مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور سبتمبر 2022_العدد (7)

فهرس عدد سبتمبر 2022

  • افتتاحية رئيس التحرير: الإصلاح في مواجهة التحديات – د. ق. اندريه زكي.
  • في هذا العدد تقرأ بقلم مدير التحرير – ق. محسن منير.
  • ملف العدد:
  • الإصلاح الإنجيلي…. المفهوم والتاريخ- د. ق. نصر الله زكريا.
  • التحديات التي سبقت الإصلاح- ق. رفعت فتحي.
  • مبادئ الإصلاح الإنجيلي – ق. محسن منير.
  • العقيدة المميزة لوجه الإصلاح الإنجيلي – كهنوت جميع المؤمنين – قراءة مصرية سوسيولاهوتية – ق. عيد صلاح.
  • العبادة من البدء إلى القرن السادس عشر – نظرة عامة – ق. كرم لمعي.
  • الإصلاح الإنجيلي والإرسالية- د.ق. ثروت وهيب.
  • نساء الإصلاح بين التراث الأبوي وإصلاح الإصلاح – د. فينيس نقولا.
  • رؤية معاصرة للإصلاح الإنجيلي في الشرق – ق. سهيل سعود.
  • الإصلاح المجتمعي – ق. بيتر وديع
  • الفكر اللاهوتي والعلم – رؤية مسيحية مصلحة – ق. عادل عبد المسيح.
  • الإنجيليون والنهضة العلمية – ق. رفعت فكرى.
  • لماذا الإصلاح الإنجيلي؟ الإصلاح: ماض ومستقبل – الهوية الإنجيلية في المشرق العربي – د. ق. وجية يوسف.
  • عرض كتاب ” مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها” – أ. جرجس صبحي
  • شذرات كتابية – ش. أسامة رشدي.
  • ملحق النسور: مسيرة الفكر الإنجيلي – هل هي نقطة ثابتة ساكنة أم ديناميكية متحركة؟ – د.ق. فايز فارس تحرير وتقديم ق. عيد صلاح.

الإصلاح الإنجيلي والإرسالية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: .ثروت وهيب

أثناء فترة الزخم الأولى في بواكير تاريخ الكنيسة، اهتمت الكنيسة اهتمامًا بالغًا بالعمل المرسلي؛ ففي التاريخ الكتابي نرى التنامي السريع لوصول الكنيسة برسالة الإنجيل إلى أجزاء كثيرة من العالم. بدأت بالمركز الأول، أورشليم، وانتشرت إلى اليهودية فالسامرة وسعت للوصول إلى أقصى الأرض. ينتهي التاريخ الكتابي في العهد الجديد بوصول رسالة الإنجيل إلى قلب روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وكثير من المدن الكبرى كأنطاكية، وأثينا، وكورنثوس، وأفسس… وغيرها. استمر هذا الزخم في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ المسيحية؛ حيث استمرت جذوة العمل المرسلي مشتعلة من خلال آباء الكنيسة في عصر ما بعد الرسل، وتوجهت الجهود المرسلية لتصل حتى الهند وأرمينيا (لوريمر ج2 ص2) وأثيوبيا وكذلك للشعوب القوطية. (لوريمر ج3 ص146). وهكذا انتشرت رسالة الإنجيل وزادت رقعة الكنيسة بالرغم من وجود معارضات واضطهادات.

استمرت هذه الروح لعدة قرون، حتى أننا يمكن أن نقول إن تاريخ الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى هو تاريخ الإرسالية. لكن هذه الجهود المرسلية لم تستمر بنفس الكيفية؛ حيث طفت على السطح اهتمامات أخرى للكنيسة أخذت الكثير من الجهد. واجهت الكنيسة العديد من الهرطقات والتعاليم الغريبة وخاصة تلك المتعلقة بطبيعة المسيح. ساهمت هذه التحديات اللاهوتية في انقسام الكنيسة وابتعادها عن جوهر إرساليتها. وبالرغم من ضعف الجهود المرسلية المركزية، فإن هناك العديد من الاستثناءات، سواء من بعض الباباوات أو المرسلين الذين أخذوا على عاتقهم حمل رسالة الإنجيل لأماكن جديدة.

اصطدمت الكنيسة بالعديد من أحجار العثرة سواء من انحرافها عن الحق الكتابي الخاص بالخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع، أو بسبب انحراف قادتها الذين فضَّلوا المناصب والأموال عن حياة الخدمة والاتضاع. اقتضى هذا ظهور حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، والتي بدأها مارتن لوثر واستكمل مسيرتها العديد من المصلحين.

علاقة الإصلاح بالعمل المرسلي

أما بخصوص علاقة الإصلاح بالعمل المرسلي فهناك رأيان قد يبدوان متناقضين عن اهتمام المصلحين الأوائل بالعمل المرسلي.

أولًا: المصلحون أهملوا العمل المرسلي

يشير عدد من المنتقدين لحركة الإصلاح إلى أن المصلحين الأوائل كانوا غير مبالين بالإرسالية. يذهب البعض منهم في نقده إلى الحدِّ الذي جعل المصلحين مُعادِين للإرسالية. ويكتب في هذا الكاثوليكيُّ روبرت كاردينال بيلارمين، في القرن السادس عشر، مشيرًا إلى إهمال المصلحين (البروتستانت) للإرسالية: “لم يُقال أبدًا عن الزنادقة (أي البروتستانت) أنهم قد حولوا الوثنيين أو اليهود إلى الإيمان، ولكن فقط حولوا مسيحيين آخرين إلى طرقهم المنحرفة”. ((Bosch, 244.

ومن الأسباب التي أيَّدت هذا الادِّعاء عن المصلحين، أن عددًا من المصلحين -وعلى رأسهم لوثر- آمنوا أن الإرسالية العُظمى قد تحققت. في هذا الصدد يقول لوثر عن الوصية المرسلية: “لم يَعُد أحدٌ لديه مثل هذه الوصية المرسليَّة العالميَّة، ولكن كل أسقف أو راعٍ له كنيسة أو رعية معينة هو المُكلَّف بهذه الإرسالية”. (Braaten, 15). كان المصلحون مشغولين بالعالم المسيحي في أيامهم، لقد قاوموا الفساد الذي كان موجودًا في الكنيسة سوء من ناحية التعليم أو من ناحية السلوك. لقد كانت مشغوليتهم داخلية في الكنيسة، خاصةً في أوروبا، لذلك لم يهتموا بالعمل المُرسلي خارج الكنيسة.

رفض المصلحون الباباوية وكلَّ ما يتعلق بها رفضًا تامًّا. لقد أنكروا الدورَ العالميَّ الذي كان يدَّعيه الباباوات، وكان من نتيجة هذا الرفض أنهم رفضوا النشاط المرسلي الكاثوليكي الروماني نفسه. لقد تبرأ المصلحون من منهجية “الإرسالية البابوية” خاصةً تلك التي رافقت القوة العسكرية التي استعمرت بعض البلاد وجعلت سكان هذه البلاد يدينون بالمسيحية تحت الضغط. وضع المصلحون الأسس النظرية والعقائدية للحركات القومية المناهضة للاستعمار، مما ساعد في تقديم دعم شعبي واسع في تلك البلاد للإصلاح الإنجيلي، الذي وقف ضد البابوية ونشرها للدين تحت ضغط القوة الاستعمارية المسلحة.  (Verkuyl, 19). انتقد المصلحون النشاط المرسلي للكنيسية الرومانية الكاثوليكيَّة لأنه كان يتم من خلال الرهبان وليس من خلال عامة الشعب من رعايا الكنيسة. لقد رفض المُصلحون الرهبنة بكل ما تشمله أو تقوم به، بما فيه العمل المرسلي. لقد عابوا على هذه الممارسات أنها تمثل معايير مزدوجة للحياة المسيحية التي تفصل بين الرعية المسيحية والراهب الذي يقوم بالأعمال الصالحة من خلال الإرسالية. (Hagg, 99-100).

واحد من أهم الأسباب التي جعلت الاهتمام بالعمل المرسلي للمصلحين محدودًا هو تفسير ما جاء في إنجيل متى 28: 16- 20 عن الإرسالية العظمى. لقد ظن المصلحون أن هذا التكليف هو خاص بالرسل فقط ولا يخص من جاءوا بعدهم. ولقد عبروا عن هذا بالإشارة إلى أن الإرسالية لجميع الأمم قد تحققت بالفعل على نطاق عالمي في عصر الرسل. لذلك فعلى الكنيسة أن تعظ بالكلمة وتمارس الأسرار المقدسة في نطاقها الجغرافي المحلي فقط. (Braaten, 15).

ساد على فكر المصلحين مثل لوثر وميناثون القناعة بأن مجيء الرب سيحدث في وقت قريب جدًّا، وأن نهاية العالم ستأتي في وقت ما خلال القرن السادس عشر، لذلك لن يكون هناك وقت للكنيسة للقيام بالكثير من العمل المرسلي. (Braaten, 16). كذلك آمن بعض المرسلين بأن موارد الكنيسة محدودة ولا تحتمل صرفها في العمل المرسلي لشعوب، في ظنهم، رفضت رسالة الإنجيل ولا فائدة من الكرازة لهم. (Verkuyl, 19).

وكان لتحول الصراع اللاهوتي بين الكاثوليك والبروتستانت في السنوات التي تلت الإصلاح إلى صراعٍ عسكريٍّ في بعض المناطق في أوروبا دور كبير في ظن المصلحين أن مواردهم محدودة ولا تحتمل صرفها في مجالات لا طائل منها كما كانوا يظنون. (Verkuyl, 19).

أدى ضعف الوعي المرسلي وطبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الكنيسة في وقت الإصلاح وأطرها اللاهوتية الضيقة إلى أن تكون الاستجابة للعمل المرسلي محدودة جدًّا. هذا ما اقترحه ودافع عنه منتقدو حركة الإصلاح بحسب ما توفر لهم في عصرهم من حجج وبراهين. ولكن بالنظر إلى الصورة من وجهة نظر أخرى، يمكن القول إن المصلحين فهموا الإرسالية بصورة أخرى تخالف الصورة السابقة من إهمال للعمل المرسلي.

ثانيًا: كان للمصلحين توجه مرسلي

  • من ناحية الفكر اللاهوتي عن الإرسالية

على النقيض من الفكرة التي نادت بأن المصلحين لم يكُن لهم توجه مرسلي، فإننا نجد بعض العلماء يقترحون عكس ذلك. لقد دافع هؤلاء الدارسون عن المصلحين بالقول إنهم تبنوا توجهًا مرسليًّا يتناسب مع عصرهم ولاهوتهم. ففي الحديث عن توجهات لوثر المرسلية اعتُبِر لوثر مفكرًا مرسليًّا أصيلًا، ويمكننا أن نقرأ الكتاب المقدس من خلال عيني لوثر المرسلي. (Bosch, 244). لقد عبَّر لوثر عن إيمانه بالإرسالية ومجالها العالمي بتشبيه الإنجيل بحجر يُلقى في الماء فتنتج عنه موجاتٌ دائريةٌ تتحرك من المركز إلى الخارج، حتى تصل إلى أبعد نقطة ممكنة، كذلك تتحرك كلمة الله المعلنة بطريقة مماثلة من المركز إلى أقاصي الأرض. ((Hall, 235.

لقد كانت نقطة انطلاق لوثر في العمل المرسلي ليس ما يمكن أن يقوم به المؤمن أو الكنيسة لنشر رسالة الإنجيل، بل ما قام به الله في المسيح يسوع لأجل خلاص العالم. لقد زار اللهُ شعوبَ الأرض بتجسُّد المسيح، الذي هو نور العالم، والذي نشر هذا النور من خلال الكلمة المقدسة التي تجري وتنمو حتى اليوم الأخير. تكونت الكنيسة بدون مجهود بشري، مرسلي أو تعليمي، ولكن تكونت بطريقة تفوق حدود البشر، وذلك بواسطة كلمة الله. علم لوثر أن الإنجيل ذاته هو الذي يقوم بالعمل المرسلي ويجند في سبيل ذلك الأشخاص المناسبين. أساس الإرسالية في فكر لوثر ليس هو الكنيسة التي ترسل، أو المرسَل الذي يذهب، بل الله الذي يرسل كلمته لتصل إلى أقصى الأرض. لذلك لا يجرؤ واعظ أو مرسل أو خادم على أن ينسب لنفسه ولغيرته وحماسته أنه هو الذي يقوم بالعمل، ولكن هو عمل الله وحده الذي تؤسس عليه الإرسالية. (Bosch, 245).

 لا يعني هذا السلبية والانعزال، فالإيمان بالنسبة للوثر هو شيء حي ولا بد أن يكون عاملًا. وفي لاهوته يقرر لوثر أننا لا نخلص بالأعمال، ولكن لو لم تكن هناك أعمال، تتبع الإيمان، فهناك شيء ناقص في هذا الإيمان.  .(Bosch, 245)ذكر لوثر كذلك أنه لو وجد المسيحي نفسه في مكان لا يوجد فيه مؤمنون بالمسيح، فيجب عليه أن يعظ بالإنجيل للوثنيين الخطاة ويعلمهم إياه وذلك بدافع المحبة الأخوية حتى إن لم يكن هناك من يدعوه ليفعل هذا. كتب لوثر في تفسيره للصلاة الربانية وخاصة الطلبة التي تقول ليأتي ملكوتك:

“هذا ما نطلبه، أن يأتي ملكوت الرب، حتى نستمر -نحن الذين قبلنا الرب- مُخلِصين له وننمو فيه يوميًّا ولنعترف به ونتبعه ونعلن عنه بين الآخرين ليتقدم ملكوته وينتشر في كل إنحاء العالم. نحن نصلي بقيادة الروح القدس لكي يأتي كثيرون إلى ملكوت الله بالنعمة ويصبحون شركاء في الخلاص، حتى نبقى معًا إلى الأبد في هذا الملكوت الذي ظهر الآن بيننا”. ((Bosch, 246.

لم يكتب لوثر لاهوتًا مرسليًّا متكاملًا، ولكن يمكن تتبُّع فكره المرسلي من خلال تفسيره لبعض النصوص الكتابية المتعلقة بالإرسالية؛ ففي شرحه لرسالة رومية مثلًا يقول لوثر عن (رومية 10: 14): “لا يمكن للمرء أن يأتي للإيمان أو يقبل الروح لقدس قبل أن يسمع الكلمة، كما يقول بولس: “كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به” فإذا كان لهم أن يسمعوا كلمة الله فكان يجب أن ترسل إليهم أولًا”. (Plass, 957). وكذلك في شرحه لإنجيل مرقس الإصحاح الثامن يقول: “إن أسمى وأعظم عمل وأهم خدمة يمكن أن نؤديها لله على الأرض هي أن نجذب الآخرين، وخاصةً أولئك الموكلين إلينا، إلى معرفة الله من خلال الإنجيل المقدس”. (Plass, 958). كذلك في تعليقه على (غلاطية 22: 5) يضيف لوثر عن أسباب الفرح أنه يشمل الفرح لنجاح الإنجيل إذ يقول: “يفرح الله عندما ينتشر الإنجيل على نطاق واسع، وحين يؤمن الكثيرون، ويتسع ملكوت المسيح بهذه الطريقة”.  .(Plass, 957)

أشار لوثر للخطوات التي يتخذها المؤمن لمساعدة الآخرين في التعرف على المسيح وذلك في شرحه لإنجيل يوحنا 14: 12- 14 إذ يقول:

“ذلك فإن من يبدأ بمعرفة المسيح يبدأ في تعليم الآخرين وتشجيهم، فهو يعترف بما حصل عليه من عطية أمام الجميع، ولكنه كذلك يئن ويصلي لكي يأتي الآخرون للمسيح ليحصلوا على النعمة كما حصل هو عليها، لدى المسيحي المؤمن روح لا تهدأ، ففي الوقت الذين يتمتع به بالراحة السامية التي أعطاها له الله من خلال نعمته وسلامة، إلا أنه لا يستطيع أن يهدأ أو يخمل، ولكنه يجاهد بكل قوته كشخص يعيش لأجل هدف نشر إنجيل المسيح وإكرام الله وتسبيحه بين الناس ليجعل الآخرين أيضًا ينالون هذه النعمة ويكون هذا موضوع صلاته”. (Plass, 959).

يعطي لوثر الغرض الأساسي من استمرار وجودنا على الأرض في شرحه لرسالة بطرس الأولى 1: 3 فيقول: “إننا نعيش على الأرض ليس لأي غرض آخر سوى مساعدة الآخرين. وإلا فإن الله سيأخذ أرواحنا لنموت بمجرد أن نؤمن، لكنه يتركنا نعيش في هذه الحياة لكي نقود الآخرين إلى الإيمان ونفعل لهم ما فعله من أجلنا”. ((Plass, 960-1. وفي إحدى عظاته عن يوحنا 20، أشار لوثر إلى أهمية الخدمة للآخرين في تشبُّهنا بالمسيح، فيبرز لوثر دعوة المسيح لتلاميذه أنه كما أرسلني الآب إلى العالم أرسلكم أنا ويحث كل مؤمن أن يفكر بطريقة تشابه يسوع وذلك بأن “يقضي حياته في خدمة ومساعدة الجميع وإلا فإنه لا يجد شيئًا ليفعله كمؤمن على الأرض… لذلك فإنه كما أرسل الآبُ الابنَ هو يرسل المؤمنين أيضًا إلى العالم لكي يعلم كل مسيحي رفيقه الإنسان أن يأتي إلى المسيح”. ((Plass,960.

رغم أن الأفكار التي ذكرها لوثر كانت تتكلم بصورة إيجابية عن الإرسالية، إلا أن التطبيق العملي لها لم يؤدِّ إلى وجود حركة مرسلية تخرج خارج الكنيسة لنشر رسالة الإنجيل بين غير المسيحيين.

كان هناك لاهوتيون لوثريون آخرون في عصر الإصلاح الذين تكلموا عن الطبيعة المرسلية للاهوت، ولكن بطريقة أقل وضوحًا. أما كالفن فكان واضحًا لأن أفكاره اللاهوتية تتناول مسؤولية المؤمن في العالم بصورة جدية. لذلك فقد حث المؤمنين على تقديم كلمة الله بطرق متنوعة لأنها الوسيلة التي من خلالها يتعرف الناس على المسيح. ((Bosch, 251. وبالرغم من هذا فإنه لم يركز كثيرًا على صياغة شيء يُذكر كلاهوت للإرسالية، ولكنه مثل لوثر نبَّر على مسؤوليَّة المؤمنين نحو تقديم كلمة الله.

