَعْنِي أنَّهُم يُقِرُّونَ بأنَّ الامْتِثَالَ لِحَياةٍ مِضْيَافَةٍ للآخَرِين، في تَجَاوُبٍ شَاكِرٍ مع نِعْمَةِ اللهِ البَادِئَةِ، هو جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِنَ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ. وبِالتَّالي فوُجُودُ هذا التَّوَتُّرِ على مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ، بَيْنَ الإدراك بِنِعْمَةِ اللهِ وعَدَمِ الاسْتِحْقَاقِ الَّذِي يَتَطَلَّبُ اعْترافًا وتَوْبَةً عَن الخَطِيَّةِ، هو أمْرٌ هامٌّ وصحيٌّ ويَعْنِي أنَّ مَائِدَةَ عَشَاءِ الرَّبِ تُمَارَسُ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ.
مَرَاجِع
Canavaugh, William. Torture and Eucharist. Malden, MA: Blackwell, 1998.
Kreider, Alan. The Change of Conversion and the Origin of Christendom. Harrisburg, PA: Trinity, 1999.
Spohn, William. Go and Do Likewise: Jesus and Ethics. New York: Continuum, 1999.
Weintraub, Stanley. Silent Night: The Story of World War I Christmas Truce. New York: Free Perss, 2001.
Yoder, John. When War is Unjust: Being Honest in Just-War Thinking. New York: Orbis, 1996.
بندلي، كُوسْتي. نِضَال عُنْفِيّ أو لاعُنْفِيّ؟ لإحقاق العدالة. بيروت: منشورات النور، ١٩٨٨.
سْتُوت، جُون. المَسيحيَّة والقَّضَايا المُعَاصِرَة. ترجمة نجيب جرجور. القاهرة: دار الثقافة، ١٩٩٠.
الكِّتَاب المُقَدَّس. ترجمة البستاني وڤان دايك.
نَظْم المَزَامِير. القاهرة: دار الثقافة، ١٩٨٦.
اسم الكاتب: القس جوهر عزمي
يتساءل البعض هل هناك حرب عادلة؟ ومن يقرر صحة عدالتها؟ أليس مفهوم العدالة نسبي؟ يختلف من شعب وثقافة إلى شعب وثقافة اخرى، أو بين أتباع هذا المذهب أو ذاك. وهل هناك مبرر لدولة أن تشن حربًا على أخرى؟ أو أليس الدفاع عن النفس مشروعًا للدول؟ أليس شن الحرب على الأنظمة والحكومات الظالمة والتي تنهك حقوق الإنسان أمرًا واجبًا؟ وعلى مدى العديد من القرون كان المسيحيون يبحثون عن تعريف لأخلاقيات ما يُسمى “الحرب العادلة”. وعاد الجدل مرة اخرى حولها في العصر الحديث بعد الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 نوفمبر 2001.
أولًا: نظرة تاريخية: يرجع مفهوم “الحرب العادلة” إلى ما قبل العصر المسيحي، ويمكن أن نرده إلى “الحروب المقدسة” في العهد القديم، وإلى بعض التعاليم الأخلاقية اليونانية والرومانية. ولكن هذا المفهوم اكتسب صفة مسيحية في القرن الرابع الميلادي. ويتفق معظم الكتًاب على أن القديس أوغسطينوس Augustine (354- 430) هو المنظر اللاهوتي لنظرية “الحرب العادلة”، مع أنه كان يرى أن حياة الشخص وممتلكاته لا تعد مبررًا لكي يقتل قريبه، ولكن حينما يتعلق الأمر بحكام الدول المسؤولين عن حفظ السلام فقد يعطيهم هذا الالتزام الحق في شن الحرب(ريموند وفينليزون، 2010). وسوف أعود لاحقا إلى وجهة نظر أوغسطينوس بشئ من التفصيل.
كما ذكرنا أن مفهوم “الحرب العادلة” لم يتبلور إلا في القرن الرابع الميلادي وبالتحديد في منتصفه، والضرورة هى التي فرضته بعد اعتناق الامبراطور قسطنطين Constantine (272 – 337) للمسيحية وجعلها الديانة الرسمية للامبراطورية الرومانية. وأصبح المجتمع الروماني “مسيحيًا”. وظهر في هذه الحقبة أحد زعماء الكنيسة وهو اثناسيوس (296 – 373)، الذي قدم دعماَ لبعض صيغ العنف وإمكانية القتل فقال “إن القتل غير مسموح به وأما قتل العدو في الحرب فهو مشروع وجدير بالثناء أيضًا” (يوسف، مقالة نظرية الحرب العادلة، 2012). في هذا التوقيت الذي كان يسعى فيه اثناسيوس إلى وضع الكنيسة تحت سيطرة الامبراطور قسطنطين ظهرت شخصية ذات شأن كبير في الفكر المسيحي وهو أوغسطينوس. لم يكن أوغسطينوس مسيحيًا وقتذاك بل كان وثنيًا ثم مانويًا ينتمي إلى الديانة المانوية Manichaen. وصار يتلقن تعليمه المسيحي على يد أمبروز Ambrose(337 – 397). واعتنق أوغسطينوس المسيحية وصار اسقفًا على مدينة هيبون (حاليًا عنابة بالجزائر)، في ذلك الوقت كان المسيحيون المؤمنون يشكلون الأغلبية في المجتمع وزادت عليهم الضغوط لكي يخدموا في الجيش وتزامن هذا الأمر مع تعرض الامبراطورية الرومانية إلى مهاجمات في اوروبا وأفريقيا من قبل قبائل جرمانية شرقية تُسمى “الونداليين” Vandals. فطُلب من أوغسطينوس الرد على اتهامات اثيرت ضد المسيحيين تشكك في ولائهم للامبراطورية في مواجهتها للتهديدات الحربية التي تتعرض لها، فجاء رده “أن الفرد المسيحي يحق له الخدمة في الجيش وخدمة الله أيضًا وأن يُقتل نيابة عن سلطات الدولة”( يوسف، مقالة نظرية الحرب العادلة، 2012). ويرى أوغسطينوس أنه لو كانت المسيحية تدين جميع أنواع الحروب لكانت النصيحة التي يقدمها يوحنا للجنود عندما جاءوا ليسألوه عن ماذا يفعلوا (لو 3 : 14)، هي أن يلقوا أسلحتهم ويهجروا الجيش نهائيًا، لكنه نصحهم بالقنوع في مرتباتهم ولا يشوا بأحد. ويستثني أوغسطينوس الأفراد من الحق في شن الحروب وذلك انطلاقًا من الاقتناع بأن المناصب السياسية عطية من الرب ودور السلطة السياسية الشرعية أن تشن الحرب فقط للحفاظ على سلامة البشر (رومية 13 : 1 – 3). ويفسر قول يسوع “يأخذون السيف” بأن المقصود هو حمله على غير حق، أى بدون سلطان الدولة أو سلطان السماء. ويرى أن البشرية في النظام الطبيعي تسعى إلى الأمن، ويتطلب هذا منح رأس الدولة شرعية شن الحرب إذا كان ذلك ضروريًا وعلى الجنود القيام بواجبهم العسكري من أجل سلام وأمن المجتمع. ويرى أوغسطينوس أنه يجب أن يكون هناك هدف سامي للحرب العادلة وأن تكون قائمة على المحبة رغم استخدام العنف وأن محبة القريب تفرض التزاما أخلاقيًا على الدول ذات السيادة للدفاع عن المعتدى عليه. ويرى أن التلاميذ لم يستخدموا العنف ولم يستعينوا بالدولة لاختلاف الظروف. وأيضًا لم ينه يسوع عن الحرب أبدًا بل شارك في دفع الجزية وكان يعلم أنها مخصصة لدفع مرتبات الجند. بل أن المسيح امتدح إيمان قائد المئة (مت 8 : 9 ، 10). ويرى أوغسطينوس أن هناك نصوصا يجب أن لا تفهم حرفيا وإلا فإننا نتهم يسوع بمخالفة تعاليمه لأنه لم يدر الخد الآخر عندما لطمه واحد من الخدام وإنما اعترض (يو 18 : 23). ولكنه كان يرى أنه على الذين ارتبطوا بخدمة الله كالرهبان والقسوس لا يجب أن يكونوا جزءًا من الصراع (Evangelical Dictionary Theology, p. 1153 )
وعبر العقود والقرون المتتالية وخاصة في العصور الوسطى- دعم الكثيرون من قادة وآباء الكنيسة فكرة الحرب العادلة حتى أن البابا جريجوري الكبير(590 – 603) نزل إلى الميدان العسكري وقام بالتنظير في كيفية الدفاع عن المدن وكيفية حصارها. وكان يرى في أعداء الكنيسة أعداء للرب يجب محاربتهم. والبابا ليو الرابع ( 847 – 855) ربط بين الحرب العادلة ومفهوم الخلاص، ووعد من يموت من الجنود المسيحيين في الحرب بالمكافآت السماوية. وكذلك فعل البابا يوحنا الثامن (872 – 882) وقاد البابا ليو الحادي عشر (1049 – 1054) بنفسه فرقة عسكرية في إحدى الحروب. أما البابا جريجوري السابع (1073 – 1085) فقد كرس فكرة الحرب العادلة الهجومية ضد اعداء الكنيسة حتى لو كانوا مسيحيين علمانيين مثلما فعل مع الإمبراطور هنري الرابع. وجاء البابا أربان الثاني (1088 – 1099) الذي دعا إلى الحروب الصليبية التي أطلق عليها الحرب المقدسة ضد الوثنيين (الطحاوي، مقالةحرب عادلة: التراث المسيحي للعصور الوسطى 2009). وجاء من بعدهم اللاهوتي والفيلسوف المسيحي الإيطالي توما الاكويني Thomas Aquinas(1225 – 1274) الذي أجاب عن السؤال: هل تعتبر الحرب أثيمة دائمًا ؟ورأى أن الحرب مشروعة لثلاثة أسباب. الأول: للحفاظ على النظام الطبيعي. الثاني: أحيانًا تكون هناك ضرورة إلى عقاب أشخاص ما بقسوة بدافع محبتهم رغمًا عنهم وبهدف تخليصهم من خطيتهم. الثالث: يقترب توما من أفكار أوغسطينوس في أن الهدف من الحرب هو احلال السلام. وبالتالي فهو لا يرى في الحرب خطية أو تعارضا مع الفضيلة، أى أن الحرب والسلام لا يتعارضان (ريموند وفينليزون، 2010).
ويمكن إجمال الإطار الذي تبناه أوغسطينوس وكذلك الكنائس المصلحة والمشيخية واللوثرية الميثوديست والمعمدانية والروم الكاثوليك وكل مؤيدي الحرب العادلة، لتطوير نظريتها حول المبادئ الآتية:
أولًا: أن تكون الحرب آخر البدائل وبعد استنفاذ جميع الحلول السلمية الممكنة عمليًا من دون الوصول إلى نتيجة مرضية، وتصبح الحرب الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق والدفاع عن العدالة.
ثانيًا: أن تكون الحرب لأجل قضية عادلة وصحيحة. حيث تكون دفاعًا عن أخطار خارجية، فيها تهديدات لحياة الأبرياء أو أخطار تهدد مستقبل المجتمع وتخرق الحقوق الإنسانية. ولكن الحرب تنحرف عن مشروعيتها إذا كانت لمجرد الانتقام أو فرض الهيمنة.
ثالثًا: لابد من إعلان رسمي بالحرب، ومن قبل سلطة شرعية ذات سيادة.
رابعًا: لابد من توافر نية حسنة لشن الحرب، تتمثل في الأهداف الشرعية التي من أجلها تُشن الحرب.
خامسًا: تكون الحري ضرورة عندما تكون النتائج السلبية التي تسببها أقل خطرا وشرًا من الظلم الذي ينبغي القضاء عليه. وأن هذه الحرب تفرض ظروفا ملائمة للسلام أكبر من تلك الظروف التي سبقت الحرب. وهذا بدوره سيقلل من احتمال حدوث الحرب مرة أخرى. ولذا لابد أن يكون بالإمكان التنبؤ بنتائج الحرب.
سادسًا: لابد من أن تكون وسائلها مشروعة ومراقبة. فلا يجب أن يكون هناك عنفًا متعمدًا أو غير ضروري أو بأسلحة فتاكة.
سابعًا: أن تكون الحرب موجهة ضد قوات العدو العسكرية ولأهداف حربية وليس لمدنيين أو منشآت مدنية.
ثانيًا: معارضو الحرب العادلة
من جهة أخرى ظهر الكثير من الفلاسفة والمفكرين، وبالذات المسيحيين الذين عارضو فكرة الحرب بصفة عامة والحرب العادلة بصفة خاصة. فقد ضحى ماكسيمليان الشهيد Maximilian (274- 295) برأسه بسبب رفضه أداء الخدمة العسكرية. وكما يذكر المطران جورج خضر أن القديس باسيليوس الكبير (330- 379) رفض إعلان العسكر شهداء، وقضى أن يُمنع كل من سفك دمًا بالحرب من مناولة جسد الرب لمدة ثلاث سنوات( بندلي ……). ومن بعدهما بقرون طويلة جاء القديس فرنسيس الأسيزي Francis Of Assisi (1181- 1226)، وكان معروفًا بنبذه للعنف بشتى أنواعه وعلم أتباعه بعدم حمل السلاح وعدم أداء القسم. بل أن أوغسطينوس نفسه في نهاية حياته اعترف أن تجنب الحرب والوصول إلى اتفاق بالحوار يعد أمرًا أكثر مجدًا من الحرب، وكان متأثرًا باتجاه اللاعنف الذي كان عند الكنيسة الأولى. وفي العصر الحديث هناك ما يسمى بكنائس السلام والتي بدأت مع الاصلاح الكنسي في القرن السادس عشر، حيث تشكلت جماعات كثيرة بعد أن انسلخت عن الكنائس التقليدية الرسمية واقتدت بمثال المسيحيين الأوائل فيما يتعلق بعدم الاشتراك في القوات المسلحة أو الحروب. ومنها حركة أنابابدست Anabaptist والمينونايت Mennonites بالإضافة إلى جماعة الإخوة Brethren وجماعة الكويكرز Quakers وكذلك جماعة كنيسة يسوع المسيح وجماعة برودر هوف وجماعة بيت سهيل وهذه كلها جماعات ترفض استخدام القوة وترفض حمل السلاح أو الحروب. بالإضافة إلى وجود حركات سلام داخل الكنيسة الكاثوليكية وغير التقليدية والحركات الرهبانية وشخصيات مختلفة أمثال مارتن لوثر كينج والمنظمات غير المسيحية والأفراد من خلفيات مختلفة في كافة أرجاء العالم. وكذلك الكثيرون من المفكرين والفلاسفة المسيحيين الذين ينتمون إلى الحركة الإنسانية. ويمكن أن نبرز أهم الخطوط الرئيسية لمعارضي نظرية الحرب العادلة في الآتي:
1) يرون أن نظرية الحرب العادلة تبرر الحرب باعتبارها عملية إنسانية تُستخدم لاخفاء الأغراض الحقيقية للعمليات العسكرية، وتقدم صورة للمقاتلين كأخلاقيين أصحاب مبادئ، وتهدف إلى اقناع القوات المسلحة بأن العدو هو الشر وبالتالي فهم يحاربون من أجل هدف صالح وعادل. ودائما ما تضع الحرب لنفسها أجندة إنسانية تدعي الخير للبشرية وإصلاح الأوضاع المقلوبة وتقديم الخصم بصورة مشوهة.
2) أغفلت نظرية الحرب العادلة بعض الجوانب المرتبطة بالسمة العامة للحرب الحديثة بأسلحتها المدمرة. وبالتالي هناك صعوبة في إصدار حكم مرضي وعام حول أخلاقية أى حرب. بل بالعكس فإن الحروب تنتج “انتصارات لا أخلاقية”, وخصوصًا إذا كانت حروبًا نووية حيث ينتج عنها إبادة وتشوه المقاتلين وتطول المدنيين بلا جدال. وبالتالي فلا مجال للحديث عن ما يمكن أن نسميه “إٍنسانية الحرب”.
3) هناك إمكانية من الناحية النظرية لحدوث الحرب العادلة واستحالتها من الناحية العملية. لأن الدبابات يمكن أن تحرز نصرًا عسكريًا، لكنها لا يمكن أن تفرض أى نوع من التسويات والحلول. فقد تكون هناك “انتصارات عسكرية” ولكن أبدًا لن توجد “حلول عسكرية”.
4) صعوبة الاتفاق على قيم مشتركة عند نشوب الحروب. وخصوصًا إذا كانت بين دولتين مختلفتين في الثقافة أو المذهب الديني، مما يؤثر على نظرة كل طرف للآخر وبالذات فيما يتعلق بإنسانيته وحقوقه. فقد تتخذ الحرب طابعًا طائفيًا أو مذهبيًا فتكون أكثر شراسة وتدميرًا حيث يعتقد كل طرف أنه معسكر الله والأبرار في مقابل معسكر الشيطان والأشرار. وبالتالي يصبح كل شئ جائز في سبيل مكافحته وتدميره. ولعل هذا التخوف يلائم منطقتنا العربية حيث يلعب الدين دورًا رئيسيًا في أى نزاع حتى لو بسيط، لذلك هناك حساسية خاصة لابد من وضعها في الاعتبار قبل التدخل العسكري في شئون دول الشرق الاوسط. وأن نشر قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لابد أن يكون بالطرق السلمية.
5) يلجأ معارضو الحرب -في عرض أسبابهم– إلى الكتاب المقدس في المقام الأول ولا سيما العهد الجديد، والموقف الذي يتبنونه هو أن الرب يسوع عاش وعلم دون أن يستخدم أى نوع من أنواع العنف ودون أن يخوض حربًا مسلحة واحدة. بل بالعكس كانت كل وصاياه وتصرفاته تدعو إلى السلم واطفاء نيران العنف والعمل على كسر دوامته بالحب والغفران (مت 52:26) . وكل من التلاميذ والرسل وخاصة الرسول بولس (رو12: 14-21، 2كو10: 3-6،أف 12:6) صاروا في الطريق نفسه.
ولعل محاولات المجتمع الدولي لإنشاء بعض المؤسسات الدولية مثل محكمة العدل ومجلس الأمن وإنشاء قوات دولية للتدخل العسكري، إما للردع أو لحفظ السلام بين الدول، ما هي إلا محاولات لتقليل فرص الحرب وللسيطرة عليها في حال نشوبها وحفظها من الانحراف عن أهدافها المشروعة. ومن المناسب أن نذكر أن منطقة الشرق الاوسط من أكثر المناطق اشتعالًا بالصراعات في العالم سواء كانت هذه الصراعات بين الدول أو داخل الدولة الواحدة وتعاني فيها الأقليات العرقية أو الدينية كثير من المظالم، مما يزيد من فرص التدخل الدولي عسكريًا، وبالتالي فالأمر يحتاج إلى وضع قيم حاكمة وإطار واضح ومحدد لشن الحرب أو التدخل العسكري.
ثالثًا: هل يمكن تزكية نظرية الحرب العادلة كتابيًا؟ هناك محاولات لتزكية نظرية “الحرب العادلة” كتابيًا، فأصحاب نظرية الحرب العادلة يرون أن الوصية الخامسة “لا تقتل” محصورة فقط في القتل المتعمد، ولم تكن لتعني قط المقاومة المسلحة في وجه الظلم والعنف. وكذلك يرجعون إلى الحروب التي أمر بها الرب يهوه ووجهها في العهد القديم (عدد 31: 7، تث 19:25، 1صم 15: 1-3، 16: 46، وما بعده، 2صم 19: 1، 5، أى 14: 10، مز44: 1). ولكن هذه المحاولة ضعيفة لأن هذه الحروب قد اُقرت خصيصا، وما من امة تستطيع أن تدعي اليوم بأنها تتمتع بوضع اسرائيل الخاص في العهد القديم باعتبارها “امة مقدسة” تتمتع بعهد خاص مع الله، وكانت تعتبر دولة ثيوقراطية خاصة.
وفي العهد الجديد، لم يرفض يوحنا المعمدان الحياة العسكرية عندما سألوه الجنود قائلين “ونحن ماذا نعمل؟ ( لوقا 3: 14). ويسوع نفسه اُعجب بإيمان قائد المئة الروماني التابع لجيش الاحتلال والذي يؤمن بوحدانية الله ولم يلومه على حمل السلاح أو عمله بالجندية، بل شفى له غلامه المفلوج لأنه لم يجد مثل إيمانه في إسرائيل (متى 8: 10). وكذلك وصف المسيح كرنيليوس قائد المئة بأنه شخص تقي يخاف الله ( أعمال 10: 2). وكذلك مدح الرسول بولس محاربي العهد القديم (عب11: 32- 34). وقدم أساسًا أكثر تماسكًا في تعليمه عن الدولة (رومية 13: 1- 7)، حيث يؤكد أن السلطات الحاكمة قد وطدها الله وفوضها بسلطته، وخضعوعنا لها هو خضوع لله والعكس. بل أن الشخص الذي في السلطة هو خادم الله ليكافئ المواطنيين الصالحين ويعاقب الاشرار. ويكرر بولس 3 مرات أن سلطة الدولة هى سلطة الله. وخدمة الدولة هى خدمة الله. وهذا يترتب عليه نتيجتين:
الأولى: إن المسيحيين مدعوون أن يلتحقوا بقوات الجيش والشرطة وينخرطوا في سلطات الدولة المختلفة.
الثانية: إن الدولة يمكن أن تخرج للحرب وتتصرف كقاضي في قضيتها الخاصة.
فكما للفرد الحق في الدفاع عن نفسه كذلك الدولة. وإذا كان للفرد الحق في أن يطلب العدل بسبب ظلم ما أو تعويضا لخسارة، فإن الدولة يحق لها استخدام القوة لإجبار دولة اخرى على تعويض ما ارتكبته في حقها. ومن جهة اخرى نرى أن الله في العهد القديم كان يستخدم امة ما كواسطة لتنفيذ أحكامه أو عدالته تجاه امة اخرى. مثلما استخدم الاسرائليين في حكمه على شر الكنعانيين في جيل الغزو، وعاد وفعله مرات عديدة في الحكم على الاسرائيليين على أيدي اعدائهم. بل وأحيانا تكون الامة التي يستخدمها الله لتحقيق أحكامه وعدالته أكثر شرًا والتواءً من الأمة التي يؤدبها، كما كانت الأمبراطوريتان الأشورية والبابلية آداتين لتنفيذ دينونة الله. مع أن الله لم يسبب وحشتيهما إلا أنه عين لهما مكانا ودورًا في مجال غضبه وتحقيق عدالته. وبالتالي فإن “أية عدالة يزعمها أى بلد مشترك في الحرب يمكن تقييمها فقط، من وجهة النظر المسيحية، من خلال علاقتها بأحكام الله وعدالته في إطار التاريخ”(رايت، ص 217، 2010). وإن كان هذا الأمر بالغ الصعوبة ومعقد الفهم، ومحفوف بالمخاطر.
خاتمة: إن اعتبرنا الحرب في أوضاع معينة وسيلة لابد منها لإحقاق العدل، فلابد أن نعي تمامًا خطر الحرب ومحاذيرها. ويضع الكاتب كوستي بندلي بعض المحاذير في حديثه عن النضال اللاعنفي، ويمكن أن نطور هذه المحاذير ونطبقها في مسألة الحرب العادلة، على النحو التالي:
1) الحرب العادلة لا تهدف إلى إبادة وتدمير الخصم، فقط تكبح جماحه وتزيل الظلم والقهر. إن هدف الحرب العادلة هو خدمة الحياة، لذلك يجب أن يُكتفى بالتغلب على الخصم إلى حد يسمح بوضع نهاية لإيذائه وتجاوزاته.
2) الحرب العادلة لاتتغافل عن إنسانيتة الخصم وقت الحرب مهما كان جرمه لأنه لايزال حسب الإيمان المسيحي يحمل صورة الله. إن كان لابد من الحرب فيجب أن لا تتعدى استئصال الشر الكامن في البنى الإجتماعية الظالمة دون الانحراف إلى التنكيل بالعدو، واستبعاد أى عمل يقصد به التشفي والانتقام. بل بالحري لابد من الاهتمام بالجرحى والحرص على معالجتهم وشفائهم. مع عدم استهداف المدنيين بأى صورة من الصور.
3) الحرب العادلة ليست مقدسة، وليست مذهبا له مشروعيته وقدسيته. لان كل تقديس للحرب –حتى لو سُخرت لخدمة الحق والعدل– يجعلنا نتغافل عن المآسي والألم الذي ينتج عنها. كما أن مذهبة الحرب وتمجيدها من شانه أن يضخم- دون مبرر واقعي- أهميتها في التاريخ وتبدو وكأنها أداة من أدوات التطور الإنساني، وهذا غير حقيقي. لأن الحقيقة أنه لا من حرب صالحة ولكن كل ما في الأمر أنها حرب لا مفر منها.
بعد كل ما طرحناه من رؤى مختلفة لنظرية الحرب العادلة يتردد أمر الرب يسوع لنا أن نحب أعداءنا. فهل من الممكن أن تحب عدوك وتحاربه في الوقت نفسه؟ أصحاب النزعة السلمية يقولون “لا”، وأصحاب نظرية “الحرب العادلة” يقولون “نعم”.
___________________________________________________________
المراجع
1) المريمي، فرانسوا عقل، “الحرب العادلة وحق الدفاع المشروع / الكنيسة الكاثوليكية والحرب”. الفاتيكان: 4 ديسمبر 2009 .
2) الطحاوي، حاتم، الدكتور. “حرب عادلة: التراث المسيحي للعصور الوسطى”. جريدة الحياة، 15 مارس 2010.
3) بندلي، كوستي. “نضال عنفي أو لا عنفي لاحقاق العدالة”. بيروت: منشورات النور, 1988.
4) ريموند، جون. فينليزون، ريلاري. “نظرية الحرب العادلة”. www.kdec.net، 7/3/2010
5) وليم ر. دورلاند، لا ملك علينا الا قيصر No King but Ceasar , ترجمة يعقوب يوسف. دار المحراث للنشر الإلكتروني.
6)Greet, Kenneth G., The Art of Moral Judgment, London: Epworth Press, 1970
7) “The Just War” in Evangelical Dictionary Theology, Grand Rapids: Baker Book & Cumbria: Paternoster Press, 1996
8) “Just War Theory” in Internet Encyclopedia of Philosophy .
اسم الكاتب: د. ق. عاطف مهني المعصراني
مقدمة
إن الانشغال بعلامات نهاية العالم ومجيء المسيح ثانية، هو توجه إنساني ليس بجديد، بل ربما هو مرتبط بالطبيعة البشرية الساقطة والتي ترغب من جهة أن تحيا حياة فيها تحرر من كافة القيود، بما فيها قيود حياة الصلاح ومتطلبات القداسة، ومن الجهة الأخرى ترغب في تقليل مخاطر الدينونة لمواجهة مصيرها المحتوم بنهاية الحياة أو انقضاء الدهر.
لذا كان استفسار الإنسان عن طول الحياة المتاحة له فنجده يتساءل “عرفني يا رب نهايتي ومقدار أيامي كم هي فأعلم كيف أنا زائل” (مز 39: 4). وربما بنفس الدافع جاء سؤال التلاميذ للرب يسوع عن توقيت نهاية الزمان وموعد مجيءه “قل لنا متى يكون هذا؟ وما هي علامة مجيءك وانقضاء الدهر؟ (مت24: 3).
ومع كل موجة من الكوارث الطبيعية والأوبئة والحروب الطاحنة، لاسيما التي يكون لها آثار عالمية واضحة، تكثر التساؤلات إن كانت هذه هي علامات نهاية الزمان. وخلال السنوات الماضية على وجه التحديد تعرض العالم بأسره إلى وباء كورونا الذي لم يترك بقعة في العالم دون خسائر في أرواح بشرية وكوارث اقتصادية واجتماعية، ثم تلاها في الشهرين الأخيرين الحرب بين روسيا وأوكرانيا بتداعياتها الكثيرة ليس فقط على الدولتين المتحاربتين ولا حتى على دول قارة أوروبا التي تحتضن الدولتين جغرافيًا، بل امتد الأثر الاقتصادي بالذات على كل دول العالم حتى دخلت بعض الدول الفقيرة في انهيار اقتصادي ومجاعات.
وفي هذه المقالة أود أن أتعرض لعده تساؤلات أعلم أنها تتجدد كلما تعرض العالم إلى ضيقات وكوارث وحروب مثل: هل هذه علامات النهاية؟ هل ما نراه هو تحقيق للنبوات الإسخاتولوجية (أي المتعلقة بالأمور الأخيرة) وقرب مجيء المسيح ثانية؟ ماذا علينا أن نفعل ككنيسة أمام هذه العلامات؟
كيفية سنتناول الموضوع؟
من الممكن تناول موضوع الحروب والأوبئة وعلاقتها بنهاية الزمان من توجه لاهوت نظامي حيث نبحث عقيدة الاسخاتولوجي -أي الأمور الأخيرة- كالمتعلقة بما بعد الموت، والأبدية، والمجيء الثاني، ونهاية العالم، والاختطاف، والملك الألفي، … الخ، مع محاولة فهم التوجهات المختلفة في هذه العقيدة مثل الفكر التدبيري والفكر المشيخي وغيرهما.
ولكنى بحسب طبيعة تخصصي، أود أن أتناول الموضوع من مدخل تفسيري كتابي من أحد نصوص العهد الجديد التي يري معظم العلماء أنها تتعلق بصورة أو بأخرى بنهاية الزمان ومجيء الرب يسوع ثانية. وبالطبع سيكون هناك استنتاجات لاهوتية وعملية من هذا المدخل الأقرب للاهوت الكتابي منه للاهوت النظامي.
ولما كانت نصوص العهد الجديد المتعلقة بنهاية الزمان ومجيء المسيح ثانية كثيرة (مت24؛ 25؛ مر13، لو21؛ 1كو15؛ 1تس4؛5 ؛ 2تس2؛ 2بط3؛ سفر الرؤيا في معظمه، وغير ذلك) رأيت أن أركز على إنجيل متى الأصحاح 24، والذي يشكل تعليمًا مباشرًا من السيد المسيح لتلاميذه وهو يجيب على تساؤلاتهم بشأن نهاية الزمان ومجيءه ثانية. هذا الإصحاح الطويل (51 عدد) كُتبت فيه دون مبالغة مئات التفاسير والمقالات تحمل وجهات نظر متباينة كثيرًا كما سنرى فيما يلي.
ويعتقد العديد من العلماء أن تعاليم الرسول بولس الاسخاتولوجية والمتعلقة بشكل خاص بمجيء المسيح ثانية في 1كو1،15تس، 2تس قد تأثرت كثيرًا بتعاليم السيد المسيح المدونة في هذا الإصحاح والكتابات الموازية له في مر13 ولو21، ويظهر ذلك من ذكر بعض العلامات التي تسبق مجيءه مثل الضلالات والضيقات، وبعض العلامات التي تصاحب مجيءه ، مثل حضور السيد في مجد مصحوبًا بالملائكة ومسبوقًا بصوت البوق. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الرسول بولس ربما كتب رسائله قبل كتابة الأناجيل، فلا يفسر هذا التشابه بين ما كتبه بولس وما دونته الأناجيل إلَّا كون تعاليم السيد المسيح كانت معروفة ومحفوظة في التقليد الشفهي، الأمر الذي يؤكد أصالتها وصحة نسبها للسيد المسيح.
مت24: 1-51 / مر13: 1-37 / لو21: 5-36
أولًا: صعوبات رئيسية موجودة في النص.
بمجرد أن نبدأ في محاولة تفسير هذا الإصحاح والنصوص الموازية له في مرقس ولوقا، نصطدم بعدد من الأسئلة التي حيرت العلماء والمفسرين كثيرًا مثل:
للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها أنصح القارئ بقراءة مت 24 كله ثم متابعتي في عرض أهم الآراء التي تناولت هذا النص الهام بالتفسير ومدى نجاح أو فشل تلك الآراء في تقديم شرح مقنع للإصحاح. سنحاول بعد ذلك تقديم تفسيرنا نحن للأصحاح مع شرح مختصر لكل قسم، وأخيرًا سنحاول الوصول إلى خلاصة تجيب على التساؤل المطروح في عنوان هذه الورقة عن علاقة الحروب والأوبئة بنهاية الزمان وموقف الكنيسة من ذلك.
كيف تناول المفسرون هذا النص (مت24)؟
هناك عدد من علماء العهد الجديد تعاملوا مع مت 24 على كونه كله وحدة واحدة يعلّم عن علامات نهاية الزمان ومجيء المسيح ثانية، وعلى الرغم من اتفاقنا أن هناك أجزاء غير قليلة في النص تتعلق بعلامات نهاية الزمان، وأجزاء تحث على السهر والاستعداد لهذا الحدث الهام، إلا أن هذا التناول يتجاهل عدة أمور ويتسبب في عدة مشاكل:
في مقابل الرأي السابق، تبنى بعض العلماء فكرة أن هذا النص كله يتعامل مع سؤال التلاميذ عن الهيكل وجمال بنائه وضخامة أحجاره ولما قال لهم السيد أنه سيزول ولن يترك فيه حجر على حجر تساءلوا “متى سيكون هذا؟” وشجع هؤلاء المفسرون على تبنى هذا الفكر اعتقادهم أن الأناجيل جميعًا قد كتبت بعد عام 70م أي بعد خراب أورشليم.
مشاكل هذا الرأي:
لا شك أن هذا التوجه يحترم المقدمة التي وضعها البشير متى بعناية في بداية الإصحاح (مت24: 1-3) والتي تتضمن بوضوح سؤالين من التلاميذ للرب يسوع: الأول يختص بزمان تدمير الهيكل بحسب نبواته أنه لن يترك فيه حجر على حجر إلا وينقض ع2، والثاني يتعلق بعلامات مجيئه وانقضاء الدهر ع3.
يتبنى هذا الرأي عدد من العلماء المحافظين المرموقين مثل R. T. France & D. A. Corson في تفسير كل منهما لإنجيل متى بالإضافة إلى الكثير غيرهم من العلماء. وعلى الرغم من ترحيبنا بهذا المدخل التفسيري وتبنينا إياه، إلا أن التفاصيل التفسيرية لكل عالم لم تكن سهلة. فهناك صعوبة كبيرة في تقسيم الأصحاح وتحليل بنائه لمعرفة أيه أجزاء تجيب على تساؤل خراب أورشليم والهيكل، وأيها تجيب على التساؤل المتعلق بعلامات مجيء المسيح ثانية. وفيما يلي أهم الآراء:
مشكلة هذا الرأي
هناك بعض الأقوال في كل جزء من هذا التقسيم ستُفهم بشكل أكثر بساطة وتلقائية لو كانت تنتمي للقسم الآخر.
كيف سنتعامل إذًا مع تقسيم هذا الإصحاح وبنائه؟
أرى أن هناك وجاهة في فكر التبادلية، أي أن مت24 يتبادل ويتناوب الحديث عن الأمرين معًا، لكنها تحتاج إلى حرص في التطبيق. فهناك تركيز -مما لا شك فيه- على كل سؤال على حدة ولكن في نفس الوقت ترد تحذيرات من خلط الأمور ما بين خراب أورشليم ونهاية الزمان أو استعجال حدث قبل الأوان بسبب الربط الشديد في العقلية اليهودية بين خراب الهيكل أو أورشليم الذي قد يستدعى تدخل عاجل بمجيء المسيا للتعامل مع هذه الكوارث.