ولعل أبرز المصلحين المناصرين لفكرة أن الإرسالية العظمى لازالت ملزمة للكنيسة هو عالِم اللاهوت أدريان سارافيا (1531- 1613) والذي نادى بأن الإرسالية العظمى تُفهم بمعنى الذهاب إلى من يعيشون خارج حدود البلاد المسيحيَّة. كان سارافيا معاصرًا لكالفن. كتب سارافيا عن متى 28: 18- 20 فيما يخص الإرسالية العظمى أنه بإمكاننا الحصول على وعود يسوع لو أطعنا الإرسالية. وبالرغم من اختلاف البعض مع سرافيا في توجهاته المرسلية، فإنَّه طوَّر في علم اللاهوت المرسلي. لقد علَّم عن المواهب والتكليفات المختلفة لخدام الإنجيل الذين كلَّفهم الربُّ بإرساليَّته. كما جادل بأن الإرسالية العظمى لا تزال نشطة بالنسبة لنا اليوم، ولم تتوقف عند زمن الرسل كما نادى مصلحون آخرون. ولقد أثر هذا على جوستوس هيرنيوس وجيرتوس فوتيوس وهما من أهم اللاهوتيين الذين صاغوا اللاهوت المرسلي بصورة مركزة ساهمت في إحداث نقلة فكرية وعملية في النشاط المرسلي للكنائس المصلحة. (أوت، 21).

لعب فوتيوس (1586- 1676) دورًا محوريًّا في إثراء اللاهوت المصلح فيما يتعلق بالعمل المُرسَلي. لقد كان فوتيوس هو أول من وضع فكرًا لاهوتيًّا شاملًا للعمل المُرسَلي عندما صاغ الأهداف العظمى للإرسالية. لقد ذكر أن الهدف الأسمى والنهائي هو إعلان مجد الله ومدح النعمة الإلهية، والهدف الثاني هو غرس الكنيسة في العالم، أما الهدف الثالث وهو الهدف المباشر للإرسالية فهو قبول الأمم للإيمان. Bosch, 256)).

كان أساس الإرسالية بحسب فكر فوتيوس ينبع من قلب الله، وهو واحد من اللاهوتيين الذين صاغوا المصطلح المرسلي المعروف اليوم بـ”إرسالية الله Missio Dei”. لقد رأى فوتيوس أن من أهداف الإرسالية هو توحيد الكنائس التي كانت على شفا الانهيار أو تشتت بسبب الاضطهاد، كما نادى بأن العمل المرسلي سيعمل على تجديد الكنائس التي تراجعت لاهوتيًّا وروحيًّا، وسيعمل على مساندة الكنائس الفقيرة والمُضطَهَدة. اعتبر كذلك أن القيادات الدينية والتي تشمل البابا والأساقفة والأنظمة الطائفية هم وكلاء غير مناسبين للقيام بالإرسالية. ففي رأيه أن الكنيسة وحدها هي الحامل الشرعي لإرسالية الإنجيل فهي الكيان الوحيد القادر على غرس كنائس أخرى. ((Bosch, 257. ونادى بأن الكنائس الكبيرة التي تزرع كنائس صغيرة لا تملك حق الوصاية عليها، بل هي كنائس متساوية من حيث القيمة والرسالة. كذلك ناهض فوتيوس ممارسة أي نوع من القهر فيما يتعلق بالأمور الدينية، فأتباع الديانات الأخرى لهم الحرية في قبول أو رفض المسيح. (Jongened 1989- 128).

لعب كذلك المصلح اللاهوتي الألماني جوستنيان فون فيلز (1621- 1666) دورًا محوريًّا في حث الكنيسة الألمانية على العمل المرسلي. فقد كتب ثلاثة كتيبات تدعو بطريقة حماسية للانخراط في العمل المرسلي. فقد علَّم فيلز أن الإرسالية العظمى لازالت تتمتع بالشرعية الكاملة. وانتقد الكنيسة اللوثرية بسبب انحصارها في مجالها المحلي دون النظر لعالميَّة الإرساليَّة. بالرغم من المقاومة الشديدة لأفكاره المرسليَّة إلا أن تعاليم فيلز كانت سابقة لعصرها واتبعتها حركة العمل المرسلي التقوية بعد ذلك. ((Bosch,251-2.  بلغ حماس فيلز للعمل المرسلي الحد الذي قاده إلى الارتحال إلى سورينام في أمريكا الجنوبية عام 1666 ليخدم هناك كمُرسَل، ولكن افترسته الحيوانات الضارية دون أن يترك لنا أي آثار عن خدمته المرسلية. (أوت،20).

فرضت التطورات التاريخية واللاهوتية على حركة الإصلاح أن تطوِّر من فكرها اللاهوتي فيما يختص بالعمل المُرسَليّ. لقد لعب التطهريون والتقويون دورًا مهمًّا في نشر الفكر اللاهوتي للعمل المرسلي وتحفيز المؤمنين على الخروج لهذا العمل. استخدم التطهريون والتقويون العظات والترانيم والمؤلفات التي تتحدث عن الإرسالية في ترويج فكرهم. نحت بعض هذه الأفكار نحو الإثارة والحماس والاختبارات المشجعة وتغليبها عن الفكر. إلا أن جوناثان إدواردز عادل بين الفكر الكتابي والتجربة الشخصية في مؤلفاته إبان النهضة الروحية العظمى. كانت أفكار إدواردز بمثابة الوريد الفكري والروحي الذي غذَّى اللاهوت المُرسَلي في القرن الثامن عشر. (أوت، 21). كذلك فإن وليم كاري (1761- 1834) الذي سُمِّي بأبي الإرساليات الحديثة تأثر بدراسته للكتاب المقدس واطِّلاعه على تقارير المستكشفين عن دول أخرى في العالم. تولَّد في وليم كاري حماسٌ عظيمٌ للإرسالية قادَه ليكتب كتابَه الخالدَ المُسمَّى “بحث عن التزام المسيحيين باستخدام وسائل للإتيان بالأمم الوثنية إلى الإيمان” والذي نُشر عام 1792. حث هذا الكتاب ذو السبعة والثمانين صفحةً الكنيسةَ أن تعلن عن ملكوت المسيح إلى أقصى الأرض. (لوريمر، 150).

وهكذا تطور الفكر اللاهوتي المصلح فيما يتعلق بالإرسالية متأثرًا بالعوامل التاريخيَّة المعاصرة لكل فترةٍ. تطور الفكر من إهمال العمل المرسلي بل ورفضه في بعض الأحيان إلى تبلور فكر كتابي ولاهوتي يحث الكنيسة على القيام بالعمل المرسلي. أثر ذلك ليس فقط على الفكر، ولكن بالأحرى على ممارسة العمل المرسلي والقيام به بطريقة عملية، وهو ما سنتطرق إليه في الصفحات القادمة.

  • ممارسة العمل المرسلي

في بداية الإصلاح الإنجيلي، ونتيجة للأسباب السابق ذكرها، كان هناك تباطؤ في القيام بالعمل المرسلي. كانت هناك مبادرات صغيرة في القرنين الأولين للإصلاح، ولكنها تطوَّرت بعد ذلك لتكون واحدةً من أعظم الحركات المُرسَليَّة في التاريخ.

واحدة من الجهود المبكرة غير المكتملة هي التي قام بها جون كالفن عندما أرسل عشرات الكارزين لوطنه فرنسا، كما قام بتكليف أربعة مُرسَلين مع مجموعة من المؤمنين الفرنسيين بتأسيس مُستَعمَرةٍ في البرازيل عام 1555 لتكون مركزًا لانطلاق إرسالية تكرز للسكان الأصليين. ولكن فشلت هذه المبادرة عندما انشق أحد القادة وتحالف مع البرتغاليين الذين نهبوا المستعمرة وأنهوا الجهود المرسلية الوليدة. (تكر، 122).

كذلك قام المصلحون اللوثريون بجهود مُرسَلية إلى بلاد (لابلاند) في أوروبا (عام 1559) بتشجيع ومساندة الملك جوستاف ملك السويد. كانت هذه الجهود المبكرة تحمل دوافع سياسية وذهبت تحت سلطان الدولة متجهة للمستعمرات التابعة لها. ((Bosch, 245.

استمرت الجهود المرسلية في القرن الثامن عشر حيث وصل اللوثريون الدنماركيون بإرساليتهم إلى الهند عام 1706 من خلال مُرسَل شاب اسمه زيجنبالج، والذي خدم في ساحل الهند الجنوبي، ووجد مقاومة شديدة من الكاثوليك، ومن البراهمة الهندوس. لكن جهوده المرسلية وضعت أسسًا استراتيجيةً للعمل المرسلي؛ حيث ركز على أهمية تعليم القراءة والكتابة وأهمية وجود المدرسة بجوار الكنيسة في الحقول المرسلية. كما عمل على ترجمة العهد الجديد للغة التاميل وسعى لتكوين كنيسة وطنية مستقلة وبواسطة جهوده تأسست الكنيسة اللوثرية في جنوب الهند. (لوريمر 144).  

حدث نجاح ضئيل للعمل المرسلي البروتستانتي في القرن الثامن عشر؛ فلقد كانت الجهود المُرسَلية تتميز بالطابع الفردي وليس المؤسَّسي. فمثلًا ذهب أحد أشهر المرسلين البروتستانت في القرن الثامن عشر وهو كريستيان فريدريك شوارتيز (1724- 1798) للخدمة في الهند وكوَّن هناك كنيسةً هنديةً وطنيةً، ولكن بسبب عدم الاهتمام بخدمته من قِبَل الكنائس الأوروبية ضاعت كثير من نتائج الخدمة. هناك كذلك عمل هانز أيجيد في المناطق الجيلدية في جرنيلاند التي يسكنها “الأسيكمو” حيث وجد نجاحًا ضئيلًا، ولكن جهوده مهَّدت الطريق ليعرف الأسيكمو المسيح؛ إذ قام بترجمة الكتاب المقدس إلى لغتهم وتابع عمله من بعده مرسلون موارفيون ألمان. (لوريمر 145-6). لاقت هذه الجهود في القرن الثامن عشر معارضةً من القوى الأوروبية الاستعمارية ومن الكنائس الرئيسيَّة في أوروبا. اتَّسمت تلك المعارضة بالعديد من المواقف السلبية، سواء نحو الشعوب المكروز لها، أو بسبب ضعف وسائل العمل المرسلي، وضعف التخطيط الاستراتيجي.

من أهم الجماعات التي قامت بالعمل المرسلي في القرن الثامن عشر وما بعده هي جماعة (المورافيين). نشأ المورافيون في وسط أوروبا، واتخذوا النهج التَّقَوِيّ في لاهوتهم وحياتهم. كان قائد هذه الجماعة التاريخي هو الكونت زينزندورف الذي تزعَّم الحركة المُرسَليَّة المورافيَّة وألف عشرات الترانيم وقاد حركة الكرازة العالمية. (تكر، 126-30).

انتشرت جهود المورافيين المرسلية لتشمل جُزُرَ فرجين وجرنيلاند وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا. ( .(Bosch, 252وصل المورافيون بخدمتهم المُرسَلية إلى مصر عام 1752 حيث خدموا في كلٍّ من القاهرة والبهنسا لمدة ثلاثين عامًا، من خلال عددٍ من المُرسَلين الذين استخدموا الكرازة والعمل الطبي وتوزيع أجزاء من الكتاب المقدس في خدمتهم (للمزيد عن خدمتهم في مصر، انظر ثروت وهيب، وعبد المسيح اسطفانوس، 54-5).

لعبت جماعة الأنابابتست دورًا بارزًا في العمل المرسلي كإحدى الجماعات النابعة من الإصلاح الإنجيلي. ركزت هذه الجماعة على مناهضة الدور السياسي للكنيسة وأن يكون التركيز هو تقديم رسالة الإنجيل إلى أقاصي الأرض. وذهبوا بجهودهم المُرسَلية إلى العالم الجديد في أمريكا الشمالية والجنوبية وإلى بعض الأجزاء في أوروبا. قبلت حركة الأنابابتست فكرة لوثر عن كهنوت جميع المؤمنين، وفي نفس الوقت قامت بتطويرها. بينما كان لوثر لا يزال يؤمن بمبدأ الإبراشيات المحدَّدة محليًّا، والمناصب الكنسية المحصورة في هذه المناطق المحددة جغرافيًّا؛ نبذ الأنابابتست فكرتي المنصب الكنسي الخاص وتحديد خدمة المسيحي في المنطقة التي يتواجد بها. ساعدهم هذا على اعتبار ألمانيا وكل البلاد المحيطة بها بمثابة حقول مرسلية، دون الأخذ في الاعتبار أية حدود بين الإبراشيات والأسقفيات. كان يتم اختيار الوعاظ وإرسالهم بصورة منظَّمة إلى العديد من بلدان أوروبا. كان نَصُّ الإرسالية العظمى بحسب بشارتَي متى ومرقس هو أكثر نص كتابي يظهر في اعترافات الأنابابتست بالإيمان وفي شهادتهم في المحاكم. كما كان الأنابابتست من أوائل من جعلوا الإرسالية فرضًا على كل المؤمنين. وعليه أصبحت أوروبا في نظرهم مرةً أخرى حقلًا مرسليًّا. كما كان في وقت الرسل، كان يجب تقديم الإيمان المسيحي إلى العالم الوثني. لم يكن مشروع الأنابابتست هو إصلاح الكنيسة الموجودة، بل استعادة المجتمع المسيحي الأول الأصيل للمؤمنين الحقيقيين. لقد كانوا يرون أنه لا يوجد فارق بين الإرسالية في أوربا “المسيحية”، والإرسالية بين غير المسيحيين. ((Bosch, 246-8..

نتج عن هذه الجهود المرسلية بواسطة الجماعات التَّقَوية والتطهُّرية تنامي الروح المرسلية وبلورة الفكر المرسلي البروتستانتي ووضع لبنات القرن المرسلي العظيم، وهو القرن التاسع عشر.

لقد شهد القرن التاسع عشر نهضة عظيمة جدًّا اجتاحت الكثير من مناطق العالم لنشر رسالة الإنجيل. هناك عدة أسباب أدت إلى حدوث تلك النهضة المرسلية وتشمل زيادة الاكتشافات العلمية التي سهَّلت الاتصالَ والسفر، وتنامي الوعي المرسلي، وكذلك إنشاء عدد كبير من الهيئات المرسلية سواء التابعة للطوائف القائمة مثل الكنيسة الأنجليكانية والكنائس المعمدانية والمشيخية وغيرها. كذلك نشأت هيئات لا طائفية كبيرة اتخذت على عاتقها الوصول إلى عدة مناطق في العالم. ظهرت كذلك العديد من الكتب والدراسات الخاصة بلاهوت العمل المُرسَلي وطرق القيام به، ودخل هذا الفكر إلى كثيرٍ من كليَّات اللاهوت. (لوريمر، 148).

ظهرت في القرن التاسع عشر العديد من أسماء المرسلين الرُّوَّاد الذين أثروا تأثيرًا ممتدًّا على العالم المسيحي، ومنهم وليم كاري (الهند)، هيدسون تايلور (الصين)، ليفنجستون (أفريقيا)، جون هوج (مصر)، هنري مارتن (إيران)، روبرت موريسون (الصين)… وغيرهم. (لوريمر148-160).

خاتمة

بدأت الجهود المُرسَليَّة التي بذلها المصلحون الإنجيليُّون بداياتٍ صغيرةً وبسيطةً نتيجةً لعدة عوامل كما أشارت هذه الدراسة. استغرق الأمر أكثر من قرنين حتى تبلور الفكر اللاهوتي المصلح المتعلق بالعمل المُرسَليّ، وبالتالي ممارسة وتطبيق العمل المُرسَليّ. اتضح من هذه المسيرة أن الكنيسة المصلحة في بدايتها انحصرت في قضاياها الذاتية ومعركتها الشخصية دون الانتباه لدعوة الله المُرسَليَّة. ولكن الله لم يترك كنيسته في انحصارها وتقوقعها حول ذاتها، بل حرَّكها من خلال جهود بعض الأفراد أو الجماعات المُصلَحة. أدى هذا إلى تنامي الاهتمام بالعمل المرسلي وصياغة لاهوت للعمل المرسلي، ممَّا ساعد على زيادة انخراط الكنيسة والهيئات المسيحية وحماس كثير من الشباب للذهاب برسالة الإنجيل إلى أقصى الأرض.

مرَّت الكنائسُ الإنجيليَّةُ في الشرق الأوسط بمراحل مشابهةٍ؛ حيث انحصرت في البداية حول ذاتها في مراحل التأسيس، وأصبحت تتمركزُ حول الخدمة داخلها للمنتمين إليها، وإصلاح الواقعِ الروحيّ والكنسيّ في بلادها. ولكن بتطوُّر الفكر والتطبيق يمكن فتح آفاق جديدة وعديدة للكنيسة في الشرق الأوسط، لكي تقوم بالعملِ المُرسَليّ بنفسها ولا تنتظر مساعدة الغرب في القيام به. هناك آفاق غير محدودة للكنيسة الإنجيلية في الشرق الأوسط لتعلم عن الإرسالية وتمارسها وتساعد آخرين على القيام بها. وفي النهاية، فإن الكنيسة التي تقوم بالعمل المُرسَليّ هي كنيسةٌ حيَّةٌ نابضةٌ ناهضةٌ تدرك دورَها وتفهم أنها موجودةٌ لتحقيق إرساليَّةِ الله في هذا العالم. 

المراجع

أولًا: المراجع العربية

اسطفانوس، عبد المسيح، البهنسا: لمحة من تاريخ المسيحية بمصر في القرون الأولى، القاهرة: المركز الثقافي القبطي، 2017.

أوت، كريج، ستيفن استرواس، تيموثى تينينت، دراسة في عبور الثقافات، ترجمة: نبيلة حنا، القاهرة: الناشر العربي، 2013.

تكر، روث ا. إلى أقصى الأرض، ترجمة وجدي وهبه وماريانا كتكوت، القاهرة: رؤية للطباعة، 2013.

رايت، كريستوفر، إرسالية شعب الله، ترجمة: هدى بهيج يوسف، القاهرة: دار الثقافة، 2014.

لوريمر، جاك تاريخ الكنيسة، الجزء الخامس، ترجمة: عزرا مرجان، القاهرة: دار الثقافة، 1991.

وهيب، ثروت، العمل المرسلي في مصر، القاهرة: دار رسالتنا وكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، 2020.

ثانيًا: المراجع الإنجليزية

Bosch, David. Transforming Mission: Paradigm Shifts in Theology of Mission American Society of Missiology Series   New York: Orbis Books, 1991, 390-1.

Braaten, Carl e. The Flaming Center. Phildelphia: Fourth Press, 1977.

Hagg, William Richey.  The Rise of Protestant Missionary Concern, 1517-1914, an article in The Theology of the Christian Mission.  Edited by Gerald H. Anderson.  London: SCM Press, 1961.

Jongeneel, J.A.B.  The Protestant Missionary Movement up to 1789; an article in Missiology:  An Ecumenical Introduction.  Edited by F.J. Verstraelen.  Grand Rapids: William B. Erdmans Publishing Company, 1995.

Plass, Ewald M.  What Luther Says:  An Anthology.  Vol. II.  Saint Louis:  Concordia Publishing House, 1959.

Verkuyl, J.  Contemporary Missiology:  An Introduction.  Translated and edited by Dale Cooper.  Grand Rapids:  William B. Eerdmans Publishing Company, 1978. 

الإصلاح الإنجيليُّ.. المفهوم والتاريخ

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب :الدكتور القس نصر الله زكريا

يحتفل الإنجيليُّون حول العالم كل عامٍ، بذكرى حركة الإصلاح الإنجيلي والتي يؤرخ لانطلاقها رسميًّا عشيّة يوم عيد جميع القديسين الموافق الأربعاء 31 أكتوبر 1517، حيث علَّق الراهب الأوغسطينيّ مارتن لوثر على باب كاتدرائيّة جميع القديسين في جوتينبرج، قائمة بخمسةٍ وتسعين اعتراضًا على ممارسات الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة، والتي رأى أنها الخاطئة، كان على رأس هذه الاعتراضات ما عُرِفَ بـ”صكوك الغفران”، و”ذخائر القديسين”، وقد تُرجمت هذه القائمة بما احتوته من اعتراضات إلى الألمانية -لغة الشعب آنذاك- وطُبِعت ووزِّعت على نطاقٍ واسع، وفي غضون شهرين انتشرت هذه أطروحة لوثر وبلغت جميع أنحاء أوروبا، إيذانًا بنهاية العصور الوسطى، وانطلاقة عصر النهضة الدينيّة والعلميّة والصناعيّة الذي غيَّر تاريخ أوروبا والعالم.

الإصلاح.. المعنى والمفهوم

يأتي جذر كلمة “الإصلاح” من الكلمة اللاتينيّة “Repairare“، والتي تعني العودة إلى المسار الصحيح، أو إعادة التشكيل، ويُعبِّر فعل “الإصلاح“، عن تحسين مقصود في الشكل أو الحالة القائمة للمؤسسات أو الممارسات وما إلى ذلك؛ ويهدف إلى إحداث تغيير لافت للأفضل في الشؤون الاجتماعيّة أو السياسيّة أو الدينيّة. (القاموس البريطاني، الإنترنت). وكثيرًا ما يُشير “الإصلاح”، إلى البدء من جديد لتغيير المرء طريقه إلى الأفضل ليُصبح شخصًا جديدًا، (توماس هيوز، أكسفورد، 1861، الإنترنت). وللمفارقة، فإنَّ المعنى الحرفي للإصلاح يقف على النقيض من الفهم المعاصر للكلمة، ففي حين يُظهِرُ المعنى الحرفي للكلمة ارتباطًا وثيقًا بالعودة إلى الأصول والبدايات؛ فإنَّ المفهوم المُعاصر للكلمة ينحو نحو الحداثة، والتجديد والتغيير إلى الأفضل، وأصبح من الطبيعي أن يُنظر إلى الإصلاح على أنَّه مطلب للتكيّف مع الحداثة؛ دون التخلي عن الجذور والأصول. يرتبط هذا الجانب ارتباطًا وثيقًا بحقيقةِ أنَّ الإصلاح -على عكس معناه الحرفي- هو مفهوم مجازي. ومن السهل ملاحظة أنَّ “الإصلاح” أصبح يُستخدم تقريبًا كاستعارة عامة لبناء بعض الاستعارات المفاهيميّة الفعالة المستَخدَمة في الحجة: الإصلاح هو صراع، الإصلاح طريقة للعيش، الإصلاح علاج، وفي كل هذه الاستعارات، يتم توجيه الإصلاح دائمًا نحو الإيجابيّة، والتطلع دائمًا إلى الأمام؛ إنه نوعٌ من الكرازة لأجل مستقبلٍ أفضل (C. Frevel، Tradition of reform as reform of tradition: some considerations on the relation of religion and reform، 2021، الإنترنت). ويَظلُّ المعنى الأكثر شيوعًا، عندما تتردد أو تُستخدمُ كلمة “الإصلاح“، تُشيرُ دائمًا إلى الأفكار والأنشطة الدينيّة التي بدأت إرهاصاتها في أوروبا خلال العصور الوسطى، وخاصةً في القرن السادس عشر، لمحاولة تغيير وتحسين الأحوال الدينيّة وتنقية العقيدة والعبادة المسيحيّة من الشوائب التي كانت تُمارسها الكنيسة الرومانيّة، آنذاك، والعودة ثانيةً إلى الكتاب المُقدس، وهو ما أدى إلى نشأة الكنائس الإنجيليّة اللوثرية والمُصلحة.

الإصلاح الديني.. التاريخ والتأريخ

مع أنَّ الإصلاح الديني انطوى على كثير من المحطات التاريخيّة، منها على سبيل المثال: الإصلاحات البوذية لشرح وتوضيح تعاليم بوذا 300 ق.م؛ انعقاد مجمع نيقيّة المسكوني سنة 325م، لتوضيح عقيدة الثالوث؛ حركة المُعتزلة في القرنين الثامن والعاشر؛ الإصلاح الإنجيلي 1517م؛ الإصلاح الكاثوليكي المُضاد وانعقاد مجمع ترينت 1545م؛ المدارس النقديّة التاريخيّة في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ المجمع الفاتيكاني الثاني للكنيسة الكاثوليكيّة 1962-1965م. إلَّا أنَّ استخدام مصطلح “الإصلاح” تاريخيًّا، يبقى أكثر خصوصيّة وحصريّة في حركة الإصلاح الإنجيلي التي انطلقت فعالياتها في القرن السادس عشر بقيادة مارتن لوثر وجون كالفن وآخرين.

الإصلاح الإنجيلي.. الدعاوى والأسباب

مرَّ بنا أنَّ أحد معاني “الإصلاح“، هو العودة إلى النموذج الأول، وتصحيح وتقويم وتنقيّة النموذج الحالي ليُشابه جذوره، ويُعبِّر عن حاضره، ويستشرف مستقبله، وهذا ما حدث في كنيسة العصور الوسطى، فقد ابتعدت عن الكنيسة الأولى الفتيّة العفيّة، والتي استطاع حفنة من تلاميذ المسيح أن يفتنوا المسكونة كُلَّها (أع 17: 6)، ولم يثنهم الاضطهاد عن إيمانهم، بل زادهم قوةً وثباتًا في الإيمان، والذين أُجبروا على ترك بيوتهم وأوطانهم كانوا يحملون معهم إيمانهم حيثما رحلوا وحيثما حلَّوا، حتى أنَّ الكتاب المقدس يُسجِل أنَّ «الَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ» (أع 8: 4)، وقد سجَّل الروح القدس أنَّهم «فَتَنُوا الْمَسْكُونَةَ» (أع 17: 6).

وقد استمرت الكنيسة الوليدة، وأعضاؤها من المؤمنين يعانون أشد أنواع الاضطهاد والتعذيب، ورُغمًا عن ذلك كانت الكنيسة تنمو وتزداد قوةً وعددًا كل يومٍ، فمن جهةٍ، حيث «كَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ» (أعمال 2: 47)، ومن جهة أخرى، كانت الكنيسة تُثبتُ نقاء إيمانها، وتؤكد على حياة الشركة بين أعضائها، لم يكن للمؤمنين الجدد أيَّة أسبابٍ أو إغراءاتٍ تجعلهم يتركون وثنيتهم وينضمون لكنيسة المسيح سوى الإيمان الحقيقي والحي بشخص وعمل وخلاص المسيح.

انتشرت الكنيسة المسيحيّة إلى ربوع الأرض، وأصبح لها خمسة مراكز أو كراسي قياديّة، فهناك الكرسي الأورشليمي ومقره أورشليم، والبطرسي ومقره روما، والأنطاكي ومقره أنطاكيّة، والمرقسي ومقره الإسكندريّة، وأخيرًا القسطنطيني ومقره القسطنطينيّة، لكنَّ الكنيسة استمرت واحدة موحدة، وقد استمر الحال هكذا حتى عام 312م، حيث زعم الإمبراطور قسطنطين Constantine بأنَّه اعتنق المسيحيّة، وبعده بنحو 70 عامًا، أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطوريَّة الرومانيَّة، وذلك خلال حكم ثيودوس Theodosius. وبحلول عام 400م، أصبحت كلمة روماني أو مسيحي تحمل نفس المعنى.

وبعدما أصبحت المسيحيّة الديانة الرسميّة للدولة الرومانيّة، تغيَّر شكل الكنيسة، وأصبحت العبادة تميل إلى الطقسيّة، واتجهت الكنائس للعمارة باهظة الثمن، ودخلت الأيقونات والجداريات لتُشكِّل جزءًا ملموسًا من العبادة الكنسيّة، وفيما بعد تم تقديس البشر وخلع هالات القداسة على مَن رحل منهم، وكثير من الأشياء التي أضيفت إلى بساطة عبادة الكنيسة الأولى (القس نصر الله زكريا. روَّاد الإصلاح الإنجيلي. 2017، ص 10). وقد تعددت الدعاوى والأسباب التي من أجلها كانت الحاجة لثورة إصلاحيّة كبرى، ومنها:

  • طغيان وفساد الباباويّة، لقد طغى سلطان الباباوات على كل سلطة دينيّة أو مدنيّة، للدرجة التي وصف فيها البابا إنوسنت الثالث «Innocent III»، نفسه وباباوات الكنيسة قائلًا إنَّه: «ممسوح من الرب، إله فرعون، وسيط بين الله والإنسان، أدنى من الله، لكنه أعلى من الإنسان، يُحاكِم الجميع ولا يحاكمه أحد»، كما أعلن البابا بونيفاس الثامن «Boniface VIII»، أنَّه «لا بد وأن يخضع للبابا كلُّ مخلوق بشري يريد الخلاص». ومع تنامي وازدياد ثروة البابا ورجال الإكليروس، زاد الانغماس في حياة الترف والمجون، حتى أنَّ بعض الباباوات والإكليروس كان لهم أطفال غير شرعيين، و ظهر في القرن العاشر اتجاه قوي ينادي بضرورة زواج رجال الدين حتى يتجنبوا مثل هذا الفساد الأخلاقي، ويمكنهم توريث أبنائهم كل هذه الثروات، بشكلٍ شرعي.
  • انتشار ظاهرة السيمونيّة، وهي المُتاجرة بموهبة الله في الكنيسة، ولاسيّما في الرسامات الكهنوتية عن غير استحقاق، وذلك عن طريق الرشوة، وانتشرت السيمونيّة وسط الإكليروس في تلك العصور، حتى أنَّ مؤرخًا يُدعى توماس ماينر، سجَّل شهادته عن هذه الفترة قائلًا: «إن الشيطان قد أدخل كل النبلاء إلى دائرة الكهنوت، وأجلسهم على كراسي الأساقفة».
  • صكوك الغفران، كان نتيجة احتياج الكنيسة للأموال، لتعويض خسائرها في قيادة الحروب الصليبيّة من جهة، وللنهضة الفنيّة في بناء وتعمير وزخرفة الكاتدرائيات من جهة أخرى، أن تفتق ذهن القيادات الدينيّة وعلى رأسها البابا سيكستوس الرابع Sixtus IV (1471-1484)، ليدَّعي أن هذه الصكوك تمنح رجاءً وغفرانًا للموتى، في مقابل ما يدفعه أقرباؤهم من أموال يشترون بها تلك الصكوك، (Patrick, James A. Renaissance and Reformation. 2007. p. 1231). وقد كان مندوبو البابا يُنادون بأنَّه لا توجد خطيّة مهما عظمت لا تستطيع صكوك الغفران التكفير عنها ومحوها. كما كانوا يقولون: «إن مفعول الصكوك لا يتوقف عند الأحياء فقط، بل يتناول الأموات أيضًا»، وكانوا يرددون قائلين: «إنَّه في اللحظة التي ترن فيها نقودكم في قاع الصندوق تنطلق النفوس من المطهر وتطير حرة إلى السماء، إن الرب إلهنا لا يملك فيما بعد، بل سلَّم كل السلطان للبابا». وهي الأقوال التي أثارت حفيظة المُصلح مارتن لوثر متسائلًا: «أغفران الله يُباع ويُشترى؟ أهذا ما تُعلِّم به الكنيسة؟ أهذا هو تعليم الكتاب المقدس؟» وقد كانت قضية صكوك الغفران من أهم الاعتراضات التي كتبها لوثر في أطروحاته التي علَّقها على باب كاتدرائية ويتنبرج، ومنها كانت صيحة الإصلاح التي دوت في تاريخ الكنيسة. (القس نصر الله زكريا، ص 19-20).

الإصلاح الإنجيلي.. رجالٌ وأبطال

إنَّ اللهَ الذي “لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ” (أعمال 14: 17)؛ أقام لنفسه في كل زمانٍ شاهدًا وكارزًا بالحق الكتابي كما أعلنه الروح القدس، ومع بدايات الانقسام الكبير بين الكنيسة في الشرق والغرب، وظهور التعاليم الغريبة عن كلمة الله المقدسة، وقف رجال الله الأمناء ينادون بالحق، حتى وإن أُزهِقت أرواحهم على يدِ مَن كان يجب عليهم أن يكونوا في الصفوف الأولى للشهادة والكرازة. والجدير بالذكر أنَّ لوثر لم يكن أول المُصلحين؛ فقد سبقته أجيالٌ وأجيال من رجال الله الأمناء الذين وقفوا في الثغر وقدموا حياتهم لقاء إعلان تصحيح مسار الكنيسة والعودة به إلى الأصول والجذور الكتابيّة، ويُمكن تبين ثلاث مراحل مرَّ بها الإصلاح الإنجيلي في تاريخ الكنيسة وصولًا لانطلاقه ثورة شاملة غيَّرت الكنيسة والتاريخ، وكان لكل مرحلة رجالها وأبطالها المُصلحون:

أولًا: مرحلة الروَّاد الأوائل ومحاولات إصلاحيّة

  • كلوديوس التوراني Claudius of Turin (810- 827)، الذي كان يعمل مفسرًا للكتب في البلاط الملكي الإسباني، وقد رقاه الإمبراطور عام 814م، ليكون أسقفًا على توران، وعندما وصلها وبدأ خدمته فيها، وجد أنَّ الكنائس ممتلئة بالصور والأيقونات، ومزخرفة بالأزهار والأكاليل، فأمر في الحال بنزع كل هذه المظاهر والصور بما فيها الصلبان، لقد كان كلوديوس صوتًا إصلاحيًّا متقدمًا بقرون على حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، لكنَّه كان مدافعًا عن واحدٍ من مبادئ الإصلاح الشهيرة، هو «مجد الله وحده».
  • جيرارد الفرنسي، حيث أسس حركة إصلاحيّة، وكنيسة صغيرة بالقرب من نامور في منطقة اللورين غربي فرنسا عام 914م، وأُلحق بها ديرًا ذا نظامٍ خاص، ومع أن هذه الحركة ظلَّت محليّة، إلا أنَّها هدفت إلى دعوة أوروبا إلى المسيحيّة، وتطهير حياة رجال الإكليروس الشخصيّة من الخطايا التي كانوا مُستَعبَدين لها، وقد بدأ هؤلاء الرهبان المُصلحون تنفيذ برنامجهم بدعمٍ من البابا ليو التاسع، ومن بعده بعض الباباوات المصلحين وعلى رأسهم البابا غريغوريوس السابع Gregory VII.
  • الكاثريون The Cathari، ومعنى الكلمة «الأطهار»، ويعتقد البعض أنَّ هذه الجماعة امتداد لعصر الرسل حيث توارث أعضاؤها الإيمان ومبادئ الحياة المسيحيّة الطاهرة، وقد شهد عنهم القديس برنارد الذي عاصرهم وعرف عظمة ونقاء حياتهم، مع أنَّه قاومهم ظنًّا منه أنهم أعداء البابا، فقال: «إن سألت عن إيمانهم فليس هناك ما يمكن أن يكون أشد مسيحيّة، وإن لاحظت سلوكهم فليس هناك ما يمكن أن يكون أكثر نقاوة، ما يقولونه بالفم يحققونه بالعمل، فترى الواحد منهم لا ينقطع عن الكنيسة، يُكرِمون الشيوخ، يقدمون عطايا، يداومون على الاعتراف والشركة، أما من حيث الحياة والسلوك فلا يغشون إنسانًا، ولا يشُون بأحدٍ، ولا يفعلون الضرر بغيرهم، يصومون كثيرًا، ولا يأكلون خبز الكسل، بل يشتغلون وبأيديهم يكسب قوتهم».
  • بطرس فالدو Peter Waldo، بطرس فالدو، مؤسس الفالدينيّة، كان تاجًرا ومن وجهاء مدينة «ليون» الفرنسيّة، وذات يوم أثناء حضوره لاجتماع مجلس المدينة، حدث أن توفي أحد أصدقائه فجأة، فتأثر بهذا الحدث جدًّا، وراح يفكر ويتساءل لربما انتقل هكذا فجأة، فإلى أين سيكون مصيره؟ وقد باع ممتلكاته وبدأ يحيا حياة الفقر الاختياري ولأنه كان يريد أن يعيش الإنجيل عيَّن اثنين ليترجما له الكتاب المقدس إلى اللغة المتداولة، وكان هذا من بدايات ترجمات الكتاب المقدس، وكان فالدو يُشجع العمل الكرازي واتخذ من أسلوب المسيح نموذجًا، فكان يُرسل أتباعه اثنين اثنين للتبشير والخدمة، لابسين ثيابًا بسيطة، معتمدين في معيشتهم على عطايا سامعيهم. وقد تميَّز الفالدنيون بأن جعلوا الكتاب المقدس مركزًا لحياتهم، واتخذوا من أسلوب المسيح الكرازي نموذجًا لهم، وإذ حرمهم رئيس أساقفة ليون، ردد فالدو، قول بطرس الرسول: «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ» (أعمال 5: 29)، وقد عانى الفالدنيون كثيرًا، ولكنهم لم ينكروا إيمانهم، وأسسوا كنيسة في قلب روما، مازالت شاهدة عن إيمانهم، وقد ذهب إليهم البابا فرنسيس معتذرًا عما لحق بهم من اضطهادٍ في العصور الوسطى.
  • أخويّة الحياة المشتركة، مع انطلاقة القرن الرابع عشر والخامس عشر، بدأت تنتشر الصوفيّة عند بعض المفكرين، ومنهم «إيكهارت Eckhart» في ألمانيا، وجيرهارد جروت Gerhard Groot، في هولندا، وقد أكدا على أهميّة الحياة التكريسيّة الداخليّة، وأنَّ الله يولد داخل القلوب، وقد كان من مساهمات أخويّة الحياة المشتركة، ترجمة الكتاب المقدس، والصلوات باللغة الهولنديّة حتى يستطيع الناس العاديون قراءتها، وساعدوا في انتشار المدارس لتعليم جيلٍ جديد تحت شعار «لمحبة الله وحده».