مقترح لتقسيم متى 24 كمدخل لتفسيره
أرجو من القارئ العزيز تتبع النص الكتابي في ضوء هذا التقسيم المقترح:
هنا أتبع رأيْ D. A. Carson & David Wenham في أن هذا الجزء من الأسهل فهمه بالارتباط بمبتدأ الأوجاع الذي يمثل تمهيدًا عامًا للمختارين ودعوة عامة لهم لاحتمال الآلام وعدم الانخداع بضلالات مسحاء وأنبياء كذبة من خلال ما يقدمونه من نبوات ووعود كاذبة.
ختام:
هل الأوبئة والحروب المعاصرة هي تحقيق لعلامات انقضاء الدهر ومجيء المسيح ثانية؟ ماذا يفعل المؤمنون مع مثل هذه الظواهر؟
إن الدراسة التي قمنا بها لإنجيل متى 24 على الرغم من عدم كفايتها على المستويين التفسيري واللاهوتي إلا أنها يمكن أن تقود الكنيسة إلى عدة دروس أضعها تحت ثلاثة أقسام:
أولًا: حقائق مؤكدة
ثانيًا: تحذير من مخاطر متوقعة
ثالثًا: حث وتشجيع على الموقف الصحيح
اسم الكاتب : جرجس صبحي
«الْخَلاَصُ لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ» (رؤيا 7: 10) من هذه الآية ينطلق كريستوفر رايت في كتاب “الخلاص” ليكتشف “ما هي الافتراضات الكتابية والمحتوى والتوقعات والمعاني التي تحتضنها العبارات البسيطة في الآية”، متناولًا النص ومقلبًا إياه على كل الوجوه في ضوء باقي القصة الكتابية والتعليم الكتابي، ليوضح القارئ كيف يستخدم الكتاب المقدس لغة الخلاص بهذه الطرق متعددة الأوجه. مثلما أوضح في مقدمته للكتاب.
صدرت النسخة العربية للكتاب عام 2005 من دار الثقافة، وترجمه وليم هارفي. وهو يأتي ضمن سلسلة كتب تحت عنوان المكتبة المسيحية العالمية، والتي صدرت بهدف تقديم المزيد من الكتب من قبل كتاب غير غربيين لكي تعكس ثقافاتهم، بهدف نشر الفهم الكتابي بحرية في جميع الاتجاهات. وفقًا لما ورد في مقدمة السلسلة لجون ستوت ودافيد سميث. وصدر عن هذه السلسلة مجموعة من الكتب منها: “إرسالية هذا الجيل” لصمويل اسكوبار، “الإنجيليون والحقيقة” لجون ستوت، “لغز الإنسان” لجو كابوليو.
يضم الكتاب سبعة فصول تتناول علاقة الخلاص بمختلف الجوانب الإنسانية والإلهية؛ الخلاص والاحتياج البشري، الخلاص وهوية الله الفريدة، الخلاص وبركات عهد الله، الخلاص وقصة عهد الله، الخلاص واختبارنا، الخلاص وسيادة الله الخلاص وحَمَل الله. وينتهي كل فصل بمجموعة أسئلة للمناقشة.
الخلاص والاحتياج البشري
يستهل الكاتب أفكار هذا الفصل بتشبيه بديع للنص الكتابي رؤيا 7: 10بأغنية الختام أو الرقصة النهائية في الدراما الموسيقية العظيمة التي تنتهي بتصفيق مدوٍّ. ويتساءل الكاتب عن ما يمكن أن تعنيه عبارة “الخلاص لإلهنا” في عقل كاتبها. مشيرًا إلى حاجة البشر للخلاص، وأننا كمخلوقات ضعيفة وساقطة لدينا مدى غير محدود من الاحتياجات وأننا دائمًا في حاجة إلى من يخلصنا ويحررنا. وينتقل فيما بعد لجدلية الاحتياجات المادية أم الروحية، مؤكدًا أن أجندة الخلاص الواسعة تشتمل على بعض الأشياء أكثر أهمية من غيرها، وأن الكتاب المقدس نفسه يوضح أن الخلاص من غضب الله هو أكثر أهمية من الخلاص من المرض أو الظلم. لكن الكتاب المقدس يتحدث عن كلا الأمرين باعتبارهما جزأين من عمل الله الخلاصي.
وينتقل بعد هذا لمناقشة مفهوم الخلاص بصفة عامة في العهد القديم، محددًا خمسة معانٍ من نصوص عديدة شارحًا سياقها ومعناها:
ثم يشرح مفهوم الخلاص في العهد الجديد:
بعد ذلك يشرح مفهوم الخلاص من الخطية في العهد القديم ثم في العهد الجديد. ويؤكد في نهاية هذا الفصل أم الشمولية الكتابية لعمل الله الخلاصي يجب ألا نفصلها أو نحدد مصطلحات مثل “لاهوتي”، أو “روحي” على أحد أبعاد الخلاص، ففي النهاية إله الكتاب المقدس قد نجى وهو ينجي وسينجي شعبه وعالمه في كل مستويات بشريتنا وخلقنا.
الخلاص وهوية الله الفريدة
يكشف الكاتب في هذا الفصل وجهين للنص الكتابي رؤيا 7: 10:
ومن هذين الوجهين يتشعب في موقف هوية الله من الخلاص؛ فهو صفة الله. مؤكدًا أننا نميل للتفكير في الخلاص بأنه شيء متمركز في نفوسنا: نحن الذين نحتاج للحصول على الخلاص ونريد أن نعرف كيف نجد الخلاص ونخبر الآخرين عن كيف وجدنا الخلاص وكيف يمكنهم أن يجدوه، مشددًا على “أن الخلاص هو شيء يخص الله ولا يخصنا نحن. الخلاص ملك لله. ويؤكد على أن الله مركز الخلاص، وأنه كما يُفهم كتابيًّا ليس تدبيرًا بشريًّا أو مادة إنجاز بشري، ولا نستطيع أن نملكه أو نوزعه أو نبيعه أو نقرر من الذي يحصل عليه، وأنه مبادرة من الله وإنجاز قوة الله وقُدِّم للإنسان بكلمة الله وضمنته قدرة الله وسلطانه. ويشرح أيضًا كيف أن الله هو مصدر الخلاص، وأنه وحده يستطيع أن يخلص، وأن الخلاص هو هوية الله الخاصة.
الخلاص وبركات عهد الله
يهتم هذا الفصل بالبُعد العهدي (الخاص بالعهد بين الله وشعبه) للخلاص الكتابي، ويتناول فكرة البركة والتي هي جزء مكمل للخلاص من خلال العهد. ويتساءل هنا: ما الذي يعنيه بالضبط الكتاب المقدس عندما يتكلم عن بركات الخلاص؟
يبدأ من بركة إبراهيم مؤكدًا أن العهد الإبراهيمي اشتمل على الوعد الآخر بالبركة لجميع الأمم، وأن هذه هي النقطة الجوهرية الكبرى في العهد الإبراهيمي نصًّا ولاهوتيًّا. ويشير إلى أن علاقة العهد الفريدة بين بني إسرائيل في العهد القديم ومخلصهم -إله العهد- هي تمامًا علاقة من أجل الأمم الأخرى الذين لم يعرفوا الله بهذه الطريقة، وأن اختيار وخلاص إسرائيل العهد القديم كان في النهاية من أجل بركة جميع الأمم. وأن البركة مرتبطة بالعالمية وبشخصية المسيح.
ويشدد الكاتب على أننا نحتاج أن نقاوم فكرة أن “البركات الروحية” فقط هي التي تعتبر بركات “حقيقية” أو أن الخلاص هو حصريًّا لا يرتبط سوى بالبركات الروحية. وأن أبعاد البركة في العهد القديم متضمنة في البركة الكلية للخلاص في المسيح.
ويرصد عدة سمات للبركة المقصودة:
ويربط في هذا الفصل أيضًا بين البركة والإرسالية والتاريخ. معتبرًا نص البركة الإلهية لإبراهيم (تكوين 12: 1- 2) بداية إرسالية الفداء، وافتتاح عمل الله الإرسالي العظيم في استرداد ما أظهره البشر من نية التخريب وحفظ البشرية نفسها من عواقب حماقتنا الشريرة. وأن هذا النص هو بداية تاريخ الخلاص ولكنه معبَّر عنه بلغة البركة.
ويلخص أفكار هذا الفصل بقوله إن في جوهر البشارة الكتابية الذي أعلن أولًا لإبراهيم، أن الله حقًّا قد صنع البركة لكل الأمم –بكرة الخلاص- وأنها متاحة من خلال المسيا، يسوع الناصري، نسل إبراهيم. في المسيح وحده من خلال الإنجيل الخاص بموته وقيامته يوجد رجاء البركة لجميع الأمم.
الخلاص وقصة عهد الله
يفتتح رايت هذا الفصل بالتأكيد على أن قصة العهود في الكتاب المقدس هي قصة الله، وأن الله ارتبط بأناس حقيقيين في تاريخ حقيقي والكتاب المقدس هو قصة هذا الارتباط، وأن هذه القصة هي قصة الخلاص، لأن كل عهود الله تسير في خط واحد هو الخلاص.
وإن كان في الفصل الثالث قد تناول بركات العهد الإلهي لإبراهيم وشموليته لكل الأمم، فهو في هذا الفصل يتتبع قصة العهد؛ عهد الله مع نوح، مع إبراهيم، مع موسى، مع داود، وصولًا إلى العهد الجديد.
يرى رايت أن رؤية العهد الجديد لم تكن مختلفةً جذريًّا عن العهد الأصلي، ولكنها وعدت بعلاقة جديدة كاملة بين الله وشعبه. وأن الكتاب المقدس في ختامه يرينا الإتمام الصحيح لعهد الله مع إبراهيم وذلك في سفر الرؤيا. وأن كل العهود الكتابية العظيمة موجودة في سفر الرؤيا.
ومن قصة العهد إلى قصة الخلاص، معتبرًا أن قصة الخلاص هي ما يملأ الفراغ بين تشتت الأمم في تكوين 11 وشفاء الأمم في رؤيا 22. ويرصد قصة الخلاص هذه في ثلاثة أبعاد:
الخلاص واختبارنا
يقترب هذا الفصل أكثر إلى الخلاص كملمح شخصي، ومادة يختبرها الناس، وكيف يتم استقبال الخلاص واختباره من قِبل الشخص. ويضع محدِّدَيْن لاختبار الخلاص الشخصي هذا:
ثم يتناول وسائط الخلاص:
ثم مصادر تأكيد أو يقينية الخلاص:
الخلاص وسيادة الله
يشير الكاتب إلى أن ترنيمة خلاص الله الواردة في رؤيا 7: 10 هي أيضًا نفسها ترنيمة سيادة الله. مؤكدًا على سيادة الله في موضوع الخلاص فيما يتعلق بفهمنا للإرسالية والمصير الأخروي للأمم ومصير الذين لم يتم تبشيرهم ومدى الضمان الرعوي. ويذكر أربعة أبعاد للصلة بين الخلاص وسيادة الله:
وكل من لم يتم تبشيرهم بالإنجيل. وهو يصل في النهاية إلى نتيجة أنه كما أن من الخطأ أن نقول بكل يقين إنهم جميعًا بكل تأكيد ذهبوا إلى الجحيم، وبالمثل من الخطأ أن نقول، مدفوعين بعطف زائف، إنهم جميعًا ذهبوا إلى السماء. فإن ما نستطيع قوله مع تحذير كتابي واضح أنهم ذهبوا لكي يقفوا بين يدي الله الذي خلقهم وأحبهم وأرسل المسيح لكي يموت لأجلهم، وهو يعرف كل شيء عملوه وكل ما كانوا يعرفونه أو يجهلونه، وسوف يحاكمهم بعدالة ورحمة مطلقة. ويضيف أننا ربما نخجل من أن البشار لم تصل إلى هؤلاء المؤمنين الجدد حتى وقت قريب ولكننا ربما نكون واثقين بالمثل أن الله أحب أجدادهم محبة ليس أقل من محبته لنسلهم وأحفادهم، وهل “ديان كل الأرض لا يصنع عدلًا؟” (تكوين 18: 25).
الخلاص وحَمَل الله
في النهاية يأتي الكاتب إلى الخلاص الكتابي وارتباطه بالمسيح وصلبه وقيامته. الخلاص الذي ينتمي فقط إلى الله –إلى الإله الكتابي صاحب العهود الكتابية- ينتمي فقط إلى حَمَل الله؛ لأنه هو الوحيد الذي من خلاله أنجز الله مشيئته القديرة في الخلاص. ويتناول الفصل عدة أفكار رئيسة حول الخلاص من خلال الرب يسوع وعمله الخلاصي لأجلنا:
يختتم كريس رايت كتابه بالتأكيد على عدة حقائق حول الخلاص الكتابي باعتباره:
اسم الكاتب : د.ق. موريس يوسف
صادف يوم السبت التاسع من أبريل الماضي الذكري السابعة والسبعون لإعدام اللاهوتي الألماني ديتريش بنهوفر بيد النازية وبأمر مباشر من أدولف هتلر. يقف نموذج بنهوفر كنموذج لاهوتي فريد ومتميز جدًا في تاريخنا المعاصر للوقوف ضد الامبريالية، الظلم الاجتماعي، الاستقواء على الضعفاء، وخطورة مهادنة الفكر اللاهوتي للسياسة. يلهمنا أيضًا هذا النموذج للتفكير في دور الكنيسة، جسد المسيح، أمام ويلات الحروب. تناقش هذه الدراسة دور الفكر اللاهوتي أمام الازمات القومية بشكلٍ عام والحروب بشكلٍ خاص مع التركيز على بنهوفر كنموذجٍ. كيف يستجيب الفكر اللاهوتي لأزمات ومآسي الحروب؟ كيف يتفاعل اللاهوت المسيحي مع احتياجات الإنسان في ظل أزمات كهذه؟ قد يكون مِنْ المناسب قبل أنْ أتكلَّم عن دور الفكر اللاهوتي في أوقات الازمات والحروب متخذًا من ديتريش بنهوفر أنموذجًا، أن ألقى نظرة سريعة على الظروف السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي مرَّت بها ألمانيا في بِداية القرن العشرين، ثم أقدّم بشكل موجز نبذة عن هذا العملاق الذي جسّد عُمق وغنى الاخلاق المسيحية ومسؤوليتها تجاه المهمشين ومن لا صوت لهم.[1]
ألمانيا في بِداية القرن العشرين
تُعتبَر عشرينيّات القرن الماضي وقتًا حرجًا جِدًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا للشعب الألماني. صحيح أنَّ معاهدة فرساي Treaty of Versailles أَنْهَت الحرب العالميّة الأولى، لكنها اشترطت بقاء بعض القُوّات الأجنبيّة بصفة دائمة في ألمانيا، الأمر الذي أدّى إلى مظاهرات واحتجاجات ومقاطعات قادها قطاعات عديدة مِنْ الشعب الألماني والتي بدورها أدَتْ إلى ضعف الدولة الألمانيّة وعرقَلَة المسيرة الديمقراطيّة.
بحُلول عام ١٩٢٨ تفاقَمتْ الأزمات الاقتصاديّة في ألمانيا إلى حدٍ فاقَ كلَّ التوقعات، وارتفعت مُعدّلات البطالة وتَردي التعليم والصحة. لم تتحسن الأحوال السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة نسبيًا إلّا بقِدوم أدولف هتلر والحزب النازي إلى سُدّة الحكم في بِداية عام ١٩٣٣ مع أنَّ البعض يرى أنَّ هذا الانتعاش الاقتصادي جاء فقط كنتيجةٍ لبناء المصانع التي أنتجت الأسلحة والمُعدّات الحربيّة التي استخدمتها ألمانيا لاحقًا في الحرب العالميّة الثانية. وُلِد أدولف هتلر في النمسا في ٢٠ أبريل ١٨٨٩ وانتقل للعيش في ألمانيا عام ١٩١٣. أسّس هتلر حزب العُمّال الألماني الاشتراكي القومي والمعروف باسم الحزب النازي (كلمة نازي تعني قوميّ أو وطنيّ في الألمانية) والذي حَكَم ألمانيا ما بين عاميّ ١٩٣٣ و١٩٤٥. يُعتبَر هتلر مِنْ أسوأ الحكام الديكتاتوريّين الذين عَرفَهم التاريخ المعاصر وهو السبب المباشر في إشعال نيران الحرب العالميّة الثانية (١٩٣٩ إلى ١٩٤٥). انهزمت ألمانيا ودول المحور أمام دول التحالف في الحرب العالميّة الثانية وانتحر هتلر في ٣٠ أبريل ١٩٤٥ ومعه مات حُلم إمبراطورية ألمانيا العُظمى.
لم تقتصر مخاطر أدولف هتلر والحزب النازي على الأطماع الاستعماريّة وتعدِّيهم السافر على سيادة دُوَل الجوار (مثل هجومه على النمسا وضمها الي ألمانيا عام ١٩٣٨) فقط، لكنها تعدّت ذلك بكثير. قدَّم هتلر والنازية نظرية سوسيولوجية جديدة مفادها أنَّ الجنس الآري هو أرقي وأسمي أجناس الأرض، وبالتالي في ٧ أبريل ١٩٣٣ أقرَّ البرلمان الألماني قانونًا جديدًا بتغيير المادة السابعة مِنْ قانون الخدمة المدنيّة والذي منع اليَهُود وكلُّ مَنْ كان له أصولًا ساميّة مِنْ العمل في أي وظائف عامّة أو حكومية. عُرِفَ هذا القانون بالقانون الآري أو الـ Aryan Clause. هذا المَنْع شمل أيضًا عدم رسامة قسوس لا ينتمون إلى الجنس الآري في الكنيسة الإنجيليّة والكاثوليكية الألمانيّة. دفعت هذه الأيدولوجيّة النازيّة إلى اضطهاد واحتقار ومعاداة كل مَنْ لم ينتم للجنس الآري. أمّا الذي زاد الطينة بلة فكان سنودس الكنيسة الإنجيليّة الألمانيّة الذي أقرَّ في اجتماعه في سبتمبر عام ١٩٣٣ أنَّ أحدَ شروطِ القبول في الخدمة الدينيّة والرسامة هو الانتماء إلى الجنس الآري. للأسف أقرَّ السنودس بالأغلبيّة أيضًا سُمُو الجنس الآري عن غيره مِنْ الأجناس الأخرى وكأنَّ النزعة القوميّة الألمانيّة أصبحت دينًا جديدًا مقابل المَسِيحيّة أو Germanism versus Christianity.
في أحد الخطابات التي أرسلها ايبرهارد بثجي لصديقه بنهوفر ذكر كيف أنَّ كل المعموديات في ألمانيا كانت تُختَم بصلاة للطفل المُعمَّد لكي يبارك الرب هذا الطفل “لكي ينمو ويصبح مثل أدولف هتلر وهنرخ هملر (أحد أبرز قادة الحزب النازي آنذاك والمسؤول الأوّل عن الهولوكوست.” (Edwin Robertson, Voices in the Night: The Prison Poems of Dietrich Bonhoeffer, 1999, 123-124). لقد كان الهدف الأوحد لأقسام اللاهوت Theology Departments في الجامعات الألمانيّة هو خدمة النازيّة وترسيخ أخلاق ألمانيا الجديدة. ما أخطر أن يهادن الفكر اللاهوتي السياسة وما أخطر أن تكون الكنيسة دمية تخدم الأجندة السياسية. فمن هو ديتريش بنهوفر، هذا الصوت الصارخ في البرية الذي قضى مُعظم حياته محاربًا ضد سياسات هتلر الديكتاتوريّة وأيدولوجيّات الحزب النازي الفاشيّة؟ رأى بنهوفر أنَّ الكنيسة في ألمانيا في عصرهِ قد اُختطِفت عُنوَة بواسطة هتلر والنازيّة، وأنها يجب أن تعود لخدمة سيدها وليس أي سيد أخر.
مَنْ هو ديتريش بنهوفر؟
وُلِد ديتريش بنهوفر وأخته التوأم سابين Sabine في ٤ فبراير ١٩٠٦ في بلدة بريسلو Breslau بألمانيا لأبويْن هما كارل وبولا فون هيس بنهوفر. لديتريش بنهوفر وسابين خمسة إخوة وأخوات، أربعة أكبر منهما وواحدة أصغر. كان كارل بونهوفر طبيبًا وأستاذًا جامعيًا دَرّسَ عِلم النفس في جامعة برلين. وكعادة معظم الأسر في القرن العشرين، مَكثَت بولا بنهوفر بالبيت لتربيّة الأولاد والاهتمام بهم أكاديميًا وروحيًا ومساعدتهم على اكتشاف وتنمية مواهبهم. عندما بلغ ديتريش بنهوفر سِن الثانية عشرة، انتقلت الأسرة للعيش في مدينة برلين.
عاش ديتريش بنهوفر طفولة عاديّة هادئة حتى أبريل عام ١٩١٨ في هذا الشهر أُصيب والتر –الأخ الأكبر لبنهوفر– بجراحٍ بالغةٍ في الحرب العالميّة الأولى أدّت إلى وفاته بعد خمسة أيام فقط متأثرًا بجراحه. تَرَكَ هذا الأمر ألمًا وجُرحًا عميقًا في كل أفراد الأسرة وبصفة خاصّة ديتريش بنهوفر. بعد سنتيْن فقط مِنْ موت والتر، قرَّر ديتريش بنهوفر أنْ يُصبح قسًا ولاهوتيًا لوثريًا. لم تشجِّع أسرة ديتريش بنهوفر هذا القرار موضِّحة له ضعفات الكنيسة اللوثريّة ومشاكلها وتحدياتها آنذاك. قالوا له إنَّ الكنيسة “مؤسَّسة فقيرة، ضعيفة، مُمِلّة، يُرثَى لها وبرجوازيّة.” وأمام هذه التحديات أجاب بنهوفر قائلًا “لهذه الأسباب ذاتها أُريد أنْ أكون قسًا لوثريًا لكي أُصلِح الكنيسة.” (Eberhard Bethge, Dietrich Bonhoeffer: A Biography, 2000, 36)
في سن السابعة عشرة، أي في عام ١٩٢٣، التحق ديتريش بنهوفر بجامعة توبنجن Tubingen بألمانيا ليبدأ دراساته اللاهوتيّة ثم في عام ١٩٢٤ انتقل الي جامعة برلين ليستكمل دراساته اللاهوتيّة هناك لمدة ثلاث سنوات مِنْ عام ١٩٢٤ إلى ١٩٢٧. في جامعة برلين دَرَسَ بنهوفر تحت إشراف أساتذة عِظام أمثال أدولف فان هارناك، كارل هول، هانز ليتزمان، ورينهولد سييبرج. في جامعة برلين ايضًا وتحت إشراف رينهولد سييبرج، كتب بنهوفر أُطروحته للدكتوراه تحت عنوان “شركة القديسين أو The Communion of Saints”، وفي أُطروحته تكلّم بنهوفر عن دَوْرِ الكنيسة في التاريخ وإرساليتها في المجتمع. (Geffrey B. Kelly & F. Burton Nelson, Dietrich Bonhoeffer, A Testament to Freedom: The Essential Writings of Dietrich Bonhoeffer, 1995, 55).
بعد تخرجه، خدم ديتريش بنهوفر كراعٍ مساعدٍ لكنيسة ناطقة باللغة الألمانيّة في برشلونة، إسبانيا، ثم كرَاعٍ لكنيستيْن لوثريتيْن في لندن، المملكة المتحدة. في سن الرابعة والعشرين انضمَّ بنهوفر لهيئة التدريس في جامعة برلين كأصغر أستاذ متفرغ في تاريخ الجامعة. في جامعة برلين درّس اللاهوتي الشاب ديتريش بنهوفر مادة اللاهوت النظامي. لم تَدُم للأسف مهنة التدريس الجامعي كثيرًا بالنسبة لبنهوفر بسبب مواقفه ومعارضتهِ العلنية لأدولف هتلر وأيدولوجيات الحزب النازي بخصوص طموحاته الإمبريالية ونظرته الدونيّة لكل أجناس الأرض عدا الجنس الأري. وضع صيف ١٩٣٣ نِهاية لمهنة ديتريش بنهوفر كأستاذٍ جامعي بعد شهور قليلة من صعود هتلر والحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا في ٣٠ يناير ١٩٣٣.
لم يسترح بنهوفر منذ البِداية لسياسات هتلر والحزب النازي، بل وانتقده علانيّة، الأمر الذي لم يجرؤ على فعله إلاَّ القليلون. في خطاب أذاعه الراديو الألماني بعد يوميْن فقط مِنْ تولي هتلر للحكم، حذّر بنهوفر الشعب الألماني مِنْ أخطار الانصياع للقيادة السياسيّة ولا سيّما تدخلها في أمور الكنيسة. أيّد الكثيرون مِنْ قادة وشعب الكنائس الألمانيّة آنذاك الاشتراكية القوميّة ووقفوا وراء هتلر وساندوه، بل ونظروا له وكأنه “المخلص المنتظر”. اعتبرت الكنيسة أنْ مسانده النازية هو واجب وطني مِنْ أجل مستقبل أفضل للشعب الألماني. بعد أنْ ألقى بنهوفر هذا الخطاب ببضعة أيام استدعاه الجستابو وحذّره مِنْ انتقاده المستمر لسياسات البلاد. بالطبع لم يتوقّف بنهوفر بل في يوليو مِنْ نفس العام، ألقى بنهوفر عظة في كنيسة الثالوث اللوثريّة في برلين قال فيها إنَّه اتخذ قراره ألاَّ يتوقّف. يقول بنهوفر “إنْ كان علينا لكنّا تجنّبنا اتخاذ هذا القرار الصعب، لكنه مفروض علينا الآن. لقد طلب يَسُوع نفسه مِنْ تلاميذه في قيصريّة فيلبس أنْ يتخذوا قرارًا: “مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟” في المواجهة مع المَسِيح لا يمكن أنْ نقول (ربما) أنت المَسِيح ابن الله. أمامنا خياران لا ثالث لهما: إمّا الصمت كما فعل التلاميذ أو أنْ نجيب نفس إجابة بُطرُس: “أَنْتَ هُوَ المَسِيح ابْنُ اللهِ الْحَيِّ! فَأجاب يَسُوع وَقَالَ لَهُ: “طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أن لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطرُس، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” مَتّى ١٦: ١٣. كلنا بُطرُس … ليس هذا الإنسان أو ذاك. يجب أنْ نتكلّم ولا نصمت. وإذ نتكلم بالحق ونحيا في الحق يبني الرب الكنيسة. نحن لا نبني الكنيسة، بل الرب هو الذي يبني كنيسته. إنَّ الرب يسوع المَسِيح فقط هو رأس الكنيسة وسيدها ولا يمكن ولا يصلح أي إنسان آخر مها سمت قيمته أنْ يكون رأسًا للكنيسة. المَسِيح يبني الكنيسة وأبواب الجحيم لن تقوي عليها.” (Edwin H. Robertson, ed, No Rusty Swords: Letters, Lectures, and Notes 1928-1936, From the Collected Works of Dietrich Bonhoeffer, 1947, 214).
بعض عشر سنوات من العمل الدؤوب ومحاولة إيقاظ ضمير الكنيسة لمقاومة النازية حتى يتجنب العالم ويلات حرب عالمية جديدة، قُبِضَ على ديتريش بنهوفر في ٥ أبريل ١٩٤٣ بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم واوُدع بنهوفر سجن تيجل Tegel Prison في برلين. في أكتوبر ١٩٤٤ نُقِل بنهوفر إلى سِجن المخابرات السريّة The Gestapo في برنز -البرخت- ستريس Prinz-Albrecht-Strasse في برلين. مِنْ فبراير ١٩٤٥ حتى أبريل مِنْ نفس العام، سُجِنَ بنهوفر في أحد المعسكرات في بلدة بوخنولد Buchenwald. في ٣ أبريل ١٩٤٥ نُقِل السجين ديتريش بنهوفر إلى سجنٍ آخر، هذه المرّة إلى معسكر الإعدام في مدينة فلوسنبرج Flossenburg. في فلوسنبرج، عُقدَت لبنهوفر محاكمة صوريّة هزلية قصيرة حُكِم فيها على بنهوفر بالإعدام شنقًا. نُفِّذ حكم الإعدام في بنهوفر يوم ٩ أبريل ١٩٤٥. يصف طبيب السجن الذي كان شاهدًا لحادثة إعدام بنهوفر هذه الحادثة بالكلمات الآتية: “في هذا اليوم، رأيتُ القس بنهوفر مِنْ خلال الباب الذي كان نصف مفتوح في إحدى غرف السجن حيث استبدل ملابس السجن بملابس الإعدام. رأيتُ القس بنهوفر يجثو على ركبتيْه مصليًا بحرارة لإلههِ قبل أن يترك الغرفة. إنَّ هذه الطريقة التي صلّى بها هذا الإنسان المحب لمَسَتْ حياتي وقلبي. لقد كان شخصًا بارًا وكان متيقنًا أنَّ الله قد سمع صلاته بالفعل.” (Eberhard Bethge, 927-928). ثم يضيف الطبيب قائلًا “في غرفة الإعدام صلَّى القس بنهوفر ثانية صلاة قصيرة ثم صعد لمنصّة الإعدام شجاعًا ومتماسكًا. في الخمسين عامًا التي عملت فيها طبيبًا في السجن لم أرَ إنسانًا يموت خاضعًا بالتمام لمشيئة الله كما رأيتها في حياة القس بنهوفر.” (Eberhard Bethge, 927-928)
لقد كانت حياة ديتريش بنهوفر حياة قصيرة –تسعة وثلاثين عامًا فقط عاشها بنهوفر على الأرض– لكنها حياة حافلة بالعطاء والإنجاز والإثمار. إنَّ الحياة لا تُقاس بطولها، لكنها تقاس بعمقها ومدي تأثيرها. لقد تكلم بنهوفر عندما صمت الكثيرون، بل وقدّم نموذجًا نادرًا للشجاعة في وقت عاش فيه الكثير من أشباه الرجال. السؤال الآن: ما الذي يجعل هذا اللاهوتي الشاب يخاطر بحياته ومستقبله ويسبح ضد التيار معلنًا بأعلى صوت أنَّ “يسوع الناصري” وليس “هتلر” هو مخلص ألمانيا، بل والعالم أجمع؟ ما الذي جعل بنهوفر يكرّس حياته لخدمة “هؤلاء الأصاغر” ويقف بجانب المظلومين والمهمشين؟ ما هي الأسّس اللاهوتية والأخلاقية التي مكّنت بنهوفر من تفاعله مع قضايا عصرهِ وجعلته يصرخ بأعلى صوته عندما سمع دقات طبول حرب عالمية ثانية تكتسح القارة الأوروبية قبل أن تحدث بسنوات كثيرة؟ في اعتقادي أنَّ بنهوفر بني تفاعله اللاهوتي على ثلاثة عقائد أساسية هي: عقيدة الكنيسة، عقيدة المسيح، وعقيدة الصليب.
أولًا: الكنيسة موجودة لأجل الآخرين
للكنيسة مكانة خاصّة ومتميّزة جِدًا في فكر ديتريش بنهوفر. إنَّها كما يقول الكتاب في ١ تيموثاوس ١٥:٣ “عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” كيف يمكن للكنيسة أن تصمت عن قول الحق؟ كيف يمكن أن تتحول لتكون بوقًا لنظامٍ أو أيدولوجية؟ كيف يمكن للكنيسة أن تحيد عن إرساليتها وأن تتعامي عن دعوتها بهذه الصورة التي حدثت في ألمانيا النازية؟ أنشغل بنهوفر مبكرًا جدًا في حياته بدور الكنيسة وارساليتها للعالم. في الواقع إنَّ أهم ما يميّز الفكر اللاهوتي للكنيسة في فِكْر وأخلاق بنهوفر كَوْنها مرسلَة للعالم أو ما دعاه بنهوفر Missional ecclesiology. كما هو واضح هنا، لم يفصل بنهوفر بين “لاهوت الكنيسة أو الـ Ecclesiology” و “لاهوت الإرسالية أو الـ Missiology”، فلا كنيسة بدون إرسالية. رأى بنهوفر أن الكنيسة لن تكون كنيسة ولن تحقّق هدف وجودها إن لم تتواجد مِنْ أجل الآخرين. في “خطابات وأوراق مِنْ السجن Letters and Papers from Prison” أشار بنهوفر للمسيح على أنَّه “الرجل الذي عاش لأجل الآخرين The man for others”. (Dietrich Bonhoeffer, Letters and Papers from Prison, 1971, 381-82). إن كانت الكنيسة بحق هي جسد المسيح في العالم، ينبغي أيضًا أن تتواجد لأجل الأخرين. رأى بنهوفر أنَّ الكنيسة في ألمانيا في بداية القرن العشرين عاشت للحفاظ علي وجودها كمؤسسة أكثر من حفاظها علي رسالتها، فصار لها أسم أنها حيّة لكنها ميتة.
كان حري بالكنيسة أن تصرخ “لا يحل لك” في وجه هتلر والنازية، لكنها قدمت طاعة عمياء. كان حري بالكنيسة أن تدعو الي ثقافة العيش المشترك، في الوقت الذي صمتت فيه عن مظالم النازية التي طالت كل من لم ينتم الي الجنس الآري. إنَّ الأزمة التي مرّت بها ألمانيا في النصف الأوّل مِنْ القرن العشرين دعتْ بنهوفر أنْ يفكِّر في آليّة لغرس ثقافة وقيم العيش المشترك. ما أحوج عالمنا اليوم لهذه الرسالة. عندما ننظر إلى عالمنا اليوم تزعجنا جِدًا عمليات التطهير العرقيّ والجرائم والعنف الموجّهة ضد عِرقٍ أو جنسٍ أو دين ما. ما أبشع ما بثّته شاشات التليفزيون وشبكات الأخبار والإنترنت منذ سنوات قليلة مضت مِنْ مشاهد دمويّة ومجازر ارتكبها تنظيم داعش ضد المَسِيحيّين والأيزيديّين في شمال العراق وفي سوريا وفي غيرها مِنْ مناطق العالم المختلف! ما أبشع ما نراه اليوم في أوروبا الشرقية والحرب غير العادلة ما بين روسيا وأوكرانيا.
إنَّ الأخلاق المَسِيحيّة لا تقبل ظلم أو عُنف أو استقواء أو تسلُّط مجموعة عرقية أو دينيّة ضد أخرى، كما أنَّهذه الأخلاق لا تواجِه العنف بالعنف، لكنها تدعو للسلام وتسعى له. تحيا الكنيسة كجماعة مسؤولة في العالم فتكون صوتًا لِمَنْ لا صوت له. صحيح أنَّ الكنيسة يجب أن تمد يد العون للمحتاجين، وأن تقدم مساعدات إنسانيّة لمساعدة اللاجئين ومتضرري الحروب، وألاَّ تدّخر جهودًا دبلوماسيّة لتدعو للسلام، لكن بنهوفر رأى أنَّ الكنيسة يجب ألاَّ تكتفي بأن تضمِّد جراحات الضحايا تحت عجلات قطار الظلم، بل أنْ تجد طريقة تتمكّن بها مِنْ إيقاف العجلة نفسها. (Larry L. Rasmussen, Berlin: 1932-1933: Dietrich Bonhoeffer Works, Volume 12, 2009, 365).