ثانيًا: إرهاصات الإصلاح الإنجيلي وقيادات فاعلة

أعقب هؤلاء المُصلحين جيلٌ آخر، فاعل ومؤثر وقد مهَّد تمامًا لانطلاق ثورة الإصلاح الإنجيلي، وكان على رأس هذه المرحلة: 

  • جون ويكليف John Wyclif، (1328- 1384)، مُصلِح ولاهوتي ومترجم مسيحي إنجليزي. تخرج في جامعة أكسفورد وعُيِّن أستاذًا فيها، عمل مستشارًا لاهوتيًّا لملك إنجلترا. وكان كاهنًا لكنيسة لترورز، واكتسب شعبية واسعة، إذ كشف حياة الترف التي كان الإكليروس يحبونها وتورطهم في المشكلات السياسيّة التي لا شأن لهم بها، وكانت وسيلته في نقاشه معهم أفكار القديس أوغسطينوس وفلسفته، كما هاجم سلطة البابا، وتعرَّض للضرائب التي كانت تفرضها الكنيسة على الأمراء وذوي النفوذ بدعوى العشور. وقد وعظ مرة قائلًا: «إن الإيمان بقوة الإنسان في عمل الخلاص هو هرطقة روما العظمى، ومن هذا الخطأ جاء خراب الكنيسة، إن التجديد يأتي من نعمة الله وحدها، وأن الإيمان هو عطيّة الله، إنه يطرح جانبًا كل استحقاق بشري»، وفي هذا يؤكد ويكليف على مبدأين من أهم مبادئ الإصلاح الخمسة، «النعمة وحدها» و«الإيمان وحده». كما كان من أهم إنجازات ويكليف ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنجليزية الدارجة، لغة عامة الشعب. لذا استحق أن يُطلق عليه «كوكب صبح الإصلاح»؛ إذ كان ويكليف مُصلِحًا سابق عصره وزمانه.
  • جون هس John Huss، (1372- 1415)، مفكر ديني، وفيلسوف ومصلح تشيكي. ولد من أبويين قرويين. تعلَّم في جامعة تشارلز في براغ، وبعد حصوله على درجتي البكالوريوس والماجستير رُسم كاهنًا عام 1401م، وقد صار فيما بعد «أب اعتراف» الملكة صوفيا، كما عُيِّن أستاذًا في الجامعة وواعظًا في كنيستها المسماة بيت لحم. تأثر هس بتعاليم جون ويكليف المصلح الإنجليزي تأثُّرًا واضحًا في أعماله وكتاباته. كان لجون هس تأثير كبير على حركة الإصلاح البروتستانتي وعلى مارتن لوثر نفسه، الذي كتب فيه قائلًا: «إذا اعتُبر مثل هذا الرجل هرطوقيًّا، إذًا لا يمكن أن يُنظر إلى أي إنسان تحت الشمس كمسيحيٍّ حقيقيٍّ». وقد ترك جون هس تأثيرًا في أتباعه الذين آمنوا بأفكاره ومبادئه، وأسسوا فيما بعد الكنيسة المورافيّة، والتي اشتهرت بالعمل المُرسلي، وفي عام 1752م، أرسلت تلك الكنيسة مُرسلًا إلى بلادنا العزيزة “مِصر“، هو الدكتور وليم هوكر William Hooker، واستمرت خدمة الكنيسة المورافيّة في مصر حتى نهايّة القرن الثامن عشر (القس نصر الله زكريا، ص 32-34).

ثالثًا: زعماء الإصلاح وانطلاق ثورة الإصلاح الكبرى

كان الليل قارَبَ على الانقضاء وانبلاج الفجر، وشروق شمس الإصلاح الإنجيلي، وكانت اللحظة التاريخيّة مناسبة، فقد أعدَّ الله الزمان وأمده بالرجال والتكنولوجيا المناسبة في ذلك الوقت؛ إذ كان لاكتشاف الطباعة صدى مؤثر في حركة الإصلاح. أمَّا اللحظة الفارقة، فكانت يوم علَّق المُصلِح الأشهر مارتن لوثر أطروحته، التي تلقفها شعبٌ قد فاض به الكيل من ممارسات الكنيسة، ورجال اختبروا نعمة الله في بلدان متفرقة كفرنسا وسويسرا وإيطاليا وغيرها، ومن هؤلاء نذكر: 

  • مارتن لوثر Martin Luther، (1483- 1596)، راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، وأحد أهم رجالات الإصلاح الكنسي في أوربا، اعترض على ممارسات الكنيسة الكاثوليكيّة، وقدَّم اعتراضاته للبابا رأسًا وعلق هذه الاعتراضات على باب كاتدرائية وتنبرج عام 1517م، ونتيجة رفض البابا لمناقشة هذه الاعتراضات، طُرِدَ من الكنيسة الكاثوليكيّة، فأسس حركة إصلاحية عمَّت غالبية كنائس أوربا في ذلك الوقت. وكان من أهم الأفكار اللاهوتية التي أطلقها الإصلاح هو مبدأ الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان بالمسيح مخلصًا. وأنّ الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد المعصوم من الخطأ فيما يتعلق بالأمور المختصة بالإيمان. وقد أكَّد على أنَّ «الإيمان بالنعمة وحدها»، كما اعترض على ما تُعلمه الكنيسة عن ممارسة العشاء الرباني، قائلًا: «إننا لا نخلص لأننا نتناول من العشاء الرباني، بل لأننا خلصنا بالإيمان الذي هو عطيّة الله نتناول من العشاء الرباني». وقد ترجم الكتاب المقدس من اليونانيّة إلى الألمانيّة، ودعا الجميع إلى قراءة وتفسير الكتاب المقدس، وأثرى المكتبة الإنجيليّة بأكثر من 450 كتيبًا، وثلاثة ألاف عظة.
  • هالدريش زونجلي Huldrych Zwingli (1484- 1531) أحد أهم قادة الإصلاح الكنسي في سويسرا، حيث تخرج في جامعة فيينا وبازل، ورُسم قسًّا، وتأثر بكاتبات إرازموس في الحركة الإنسانية، ولقد صاغ زونجلي أهم المبادئ التي قامت عليها حركته الإصلاحية في رسالتين هما: “الدين الحقيقي والدين الزائف” عام 1525؛ “النظام” عام 1530. اعتقد زونجلي بأنَّ العشاء الرباني ليس أكلًا فعليًّا لجسد المسيح، ولكنه رمز لاتحاد الروح بالرب والمؤمن بالجماعة المسيحية، وكان يُقدِّم الخبز والنبيذ معًا، مرة كل ثلاثة أشهر.
  • جون كالفن John Calvin، (1509- 1564)، وقد ترعرع «كالفن» في وسط كاثوليكي لكنه تعرَّف وتأثر مبكرًا بتعاليم المُصلحين «لوثر» و«زونجلي»، وكان له أصدقاء كُثر من البروتستانت، حتى أنَّه كان مواظبًا على حضور اجتماع إنجيلي في باريس. كانت باريس نقطة التحول في حياة «كالفن»، حيث بدأت صيحة عقيدة التبرير بالإيمان تُدوِّي هناك بدءًا من عام 1512م، ومن قلب جامعة «السوربون»، كان هناك، جيمس ليفيفر، ووليم فاريل، وابن عمه «أوليفتان»، الذي ترجم الكتاب المقدس إلى الفرنسيّة، والذي نصحه قائلًا: «إن الديانة الصحيحة ليست هي تلك المجموعة من الطقوس والفرائض التي تفرضها الكنيسة على تابعيها، اترك صياحهم قائلين: الآباء، المعلمين، الكنيسة. واصغ للأنبياء والرسل وادرس الكتاب المقدس». ثم كتب كالفن كتاب «مبادئ الديانة المسيحيّة»، وصدر في طبعته الأولى عام 1535م، هذا الكتاب الذي رفع «كالفن» إلى مصاف قادة الكنيسة المُصلحة، وقد شهد عن هذا الكتاب، فيليس قائلًا: «كان هذا الكتاب أول أثر لاهوتي أدبي لحركة الإصلاح الفرنسيّة»، وهكذا أصبح «كالفن»، قائدًا لحركة الإصلاح البروتستانتي في فرنسا. وقدَّم كالفن في عام 1541م، دستورًا كنسيًّا يشرح فيه الكثير من الأمور العقائديّة مثل العِماد والعشاء الرباني، والعمليّة كالزواج وحريّة اختيار شريك الحياة بعيدًا عن إرغام الأهل وتدخلاتهم، كما أكدَّ على المساواة بين الرجل والمرأة، وطوَّر النظام الإداري لإدارة الكنيسة المحليّة، وتكلم عن الرعاة، والمعلمين، والشيوخ، والشمامسة. وقد وصلت جملة مؤلفاته إلى تسعة وخمسين كتابًا مطبوعًا، كما وعظ عددًا غير محدود من العظات الكتابيّة من كلا العهدين.

وتوالى المُصلحون الذين أقامهم الله على إصلاح كنيسته، ومنهم:

مارتِن بُوتسر Martin Baucer (1491- 1551)؛ الذي شارك في كتابة العديد من دساتير الكنائس المُصلحة. جوليوم فاريل Guillaume Farel (1489-1565)؛ ساهم مع كالفن في تحويل مدينة جينيفا إلى “روما البروتستانتية”. جون نوكس John Knox (1514- 1572)، الذي كانت له اليد الطولى في نقل اسكتلندا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية؛ هنريش بولينجر Henrich Bullinger (1504- 1575) نظَّم كنيسة زيورخ[1]، ووحَّد الكنتونات السويسرية، أصدر قانون الإيمان السويسري الأول عام 1536م، وقانون الإيمان السويسري الثاني 1566م، برز كمستشار للكنيسة المُصلِحة عمومًا، وترك عدد هائل من التفاسير والرسائل والعظات، الأمر الذي دفع المتخصصين لاعتباره من أبرع لاهوتيّ عصر الإصلاح.

ختامًا

ما دامت الكنيسة موجودة في هذا العالم، فإنَّ الإصلاح حركة لا، ولن تنتهي، وقد أقام الله الكثير من المُصلحين الذين سبقوا ذلك العصر والذين أتوا بعده، وعمِلوا على بث الروح من جديد في كنيسة المسيح، فهناك سحابة من الشهود نذكر منها: «جوناثان إدوارد» (1703- 1758)، و«جون وسلي» (1703- 1791)، و«جورج هوايتفيلد» (1714- 1770)، و«تشارلز سبرجن» (1834- 1892)، و«كارل بارت» (1886- 1968)، و«سي إس لويس» (1898- 1963)، و«صموئيل حبيب» (1928- 1997).

وإذا تأملنا في عصرنا الحالي نجد الكثير من القادة العِظام الذين يعملون عمل الرب بأيدٍ غير مرتخيّة ويقودون الكنيسة حسبما أراد المسيح لكنيسته أن تكون.

إنَّ كنيسة اليوم تدين بالشكر، لله ولروحه القدوس أولًا، وثانيًا لجميع هؤلاء الرواد والقادة وزعماء الإصلاح، الذين حافظوا على الإيمان ونور الإنجيل حتى تكون الكنيسة بحق نورًا يُضيئ للعالم.

فتحيّة لهؤلاء المُصلِحين جميعًا.

 

 

أهم المراجع:

  1. دوبينياه، العلَّامة ميرل. تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر. (بيروت: مكتبة المشعل، 1983، ط3).
  2. دياب، د. القس عيسى. مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيليّة ولاهوتها. (بيروت: مدرسة اللاهوت المعمدانية العربية، 2009).
  3. ريتشارد، م. هانيولا. أبطال الإيمان. ترجمة إيريني مكرم. (القاهرة: الرابطة الإنجيليّة في الشرق الأوسط، -).
  4. زكريا، د. القس نصر الله. روَّاد الإصلاح الإنجيلي. (القاهرة: دار الفكر الإنجيلي للترجمة والنشر والتوزيع، 2017).
  5. زكي، الدكتور عزت، تاريخ المسيحيّة. المسيحيّة في عصر الإصلاح. (القاهرة: دار التأليف والنشر الأسقفية، 1980).
  6. فتحي، القس رفعت. الإصلاح الإنجيلي، حتميّته وتأثيره. (القاهرة: دار الفكر الإنجيلي للترجمة والنشر والتوزيع، 2017).
  7. لوريمر، جون. تاريخ الكنيسة، الجزء الرابع (ترجمة عزرا مرجان). (القاهرة: دار الثقافة، 1990).
  8. ميلر، أندرو. مختصر تاريخ الكنيسة، الجزء الثاني (القاهرة: كنيسة الأخوة، 1972، ط2).

مواقع إلكترونيّة:

  1. https://www.wikipedia.org
  2. https://www.britannica.com/event/Dacke-War
  3. https://www.mtsu.edu/first-amendment/article/1064/protestant-reformation
  4. http://mb-soft.com/believe/tah/helvconf.htm

[1] http://mb-soft.com/believe/tah/helvconf.htm

الإصلاح المجتمعي

اسم الكاتب: القس بيتر وديع

مُقدّمة

في أكتوبر من كل عام، تحتفل الكنائس المُصلحة في كل العالم، بذكرى الإصلاح الإنجيلي الذي قام في القرن السادس عشر، على يد الراهب الألماني مارتن لوثر. والسؤال المطروح علينا ونحن بصدد هذه الذكرى، هل عندما انطلق الإصلاح الديني في أوروبا كان له تداعيات في المجال العام أم ظل حبيس المجال الديني فقط؟ وهل الإصلاح مقتصر فقط على الأمور الدينيّة أم المجتمعيّة أيضًا؟ وهل الكنائس المُصلحة لها دور في عملية الإصلاح المجتمعي؟ وهل للكنيسة دور إصلاحي تجاه القضايا التي تواجه الإنسان وكوكب الأرض اليوم؟

نظرة تاريخيّة على تأثير الإصلاح الديني على المجتمع

انطلق الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر، في ظل فساد ديني واجتماعي وسياسي ساد لفترات طويلة فيما يُسمى بالعصور المُظلمة؛ إذ كانت الكنيسة تدَّعي أنها سلطة الله على الأرض، وأنها المصدر الوحيد للخلاص وغفران الخطايا. واستحوذت المؤسسة الكنسية ورجال الإكليروس على تفسير الكتاب المقدَّس، وكان غير مسموح لباقي الشعب أن يقرأ أو يُفسر الكتاب المقدَّس، وادعوا أن تفسيرهم هو الحق المُطلق غير القابل للنقاش.

في عام 1517م، قام الراهب الألماني مارتن لوثر بتفجير ثورة الإصلاح ضد استبداد البابا ورجال الدين، وهاجم عملية بيع صكوك الغفران، التي كانت الكنيسة تبيعها للفقراء مقابل مبالغ ضخمة واهمة إياهم بأنهم يملوكن أماكن في السماء لهم ولموتاهم. وكان لحركة لوثر صدى كبير في المنيا وإنجلترا؛ لأنه واجه سطوة الكنيسة، وأنار الظلمات من خلال أفكاره التي أكدت على عدم وجود سلطة بين الخالق والمخلوق، وعملت على ترجمة الكتاب المقدَّس للألمانيّة، ليكون مُتاحًا للجميع، وأكدت على عدم وجود تمييز بين الإكليروس والعلمانيين، ونادت بكهنوت جميع المؤمنين، وأن الخلاص مُقدّم بالنعمة ويُحصل عليه بالإيمان وليس بالأعمال.

            كان لحركة الإصلاح هذه أثر كبير على المجتمع فيما بعد؛ فالإصلاح لم يقتصر على الأمور الدينيّة فقط، بل شكَّل وعيًا عامًّا، وأحدّث نقلة في طريقة التفكير في الله، ومِن ثمّ السلطات الحاكمة، وأيضًا فتح الباب أمام الجميع لحريّة تفسير النص الديني، ومِن ثمّ إعمال العقل والحثّ على التفكير النقدي حتى في المُقدسات. وحفز الإصلاح حريّة الفرد مما أنتج تشجيعًا للحكم الديمقراطي في مقابل الحكم الثيوقراطي الذي كان سائدًا، وحريّة العقيدة، والرأي، والتعبير. كما كان لحركة الترجمة -ولاسيما مع ظهور الطباعة على يد يوهان جوتنبرج في ذلك الوقت- أثر على إنتاج الكتب ونشر المعرفة.

ومن المعروف تاريخيًّا أن بعد عصر الإصلاح دخلت البشريّة إلى عصر جديد وهو عصر التنوير، الذي أعطى مساحة حقيقية لإعمال العقل ورفض الكثير من الأمور الغيبيّة، ومراجعة المُسلمات حتى الدينيّة الموروثة، وامتحانها في ضوء العقل والمنطق الإنساني، وبدأ عصر العلم والاكتشافات في كل العلوم سواء الإنسانيّة أو التجريبيّة، وبدأ التطوير في الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة. وانتقل التاريخ، والإنسانيّة والحضارة، مما يُعرف بعصر ما قبل الحداثة إلى ما يُعرف بالحداثة. وكل الفضل يرجع إلى حركة الإصلاح الديني الإنجيلي في أوروبا.

الكنيسة المُصلحة والإصلاح المجتمعي

تطور الفكر المُصلح مع الوقت ورسم لنفسه ملامح عديدة، ومع صعود التنوير والحداثة، بدأت الكنيسة المُصلحة ترى أن الإصلاح ليس قيد الشأن الديني، ولكنه يمتد للشأن العام المجتمعي أيضًا، لذا اهتم الفكر المصلح بتطور بالإنسان وتنميته، وأيضًا بإصلاح الأنظمة المجتمعيّة، التي تنظم علاقة البشر ببعضهم البعض، وذلك بناءً على عقيدة الكنيسة نفسها في الفكر المُصلح. فالكنيسة ليست هدفًا في حد ذاتها، ولكنها تشير لما هو أبعد منها، فهي تشهد عن المسيح. والكنيسة ليست مبنى أو مكانًا، بل هي جماعة المؤمنين الشاهدين على عمل الله في حياتهم. في فكر ما قبل الإصلاح كانت الكنيسة مصدر الخلاص، ويجب أن يأتي الناس إليها حتى يخلصوا، ولكن في الفكر المُصلح الخلاص في المسيح فقط، وعلى الكنيسة أن تكون جزءًا من المجتمع، وتسعى للتأثير فيه، وتعمل على تنميته وتطويره.

لذا نرى اهتمام الكنائس المُصلحة -غير الأصوليّة- بالعمل الاجتماعي التنموي، ونجدها تؤمن أن تنمية المجتمع جزء لا يتجزأ من رسالتها وإرساليتها، فهي موجودة من أجل الإنسان، وليس العكس. فنرى اهتمام الكنائس المُصلحة، بالتعليم وتأسيس المدارس، لبناء الوعي منذ الطفولة. والاهتمام ببناء المستشفيات لمساعدة المرضى، وغير القادرين على العلاج. والاهتمام بالاندماج مع المجتمع المدني من خلال الجمعيات الأهليّة التي تسعى لتنظيم المجتمع، وتمكين أفراده من خلال بناء قدراتهم.

ولكن -للأسف- مع تطور حدّة الحداثة ظهرت الليبراليّة اللاهوتيّة التي رأت أن في العمل الاجتماعي كل رسالة الكنيسة، ورفضت الرسالة الروحيّة، والأمور الفوق طبيعية. ومن الناحية الأخرى ظهرت أيضًا كرد فعل لليبراليّة حركة أصوليّة مُضادة ترى أن لا علاقة للكنيسة بالعمل الاجتماعي، ولا بد من انحصار دور الكنيسة في العمل الروحي الخلاصي فقط. وتأرجحت الكنيسة المُصلحة بين هذين الاتجاهين المتطرفين. ولكن دائمًا كعادة التاريخ يظهر بعد كل تطرف محاولات جادة للاتزان، وبالفعل ظهرت تيارات محافظة، ولكن مستنيرة، ترفض الأصوليّة المُنغلقة، ولكن دون أن تغرق في الليبراليّة.

ويرى التيار المُصلح المحافظ المستنير أن للكنيسة دورين متساويين في الأهميّة، وهما دور روحي خلاصي أبدي، ودور اجتماعي تنموي زمني، وبالتالي لا تتنازل الكنيسة عن هويتها ودورها التاريخي في إعلان خلاص يسوع المسيح، وأيضًا لا تتغافل عن المجتمع التي هي جزء منه وتتفاعل بإيجابية مع السياق المُعاصر لها كجزء أصيل من رسالتها.

 الإصلاح الديني والإصلاح المجتمعي

ومما سبق قد تتساءل عزيزي القارئ أيهما أهم هل الإصلاح الديني أم الإصلاح المجتمعي؟ وبالنظرة السريعة للتاريخ منذ ظهور الإصلاح، وبالتأمل في واقع حياتنا، سنجد ببساطة أن كلاهما وجهان لعملة واحدة.

فالإصلاح الديني يُعالج الفكر من جذوره ويجعل الفرد يُغير منظوره في الله والإنسان والوجود، ويجعله يُفكر دينيًّا/ إيمانيًّا بطريقة أكثر عقلانيّة، ويربط المؤمن بالواقع، ولا يفصل بين العقيدة والحياة، ويفتح الباب الدائم للمراجعات، وعدم أخذ الآراء كمسلمات، بل يحث باستمرار على التفكير النقدي، وإعمال العقل في النص الديني، ويُزيل التمييز ويقضي على الطبقيّة بين رجال الدين وباقي المؤمنين. وبالتأكيد كُل هذا يقود إلى إصلاح مجتمعي وتطوير في حياة الأفراد والمجتمعات، ويخلق سعيًا لحياة أفضل، وارتقاء بنوعيتها، دون تمييز أو تعصب.

ومن الناحية الأخرى، نرى أن الإصلاح المجتمعي يسعى إلى الاهتمام بالتعليم، وتطوير منظومته، من خلال تعزيز التفكير النقدي في العمليّة التعليميّة. وأيضًا يؤكد على الاهتمام بنوعيّة حياة الفرد وتحسينها، والاهتمام بالمجتمعات المهمشة والفقيرة، والعمل على المساواة بين الجنسين، وخلق بيئة ملائمة للعمل، والحفاظ على الموارد البيئية واستثمارها، ونبذ العنف والتطرف، والتأكيد على القيم التي تدعم التعدديّة، واحترام الآخر، وبناء السلام في المجتمع. وبالتأكيد كُل هذا يقود إلى إصلاح ديني، فكل هذا يجعلنا نرى النص بطرق أكثر انفتاحًا، ونرى أن العقيدة لا بد وأن تكون مرتبطة بالحياة، وتدفعنا على بناء الإنسان في كل جوانبه.

لذا يُمكن استنتاج أن العلاقة طرديّة بين الإصلاح الديني والإصلاح المجتمعي؛ فكلما زاد أحدهما يزيد الآخر أيضًا بالضرورة، وكلما تدهور أحدهما يتدهور الآخر أيضًا تلقائيًّا. إذًا لا بد من سعينا جميعًا -أفرادًا ومؤسسات- على العمل المزدوج في كليهما، حتى نُحقق إصلاحًا أصيلًا ومُتكاملًا، يعمل على بناء الفرد في كل جوانبه سواء الروحيّة أو العمليّة، ومِن ثمّ بناء مجتمعات أكثر متانة ومرونة في مواجهة التطورات المذهلة، وأكثر قدرة على مواكبة العصر بطريقة صحيحة وفعّالة.

            خاتمة

لا يمكن أن يكون الدين مقتصرًا على بعض القضايا، وحبيس جدران المؤسسة الدينيّة، ولكن لا بد وأن يكون الدين قوة مؤثرة ومُحركة لنا في طريق الإصلاح والتنميّة والتطوير لحياتنا ومجتمعاتنا وبلادنا وكل أرضنا.

فالكوكب اليوم يواجه الكثير من القضايا التي تهدد كل سكانه الحاليين والقادمين، بدءًا من أزمات التغيرات المناخيّة، والقضايا البيئيّة، وتآكل المساحات الخضراء، وتهديد الكثير من الكائنات بالانقراض، وقضايا التمييز والعنصريّة، والعنف والحروب، واللاجئين، والأوبئة، وقضايا الصحة، والأزمات الاقتصاديّة، والفقر والجوع… إلخ.

 فلا يُمكن، وليس من المنطقي والأخلاقي، أن يكون إيماننا ليس له علاقة بكل هذه الأمور، وأن نتغافل كل هذا، ونظن أننا يُمكننا الاكتفاء بممارسة الشعائر الدينيّة داخل جدران المؤسسات الدينيّة، ونغرق في الخلافات المذهبيّة والطائفيّة، ظانين أننا بذلك نطيع الحق.

لذا أشجعك عزيزي القارئ، أن تسعى بخطى جادة للمصالحة بين الدين والمجتمع. فالإيمان الحقيقي هو الإيمان العامل بالمحبة تجاه الله والنفس والآخر، وعلينا أن نستلهم من روح الإصلاح الجرأة في التجديد الفكري واللاهوتي، ونعمل على بناء الجسور بين الكنيسة السياق المُعاصر، واللاهوت والفلسفة، والخدمة الروحيّة والخدمة المجتمعيّة، دون فصل، ولكن بانسجام واتساق، كما كان السيد المسيح نفسه، عندما كان على أرضنا.

الإصلاح في مواجهة التحديات

اسم الكاتب: الدكتور القس أندريه زكي 

كانت أوروبا في القرن السادس عشر تعيش في تحديات روحية وعقائدية، وكانت كلمة الله قاصرة على رجال الكهنوت، هؤلاء استخدموا مكانتهم ونفوذهم في التسلط على الشعب، بل فرض عليه ما لم يفرضه الكتاب المقدس، هذا بجانب المشكلات الأخلاقية التي كانت متفشية في هذه الحقبة بالذات. وذاد السوء سوءًا أن فرضت الكنيسة شراء صكوك غفران ليسمح لحاملها للدخول إلى السماء بعد الموت. هذا الذي لم يلاقِ ترحاب من بعض.

ظل الأمر هكذا إلى أن قام راهب ألماني وقسيس وأستاذ للاهوت في عشية عيد القديسين الموافق 31 أكتوبر 1517 بتعليق أطروحاته الخمس والتسعين على باب كنيسة وتنبرج، بدأ لوثر بانتقاد بيع صكوك الغفران مصرًّا على أن البابا ليس له أي سلطة على المطهر، وأن خزانة الكنيسة ليس لها علاقة بالكتاب المقدس. تطور الإصلاح أكثر ليشمل التمييز بين الشريعة الإلهية والإنجيل المقدس، والاعتماد على الكتاب المقدس وحده باعتباره المصدر الوحيد للإيمان، والاعتقاد بأن الإيمان بيسوع وحده لتلقي عفو الله عن الخطية وليست الأعمال الصالحة. كما أن لوثر شدد على أهمية مبدأ كهنوت جميع المؤمنين، الذي بدوره قلل من سطوة رجال الدين. قدّم لوثر أيضًا ترجمة خاصة به للكتاب المقدس بلغته المحليّة بدلاً من اللغة اللاتينيّة التي كانت اللغة الوحيدة التي سمحت الكنيسة الرومانية باستخدامها لقراءة الكتاب المقدس.

ويمكننا تلخيص لاهوت لوثر -ومن بعده المصلحين- في مبادئ خمسة وهي: أولًا، الكتاب المقدّس وحده (Sola Scriptura)، هو الإيمان بأن كون الكتاب المُقدّس هو كلمة الله الموحى بها، فهو السُلطة الوحيدة المعصومة والكافية والنهائيّة في الكنيسة. ثانيًا، المسيح وحده (Solus Christus)، هو التأكيد على أن المسيح وحده هو الأساس الذي عليه يتبرر الفاجر أمام الله. ثالثًا، يؤكد مبدأ الإيمان وحده (Sola Fide)، على أن المؤمن ينال الفداء الذي حققه المسيح من خلال الإيمان. رابعًا، يُعلِن مبدأ النعمة وحدها (Sola Gratia)، أن خلاصنا كله، من البداية إلى النهاية، هو بالنعمة والنعمة وحدها. وبناءً على ما سبق، تمسّك المُصلحون بقوّة بالمبدأ الخامس وهو المجد لله وحده (Soli Deo Gloria)، أي أن المجد كله يعود إلى الله وحده لأجل خلاصنا. تُشَكَّل المبادئ الخمس (The Five Solas) نُواة الإيمان الإنجيليّ. فهي لا تكتفي فقط بتصوير وشرح الكيفيّة التي يعمل بها الإنجيل في الإنسان الخاطئ، لكنها أيضًا، تُحدد موضِع سُلطان هذا الإنجيل وإلى أي مدى يجب أن يُعلن ويبشَّر به.

ولم يقف الإصلاح عند لوثر، فلم يكن لوثر إلا الشرارة الأولى، فقد صعد مصلحون آخرون مثل هلدريخ زوينجلي في زيورخ وجون كالفن في جنوا، وكانا مستقلّين. اختلف الإصلاح باختلاف البلدان، وتنوّعت أسبابه وخلفياته، وانتشر انتشارًا مختلفًا عن انتشاره في ألمانيا. كما سهّل انتشار طابعة جوتنبرج الانتشار السريع للمواد الدينية باللغات العامية، بجانب نشر الكتاب المقدس ليكون في يد العامة بعدما كان مقصورًا على رجال الدين.

في هذا العدد من مجلة النسور، والتي تصدر من رحم الكنيسة المصلحة، نسعد أن نقدم للقارئ العزيز أوجه مختلفة للإصلاح.

شذرات كتابية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : الشيخ أسامة رشدي

شذرة كتابية (1)

لا يتغيَّر

«لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ»

(ملاخي3: 6)

نعم، الأخ ربما يتغيَّر؛ فيوسفُ صاحبُ الأحلامِ يُباعُ عبدًا من إخوته (مزمور 105: 17)، ورصيدُ المالِ ربما يتغير؛ فالابن الأصغر الذي جمع كل شيء وسافر لكورةٍ بعيدةٍ، أنفق كل شيء وابتدأ يحتاج (لوقا15: 14)، والرفيقُ ربما يتغير؛ فديماس رفيق الخدمة يترك بولس لأنه أحب العالم الحاضر (تيموثاوس الثانية 4: 10)، والمشاعرُ ربما تتغير؛ فأبشالوم الابن يتآمر على داود الأب (صموئيل الثاني 15: 10)، والمكان ربما يتغير؛ فنُعمي تتغرب من بيت لحم إلى موآب بسبب الجوع في الأرض (راعوث 1: 1). لكن يبقى الثابتُ الوحيد الذي ليس عندهُ تغيير ولا ظل دوران (يعقوب 1: 17). إلهك هو إلهٌ أمينٌ وصادقٌ في كلمته ووعده، فهل عيناك ثابتتان عليه؟ أم اتكلت على الإنسانِ وجعلته ذراعك؟ هو يقول لك: «أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ» ليكون لك ثقة وإيمان فيه وحده، كان معك بالأمس، ومعك اليوم، ويبقى معك كل الأيام إلى انقضاء الدهر، إله لا يتغير.

 

 

 

شذرة كتابية (2)

أنا معك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ وَأَنَا أُصْعِدُكَ أَيْضًا وَيَضَعُ يُوسُفُ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْكَ»

(تكوين 46: 4)

ما أروع الرب! ما أروع أمانته ومعونته ورفقته مع يعقوب الضعيف! في بداية حياته وخروجه من بيت أبيه إسحاق، قال له: «وها أنا معك» (تكوين 28: 15)، وفي منتصفِ حياته وخروجه من بيت خاله لابان، قال له: «أكون معك» (تكوين 31: 3)، وفي نهاية حياته وخروجه من أرض كنعان، قال له: «أنا أنزل معك» (تكوين 46: 4). طوال رحلة عمره وَجَد في إلهه الأمانة والمعونة، اللطف والإحسان، الخير والرحمة. وجد في إلهه راعيًا قديرًا وعظيمًا. فاطمئن إلهك سائرٌ معك، لا يهملك ولا يتركك، هو إله يعقوب، وإلهي، وإلهك.

 

 

شذرة كتابية (3)

لن تسقط في الفخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“وَلَكِنَّنِي أُنْقِذُكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ الرَّبُّ فَلاَ تُسْلَمُ لِيَدِ النَّاسِ الَّذِينَ أَنْتَ خَائِفٌ مِنْهُمْ”

(إرميا 39: 17).

يا لها من كلماتٍ رائعةٍ وَعَد الرب بها عبدَ ملك الكوشي الذي أنقذ إرميا من جُب الوحل! ويا له من وعد رائع لحياتك أيضًا!

نعم، حياتك في يد الرب لا في يد الناس. فمهما كانت المؤامرات والمكايد حولك، مهما كانت السهام مُصَوَّبه في وجهك، والفخاخ مطمورةً تحت قدميك، مهما حَمِي غضبُ الناس، وزاد مكيال شرّهم وحقدهم وظُلمهم، اطمئن. “اَلرَّبُّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. الرَّبُّ فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَمَ” (مزمور 11: 4)، هو “عَادِلٌ وَيُحِبُّ الْعَدْلَ” (مزمور 11: 7)، هو قادرٌ أن يُنصف قضيتك سريعًا، لك وعدٌ عظيمٌ منه بالإنقاذ والحماية والنجاة، هو وعد أن ينجيك من فخ الصياد (مزمور 91: 3)، ووعد “لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي”(مزمور 91: 14- 16)، فلا تخف!

 

 

 

شذرة كتابية (4)

ملجأ منيع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ. لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ” (مزمور 16: 8)

نعم، ما أروع أن يكون الرب أمامك في كل حين! في أوقات الرحب وأوقات الضيق؛ فقبل أن يواجه داودُ جليات، جعل الربَّ أمامه وقال: “الرَّبُّ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ الأَسَدِ وَمِنْ يَدِ الدُّبِّ هُوَ يُنْقِذُنِي” (صموئيل الأول 17: 37)، وعندما تركه الأب والأم قال: “إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَالرَّبُّ يَضُمُّنِي” (مزمور 27 :10)، وفى اليوم الذي أنقذه الرب من يد كل أعدائه، ومن يد شاول هتف: “الرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي” (مزمور 18: 2)، وعندما هرب من وجه أبشالوم ابنه قال: “أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَتُرْسٌ لِي. مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي” (مزمور 3: 3). فليكن الربُّ أمامك دائمًا، لا تتزعزع نفسك؛ مهما كانت الضيقات، هو لن يتركك تواجه عاصفَ الرياحِ وحدك، هو عن يمينك، ممسكًا بك، قائلًا لك: “لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ” (إشعياء 41: 13).

التحدِّيات التي سبقت الإصلاح

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القس رفعت فتحي

اشتعلت شرارة الإصلاح في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، بهدف تصحيح أوضاع الكنيسة، والتركيز على سلطة الكتاب المقدس، ومركزية الربِّ يسوع للخلاص، ورفض كافة الخرافات التي تبتعد برسالة الكنيسة عن مسارها الصحيح.

            ولم يكن الإصلاح مجردَ حركة إصلاحيَّة داخل الكنيسة، وإنما تعداها ليشمل المجتمعات الأوربية في ذلك الوقت، وتجاوزها أيضًا ليصل تأثير الإصلاح إلى العالم أجمع، وامتد ليشمل كافة مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية؛ حتى صارت حقبة ما بعد الإصلاح تختلف اختلافًا كبيرًا عن الحقب التي سبقتها، حيث قادت مبادئ الإصلاح إلى نهضة أثرت في مسيرة الحضارة الإنسانية، ونقلت العالم نقلة حضارية غير مسبوقة.

   ولم تكن شرارة الإصلاح فجائيةً؛ فقد سبقها الكثير من المحاولات التي قام بها مصلحون في بلدان أوربية عديدة؛ ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل؛ بسبب السُّلطة الغاشمة التي تعاملت بها الكنيسة مع هذه المحاولات الإصلاحيَّة، وكذلك التزاوج السياسي الدينيّ، الذي تمثّل في اتفاق السلطة الدينية مع السلطة السياسية على قمع هذه المحاولات. ورغم أن معظم الذين قاموا بمحاولات الإصلاح قد تم إحراقُهم؛ إلاّ أنهم تركوا آثارًا مهمة في ذاكرة الشعب، الذي رأى أمانة هؤلاء المصلحين، وتضحيتهم في سبيل الحق، ودفاعهم عن قيم الإنجيل.

   ومن أهم المصلحين الذين سبقوا مارتن لوثر، نرى جون ويكلف الإنجليزي، الذي ظهر في القرن الرابع عشر، وتحدى سلطة البابا، كما قام بترجمة الكتاب المقدس إلى الإنجليزية الشعبية لأول مرة، مما جعل الكتاب المقدس مُتاحًا للمؤمن العادي. وقد كسب ويكلف أتباعًا كثيرين، الأمر الذي أهاج السلطة الدينية عليه؛ حتى أنهم بعد موته بثلاثين عامًا قاموا بإخراج جثته وحرقها.

  وظهر بعد ويكلف بقليل في بوهيميا (يوغسلافيا) جون هس الذي تأثر بويكلف، وبدأ يعظ ضد سلطة البابا وصكوك الغفران، واستطاع أن يكسب كل مدينة براغ، لكن الكنيسة اتهمته بالهرطقة، وقاموا عليه وحرقوه، بعد أن أعطوه وعدًا بالأمان.

   وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ظهر سافانا رولا الإيطالي، وهو راهبٌ دومنيكانيٌّ؛ اشتهر بالكرازة والوعظ، والتف حوله الآلاف، وأيَّده حكام فلورنسا، لكن الكنيسة قبضت عليه وشنقته مع اثنين من أصحابه، وحرقت أجسادهم بعد ذلك.