ثانيًا: من هو المسيح بالنسبة لنا؟
يعتقد كثير مِنْ اللاهوتيّين اليوم أنَّ عقيدة المَسِيح Christology هي بالفعل قلب فكر بنهوفر اللاهوتي وصُلب إيمانه. بالرغم مِنْ أنَّ بنهوفر قَبِل الإرث التاريخي لمجمع خلقدونية بخصوص عقيدة المسيح، إلا أنَّه أخذ مدخل مختلف لفهم هذه العقيدة وفي هذا اختلفت منهجيّة بنهوفر عن الكتابات اللاهوتيّة الكلاسيكيّة لفهم عقيدة المَسِيح. رأى بنهوفر أنَّ المدخل لفهم عقيدة المَسِيح بالنسبة للكنيسة في ألمانيا في القرن العشرين يجب أْن يكون “مَنْ” هو هذا الإله–الإنسان أكثر مِنْ كَوْنه “كيف” يمكن أنْ يكون يَسُوع المَسِيح إلهًا وإنسانًا في ذات الوقت وهو السؤال الذي ركَّز عليه مجمع خلقدونية. من هو المسيح بالنسبة للكنيسة في وجه النازية هو السؤال الذي دعا بنهوفر الكنيسة للصراع معه. رأى بنهوفر أنه على الكنيسة في كلِّ عصر أنْ تُعيد اكتشاف مَنْ هو يَسُوع بالنسبة لها.
هذا التحوّل الاستفهامي مهم جِدًا لفهم عقيدة المَسِيح في فكر بنهوفر. إنَّ التركيز هنا ليس على “حقائق”، مع أنها هامة، بل على “شخص” لأنه أكثر أهمية. ولأنَّ الكنيسة –وليس المجتمع الخارج – هي التي قَبِلَت إعلان المَسِيح باعتباره “كلمة الله”، فالكنيسة أيضًا منوطة اليوم أنْ تجيب على هذا السؤال المهم في قرينتها: “مَنْ أنت، يَسُوع المَسِيح، كلمة الله؟” (Dietrich Bonhoeffer, Letters and Papers from Prison, 1971, 381-82).. بالنسبة لبنهوفر لا يمكن الحديث عن لاهوت وناسوت المَسِيح وكأنَّها “أشياء”. إنَّنا لا نتكلم عن شيء، بل عن شخص – شخص ربنا يسوع المسيح له كل المجد. وبناءً عليه فالسؤال الذي يدعونا بنهوفر للصراع معه باستمرار هو: أين يتواجد المَسِيح اليوم؟ إلى أين يدعونا المسيح؟ إلى ماذا يدعونا المسيح؟ سيظل إيماننا بالمسيح حبيس مجلدات اللاهوت وإقرارات الإيمان الكنسية حتى تأخذه الكنيسة مجددًا الى العالم في صراع وتفاعل أمين مع واقعها. على الكنيسة في الزمان والمكان أنْ تحيا أمينة لدعوتها ورسالتها حيثما وكيفما وأينما يدعوها المَسِيح.
ثالثًا: مركزية حمل الصليب
تحتل عقيدة الصليب مكانة خاصة في اللاهوت الكتابي وفي الفكر المسيحي. لم يقل الرب يسوع أبدًا أنَّ طريق التلمذة سيكون مفروشًا بالورود أو خاليًا من التحديات، لكنه طريق حمل الصليب وقبول الموت الاختياري كما يذكر إنجيل لوقا ٢٥:١٤-٢٧. لا مسيحية بدون صليب ولا صليب دون الم وصراع وموت. حذَّر بنهوفر الكنيسة من الهروب من الصليب، من مسؤوليتها التي دعاها الرب لها في الزمان والمكان، والانجذاب إلى لاهوت المجد. عندما تهمل الكنيسة دورها ومسؤوليتها تجاه المحتاجين والمتألمين، المظلومين والمهمّشين في المجتمع فهي تعيش ما أسماه بنهوفر بـ “النعمة الرخيصة Cheap grace” والعكس صحيح، عندما تعيش الكنيسة عُمق دعوة ورسالة المَسِيح وتتصرَّف من منطلق مسؤوليتها وتعلن استعدادها لدفع الثمن مهما كان غاليًا فهي تعيش “النعمة المُكلِّفة Costly grace”، وشتّان الفارق بين هذيْن النوعيْن مِنْ التجاوب مع نعمة الله المقدَّمة لنا بغنى في شخص المَسِيح. لقد تناست الكنيسة في ألمانيا النازية هذه النعمة المُكلِّفة.
لقد حارب بنهوفر “الإيمان السهل”. يصف بنهوفر النعمة الرخيصة بأنها إيمان سهل، إيمان يرفض الصليب، بل ويتهرّب من المسؤولية. يقول بنهوفر “إنَّ النعمة الرخيصة هي النعمة التي نَصْبغها نحن على أنفسنا … النعمة الرخيصة هي نعمة بدون تلمذة، هي نعمة بدون صليب، هي نعمة بدون يَسُوع المَسِيح الحيّ المتجسِّد.” Dietrich Bonhoeffer, 2001, 44)). النعمة الرخيصة لا تخلق فينا سلام الله؛ سلام المصالحة، لكنها تخلق فينا الرضا الكاذب والخادع للنفس وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. إنَّ النعمة الرخيصة هي نعمة دون تغيير عملي ملموس في واقع حياتنا. نعمة لا تأخذنا مجدَّدًا للعالم. نعمة لا تكلِّفنا شيئًا. إنَّها نعمة سلبية لا تكترث بأنّات المتألمين وصرخات المظلومين.
وبينما نجد أنَّ النعمة الرخيصة امتصّت عُصارة الحياة مِنْ كنيسة الرب يسوع، وجد بنهوفر في النعمة المُكلِّفة الحل الأمثل واحتياج الكنيسة الأكبر. يصف بنهوفر النعمة المُكلِّفة بهذه الكلمات “النعمة المُكلِّفة مُكلِّفة لأنَّها تدعونا لحياة التلمذة. إنَّها نعمة لأنهَّا تدعونا أنْ نتبع يَسُوع المَسِيح. إنَّها مُكلِّفة لأنَّها قد تكلِّف التلميذ حياته. إنَّها نعمة لأنَّها تمنحنا حياة أفضل. إنَّها مُكلِّفة لأنَّها تدين الخطيّة، لكنها نعمة لأنها تبرّر الخاطئ. Dietrich Bonhoeffer, 2001, 45)).
لاهوت الصّليب هو لاهوت منشغل بالعالم او World-oriented جوهره هو أخلاق المشاركة Participatory. إنَّه لاهوت يرفض أنْ يغلِق عينيْه أو يصُم أذنيْه عن احتياج المهمّشين وعن صرخة المظلومين. إنَّ قلب لاهوت الصّليب هو إصراره الشديد على ربط العالم برسالة الإنجيل. يذكّرنا لاهوت الصّليب أنَّ الله منشغِل ومهتم بهذا العالم، بحروبه وصراعاته ومآسيه. االله مهتم بعالمنا قدر ارتباط صليب يسوع الناصري بأرض وصخور الجلجثة. بكلمات أخرى، إنَّ لاهوت الصّليب هو لاهوت تجسّدي Incarnational Theology إذ أنَّه يحمل لنا عُمق محبّة الله وتضامنه مع الخليقة والإنسان ليس في الحياة فقط، بل في حياة نحن نعلم أنَّ الصليب والالم الاختياري هو جزء لا يتجزأ منها.
لقد تكلَّم بنهوفر عن إله بدأ ضعيفًا للناظرين. إله توحَّد مع الضعفاء. هذا الطرح مِنْ أصعب الأمور في قراءة فكر بنهوفر اللاهوتي، فكيف يكون الله ضعيفًا متألّمًا؟ رأى بنهوفر الله كما رآه النبي إشعياء، كالعبد المتألم، أو كما تقدّمه لنا الأناجيل في صورة طفل بيت لحم، رآه في يَسُوع الناصري المصلوب. (Dietrich Bonhoeffer, 1971, 122) هذا الضعف، والذي هو أيضًا في نفس الوقت منتهى القُوّة، هو الطريق الذي رسمه الله لنفسه؛ الطريق الوحيد ليكون معنا ويُعين ضعفاتنا ويجعل عالمنا أفضل. لقد انتصر الله على القُوّة في العالم بضعفه. فهذا الإله المعلّق مصلوبًا، المتألم بأيدي الأثمة والأشرار، هو أيضًا إلهًا ظافرًا منتصرًا قويًا غالبًا. إنَّ الله قد يتركنا إلى حين، لكنه في ذات الوقت الإله الذي معنا باستمرار. هو إله حاضر وموجود لكنه أيضًا إله محتجب. الله هو الأبعد عن أفكارنا وفوق تصوراتنا وهو في ذات الوقت الحاضرٌ في وسطنا. “God is the beyond in the midst of life.” . ((Dietrich Bonhoeffer, 1971, 93 قد لا نرى الله اليوم حتى على هامش الحياة، لكنه سيظل دائمًا مركزها. إنّه المتعالي وفي ذات الوقت الموجود في الوسط. إنَّ لاهوت الصليب لاهوت يملانا بالرجاء.
ما أعظم الدور وما أكبر الرسالة التي دعا الله الكنيسة لها! لكننا في نفس الوقت نعلم جيدًا أنَّ الله عندما يدعونا لهذه المهام الجسام، فهو يؤهلنا لها أيضًا. لقد ترك بنهوفر للكنيسة إرثًا غنيًا ونموذجًا يُحتذي به في التكريس للسيد وشجاعة في مواجهة الشر. كيف تتحدّى حياة بنهوفر الكنيسة اليوم باعتبارها جسد المَسِيح في العالم؟ إنَّ ديتريش بنهوفر لم يمت. إنّه حي. إنّه حي في تلاميذ المَسِيح اليوم الذين ما زالوا يتبعون خطى سيدهم بأمانة منكرين ذواتهم وهم يحملون الصليب كل يوم. إنّه حي في الجماعة التي تموت كل يوم لتُظهِر حياة يَسُوع فيها “حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوع أيضًا فِي جَسَدِنَا” ٢ كو ١٠:٤. ما زال صوت النبي إشعياء وصوت يوحنا المعمدان وصوت ديتريش بنهوفر يدوي في آذاننا حتى اليوم “صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيّة: “أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جميعًا، لأن فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ” إش ٣:٤٠-٥.
قائمة المراجع
Bethge, Eberhard. Dietrich Bonhoeffer: A Biography. Edited by Victoria J. Barnett. Translated
Eric Mosbacher, et al. Minneapolis: Fortress Press, 2000.
Bonhoeffer, Dietrich. Discipleship, vol. 4 of Dietrich Bonhoeffer Works. Edited by Geoffrey B.
Kelly & John D. Godsey. Minneapolis: Fortress Press, 2001.
Bonhoeffer, Dietrich. Letters and Papers from Prison. Edited by Eberhard Bethge. Translated by
Reginald Fuller, Frank Clark, and others. London: S.C.M. Press Ltd., 1971.
Kelly, Geffrey B. & F. Burton Nelson, eds. Dietrich Bonhoeffer, A Testament to Freedom: The
Essential Writings of Dietrich Bonhoeffer. New York: Harper Collins, 1995.
Rasmussen, Larry L. Berlin: 1932-1933: Dietrich Bonhoeffer Works, Volume 12. Translated by
Douglas W. Scott, Isabel best, and David Higgins. Minneapolis: Fortress Press, 2009.
Robertson, Edwin. ed. No Rusty Swords: Letters, Lectures, and Notes 1928-1936, From the
Collected Works of Dietrich Bonhoeffer. Translated by Edwin H. Robertson and John
Bowden. New York: Harper and Row, 1947.
Robertson, Edwin. ed. and trans. Voices in the Night: The Prison Poems of Dietrich
Bonhoeffer. Grand Rapids: Zondervan, 1999.
[1] لدراسة الفكر اللاهوتي لديتريش بنهوفر بأكثر تفصيل، يرجي الرجوع لكتاب المؤلف “صوت صارخ في البرية: قراءات في فكر ديتريش بنهوفر” (القاهرة: المؤلف، ٢٠١٩).
اسم الكاتب: القس محسن منير
في البدء كان الكلمة، والكلمة صار جسدًا وحل بيننا (يو ١: ١) وعاش يعلن ما جاء من أجله وأتم عمله الفدائي على الصليب ودفن وقام في اليوم الثالث حسب الكتب (١كو ١٥: ٤). وصرنا -كمسيحيين- نحتفل بهذا الحدث كل عام. لكن ترى هل قيامة المسيح يمكن اختزالها فقط في الاحتفال السنوي بها؟ أم هي حدث يتغلغل في كل جوانب حياتنا؟؟
للإجابة عن هذا السؤال بصورة صحيحة، أدعوك عزيزي القارئ لجولة معًا في الإصحاح العشرين من إنجيل البشير يوحنا. ونحو فهم أفضل لهذا الإصحاح نحتاج إلى فكرة سريعة عن مسرح أحداثه.
لقد كان حلول يوم السبت في المجتمع اليهودي يضع قيودًا على السفر والتنقل، لذا كان لزامًا على أتباع يسوع -المتألمين بعد صلبه وموته- أن يقضوا اليوم في حداد، فقد كان التقليد اليهودي يلزم بطقس حدادي معين يتم في القبر أثناء الأيام الثلاثة الأولى بعد الوفاة. وطبقًا لهذا -جاء في الأحد “أول الأسبوع” بعض من تابعي يسوع ليتمموا هذا الطقس، ولقد تمت الزيارة تقريبًا في الساعات ما بين الثالثة والسادسة بعد منتصف الليل. ولقد كان القبر منحوتًا في الصخر ومغلقًا بحجر كبير مستدير ينحدر على منزلق من أعلى إلى أسفل ونهايته في مقابل فتحة القبر لإغلاقه. لقد كان من السهل نسبيًا غلق القبر، لكنه كان يتطلب العديد من الرجال الأقوياء لفتحه.
بعد هذه الفكرة المختصرة عن مسرح الأحداث، نتقدم للتعرف على بعض دروس القيامة وفق يوحنا ٢٠ من خلال التأمل في أربع أفكار:
(١) القبر الفارغ ١- ١٠.
(٢) مريم المجدلية ١١- ١٨.
(٣) التلاميذ ١٩- ٢٣.
(٤) توما ٢٤- ٢٩.
أولاً: القبر الفارغ ١– ١٠:
عندما وصلت مريم المجدلية ثم يوحنا وبطرس بعد ذلك إلى القبر شاهدوا ما لم يكونوا يتوقعوه أبدًا. لقد شاهدوا الحجر الضخم مدحرجًا والقبر فارغًا والأكفان موضوعة بطريقة كما لو أنها مازالت تلف جسد المسيح مع الأطياب الملتصقة بها، ومنديل الوجه ملفوفًا بعيدًا قليلاً. وكل هذا خلافًا للوضع الطبيعي. قارن ذلك مع يوحنا ١١: ٤٤ عندما أقام الرب يسوع لعازر من الموت “فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع “حلوه ودعوه يذهب”.
نرى أول ما يعلنه مشهد القبر الفارغ هو يقين تدبيرات العناية الإلهية، فالحجر المرفوع بالطبع لم يكن ليخرج يسوع من القبر.. بل رسالة بيقين التدخل الإلهي للتعامل مع العجز والمحدودية البشرية. فكما سبق القول إن الحجر الذي أغلق القبر كان يحتاج لعدد من الرجال الأشداء لتحريكه.
عزيزي القارئ، مشهد القبر الفارغ يعلن لك أنه مهما كان قدر وعبء ما تواجهه من احتياجات ومشاكل لكنك ابن لهذا الإله القدير صاحب المحبة والقدرة اللانهائية والتي تصنع تدبيرات عنايته الفائقة القادرة على مواجهة كل ما تعاني منه، ومشهد القبر الفارغ يعلن أيضًا لك أين تجد المصدر الصحيح للإيمان. فعدد (٨) يخبرنا أنه عندما دخل يوحنا القبر ونظر المشهد “رأى فآمن”. ولقد استخدم يوحنا البشير ثلاث كلمات مختلفة في اللغة اليونانية لكلمة “نظر أو رأى”. ففي عدد (٥) كلمة “نظر” تأتي بمعنى “نظر نظرة عابرة” وفي عدد (٦) “نظر” تأتى بمعنى “نظر بتدقيق ولاحظ” ثم في عدد (٨) كلمة “رأى” تأتي بمعنى “رأى بإدراك عقلي واعٍ”. كان إيمان بطرس ويوحنا مبنيًا على الدليل المادي والبرهان وغاب عنهما ما سجلته نبوات العهد القديم عن يقين انتصار المسيح وقيامته من الموت. لكن ماذا عنا نحن الآن الذين نعيش بعد قرون عديدة من هذا الحدث حيث لا نستطيع أن نرى الدليل المادي؟؟ لدينا ما هو أسبق وأبقى.. الكلمة المقدسة التي فيها كل ما يريد الله أن يعلنه (عدد ٩). وكل ما سجلته الكلمة المقدسة هو حق. فهذا ما تعلمه بطرس من خلال القبر الفارغ وسجله بقيادة الروح القدس في رسالته الأولى ١: ٢٣- ٢٥ “مولودين ثانية لا من زرع يفنى، بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد. لأن “كل جسد كعشب، وكل مجد إنسان كزهر عشب. العشب يبس وزهره سقط. أما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد”.
ثانيًا: مريم المجدلية ١١– ١٨
نعلم من عددي ١٤ و١٥ أن مريم لم تتعرف على يسوع مع أنها رأته وسمعته، لقد كان الحزن والدموع يسيطران عليها. فقد كان بكاء مريم عبارة عن نحيب بصوت عال وفق عادات اليهود في ذلك الحين تعبيرًا عن حزنهم الشديد (يو ١١: ٣١، ٣٣). بالطبع ليس هناك خطأ في أن يعبر الإنسان عن حزنه الصادق، لكن حزن المؤمن -بعد إدراك حقيقة ومعنى قيامة المسيح- ينبغي أن يختلف عن حزن العالم الذي بلا رجاء (١تس ٤: ١٣- ١٨)، فنحن “ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات” (١بط ١: ٣). وهكذا دائمًا يحرمنا استسلامنا للأحزان وضغوط الحياة من بركة الحضور والرفقة الإلهية في كل ما يواجهنا.. ونعود لحدث القيامة ليؤكد لنا هذه الحقيقة.. لا تدع دموعك وقلقك يحرمانك من التمتع بالحضور الإلهي في حياتك.
فور إدراك مريم للحقيقة الرائعة.. أن يسوع قد قام من الموت، كان رد الفعل هو مخاطبته بـ “ربوني” أي “سيدي” وهي كلمة في اللغة الأصلية تحمل معنى الاحترام والتبجيل، فقد كان لليهود ثلاثة مستويات من المعلمين” “رآب” Rab [أقل مستوى] ثم “رابي” Rabbi ثم “ربوني” Rabboni [أرفع مستوى]. ومازال حدث قيامة المسيح يجدد الإعلان الدائم والمستمر أننا ننتمي ونرتبط بملك الملوك ورب الأرباب سيد كل الخليقة ونحن تحت رعايته وعنايته وقيادته وحمايته.
وأخيرًا، نجد أيضًا في عدد (١٧) تأكيد جديد من الرب يسوع انطلاقًا من حقيقة قيامته أن الرسالة الأساسية لمن ينتمون له. هو إعلان هذا الخبر السار -يسوع قام- حقًا قام.
ثالثًا: التلاميذ ١٩– ٢٣
رغم إخبار مريم المجدلية التلاميذ بأنها رأت الرب وأنه تحدث معها (عدد ١٨) إلا أنه من الواضح أنهم مازالوا أسرى حزنهم وخوفهم، حيث كانوا مجتمعين معًا في غرفة مغلقة الأبواب لسبب الخوف من اليهود (عدد ١٩).. في حزن، قلق وتوتر، خوف، إحساس بالهزيمة وعدم الأمان.. في مناخ كهذا ماذا قدمت لهم قيامة المسيح؟
أول ما قال لهم يسوع “سلام لكم”. الكلمة “شالوم” في اللغة الأصلية والمترجمة “سلام” معناها أكثر شمولاً وثراءً من مجرد غياب الحرن والتوتر بل هي تعني “الحياة في أفضل صورها” تحت عناية الله ورعايته. واستخدام يسوع لها في مساء يوم القيامة، يعلن عن أولى هبات قيامة المسيح.. السلام الحقيقي الداخلي والتمتع بأعمال العناية الإلهية.
بعد منح المسيح المقام السلام لتلاميذه، جاءت النتيجة الطبيعية التلقائية كما وردت في عدد (٢٠) “ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب”. وبعد منحه السلام لهم جاء تكليفهم بالإرسالية في عدد (٢١). “سلام لكم [مرة أخرى]. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” وما زالت هذه الهبات والامتيازات متاحة لكل من يعيش تحت سلطان يسوع المقام. القيامة كحدث تاريخي مؤكد ينبغي أن تستدعي لأذهاننا دائمًا عطايا السلام والفرح وبركة وامتياز أننا رسل يسوع المسيح لإعلان الخبر السار.
لا ينبغي فهم عدد (٢٣) على أنه سلطان خاص لشريحة خاصة من البشر -دون غيرهم- بمنح الغفران أو حجبه. حيث إن المعنى الصحيح في هذا العدد وأيضًا ما ورد في متى ١٦: ١٩ كما يعلنه الفهم الصحيح للغة الأصلية هو “أي خطايا تغفرونها ينبغي أن تكون قد غُفرت من قبل. وأى خطايا لا تغفرونها [تمسكونها] ينبغي أن لا تكون قد غُفرت من قبل. أي وبكل وضوح ليس سلطان لأن “يُقدم” التلاميذ الغفران للآخرين لكنه فقط أن “يُعلن” التلاميذ الغفران الذي يتم فقط بعمل الرب يسوع، فهو وحده الذي يصنع معجزة الغفران.. فهو وحده الذي دفع ثمنه بفداء الصلب والقيامة. فمتى أمن الخاطئ بالمسيح وقَبِل عمله الفدائي يكون دور الكارز البشري هو -فقط- أن يعلن له أن خطاياه قد تم غفرانها. فنحن فقط نعلن الغفران ولسنا من نمنح الغفران.
رابعًا: توما ٢٤– ٣١
لم يكن توما مع التلاميذ عند ظهور المسيح الأول لهم والمسجل في عدد (٢٤). ولا نستطيع أن نجزم بسبب عدم وجوده. لكن بكل تأكيد نستطيع أن ندرك أنه قد أصابه ما أصاب باقي التلاميذ بعد صلب وموت المسيح من حزن وقلق وخوف، وربما وفق طبيعة شخصيته اختار أسلوب الانعزال كرد فعل لمشاعر الحزن والقلق، وكنتيجة لهذا الأسلوب في التفكير وضع شروطًا لإيمانه بقيامة المسيح، كما نراها في عدد (٢٥) “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه، لا أؤمن”. حتى أن شهادة مريم في عدد (١٨) وشهادة باقي التلاميذ في عدد (٢٥أ) لم تنجح في إقناعه. وبعد أسبوع من قيامته. جاء يسوع وفي نفس المكان مرة أخرى وقدم أولاً مرة أخرى منحه السلام ثم بدأ التعامل مع شك توما (عدد 27).
وبغض النظر عن الأسباب التي قادت توما إلى هذه الحالة من الشك والتي قرر أنه لن يبددها إلا العيان ولمس أثار الجروح بيديه، نرى اهتمام يسوع أن يأتي خصيصًا إليه ويدعوه لكي يلمس يده وجنبه ويرى بعينيه أثار الجروح، يقودنا إلى درس جديد في القيامة. الرب المقام يهتم باحتياج كل شخص من أبنائه بصورة شخصية في وسط مليارات من البشر، عزيزي القارئ تيقن أنك موضع الاهتمام الإلهي الخاص بكل ما يدور في ذهنك وكل ما تعيشه من ألم أو شك.
رحب الرب يسوع بالإقرار الرائع السريع من توما “ربي وإلهي” لكن في نفس الوقت لفت نظره لحقيقة محورية وهامة “طوبى للذين أمنوا ولم يروا” أي طوبى للذين يسلكون ويعيشون بالإيمان وليس العيان. الإيمان بشخص وعمل الرب المقام من الأموات وهو الآن عن يمين الآب يشفع فينا كل حين، وليس عيان المحسوس والملموس..
من حدث القيامة نتعلم درسًا متجددًا هو أن من الأسلوب الصحيح الوحيد الذي يريده الرب منا في تعاملاته معنا هو اليقين النابع من الإيمان بشخصه وعمله بغض النظر عن ما يواجهنا من متاعب فلا نستسلم لشكوانا وشكوكنا.
يعلمنا حدث القيامة من خلال موقف توما.. أن يكون لنا نفس الشهادة الحاسمة في مواجهة كل الشكوك والمخاوف، وأمام كل أشكال وأنواع الآلهة التي تقدم نفسها إلينا لنتكل عليها ونثق فيها بأنواع وصور متعددة. أن نعلن في مواجهتها مخاطبين يسوع وبكل الصدق واليقين “ربي وإلهي”.
خاتمة:
بينما كان يستعد دكتور “روبرت دال” -وهو واحد من أعظم الرعاة اللاهوتيين في إنجلترا- لعظة القيامة في أحد السنوات، شعر بقوة جديدة عندما أدرك قيامة المسيح بأبعاد جديدة وبدأ يكرر في نفسه “يسوع حي.. حي.. حي” ثم توقف وعاد يخاطب نفسه “هل هذا حق؟ إنه حي كما أنا حي الآن” وقام من على كرسي مكتبه. وبدأ يتحرك في الغرفة وهو يهلل “المسيح حي.. المسيح حي”.
بالطبع لم يكن إيمانه بحقيقة القيامة وليد هذه اللحظات. فقد كان يؤمن يقينا بها منذ سنوات طويلة. لكن وهج حقيقتها تسيد عليه ذلك اليوم، والذي من بعده أصبح موضوع عظاته دائمًا عن “المسيح المقام” وكان يرنم ترنيمة القيامة مع شعب الكنيسة صباح كل أحد، وظل يردد “أني أريد من شعب الكنيسة أن يتمسكوا بهذه الحقيقة المجيدة- ألا وهي أن يسوع حي ويفرحوا ويبتهجوا بها”
عزيزي القارئ أن الحدث التاريخي يؤكد أن المسيح قام.. حقًا قام، والاختبار اليومي يؤكد بنفس القدر أن “المسيح حي فينا” نعم القيامة حدث تاريخي تؤكده العديد من الحقائق لكنها أيضًا وفي نفس الوقت اختبار يومي. وهذا يؤكده ما كتبه الرسول بولس بقيادة الروح القدس في رسالته إلى كنيسة أفسس في الإصحاح الأول والأعداد من ١٨- ٢٣. أدعوك – عزيزي القارئ- تتوقف الآن لتقرأ وتتأمل ذلك النص كما ورد في الكلمة المقدسة.
المراجع:
(١) سعيد، إبراهيم. شرح بشارة يوحنا. القاهرة: دار الثقافة المسيحية، طبعة ثالثة.
(٢) باركلي، وليم، شرح بشارة يوحنا- الجزء الثاني. ترجمة عزت زكي. القاهرة: دار الثقافة.
(٣) ويرزبي، وارين. سلسلة الدراسات التفسيرية للكتاب المقدس “كن”- الجزء الأول. القاهرة: مطبوعات إيجلز، ٢٠١٩.
(٤) MiLNE. Bruce, The Bible Speaks Today- The Message of John. England: Inter varsity Press.
اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح
مُقدِّمَةٌ
يتناول طيب الذكر الدكتور القسّ فايز فارس (1928- 2012)، الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا في هذه العظات الثلاث تحت عنوان حرب الخليج ونهاية العالم” نظرةموضوعية لعلاقة الحرب بالنبوات في الكتاب المقدس، والثلاث عظات: الأولى هي: أزمة الخليج ونبوات انتهاء العالم يناقش فيها موضوع علاقة حرب الخليج وأية حروب بالأيام الأخيرة، وموضوع تحديد الأوقات والأزمنة وواجب الاستعداد الدائم ثم المسؤوليّة الحاضرة. الثانية تحت عنوان: صور من انهيار الأمان التي تُبنى على ثلاث أمور، وهي: الطمأنينة الباطلة، الحكمة المضللة، الأنانيّة القاتلة. الثالثة تحت عنوان: ملكوت الله وحركة التاريخ يتحدث فيها عن أمرين هما: ملكوت الله في التاريخ الإنسانيّ، ودور أبناء الله في التاريخ الإنسانيّ.
وبرغم مرور 31 عامًا على إلقاء هذه الدروس إلا أنَّها مفيدة في سياق الحرب بين روسيّا-أوكرانيا، والتي بدورها أثارت نفس الأسئلة التي أثيرت من قبل في حرب الخليج. ومَنْ يقرأ هذا الملحق تحت عنوان: “حرب الخليج ونهاية العالم” سيجد إجابات مفيدة لأسئلة مثارة حول نصّوص نبويَّة ووقائع سياسيّة معاصرة، وهذه العظات تُعَبّر عن تفاعل المنبر مع الواقع المعاش في شرح كلمة الله بغنى وعمق.
والتوجه الذي اتخذه فايز فارس هو التوجه الذي نحتاجه في التركيز على هل من علاقة بين النبوات الكتابيّة بالأحداث السياسيّة المعاصرة ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، وفي كل مرة يثار فيها ربط ما يحدث من حوادث جارية بالكتاب المقدّس مثل ما يحدث الآن لدى البعض الذي يربطون بين ما يجري في الحرب بين روسيا وأكراينا بالكتاب المقدّس، وهو ربط في ذاته غير منطقيّ، وغير منضبط، وغير كتابيّ.
أسلوب الدكتور القسّ فايز فارس:
في عرضنا لفكر الدكتور القسّ فايز فارس أعود للتحليل الرائع الوارد في كتاب قصة خادم الذي صدر بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبيّ له وصدر عن الكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا، وقد جاء في هذا الكتاب تحليلًا وافيًا في فصل كامل عن فكره وتوجهاته، التقط منها هنا بعض النقاط الهامة قد تميز خطابه الفكريّ بالآتي:
يبقى أنَّ مشروع الدكتور القسّ فايز فارس الفكريّ-والذي الحقنا سردًا له في نهاية هذا الملحق-يحتاج إلى قراءة ودراسة ونقد لكي نستفيد منه.
المحرر
القسّ عيد صلاح
راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس-القاهرة
الفصل الأول
حرب الخليج ونهاية العالم
الدكتور القسّ فايز فارس
مقدمة دار الثقافة عام 1991م:
كانت أزمة الخليج التي نشأت نتيجة استيلاء العراق على الكويت، والحرب التي دارت لتحريرها مثار تساؤلات كثيرة بين الناس، فمنهم من رأى أنَّها تحقيق لنبوات وردت في الكتب المقدَّسة، ومنهم من قال إنها إنذار بنهاية العالم.
وكان لابد أن يقوم علماء الدين بتوضيح رأيهم للناس في هذه الأمور من واقع مسئوليتهم في التعليم. وهذه محاولة لواحد منهم، يحرص أن تكون رسائله من على منبره مواكبة ومعاصرة للأحداث. لذلك فمنذ أزمة الخليج وهو يحرص في رسائله الروحيّة على توضيح وجهة نظره في هذه القضية الهامة.
وهذا الكتاب يحوي ثلاث عظات حول هذا الموضوع ألقيت في التواريخ الموضحة بكل منها، يمكن أنْ نستخلص منها العديد من الدروس.
(1)
أزمة الخليج ونبوات انتهاء العالم
ألقيت صباح يوم الأحد الموافق 30 سبتمبر 1990م
أزمة الخليج والأيام الأخيرة
“هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى رَأَيْتُمْ هذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ…لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.” (مت 24: 33، 44).
نشرت جريدة التايمز الإنجليزيّة مقالاً يوم السبت الموافق (22/ 9/ 1990) قالت فيه إنَّه بالرغم من أنَّ منطقة الخليج تبعد عن أمريكا آلاف الأميال، إلا أنَّ بعض الشيع والجماعات الدينيّة في أمريكا كعادتها في كل المناسبات اتخذت مِن أزمة الخليج برهانًا لتأييد نظرياتها التي تقول إنَّ نهاية العالم قد اقتربت جدًا.
وقد امتلأت المكتبات بالكتب التي تشرح النبوات التي تتحدث عن مجيء المسيح ثانية. وقال البعض إنَّ تقارب أمريكا مع روسيا والاتفاق بين الرئيسين بوش وجورباتشوف هو بداية لأنْ تلعب روسيا دورًا في الشرق الأوسط. تكون نتيجته الحرب مع إسرائيل، والتمهيد لمعركة هرمجدون ونهاية العالم. كذلك تهلل شهود يهوه وهم يطرقون أبواب البيوت مِنْ باب إلى باب ليعلنوا هم أيضًا نظريتهم بأنَّ ملكوت الله قد اقترب.
وقد تطوع أحد المبشرين الغيورين في أمريكا بأنْ يضع رسالة مُسَجَّلة في تليفون خاص تنبه كل مَنْ يطلب الرقم الذي ذكره إلى أنَّ نهاية العالم قد اقتربت، وأنَّ اقتران استخدام الأسلحة النوويّة مع الأسلحة الكيماويّة وتلوث البيئة وظهور أمراض خطيرة لم تُعرف من قبل مثل مرض الإيدز وزيارة التعصب والانفجار السكانيّ وازدياد التوتر بين مختلف القوميّات. كل هذه الأمور تنذر بأنَّ خراب العالم قريب وأنَّ البشر بشرورهم قد عجلوا بقدوم هذا الخراب.
بل إنَّ هذه الرسالة قد وصلت بصورة معتدلة إلى أسماع الرئيس بوش نفسه عن طريق صديقه الواعظ الشهير بيلي جراهام. فقد كان يعظ في موطن الرئيس بوش في Kennebunk port بولاية Maine وكان الرئيس بوش حاضرًا في الكنيسة، ووعظ بيلي جراهام عن المعنى الكتابيّ لبابل وقال للسامعين إنَّ الأحداث التي تجري الآن في الخليج قد تكون لها دلالة روحيّة، فإنَّ الموقع الجغرافيّ لبابل هو الآن في العراق. وقال بيلي جراهام إنَّ هذا المكان هو الذي ابتدأ فيه التاريخ، وإنَّ الكتاب المقدَّس يعلمنا أنَّ التاريخ سينتهي من حيث ابتدأ.
وهنا في مصر، نجد نفس الأفكار والتفسيرات، وقد جاءني كثيرون يستفسرون ما إذا كان ما يحدث الآن يعتبر تحقيقًا لما جاء في نبوات وردت في سفر إشعياء أو دانيال، أو زكريا. هل العراق الآن يمثل أشور الذي قالت عنه النبوة في إشعياء في إصحاح 10 “وَيْلٌ لأَشُّورَ قَضِيبِ غَضَبِي، وَالْعَصَا فِي يَدِهِمْ هِيَ سَخَطِي. عَلَى أُمَّةٍ مُنَافِقَةٍ أُرْسِلُهُ، وَعَلَى شَعْبِ سَخَطِي أُوصِيهِ، لِيَغْتَنِمَ غَنِيمَةً وَيَنْهَبَ نَهْبًا، وَيَجْعَلَهُمْ مَدُوسِينَ كَطِينِ الأَزِقَّةِ. (إش 10: 5- 6).