   هؤلاء -وغيرهم كثيرون- حاولوا أن يُصلحوا الأوضاع، ورغم قسوة ظروف، وطغيان السلطة، تصدوا بقوة واقتناع، دفاعًا عن الحق، وإعلاءً لكلمة الله. حتى جاء مارتن لوثر في القرن السادس عشر في المانيا، وكان أستاذًا جامعيًّا وراهبًا كاثوليكيًّا، وعلَّق في 31 أكتوبر 1517م على باب كنيسة وتنبرج، منشورًا بعنوان “القوة الفعلية لصكوك الغفران”، يتضمن 95 بندًا للمناقشة داخل الكنيسة. ورغم محاولات السلطة الكنسية التنكيل به، إلاّ أنه وقف بكل قوة وشجاعة، بمساعدة الأمراء الذين كانوا يشعرون بالاستياء من السلطة الكنسية؛ حتى وضع أسس الإصلاح التي انتشرت في كل العالم. وساهم في تقوية وترسيخ الفكر المُصلح.

 

ضرورة الإصلاح

  بدايةً من القرن السادس، دخلت الكنيسة فيما سُمِّي بالعصور المظلمة التي تراجع فيها الإنتاج اللاهوتي، واقتصر على نسخ المخطوطات. وفي القرن العاشر بدأ يظهر بعض التجديد في الأديرة، وبناء كنائس فخمة، وتأسيس جامعات كبرى. وصاحب كل هذا ازدياد كبير في سلطة البابوية. كما تراجع في هذه الفترة الاهتمام بالكتاب المقدس، الذي ظل حبيسًا في الأديرة، وأسيرًا في اللغة اللاتينية التي لا يفهمها الشعب.

   واجهت الكنيسة في هذه الفترة وحتى بدايات القرن السادس عشر تحديات كثيرة لم تستطع التعامل معها، ومن خلال تفاعل هذه التحديات مع المجتمع والكنيسة، أُنتجت الحركة الإصلاحية. وأهم هذه التحديات:

  1. انحراف المنظومة الدينية عن الفكر الكتابي، وتعالي السلطة الدينية، الأمر الذي بدا جليًّا فيما أعلنه البابا أنوسنت الثالث حين قال: “البابا أقل من الله وأعلى من الإنسان، يحاكم الجميع ولا يحاكمه أحد”. وامتدت سلطة البابا لتعلو فوق السلطة السياسية، فأصبح البابا هو مَنْ يعيّن الملك أو يعزله. وعندما تحدى جون ملك إنجلترا سلطة البابا؛ حُكم عليه بالجلد، ونفذ الرهبان الحكم. بالإضافة إلى ذلك، فقدَ الرهبان توجُّهَهم الروحي، وانغمسوا في المجون وحياة الترف. وشاع شراء المناصب الكهنوتية بالمال. كل هذا أدى إلى ضعف تأثيرهم وفقدان رسالتهم.
  2. صكوك الغفران كان العنوان الرئيس للبنود التي علقها مارتن لوثر هو “القوة الفعلية لصكوك الغفران”. وكان صكّ الغفران عبارة عن وثيقة تعلن غفران الخطايا لشخص معين، نظير مبلغ من المال يدفعه للكنيسة. وكان الهدف من إصدار صكوك الغفران هو تقليل المدة التي يقضيها الشخص في المطهر، وأصبح صك الغفران بعد ذلك، هو الضمان لدخول السماء، دون أي اعتبارات أخرى. ويقول المسؤول عن صكوك الغفران يوحنا تيتزل: “ما إن ترن قطع النقود في الخزانة؛ حتى تقفز الروح من المطهر”. وتنافس الباباوات فيما بينهم على بيع صكوك الغفران، واستُخدمت حصيلتها في تمويل حملات الفرنجة على الشرق، وبناء الكنائس الفخمة، وذهب جزء كبير منها إلى البابا والإكليروس.
  3. انتشار الفلسفة الإنسانية التي ركّزت على قيمة الإنسان وقدراته، ودعت إلى حرية الفرد، وساندت التفكير العقلاني. وكان من نتيجة انتشار هذه الفلسفة التوجُّه إلى إعمال العقل والبحث والدراسة، والتفكير الحر في الحقائق الكتابية واللاهوتية. وبدأ الناس يفكرون في إصلاح الكنيسة ومعارضة توجهاتها في ذلك الوقت.
  4. اختراع المطبعة سنة 1456 في ألمانيا بواسطة جوتنبرج، الأمر الذي سهّل من طباعة الكتب، وانتشارها بصورة لم تكن مسبوقة من قبل. وبواسطة المطبعة، تم طباعة الكتاب المقدس، وأصبح مُتاحًا في أيدي الناس. وبدأ الناس يقرأون الكتاب المقدس، ويطبّقونه على أوضاع الكنيسة في ذلك الوقت. كما أن تزايد طباعة الكتب، لم يُمكّن الكنيسة من مصادرتها؛ الأمر الذي ساهم في نشر المعرفة والثقافة، ومهَّد الأجواء لظهور الإصلاح.
  5. انتشار الجهل وتفشي الخرافات، ووقوف الكنيسة في وجه العلم والعلماء. فقد حكمت على كوبرنيكوس 1543 بالهرطقة، لأنه قال إن الأرض تدور حول الشمس. الأمر الذي أدى إلى تراجع العلماء وانتشار التخلف. وهذا ظهر بوضوح في عبادة مقتنيات القديسين ومتعلقاتهم. هذا الأمر أدى إلى احتقان المجتمع، الذي كان يسير أولى خطواته في طريق العلم والحضارة.
  6. قَمْعُ الكنيسة الشديد للحركة الإصلاحية، وظهر هذا بوضوح في محاكم التفتيش، التي نشأت داخل الرهبنة الدومنيكانية. وكان هدفها البحث عن الهراطقة والتنكيل بهم. وكان لهم جواسيس يقومون بجمع المعلومات عن الهراطقة وإبلاغ محاكم التفتيش. كانت هذه المحاكم تقدِّم الاتهام دون دليل، وعلى المتهم أن يجد أدلة براءته وليس العكس. وقد تم تعذيب الكثيرين ومصادرة أملاكهم والتنكيل بهم من خلال هذه المحاكم.

    بالإضافة إلى ذلك، لم تكن الكنيسة الكاثوليكيَّة مستعدة لتقييم رسالتها وإصلاح نفسها، ولم تستطع قراءة التغييرات السريعة التي كانت تُجرى في المجتمع.

   لقد قاد الإصلاحُ العالمَ في القرون التالية، وأثَّر بقوة على الحياة الكنسيَّة والاجتماعيَّة، سواء في انتشار الكنائس المصلحة، أو التطور الذي حدث في الكنيسة الكاثوليكية كرد فعل لحركة الإصلاح الديني.

   لقد قدم الإصلاح كلمة الله إلى الناس وأخرجها للنور، وبدأ كل واحد يقرأ الكتاب المقدس في لغته، ويفهمه بعقله. كما أثر الإصلاح على الأوضاع السياسية والاجتماعية؛ فانتشرت الدعوة إلى العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وعمل الإصلاح على فصل الدين عن الدولة، ومهد الطريق إلى عصر التنوير، الذي قاد العالم إلى نهضة حضارية غير مسبوقة.

إن الإصلاح لا يجب أن يكون مفهومًا جامدًا، ولكنه حركة ديناميكية متغيّرة، ويجب أن يكون جزءًا من حياة الكنيسة اليومية، فتقف الكنيسة مع نفسها وتقيّم ما تقوم به، وأن تصلح نفسها بنفسها باستمرار، حتى تكون كنيسة مصلَحة حقًّا. وأقتبس هذه الأبيات، من قصيدة نظمتها بمناسبة مرور خمسمائة عام على اندلاع شرارة الإصلاح الإنجيلي:

خمســون عِقــدًا قد مــضتْ يا لوثـــــــر

 

ويــظـــــــــلُ فـكرُكَ بـــاقـــيًا فــــــــعَّـــــــالا

 

كان خلاصُ النفسِ أسمى قضيةٍ

 

 

فكيف يخلصُ مَنْ تمادى ضلالا

 

البارُ بالإيمانِ يحيا ودونَهُ

 

 

ليس أمامَ الهالكين مَنالا

 

ما كان مصدَرك الناسُ وما زعموا

 

 

بل الإلهُ وما في الوحي قد قالا

 

إنَ الكتابَ وحدَهُ نبراسُنا

 

 

قد فاقَ ما سطرَ الجميعُ كمالا

 

ويسوعُ وحدُهُ ربُّنا ومسيحُنا

 

 

ارتفع حقًّا اسمُهُ وتعالى

 

وبالإيمانِ وحدِهِ نتبررُ

 

 

ومعهُ لسنا نرتجي أعمالا

 

إنَّ رُحى الإصلاحِ لا تتوقفُ

 

 

تمضي تُغيّرُ أفكارًا وأحوالا

 

وإذا الكنيسةُ جددتْ من نفسِها

 

 

تبقى وإنْ ولّى الزمانُ وزالا

 

العبادة من البدء إلى القرن السادس عشر

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القس كرم لمعي

في إحدى المرّات، دعوتُ “مرنمًا” ليقود التسبيح في اجتماع الأحد، وأخبرته مُسبقًا بترتيب العبادة وموضوع القراءات الكتابية والصلوات، فقال لي إنّه يفضّل أن تكون فترة التسبيح متّصلة دون “مقاطعة”. ومرةً أخرى دعوت شخصًا آخر وأخبرته بموضوع العظة واقترحتُ عليه في أي اتجاه يمكن أن تسير الترانيم، فأخبرني أنه سيعدُّ الترانيم حسبما يرشده الروح! واعترض ثالثٌ على طلبي بحذف ترنيمة لأنها ليست صحيحة لاهوتيًّا. اعتدتُ أيضًا أن أرسل النّص الكتابي للعظة إلى الشعب قبل يوم الأحد ليقرأوه ويصلّوا ويستعدوا، فأرادني البعض ألا أفعل هذا لأنهم يفضلون أن يتفاجأ الناس بالعظة دون أن يكون لديهم تخمينات مسبقة.

كل هذه الأمثلة وغيرها يكشف لنا مقدار العوار الكبير في فهم الناس لماهية العبادة وكيفية ممارستها بما يعكس كلمة الله بالحقيقة وبالطريقة التي تكرّس للفكر المصلح والتقليد الآبائي الذي لا يتعارض مع الكلمة. والحق أنّ غالبية كنائسنا وشعبنا والكثير من القسوس والمجالس لا تعير هذا الأمر أي اهتمامٍ، واستسلمت الغالبية للتيارات الطاغية على الساحة الكنسية، ويمكن القول: حيث لا ليتورجيا كنسية صحيحة عبد كل واحد كما يحسن في عينيه.

في هذه المقالة سأتتبّع، بإيجاز، تاريخ العبادة منذ بدء الخليقة وحتى عام 1516، عام الإصلاح، وأتمنى أن يكون هذا الجهد البسيط نواةً لمزيد من الدراسات والمناقشات التي تخلق تحركًا جادًّا ومسؤولًا نحو إصلاح العبادة بما يمجّد الله فعلًا. والدافع لهذا هو أنّ الله، المستحق للمجد قد سبق وأعلن في الكلمة كيف يجب أن يُعبد بدءًا من جنّة عدن. فهيّا بنا.

أولًا: العبادة في العهد القديم

  1. ما قبل الآباء

من الإصحاحات الأولى في سفر التكوين نتبين أن العبادةَ في جنّة عدن تركزت في طاعة الإنسان لوصية الله، وبنوع من الشركة والحديث، وقد خلق الله الإنسان على صورته لتكون له القدرة على التواصل مع الله وعبادته، وبكسر الوصيّة فقد أعلن الإنسان أنه لا يريد أن يعبد الله، فَحُرم الإنسان من الشركة والعلاقة مع الله. ثم نلتقي مع قايين وهابيل وتقديم القرابين لله، فنجد أنّ الإيمان كان ضروريًّا ليقبل الله القربان (عب 11: 4) وكان لا بد أن يقترن الإيمان والقربان بالسلوك الصالح في نفس الوقت (1يو 3: 12). ومع الوقت تزايد شر الإنسان، ورفض الخضوع لله، إلا أن نوح تعّبد للرب وسلك في وصاياه… وصولًا إلى برج بابل، الذي كشف إصرار الإنسان على التمرد ونبذ التعبّد لله وانتهى الأمر بتبديد الإنسان على وجه الأرض.

  1. عصر الآباء

دعا الله إبراهيم ووعده بالبركة، فتجاوب إبراهيم مع الدعوة وعَبَد الله (تك 13: 18)، ثم ظهر ملكي صادق ليقود العبادة بتقديم الخبز والخمر، وقام إبراهيم بإعطائه العشور يمكن اعتبار الخبز والخمر والعشور والبركة عناصر العبادة، وسار إبراهيم وإسحاق ويعقوب على نفس الدَّرب (تك 26: 25، 33: 20).

  1. موسى والخروج وكنعان

بالخروج من مصر تأسّس الفصح اليهودي ليتذكّر الشعب به خلاص الله، وفي سيناء أعطى الله لوحي الشريعة مع كل التفاصيل الخاصة بإقامة خيمة الاجتماع ونظام الذبائح والكهنوت، الأمر الذي يبيّن الأهمية القُصوى للعبادة في فكر الله، حيث أعطى تعليمات وتفاصيل دقيقة ومحدَّدة لكيفية الاقتراب إليه، لاحظ تكرار كلمة “كما أمر الرب موسى” في (سفر العدد الإصحاحات 16- 33). فنرى الله بنفسه يحدِّد نوعيَّة وكيفيّة العبادة التي يجب أن يقدّمها إسرائيل له. لكن سرعان ما قاد هارون الشعب إلى عبادة عجل ذهبي (خر 32: 1- 6) وكان هذا مناقضًا للوصايا واختزالًا لله في القوّة وتشبيهًا له بآلهة مصر. وفى أرض كنعان عبد الشعب آلهة الأمم وعلى رأسها البعل.

  1. من داود إلى السبي

أحيا داود العبادة بإرجاع تابوت العهد إلى أورشليم التي جعلها العاصمة الدينية (2صم الإصحاحان 6، 7)، كما أعدَّ المواد اللازمة لبناء الهيكل، ثم أدخل الآلات الموسيقية إلى العبادة، ونظم فِرَق اللاويين للترنيم، وكتب المزامير، ثم جاء سليمان وبنى الهيكل وانتظمت العبادة فيه (1مل 5- 9)، ولكن انحرف سليمان وراء آلهة الوثن فانقسمت المملكة عقابًا له، ثم حدث السبي ودمار الهيكل وأورشليم (2مل 25: 9)، ولم يعد الهيكل مركز العبادة؛ ففي السبي التفَّ الشعب حول الشريعة وصار المجمع هو “الإكليسيا”، ومركز التربية الدينية والاجتماعية. وتركّزت العبادة في المجمع في قراءة الكلمة وشرحها (Webber, 27). ولعب المجمع دورًا مهمًّا في تثبيت الإيمان وحفظ الصلاة والكلمة المقدَّسة، ويقسم دينس (Deddens, 16-17) العبادة في المجمع إلى:

  1. الشِّماع (تث 6: 4)
  2. الصّلاة، وتختم من الشعب بالقول: “آمين”
  3. البركة الهارونية (عدد 6: 24- 27)
  4. قراءة وشرح الكلمة (الشريعة والأنبياء) (لوقا 4: 16- 27، أع 13: 14- 41).

وصار للمجمع اليهودي أكبر أثر فيما بعد على العبادة المسيحيّة. وبعد السبي، أعيد بناء الهيكل وأورشليم، وأصبحت الشريعة قانون الحياة، وارتبطت هوّية الشعب بالأرض، إلى أن غزا الإسكندر الأكبر فارس وانتشرت الهلنستية وأثَّرت في الفكر اليهودي والعبادة، خاصةً في المجامع، وانقسم اليهود إلى: محافظين رفضوا الهلنستية، مثل الفريسيين، ومتحرّرين قبلوا التأثير الهلنستي بمرونة، مثل الصدّوقيين.

  1. خلاصة العبادة في العهد القديم
  2. تمثلت عناصر العبادة في إعطاء الشريعة في جبل سيناء، الهيكل والمجمع والأعياد اليهودية وأهمها الفصح والخمسين.
  3. مبادئ العبادة هي أن الله وحده هو المعبود، ولا بد من عبادته وفق النموذج الإلهي الذي أقرّه هو.
  4. رغم أنّ الله مرتفعٌ فوق الكلّ إلا انّه أراد أن يسكن وسط شعبه (الخيمة ثم الهيكل).
  5. لا يمكن الاقتراب المباشر إلى الله إلا عن طريق الوساطة (الكهنوت) والذبائح.
  6. طاعة الشريعة عمليًّا لا تنفصل عن التعبد لله.

ثانيًا: في العهد الجديد

  1. موقف يسوع

صادَقَ يسوع على العبادة اليهودية (لو 2: 21- 51، يو 7: 14- 49، 10: 22- 23)، لكنه بيَّن أن دور العهد القديم كان في التمهيد لمجيئه، غير أنه لا يوجد ما يشير إلى أن يسوع قدَّم ذبائح في الهيكل، أو وافق على نظام الذبائح (Webber, 43). ووَصَف يسوعُ نفسَه بأنه أعظم من الهيكل (مت 12: 6) ومركز الكتب المقدسة (لو 4: 16- 30) وهاجم يسوعُ زيفَ ورياء العبادة والتناقض بين الممارسات والسلوك اليومي.

والعبادة الحقيقية، كما أقرَّها يسوع، تكون للرب وحده، بالروح والحق مع حياة السلوك القويم (مت 4: 4، 7، 10، يو 4: 17- 24). وعندما انشقَّ حجابُ الهيكل عند موت يسوع دلَّ على انتهاء الأنظمة القديمة (عب 9: 6، 24؛ 8: 2) ويوجز Reed ريد (Reed, 58) النتائج المترتبة على موت يسوع في التالي:

  1. انتهاء دور الهيكل كمركز للعبادة.
  2. انتهاء الكهنوت اللاوي كوسيط للاقتراب إلى الله.
  3. انتهاء دور الذبائح الحيوانيّة كطريق الاقتراب إلى الله.

ويستبدل (Webber, 35) عهد سيناء Sinai- event  كمصدر للعبادة بـعهد المسيح  Christ – event  ويطلق عليه الخروج الثاني، الذي هو دخول المسيح إلى العالم لفداء شعبه.

  1. العصر الرسولي

بقراءة سفر الأعمال نجد أن الرّسل والكنيسة الأولى واظبوا على العبادة في الهيكل دون الشعائر أو الطقوس اليهودية، وظهر تمييزٌ واضح بين العبادتين اليهودية والمسيحية؛ فنجد في أع 2: 42 مواظبة التلاميذ على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات. أما عن تأثير الهلنستية فيقول ويبر: “تميزت العبادةُ المسيحية الهلنستية بالتخلي عن الطقسية اليهودية، ونظر المسيحيون إلى الشعائر اليهودية على أنها تحققت وأُعِيد تفسيرُها في يسوع” (Webber, 35).

تم استبدال الفصح اليهودي بالعشاء الرباني (الشركة) وأضيف إلى عناصر العبادة المجمعية؛ كالشكر وتعليم الرسل والمعمودية باسم يسوع. وأضيفت كلمات خاصّة مثل؛ “أبّا”، “ماران آثا”، “آمين” بالإضافة إلى “التحيّة” و”البركة الرسوليّة” (Deddens 16, 17). ويُجمل ريد  مبادئ العبادة في القرن الأول كالآتي:

  1. الله وحده موضوع العبادة.
  2. على الإنسان أن يعبد الله وفق الوسائل التي يعطيها الله في كلمته.
  3. ليس مسموحًا بتعديل أو تبديل العبادة كما هي معلنة في كلمة الله (Reed, 58).

ثالثًا: القرون المسيحية الأولى

  • القرنان الثاني والثالث

مصادر معرفتنا في هذه الفترة رسالة بليني Pliny للإمبراطور تراجان، وتعليم الرّسل، وكتاب الدفاع ليوستين الشّهيد، والتقليد الرسولي لهيبوليتوس الروماني، والدسقولية، وكتاب إكليمندس الإسكندري وأوريجانوس. ومن هذه المصادر نجد أنّ العبادة في القرن الثاني تشكلت من عنصرين هما: الكلمة والعشاء الرباني، بالإضافة إلى استمرار تأثير المجمع اليهودي من حيث كون الكلمة هي المحور. ويذكر يوستين الشهيد أنه بعد العظة كان غير المعتمدين يخرجون وتبدأ ممارسة عشاء الرب بإعداد الخبز والكأس ثم القبلة المقدّسة. وفي القرن الثاني كان هناك لقاءان للعبادة صباح ومساء الأحد، وكانت العبادة الصباحية تحتوي على الكلمة والصلاة والترنيم، والمسائية وليمة مُشتَرَكة يعقبها العشاء الرباني، ثم جمع العطايا للفقراء، ولكن بعد 150م اختفت وليمة الشركة وبدأت ممارسة عشاء الرب صباحًا، كما كانوا يصومون يومي الأربعاء والجمعة. أما في القرن الثالث فكانت العبادة تتكون من ليتورجيتين:

  1. ليتورجية الكلمة: قراءات، وترانيم المزامير، والهللويات، وعِظَة أو أكثر ثم ينصرف غير المعتمدين.
  2. ليتورجية عشاء الرب: وكانت تبدأ بالقبلة المقدسة، ثم تقديم الخبز والكأس، ثم الشكر والتوزيع، وتختتم بـ”ارفعوا قلوبكم” sorsum corda، وظلت المعمودية حتى القرن الثالث تُمارس إمَّا بالتغطيس، أو السّكب، أو الرّش، وكانت ترمز إلى الارتباط بالمسيح في موته وقيامته، وأيضًا إلى غسل الخطايا والاستنارة بكلمة الله حسبما توصل إليه (Old, 13).  

ومن رسالة بليني Pliny، كان عشاء الرب يُمارس اليوم الأول من كل أسبوع (Old, 13)، ومع بداية القرن الثالث بدأ يتطور نظام الأعياد وأيام للصوم، أما الصّلاة فكانت قد أصبحت جزءًا أصيلًا من العبادة وكانت هناك صلاة التشفع وصلاة عامة بعد العظة وقبل عشاء الرب.

  • القرنان الرابع والخامس

ازداد تأثر العبادة في الشرق بالمؤثّرات الثقافية للحضارة الهلنستية متمثلةً في حبّ الجمال والأدب والفن والفلسفة والشعر، مما أدَّى إلى زيادة الرّموز والعلامات والزخارف في العبادة، فنجد قداس ذهبي الفم حسب ويبر ينقسم إلى:

  • الدخول الصغير The little Entrance وكان محوره الكلمة بقراءة الإنجيل، وبدأ يظهر تبجيل الكتاب المقدس بحمله بواسطة شماس يصاحبه عددٌ من الخُدَّام يحملون الصلبان والشموع والبخور.
  • الدخول الكبيرThe Great Entrance  ومحوره موت وقيامة المسيح بالتركيز على الخبز والكأس، ومع القرن الرابع ازداد التركيز على عشاء الرب وممارسته بطريقة درامية من قبل الأسقف الذي أصبح يمثل المسيح، وبنهاية القرن الرابع ازدادت سلبية الشعب الذي أصبح مجرد متفرج يشاهد خدمة القداس دون المشاركة فيها (Webber, 63-64).

ومع الوقت أصبحت المعمودية هي طريق الدخول للإيمان، وعشاء الرب هو الطريق للحياة الجديدة. وترسخت الأعياد مثل القيامة والميلاد، وكان يسبق الميلاد فترة صوم أشبه بحداد مدته 40 يومًا، وبدأ تكريم الشهداء، ومسح المتعمد بالزيت ووضع اليدين عليه علامة قبول الروح القدس، وبدأ الاعتقاد بتحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه أثناء صلاة الكاهن ما عرف بـ”التحوّل أو الاستحالة” Transubstantiation ثم اقتصرت ممارسة عشاء الرب على الكاهن وحده، وبدأ الفصل بين الإكليروس والعلمانيين.

رابعًا: العبادة في القرون الوسطى

وصولًا إلى القرون الوسطى أخذت العبادة بُعدين رئيسَيْن:

الأول: العبادة كسرٍّ Mystery: ويُرجع ويبر (Old, 67) هذا البعد إلى التأثير الوثني لمن اعتنقوا المسيحيّة دون اهتمام الكنيسة بتعليمهم بدءًا بعصر قسطنطين، وأصبح القداس “ظهورًا إلهيًّا” Epiphany of God حسب أولد (Old, 86).  وتحول إلى ذبيحة تقدَّم لله عن الأحياء والموتى، وعن العبادة كسرٍّ Mystery يقول أولد: “صارت العبادة (القدّاس) تُمارس بلغةٍ غير مفهومة للشعب، واقتصر تناول الكأس على الإكليروس” (Old, 125).

الثاني: العبادة كممارسة تَقَوِيَّةٍ Devotion: وظهر هذا البُعد التَقَويُّ نتيجة ظهور الحركات الرهبانية كردِّ فعل لدنيويَّة الكنيسة، وأصبحت الإفخارستيا تُمارَس السبت والأحد، وصارت الصلوات العملَ الرئيسَ للرُّهبان بالإضافة إلى نشاطهم في خدمة الفقراء. وعن المعمودية والكلمة يضيف أولد: “بدأت المعمودية تفقد أهميتها، وأصبحت ممارسةً آليةً بدلًا من كونها علامة عهد، أما عن تعليم الكلمة فاضمحلَّ تمامًا” (Old, 15).  

وبهذا التلخيص للعبادة في القرون الوسطى، نجد أن العبادة قد انحرفت عمَّا عرفته الكنيسة الأولى ومارسته، وعن تعليم المسيح والرّسل؛ ففقد عشاءُ الرّب معناه الرمزيَّ كتذكارٍ وشركةٍ وإحياءٍ للرجاء المستقبلي، ولم تَعُد الكلمةُ في مركز العبادة، وأصبح الشعب سلبيًّا ومتفرِّجًا لا دور له، فكان لا بدّ من الإصلاح.

خامسًا: عصر الإصلاح

  • من القرن 12 – 15

بالطبع لم يقتصر الإصلاح على القرن السادس عشر، بل منذ القرن الحادي عشر بدأ الخروج من القرون الوسطى المظلمة، وبدأت إرهاصات الإصلاح إلى أن توهّج في القرن السادس عشر، وفيما يلي بعض النماذج المبكرة للإصلاح حسب كرامنجو:

  • في القرنين الثاني عشر والثالث عشر كانت هناك عملية إحياء للوعظ قام بها الكاثاريون والوالدينون والدومينيكان والفرنسيسكان.
  • في القرن الرابع عشر ظهر John Tauler الذي كان يتبع التَّقويين وأنكر الاعتماد على الطقوس الخارجية وركَّز على الشركة الداخلية للإنسان مع الله.
  • ثم John Wycliffe، الذي نادى بأن الكتاب المقدس وحده هو قانون الكنيسة، كما هاجم عقيدة التحول Transubstantiation.
  • وفي القرن الخامس عشر نلتقي بجون هس John Huss الذي تبنَّى لاهوت وتعاليم ويكليف، وقد نادى أتباع هس بتحريم كل ما هو دخيل على العبادة من خارج الكتاب المقدس وبدأوا بإعطاء الكأس للعلمانيين.
  • كان للنهضة Renaissance التي حدثت في القرن الخامس عشر، وكذلك اكتشاف الطباعة، الأثر الكبير في تمكين الناس من قراءة الكتاب المقدس، ليس الترجمات فحسب، بل وفي لغاته الأصلية كذلك (Kromminga, 154 -166).
  • القرن السادس عشر

لا يتَّسع المجال لذكر كل تفاصيل الإصلاح في العبادة في القرن السادس عشر، ويحتاج إصلاح الليتورجيا إلى مقالةٍ أخرى لكن يمكن إيجاز فكر المصلحين في العبادة في النقاط التالية:

  1. إصلاح اللاهوت كان أساس إصلاح العبادة.
  2. رفض المصلحون القداس كتكرار لذبيحة المسيح كما رفضوا عقيدة التحّول.
  3. استعادة الكتاب المقدس كمركز للعبادة.
  4. المسيح رسم فريضتين فقط هما المعمودية والعشاء الرباني.
  5. يمكن للشعب أن يتعبد لله مباشرةً دون وساطة الكاهن.
  6. التركيز على الوعظ من الإنجيل وشرحه بصوتٍ مسموع وبوضوح.
  7. كان هدف المصلحين العودة بالعبادة إلى طريقتها ومعناها الصحيحين، كما هو معلن في كلمة الله وكما فهمتها الكنيسة الأولى ومارستها.
  8. المعمودية هي علامة على غسل الخطايا وانسكاب الروح القدس، ولا بد من ممارستها في العبادة في يوم الرب.
  9. نادى المصلحون بوجوب عدم تحويل العبادة إلى مجرد تقليد، بل ممارستها بكل خضوع لكلمة الله.

ويوجز ديدن العبادة في الفكر المُصلح في:

  1. كلمة الله، وتصل إلى الناس عن طريق القراءة، والوعظ، والمعمودية، وعشاء الرب، والبركة.
  2. اقتراب الشعب واستجابته للكلمة عن طريق الاعتراف بالخطايا، وإقرار الإيمان، والصلوات، والترنيم، والعطايا (Dedden, 26).

وبدأت العبادة المصلحة تتميز بالتالي:

  1. قراءة الكلمة وتفسيرها عن طريق الوعظ الواضح والمفهوم.
  2. الوعظ النظامي التسلسلي، سفرًا بعد سفر.
  3. صلوات المزامير والتسبيح، والاعتراف، والشكر، والتوسل.
  4. النظر إلى عشاء الرب كوليمة عهد مع التركيز على الشركة Communion.
  5. مراعاة البُعد اللاهوتي والكتابي الصحيح في الترنيم.
  6. زيادة مشاركة الشعب في العبادة.
  7. تجنب الغموض والسرِّيَّة في الممارسات.

 

الخاتمة

نخطئ كثيرًا عندما نتجاهل كلمة الله وننساق برغبات البشر، ونخطئ كثيرًا عندما نجهل تاريخنا المقدّس الحافل بمعطيات الإصلاح والتغيير، ونخطئ كثيرًا عندما نظنّ أنّ الإصلاح يعني التخلّص من كل ما هو قديم، أو أنّ شعار “الكتاب المقدّس وحده” يعني محاربة التقليد الكنسي بصورة عمياء. نحتاج أن نعيد النّظر بجدية وشجاعة وأمانة لنحفظ مكتسبات الإصلاح العظيم ونستلهم طريق المصلحين الذين كانوا على استعداد للتضحية بحياتهم ليعيدونا إلى الدرب الصحيح. وتأتي العبادة في قلب اللاهوت المُصلح الذي رفع شعار “المجد لله وحده”، وعلينا أن ندرس بإمعان ليتورجيا الكنيسة عبر التاريخ وكيف أصلحها المصلحون لتكون بمثابة “العبادة العقلية”، التي يدعونا إليها الكتاب كجماعة العهد الجديد.

المراجع

 

  1. Deddens, .Where Everything Point to Him. Trams latel by Theodore planting Neerlandia, Canada: In heritance publications, 1993
  2. Kromminga, D.H. A History of the Christian Church, WM, B. EE Rdmams publishing, Grand Rapids: 1945.
  3. Old, Hughes. Worship that is Reformed According to Scripture: Atlanta: John Knox Press, 1984.
  4. Rayburn G. Robert, O Come Let Us Worship, house, Grand Rapids, Michigan: 1980.
  5. Reed, Kevin. Biblical Worship. Dallas, Texas: Presbyterian heritage publications, 1995.
  6. Webber, R.E .Worship: Old and New. Grand Rapids: Zondervan Corporation. 1982.

 

العقيدة المميزة لوجه الإصلاح الإنجيليّ كهنوت جميع المؤمنين قراءة مصريَّة سسيولاهوتيَّة

اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

مُقَدِّمةٌ

العقيدة المميزة لوجه الإصلاح الإنجيليّ هي كهنوت جميع المؤمنين، وتُعتبر ركنًا أساسيًّا من أركان اللاهوت والفكر الإنجيليّ المصلح، وهي من العقائد الرئيسية التي نادى بها لا سيما المصلح الإنجيلي مارتن لوثر وباقي المصلحين الإنجيليين. (سعود، 2019، 87). يقول عنها مكرم نجيب: “إنَّها أحد الأسس المحوريَّة في الفكر الإنجيليّ المصلح، والذي تنبع منه وتدور حوله العديد من المبادئ الأخرى” (نجيب، 1997، 25) ويذكر بخيت متى عن هذه العقيدة: “كان هذا هو الإعلان الأكيد في عصر الإصلاح. تحريرًا من العبودية الرهيبة التي سادت على حياة وتفكير الملوك والعامة على السواء. إنَّ اعتبار رجال الدين أنَّهم كهنة، ولهم وحدهم حق التقرب على الله. ولأنَّهم هم وحدهم خلفاء الرسل يمارسون الأسرار التي من شأنها تقديم الخلاص-لهم حق الحرمان والحل-وهذا أصاب الفكر بالشلل” (متى، 2005، 73)، ويصل جورج صبرا إلى أنَّ هذه العقيدة قد “أصبحت مقياسًا للهويّة الإنجيليَّة” (صبرا، 2001، 82).

 عقيدة كهنوت جميع المؤمنين ليست عقيدة نظريَّة لكنها مرتبطة بالواقع العمليّ والإداريّ والخدمة داخل الكنيسة، ويمكن أن تُهَمَّش هذه العقيدة نتيجة لطغيان بعض الأنظمة السلطويَّة أو الديكتاتوريَّة، أو تندثر نتيجة فوضى النظام وضياع دور الفرد داخل الجماعة، وفقدان المعنى والمعايير الضابطة. ولعل المصطلح الأكثر قربًا الآن في مصر ويوازي كهنوت جميع المؤمنين هو مصطلح “المواطنة” الذي ينادي بالمساواة بين أفراد الوطن الواحد دون فرق أو تمييز في الدين أو الجنس أو اللون.

سنحاول في هذه الدارسة الإجابة على كيفيَّة تفعيل عقيدة كهنوت جميع المؤمنين في وسط المجتمع المصريّ الكنسيّ الإنجيليّ الذي يركن في بعض الأحيان إلى السلبيَّة، والقدريَّة، واللامبالاة، والاعتماد على الغير، والمدخل في الدراسة هو مدخل لاهوتيّ اجتماعيّ اسميته بسسيولاهوتي، وهي تعبر عن المساحة التي يشتبك فيها علم اللاهوت مع الفكر الاجتماعيّ، وسوف نتناول هذا الموضوع من خلال ثلاث زوايا:

  • المفهوم الكتابيّ واللاهوتيّ
  • العقبات والمعوِّقات
  • التطبيق والممارسة

 

الزاوية الأولى: المفهوم الكتابيّ واللاهوتيّ

       على طول صفحات الكتاب المقدس نجد محاولات عديدة لإقامة علاقة مع الله بدأت هذه العلاقة بعصر الآباء بتدشين المذابح، وبعد ذلك كانت خيمة الاجتماع، ثم الهيكل، بعد ذلك حلَّ المسيح بيننا أي خيَّم بيننا “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يو 1: 14). ومن خلال عمل المسيح أصبحنا هيكلًا للروح: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (1كو 3: 16). بل ملوكًا وكهنة “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (رؤ 1: 6).

كان الكهنوت في العهد القديم مقتصرًا على جماعة معينة، هي سبط لاوي ونسل هارون. هذا في الوقت الذي كان الشعب ينتمي كله إلى الله في علاقة العهد. والكاهن في العهد القديم “هو الشخص الذي يحق له المثول أمام الله والدخول إليه بدون وسيط، وهو الشخص الذي يستطيع أن يقف أمام إله ليتحدث عن الشعب، وهو الشخص الذي يقف أمام الشعب ليتحدث عن الله” (سعيد، 1987، 18)، وكلمة كاهن معناها عابر قنطرة.

وفي العهد الجديد، أصبح الكهنوت مرتبطًا بالإيمان بالمسيح، أصبح كل المؤمنين شعبًا لله، ومملكة كهنة، كل أفرادها ممسوحون بالروح القدس. يقول إميل زكي: “عندما جاء المسيح كان هو الكاهن الأعظم الذي توسط بين الله والناس، وكان هو الذبيحة، لأنه قدَّم نفسه فدية عن الخطايا. وكهنوت المسيح أسمى وأعظم من كهنوت اللاويين الذين من نسل هارون، نظرًا لسمو شخصيته، وخلوِّه من الخطية، ولسمو ذبيحته وقيمتها غير المحدودة (عب 9: 11-14)” (زكي وآخرون، 1977، 88).

وعلى هذا الأساس تذوب الفوارق بين أعضاء الجسد الواحد؛ فالكنيسة هي جسّد المسيح، وأشار العهد الجديد صراحة إلى التحول الجوهريّ في مفهوم الكهنوت من العهد القديم إلى العهد الجديد “لقد أشار العهد الجديد إلى الوجود المشترك، والمسؤولية المشتركة لكل المسيحيين المؤمنين، ولقد وضع مارتن لوثر عقيدة كهنوت جميع المؤمنين كعلامة للكنيسة الحقيقية” (Handbook, 1958, 251).