أو هل ما يحدث الآن خاصة ما يجري بين العراق وإيران هو تحقيق لما جاء في إشعياء 13 عن بابل والماديين؟ والتي فيها تصير بابل هي زينة فخر الكلدانيين كسدوم وعمورة؟ أو هل المحاولات التي يقوم بها اليهود لإعادة بناء الهيكل في أورشليم هي التمهيد لنهاية العالم ومجيء السيد المسيح ثانية؟
لكل هذا شعرت أنَّه مِنْ واجبي أنْ أقدَّم لكم رسالة توضح الموقف المتوازن الذي يجب أنْ نتخذه مِنْ هذه التيارات الفكريّة المتعدّدة. وسأقصر حديثي على ثلاث نقاط، هي:
أولاً: مجال تحديد الأزمنة ليس من سلطان البشر.
ثانيًا: واجب الاستعداد الدائم لمواجهة الله لا يتطلب تحديد الأزمنة.
ثالثًا: الانشغال بفكرة نهاية العالم لا يجب أن يعوقنا عن مسئولياتنا الحاضرة.
أولاً: مجال تحديد الأزمنة ليس من سلطان البشر
من طبيعة البشر حب استطلاع المستقبل، والتلذذ بالقدرة على عمل حسابات وتقديرات تُوحي لهم بأنَّهم تمكنوا من اختراق غياب المجهول، واستطاعوا أنْ يعرفوا شيئًا عن آخر الأيام. وحتى تلاميذ المسيح أنفسهم كانت لديهم هذه الرغبة. ذلك أنَّه فيما كان الرب يسوع نفسه يُحدِّث تلاميذه بعد القيامة عن موعد الروح القدس، إذ بهم يسألونه ما كان شائعًا عندهم عن الأمور المتعلقة بالآخرة. فقال لهم بصورة قاطعة: “لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ” (أع 1: 7). وفي موضع آخر من الأناجيل قال المسيح: “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ” (مر 13: 32).
وبالرغم مِنْ ذلك فالناس يصرفون الوقت والجهد في محاولة توفيق تفسير بعض عبارات ونبوات الكتاب المقدَّس، وتطبيقها على ظروف معينة في التاريخ المعاصر، ليستنتجوا مِنْ ذلك أنَّ هذا الحدث أو ذلك الشخص أو تلك الظروف هي المقصودة في النبوات.
والحقيقة أنَّ نبوات الكتاب المقدَّس مكتوبة بأسلوب رمزيّ حتى يمكن أنْ يفهمها كل فرد بالأسلوب الذي يحمل إليه رسالة روحيّة خاصة. وبعض النبوات تحققت في أحداث معينة في الماضي، ويمكن أن تتحقق بصورة أخرى في المستقبل، ولذلك لا يمكن أن تنطبق النبوة وتقتصر على حدث معين بالذات. ولا ينبغي أنْ ننسى أنَّ مختلف الأديان عندها نفس هذه المسألة، ففي تراثها الدينيّ وكتبها المقدَّسة ما يشبه النبوات عن نهاية العالم، وهي متقاربة ومتشابهة مع ما ورد في العهد القديم.
وقد إلتقيت منذ أسابيع مع صديق مسلم من أساتذة الجامعة وذكر لي أنه في التراث الإسلاميّ ما ينبئ أيضًا عن نهاية العالم وظهور المسيح الدجال، وهذا مرتبط أيضًا بالحروب بين الأمم وبعودة اليهود إلى فلسطين. وعند اليهود أنفسهم انتظارات لمجيء المسيح، وهم لا يعتقدون أنَّه قد جاء بالفعل، ويريدون بأساليبهم السياسيّة أنْ يحققوا هذه الانتظارات.
وأغلب الناس يقعون في مصيدة التفسير الحرفيّ لهذه النبوات مع أنَّ الجزم والقطع بتفسير حرفيّ معين يعرض الناس لكثير من الأخطاء. فالذين يظنون اليوم أنَّ صدام حسين هو الوحش، أو المسيح الدجال لأنَّه اتخذ لنفسه أسماء مثل أسماء الله، يقعون في الخطأ الذي وقع فيه آخرون في الماضي، عندما ظنوا أنَّ نابليون أو هتلر أو موسوليني هو المسيح الدجال أو الوحش، وحاولوا توفيق رموز الحروف على اسمه ليجدوا أنَّها 666 بطريقة أو بأخرى وقد ثبت أنَّ واحدًا مِنْ هؤلاء جميعًا لم يكن هو المسيح الدجال.
إنَّ الله وحده يحتفظ لنفسه بسلطان معرفة الأزمنة والأوقات، وهو يمسك بزمام التاريخ وأحداثه ويتمجد في كل ما يحدث. هذا ما يجب أنْ ندركه ونثق به. لكن محاولة اختراق حجب المستقبل أمر ينهي عنه الكتاب المقدَّس.
ثانيًا: واجب الاستعداد الدائم لمواجهة الله لا يتطلب تحديد الأوقات
منذ أربعة أعوام قدَّم أحد الوعاظ المشهورين عظة رائعة في مدينة المنيا. فهم منها الناس أنَّ الشواهد تؤكد أنَّ نهاية العالم ومجيء المسيح ثانية ستكون خلال عام 1988 أو 1989 بحسب استنتاجات أوردها في العظة، وتهافت الناس على اقتناء أشرطة تسجيل هذه العظة.
وقد انتهزت الفرصة لقاء ودي مع هذا الواعظ والصديق العزيز، وسألته لماذا يصّر على أسلوب تحديد مواعيد ولو تقريبيّة لمجيء الرب مع أنَّ هناك احتمال الخطأ في هذا التفسير. فقال لي: وما الضرر إذا كان هذا يساعد على توبة الناس؟
وهكذا يُفَكِّر البعض، مدفوعين بدوافع الغيرة على خلاص النفوس وتقريب البعيدين، كما أنَّ بعض المؤمنين الذين يعانون آلام هذه الحياة يشتاقون إلى مجيء الرب لتنتهي الآلام والدموع، وتزول المتاعب، ومن ثم يبدأون حياة السعادة الأبديّة مع الرب. على أنني اعتقد أنَّ واجب الاستعداد الدائم، لا يقتضي تحديد موعد لمجيء الرب والتركيز عليه، لأسباب كثيرة أذكر منها سببين:
السبب الأول: السيد المسيح نفسه أراد أن يُبقى هذا الأمر مجهولاً ومخفيًا عن البشر، لكي يكونوا مستعدين في كل لحظة. وقد قال بوضوح: “فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: هَا هُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ! فَلاَ تَخْرُجُوا. هَا هُوَ فِي الْمَخَادِعِ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ” (مت 24: 23- 27).
ومع أنَّه قال: “هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى رَأَيْتُمْ هذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ.” (مت 24: 33). لكنه قال أيضًا “اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ.” (مت 24: 42) .. “لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.” (مت 24: 44). فالمسيح يريدنا أن نكون مستعدين في كل وقت. لأنَّه لا يعلم أحد الموعد ولا الساعة حتى أنَّ الرسول بولس قال لأهل كورنثوس مرة: “نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ” (1 كو 10: 11).
فتحديد سنة معينة في ظروف معينة لنهاية العالم ثم عدم حدوث ما تتوقعه لا يساعد الإنسان على التوبة بل قد يزيد القلوب قساوة، أو يجعل الشكوك تساور البعض في صدق النبوات. والحقيقة أنَّ النبوات صادقة لكن تفسير البعض لها هو الذي جانبه الصواب.
النبوات توضح لنا أنَّ هناك دينونة للشر، وأنَّ هناك فرصًا جديدة يمنحها الله للخير. وأنَّه في وسط الدينونة والخراب، ينبت الله زهرة حياة جديدة، وفي وسط الغضب يذكر الرحمة. هذا هو المضمون الأساسي للنبوات، دون الدخول في تفاصيل محدّدة، قد نتلذّذ بوضع جداول وخرائط لها، لكننا عندما نتبين عدم حدوث ما توقعناه. نضطر إلى تعديلها وإعادة تشكيلها.
السبب الثاني: حتى إذا لم تكن نهاية العالم خلال سنوات عمرنا فإن مواجهتنا لدينونة المسيح كأفراد وكأمة قد تكون في أي لحظة وفي كل موقف. لماذا نتصور أننا سنواجه الله والمسيح عند نهاية العالم فقط؟
إنَّ كل موقف نجتازه، هو مواجهة لنا مع المسيح. وفي كل مناسبة نتخذ فيها قرارًا. وفي كل حالة اضطراب سياسيّ أو اقتصاديّ أو اجتماعيّ. في موقف الاختيارات الصعبة. في أوقات الألم أو الخسارة أو المرض أو الحزن العميق، كل هذه مواقف نواجه فيها المسيح. بل إنَّ بعض النبوات التي يظنها الناس إشارة إلى نهاية العالم، لا تشير إلى انقضاء العالم، بل إلى انتهاء حقبة من التاريخ وبداية حقبة أخرى. وهذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتضمن قلاقل واضطرابات. أمور تزول وأمور يبزغ نورها من جديد.
وهذا يحدث كثيرًا، وربما عدة مرات في الجيل الواحد. وبعض ما جاء في متى 24، ومرقس 13 كان لا يشير إلى نهاية العالم، بل إلى يوم الرب، الذي خربت فيه أورشليم تنفيذًا لقول المسيح “هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!” (لو 13: 35). وقد قال المسيح: “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ.” (مت 24: 34). كان ذلك اليوم كأنَّه نهاية الدنيا بالنسبة للساكنين في تلك البلاد.
والمسيح لا يسعده أن نظل لاهين عنه، منشغلين بنزواتنا أو أطماعنا أو أنانيتنا. ثم ننتظر لكي يأتينا إنذار من واعظ يقول لنا بحساباته وتفسيراته إنَّ نهاية العالم قد اقتربت، فنترك ما نحن فيه ونبدأ في التوبة والرجوع إلى الله. كلا. إنَّ هذا الأسلوب المسرحيّ لا يتلائم مع رغبة الله أن نحيا له كل الوقت، أن نسلك بحسب وصاياه كل يوم.
أنت تواجه المسيح دائمًا. إنْ لم يأت المسيح لك على سحاب السماء وتسمع أصوات البوق الأخير، فسيأتي إليك المسيح في أزمة تعانيها. في موقف يهزك ويجعلك تعيد حساباتك، أو في دعوة شخصية لك أنْ تلاقي الرب بانتهاء حياتك. فكن دائمًا مستعدًا أنْ تلاقي الرب إلهك.
ثالثًا: الانشغال بفكرة نهاية العالم لا يجب أنْ يعوقنا عن مسئولياتنا الحاضرة
جميل أنْ نكون مستعدين دائمًا لمجيء الرب يسوع المسيح. لكن هذا الانتظار الجميل لا يجب أن يأخذنا في أحلام وردية، وشطحات روحيّة، تجعلنا ننسى أو نهمل مسئولياتنا الحاضرة. وقد حدث مثل هذا الأمر في أيام حياة بولس الرسول، وفي كنيسة تسالونيكي كان الناس يتوقعون أن المسيح سيأتي سريعًا في غضون حياتهم الحاضرة. لذلك امتنعوا عن العمل، وسلكوا بلا ترتيب، وقالوا ما فائدة العمل والمجهود والمسيح آتٍ سريعًا وقريبًا. هؤلاء كتب إليهم بولس الرسول قائلاً: “فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ، أَوْصَيْنَاكُمْ بِهذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا. أَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّون َفَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ”. (2 تس 3: 10- 12).
وإذا كانت نهاية العالم قد اقتربت، فلنقم بمسسولياتنا الحاضرة خير قيام وعندما يجيء المسيح فإنَّه يجدنا نقوم بواجبنا، فيكافئنا على جهادنا. إنْ انتظارنا لنهاية العالم لا يجب أنْ يشجعنا على الأحلام بل على الكفاح. كذلك فإنَّنا لا ينبغي أنْ نفترض أنَّ تفسير بعض الناس للنبوات هو خطة الله الحتمية للعالم. فنندفع إلى قبول بعض الأوضاع الخاطئة ونحجم عن محاولة تصحيح هذه الأوضاع. فإذا قيل لنا إن الأحداث الفلانية هي تحقيق لنبوات الكتاب المقدَّس، وقبلنا هذا التفسير كحقيقة مؤكدة، فإننا نتعرض لقبول المظالم والشرور التي تحدث من بعض الشعوب أو الدول ولا نقاومها.
وهذا في حد ذاته هروب من مسئولياتنا الأخلاقيّة. وبعض الدول تستغل أحلام الناس وانتظاراهم الدينيّة لكي تحقق أهدافها السياسيّة. إنَّ مسئوليتنا هي أنْ ننظر إلى كل عمل وكل حادث في ضوء الواقع، فنقاوم الشر حيثما وجد، ونصحح الخطأ إذا استطعنا. لنترك التاريخ لسيد التاريخ، ولنقم نحن بمسئوليتنا، عالمين أن الله سيحاسبنا عن مسئوليتنا الشخصية.
إنَّ هذا العالم سيزول حتمًا.
اليوم وغدًا أو بعد ألف سنة.
لكننا سنواجه المسيح اليوم.
وسنواجهه كل يوم.
وقد تكون المواجهة النهائيّة بالنسبة لأي شخص منا أقرب مما نتصور. فيا من تضيعون وقتكم وجهدكمم في تخمينات وتفسيرات للنبوات أعلموا أنَّ الله يواجهنا في كل لحظة من حياتنا. فانشغلوا بمسئوليتكم الروحيّة والاجتماعيّة والوطنيّة، قوموا بالواجب الذي يطلبه الله منكم الآن، فإذا جاء المسيح إلينا أو أخذنا المسيح إليه نكون بالحق في أمان.
(2)
صورة من انهيار الأمان
ألقيت في صباح يوم الأحد الموافق 20 يناير 1991م
“وَأَنْتِ اطْمَأْنَنْتِ فِي شَرِّكِ (وثقت بخبثك) قُلْتِ: لَيْسَ مَنْ يَرَانِي. حِكْمَتُكِ وَمَعْرِفَتُكِ هُمَا أَفْتَنَاكِ (أزاغاك– أضلاك) فَقُلْتِ فِي قَلْبِكِ: أَنَا وَلَيْسَ غَيْرِي فَيَأْتِي عَلَيْكِ شَرٌّ لاَ تَعْرِفِينَ فَجْرَهُ، وَتَقَعُ عَلَيْكِ مُصِيبَةٌ لاَ تَقْدِرِينَ أَنْ تَصُدِّيهَا، وَتَأْتِي عَلَيْكِ بَغْتَةً تَهْلُكَةٌ لاَ تَعْرِفِينَ بِهَا.” (إش47: 10، 11).
إذا قرأنا هذه الآيات، فأول ما يتبادر إلى أذهاننا أنَّها نبوة قد تحققت هذا الأسبوع في دولة العراق التي هي الموقع الحالي لمملكة بابل القديمة، والكلام في هذه الآيات موجه بالفعل إلى بابل كما يظهر في بداية الإصحاح. والناس عادة يسعدهم أن يكتشفوا أقوالاً قديمة، تتحقق في العصر الحاضر، ويعتقدون أنَّ هذا الاكتشاف يزيد من إيمان الناس بالوحي الإلهيّ. والواقع أنَّ الكتاب المقدَّس لا يحتاج إلى اكتشافات وظنون وحجج البشر الحديثة للبرهنة على صدقه. فقد ثبت ذلك منذ كتابته، بآيات الله، وسلطان كلمة الله في نفوس البشر على مدى التاريخ الإنسانيّ.
والكتاب المقدَّس فيه كثير مِنْ النبوات التي تحققت في زمانها، وعرف الناس بعد وقوع الأحداث أنَّها تحقيق للنبوات، كما أنَّ الكتاب المقدَّس فيه نبوات تحقَّقت مرة بصورة ما، وربما تتحقق مرة أخرى بصورة مختلفة.
لكن الأهم في الكتاب هو رسالته الباقية الخالدة لكل الناس في كل عصر. وإنني شخصيًا أقرأ الكتاب المقدَّس مِنْ هذا المنطلق فأجد فيه رسالة روحيّة عظيمة خالدة. وبهذا المعنى قرأت القصيدة الشعريّة الرائعة والعميقة والمؤثرة الموجودة في الأصحاح السابع والأربعين من سفر إشعياء. فهي مكتوبة بالشعر العبرانيّ، والترجمة العبريّة لها نثرًا فيها الكثير من الصور الأدبيّة والبلاغيّة التي تترك في النفس أبلغ الآثار. هي قصيدة شعريّة ونبوة عن بابل في نفس الوقت، وجهها الله إلى بابل على فم إشعياء النبيّ.
ودارسو التاريخ يعلمون أنَّ الله سيد التاريخ، يستخدم الدول والممالك والشعوب كلها لتحقيق مقاصده لكنه في نفس الوقت يتطلب من الجميع السير حسب مبادئه في العدل والرحمة والحق والفضيلة، ويعاقب كل أمة وكل فرد لا يطيع وصاياه، ولا يسلك في سبله.
لقد غضب الله على شعبه في العهد القديم وأراد أنْ يعاقبهم، فسمح لمملكة بابل أنْ تهزمهم وتسبيهم تآسر أفضل الناس وتأخذهم عبيدًا في مملكة بابل. لكن مملكة بابل، تكبرت وتجبرت، وظنت أنَّها دولة لا تقهر وأساءت معاملة الناس الذين سبتهم وأسرتهم ولم ترحمهم بل استعبدتهم عبوديّة قاسية، ولم ترحم حتى الشيوخ منهم. وجاء وقت عقاب تلك الدولة. إنَّ الله لا يترك عملاً شريرًا دون عقاب. وفي وقت معين، هيأ الله دولة فارس لتكون أداة عقاب لبابل.
هذه النبوة التي جاءت على لسان إشعياء النبي في صورة قصيدة شعرية أو مرثاة، هي إعلان من الله لبابل أنَّ عقابها قد حان.
وسأحاول أن أقرأ بعض كلمات هذه القصيدة من (إش47: 1- 11) مع تبسيط وتوضيح بعض المعاني الصعبة، وإذا تابعتم الكلام معي في الكتاب المقدَّس يمكنكم استيعاب المعاني بشكل أفضل. يقول الله لبابل: 1اِنْزِلِي وَاجْلِسِي عَلَى التُّرَابِ أَيَّتُهَا الْعَذْرَاءُ ابْنَةَ بَابِلَ. اجْلِسِي عَلَى الأَرْضِ بِلاَ كُرْسِيٍّ يَا ابْنَةَ الْكَلْدَانِيِّينَ، لأَنَّكِ لاَ تَعُودِينَ تُدْعَيْنَ نَاعِمَةً وَمُتَرَفِّهَةً. 2خُذِي الرَّحَى وَاطْحَنِي دَقِيقًا. اكْشِفِي نِقَابَكِ. شَمِّرِي الذَّيْلَ. اكْشِفِي السَّاقَ. اعْبُرِي الأَنْهَارَ. 3تَنْكَشِفُ عَوْرَتُكِ وَتُرَى مَعَارِيكِ. آخُذُ نَقْمَةً وَلاَ أُصَالِحُ أَحَدًا. 4فَادِينَا رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ. قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ. 5اجْلِسِي صَامِتَةً وَادْخُلِي فِي الظَّلاَمِ يَا ابْنَةَ الْكَلْدَانِيِّينَ، لأَنَّكِ لاَ تَعُودِينَ تُدْعَيْنَ سَيِّدَةَ الْمَمَالِكِ. 6غَضِبْتُ عَلَى شَعْبِي. دَنَّسْتُ مِيرَاثِي وَدَفَعْتُهُمْ إِلَى يَدِكِ. لَمْ تَصْنَعِي لَهُمْ رَحْمَةً. عَلَى الشَّيْخِ ثَقَّلْتِ نِيرَكِ جِدًّا. 7وَقُلْتِ: إِلَى الأَبَدِ أَكُونُ سَيِّدَةً! حَتَّى لَمْ تَضَعِي هذِهِ فِي قَلْبِكِ. لَمْ تَذْكُرِي آخِرَتَهَا. 8فَالآنَ اسْمَعِي هذَا أَيَّتُهَا الْمُتَنَعِّمَةُ الْجَالِسَةُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، الْقَائِلَةُ فِي قَلْبِهَا: أَنَا وَلَيْسَ غَيْرِي. لاَ أَقْعُدُ أَرْمَلَةً وَلاَ أَعْرِفُ الثَّكَلَ. 9فَيَأْتِي عَلَيْكِ هذَانِ الاثْنَانِ بَغْتَةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ: الثَّكَلُ وَالتَّرَمُّلُ. بِالتَّمَامِ قَدْ أَتَيَا عَلَيْكِ مَعَ كَثْرَةِ سُحُورِكِ، مَعَ وُفُورِ رُقَاكِ جِدًّا. 10وَأَنْتِ اطْمَأْنَنْتِ فِي شَرِّكِ. قُلْتِ: لَيْسَ مَنْ يَرَانِي. حِكْمَتُكِ وَمَعْرِفَتُكِ هُمَا أَفْتَنَاكِ، فَقُلْتِ فِي قَلْبِكِ: أَنَا وَلَيْسَ غَيْرِي. 11فَيَأْتِي عَلَيْكِ شَرٌّ لاَ تَعْرِفِينَ فَجْرَهُ، وَتَقَعُ عَلَيْكِ مُصِيبَةٌ لاَ تَقْدِرِينَ أَنْ تَصُدِّيهَا، وَتَأْتِي عَلَيْكِ بَغْتَةً تَهْلُكَةٌ لاَ تَعْرِفِينَ بِهَا. (إشعياء 47: 1- 11).
إننا لو قرِأنا هذه القصيدة على أنَّها نبوة تحققت مرة في القرن الرابع الميلادي، وقد تتحقق مرة أخرى في القرن العشرين. فقد ندخل في جدل لا فائدة منه، ولا يُجدينا نفعًا. لكننا لو قرأناها على أنَّها رسالة دائمة من الله لكل الشعوب ولكل الأفراد، استطعنا أنْ نجد فيها درسًا، وتعلمنا كيف يتعامل الله مع الإنسان، سواء كجماعة أو عائلة أو فرد. وإني أرجو أنْ يكون هذا هو اتجاهنا عندما نقرأ الكتاب المقدَّس، فنجد لأنفسنا دروسًا بدلاً من مجرد الانبهار بالتاريخ، فإن الذي لا يتعلم من التاريخ جاهل.
في هذه الآيات نجد صورة من انهيار الأمان والسلام فجأة. هنا نجد دولة قد أعطاها الله قوة وسلطانًا وحكمة وثروة واستطاعت أن تنال انتصارات على جيرانها. لكنها تكبرت وتجبرت ولم ترحم، لذلك تكلم عليها الله بهذه النبوة. وهذا أسلوب يعامل به الله الجميع. دعونا نبحث عن أسباب الأمن والسلام في هذه الآيات، ونحن نجده على الأقل في ثلاثة أمور:
الأول: الطمأنينة الباطلة.
الثاني: الحكمة المضللة.
الثالث: الأنانيّة القاتلة.
أولاً: الطمأنينة الباطلة
جميل أن يعيش الإنسان مطمئنًا في سلام. يقول المرنم “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟…إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ… لأَنَّهُ (الرب) يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي.” (مز27: 1، 3، 5).
هذه هي الطمأنينة الحقيقية، لأنَّها مؤسسة على الإيمان بالله، الذي هو فوق الظروف والأحداث. لكن هناك اطمئنانًا باطلاً وكاذبًا وخادعًا. وهو المبني على الأوهام وعلى الغرور. وهكذا كان اطمئنان بابل. لقد اعتمدت على الثروة والسلطان. فقدها ذلك إلى الغرور والأوهام. لأنَّ غرور الغنى يخدع الإنسان، والثروة قد تأخذ جناحين وتطير في لحظة. والسلطان قد يزول، والامتيازات قد تضيع.
ونحن نسمع الوحي يخاطب بابل ويقول لها إنَّ عرشها سينهار فتجلس على التراب وعلى الأرض. ولا تعود تحيا في رفاهية بل تطحن الدقيق على الرحى كالجواري. لقد اتكلت على سلطانها وقوتها وتصورت أنَّها لا يمكن أن تترمل وتفقد أولادها، وإذا بها تفقد أبناءها وتترمل في يوم واحد. لأنَّها لم تعترف بالواقع، وقالت في قلبها لن يراني أحد. ليس من يراني، أي أنَّها تستطيع أن تفعل ما تريد دون أن يراجعها أحد. استمعت إلى المنافقين المطبلين لها ولم تستمع إلى صوت الله يحذرها.
وهذه هي المأساة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. عندما لا يستمع الإنسان إلى النقد البنَّاء، ولا يسمع سوى أصوات المادحين الذين يكلمونه بالناعمات. فيصل إلى الحالة التي يقول فيها: “لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ.” (رؤ 3: 17). وهو لا يعلم أنه الشقي والبائس والفقير والأعمى والعريان. كالمريض الذي لا يعترف بالمرض، بينما المرض يسري في أوصاله وفجأة يسقط صريعًا بلا قوة ولا حركة.
إنَّ صوت الحق مكروه عند بعض الناس. فقديمًا قال إرميا النبي الحق وأعلن دينونة الله على شعبه، فما كان من الكهنة وقادة الشعب إلا أن حبسوه بل ضربوه. وقال الله ِإن أنبياء الكذب: “َيَشْفُونَ كَسْرَ بِنْتِ شَعْبِي عَلَى عَثَمٍ قَائِلِينَ: سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ.” (إرميا 8: 11).
وفي عهد حزقيال النبي غضب الله على أنبياء الكذب الذين يروه لأورشليم رؤى سلام ولا سلام: “أَيْ أَنْبِيَاءُ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ لأُورُشَلِيمَ وَيَرَوْنَ لَهَا رُؤَى سَلاَمٍ، وَلاَ سَلاَمَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ” (حز 13: 16). ويقول بولس الرسول عن هؤلاء الذين يعيشون في اطمئنان كاذب: “لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: سَلاَمٌ وَأَمَانٌ، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ.” (1 تس 5: 3).
فلنحذر من الطمأنينة الكاذبة.
ولنتمم خلاصنا بخوف ورعدة.
ولنحرص على سماع صوت الله لنا ولا نتصور أننا فوق مستوى النقد، بل ندّرب أنفسنا دائمًا ليكون لنا ضمير بلا عثرة.. فقد قال بولس الرسول “بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا.” (1 كو 9: 27). فإذا كان بولس يقول هذا. فماذا يمكن أن نقول نحن؟ السبب الثاني لانهيار الأمان هو:
ثانيًا: الحكمة المضللة
يقول الوحي لبابل: “حِكْمَتُكِ وَمَعْرِفَتُكِ هُمَا أَفْتَنَاكِ (أزاغاك)”. وهل يمكن أن تكون الحكمة مضللة تفتن الإنسان؟ نعم، فإنَّ المعرفة العقلية بدون الإيمان والمحبة تقود إلى الخراب. وهذا ما نشاهده بوضوح في أنواع الأسلحة الفتاكة التي توصل العلماء إليها. فهي تقود العالم إلى الخراب والدمار. بينما لو ارتبط العالم بالإيمان والمحبة فإنَّه يساعد على خير الإنسانيّة وتقدمها. فالعلم وحده والحكمة البشريّة وحدها قد تصيب الإنسان بالكبرياء والقسّوة فتكون شرًا عليه. لذلك قال الرسول بولس بالوحي: “الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي” (1 كو 8: 1).
إنَّ الحكمة السماويَّة تقود إلى التصرف الحسن والوداعة لا الكبرياء. والعالم الحقيقي متواضع. أما أدعياء العلم فهم متكبرون. لقد اتكلت بابل على علمها وعلى أوهامها من السحر والتعاويذ ولم ينفعها هذا العلم، ولم تنفعها التعاويذ وأعمال السحر. ومن يطلبون العلم والحكمة، يجب أن يطلبوا معها الإيمان لكي ينالوا من الله حكمة السماء لا حكمة الأرض.
وقد شرح يعقوب الرسول هذا الأمر بوضوح في الأصحاح الثالث من رسالته قائلاً: “مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ، فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقِّ. لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ.. “وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلًا طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ.” (يعقوب 3: 13- 15، 17).
– فاحذروا من الحكمة الأرضيّة لأنَّها مضللة.
– احذروا من الحكمة والمعرفة التي تزيدكم قسوة وكبرياء ولا تترفق بالجهال البسطاء لأنَّها معطلة.
– احذروا من الحكمة المبنيّة على الخرافات والتعاويذ لأنَّها باطلة.
– واطلبوا حكمة الله الوديعة المتواضعة ورأس الحكمة مخافة الرب.
السبب الثالث لانهيار الأمان هو:
ثالثًا: الأنانيّة القاتلة
اسمعوا إلى صوت بابل وقد اغترت بما لها من قوة وسلطان. اسمعوها تنسى الغير. بل تنسى الله وتقول في قلبها ” أَنَا وَلَيْسَ غَيْرِي”. لاحظوا أمريين هنا: الأمر الأول هو أن هذا القول لا يستطيع أن يقوله غير الله سبحانه وتعالى. وهو ليس غيره إله.. لكن الكبرياء مع الجهل دفعت دولة بابل أن تقول هذا القول.
وهي تدفع آخرين كثيرين أن لا يروا إلا نفوسهم، ويؤلهون نفوسهم. ففي نظر أنفسهم هم لا يخطئون. ولا يسيئون الفهم. رأيهم في نظرهم دائمًا صواب وغيرهم خطأ. يطلبون أنْ يعتذر لهم الناس، وهم لا يعتذرون لأحد، ويطلبون أن يفكر فيهم الناس ويخطبون ودهم لكنهم لا يفكرون في أحد.. هذه هي الأنانيّة القاتلة.
ثم لاحظوا أيضًا أنَّ هذا القول لا يُقال علنًا. أي أن الإنسان لا يصرح به. ولكنه يقول ذلك في قلبه “قُلْتِ فِي قَلْبِكِ: أَنَا وَلَيْسَ غَيْرِي”. أما في الظاهر فقد يظهر الإنسان بمظهر المتواضع والضعيف والخجول لكن المشكلة هي ما يعتقده في نفسه. هذه هي مشكلة كثيرين من الناس. شعارهم المثل المصريّ الشعبيّ الدارج “يا روح ما بعدك روح” أو “أنا وبعدى الطوفان”، أو المثل العربيّ “إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر” أي إذا كنت أنا سأموت من العطش، فلا يهمني إذا كان المطر ينزل أم لا.
– هذه هي الأنانيّة القاتلة.
– وهي قاتلة لأنَّها مرتبطة بالكبرياء.
والكبرياء جعل الملاك شيطانًا.
– وهي قاتلة لأنَّها تفقد الإنسان إنسانيته.
فيكون الإنسان هو مركز ذاته. لا يهتم إلا بمصلحته. وهذا هو انعدام الحب. لأن جوهر الحب هو العطاء. وكم من أناس عاشوا لأنفسهم في أنانية وحب ذات. ومر الزمان، وانفض عنهم الناس الذين كانوا يحيطون بهم بسبب مراكزهم أو سلطانهم. ووجدوا أنفسهم في وحدة وعزلة قاتلة. بلا صديق. فمن لا يعطي. لا يجب أن يتوقع أن يأخذ. هذه الأنانيّة موجودة في الأفراد وموجودة أيضًا في المجتمعات.
وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، فالمجتمعات التي لم تفكر في مستقبل الأجيال القادمة بالتخطيط السليم. ربما تمتعت قليلاً في الوقت الحاضر. لكنها قتلت المستقبل.
تجريف الأرض الزراعية وبناؤها مساكن للحصول على مكسب كبير وسريع. جعل بلادنا التي كانت تُعطي من خيراتها لغيرها وتُمون الجيران بالقمح والحبوب جعلها تشتري شهريًاا بالمجهود الشاق أو بالديون أو بالمعونات الحبوب اللازمة لإطعام شعبها. عدم تنظيم الأسرة اعتمادًا على أقوال مرسلة لها مظهر الإيمان. جعل الانفجار السكاني يبتلع كل مجهود للتنمية. إنَّ من يقول “أنا وليس غيري” سواء أكان فردًا أو عائلة أو دولة سيكتشف يومًا ما انهيار أمانه ومستقبله.
وفي ختام هذه الرسالة أرجو أن أقول في المحبة لمن هم منشغلون أكثر من اللازم بالنبوات وتحقيقها:
اسمعوا قول الله لبابل القديمة:
وأنت وثقت بخبثك وشرك.
قلت ليس من يراني.
حكمتك ومعرفتك هما أزاغاك.
قلت في قلبك أنا وليس غيري.
فيأتي عليك شر لا تعرفين فجره.
وتأتي عليك مصيبة لا تقدرين أن تصديها.
وتأتي عليك بغتة تهلكة لا تعرفين بها.
عندما نسمع هذا نقول يارب احمنا من هذا الخطر الفظيع. يارب لا تسمح لنا أن نختبر–سواء في بلادنا أو في أشخاصنا–هذه الصورة المفزعة لانهيار الأمان. لكن التمنيات وحدها لا تكفي لكي تحمينا من هذا الخطر. يجب أن نعرف أسبابه ونبتعد عنها.
(3)
ملكوت الله وحركة التاريخ
ألقيت في صباح يوم الأحد الموافق 27 يناير 1991م
“أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَيُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ.” (دانيال 4: 25).
“قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ” (مرقس 1: 15).
“فَقَالَ لَهُمْ: مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ” (لوقا 11: 2).
نسمع كل يوم أخبار الحرب والدمار، ونرى صورًا حزينة مؤسفة من مآسيها، ويتساءل البعض: لماذا سمح الله بهذا الخراب؟أأأأأأأأأ لقد خلق الله العالم جميلاً، فلماذا يرضى بخرابه على هذه الصورة؟ فهل هو حقًا صاحب الأمر والنهي في هذا العالم، أم أن حركة التاريخ بعيدة عن سلطانه. وما هي نتيجة هذه الأحداث المحيرة التي تقع حولنا؟ أرجو أن أتأمل معكم اليوم في العلاقة بين ملكوت الله وحركة التاريخ. ولنفكر أولاً في كلمة “التاريخ”.
يدرس الطلاب في المدارس مادة التاريخ، وفي دراستهم يتعلمون تعاقب الحكومات على مختلف الدول، وحركات الشعوب والأمم، والصراعات والحروب بين مختلف الدول وما شابه ذلك من الموضوعات. والتاريخ مرتبط بالجغرافيا. بل إن الجغرافيا تلعب دورًا كبيرًا في أحداث التاريخ، فالدول تتصارع ضد بعضها البعض بسبب الجغرافيا التي تحدد أهمية مواقع البلاد، وتحدد ثروات كل منطقة سواء في المحاصيل أو المعادن أو البترول وغيرها. أفكارنا والإجابة على بعض تساؤلات الناس:
أولا: ملكوت الله في التاريخ الإنسانيّ.
ثانيًا: دور أبناء الملكوت في التاريخ الإنسانيّ.
أولا: ملكوت الله في التاريخ الإنسانيّ
تحدث السيد المسيح كثيرًا عن ملكوت الله أو ملكوت السماوات. وفي بعض الأحاديث يبدو لنا أنَّ ملكوت الله قد أقبل إلى العالم بمجيء السيد المسيح. وفي بعض الأحاديث الأخرى يبدو لنا أن ملكوت الله أمر نتطلع إلى مجيئه في المستقبل. ففي بداية خدمة السيد المسيح، يصف مرقس البشير هذه الخدمة بالقول: “وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ”. (مرقس1: 14- 15).
وفي حديث السيد المسيح إلى اليهود الذين اتهموه بأنَّه يخرج الشياطين بقوة بعلزبول رئيس الشياطين قال لهم يسوع إنَّه لا يمكن أنْ يكون الأمر هكذا لأنَّ الشيطان لا يحارب نفسه. وكل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب ثم قال لهم: “وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ بِأَصْبعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ.” (لو 11: 20). إذًا فملكوت الله قد جاء بمجيء المسيح. لكن بعض أقوال المسيح الأخرى تظهر لنا كأن هذا الملكوت شيء ننتظره في المستقبل.
فعندما علَّم المسيح تلاميذه الصلاة الربانيّة طلب منهم أنْ يطلبوا قائلين “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ” وبعض أمثال المسيح، ومنها مثل الحنطة والزوان، ومثل الشبكة المطروحة في البحر وغيرها توحي لنا بأنَّ ملكوت الله سيتحقق في المستقبل، ولذلك نحن نطلب مجيئه. فكيف نوفق بين الأمرين؟ الجواب على ذلك هو:
إنَّ الله هو سيد التاريخ، لكن عدو الخير يعمل في قلوب البشر لكي يقاوموا سلطان الله. وكأن الله يوجه رسالة الدينونة على الشر، ورسالة الرحمة للتائبين عن طريق الأنبياء في العهد القديم. لكن في ملء الزمان عمل الله شيئًا عجيبًا. أراد أن يصالح العالم الشرير لنفسه، فدخل الله في التاريخ الإنسانيّ واخترقه في شخص يسوع المسيح كلمة الله المتجسد.
أراد الله أنْ يجسّد ملكوته وسلطانه وحبه للعالم وانتصاره على الشر عن طريق الإنسان يسوع المسيح. أراد الله أنْ يؤسّس ملكوته بصورة ظاهرة من خلال هذا الشخص الطاهر القدوس الذي وقف ضد شر العالم وأنانيته، فأعلن عن طريق كلماته وتعاليمه وحياته مبادئ ملكوت الله، كما أعلن عن طريق آلامه وموته وقيامته هزيمة الشر، وسلطان الله على البشر. وبهذا المعنى نستطيع أنْ نقول إن ملكوت الله قد أقبل بمجيء المسيح إلى العالم.
لكن هذا الإله الذي اخترق التاريخ الإنسانيّ بتجسد المسيح، لا يزال يعمل في العالم، ليجعل جميع الأشياء تعمل على تحقيق قصده الكامل. فلم يكن التجسد هو النهاية، بل كان البداية. والله يعمل كما يقول بولس الرسول في رسالة أفسس “لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ” (أف 1: 10).
إذًا فملكوت الله قد آتي بالفعل، لكنه سيأتي أيضًا، أي سيتحقق كماله عند انقضاء العالم، فهو عملية مستمرة متحركة في التاريخ.. والتاريخ كله–تاريخ الملكوت بشكله الجديد–يتحرك بين هاتين الفترتين: مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني.
وإنْ كنا أحيانًا لا نستطيع أن نفهم تمامًا ما يعمله الله في حركة التاريخ، ونتساءل: ما هي حكمة الله في هذه الحوادث أو المآسي التي يقاسيها الأبرياء، كما يحدث اليوم، فإنَّ هذا التساؤل أمر طبيعي بالنسبة للبشر لأن الله لا يكشف كل خطته للناس مسبقًا، أو كما قال بولس الرسول: “لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ أَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ” (رو11: 34، 36).
لكننا وإن كنا لا نعرف خطة الله إنما نعلم أنه يعمل، وبالنسة لبعض الحركات والأحداث التي تجري في العالم، نعلم أنَّها إعلانات عن دينونة الله ورحمته. الله يعمل في هذا العالم، لكن هذا العالم يتكون من بشر خطاة، يثورون ضد الله وضد مشيئته ويقيمون لأنفسهم مؤسَّسات تتحدى الله.
وعلى مدى التاريخ نرى كيف أراد الإنسان أنْ يتحدى الله ويستقل عنه، ويجعل لذاته اسمًا أو يجعل نفسه ندًا لله. وكثير من المؤسّسات السياسيّة تشهد بكبرياء الإنسان ونحن نرى نتيجة هذا الكبرياء في أنواع الصراع بين القوى في العالم.
والله يعمل في العالم، بمزيج من الدينونة والرحمة. فهو لا يسمح لأي مؤسّسة بشريّة أن تتحداه وتضع نفسها مكن الله وتتسلط على الناس. لذلك فهو يزلزلها ليقيم من بين حطامها فجر نور جديد وحياة جديدة للتائبين الطائعين لله.
نقرأ قصة قديمة في سفر التكوين عن الناس الذين أرادوا أنْ يبنوا لأنفسهم مدينة وبرجًا رأسه في السماء لكي يصنعوا لأنفسهم اسمًا في الأرض–هذه هي كبرياء الإنسان–لذلك بلبل الله ألسنتهم وبددهم على وجه الأرض، ودعى اسم تلك المدينة التي لم يكملوا بناءها بابل (تك 11).
هذه القصة تتكرر في التاريخ بصورة أو بأخرى، فإن الله يزلزل كل مؤسّسة وكل دولة تريد أن تؤله نفسها. فهكذا فعل مع بابل قديمًا، فعل مع الإمبراطوريّة الرومانيّة، ومع ألمانيا الهتلريّة. ومع الدولة الشيوعيّة. وهكذا يفعل مع كل دولة تتحدى الله، فكل هذه المحاولات تقع تحت دينونة الله.. لكن–لأن الله صالح العالم بنفسه في المسيح–لذلك فإنه في وسط الدينونة يذكر الرحمة، ويقدم الخلاص، وذلك عن طريق هدم القديم وبناء الجديد.
هذه هي ثوريّة الإنجيل أنَّ إله الدينونة هو نفسه إله الرحمة، وأنَّ كل دينونة وخراب، تشتمل على فرصة للتوبة والتغيير فعندما يهدم الله شيئًا فإنه يقيم مكانه إمكانات جديدة للحياة. هذه هي الرسالة التي يوجهها الله إلينا. إنَّنا في كل أزمة نجتاز فيها، لابد أنْ يكون في مضمونها معهى تبحث عنه لنفهمه. فلا ننظر فقط إلى الخراب والدمار ودينونة الأنانيّة والظلم فنشعر بالإحباطج، بل يجب أنْ ننظر أيضًا إلى الجانب الآخر من أعمال الله إنَّه في الغضب يذكر الرحمة، ويعطي فرصًا جديدة للتوبة والحرية، التي عبر عنها السيد المسيح بحياته وتعليمه وموته وقيامته.
ولقد كان صليب المسيح نفسه صورة حية لما يمكن أن يفعله شر الإنسان. كان الصليب بالنسبة للتلاميذ أزمة حقيقية ومأساة مفجعة هزت كيانهم. لكن الله أخرج من آلام الصليب وظلامه الدامس فجر القيامة ونور الخلاص.
وأزمة الصليب بما فيها من معاناة تتكرر في كل أزمة في التاريخ، فنحن نجتاز في النار، لكن النور يخرج من النار، ونحن قد نعيش فترة في المجهول، لكن اليقين والفرج يأتي إلينا من وسط الشكوك والضيق. وهذه هي قصة ملكوت الله وسط حركة التاريخ، ومن الضروري علينا أن نستوعبها جيدًا.
ثانيًا: دور أبناء الملكوت في حركة التاريخ
إذا كان الله يعمل في العالم لتحقيق أهداف ملكوته وسلطانه، فما هو دور أبناء الملكوت؟ الجواب هو أن الله يعمل عن طريق أبنائه المؤمنين به ومن خلالهم. مع أن الكنيسة لها ضعفاتها كمؤسّسة تتكون من بشر لهم نقائص وعيوب.. لكن الله يريد أن يحقق قصده من خلال الكنيسة إذ إنَّها تعلن للناس رسالتها للعالم، وعليها أن تشعر دائمًا بهذا الالتزام، إنَّها نور للعالم، وملح للأرض. هذا الالتزام يفرض على أبناء الملكوت عدة مواقف أذكر منها ثلاثة:
الالتزام الأول: [الإشتراك في الحركات السياسيّة المعاصرة]
إنَّه من منطلق إيمان المسيحيّ بسيادة الله على العالم، يجب عليه أن يشترك بجدية في الحركات السياسيّة المعاصرة. لكن اشتراكه يجب أن يكون مختلفًا عن اشتراك الشخص العادي الذي يتحيز ويتعصب وينافق ويتربح من مواقفه السياسيّة. ذلك لأن المسيحيّة تساعد الإنسان أن يتخطى محدودية الرؤية التي تفرضها الحركات السياسيّة على الإنسان؛ فالناس أحيانًا يؤلهون النظم التي تحفظ حياتهم، ويدافعون عنها بتعصب أعمى خاصة إذا شعروا أنَّها مهددة. لكن المسيحيّ من واقع إدراكه أنَّه لا يوجد نظام بشري كامل ومطلق، يدرك أن كل النظم يجب أن تخضع للإصلاح الدائم، لذلك لا يتعصب المسيحيّ أو (يتشنج) وهو يحاول أن يبرهن على صحة قضيته السياسيّة، أو عدالتها، لكنه يهتم بالتأكد من أنَّ موقفه لا يبتعد كثيرًا عن مبادئ الملكوت التي غرسها المسيح فيه، ويكون على استعداد للتراجع إذا اكتشف ابتعاده عنها.
وعلى المسيحيّ وهو يشترك في خدمة القضايا العامة ألا يتسرع ويتصرف كأنه هو الذي يعبر عن فكر الله، أو كأن الله دائمًا في جانبه، ويعتبر غيره من أعداء الله.. فقد يكون مخطئًا أو متحيزًا. فإن الله ليس بالضرورة في جانب الاتجاه الذي يختاره المسيحيّ، فقد يخطئ المسيحيّ كإنسان محدود في الاختيار، لكن الله دائمًا في جانب العدالة والحق، لذلك يجب أن يكون المسيحيّ ضميرًا ناقدًا في وسط كل نظام يحيا فيه، ليكون أقرب ما يكون إلى العدالة والحق.
الالتزام الثاني: [إدراك القصد من التغيير]
هو أنْ يحاول المسيحيّ إدراك القصد من التغيير، فلا يتعصب دائمًا للوضع الراهن، إنه من طبيعة الإنسان أن يخشى التغيير لأنه يهدد مواقع أمنه واستقراره، لكن المسيحيّ–وهو يدرك أن الله يتحرك في التاريخ ليقوده إلى تحقيق قصده–يجب أنْ يدرك أنَّ التغيير سيأتي حتمًا، وسوف تتهاوى بعض المؤسّسات وتحل محلها نظم وأفكار جديدة. فلا يجب أنْ ينزعج المسيحيّ من التغيير كأن نهاية العالم قد جاءت، بل يجب أنْ يفهم ماذا يريد الله مِن هذا التغيير للعصر الذي يعيش فيه.
وعندما ينظر المسيحيّ إلى التغيير في ضوء نشاط الله الدائم في التاريخ فإنَّه بذلك ينتصر على الخوف وبدلاً مِن أنْ يشل الخوف تفكيره، ويتوقف عن الحركة الفكريّة. فإنه يعيش في حالة من التفكير الخلاق ويتعلّم كيف يتقدّم وسط القلاقل بخطوات ثابتة نحو ميادين التغيير التي يعمل الله فيها.
هذا الاتجاه يختلف تمامًا عن مجرد الاستسلام السلبيّ للأمر الواقع، أو الخضوع للأقدار. لأنَّه يتميز بالإيجابيّة والتفكير الخلاق والتجاوب المستمر مع ما يشعر به المسيحيّ أنه إرادة الله.
الالتزام الثالث: [حياة الأمل والرجاء]
أو الموقف الثالث هو أنَّ المسيحيّ وسط كل عوامل الاضطراب، عليه أن يحيا على أمل ورجاء. حتى لو كان المستقبل أمامه مجهولاً أو مظلمًا. هذا هو المعنى الحقيقي للرجاء المسيحيّ والثقة في الله. إن بعض الناس يتصورون أنَّ الرجاء معناه أنَّ الله يعفي المؤمنين من اجتياز الآلام أو معاناة التغيير. وبعض الناس يتصورون أنَّ الرجاء المسيحيّ هو في الحياة الأخرى فقط فيما بعد انتهاء هذه الحياة. ولذلك يعيش الإنسان متضررًا من الحياة متوقعًا وطالبًا انتهاء حياته ليتمتع بالأمجاد.
صحيح أنَّ لنا رجاء في المسيح، رجاء في الحياة الأخرى. لكن لنا فيه أيضًا رجاء في هذه الحياة، عندما قال بولس الرسول: “إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ.” (1 كو 15: 19). لم يقصد أنْ ينفي رجاءنا في المسيح في حياتنا الأرضيّة بل ثبته وجعل الرجاء يتعدى هذه الحياة إلى الحياة بعد الموت. والله قد أنار لنا بواسطة الإنجيل الحياة والخلود.
نحن لا نهرب مِن الواقع بالأحلام أو التمنيات. لكن رجاءنا مؤسّس على أنّنا نعرف التاريخ، وندرك أنَّ الله في وسط الدينونة التي يدين بها شرور العالم، يذكر الرحمة. وبينما يشعر الكثيرون باليأس نحيا نحن على رجاء فلا يتسرب اليأس إلى حياتنا، لأننا نعلم أنَّ الله سيد التاريخ فنستطيع أن نقول بحق: “إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ.” (مز27: 3). “لَوْلاَ أَنَّنِي آمَنْتُ بِأَنْ أَرَى جُودَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. (مز27: 13).
هذا الرجاء لا يجعلنا كسالى أو خاملين أو سلبيين أو حالمين، لكنه يجعلنا أكثر اجتهادًا، لنفهم أمور الدنيا، ونعمل في مختلف المجالات بهمة وتكريس وجدية عالمين أننا لسنا تحفًا تزين الملكوت إلى أنْ يجيء الملك لكننا أدوات في يد الله يستخدمنا لتحقيق قصده في التاريخ، بالمشاركة الجادة المسئولة.
إنَّ ملكوت الله بدأ بصورة ظاهرة بدخول المسيح إلى عالمنا كإنسان، والملكوت يتحرك مع التاريخ ومع الأحداث ليصل إلى نهايته وكماله بمجيء المسيح ثانية. وهذا يحتم علينا ألا نبقى خاملين ونقول إننا في انتظار مجيء المسيح، ولا نبقى مهملين الحاضر في انتظار المستقبل. بل يجب أنْ نعلم أنَّ ملكوت الله داخلنا فيجب أنْ نتحرك في الحاضر، لنحقق المستقبل. فإن لم نقم بمسئوليتنا في الحاضر، فلن نتمتع بالمستقبل بل لن يكون لنا مستقبل.
الفصل الثاني
كتابات الدكتور القسّ فايز فارس
(1928-2012)
مسرد أدبيّ
إعداد
القسّ عيد صلاح
نتناول في هذا الفصل الكتابات التي كتبها وترجمها الدكتور القسّ فايز فارس وهي مرتبة زمنيًا، والسرد الأدبيّ هنا قاصر فقط على الكتب، ومن المعلوم أنَّ القسّ فايز فارس كتب مقالات كثيرة في مجلات: الهدى، وأجنحة النسور، الصحيفة، وشمس البر وغيرها من الصحف العامة كالأهرام والخاصة كالأهالي وهي-أي المقالات والدراسات بالعربية والإنجليزيّة-تحتاج لتوثيق وجمع لهذا التراث الفكريّ الثريّ. والهدف من هذا السرد هو لمن يريد أنْ يعرف ويقرأ أكثر للدكتور فايز فارس.
والذي يقرأ جيدًا ما كتبه يدرك اهتماهه الشديد بالكتابة والتعليم ويتبيّن مشروعه الفكريّ الذي يدور حول التنوير واللاهوت الواقعيّ المبنيّ على فهم القرينة وفهم الواقع وسبل التطبيق. وهو مشروع فكريّ وتراث تنويريّ يستحق الإشادة به، وقرأته، وفهمه، والاستفادة منه، والبناء عليه، قمت بترتيب الكتب حسب صدورها زمنيًا، وهي:
كتابات عنه:
اسم الكاتب: ديڤيد ويصا
المُقدّمة
إن كنا بصدد مناقشة معضلة حروب العهد القديم، فهذا يعني بالتَّبعيَّة أن هناك مشكلة تواجهها الكنيسة التي تؤمن بوحي ومصداقيّة الكتاب المقدس، بكلا عهديه. هذه المشكلة يمكن أن نجدها في الأسفار التي تسرد تفاصيل غزو “إسرائيل” لكنعان، مثل أسفار العدد والتثنية ويشوع والقضاة. هذه الإشكاليَّة مزدوجة، حيث تتمثَّل في الإشكاليَّة الأخلاقيَّة الخاصة بالعنف والقتل. والإشكاليّة التاريخيَّة الخاصة بتعارض أحداث الغزو مع الاكتشافات الأركيولوچيَّة!
من جهة الإشكاليّة االأخلاقيّة، فهي تتمثَّل في أمر الله المباشر لإسرائيل (بحسب النَّص) بقتل شعوب أرض كنعان واحتلال أراضيها، والذي تمَّمه “يشوع” عملًا بقول الرب لموسى: “فإنك تُحَرّمهم. لا تقطع لهم عهدًا، ولا تشفق عليهم!” (تث1:7-2)
أما من جهة الإشكاليّة التاريخيّة، فمن بين جُملة المدن التي يسرد لنا “سفر يشوع” قصَّة غزوها، وجد الباحثون الأثريّون أن بعض هذه المدن لم يكن لها وجود وقت دخول يشوع الأرض، مثل مدينة “عاي” (Israel Finkelstien and Neil Asher Silberman, The Bible Unearthed, 2002, 82). كما أن بعض المدن قد دُمِّرت بالفعل بنفس الطريقة التي يصفها السِّفر (مثل سور مدينة أريحا)، لكن ليس على يد الإسرائيليِّين، حيث اكتشف الباحثون أن المصريّين هم من دمَّروه قبل مائتي عام من التاريخ المُفتَرَض للغزو الإسرائيلي للمنطقة!
في هذه الدراسة المختصرَة، سوف نحاول تلخيص وإجمال ما قدَّمته الكنيسة على مر العصور لحل هذه المعضلة وفهمها، بأن نقترب من النَّصوص الكتابيّة وغيرها، حتى نستطيع أن نستنبط صورةً متَّسقةً، عن الله وإسرائيل والنَّص الكتابي.
“الله،” في حروب العهد القديم
إن الكتاب المقدَّس يُقدِّم حروب العهد القديم، كقطعةٍ من ثوبٍ واسع، أو كجزءٍ من سياقٍ أشمل، هو سياق دينونة الله على الخطاة. لم يترك لنا الله فرصة تخمين ما فعله كنعان. لكنه، كالقاضي الذي يسرد أسباب الحكم قبل النطق به، قدَّم لنا قائمة مطوَّلة لخطايا شعوب كنعان التي سلكوا فيها (لا18؛ تث30:12-31؛ 9:18-12)، والتي استدعَت دينونته لهم. أمام هذا السِّياق، قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين عدَّة أسئلة تختص بصورة الله الذي يقدّمه الكتاب المقدَّس. هل هو ديَّان؟ هل يعاقب الخاطئ؟ وهل يفعل هذا في العهد القديم فقط أم في العهد الجديد أيضًا؟ وما تبعات ذلك على فهمنا لله وعلاقتنا به؟
لإجابة هذه التساؤلات، سوف ننتقي بعض النماذج من العهدين حيث يُقدّم الكتاب المقدَّس الله باعتباره القاضي الديّان الذي يدين الخاطئ، سواء بطريقة مباشرة (أي: دون وسيط)، أو بطريقة غير مباشرة (أي: من خلال وسيط).
أمثلة من دينونات العهد القديم
في العهد القديم، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرَّات على الأقل– كمن يدين بنفسه دون وسيطٍ من البشر، مثل: (1) دينونته للخطاة بالطوفان في أيام نوح، والتي يشهد عنها العهد القديم ويسوع ورسله باعتبارها دينونة الله، وليست مجرَّد ظاهرة طبيعيَّة لا تقف الدينونة من خلفها (تك5:6-7؛ لو26:17-27؛ 2بط4:2-5). و(2) دينونته لشعب سدوم وعمورة، التي يشهد عنها الكتاب ذات الشّهادة (تك24:19؛ لو29:17؛ 2بط6:2-7). و(3) دينونته لملوك الأموريّين بإرسال حجارة البرَد عليهم من السَّماء (يش11:10).
أيضًا في العهد القديم، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرّات على الأقل– كمن يدين من خلال وسيط من البشر، مثل: (1) دينونته لثلاثة شعوبٍ تسكن حول أرض كنعان، عن طريق طردهم من أرضهم وإحلال شعوب أخرى مكانهم، مثلما فعل مع “الرّفائيّين،” حين أبادهم من قُدَّام بني عمّون “فطردوهم وسكنوا مكانهم” في “عار” (تث21:2). ومثلما فعل مع “الحوريّين،” حين أتلفهم من قُدَّام بني عيسو “فطردوهم وسكنوا مكانهم” في “سعير” (تث22:2). ومثلما فعل مع “العويّين،” حين خرج الكفتوريّون “وسكنوا مكانهم” في “غزّة” (تث23:2). و(2) دينونته لشعوب كنعان السَّبعة (تث1:7)، حين أهلكهم من قُدَّام إسرائيل وبواسطتهم (أع19:13). و(3) دينونته لإسرائيل (المملكة الشماليّة) بواسطة شلمنأسّر ملك أشّور (2مل3:17)، لأن الرب نحّى “إسرائيل من أمامه… فسُبِيَ إسرائيل من أرضه إلى أشّور” (2مل23:17)، وأيضًا دينونته ليهوذا (المملكة الجنوبيّة) بواسطة نبوخذ ناصّر ملك بابل الذي سباهم (أر1:29)، هذه السّبي الذي نسبه الرب لنفسه أيضًا (أر7:29، 14).
هذه الدينونات تعلن بوضوح أن الله ديَّان عادل، يدين الخاطئ ولو بعد حين، بحسب قوله: “هوذا عينا السيّد الرب على المملكة الخاطئة، وأبيدها عن وجه الأرض.” (عا8:9)
أمثلة من دينونات العهد الجديد
في العهد الجديد، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرّات على الأقل– كمن يدين بنفسه دون وسيطٍ من البشر، مثل: (1) دينونته لهيرودس حين ارتضى –في كبريائه– أن يخاطبه الشعب: “هذا صوت إلهٍ، لا صوت إنسان؛ ففي الحال ضربه ملاك الرب، لأنه لم يُعط المجد لله؛ فصار يأكله الدود ومات.” (أع22:12-23). و(2) تأديبه لمؤمني كنيسة كورنثوس الذين استهانوا بمائدة الرب، غير مميّزين جسد الرب (1كور29:11)؛ فكان فيهم “كثيرون ضعفاء ومرضى، وكثيرون يرقدون.” (1كور30:11)، وهو ما قد فسَّره بولس بكونه حكمٌ من الرب عليهم، تأديبًا لهم (1كور31:11-32). و(3) دينونة الرب يسوع للخطاة في جهنّم، والتي سيتمّمها الرب بنفسه، بحسب قوله للتلاميذ: “بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يُهلِك النَّفس والجسد كليهما في جهنم.” (مت28:10). هذه الدينونة الأخيرة، يصوّر فيها الكتاب الخُطاة “وهم يقولون للجبال والصخور: ’اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف [أي: يسوع]، لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف!‘” (رؤ16:6-17)
أيضًا في العهد الجديد، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرّات على الأقل– كمن يدين من خلال وسيطٍ من البشر، مثل: (1) دينونته على حنانيا وسفّيرة، بواسطة “بطرس” الذي أعلن القضاء الإلهي عليهم بالموت (أع9:5-10). و(2) دينونته على “عليم” السَّاحر، بواسطة “بولس” الذي أعلن القضاء الإلهي عليه بالعمى المؤقَّت (أع9:13-11). و(3) دينونته على الزاني مع امرأة أبيه في كورنثوس (1كور1:5)، بواسطة “بولس” الذي أعلن القضاء الإلهي عليه بتسليمه للشيطان، حين قال: ” قد حكمت… في الذي فعل هذا… أن يُسَلَّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع.” (1كور3:5-5)
مرة أخرى، تعلن دينونات العهد الجديد أن الله ديَّان عادل، يدين الخاطئ حتى وإن كان من الكنيسة، بحسب قوله: “لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله. فإن كان أولًا منَّا؛ فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله!” (1بط17:4)
كيف نرى الله إذًا؟
أمام هذه المشاهد الواضحة لدينونات الله في العهدين، وقبل أن نستنبط منها صورة الله كما تقدّمها نصوص حروب العهد القديم في سياق بقية نصوص الكتاب المقدَّس، من الجيّد أن نلاحظ أن الله حين يدين، لا يفعل هذا عن انفعال أو تسرُّع أو تشفّي، فهو “بطيء الغضب” (خر6:34؛ نا3:1؛ يون13:2)، وليس سريع الانفعال. إن كانت دوافع الدينونة لدينا قد يشوبها أنانيّتنا أو اندفاعنا أو كراهيتنا لمن ندين، إلا أن الله –حين يدين– لا تحكمه أهواء وشهوات البشر. بل أن دينونته تنبع من طبيعته التي لا تُسرّ بالشّر (مز4:5)، بل وتبغض الإثم (مز7:45). كما أنها لا تنبع من كراهيته للشرير، بل من تمهُّله عليه دون أن يتوب، مما يذخر له غضبًا، كان بإمكانه تجنّبه إن هو تاب ورجع عن شرّه (رو5:2). إن الله لا يُسرّ “بموت الشرّير، بل بأن يرجع الشرّير عن طريقه ويحيا” (حز11:33).
من جهةٍ أخرى، لا يعنينا كثيرًا وسيلة تتميم الدينونة، لسببين. الأول، أنه مهما كانت الوسيلة فليس من الطبيعي أن تنال إعجابنا، لأن الدينونة هي عمل الله الغريب (أش21:28)، وليس الأمر الطبيعي. فإن كنا مخلوقين على صورة الله (تك27:1؛ يع9:3)، ونحن بالطبع كذلك، فلا ينبغي أن نُسر بما لا يُسر به الله! الثاني، أن الله شخصيًّا حين أفصح عن مشاعره قُبيل تتميم الدينونة، قال: “قد انقلب عليَّ قلبي، اضطرمت مراحمي جميعًا” (هو8:11ب). بل أن المسيح قبيل النطق بدينونته على أورشليم بسبب رفضها له، “بكى عليها” (لو41:19). من الطبيعي إذًا أن نتعامل مع مشاهد الدينونة بمنتهى الرهبة وعدم التصالح، لأنها لحظات لم يتعامل معها الله بقبولٍ طبيعي أو بدمٍ بارد. لكن هذا لا يعني أن نرفضها، لأن الديَّان هو الله العادل، الذي لا يظلم أحد (تث4:32)، والمُدان هو الخاطئ الذي لم يتعامل مع إمهال الله باعتباره فرصة للتوبة، بل تمادى في خطيتّه، حتى اكتمل إثمه واستوجب دينونة الله العادلة.
في ضوء الأمثلة التي ذكرناها لدينونات الله في العهدين، يمكن أن نرى الله هو القاضي العادل، الذي من حقّه أن يدين الخاطئ، ليس فقط لأنه يرى أفعاله ويزِنها (لا18)، بل لأنه يعرف الدوافع ويكشفها (أر9:17-10)، وهو يدينه بالطريقة التي يراها مناسبة، سواء كان بتدخُّله المباشر، أو من خلال وسيطٍ بشري. وهو قد أعطى كنعان مهلة للتوبة تقترب من الأربعمائة عام (تك16:15)، ثم تدخَّل بالقضاء عليهم بالموت، بسبب عدم توبتهم. لأن تَمَهُّل الله فرصة للتوبة، وليس رخصة للتمادي في الخطيّة (رو4:2-5).
“إسرائيل،” في حروب العهد القديم
ليس من الصَّعب أن نرى إسرائيل كوسيطٍ استخدمه الله لتتميم دينونته على كنعان. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية قد تثير العديد من الأسئلة حول أفضليّة إسرائيل عن غيرها، أو عن أهليّتها لأن تمثِّل دور الوسيط. إلا أننا من خلال قراءة نصوص الحروب، نرى أن الرب قد أعطى إسرائيل أربعة تحذيرات، قبل دخولهم أرض كنعان وبدء الحرب.
كيف نرى إسرائيل إذًا؟
في ضوء التحذيرات التي ذكرناها، والتي أوصى الله بها إسرائيل قبل غزو كنعان، يمكن أن نرى إسرائيل كأداة أو وسيط، تمَّم الله بها دينونته على كنعان. هذه الواسطة لا تعني أفضليّة إسرائيل على كنعان، ولا تعطي رخصة لإسرائيل لغزو أراضي أخرى غير كنعان (سواء حينها أو في المستقبل)، ولا تعني أن إسرائيل حالَّة خاصَّة يحق لها ممارسة خطايا كنعان دون حساب، بل أن تاريخ إسرائيل مع الله يشهد أن كل امتياز يتبعه مسؤوليَّة، وهو ما قاله الرب لهم بلسان عاموس: “إياكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض؛ لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم.” (عا2:3)
“النَّص،” في حروب العهد القديم
يقول “چون والتون” عبارةً بليغة مُفصَّلة تستحق التفكير:
إن العهد القديم [بالفعل] يتواصل معنا وقد كُتِب لأجلنا، ولأجل كل البشريَّة. لكنه لم يُكتَب لنا. بل كُتِبَ لإسرائيل. إنه إعلان الله عن نفسه لإسرئيل [أولًا]، وثانيًا من خلال إسرائيل لكل واحدٍ أيضًا… حيث أنه قد كُتِبَ لإسرائيل، فقد كُتِب بلغةٍ [عبريَّة] لا يفهمها معظمنا، ولهذا تتطلَّب ترجمة. لكن اللغة ليست هي الموضوع الوحيد الذي يحتاج إلى ترجمة. فاللغة تفترض ثقافة، وتعمل في ثقافة، وتخدم ثقافة، وقد صُمِّمَت لتتواصل في إطار ثقافةٍ. وبالتالي، حين نقرأ نص قد كُتِب بلغةٍ أخرى ولثقافةٍ أخرى، ينبغي أن نترجم الثقافة وأيضًا اللغة، إن كنا نبغي أن نفهم النص فهمًا كاملًا. (John H. Walton, The Lost World of Genesis One: Ancient Cosmology and the Origins Debate, 2009, 7)
ما يقوله “والتون” هو في غاية الأهميّة، فهو يقصد أن خلفيّة النص الحضاريَّة، ستساعدنا على فهم ما يقصده النَّص، حتى وإن لم يقُله صراحةً. ولهذا نحتاج أن نفهم النَّص كما فهمه القارئ الأول له. في هذا الإطار، نحتاج أن نمتحن نصوص الحروب بعناية، كما نحتاج أن نقرأ نصوص أخرى غير كتابية، تنتمي للشرق الأدنى القديم حيث كانت الشعوب الأخرى تصف انتصاراتها وتدوّنها بطريقة مشابهة لطريقة تدوين انتصارات الحروب في العهد القديم.
لغة “الإجمال الذي يسبق التفصيل”
بمقارنة سفري يشوع والقضاة، نجد أن افتتاحيّة سفر القضاة تبدأ بالقول: “وكان بعد موت يشوع، أن بني إسرائيل سألوا الرب قائلين: ’من منا يصعد إلى الكنعانيّين أولًا لمحاربتهم؟‘” (قض1:1)، مما يؤكِّد أن الأرض لم تكن قد اُخضِعت بعد بالكامل لإسرائيل. ما يؤكِّد هذا الأسلوب في النَّص، هو إعادة سرد قصَّة موت يشوع في (قض7:2-9) بعد أن كان قد قدَّم لنا ما حدث بعد موته في (قض1:1). أيضًا، يذكر الكتاب احتلال “كالب” لحبرون وطرد بني عناق الثلاثة “شيشاي وأخيمان وتلماي” منها، في أيام يشوع (أي: قبل موته) (يش13:15-14)، ثم يعيد مرةً أخرى سرد احتلال “كالب” لها في (قض10:1) بعد موت يشوع (يش29:24)، كما لو كانت من ضمن الأراضي التي لم تُخضّع لإسرائيل بعد!
إن أسلوب الإجمال الذي يسبق التفاصيل، لا ينفرد به سفر يشوع فقط، بل أننا نجد في بداية سفر القضاة هذه العبارة المطوَّلة التي تقول: “فَحَمِيَ غضب الرب على إسرائيل؛ فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم… وأقام الرب قضاةً فخلَّصوهم من يد ناهبيهم. ولقُضاتهم أيضًا لم يسمعوا بل زنوا وراء آلهة أخرى… وحينما أقام الرب لهم قُضاة، كان الرب مع القاضي وخلَّصهم من يد أعدائهم كل أيام القاضي… وعند موت القاضي كانوا يرجعون ويفسدون أكثر… فحمي غضب الرب على إسرائيل وقال: ’من أجل أن هذا الشعب قد تعدُّوا عهدي… فأنا أيضًا لا أعود أطرد إنسانًا من أمامهم من الأمم الذين تركهم يشوع عند موته. لكي أمتحن بهم إسرائيل… فترك الرب أولئك الأمم ولم يطردهم سريعًا ولم يدفعهم بيد يشوع.” (قض14:2-23). غني عن البيان أن سفر القضاة يسرد –بعد هذه الآيات- قائمة مطوَّلة من القضاة الذي قضوا لإسرائيل، ويذكر دورة سفر القضاة الشهيرة المتكرِّرة “وعاد بنو اسرائيل يعملون الشر في عيني الرب” (قض7:3، 12؛ 1:4؛ 1:6؛ 6:10؛ 1:13). مما يعني أن (قض14:2-23) يقدِّم سردًا إجماليًّا لما سيحدث خلال السِّفر، ثم يبدأ بعدها في سرد تفاصيل الأحداث، وحتى نهاية السِّفر.
بالإضافة إلى هذا، فإننا نجد أن سفر القضاة الذي يبدأ بسرد متوالي لقائمة القضاة الذين حكموا إسرائيل، يُختَم بقصّة من الصَّعب أن تكون أحداثها قد تمَّت في نهاية حُكم القضاة (قض19-21). لأنه يقول أن “فينحاس بن ألعازار بن هرون” كان يخدم الرب أمام تابوت العهد (قض28:20)، ونحن نعلم أن فينحاس كان معاصرًا لموسى (عد7:25-13)، وأن الشعب لم يكن ليلتفّ حوله ويسأل الرب، إلا في بداية سفر القضاة قبل أن ينتشر الشر في أسباطه، ويعملون ما يحسن في أعينهم. حين “مات يشوع.. وكل ذلك الجيل أيضًا.. وقام بعدهم جيل آخر لم يعرف الرب، ولا العمل الذي عمل لإسرائيل. وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم.” (قض8:2-11)
هذا الأسلوب في السَّرد يوضِّح أننا لا يجب أن نفهم الأحداث المذكورة في سفر القضاة بصورةٍ متوالية (أو على الأقل بعضها)، وبالتالي لا يمكن تأريخ أحداثها بسهولة، “لأن سفر القضاة (الذي كان مُحرّره النهائي بلا شك على وعي كامل بهذه الروايات الموجودة في يشوع) لا يرى تناقضًا في أن يخبرنا أن عملية إخضاع الأرض كانت أبعد عن أن تكون قد انتهت، بل أنها استمرَّت لزمن طويل”. (كريستوفر چ. هـ. رايت، 128)
أمام هذه المقارنة المختَصَرَة بين نصوص يشوع والقضاة، يمكننا أن نفهم أن النص يقدِّم تقريرًا إجماليًّا في (يش23:11) قبل أن يعطي تقريرًا تفصيليًّا لما حدث لاحقًا، بدايةً من (يش1:13) وحتى نهاية سفر القضاة. وهذا يعني أن إسرائيل قد بسط نفوذه في كنعان، باحتلال المدن المحصَّنة ومراكز العبادة، قبل أن يبدأوا في الدخول لكل مدينةٍ على حدة، “فقد كانت المراكز العسكريَّة المفتاحية – والمدن الصغيرة المُحصَّنة لممالك الكنعانيّين، هي التي اُبيدت تمامًا.” (كريستوفر چ. هـ. رايت، 128). مما يؤكِّد تداخل الأحداث بطريقةٍ متشابكة –وليست متتالية– في السِّفر. كما يؤكِّد لغة “الإجمال الذي يسبق التفاصيل”.
لغة “التهويل الذي يؤيِّده الدليل”
في تعليقه على غزو إسرائيل لأريحا، وتحريمهم “كل ما في المدينة من رجلٍ وامرأة، من طفلٍ وشيخٍ، حتى البقر والغنم والحمير بِحَدّ السَّيف” (يش21:6)، يشير “چون كولينز” لأحد نصوص الشَّرق الأدنى القديم، غير الكتابيَّة، والتي تنتمي إلى القرن التاسع ق.م. حيث يصف كاتبها انتصارات “ميشع” ملك موآب (2مل4:3) في أحد الحروب، فيعلِّق “كولينز” بالقول: “هذا التكريس والتدمير، يُعرف باسم (herem) أو التحريم. وهي عادةٌ معروفة خارج إسرائيل. حيث يفتخر ميشع ملك موآب بالانتصار على إسرائيل وأخذ [مدينة] نبو منهم، فيقول ’قتلت الكل، سبعة آلاف رجل، وولد، ونساء وصبايا وإماء، لأنني كرَّستهُم [أي: خصَّصتهم] للتدمير (للإله) عشتار-كموش‘” (John J. Collins, Introduction to the Hebrew Bible, 2nd ed, 2014, 200).
في ذات السياق، يعلِّق “چون والتون” على تقارير الانتصار التي تنتمي للشرق الأدنى القديم، بالقول: “هذه التقارير تميل للمبالغة في حجم الانتصار، وفي عدد القتلى من الأعداء جرَّاء هزيمتهم… وهذا لا يعني أن تلك التقارير افتراء محض، بسبب وصفنا إياها بالدّعائيَّة، لكن الكاتب والمستمع كلاهما يدركان النوع الأدبي لها، لذا فلا توجد أي نيَّة للخداع.” (John H. Walton and J. Harvey Walton, The Lost World of the Israelite Conquest, 2015, pp. 150-51).
يتَّفق رأي كولينز ووالتون مع ما يؤكِّده “كريستوفر رايت”، على “أن لغة الحرب كان لها خطاب تقليدي يجب أن يقوم بادّعاءات مطلقة وشاملة عن النصرة الكاملة والإفناء التام للعدو. وكان مثل هذا الخطاب كثيرًا ما يتجاوز الحقيقة على أرض الواقع.” (كريستوفر چ. هـ. رايت، 128).
أمام هذه المقارنة البسيطة بين نصوص الكتاب ونصوص الشرق الأدنى القديم، نجد أن نصوص حروب العهد القديم التي تصف الانتصارات والقتلى، لم تُكتَب بهدف تقديم تقرير حرفيّ لما حدث، لكنها تستخدم أسلوب المبالغة في وصف الانتصار، مثلها مثل النصوص غير الكتابيَّة.”ليس هذا معناه أننا نتهم كُتّاب الكتاب المقدس بالكذِب، لكن هذا معناه أن ندرك التقاليد الأدبيّة للكتابة عن الحروب.” (كريستوفر چ. هـ. رايت، 129). مما يؤكِّد لغة “التهويل الذي يؤيِّده الدليل.”
لغة “الطرد الذي يفوق التَّحريم”
إن القراءة السريعة لسفر يشوع، قد توحي أن “التحريم” (أي: الإبادة الجماعيّة) هو اللغة السائدة في غزو إسرائيل لكنعان. وبسبب ارتباط هذا المفهوم في أذهان الكثيرين بالإبادة الجماعيَّة، فإن القارئ قد يفترض أن غزو إسرائيل لكنعان، هو إبادة عرقيَّة جماعيَّة للسبعة شعوب الساكنين في الأرض (تث1:7). لكن القراءة المتأنّية للسفر، تكشف أنه على الرغم من التقرير الواضح في نهاية السِّفر “فأعطى الرب إسرائيل جميع الأرض التي أقسم أن يعطيها لآبائهم؛ فامتلكوها وسكنوا بها. فأراحهم الرب… ولم يقف قُدَّامهم رجلٌ من جميع أعدائهم، بل دفع الرب جميع أعدائهم بأيديهم.” (يش43:21-44)، إلا أن سفرَي يشوع والقضاة، يوضِّحان بلغةٍ لا لبس فيها أن شعوب كنعان –في معظمها– سكنت جنبًا إلى جنب مع أسباط إسرائيل في كل الأراضي التي قسَّمها لهم يشوع وامتلكوها (قارن يش63:15؛ قض21:1، يش10:26؛ قض29:1، يش12:17-13؛ قض27:1، 30-36؛ 1:18).
بالإضافة إلى هذا الدليل الواضح على عدم تحريم إسرائيل لكل مدن كنعان، نجد أن اليبوسيّين (سكّان أورشليم) لا زالوا موجودين حتى أيام داود، أي بعد غزو يشوع لكنعان بمئات السّنين، وحين رفضوا دخوله لأرضهم (2صم6:5؛ 1أخ5:11)، حاربهم داود وأخذ حصن صهيون، ودعا المدينة باسمه (2صم9:5؛ 1أخ7:11).
هذه النصوص تؤكِّد أن لغة الطرد –أو الإزاحة والسَّكن جنبًا إلى جنبٍ مع الكنعانيّين– هي اللغة السائدة في حروب العهد القديم، وليست لغة “التحريم،” مما يتَّفق مع ما ذكره “رايت” أن “المراكز العسكريّة المفتاحيّة – والمدن الصغيرة المُحصَّنة لممالك الكنعانيّين، هي التي اُبيدت تمامًا. لكن من الواضح أن ليس كل الشعب، أو ما يشبه ذلك، قد تم إهلاكهم في الواقع فعليًّا بواسطة يشوع.” (كريستوفر چ. هـ. رايت، 128). وعلى ما يبدو، فقد كانت تلك المدن العسكريَّة والمحصَّنة ومراكز العبادة، قليلة إذا ما قورنت ببقيّة المدن التي سكن فيها إسرئيل مع الكنعانيّين. مما يؤكِّد لغة “الطرد الذي يفوق التَّحريم”.
كيف نفهم “النَّص” إذًا؟
من خلال ما سبق، يمكن أن ننظر إلى نصوص حروب العهد القديم، باعتبارها تسرد قصة غزو تاريخيَّة (أي: حدثت بالفعل)، لكنها تصفها أحيانًا بطريقة غير حرفيَّة. فحين تسرد انتصارات الشَّعب، تسردها كأحداثٍ متشابكة غير متتالية، مما يعني وجود بعض الفجوات الزمنيَّة في النَّص، أي أن الكاتب انتقى بعض الأحداث وسلَّط الضوء عليها، دون أن يعنيه أن يسرد كل ما حدث بحسب ترتيبه التاريخي. من جهةٍ أخرى، يُقدِّم النَّص –أحيانًا- إجمالًا لما حدث، قبل أن يسرد تفاصيله، مما يوحي بأن النَّص يناقض نفسه، لكنه ليس كذلك. أيضًا حين يصف النَّص انتصارات الشعب، سيَّما المدن التي حرَّموها، فإنه يستخدم لغة مبالغة لا تُخِلّ بمصداقيّة الكاتب، لكنها لغة أدبيَّة يشترك الكاتب فيها مع غيره من الشعوب الأخرى التي كانت تعيش في نفس المنطقة، وفي نفس الوقت. أخيرًا، فالنَّص يصف غزو كنعان بلغة الطرد والإزاحة، أكثر من كونه إبادة جماعيَّة كما قد يُظَنّ للوهلة الأولى.
مواجهة الإشكاليَّة الأخلاقيّة
غني عن البيان أن لغة المبالغة في وصف انتصارات حروب العهد القديم، لا تعني أن قتل الأطفال لم يحدث، لكنها تعني أنه لم يحدث بالصورة التي يتوقَّعها القارئ عند قراءته للنَّص. وحتى إن افترضنا أن قتل الأطفال لم يحدث، فلا يمكن الهروب من موت الأطفال في الطوفان، أو في دينونة خطايا سدوم وعمورة التي يقول الكتاب المقدَّس عن مرتكبيها أنهم كانوا “من الحدَثِ إلى الشَّيخ” (تك4:19). وبالتالي تظل الإشكاليَّة الأخلاقيَّة قائمة، مما يستدعي الاشتباك معها.
موت الأطفال، بين العقاب والذنب
أمام دينونات الله في العهد القديم، من السَّهل أن نسأل: وما ذنب الأطفال حتى يُعاقبوا بسبب خطيّة لم يفعلوها؟ لماذا يموتون في الطوفان ويُقتلون في كنعان؟ بل لماذا يبقون في البريّة لما يَقرُب من أربعين سنة، بسبب خطيّة آبائهم؟ وإن افترضنا أن المتَّهم مذنب، هل من العدل أن يحكم القاضي على زوجته وأولاده بالموت؟
أمام هذا السؤال المشروع، ينبغي أن نُفرِّق بين عقابِ شخصٍ من أجل خطيَّةٍ فعلها (وهو في هذه الحالة مذنب)، وبين تحمُّله لنتيجة خطيّةِ شخصٍ آخر (وهو في هذه الحالة غير مذنب). لتوضيح الفارق، هب أن أحد الآباء قام بالهجرة إلى دولةٍ راقية؛ فإن أولاده بالتَّبعيَّة سوف يتمتَّعون وينعمون بمزايا هذا القرار الحكيم، دون فضلٍ منهم. لكنه إن هاجر إلى دولةٍ فقيرة تعاني من الفقر والحروب الأهليَّة؛ فإن أولاده بالتَّبعيَّة سوف يعانون أشد معاناة بسبب هذه القرار غير الحكيم، دون ذنبٍ منهم.
إذًا فالسؤال عن ذنب الأطفال أو فضلهم، ليس هو السؤال الصحيح في هذا السياق. لكن السؤال الصحيح هو: ما علاقة الأطفال بهؤلاء الأشخاص أصحاب القرار، حتى يتأثَّر مصيرهم بهذا الشكل ويرتبط بقرارات هؤلاء الأشخاص، سواء كانت قرارات حكيمة أو غير حكيمة؟ والإجابة المنطقيَّة على هذا السؤال، أنه من الطبيعي أن يتأثَّر أولئك الذين داخل دائرة مسؤوليّتي (إيجابًا أو سلبًا)، بقراراتي واختياراتي (صحيحةً كانت أو خاطئةً). لذا يمكن أن نعتبر أن تحمُّلي نتيجة أخطائي الشخصيَّة، هو عقابٌ مباشر لي. بينما تحمُّل أولادي نتيجة أخطائي الشخصيَّة، هو نتيجةٌ طبيعيَّة بسبب ارتباطهم بي. إن الأمر إذًا لا علاقة له بذنبهم أو فضلهم، بل بطبيعة علاقتي بهم وعلاقتهم بي.
موت الأطفال، بين الطوفان والحروب
إن طبَّقنا المبدأ السابق، والذي يتعلَّق بعلاقة الأطفال الذين هلكوا في الطوفان والحروب، بذويهم. يمكننا أن ندِّلل على ذلك بالنظر إلى من هم داخل دائرة مسؤوليَّة نوح (أي: زوجته وأبنائه وزوجاتهم)، حيث قال له الرب: “ولكن أقيم عهدي معك؛ فتدخل الفُلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك.” (تك18:6) فمع أن العهد كان مع نوح، إلا أن الذين تمتَّعوا بنتائج وامتيازات هذا العهد هم زوجته وبنيه ونساء بنيه، ليس لفضلٍ فيهم، بل بسبب إيمان نوح وبرّه (تك1:7). على ذات القياس نقول، أن الأطفال الذين هلكوا في الطوفان، لم يهلكوا بسبب خطيّةٍ اقترفوها، بل بسبب قرار آبائهم الخاطئ بعدم التوبة، رغم كرازة نوح وتحذيره لهم من الدينونة الوشيكة بسبب شرورهم (1بط20:3؛ 2بط5:2).
أيضًا في حروب العهد القديم، يمكننا أن نستخدم نفس المبدأ للنظر إلى من هم داخل دائرة مسؤوليَّة راحاب (أي: أبيها وأمّها وأخوتها وأخواتها وأطفالهم)، حيث قالت للجاسوسَين اللذين أنقذتهما من الموت: “فالآن احلفا لي بالرب واعطياني علامة أمانة، لأني قد عملت معكما معروفًا، بأن تعملا أنتما أيضًا مع بيت أبي معروفًا. وتستحييا أبي وأمي وأخوتي وأخواتي وكل ما لهم، وتُخلِّصا أنفسنا من الموت.” (يش12:2-13) وهو ما فعله يشوع والشعب بالفعل، حين “استحيَيَ يشوعُ راحابَ الزانية وبيت أبيها وكل ما لها، وسكنت في وسط إسرائيل.” (يش25:6) فمع أن راحاب وحدها هي من تابت وآمنت بإله إسرائيل (يش9:2-11)، ودلَّلت على إيمانها بإنقاذ الجاسوسَين (يش4:2)، إلا أن الذين تمتَّعوا بنتائج وامتيازات هذه التوبة هم بيت أبيها، ليس لفضلٍ فيهم، بل بسبب إيمان راحاب (عب31:11). على ذات القياس نقول، أن الأطفال الذين هلكوا في كنعان، لم يهلكوا بسبب خطيّةٍ اقترفوها، بل بسبب قرار آبائهم الخاطئ بعدم التوبة، رغم وجود راحاب كمثالٍ حيّ أمامهم. هذا ما استدعى تسمية كاتب العبرانيّين لهم بالعُصاة (عب31:11)، أي أنهم –وبحسب تعبير الرسول بولس– لما “عرفوا حُكم الله، أن الذين يعملون مثل هذه [الخطايا المذكورة في لا18] يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط بل أيضًا يُسَرُّون بالذين يعملون.” (رو32:1)
كيف نتعامل مع قتل الأطفال، إذًا؟
إن التوضيحات التي ذكرناها، لا نهدُف من خلالها إلى تبرير قتل الأطفال، لكنها فقط تلقي الضوء على جانبٍ آخَر نستطيع أن ننظر منه على هذا الحدث المروِّع، كي نفهمه ونضعه في سياقه وإطاره الصحيح، حتى تكتمل الصورة ونرى الدينونة بجانب الخلاص، والعقاب كمسؤولية بجانب الذنب كنتيجة. هذا لا يعني أننا مدعوّون للتصالح مع قتل الأطفال، لأننا لا يجب أن نتصالح مع الدينونة بحالٍ من الأحوال إن كان الله نفسه لم يتصالح معها (هو٨:١١). لكن عدم تصالحنا مع شيء، لا يعني بالتَّبعيَّة أن لا نقبله. فالقبول (Acceptance) يختلف عن الموافقة (Approval)، لذا فإننا نقبل بدينونة الله على الخاطئ، ومسؤولية الإنسان عن من هم في دائرة مسؤوليّته، لكن هذا لا يعني أننا نوافق على القتل، باعتباره شيء طبيعي.
مواجهة الإشكاليَّة التاريخيَّة
سوف نركِّز البحث حول عاي وأريحا، باعتبارهما أكثر مدينتين ليسا فقط تفتقدان للدليل الأركيولوچي، بل تناقضاه. ثم نستخلص من خلال البحث، آلية مناسبة للتعامل مع الإشكاليَّة التاريخيّة بصفةٍ عامَّة.
إشكاليَّة عاي
كان علماء الكتاب المقدَّس يفترضون صحَّة السَّرد الكتابي بخصوص غزو عاي، إلى أن اكتشفت عالمة الآثار اليهوديّة الفرنسيّة “چوديث كراوس” (Judith Marquet-Krause)، عام 1935م تقريبًا، أن موقع مدينة عاي –والتي يدَّعي سفر يشوع تدميرها والانتصار على ملكها، بواسطة يشوع– لم يكن لها وجود وقت دخول يشوع للأرض، لكنها كانت قد دُمِّرَت قبل وصول يشوع بقرون، في العصر البرونزي المُبكِّر في القرن ال 32 ق.م.، بحيث كانت المنطقة عبارة عن حُطام ورُكام، ولم تكن مأهولة بأي سُكَّان تُذكَر بين القرون ال 16-12 ق.م. إلا بعض القبائل القليلة، بلا ملك أو جيش منظَّم (Thom Stark, The Human Faces of God, 2011, 142). هذا الاكتشاف أكِّدُه “چوزيف كولاواي” (Joseph Callaway) عالِم الآثار الأمريكي، سنة 1972م تقريبًا، وهو أستاذ مسيحي محافظ بكلية اللاهوت المعمدانيّة الجنوبيّة، مما جعلهم يجبرونه على التقاعد المُبكِّر.
أمام هذا التَّحدّي الذي استمر لسنوات، اكتشف بعض الباحثين، من خلال التحليل اللغوي للنَّص، والتاريخي للمنطقة، أن كلمة “عاي” تعني في اللغة العبريَّة (لغة العهد القديم) حرفيًّا “كومة من الأنقاض،” وقد جاءت مُعرَّفة بأداة التَّعريف “העי” (يش1:8).[1] والتي تعني: “الحُطام” أو “الأنقاض”، مما يرجِّح أنها تصف منطقة، أكثر من كونها مدينة. من جهةٍ أخرى، فإن الكلمة العبريَّة “מלך” (مِلِخ)، والمترجمة بالعربيَّة “ملك”، يمكن أن تعني أيضًا “حاكم” أو “شيخ.” (James K. Hoffmeier and Dennis R. Magary, eds., Do Historical Matters Matter to Faith?, pp. 370-71).
أيضًا بالنظر إلى منطقة عاي، نجد أنها “منطقة منخفضة”، كانت بمثابة بوَّابة بين أريحا في الشَّرق، ومدن كنعان في الغرب (وتحديدًا “بيت إيل” كما أشرنا في (تك8:12))، مما يُرجِّح تجمُّع بعض القبائل في هذه المنطقة تحت قيادة “شيخ قبيلة”، لحماية هذه المدن. ولهذا يصف سفر يشوع هذه المنطقة بالوادي، والسَّهل (يش13:8-14)، كما يربط بين خروج “أهل عاي” و “بيت إيل” لمحاربته (يش17:8).
أمام هذا الدليل والفحص اللغوي للنَّص، يبدو أن اكتشافات “چوديث كراوس” و “چوزيف كولاواي” تتفق بصورةٍ كبيرة مع السَّرد الكتابي في سفر يشوع، مما يعني أنه بمزيد من الفحص للنَّص الكتابي، ما كان يبدو أنه يناقضه قبلًا، صار الآن يتَّفق معه.
إشكاليَّة أريحا
كان علماء الكتاب المقدَّس يفترضون صحَّة السَّرد الكتابي بخصوص غزو أريحا، إلى أن اكتشفت عالِمة الآثار البريطانيّة “كاثلين كِنيون” (Kathleen Kenyon)، سنة 1958م تقريبًا، أن المصريّين هم من دمَّروا أسوارها قبل وصول يشوع بنحو مائتي عام. ولا يوجد دليل أن أحدًا كان يسكن المدينة من وقت تدميرها على أيدي المصريّين، وحتّى وصول يشوع إليها (Thom Stark, 142).
أمام هذا التَّحدّي الذي استمر لسنوات، اكتشف بعض الباحثين بقايا أموات وكأنّها مقابر جماعيَّة في منطقة أريحا، يقترب تاريخها جدًّا من التاريخ المقترَح لغزو يشوع لها. مع الوضع في الاعتبار طقس أريحا البارد المُمطِر وبالأخص في الشِّتاء، ومع وصف سفر يشوع لحرق المدينة (يش24:6)، قد يشرح هذا غياب الدليل الواضح على ما حدث وقتها بالضَّبط، لأن الحريق عادةً لا يترك أثرًا لما حرقه، والأمطار سوف تزيل بدورها آثار الحريق (James K. Hoffmeier and Dennis R. Magary, eds., 367).
أمام هذا الدليل الجديد، يبدو أن اكتشاف “كاثلين كِنيون”، لا يناقض السَّرد الكتابي بصورةٍ مباشرة، لأن حرق يشوع لأريحا، مع طقسها البارد، يبدو أنه قد طمس الدليل على ما فعله بها. لكن وجود بقايا الأموات والمقابر الجماعيَّة وقت غزوه لها، ينفي أنها لم تكن مأهولة بالسكان وقت الغزو، كما كانت تعتقد “كاثلين”. بالطبع، غياب الدّليل الواضح، ليس سببًا يؤكِّد صدق الكتاب، لكن وجود المقابر الجماعيَّة يجعلنا، على الأقل، لا نفترض أن الأدلة تناقض السَّرد الكتابي. مرةً أخرى نجد أنه بمزيد من الفحص للنَّص الكتابي، وعدم القفز لاستنتاجات مؤكِّدة قبل ظهور أدلَّة أركيولوچيَّة جديدة، ما كان يبدو أنه يناقض السَّرد الكتابي قبلًا، صار الآن يقف جنبًا إلى جنبٍ معه.
كيف نتعامل مع الإشكاليَّة التاريخيّة، إذًا؟
بالنظر إلى ما وصل إليه العلماء، سواء الكتابيّين أو غيرهم، نجد أننا –أمام الإشكاليَّة التاريخيَّة– نملك بعض الدلائل التي ترجِّح صحَّة النَّص الكتابي، هذا لا يعني أننا قد توصَّلنا إلى حلولٍ نهائيَّة لكل الإشكاليَّات الخاصة بالمدن التي سبق وذكرناها، لكنه يعني أننا نملك من الأدلَّة ما يجعلنا منفتحين للبحث والتنقيب في الأدلَّة الجديدة.
إن كنَّا نتبع ما يقوله “كولينز”: “إن علم الآثار ليس علمًا معصومًا، ونتائجه دائمًا مفتوحة للمراجعة في ضوء الاكتشافات الجديدة، لكن الباحث لا يستطيع إصدار الأحكام إلا بناءًا على أفضل الأدلَّة المتاحة في هذه اللحظة.” (John J. Collins, 193)؛ فإننا –في ضوء الأدلَّة المتاحة في هذه اللحظة- يمكن أن نقول أن إشكاليَّة عاي وأريحا قد عولجت بصورةٍ كبيرة، ولا زلنا ننتظر نتائج البحث الخاصَّة ببقيَّة المدن. مما يعني أننا لا يجب أن نتسرَّع وندافع عن الكتاب بطريقةٍ أصوليّة، أو ننجرف ونرفض شهادة الكتاب بطريقة ليبراليّة، بل نصبر ونتعلِّم وننتظر الاكتشافات الحديثة، كي نعرف نتائج الأبحاث الكتابيَّة والأركيولوچيَّة.
[1] حرف “ה” في العبريَّة يُنطَق مثل حرف “الهاء” في العربيَّة، ويُترجم بأداة التعريف “ال”، وبالتالي فإن الكلمة العبريَّة “העי” تعني “العاي”، أي: الحُطام.
اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
القيامة من الأموات، هذا العنوان الذي يحمل في طياته فرحًا جزيلًا، وانتصارًا على الموت والشر، حتى لو كنا نحتفل فيه في ظروف تشوبها الاضطرابات والقلق في شتى أنحاء العالم؛ فلا يزال الخوف من جائحة كورونا وتبعاتها يسود العالم، رغم أنه من نعم الله على الإنسانية أن أعطانا اللقاح الذي ساعد في السيطرة على الجائحة وانتشار الفيروس إلى حد كبير. وللأسف لم تتعلم الإنسانيةُ الدرس من الجائحة لنفاجأ بحرب مدمرة بين روسيا وأوكرانيا دمّرت الكثير من البنية التحتية لأوكرانيا، وامتدت آثارُ هذه الحرب لتشمل العالم كله، على شكل أزمات اقتصادية نتجت عن ارتفاع أسعار البترول وانخفاض قيمة عملات محلية في عدة دول مقابل الدولار الأمريكي.
هذه الظروف تدفعنا للتساؤل: ماذا يعني أن نحتفل بالقيامة في ظل هذه التحديات؟
لذا دعونا نقرأ المشهد في أورشليم وقت القيامة؛ مدينة في أزمة، تعيش في ظل اضطرابات سياسية، من قبل مستعمر روماني، قاسٍ متجبِّر. واضطرابات اقتصادية تمثلت في ازدياد الفقر وارتفاع أسعار السلع، وعد قدرة الكثيرين على تأمين مسكن آدمي، وفقًا لما سجله المؤرخ اليهودي يوسيفوس، الذي عاش في القرن الأول الميلادي. بالإضافة إلى ذلك، أُثقل كاهل الشعب بالضرائب التي فرضها المستعمر الروماني، ليس بهدف المنفعة العامة، مما تسبب في العديد من الثورات.
هذه الظروف السياسية والاقتصادية انعكست على الواقع الاجتماعي؛ إذ يسجل فيلون -المؤرخ اليهودي السكندري الذي عاش في القرن الأول الميلادي- أن المجتمع في اورشليم كان مليئًا بالتجاذب بين فئات المجتمع المختلفة. وقد عاش السيد المسيح -في قلب هذا المشهد- يعلن قيم ملكوت الله ومبادئه.
ويروي لنا إنجيل يوحنا 20: 19- 23، كيف ظهر السيد المسيح للتلاميذ بعد قيامته لانتشالهم من روح الاضطراب والخوف، إذ يقول: “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!» وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ»”.
مجموعة من التلاميذ صُلب معلِّمهم، ويشعرون بالتهديد من أن يلاقوا نفس المصير، يعيشون حالة غير عادية من الاضطراب الاجتماعي، ويختبئون في غرفة أبوابها “مغلَّقة”، يسيطر عليهم الخوف من مستقبل غير واضح، وظرف اقتصادي صعب إذ ترك أغلبيتهم وظائفهم وتبعوا السيد المسيح.
تتجلى عظمة الله هنا أنه أقدر من كل الأبواب المغلقة، فأيًّا كان ما يسيطر على مشاعرنا من قلق وخوف، فالله في العلا أقدر، وتدخلاته فائقة للطبيعة، تفوق تصوراتنا وحلولنا البشرية.
إن رسالة القيامة لنا اليوم هي رسالة السلام وسط التحديات؛ فإن كان الموت هو أكثر ما يخيف الإنسان، فالمسيح انتصر عليه وعلى كل ما يخيف الإنسان ويهدده. لهذا ونحن نحتفل اليوم بالقيامة، نتذكر أن الله موجود ويرى، ويشعر بنا وبتحدياتنا، ويأتي وسط الأبواب المغلقة، وسط الخوف، ووسط الحروب لينقذ الإنسانية.
القيامة إرسالية وتكليف لنا اليوم، كل في موقعه، لنشر هذا السلام والدعوة إليه. نعم، القيامة تكليف لنا جميعًا بأن نذهب لكل من يعيش خلف أبواب مغلقة، من الخوف والقلق، من الفقر والعوز، من الشك والاضطراب ونحمل رسالة السلام بكل أشكاله. إرسالية القيامة تشمل تغيير واقع الإنسانية من حولنا. يدعونا السيد المسيح ككنيسة أن ننطلق للعالم ونحمل همومه ونشاركه اضطراباته ونجعل السلام رسالة فعلية وسط العالم المضطرب.
لقد قدم القادة المسيحيون هذه الدعوة للأطراف المتحاربة أن رسالة الكنيسة أن تعلن أن الحرب لا تحقق مشيئة الله. وحينما تعلن الكنيسة هذه الرسالة فإنها تحمل إرسالية المسيح بشكل فعلي وفعّال وسط الاضطراب العالمي. تدمير الآخر لا يحقق مقاصد الله بل هو شر يأتي من حسد وحقد وطمع الإنسانية.
ونحن اليوم كقادة مسيحيين نقدم الدعوة من على المنبر أن تخرج الكنيسة للمجتمع وتحمل آلامه. أعطوا للمسكين والمحتاج. ساعدوا الفقير والمظلوم. فكروا في طرق تغيروا بها حال الضعفاء المُهمشين في المجتمع. أن تحتفل بالقيامة هو أن تنفذ إرساليتها بأن: تخلق سلامًا حيث لا يوجد سلام..
في القيامة رسالة تجديد للخليقة، تجديد لشخصياتنا، كما تجددت شخصيات التلاميذ المضطربة إلى أشخاص جاهروا بالحق بكل جرأة، هكذا يريد الله أن يجددنا، أن يجعلنا شخصيات قادرة على المقاومة والصمود، نكتسب من الظروف الصعبة والتحديات قدرةً وقوةً واستعدادًا لمواجهة كافة الظروف.
فلتكن الدعوة لنا جميعًا اليوم، أن نتجدد من داخلنا، نغير ذواتنا، نخضعها ليد الله القوية والقادرة على إحداث التغيير العميق لنفوسنا، وننطلق لنبشر بالسلام، فقد امتدح السيد المسيح صانعي السلام: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ” (إنجيل متى 5: 9). نحن مكلفون من قبل الله بأن نعين المهمَّشين والفقراء وكل المضطربين والخائفين من ظروف الحياة وتحدياتها.
أصلي لأجل بلادنا الحبيبة، وقيادتها من أجل نجاح كل المجهودات والسعي نحو تحقيق السلام والتماسك المجتمعي، وتغيير حياة الملايين من الفقراء وتقديم حياة آدمية كريمة للإنسان، أصلي أيضًا لأجل الرئيس والحكومة ليعينهم الله دائمًا أمام كل التحديات، وأن يوفقهم في خدمة بلادنا وبناء مستقبلها.
اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي
شذرة (1)
ابتسامة مُحب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«وَلاَ تَحْزَنْ عُيُونُكُمْ عَلَى أَثَاثِكُمْ لأَنَّ خَيْرَاتِ جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ لَكُمْ»
(تكوين 45: 20)
يا لها من رسالة جميلة جاءت إلى يعقوب، ليأتي إلى مصر!
ويا لها من رسالة جميلة ومشجعة لك أيضًا، فلا تحزن على خُسارة أرضية، أو شيئًا غاليًا فقدتهُ. ارفع عينيك على خيرِ الربِ القادمِ لحياتك، ارفع عينيك على تعويضات إلهك السخية، وانسَ ما وراء وامتد إلى قدام، فليس هذا هو وقت الندم، ما أعدّه الرب لك أروع، واترك كُل القديم بذكرياته الحلوة والمرّة في أرض الجوع، وأفرح فسنوات التعويضِ قد بدأت، وأبوابُ الخيرِ فُتحت،
صاحبُ الخيرِ ابتسم لك، وفى يده مكافأة إيمانك، وتعبك، وصبرك، وانتظارك.
شذرة (2)
العَجَلاَت…. آتية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«ثُمَّ كَلَّمُوهُ بِكُلِّ كَلاَمِ يُوسُفَ الَّذِي كَلَّمَهُمْ بِهِ وَأَبْصَرَ الْعَجَلاَتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا يُوسُفُ لِتَحْمِلَهُ. فَعَاشَتْ رُوحُ يَعْقُوبَ أَبِيهِمْ.» (تكوين45: 27)
ما أعظم الرب!، ما أعظمه حينما أحيا قلب يعقوب بالرجاءِ والأملِ بعد سنوات طويلة من اليأس والحزن؛ فعاشت روحه. ما أعظمه حينما جبَر قلبهُ الكسير، وأرسل له البشارة المفُرّحة «يُوسُفُ حَيٌّ بَعْدُ» ( تكوين 45: 26)، فتشَجَع يعقوب وقال «أَذْهَبُ وَأَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ» ( تكوين 45 : 28)، ما أعظمه حينما رفع رأسه بكرامةٍ ومجدٍ، بعد تجارب ومِحن قاسية في حياته، وأعطاه أوقات فرج وتعويض بل وفتح عينيه «وَأَبْصَرَ الْعَجَلاَتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا يُوسُفُ لِتَحْمِلَهُ»( تكوين 45 : 27)، فهذا هو يعقوب الفقير عابرُ نهر الأردن قديمًا بعصا واحدة، الآن يعبر إلى مصر بجلالٍ في عجلات يوسف الملَكية، وهذا هو إلهك وإلهى .فلا تُحبط ولا تفشل وأنت في أزمه قاسيه أو امتحان صعب، إلهك عظيم و قدير، صالح وحكيم، إلهك إله الرجاء.
شذرة (3)
نبتة جديده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«هأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ»
(إشعياء 43: 19)
ما أروع إلهنا!
صَنَعَ أمرًا جديدًا في حياة إبراهيم وأعطاه إسحق،
صَنَعَ أمرًا جديدًا في حياة حنّه وأعطاها صموئيل،
صَنَعَ أمرًا جديدًا في حياة بطرس وجعله صيادًا للناس،
صَنَعَ أمرًا جديدًا في حياة شاول وجعله بولس كارز الأمم،
ومازال يصنع الرب كُلَ يومٍ أمرًا جديدًا في حياتك، يبدأ بــ «نبتة» صغيره، يغرسُها بكلمةٍ إلهيه عميقه في قلبك، ويحرُسها ليلًا ونهارًا من الخطرِ والفشلِ، ويسقيها كُلَ لحظةٍ بروحهِ القدوس، ويقويها بالإيمانِ والمواعيدِ، ويسندها بالرجاءِ والأملِ، إلى أن تُزهر وتُثمر،
نعم، نبتةُ الإيمانِ تنمو وتنمو إلى أن تأتي لك بأمرٍ جديدٍ تراه بالعيان، فتقو في إيمانك وتشجع.
شذرة (4)
يعلم المسافة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«ثُمَّ عَادَ مَلاَكُ الرَّبِّ ثَانِيَةً فَمَسَّهُ وَقَالَ قُمْ وَكُلْ لأَنَّ الْمَسَافَةَ كَثِيرَةٌ عَلَيْكَ»
(ملوك الأول 19: 7)
ما أروعها رسالةُ رجاءٍ من الربِ لعبده المُحبَط إيليا!
وهي رسالةُ رجاءٍ لي ولك أيضًا. نعم، هو يَعلمُ المسافة كلها (لأن المسافة كثيره عليك) (ع7)، يَعلمُ طولها وزمانها ومشقتها، هو يعلم مقدار احتمالك لمشوار البرّية الطويل قبل أن تسيره، لا يتركك بدون رفيقٍ أو سندٍ، يأتي لك بلمسة العطف والحنان (وإذا بملاكٍ قد مسّه) (ع 5)، لا يتأخر في أن يُرسل لك سداد لاحتياجٍ قبل أن تطلبه، أو حتى تشعر به (فتطلع واذا كعكة رضف وكوز ماء عند رأسه) (ع 5)، لا يدعك تمكث في مغارة اليأس، والإحباط كإيليا بل يقول لك بصوته الحلو العطوف «مالك ههنا» (ع9)، هو يمنحك روح القوة والإرشاد، يقويك، ويسندك لتستكمل مسيرتك، وتتُمم رسالتك، فاطمئن، هو يعلم المسافة.
اسم الكاتب : مينا عبدالله أنس
“مَا هُوَ موقف الأخلاق المسيحية تِجاه الحَرب؟ هَل الحَرب لها مكان فِي المَنظور المسيحيّ للعالم؟ هَل ينبغي إدانة الحَرب فِي كُلَّ وقت وفِي كُلَّ مكان ومعارضتها كجريمة؟ هَل الحَرب لها أيّ معنى أَمّ أنها ليستْ سوى الظُّلم والقوة الغاشمَة وعمل الشَّيطان؟ (Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53. Online).” يتساءل هيرمان باڤينك كغيره من اللاهوتيين هذه الأسئلة عَن الحَرب ويُجاوب مُعبرًا عن لاهوتهُ بالاستناد إلى الفكر الكتابيّ والفكر المسيحيّ عبر القرون. فهذه الأسئلة لَن تُحسمْ بنَص واحد أو نقاش واحد كما يدعي البعض؛ ولكن سيَظل السؤال مفتوح لمزيد مِن البحث، ولكُل جيل منهجية خاصة بهِ ولكُل جيل ظروفهُ التي فيها ينشِأ ويتَفكر. فَنعلمْ جَميعًا أنَّ الحَرب والانقسام وكل خطية هي نتيجة لسقوط الإنسان، ولا يمكن أنّ نَنكر أنَّ هذه المُعضلة شغلّت الكثير مِن اللاهوتيين وتنوعت إجاباتهُمْ وما زالت مفتوحة للتنوع لصعوبتها وارتباطها بالواقع بصورة مباشرة. فيسرد هذا المقال نظرة المُصلح الهولندي هيرمان باڤينك للحَرب من خلال ثلاثة جوانب. أولًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد القديم عن الحَرب. ثانيًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد الجديد عن الحَرب. ثالثًا: استنتاجات هيرمان باڤينك اللاهوتية عن الحَرب.
أولًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد القديم عن الحرب.
لَا أحد يستطيع أنّ ينكر أنَّ الحَرب في العهد القديم يُشار إليها علَّى أنها حق إلهي من وقت الخروج حتى سقوط أورشليم عام٧٠م، فكان يُنظر إلَى هذا الصراع دينيًا وأخلاقيًا على أنهُ حرب شنها إله إسرائيل ضِدَّ الآلهة الوثنية. فيذكر الكتاب المقدس: الرب إله إسرائيل هُو رب الجنود (١صم١٧: ٤٥)، رجل الحرب (خر ١٥: ٣)، جبار في القتال (مز ٢٤: ٨)، يخوض حربًا مع شعبهِ (قضاة ٤: ١٤). هذه ليست وجهة نظر الناس فقط عن الحَرب! بل وجهة نظر الأنبياء أيضًا: فشارك إبراهيم في المعركة ضِدَّ طُغاة سدوم وعمورة (تك ١٤)، قاد موسى ويشوع والقضاة والملوك إسرائيل في المعارك ضِدَّ أعدائهم، حشدَ صموئيل النبي بني إسرائيل ضِدَّ الفلسطينيين (١صم ٧). بُناءً على هذه النصوص يوضح باڤينك: إنَّ إسرائيل القديمة عاشت في ظروف مختلفة تمامًا عن ظروف المجتمع المسيحي، ومن ثم لَا يمكن أنّ يكون تاريخها مبدأ توجيهي أو مثال لنا في حياتنا (Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53.). ويمكن تلخيص وجهة نظر باڤينك للعهد القديم في جانبين: أولًا، مَا حدث من حروب في العهد القديم ليسَ دافع لتبرير حرب ما اليوم أو استخدام النصوص خارج قرينتها للدفاع عن قضية ما كما يفعل البعض _ فهذه النصوص تخضع لتفسيرات سياقية وروحية ينبغي مراعاتها. ثانيًا، لا يمكن إنكار أنّ الرب استخدم الحروب في العهد القديم لهدف أعلى وأسمى، فكثيرًا ما يُخرج الله من مَا يفعله الإنسان من شر غاية نافعه للبشرية. فقال متحدثًا عن طبيعة الله: “إنَّ الله بالحقيقة صالح وقدير بحيث يجعل الخير يخرج من الشر، ويستطيع أن يجبر الشر، رغم طبيعته، على المساهمة في تمجيد اسمه وتوطيد ملكوته (هيرمان باڤينك، بين العقل والإيمان، ج 2، ص 98).”
ثانيًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد الجديد عن الحرب.
إنَّ المَسيح في العهد الجديد هُو الذي جَلبَ السلام علَّى الأرض، وهُو الذي يَقودنا للسلام، ويؤسس مملكته على السلام. فمّضمون الإنجيل: هو تعبير عن صناعة السلام ما بينَ الله والإنسان، وهذا السلام بالتأكيد لهُ نتائج أخلاقية في الواقع بين الشعوب والأمم المتنوعة. فالجميع واحد في المَسيح؛ فهو ليسَ فقط لأنقياء القلوب والفقراء! ولكن أيضًا صناع السلام والمسالمون يُدعَونَ أَبناءَ الله. ففي العظة على الجبل حثَ تلاميذه علَّى أنّ يتعاملوا بلطف وأنّ لَا يُجاوبوا الشر بالشر. فالبعض يرى المعيار الأخلاقي للعهد الجديد مرتفع للغاية، لدرجة إنه من الناحية العملية يبدو غير قابل للتطبيق على أرض الواقع. فمقارنة كلمات السلام هذه بالواقع المروّع للحرب يقفان في تناقض حاد! لدرجة يبدو التوفيق بينهم يبدو مستحيلًا. فيأمرنا المَسيح ألَا نقاوم الشرير وأنّ نُحب عدونا، ولكن في الحرب يكون العكس تمامًا _ مطلوب القتل والحرق والدمار وكل ما يُساهم في سقوط العدو. ومن هنا ظهر التناقض في نظرة رجال الكنيسة مُنذ العصور القديمة للحَرب، وأدى ذلك إلى محاولات مختلفة للإجابة عن معضلة الحرب: فرفضَ البعض العالم باعتباره مِلكًا للشيطان وسعى إلى الانعزال عن العالم، آخرون رفضوا تعاليم المسيح باعتبارها غير عملية في الواقع وأنكروا فاعليتها ( Herman Bavinck, “The Problem .of War,” 46–53). وينقد هيرمان باڤينك هَذين التوجهين القائلينَ بالانعزال أو ترك التعاليم، بانه لا يمكن مواءمة مثل هذه المشاعر مع المسيحية سواء الانعزال أو ترك التعاليم المسيحية بحجة عدم فاعليتها في الواقع! فيقول: “فينعزل الراهب عن العالم ويدينه، أما يسوع فقد عزل نفسه وذهب إلى موضع خلاء ليقوي نفسه على الأعمال في وسط الناس ( Willem J. de .Wit, “An Invitation to Read Herman Bavinck in the Middle East,” 36).” بالنسبة لباڤينك من الضروري أنّ يكون لدى المسيحيين دعوة للمشاركة في الثقافة وهذه هي رسالتنا، كمؤمن لا يجوز للمرء أنّ ينسحب من المجتمع، فدعوتنا هي أن نذهب للعالم. وهذا ما قاله على الثورة الفرنسية ناقدًا الاتجاهين المتطرفين: ليبراليون ومناهضون للثورة. ومن جانب آخر، يؤكد باڤينك أنه لا ينبغي مساواة العظة على الجبل بالحياة المسيحية بالكامل، فمشكلة الحرب ليست بهذه البساطة بحيث يُمكن حلها من خلال نَص واحد؛ بل هي جزء من قضية أوسع تَمَس علاقة المسيحية بالحياة ككل. فهو لا يعني التقليل من شأن هذا النص، بل يشير بهذا إلى أهمية النظر إلى لاهوت الكتاب بصورة كلية عند تحليل قضية ما ذات أهمية مثل قضية الحرب سواء بالموافقة أو الرفض.
ويفسر باڤينك نظرة العهد الجديد للحَرب بإنَّ العهد الجديد لَا يرفض أبدًا المهنة العسكرية في حد ذاتها: فتلقى الجنود الَّذين أتوا إلى يوحنا المعمدان أمرًا بعدم أخذ نقود بالقوة، ولكن ليسَ أمرًا بترك الخدمة (لوقا 3: 14). أعربَ يسوع عن دهشتهُ من الإيمان العظيم لقائد المئة وشفى عَبده (متى 8: 10)، تَم تَعميد كَرنيليوس وعائلته بأكملها وتَم قبولهم في الكنيسة (أعمال الرسل ١٠). دون أيّ تخوف تحدث يسوع في أحد أمثاله عن ملك جلسَ قبل ذهابه إلى الحرب، يفكر فيما إذا كان بإمكانه الانتصار بعشرة آلاف رجل، مقابل خصمه الذي لديه عشرين ألفًا (لوقا 14: 31). وبالمثل يسعد بولس باستخدام الصور العسكرية لوصف حياة المسيحي (رومية 13: 6 ؛ 1كورنثوس 9: 7، أفسس ٦:١٠- 17، 2تي 2: 3). وتشير أقوال المسيح هذه بوضوح إلى أنَّ هناك ممتلكات روحية لها قيمة أكبر بكثير من الرخاء والسلام الشخصي، يأتي الله قبل الإنسان دائمًا. محبته هي الوصية العظمى والأولى لنا (متى 22: 37 _ 38). فينبغي أنّ نطيعه أكثر من طاعة الرجال (أعمال الرسل 5: 29). لذلك يجب البحث عن مملكته وبره فوق كل شيء (متى 6: 33). لأن ملكوت السماوات كنز ولؤلؤة غالية الثمن (متى 13: 44 _ 46). وهكذا فإن الإنسان أكثر قيمة من العالم كله (متى 16: 26)، والنفس أكثر من الجسد (متى 6: 25). إذًا ترشدنا تعاليم المسيح والرسل إلى إنه ينبغي علينا دون تردد أنّ نتخلى عن الأصغر لكي نشارك في الأعظم ونحافظ عليه. الحياة والازدهار والسلام ليسُ أعلى الممتلكات، هناك حالات ينبغي فيها التخلي عن الأغلى ومعارضته. لقد ترك لنا الشهداء مثالاً على ذلك، حتى المسيح لَم يُرضِ نفسه، فاحتمل عار الصليب (رومية 15: 3). فالمسيح يشجع على الغفران والتسامح، ولكن من جانب آخر لَم يختار الاتفاق والانحياز إلى مملكة الظلمة من أجل سلام مؤقت؛ فكان الحق والعدل أولوية عن السلام المزيف مع الظلم والشر (Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53.). فالوقوف ضد الشر والظلم هو دعوة كتابية واضحة، فلا يمكن أن نتعايش مع ظالم أو نقبل تكبيل حرية أحدهم سواء شخص أو شعب على أساس خطأ أو بدعوة النظر فقط لجانب المسامحة والغفران في كلمات المسيح، فلَم يدعونا يومًا أنّ نحيا بلا حرية أو بلا كرامة أو نترك الظالم بلا أنّ نقف أمامه ونعلن الحق. وأعتقد أنّ باڤينك هنا يكرر ما قاله جون كالفن عن الحَرب ودور الحكام: “فالحُكام ينبغي أنّ يدافعوا عن رعيتهم، فلو التعليم المسيحي يدين كل حُروب بصورة مطلقة لكان ينبغي أن يقول المسيح للجنود الذين طلبوا مشورته حول خلاصهم. أن يتخلصوا من أسلحتهم ويتركوا الخدمة ولكن قال لهم لا تظلموا ولا تشوا (لو٣: ١٤) (جون كالفن، أسس الدين المسيحي المجلد الثاني، ص ١٣٩٨.).”
ثالثًا: استنتاجات هيرمان باڤينك اللاهوتية عن الحرب.
إنَّ الحُب المسيحي يختلف اختلافًا جوهريًا عن الحُب الحر، الذي يتم ترديده وتجميله كثيرًا هذه الأيام. فالحُب الحر ليسَ في الحقيقة سوى نقص في الانضباط وتحرير للعاطفة بلا حدود. فالمحبة المسيحية هي بالأحرى إتمام الناموس، وهي مفروضة بمشيئة الله؛ وواجب على الإنسان الذي يقيِّده بالضمير. هذا الحُب ليسَ تعسفيًا ولا اختيار شخصي؛ لا يكمن فينا تحديد مَن/ماذا يجب أنّ نحبه. فيُعلمنا الكتاب المقدس أنّ نحب الله كما يكشف عن ذاته هو وليسَ كما نتخيله نحنُ. ينبغي أنّ نحب الجار الذي يضعه الله بجوارنا وليسَ مَن نختاره ونتلذذ معه، ينبغي أنّ نحب كل ما هو حقيقي وصالح ونقي _ لذلك يوجد حُب حقيقي وحُب زائف. وبالمثل، هُناك سلام جيد يجب أنّ نجاهد ونسعى إلى الحفاظ عليه مع الجميع، ولكن هناك أيضًا سلام مزيف وخاطئ يجب كسره. فمن أجل سلام، بالأكاذيب والظلم عن طريق التنازل نعقد معاهدة أو سمحنا بهدوء على أساس ما هو خطأ! فإننا نكون ضعفاء وننكر الحقيقة والفضيلة ضدَّ هذا السلام الزائف. ادعى يسوع أنه جاء ليلقي النار على الأرض (لوقا 12: 49). هُناك قوى في هذا العالم لا يمكننا أبدًا العيش معها بشروط سلمية، هناك حقائق وحقوق وممتلكات روحية وكنوز غير مرئية يجب أنّ نكون مستعدين للتضحية بكل شيء من أجلها: السلام والهدوء والاحترام والسمعة، وحتى الحُب لعائلتنا وحياتنا. قد تكون الظروف في هذا العالم غير مفهومة، خطيرة، معقدة لدرجة أنّ الحُب نفسه قد يجبرنا على كسر السلام والانخراط في المعركة. كان من الأفضل أنّ يلتزم الأنبياء مثل إرميا الصمت ويقضونَ أيامهم في سلام وطمأنينة، لكنهم لَم يستطيعوا ذلك ولَم يُسمح لهُم بذلك؛ تكلموا لأنهم آمنوا وكافحوا ضدَّ أمتهم لأنهم أحبوها. بمحبته الكبيرة لله وللإنسان، دفع يسوع نفسه حتى الموت لمقاومة كل قوى الشر. بولس الذي بشر بنفس روح المغفرة (رومية ١٢: ١٧-٢١)، (1تسالونيكي 5: 15)، (1 بطرس 3: 9) أيضًا يناشد حقوقه كمواطن روماني (أعمال 22: 25). الإهانات الشخصية يمكن ويجب أنّ تُغفر، ولكن عندما يتم الاعتداء على الحق أو العدالة وفقًا للمبادئ المسيحية التي تضع ملكوت الله وبره فوق كل شيء آخر، من واجب المرء الدفاع عنها والإدلاء بالشهادة. على سبيل المثال، الحياة هي ملكية يمكن ويجب الدفاع عنها، في حالة الحاجة الضرورية، لكل إنسان الحق والواجب في الدفاع عن حياته والأسلحة في يده، قد يصعد المُتسلل إلى أيّ منزل بالعنف والقتل والنهب! فإن السُلطات المدعوة للحفاظ على العدل لا تحمل سيف الحرب عبثًا؛ إذا لزم الأمر في حالة الطوارئ ينبغي عليهم استخدام السيف في الداخل والخارج (Herman Bavinck, “The Problem of .War,” 46–53). فيسعى هيرمان باڤينك في هذا الجزء إلى محاولة التوفيق بين النص الكتابيّ والواقع، فالنص يأمر بالتسامح من جانب وجانب آخر يحثنا على قول الحق. والواقع يصرخ من العنف والشر ويقتضي منا الدفاع والرد على الشر سعيًا لمحاولة تجنب شره، وهذا ليسَ ضدَّ الكتاب بل هو مطلب هام لنا في العالم الساقط (وهذا ما يُتبع من جهة الحكومات التي تسعى لحماية مواطنيها). فمِن الجَدير بالذكر أنّ رجال الكنيسة المسيحية بمختلف توجهاتهم لَم يدينوا المحارب/الحَرب التي تختص بالاستدعاء للجيش والخدمة للوطن “خدمة الوطن لا تعني الاعتداء على آخر مهما كان المُبرر؛ ولكن فقط من أجل الدفاع والحماية لما لنا كبشر سواء في الداخل أو الخارج”، فدعوتها حَسب كلام المَسيح أنّ تقدم لله ما هو لله وأنّ تقدم لقيصر ما لقيصر(Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53.). وفي وجهة نظري لا يمكن تعميم هذا الرأي القائل بأن رجال الكنيسة لَم يدينوا المحارب والحرب التي تختص بالوطن! لأننا نقرأ في كثير من المصادر معارضة الآباء لكثير من الحروب التي تختص بالدولة. “فالمسحيين الأوائل عارضوا الانضمام للعسكرية للعديد من الأسباب وتم تلخيص هذه الأسباب بواسطة Adolf von Harnack: سفك الدماء في المعركة، التعذيب في المحاكم…إلخ (Jerry .Robinson, The Testimony of the Early Church Fathers On Violence and War. online).”
فيرى باڤينك أنَّ الأخلاق المسيحية تسمح باستنتاج أنه يمكن أنّ تكون هُناك حروب جيدة وعادلة! ربما هم قليلون من حيث العدد. وفي كل حَرب حتى أكثرها عدلاً، تحدث أشياء كثيرة تدينها المسيحية والإنسانية بشدة، ومع ذلك لا الكتاب المقدس ولا التاريخ يقدمان أسبابًا كافية لشجب كُلَّ حرب دون قيد أو شرط. ويقدم باڤينك معايير يمكن أنّ تكون الحرب فيها عادلة: أنّ تمتثل لمطالب المبادئ العليا الأخلاقية الإنسانية، وتخدم وتحفظ العدالة _ عندها فقط يتم شنها في حالة الضرورة القصوى. إذًا لَا يمكن تبرير الحرب في حق القوة ولا الفضائل مثل: حُب الوطن، البطولة، الصمود، الوحدة، الاستعداد لتقديم التضحيات. إذا كان يجب الدفاع عن الحَرب، ينبغي أنّ تمر هي نفسها قبل خوضها باختبار العدالة الصارم جدًا. ولا يوجد أيّ تبرير آخر للحَرب مثل: التوسع الثقافي المكانيّ أو التقدم بالمسيحية أو بأيّ معتقد (Herman Bavinck, “The .Problem of War,” 46–53). إن فافينك ينكر أيّ مسعى للحرب سوى العدل، فلا مجال لتبرير أيّ توجه يكون هدفه إقصاء الآخر أو هدفه الحصول على المنفعة المادية. ولَم تأمر المسيحية يومًا بأي اعتداء على الآخر بهدف تبشيري أو أيّ توسع، ولا يمكن تبرير أيّ توجه بحجة إنتشار دين أو طلب للهيمنة. ولكن يبقى السؤال الذي يحتاج إلى مزيد من البحث والاجتهاد: مَن الذي سيحدد مقياس العدل والحق الذي على أساسه تُقام الحرب؟!
تجدر الإشارة إلى إنه بعد الاجتياز بخبرة الأثار المدمرة للحرب يكون للشخص توجه أكثر نحو محاولة منعها بكل الطرق، بدلًا من محاولة تقييمها هل هي عادلة أمّ لا وهذا ما أقر به باڤينك. “فعِنْدَمَا نظر هيرمان باڤينك Herman Bavinck إلَى الحرب العالمية الأولى في عام 1920م والأثار المرتبة عليها كتبَ هذه الكلمات تعبيرًا عن رفضه الشديد للحَرب: عِندما يستعرض المَرء الحرب فِي بَدايتها وتقدمها ونَهايتها، يجد انه مِن الصعب قول أيّ شيءً جيد عنها؛ فالحرب لَمْ تَجلب سوى البؤس للعالم. إنَّ دعوتنا المسيحية قبل كُلَّ شيء أنّ نستخدم كُلَّ الوسائل المُتاحة والمَسموحَة، وأنّ نبذل قصارى جهدنا لمنع تكرار مثل هذه الكارثة مرة أُخرى؟ لَا شك أنّ الله لديهِ القدرة علَّى إخراج الخير مِمَّا ابتكرهُ الإنسان مِن شر، ويبقى ذلك تعزية لنا في وسط هذا البلاء_ لكن قوة الله هذه لَيست قاعدة لسلوكنا ولا مبرر لنا! (Dirk van Keulen, “Herman Bavinck and the War Question,” in Christian Faith and Violence, .140).”
صورة لهيرمان باڤينك

مينا عبدالله أنس
طالب بكلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة

اسم الكاتب: .ق. فيكتور عطاللة
إخوتي وأخواتي في المسيح، الفصلُ الرابعُ من رسالةِ يعقوبِ الإنجيلية يتحدثُ عن أسبابِ “الحروبِ والنزاعات”.
“مِنْ أَيْنَ الْحُرُوبُ وَالْخُصُومَاتُ بَيْنَكُمْ؟ أَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا مِنْ لَذَّاتِكُمُ الْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ. 2تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ. تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ لأَنَّكُمْ لاَ تَطْلُبُونَ. 3تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ 4أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ” (يع4: 1-4).
وجودُ الخلافاتِ والخصوماتِ بين الأفرادِ والجماعاتِ وحتى بين الدول واضحٌ عبرَ صفحاتِ التاريخ. وكثيرًا ما تكون النتائجُ عنفًا وضررًا شديدين. والواقعُ أن الصراعاتِ تحدثُ أيضًا بين الأممِ وتقودُ لحروبٍ مُدَمِرَةٍ.
نصُنا الإنجيلي يبدأُ بالسؤال: “1مِنْ أَيْنَ الْحُرُوبُ وَالْخُصُومَاتُ بَيْنَكُمْ؟” (يع4: 1). السؤالُ مُوَّجَهٌ لأُناسٍ واضح أنهم اختبروا خلافاتٍ بينهم، شأنُهُم شأنُ باقي البشر. ومع أن يعقوبَ هنا لم يكُنْ يفتكرْ في صراعاتٍ عسكرية، لكِنَ ما يقولهُ ينطبقُ على طبيعةِ كلِ الصراعاتِ البشرية، بما في ذلك، على الحروبِ بين الأمم. وهو يُتابعُ بسؤالٍ آخر، يُشيرُ لحربٍ داخليةٍ فينا جميعًا عما نرغبُ به ونريدهُ. يدعو ذلك لَذَّاتَكُمُ الْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ. ثم يُضيف: “2تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ. تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ لأَنَّكُمْ لاَ تَطْلُبُونَ. 3تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ” (يع4: 2، 3).
اللغةُ المستعملةُ هنا هي عن رغبةٍ شديدةٍ واشتهاءٍ عميقٍ للحصولِ على ما هو ليس في مُتَنَاوَل أيدينا. يتحدَّثُ يعقوبُ عن العنفِ الذي يتولدُ عن الطمعِ والأنانيةِ البشرية.
يُمكننا هنا أن نفتكرَ بلصوصٍ يُصِرُّونَ على الحصولِ على ما هو للآخرين، وهُم على استعداد لاستخدامِ الحيلةِ والقوةِ للحصولِ عليها. هذا يحدثُ كثيرًا. بل إن بعضِ اللصوصِ يكونونَ على استعداد للقتلِ لتحقيقِ ما يبتغون.
لكن الأمرَ لا يقتصرُ على سرقةِ المالِ والمجوهرات والسيارات، وكلِ ما هو ذاتَ قيمةٍ مادية. ما يتحدَّث عنه يعقوب هو أبعدُ كثيرًا عن ذلك، وللبشرِ خلافاـتٌ أيديولوجية وسياسيةٌ شديدةٌ، وحتى مُشجعي الأنديةِ الرياضيةِ المتنافسة قد تتطورُ خلافاتُهُم لعنفٍ جسديٍ مُخيف. أما الخلافاتُ الإثنيةُ والعِرقيةُ والاجتماعيةُ فهي تلعبُ أيضًا دورًا مهمًا في العنفِ بين البشر. ومن المُحزِنِ أنه في مراحلَ مختلفةٍ من التاريخِ تَسَبَّبَ التعصب الديني في الكثيرِ من الخلافاتِ بل الحروب بين البشر.
حتى في أيامنا هذه نجدُ مَنْ يرغبونَ في فرضِ قناعاتِهم الأيديولوجيةِ والسياسيةِ والعِرقيةِ والاجتماعيةِ والدينيةِ وحتى ميولَهم الجنسيةَ غيرَ المُعتادةِ على الآخرين. فيعقوب لا يتحدَّثُ عن الخلافاتِ البسيطةِ الهادئةِ المُسالمةِ بين البشر. إنه يتحدَّثُ عن مشاعرَ عميقةٍ تُعَبِّرُ عن نفسِها بشكلٍ يُعَنِّفُ الآخرين. هذا ما يحدثُ كثيرًا عندما يختلفُ أعضاءُ الأسرةِ الواحدةِ على أنصبَتِهِم في المواريث. ويحدثُ أيضًا عندما لا يتفقُ الجيرانُ على وضعِ حدودٍ لأراضيهِم أو بُيوتِهم. كما يحدثُ أيضًا بين الأزواجِ والزوجات عندما يفشلوا في تقديرِ مشاعرِ واحتياجاتِ الطرفِ الآخر. كُلُ طرفٍ يُصِرُّ على حقِه ويتَنَكَرُ لحقِ الآخر. وللأسفِ الشديد فإن ذلك يحدُثُ في هذه الأيام، ويقودُ لانشقاقاتٍ حتى داخلَ بيوتِ المؤمنين، ويتسببُ في آلامٍ كثيرةٍ للأطفالِ ويؤثرُ سلبًا على الأجيالِ القادمة.
الخلافُ بين الموظفينَ أو العمالِ ومُوَظِفِيهم حولَ ظروفِ وأجورِ العمل، يقودُ كثيرًا للاضطراباتِ وتعطيلِ الاقتصاد. الخلافاتُ حولَ الممتلكاتِ الماديّةِ تقودُ لصراعاتٍ مُكَّلِفةٍ وطويلةِ الأمّد في المحاكم. هذا ينطبقُ أيضًا على حالاتِ الطلاق. هذه الصراعاتُ تقودُ أيضًا لعداواتٍ بين الأصدقاءِ والجيرانِ وحتى بين أعضاءِ العائلةِ الواحدة. من جهةٍ أخرى، عندما تحدثُ الخلافاتُ والصراعاتُ بين مجموعاتٍ أكبر من الناس تكونُ الخسائِرُ أكثرَ فداحةً. الشدائدُ العِرقيةُ والقَبَلية كثيرًا ما تقودُ لمعاركَ تسببُ ضحايا بشريةٍ في مناطقَ كثيرةِ من عَالَمِنَا. وكُلُنا نُتابعُ يوميًّا ما يحدثُ لقطاعاتٍ كثيرةٍ من السكان وهُم يواجهونَ نتائجَ الاضطراباتِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ في بلادِهم. كلُ مجموعةٍ تشعرُ بأنَها مُستَغَلَّةٌ أو أنها تُعَامَلُ بعدمِ إنصافٍ. لكن بعضَ المجموعاتِ تُعطي نفسها الحقَ بقهرِ الأخرينَ وظُلمِهِم.
عبرَ صفحاتِ التاريخِ يلعبُ الدينُ والتدينُ أدوارًا مهمةً في الصراعاتِ بين البشر. البعضُ يُعطي نَفسَهُ الحقَ في فرضِ عقائدِهِ وشرائعِهِ على الآخرين. في الواقع أننا نرى مرةً تُلو الأخرى مجتمعاتٍ وقرىً ومدنًا، بل حتى أممًا وهي تتحطمُ بسبب الصراعاتِ الدينية. الآلاف يفقدونَ حياتَهم، بل ملايين يفقدونَ بيوتَهم ومعيشَتَهُم ويُصبحونَ بلا مأوى ولا حماية. في بعض الحالات تُقتَلُ أسرٌ كاملةٌ وتُدَمَرُ كلُ مجتمعاتِهم لسببٍ وحيدٍ ألا وهو انتمائُهم لدينٍ مُختلفٍ أو لقبيلةٍ أخرى.
وللأسفِ الشديد نُلاحظُ أيضًا أن حتى المُضطَهِدينَ والظالمينَ للآخرين هُم أنفُسُهم يُخدَعون من قِبَلِ قادَتِهِم الذين يستخدمونَهم للاحتفاظِ بالسُلطةِ أو المزايا أو الحصولِ على مزيدٍ منها. كما أن قادةَ بعض الأممِ يخدعونَ شعوبَهم بإقناعِهم بالحاجةِ للخوضِ في حروبٍ ضدَ أممٍ أخرى. وكثيرًا ما تكونُ مبرراتُ القهرِ والتمييز العنصري والاستغلالِ والحروب مبنيّةً على أُسسٍ مُخادعةٍ ووعودٍ باطلةٍ بتحسينِ أوضاعِ الشعوب. كُلُ تلك مبنيّةٌ على الرغبةِ في التسَلُطِ على الآخرين وقهرهم والاستحواذ على مُقَدَراتهم وثرواتهم.
إخوتي وأخواتي في المسيح، نصُنا يُشيرُ بوضوحٍ لجذورِ المشاكلِ والصراعاتِ البشرية. إنها أنانيةُ وجشعُ طبيعتِنا البشرية. إنها عن محبةِ الذات لا وبل عن عشقِ وعبادةِ الذات. إنها العبادةُ الوثنيةُ في أبشعِ صيَغِها. ونصُنا الإنجيلي يُشيرُ للطبيعةِ اللاعقلانيةِ واللامنطقية لسلوكِ البشر. الواقع أنَه لا توجدُ مكاسبَ باقيةٍ لأنانيةِ البشر الظالمين. الصراعاتُ والحروبُ لم تُنتجْ أبدًا حياةً أفضلَ حتى للظالمينَ المُنتصرينَ على الضُعَفاء. نصُنا الإنجيلي يؤكدُ أنهم يتحاربونَ مع أنفسِهِم فيقول:
“أَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا مِنْ لَذَّاتِكُمُ الْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ” (يع 4: 1). هناك دائمًا تبكيتٌ وعدمُ شبعٍ داخلي. نصُنا الإنجيلي يقول إنها محبةُ العالم. والتعبير “العالم” في الإنجيل يُمَثِّلُ الجهلَ بالحقِ والعداءَ له. محبةُ العالمِ في مفهومِ الإنجيلِ هي التسليمُ لفسادِ المشاعرِ والفكر وإتباعِ روح الشر ِفي المجتمع والعالم المحيطين بنا. روحُ الشر هذا يسعى لجذبنا ولإغوائنا لتَقبُلِ ما يطرحنا علينا من فسادٍ فكري وأخلاقي وحتى ديني ، وينمي فينا محبةَ الذات والطمع، بل والسعي خلف المراكز والسلطة والجاه. كلُ هذه تُمَثِلُ رفضَ الصلاح الإلهي والتَمَرُدَ على روحِ الوصيةِ، وصيةَ المحبةِ الواهبةِ للنفس للرب وللبشر من حولنا.
هكذا أوجز الرب يسوع روحي الشريعة “تُحِب الربَ الهَك” من كُلِ كيانِكَ و”قريبَكَ كنفسك” (مت 22: 34-40). وهذا تمامًا ما مارَسه الرب يسوعُ، كآدمِ الجديد.
عندما سألَه بيلاطُس إن كان هو ملكًا على اليهود أجابه قائلًا: “مملكتي ليست من هذا العالم”. شَدَّدَ المسيحُ بشكلٍ مُتَكَرِرٍ على طبيعَتِهِ السماويةِ القُدوسةِ التي تُناقضُ روحَ العالمِ تلك. قال أنه: “لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مت20: 28).
نعم، هو دَفَعَ بنفسِهِ ثمنَ خلاصِنا، فهو ينقُلُنا من ظلمةِ وموتِ طبيعتِنا الفاسدة. وأتباعُ يسوعَ الحقيقيونَ ليسوا بأتباعِ ديانةٍ بشريةٍ فاسدةٍ ومُفسِدَةٍ، مُتصادقةٍ مع روحِ العالمِ الشرير. بل هُم قد صِيغوا على صورةٍ بشريةٍ جديدةٍ التي أسسها بمحبتهِ التي وَهَبَ بها نفسَهُ حتى لأعدائه غيرِ المستحقين.
لهُ كلُ المجدِ.
اسم الكاتب: هاني لبيب
الجيل الرابع والخامس.. حروب المعلومات الافتراضية!
تعد الحروب ظاهرة إنسانية قديمة.. وعلى مر التاريخ الإنساني.. كانت النزاعات والحروب لها وجود في كافة العصور بين الممالك والإمبراطوريات القديمة، ودائمًا ما تترك الحروب خلفها الآلاف من القتلى والجرحى. وتندلع الحروب في بعض الأحيان من أجل حصول دولة ما على استقلاليتها، أو لدفاع شعب معين عن حريته واستقلاله وتحرير نفسه من أطماع دولة أخرى.. تكون قد فرضت هيمنتها بقوة السلاح.
ترتبط الحروب الآن بوضع نتيجة حاسمة للخلافات الدولية المرتبطة بالكيانات الاقتصادية والاجتماعية للدول الأطراف والمشاركة في الحرب بعد أن يتعثر حل النزاعات والخلافات بالطرق السلمية. والقاعدة الأساسية أنه لا توجد حرب عادلة.. في ظل سعي كل طرف للانتصار وتحقيق مكاسب على أرض الواقع في مقابل تكبيد الطرف المهزوم أكبر قدر من الخسائر التي من شأنها تمهيد الطريق لانكساره وتراجعه، وتدمير قوته. فضلًا عن عدم الالتزام بقواعد ومحاذير ما هو مسموح وغير مسموح في علاقات أطراف الحرب فيما يخص التعامل مع المدنيين ومع الأسرى وغيرها.. طبقًا للقوانين والأعراف والمواثيق والمعاهدات الدولية.
تعريفات
من أكثر التعريفات شيوعًا لمفهوم الحرب بأنها “قتال بين فئتين” حسب تعريف معجم المعاني الجامع. كما يرى العديد من المفكرين أن الحرب هي ظاهرة تعبِّر عن شكل من أشكال العنف الجماعي المنظم التي يصل تأثيرها إلى إعادة صياغة شكل العلاقات بين بلدين أو مجتمعين أو أكثر، وما يترتب على نتائج هذا العنف من تشكيل مراكز قوة جديدة سواء داخل المجتمع أو دولية.
أضرار الحروب
للحروب آثار سلبية ومؤثرة جدًّا على المجتمعات البشرية.. وعلى سيبل المثال:
4 – زيادة معدل ارتكاب الجرائم، وشيوع مناخ الفوضى المجتمعية وعدم الاستقرار.
أنواع الحرب :
يصنف الخبراءُ الحروبَ على النحو التالي:
أجيال الحروب..
الجيل الأول: وهي الحروب التي كانت تُمارس باستخدام السيوف والسهام والعجلات الحربية. على غرار الحروب المنقوشة على جدران المعابد الفرعونية.
الجيل الثاني: وهي الحروب التي اعتمدت على استخدام البارود، واختراع البنادق والمدافع. على غرار معارك نابليون بونابرت.
الجيل الثالث: وتنقسم إلى..
– حروب تقليدية: استخدمت الدبابات والمدرعات والطائرات المقاتلة والمدمرات والبوارج والغواصات، واستخدمت القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والقوات الخاصة. على غرار الحرب العالمية الأولى.
– حروب نووية: باستخدام التكنولوجيا الحديثة في تطوير الأسلحة الفتاكة والأكثر تدميرًا. على غرار إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكي في اليابان، ونهاية الحرب العالمية الثانية.
الجيل الرابع: ترتكز على هدم الدولة من الداخل، دون استخدام القوة العسكرية المباشرة، ثم فرض أجندة خارجية بشروط محددة. على غرار ما أُطلق عليه “ثورات الربيع العربي”.
الجيل الخامس: ترتكز على احتلال العقول لا الأرض، واستخدام العنف غير المسلح من خلال استخدام وتوظيف جماعات عقائدية مسلحة وعصابات التهريب المنظمة والتنظيمات الصغيرة المدربة من أجل صنع حروب داخلية لإسقاط الدول.
حروب المعلومات الافتراضية
من أخطر أنواع الحروب هي حروب الجيل الرابع والجيل الخامس لكونها ترتكز على هدم الدولة من الداخل من خلال الترويج لمعلومات وأفكار موجهة دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة.. لكونها تعتمد على استخدام وسائل الإعلام الحديثة للترويج لمعلومات محددة بهدف رسم صورة ذهنية تراكمية تصل في نهايتها لحالة الفوضى المطلوبة باستهداف عقول الشعوب. وتستخدم كافة الأدوات المتاحة سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا.. حتى لو وصل الأمر
إلى استخدام العنف الجسدي والقتل والتخريب والعمليات الإرهابية.
تاريخ
ظهر مصطلح “حروب الجيل الرابع” في نهاية ثمانينات القرن الماضي. وتم الترويج له بعد حرب الخليج بسبب ما تكبدته الولايات المتحدة الأمريكية من خسائر بشرية ومادية فادحة. وهو ما جعل مراكز الأبحاث الأمريكية تجتهد في وجود قواعد وحلول بديلة لأي حرب تكون هي طرف فيها. وأول هذه القواعد هو عدم التدخل في مواجهات مباشرة مع أعدائها، واستخدام المواجهات غير المباشرة.
لم يجد مفهوم “حروب الجيل الرابع” اهتمامًا لدينا سوى بعد ما أطلق غربيًّا على ما يحدث في البلاد العربية منذ بداية شهر يناير 2011 بـ”ثورات الربيع العربي”. والتي استهدفت الإطاحة بالأنظمة السياسية.. اعتراضًا واحتجاجًا على التحديات والمشكلات التي تواجه المواطنين في كافة مناحي الحياة. وزاد الاهتمام بمفهوم تلك الحرب بعد أن وصلت بعض المجتمعات العربية إلى حالة الصراع الداخلي المسلح أو ما يعرف بـ”الحروب الأهلية”. وما نتج عن ذلك من انتشار التنظيمات والجماعات الإرهابية التي استغلت حالة عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة لمحاولة فرض شكل جديد يتخذ من الدين وسيلة لفرض دولة الخلافة التي تحقق لهم المزيد من الهيمنة والسيطرة لصالح تنفيذ أجندات ربما تكون أبعد وأكبر كثيرًا من طموحاتهم في مجرد تثبيت مكانتهم في السلطة والسيطرة. وهي مصالح لها ارتباط بمنظومة الاقتصاد العالمي خاصة في مجال السيطرة على مراكز الطاقة بالدرجة الأولى.
ويجب الانتباه هنا إلى أن حروب الجيلين الرابع والخامس.. لا تستهدف الجيوش النظامية بشكل مباشر لكونها تستخدم القوات والجماعات غير النظامية التي تتجاوز الولاءات والانتماءات الوطنية للأرض والوطن، وتوظيفها في الدفع بها للشارع تجنبًا لدخول في أزمة المواجهات المباشرة مع القوات المسلحة للدول المستهدفة.. بهدف تراجع الدولة وإجبارها على التخلي عن تحقيق مصالحها الوطنية لصالح أهداف دول خارجية، والوصول لحالة يتم الإحياء فيها بفشل الدولة، وفرض واقع جديد يتم فيه زعزعة الاستقرار وشيوع مناخ التشكيك والعمالة والخيانة للمزيد من الانقسام في المجتمع بين الشعب والحكومة وبين الشعب وقواته المسلحة. وهو ما يعني عدم التزام تلك الحروب بأي قواعد أو قيود أخلاقية.
أهداف حروب الجيل الرابع والخامس
ويمكن تحديدها بين أهداف داخلية وخارجية..
الداخلية:
الخارجية:
ومع ملاحظة، أن توظيف الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي للتأكيد على الحفاظ شكلًا على المؤسسة العسكرية للدول، والترويج افتراضيًّا بأهمية الحفاظ على قوة الدولة.. لكسب المزيد من المؤيدين والموالين، وتحييد من يرفض أفكارهم.
نقطة ومن أول السطر..
بعد أحداث 25 يناير 2011.. واجهت مصر حرب الجيل الرابع، والتي استخدمت مخططات مركبة.. تحالفت فيها تقنيات الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي للاختراق السياسي وتغيير المجتمع في أشكال افتراضية وهمية للإصلاح السياسي.
ولكن.. تبقى ثورة 30 يونيو كعلامة فارقة.. للتأكيد على قدرة الشعوب في مواجهة أي مخططات خارجية والحفاظ على المستقبل ضد التقسيم والتزييف وهدم المجتمعات.
اسم الكاتب: إسحق إبراهيم الباجوشي
أولاد العسال هم عائلة تتكون من أربعة أبناء لرجل واحد من امرأتين نبغوا جدًا في القرن الثالث عشر ووضعوا كتبًا وموسوعات تفسيرية ولاهوتية وفقهية، وقاموا بعمل مختصرات وترجمات لكثير من النصوص الكتابية ولاسيما العهد الجديد فقد قام الأسعد بن العسال بترجمة العهد الجديد إلى العربية فقد ذكر البعض أن دوره لم يكن إلا تنقيح ولكن يثبت الكثير من العلماء أن دوره كان ترجمة، لذا قام الدكتور صموئيل بنشر الأربعة أناجيل ترجمة الأسعد بن العسال، وقد وجدنا باقي أسفار العهد الجديد من ترجمته أيضًا في بعض المخطوطات قيد النشر، أما عن هذا النص فهو عبارة عن مقدمة تقرأ في يوم سبت النور المعروف بليلة الأبوغالمسيس قبل قراءة سفر الرؤيا عربيًا –حيث كان يُقرأ قبطيًا وعربيًا- وهذه المقدمة وإن كانت وضعت في الترتيب الطقسي ولكنها أيضًا تقدم بهدف تعليمي، وفيها أيضًا مديح يصف كاتب الأبوغالمسيس يوحنا ابن ذبدي الرسول القديس، نقدم لهذا النص وننشره محققًا على عدة مخطوطات يأتي ذكرها لاحقًا.
نسبها بعض الكُتَّاب من بينهم الأب جراف والأب أثناسيوس ترجيحًا إلى المؤتمن إسحق إبراهيم بن العسال أو الصفي بن العسال ولكن من خلال كتاباتهم وتخصصهم ووضع الصفي ابن العسال لبعض الخطب (أكثر من 26 خطبة) للأعياد والأحاد والأصوام يجعلنا نرجح أن هذه المقدمة السجعية من وضعه، لأنها عبارة عن خطبة لسبت الفرح، وتشهد بغزارة فهم ابن العسال للأسفار الإلهية العتيقة والحديثة وكذلك توظيفه الآيات في هذه الخطبة المسجوعة، والمنهج المتبع ضبط الحد الأدنى من الأخطاء وكذلك تقسيم النص فقرات وترقيمه، واستخراج الشواهد الكتابية الصريحة ووضعها داخل النص والضمنية في الهامش.
بنية النص:
أما عن هذه المقدمة فتبدأ بالعنوان (ف: 1)، ثم المقدمة اللاهوتية الشارحة للآلام الخلاصي للسيد له المجد فتحتوي على البسملة للأقانيم الثلاثة صفاتهم الأقنومية (ف: 2- 5)، ثم يبتدئ في سرد عمل الفداء وعمل الله الخلاصي ونزوله للجحيم وقيامته (ف: 6- 8)، ثم تقديم الحمد والشكر والسجود والابتهال (ف: 9- 12)، ويعدد من صفات الله وعلاقته بالإنسان (ف: 13- 42)، صفات وعمل اتقياه (ف: 43- 55)، وصف ليوم سبت النور وتذكار عمل الله فيه (ف: 56- 93)، وصايا للإنسان المسيحي بين أوامر ونواهي (ف: 94- 141)، عظمة سر الاتحاد بالمسيح في الإفخارستيا (ف: 142- 152)، رهبة والحضرة الإلهية (153- 163)، تحذير وسؤال (164- 167)، طلبة للشفاعة (168- 186)،عن يوحنا ورؤياه (187- 209)،عن القارئ والسامع للرؤيا (210- 231)، وفيها يذكر أخطاء القراء والنسخ (ف: 229- 230)، خاتمة (232- 242)،
مخطوطات النص:
النص:
[البسملة الثالوثية والصفات الأقنومية]
[فداء الله للبشرية وقيامته]
[الحمد والشكر والابتهال]
[صفات الله وعلاقته بالإنسان]
[صفات أصفياؤه]
[وصف ليوم سبت النور وتذكار عمل الله فيه]
[وصايا للإنسان المسيحي]
[عظمة سر الإفخارستيا وعدم التجاسر عليه بدون استحقاق]
[رهبة والحضرة الإلهية]
[تحذير وسؤال]
[طلبة للشفاعة]
[عن يوحنا ورؤياه]
[عن القارئ والسامع للرؤيا]
[خاتمة]
[1] أثناسيوس المقاري: 581. Graf. G, Geschichtc, II. p. 413. .
[2] (يو 15: 26).
[3] (لو 1: 67- 79).
[4] (لو 23: 42).
[5] (مز 85: 5)؛ (الحكمة 16: 6).
[6] (تي 3: 5).
[7] (مت 28: 20).
[8] (مز 121: 4).
[9] (مز 126 2: 3).
[10] (مز 141: 2).
[11] (لو21: 19).
[12] (لو 10: 20).
[13] (مز 40: 2).
[14] (مز 118: 24).
[15] (يو 19: 31).
[16] (إش 52: 7)، (أف 4: 8).
[17] (إش 61: 1)؛ (إر 34: 17).
[18] (مز 100: 4).
[19] (1 تي 6: 12).
[20] (مز 126: 4)؛ (إر 29: 14).
[21] (مز 60: 2)؛ (مز 147: 3)؛ (إش 30: 26).
[22] في المخطوط (بطرس رأس الرسل).
[23] (2 بط 3: 9).
[24] (مت 23: 27).
[25] راجع: أسامة رشيد السفار، المعرب والدخيل والألفاظ العالمية (دراسة نقدية تأثيلية في تاج العروس)، ص. 113.
[26] (مت 23: 26).
[27] (مز 2: 12).
[28] (أم 11: 5).
[29] (مت 6: 28).
[31] (مت 26: 28).
[32] (عب 12: 18- 23)
[33] (عب 8: 6)
[34] (لو 13: 25)
[35] (مز 78: 49 )؛ (سيراخ 5: 7 )؛ (لو 3: 7)؛ (يو 3: 36)؛ (رو1: 18)
[36] (يو 13: 25).
[37] (يو21: 20).
[38] (يو 21: 22).
[39] (يو 19: 26- 27).
[40] (رؤ 22: 18).
[41] (مت 25: 34).
[42] (مت 25: 33، 41).
اسم الكاتب:القس سامح إبراهيم
يبدأ إنجيل مرقس لا بأورشليم ولا بالهيكل، والصوت البشري الأول لا يصدر عن كاهنٍ أو رجلِ دينٍ رسمي. هناك في برية يهوذا، يضبط مرقس عدسة سرده لترصد اللقطة الأولى، وبطلها يوحنا المعمدان، رجلٌ بملابس بسيطة خشنة من وبر الإبل، وطعامه عسل وجراد البرية (مر 1: 6)، في مشهدٍ يعود بالقارئ/المستمع إلى الماضي البعيد، إلى نبي الشمال إيليا (2 مل 1: 8)، وإلى الماضي الأبعد، حين حفظ الله شعبه وأطعمهم عسل البرية ممزوجًا بطعم الحرية الذي كانوا قد عدموه طويلًا بسبب عبودية فرعون مصر (تث 32: 9-14).
يرتفعُ صوتُ المعمدان، في المرة الوحيدة التي ينطق فيها في إنجيل مرقس، مُبشرًا بمجيء “الأقوى،” قائلًا: “يأتي بعدي من هو أقوى مني” (مر 1: 7). اللقب “أقوى” ίσχυρότερός لن يرد مرة أخرى في رواية مرقس. في الفصل الثالث من روايته، يعرف القراء/المستمعون أنَّ يسوع هو “الأقوى” الذي ربط “القوي” (الشيطان) ونهب أمتعته (مر 3: 27).
يصدم القارئ صدمة شديدة وهو يترقب مجيء هذا “الأقوى” إلى مسرح الأحداث فيكتشف أنه من ناصرة الجليل. يكتب مرقس بطريقته المباشرة المختصرة شديدة الخشونة، قائلًا: “وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن” (مر 1: 9). الناصرة مدينة مغمورة. يخبرنا العالِم اليهودي Geza Vermes ، وهو مهتم بالعهد الجديد وبالبحث عن يسوع التاريخي، في كتابه Jesus and the World of Judaism، أن الناصرة مدينة حقيرة لا ذكر لها في العهد القديم، ولا في كتابات يوسيفوس، ولا في المشنا اليهودية ولا في التلمود، وأنَّ أقدم إشارة للناصرة، خارج العهد الجديد، جاءت في نقش أثري يؤرخ بالقرن الثالث أو الرابع الميلادي. أمّا الجليل عامة، فكما يقول Vermes، فكان يُنظر لأهله من أهل اليهودية على أنهم بُسطاء وفقراء وأهل الأرض، وكانت سمعتهم سيئة وبلا تعليم ديني حيث إنهم مقطوعون عن الهيكل وبعيدون عن مراكز التعليم في أورشليم، بل إنَّ “الجليلي” كان عادة ما يُشار إليه بلغة الأدب الربيني ب Gelilishoteh، أيْ الجليلي الغبي.
في حقيقة الأمر، يركز مرقس على انتماء يسوع إلى ناصرة الجليل، رغم كل ما يحيط بها من دونية. لاحظ جاك دين كينجسبري في كتابه The Christology of Mark’s Gospel أنَّ مرقس يُحيطُ إنجيله كله بالتأكيد على أنَّ بطل قصته ينتمي للناصرة (1: 9؛ 16: 6). حين ظهر يسوع على مسرح الأحداث، نقرأ أنه من ناصرة الجليل (مر 1: 9) وآخر إشارة ليسوع في الرواية، نقرأ كيف خاطب الملاك النساء في القبر عن قيامته بالقول “يسوع الناصري المصلوب. قد قام” (مر 16: 6). وما بين البداية والنهاية تتكرر حقيقة انتماء يسوع لناصرة الجليل كثيرًا (1: 24؛ 10: 47؛ 14: 67).
يُحبُّ الجميعُ المركز لا الهامش. الهامشُ متروكٌ بعيدًا، دون أضواء، الهامش لا يستقبل الثناء، مساحتُه مهضومةٌ من المتن، لا يجذبُ الانتباهَ، منبوذٌ، منسيٌّ، مهملٌ، تافهٌ. تبدأ الرواية وتنتهي بالناصرة المهمشة، في إصرارٍ لا يلين على وضع الهامش في قلب القصة، في مركز الأحداث. البرية مقابل الهيكل، الجليل مقابل أورشليم، قبر يسوع الناصري المصلوب مقابل قصر بيلاطس الحاكم، إنَّ رواية مرقس كلها هي قصة هذا الصراع، هذه المقابلات. يقول كينجسبري في كتابه Conflict in Mark، إنَّ قصة مرقس عن يسوع هي قصة صراع؛ صراع بين يسوع والقادة اليهود حول السلطة، من جهة، وصراع بينه وبين تلاميذه حول فهم حياة التلمذة والخدمة، من جهة أخرى. الصراع هنا صراع بين المركز والهامش، ينحاز يسوع فيه إلى البرية، لا إلى الهيكل، يختار الناصرة، لا أورشليم. من بداية الإنجيل ومرقس يرصد مجيء الممهد للرب إلى البرية ومجيء “الأقوى” نفسه إلى البرية. لاحظ Ched Myers في تفسيره المهم لمرقس Binding the Strong Man، كيف يحذف مرقس متعمدًا في اقتباسه من ملاخي 3: 1، في مفتتح إنجيله (مر 1: 2)، إشارة ملاخي لمجيء الرب إلى هيكله ويكتفي باقتباس العبارة “ها أنا أرسل ملاكي قدامك،” ليبرز معاداة يسوع للمؤسسة الدينية، الأمر الذي سيتضح في دخوله للهيكل في مرقس 11، وكأننا أمام الجزء الثاني من نبوة ملاخي “يأتي السيد إلى هيكله،” حيث أعلن السيدُ رفضَ الهيكل رفضًا نهائيًا.
يرتبط يسوع الهامشي، وأنا هنا أستخدم عنوان عمل العالم الكبير جون ب ماير، A Marginal Jew، الذي يُعتبر بمجلداته الأربعة واحدًا من أهم الأعمال عن يسوع التاريخي، بالمهمشين. يختار يسوع تابعيه من صيادي السمك (مر 1: 16-20). يصاحب في ولائمه المتكررة المنبوذين والعشارين والخطاة (2: 13-17). روايةُ مرقس هي روايةٌ عن يسوع الذي انتمى كُليةً للهامش وساكنيه. لا تجده يذهب في اتجاه بيت قائد مئة، الأمر الذي نقرأه في إنجيلي متى ولوقا مثلًا، في واحدة من المرات القليلة التي يتحدان فيها معًا ضد مرقس (متى 8: 5-13/لوقا 7: 1-10). لا يُحيطُ نفسَه بالأقوياء والقريبين من أصحاب النفوذ، ولا يذكر مرقس أن تابعًا من أتباعه كان معروفا من دوائر السلطة، مثلما يذكر الإنجيل الرابع عن التلميذ الذي كان معروفًا عند رئيس الكهنة (يو 18: 15-16). والرجل الغني الذي حاول أن يكرمه كان يوسف الرامي، وقد أكرمه بعد موته بدفنه (مر 15: 43)، بينما في حياته رفض غنيٌّ أن يتبعه و”اغتمَّ ومضى حزينًا لأنه كان ذا أموالٍ كثيرة” (مر 10: 22).
يذكر مرقس مرتين أنَّ يسوع احتضن أطفالًا. في صراع التلاميذ حول العظمة، قدم يسوع طفلًا واحتضنه واعتبر أنَّ من يقبل طفلًا مثله كأنه يقبل المسيح شخصيًا (مر ٩: 33-37). كذلك احتضن أطفالًا وباركهم، بعد أن حاول تلاميذه إبعادهم عنه وطردهم من حضرته (مرقس ١٠: 13-16). الطفل يمثل الفئات المهمشة التي تعتبر ناقصة الإنسانية في المجتمعات القديمة. الطفل غير منتج وغير مفيد اقتصاديًا ولا يساهم في المعارك ولا الصراعات. تلفت شرين دود في كتابها Reading Mark الانتباه إلى أن كل الأطفال المذكورين في الإنجيل كانوا غير نافعين لأحد، يحتاجون إلى العناية ولا يفيدون غيرهم؛ ابنة يايرس (5: 21-43)، ابنة المرأة الفينيقية (7: 24-30)، ابن الرجل الذي كان يعاني من شيطان الخرس (9: 14-27)، أو أنهم يخضعون لتحكم الأشرار كابنة هيروديا (6: 17-29). يسوع يحتضن الطفل وبهذا يعلن أنه قريب من الصغار، والوضعاء، الذين ليست لهم قيمةٌ.
لعلَّ مشهدًا بارزًا في إنجيل مرقس يدلل على هذا التوجه، وهو مشهد إشباع الآلاف في الأصحاح السادس (6: 30-44). يسوع محاط بالفقراء الذين لا يمتلكون قوت يومهم، يصر يسوع أن يشبعهم وينعش قوتهم الخائرة، يُجلس تلاميذُه الناسَ على العشب الأخضر، وهي عبارة تحيل القاريء، ضمن إيحاءات أخرى، إلى مزمور ٢٣ حيث يربط الراعي قطيعه في مراع خضراء. يتكيء الجميع في وليمة مدهشة معا، يتنقل الطعام من يسوع إلى التلاميذ ومنهم إلى الشعب. حين نعود، نحن قراء الإنجيل، إلى المشهد السابق مباشرة نقابل وليمة أخرى، وليمة ماجنة مميتة. يحيط هيرودس الملك نفسه، لا بعامة الشعب ولا المهمشين كيسوع “ملك اليهود” وممثل ملكوت الله، بل يحيط نفسه بالعظماء وقوات الألوف ووجوه الجليل. ترقص ابنة هيروديا وتطلب رأس يوحنا المعمدان على طبق يقطر دمًا. يتنقل الطبق برأس المعمدان، في مشهد دموي رهيب، من يد السياف إلى يد الصبية ومنها إلى يد أمها الشريرة. بينما يأمر يسوع التلاميذ أن يهتموا بالناس، لا يستطيع هيرودس الملك أن يحفظ حياة المعمدان. تنتهي وليمة هيرودس برفع جثة المعمدان (6: 29)، بينما تنتهي وليمة يسوع برفع اثنتي عشرة قفة مملوة خيرًا فائضًا (6: 43).
هذا الصراع بين الهامش والمركز نجده على مستوى شخوص رواية مرقس. في الاصحاح العاشر نجد مقابلة بين شخصيتين، الرجل الغني (10: 17-27) وبارتيماوس الأعمى (10: 46-52). بينما يظن التلاميذ أنَّ هذا الرجل الغني الذي يحفظ الوصايا منذ حداثته سيرث الحياة الأبدية، رجل في مكانته لا بد من أنه في المركز، يمضي هذا الرجل حزينًا من حضرة يسوع، يطويه النسيان ويختفي ولا يستمر وجوده على مسرح الأحداث إلا قليلًا. كان هذا الرجلُ الوحيدَ في مرقس الذي تُوَّجهُ له دعوةُ التبعية ويرفضها. كان هذا الرجل تربةً شوكية استقبلت كلمة يسوع لكن غرور الغنى منعها من الإثمار فانزوى بعيدًا وانتهى ذكره سريعًا سريعًا (قابل مر 10: 22 مع مر 4: 18). في مرقس ١٠، نرى بارتيماوس الأعمى، شخصًا على الهامش، “على الطريق” (مر 10: 46). في تفسيره لهذا النص يشير يوجين بورينج إلى أنَّ العبارة اليونانية παρὰ τὴν ὁδόνلم ترد إلا هنا وفي مثل الزارع (4: 4، 15؛ 10: 46). وفي تفسير جول ماركوس للنص يقول إنَّ الأعمى الجالس على قارعة الطريق يسمع عن يسوع الناصري، الأمر الذي كان بمثابة كلمة الرجاء له. يحاول كثيرون إسكاته وقتل كلمة الرجاء هذه، متخذين بذلك دور الشيطان وهو يحارب الكلمة محاولًا نزعها.
كان بارتيماوس هذا عنيدًا إلى أقصى حدود العناد وصُلب الإرادة إلى أقصى حدود الصلابة، أثار صخبًا عارمًا وكأنه بحرٌ مضطربٌ هائجُ الموج جعل الناس ينتهرونه كما انتهر يسوع البحر (قابل مر 10: 48 مع 4: 39). تنتهي قصة بارتيماوس الهامشي، الذي كان يجلس على قارعة الطريق في بداية القصة، παρὰ τὴν ὁδόν “على الطريق،” بأنه صار ἐν τῇ ὁδῷ “في الطريق” في المركز. على عكس الغني الذي منعه غناه من تبعية يسوع، يطرح الأعمى رداءه (10: 50) بكل ما فيه من عطايا ويأتي إلى يسوع ويتبعه في طريقه للصليب.
في الأصحاح الثاني عشر أرملة فقيرة لا تمتلك إلا فلسين تقف في مقابلة صارخة مع الكتبة الذين يأكلون بيوت الأرامل وفي مقابلة صارخة مع كل الأغنياء الذين ألقوا في خزانة الهيكل من فضلتهم (مر 12: 38-44). قدمت هذه الأرملة والمرأة التي سكبت قارورة الطيب كثير الثمن على رأس يسوع (مر 14: 3) مثاليْن للعطاء والبذل. كان يهوذا الإسخريوطي في المركز “واحدًا من الاثني عشر” لكنه عكس هذه المرأة التي سكبت الطيب، بحث عن الفضة، مفضلًا الأخذ على العطاء (14: 10-11). على عكس من يظنون أنفسهم في المركز ويستحقون المتكآت الأولى (12: 39) ويستحقون الثناء، مدح يسوع هذه الأرملة التي قدمت كل معيشتها، أو ὅλον τὸν βίον αὐτῆς (“كل حياتها”) وصارت إلى جانب ابن الإنسان الذي أتى “ليبذل نفسه” فدية عن كثيرين (10: 45).
أخيرًا أقول: طوباكم يا من تقتربون من المنبوذين! طوباكم يا من تخدمون بعيدَا عن الأضواء والمركز! طوباكم لأنكم بهذا تقتربون من يسوع، ملك المهمشين، الذي قلب الموازين رأسًا على عقب حين قال “لكنْ كثيرون أولون يكونون آخرين، والآخرون أولين” (مر 10: 31) وأعلن صراحة قانون ملكوت الله، قائلًا: “إذا أراد أحدٌ أن يكون أولًا فيكونُ آخرَ الكل وخادمًا للكل” (مر 9: 35)
اسم الكاتب :ق. بيتر وديع
مُقدّمة



تُناقش النسور هذا العدد أمرًا من أهم الأمور التي تواجه الإنسانيّة جمعاء، وهو الحرب، فمنذ قديم الأيام والحرب موجودة بين البشر بأشكال وأنواع مختلفة. وبالطبع يوجد رؤى وردود أفعال متباينة اتجاه الحرب، فأصبحت قضية الحرب ليست مجرد قضية عمليّة بل قضية فلسفيّة وأخلاقية ذات أهمية كبرى في مجال الفكر والفلسفة.
وفي إطار هذا السياق، رأينا أن نُقدّم لكَ عزيزي القارئ عرضًا لإحدى الأفلام التي تعرضت لقضية الحرب، ولا سيما من خلفية دينيّة شبه مسيحيّة، ورأينا ليس أن نُقدّم عرضًا فقط بل أن نُقدّم نقدًّا لهذا العمل السينمائي. وللتوضيح نؤكد أن النقد ليس نقدًا فنيًا بل نقدًا فكريًا ولاهوتيًا، وهذا ليس إلا على سبيل التفكير في هذا العمل الهام المُرتبط بتلك القضية الهامة، ومحاولة الاقتراب من هذه القضية بطريقة مختلفة.

عرض الفيلم
فيلم Hacksaw Ridge يُترجم حرفيًا: مرتفع المنشار. Hacksaw = مُنشار المعادن، Ridge = مُرتفع/قمة جبل. تمّ إنتاجه عام 2016م، وكان مِن إﺧﺮاﺝ ميل جيبسون، ﺗﺄﻟﻴﻒ روبرت شينكان. عُرضَ لأول للفيلم في العالم يوم 4 سبتمبر 2016م، مِن خلال مهرجان البندقية السينمائي الثالث والسبعون، حيث استُقبل بحفاوة بالغة.
الفيلم يروي قصة دوس شاب متدين، ينتمي للمذهب السبتي المسيحي، يعيش مع أسرته المكونة من الأم، الأب، الأخ، شارك والده فيه الحرب العالمية الأولى، وخرج منها شخصًا مريضًا نفسيًا يداوم على شرب الكحول، في يوم كاد الأب أن يقتل ابنه مِن كثرة الثمالة، حاول دوس الدفاع عن أخيه حتى كاد أن يقتل والده بالمسدس. مما جعله يشعر بالذنب، ومن هنا أخذ دوس عهد على نفسه ألا يقوم باستخدام المسدس مرة أخرى.
وفي يوم قام دوس بالذهاب إلى المستشفى للتبرع بالدم مِن أجل الجنود في الحرب، وهنا قابل دوروثي الممرضة الجميلة الرقيقة، كان حلم دوس أن يصبح طبيبًا، فمن هنا انجذب كثيرًا لدوروثي، ووقعا بالحب سويًا.
ثم بعد ذلك قام الجيش باستدعاء دوس للمشاركة في الحرب، لكن دوس كان رافضًا كليًا أن يستخدم السلاح في وجه أي إنسان، لأن ذلك مُخالف للوصية الدينية “لا تقتل”. ولأن القانون لا يسمح لأي شخص فعل شيء لا يريده، تم نقل دوس إلى قسم الخدمات والإسعافات الطبية، وبالطبع ذلك بعد مُعافرة من القيادات العسكرية بالجيش.
الجميع كان يرى دوس شخصًا جبانًا عديم الفائدة، قاموا بالتنمر عليه وحتى بالضرب، وهو بالمقابل كان شخصًا مسالمًا لا يريد أن يتعامل بالعنف مع زملائه إطلاقًا.
وأثناء الحرب العالميّة الثانية، ذهب دوس إلى ساحة المعركة، وما زال يُصمم على عدم استخدام السلاح ضد أي شخص. وعندما اشتدت حدة القتال بين الجيش الأمريكي والجيش الياباني، حاول دوس إسعاف عدد كبير من الجنود معرضًا حياته للخطر. وأثناء إسعاف أحد الجنود الأمريكان، لوحظ رؤيته من قبل الجنود اليابانيين فذهب مسرعًا لخندق للاختباء فيه.
وإذ فجأة ينظر أمامه ليرى جندي ياباني مصاب داخل الخندق فيقوم بإسعافه، ويأتي الليل ويذهب دوس إلى ساحة المعركة، لينقذ ما يمكن إنقاذه، فيقوم بإنقاذ عدد كبير من الجنود، تقريبًا ٧٥ جندي، عن طريق ربطهم بحبل ونزولهم عبر الجبل لتقوم سيارات الجيش الأمريكي بنقلهم إلى مخيمات الإسعافات.
وأثناء تفقد قائد الجيش المصابين لاحظ الارتفاع في شفاء عدد المصابين، الذين كانوا ٣٥ جندي فكيف أصبحوا ٧٥ جندي؟ فمر عليهم لسؤالهم عمن أنقذ حياتهم فكانت إجاباتهم جميعًا بأن الجندي دوس من أنقذنا وخاطر بحياته.
في النهاية تغيرت نظرة الجميع لدوس مِن أنه شخص جبان عديم الفائدة إلى أنه جندي شجاع خاطر بنفسه لينقذ غيره. استطاع دوس أن ينزل عبر الجبل مثلما فعل مع الجنود المصابين وتم نقله ومعالجته، وذهب قائد الجيش ليقدم له الاعتذار عما بدر منه من تنمر وسوء معاملة.
وينتهي الفيلم بمشهده الأخير باشتباك القوات الأمريكيّة واليابانيّة، واستسلام اليابانيين ورفع الراية البيضاء كخدعة، وبعدها يقومون برمي المتفجرات على الجنود الأمريكان، ويحاول دوس صد القنابل ورميها نحو الجنود اليابانيين، فيصاب وينقل على مخيمات الإسعافات.
تنتهي الحرب ويتزوج دوس من حبيبته دوروثي، ويأخذ وسام الشرف، ويظل دوس ودوروثي متزوجين إلى عام 1991م، وهو العام الذي تموت فيه دوروثي، ويلحق بها دوس في عام 2006م.
نقد الفيلم
مِن الواضح أن هذا الفيلم هو فيلم عظيم فعلًا من الناحية الفنيّة فالمخرج ميل جيبسون، هو مخرج عالمي، وله العديد من الأعمال العظيمة. ولكن نحن هنا ليس بصدد تقييم الفيلم من الناحية الفنيّة والسنيمائيّة، ولكننا بصدد التقييم فكري/ لاهوتي لهذا العمل. ونحن نرى أن لهذا الفيلم جانبين، أحدهمّا إيجابي والآخر سلبي، وسنقوم بذكر الإيجابي أولًا ثم السلبي.
الجانب الإيجابي
نرى في البطل العديد من الأمور الإيجابيّة، فهو متدين ومُتمسك بالعقيدة التي يتبنها، وهذا ما قاده لأن يكون مُسعفًا مُسالمًا، ولم يرد أن يمسك سلاحًا حتى أثناء الحرب. وهذا يُرينا أمرين في غاية الأهمية، أولًا هو أن يكون للشخص مبدأ، فليس من الجيد أن يكون الإنسان بلا مبادئ خلال رحلة الحياة، فمن المفروض أن يكون للشخص مبادئ واضحة ومنظومة قيم تحكم سلوكه وتصرفاته.
والأمر الثاني هو التمسك بتلك المبادئ، فليست القضية أن يكون للفرد منظومة قيم ساميّة وراقيّة، ولكن المسائلة تكمُن مدى التمسك بهذه المنظومة، ومدى تطبيقها بشكل عملي في الحياة. وبالتأكيد يُختبر التمسك بهذه القيم أمام التحديات وفي المواقف الصعب التي تكون ضاغطة، فمثل هي المحكات هي بمثابة الاختبار الحقيقي لهذه القيم.
الجانب السلبي
ينتمي بطل الفيلم إلى مذهب مُتشدد دينيًا وهو مذهب السبتيين، الذين يأخذون وصية تقديس يوم السبت بشكل حرفيّ، ولا يريدون أن يفعلوا أي فعل يوم السبت تطبيقًا لهذه الوصية.
ولم يرد بطل الفيلم أن يُمسك سلاح ولا أن يقتال في الحرب ضد أعداء وطنه، وذلك استنادًا على تأويل حرفي للنصوص المُقدّسة، فهو تمسك بشكل متزمت جدًا بالوصية التي تقول “لا تقتل”، في حين أن هذه الوصية تتكلم عن المبادرة في القتل، ولا تتكلم عن الدفاع عن النفس من زاوية، ومن زاوية أخرى تأتي هذه الوصية للأفراد، ولا تتكلم عن الدول والبلاد، التي تريد أن تحمي أوطانها.
وعلى كل حال، من الرائع أن نتمسك بالنصوص المقدّسة وأن يكون لدينا منظومة قيم دينيّة وأخلاقيّة. ولكن يجب دائمًا أن توخي الحذر من التشدد الديني الذي قد يقود للتطرف والتزمت، حيُث إن كل الجماعات المتطرفة دينيًا، تتبنى تفسيرًا حرفيًّا للنصوص، وهذا أمر في غاية الخطورة، ويجب أن نكون على وعي به، حتى لا نقع في هذ الفخ.
أخيرًا
تعتبر قضية الحرب من أصعب القضايا الأخلاقيّة، وليس من السهل أبدًا تحديد موقف بسهولة، وفيلم Hacksaw Ridge تعرض لهذه القضية بناءٍ على واقعة تاريخيّة حدثت بالفعل، ونحن لسنا بصدد الحكم أو إدانة أي شخص مهما كان توجه الفكري أو الديني، ولكننا أردنا أن نُفكر بشكل نقدي، ونُقيم هذا الفيلم بطريقة موضوعيّة، حتى نُحقق أقصى استفادة من الفيلم، ومِن ثمّ الاقتراب من قضية الحرب بطريقة جادة وموضوعيّة.