وعبر التاريخ الكنسيّ، انقسمت الكنيسة إلى فئتين؛ فئة الإكليروس الذي وضع نفسه في مكانة خاصة، وفئة العلمانيين التي ظُلمت كثيرًا في التاريخ الكنسيّ. وعندما جاء الإصلاح أعاد قراءة الكتاب المقدّس من جديد في ضوء عمل المسيح الكفاريّ الذي بمقتضاه يقرّ يوحنا: “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً لِلَّهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (رؤ 1: 6). ويقول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل 3: 28). ويعلن بطرس: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. الَّذِينَ قَبْلًا لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ” (1بط 2: 9-10). يصاحب هذا مسؤولية روحية على الجميع بالقول: “كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (1بط 2: 5). ويضيف كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه المسؤولية بالقول: “فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ. وَلَكِنْ لاَ تَنْسُوا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللهُ” (عب 13: 15-16). ثم يقول بولس: “حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ” (كو 3: 11).

أعاد الإصلاحُ الدينيُّ قراءةَ هذه النصوص وغيرها، ونادى بكهنوت جميع المؤمنين، فلا فرق بين الكهنوت/ الإكليروس (kleros) وبين الشعب/ العلمانيين (Laos) ومن خلال هذا الفكر الثوري التي أتى به الإصلاح؛ إذ سار عكس ما هو شائع، نجد أنَّ هذه العقيدة أحدثت انقلابًا فكريًّا في فكر القرون الوسطى.

وفي إقرار إيمان الكنيسة الإنجيليّة المصريّة الصادر في 2006م، نقرأ الآتي: نؤمن أنه بالتجسُّد صار المسيح يسوع رئيس كهنتنا الأعظم الذي فتح الطريق لكل المؤمنين، مرة واحدة وإلى الأبد، لعلاقةٍ مباشرةٍ مع الله، وبذلك فلا حاجة إلى العودة إلى كهنوتٍ بشريٍّ خاصٍّ من بعده؛ إذ جعل المؤمنين به مملكة كهنة محققًا بذلك كهنوت جميع المؤمنين. ونؤمن أن صعود المسيح إلى السماء كان تعبيرًا عن انتهاء عهد الذبائح التي رسمتها الشريعة، ودور الكهنوت؛ فإن المسيح إذ قدّم نفسه لأجل العالم أجمع لا لأجل شعب بعينه من الشعوب، إلى حضرة الله الحقيقية لا الرمزية وبذلك فهو وسيط عهد جديد فكهونته كهنوت لا يزول وذبيحة نفسه وقد قدمها “مرة واحدة وإلى الأبد” لا تترك أي مجال لتقديم ذبائح أخرى أو حتى للحديث عن تكرار ذبيحة المسيح بأي صورة أو أي تعبير “لأنه بقربان واحد (بتقدمة واحدة) قد أكمل إلى الأبد المقدسين. ونؤمن أن المسيح بصعوده وجلوسه عن يمين الآب هو رئيس كهنة إلى الأبد، وكهنوته لا يزول ونؤمن أنه هو رئيس الكهنة الواحد الذي يجب ألا يدَّعي أحدٌ لنفسه أنه رئيس كهنة من بعده، أو في مكانِه. (عب 7: 26، 27؛ 8: 1؛ 9: 11)، (رؤ 1: 6؛ 5: 10)، (1بط 2: 9)، (عب 9: 24)، (عب 9: 15)، (عب 7: 22)، (عب 7: 24)، (عب 7: 27؛ عب 9: 12، 21؛ عب 10: 10)، (عب 10: 14)، (عب 7: 24). (صلاح، 2016، 316).

كما ورد أيضًا عن مفهوم الكنيسة الآتي: ونؤمن أن الرب جعل الكنيسة جنسًا اختاره من بين البشر، وكهنوتًا ملكيًّا، وأمة مقدّسة، وشعبًا امتلكه بنفسه ولنفسه، وبذلك فالكنيسة أصبحت شعب الله، أبناء إبراهيم الحقيقيين وإسرائيل الجديد. فهنالك استمرارية في تحقيق غرض الله في الخلاص. ورجاء نسل إبراهيم الجسدي هو في قبول المسيح مخلِّصًا، لا أن يقيم لهم مملكة أرضية. (1كو 10: 31)، (يو 17: 18؛ يو 20: 21)، (1بط 2: 9)، (تي 2: 12، 13؛ 2بط 3: 11، 12)، (غل 3: 7– 9، 29)، (كو 1: 18؛ أف 1: 22؛ 5: 23)، (غل 6: 16)، (رو 11: 23)، (مت 23: 8 – 10، 1بط 5: 2-4؛ 2تس 3، 4). (صلاح، 2016، 323).

 ولقد ركَّز الإصلاح في هذه العقيدة -كهنوت جميع المؤمنين- على عدة مبادئ أهمها:

أولًا: لا وساطة من حيث العلاقة الشخصيَّة بالله

إنَّ الفكرة الأساسية في الإصلاح الإنجيليّ والذي تدور حوله جميع المبادئ الأخرى هي كهنوت جميع المؤمنين، فكل مؤمن هو كاهن لله، وبإمكانه أن يتصل بالله رأسًا، وبدون وسيط، فقد كان للكنيسة في القرون الوسطى وسائط عدة منهم القديسون ورجال الدين. واعتقد الناس أنّه بهذه الوسائط يمكن الحصول على نعمة الله وغفرانه. أما الفكر الإنجيليّ فتميز في تعليمه بأنَّ هناك إمكانية لكل إنسان أن يقترب إلى الله في أي وقت شاء بدون أي وساطة بشريَّة، أن ينال الرحمة من الله بواسطة الوسيط الوحيد يسوع المسيح البار “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ…” (1 تي 2: 5-6). والإعلان الواضح هو أن يسوع المسيح هو طريق الخلاص الوحيد “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4: 12).

يقول فريد عودة: “يعلّم المذهب الإنجيلي أنَّه بإمكان كل إنسان أن يقترب إلى الله في أي وقت شاء، وبدون أي واسطة بشرية، وقد نادى الإصلاح بأن الإنسان ينال الرحمة من الله بواسطة الوسيط الوحيد يسوع المسيح، وإنَّ أحسن طريق للاتصال بالله هو طريق الصلاة والاتحاد الشخصيّ.” (عودة، 1955، 40).

وقد علَّم لوثر وجميع المصلحين من بعده “إنَّ العلمانيّ والكاهن على صعيد واحد في الأمور الروحيَّة، وكلاهما لهما حق الاتصال المباشر بالله، وكلاهما مسؤولان عن نشر ملكوت الله بين البشر. فجميع العلمانيين المؤمنين وحسب تعاليم لوثر مستحقون أن يمتثلوا أمام الله، وأن يصلوا للآخرين، وأن يعلموا بعضهم بعضًا الأمور التي هي من الله” (عودة، 1955، 45-46).

ثانيًا: تزكية المسؤولية الشخصيَّة المبنية على حرية الضمير

لقد حرَّمت الكنيسة في القرون الوسطى على الناس التفكير الحرّ، حتى أنها خلال الأربعين سنة التي سبقت الإصلاح حرقت 1300 شخصًا بسب الهرطقات. هذه العقيدة جعلت كل إنسان يشعر بمسؤوليته الخاصة تجاه الله، وإنَّ السلام والغفران لا يحصل عليهما إلا عن طريق الرب يسوع المسيح. “وقد بدأ الناس يسيرون في الطريق الجديد (رجالًا ونساءً) أقوياء بالروح والأخلاق، إنَّهم تحرروا من السلطة الكهنوتيَّة، وتخلصوا من الخوف الإكليريكيّ، وانعتقوا من السلطان الكنسيّ، ولم يعد لسيف الحرم المسلط فوق رقابهم ثمة قوة كبيرة عليهم.” (عودة، 1955، 45).

شدَّدَ لوثر على أهمية وقيمة الفرد حين قال: “وحدي وُلِدت في هذا العالم، ووحدي يجب أن أجابه واجبات الحياة ومسؤولياتها، ووحدي سأقف أمام الديان العظيم. إذًا لا أحد يقف في نوري، أو بيني وبين الله -لا أسقف، ولا كاهن، ولا مجمع كنسيّ، ولا قانون كنسيّ، ولا تقليد كنسيّ- بل سأقف أمام الله عاريًا، وعليَّ تقع المسؤولية تجاه الديان خالقي” (عودة، 1955، 48). في الوقت الذي أكَّد على دور وقيمة الفرد نادى بكهنوت جميع المؤمنين.

ثالثًا: توطيد أركان الديمقراطيَّة الحديثة

عقيدة كهنوت جميع المؤمنين جعلت للفرد قيمة كبيرة لأنَّها أوضحت أنَّ جميع الشعب هم متساوون أمام الله، ومهدت السبيل إلى الديمقراطيَّة الحديثة التي مَنحت الأفراد حق التفكير الشخصيّ، وحرية الضمير المسيحي. وعلى هذا الأساس يقول مكرم نجيب: “على هذا التعليم تأسست فكرة الديمقراطيَّة المنظمة في الكنيسة الإنجيليَّة في إطار النظام الذي وضعه الرسل في الكنيسة الأولى، وكنظام إداري وضعه الإصلاح (كالفن) الذي من طبيعته “إمكانية التغيير والتطوير بما يتلاءم مع المكان والزمان والبيئة والعصر مع الإبقاء والمحافظة على فكرة النظام أيًّا كان التطوير الذي يحدث بشرط أن يكون النظام وسيلة لامتداد الرسالة وانطلاق الكنيسة من ناحية، وأن يمنع التداخل والفوضى، والتشويش، وضياع الرؤية والأهداف من ناحية أخرى” (نجيب، 1997، 25).

كتب اللاهوتيّ هويغ كير تحت عنوان بماذا يؤمن البروتستانت قائلًا: “إنَّهم يؤمنون بالديمقراطيَّة-ومعظم البلاد الإنجيليَّة هي ديمقراطية في نزعاتها. ويحبذ الإنجيليون الكنيسة الحرة التي لا تخضع لسلطان الدولة. واعتقادهم بالديمقراطيَّة نابع من اعتقادهم بالله الذي هو أب لجميع الخلائق البشريَّة، وهو قد وهب جميع مخلوقاته العاقلة حرية الإرادة والاختيار. وهكذا فالإنجيليّ بدوره يرغب أن يهب الحرية للآخرين، فلا يحرم غيره من حرية الرأي، والقول، والعقيدة” (عودة، 1955، 51).

رابعًا: ألغى الإصلاح الإنجيليّ فكرة الكهنوت الخاص

       والذي كان بموجبه يقام نظام خاص أو طبقة خاصة من الناس يتوسطون في العبادة بين الله والناس كما كان الحال في النظام اليهوديّ، وأعلن أن جميع المؤمنين بإمكانهم أن يتصلوا بالله رأسًا دون وسيط. أثَّر هذا الفكر على العبادة والإبداع الفنيّ والأدبيّ، فنجد المرنم يشدو بفرحة ويقين:

لنا وسيط واحدٌ       ليس لنا سواه

يسوع فادٍ ماجدٌ      حياتُنا رضاه

نتج عن هذا التفكير ولادة فكرة المساواة من جديد، وإحياء الشركة في الجسد الواحد، وتمكين الجميع من المشاركة في اتخاذ القرارات. إنَّ عقيدة كهنوت جميع المؤمنين أعطت للإنسان كرامة كبيرة، فأكدت على حضوره وفاعليته.

أما عن قضية الزي الخاص الذي يلبسه البعض مميزًا لهم على علامة الكهنوت، فليس لها أي مكان في عقيدة جميع المؤمنين التي تساوي بين أعضاء الجسد الواحد. وقضية الملبس في مصر لها جذور تاريخية عميقة؛ فقد فُرِضت هذه الملابس على المسيحيين في عصور العنف والقسوة.

ولقد كتب كيرلس كيرلس يقول: “وقد استمر هذا الزيُّ الأبيض الجميل حتى القرن السابع وبعد الفتح العربيّ لمصر، وفي ظل الحكم الإسلاميّ الذي وصل إلى مشارف أوروبا يذكر المؤرخون -عرب وأجانب- أنَّ الخليفة عمر بن الخطاب أمر بأن لا يتشبَّه أهل الذمة في الدولة الإسلاميَّة بالمسلمين في مظهرهم وملابسهم- يقصد الملابس البيضاء والمدونة… وفي حكم محمد علي (1805-1849م) -وهو الذي نهض بمصر علميَّا وثقافيَّا- ألزم كل الأقباط والأروام بارتداء الزي الأزرق والأسود وألا يلبسوا العمائم البيضاء… ولهذا فالزي الأسود لا يحمل أية دلالة كتابيَّة أو إنجيليَّة أو كنسيَّة إنَّما هو ناتج عن أسباب تاريخيّة مرة لا صلة لها بالكنيسة روحيًّا أو طقسيًّا” (كيرلس، 22 يناير 2001).

كما أنَّه لا يوجد أي تمييز بين أعضاء الجسد الواحد في الكنيسة أو وضع تقسيم على أساسه يقسَّم أعضاء الكنيسة بناءً على مواهبهم (مواهب روحيَّة) أو مكانتهم (الوظيفيَّة أو السياسيَّة أو الاجتماعيَّة)؛ أو زيِّهم، فالجميع أمام الله واحد.

لإسلامية بالمسلمين في مظهرهم وملابسهم-يقصد الملابس البيضاء والمدونة….وفي حكم محمد على 1805- 1849م وهو الذي نهض بمص

خامسًا: أزال الفصل بين ثنائية الإكليروس والعلمانيين

يقول مفيد إبراهيم سعيد: “لقد كان يومًا حزينًا في تاريخ الكنيسة ذلك اليوم الذي قُسِّمت فيه الكنيسة إلى كهنة وإلى علمانيين” (سعيد، 1979، 22) هذه أصدق صورة تقال على حال الكنيسة التي فصلت بين الكهنوت والشعب، أو بين الإكليروس والعلمانيين. ومن خلال عقيدة كهنوت جميع المؤمنين، نجد التأكيد على أنَّ الكنيسة هي جسد المسيح الواحد المتعدد والمتنوع في الأعضاء والمواهب “ومن منطلق كهنوت جميع المؤمنين تمارس الكنيسة الشركة، والمشاركة، والخدمة، والتنظيم، فالكنيسة ككل هي الكاهن تمارس وحدتها، وتعمق سلامتها واستقرارها، وتؤدي خدمتها ودورها في تنوع وتكامل رائع” (نجيب، 1997، 27)

ومن خلال نصوص وشواهد العهد الجديد الواردة مثل: “فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ ثُمَّ قُوَّاتٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ أَعْوَانًا تَدَابِيرَ وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ.” (1كو 12: 28). وأيضًا: “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ” (أف 4: 11). من النصوص السابقة –كما يشير إيلول- لم نجد أي إشارة إلى الكهنوت الخاص بمقياس العهد القديم، وأصبح الكهنوت هو عمل الكنيسة بأكملها” (Elwell, 1996, 876)

       يقول محسن منير: “إن عقيدة كهنوت جميع المؤمنين كما تعلنها كلمة الله تؤكد المساواة أمام الله في اقترابنا منه كأبناء مولودين ثانيةً، والمساواة في مسؤوليتنا أمامه لنعيش جميعًا كمؤمنين دورنا الكهنوتي، سواء كمتفرغين للخدمة بتنويعاتها المختلفة، أو غير متفرغين للخدمة لكن نعيشها حيث نوجد في أعمالنا وحياتنا اليومية. وبذلك لا يكون التميز من خلال رتبة كهنوتية، بل من خلال نوع الحياة المطيعة للرب والمحقِّقة لمشيئته الصالحة في حياتنا وخدمتنا جميعًا كشعب الرب وكنيسته سواء كنا متفرغين أم غير متفرغين”. (منير، 2021، 21).

وبناءً على هذا التفكير تصبح الإدارة في الكنيسة جماعيَّة، والمسؤولية جماعيَّة، والعمل والتخطيط أيضًا جماعيَّين، فنحن معًا “مُلُوكًا وَكَهَنَةً” (رؤ 1: 6) ونحن أيضًا: “جِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ” (1 بط 2: 9). فكَوْننا (معًا) كملوك وكهنة امتياز عظيم يلازمه مسؤوليَّة عظيمة وهي الإخبار بمن دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب “لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ.” (1 بط 2: 9). ونتمتع بعمل المسيح “الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ” (كو 1: 13). 

الزاوية الثانية: المعوِّقات والعقبات

       عند تطبيق وممارسة هذا الاتجاه من التفكير والإيمان وتحويله إلى واقعٍ مُعاش نصطدم بمجموعة من المعوقات والعقبات التي قد تمنع تطبيق هذا الفكر.

  • طبيعة المجتمع بنظامه الإداريّ والثقافيّ الذي يفتقر إلى الديمقراطيَّة، وثقافة الحوار، وقبول الآخر، والذي تعوَّد الاعتماد على الغير، والافتقار إلى الموضوعيَّة والإغراق في السلبيَّة واللامبالاة والذاتيَّة، وتقديس النجاحات الفرديَّة، والبعد عن العمل الجماعيّ، وروح الفريق الواحد.
  • الدور الطاغي لرجال الدين في مصر، ومحاولة تأكيد وجودهم بشتى الطرق، وقابلية المجتمع المصريّ لذلك؛ حيث نجد المرجعيَّة الدينيَّة في الصغائر والكبائر عن طريق الإفتاء، والوصول إلى الله عن طريق أب الاعتراف. في دراسة ميدانية قام بها أحمد زايد يقول: “وإذا كنا نستخلص نتيجةً من البيانات السابقة (بيانات قام بها في دراسته الميدانيّة) فإننا نؤكد على أهمية التدين -كما يتجسَّد في السلوك الدينيّ السابق وصفه- في حياة المصريّ؛ وكذلك أهمية الدور الذي تلعبه الصفوة الدينية في الحياة اليوميَّة. ولعلنا نجد تفسيرًا لانتشار أشكال الخطاب السياسيّ الدينيّ أسرع من أي شكل آخر من أشكال الخطاب الأيديولوجيّ. فالدين أكثر العناصر الثقافية رسوخًا، والصفوة الدينيَّة أقرب جماعات الصفوة إلى مخاطبة الناس وإلى حياتهم اليوميَّة” (زايد، 2005، 118).
  • صراع السُّلْطة داخل الكنيسة، ومحاولة تغليب اتجاهٍ على الآخر أو فئةٍ على الأخرى (إكليروس/ علماني، قسيس/ شيخ، رجل/ امرأة، قائد/ عضو، مجلس/ لجنة). وتطفو على السطح دائمًا مشكلة بيَدِ من تكون صناعة القرار داخل الجماعة؟
  • وجود النظام القبليّ والعائليّ الذي يزكي التحيُّز، ويلعب دور السيادة والزعامة، والتأثير على الرأي العام. “وحسب سوسيولوجيا ذهنية القبيلة، فإنَّ الآخر إما أن يكون عدوًّا أو على الأقل عدوًّا يلزم الحياد” (حجي، 2005، 5) وفي ظل النظام القبليّ الأبويّ والذي يُطلَق عليه البطريركيّ ويخضع للنظام التراتبيّ الهرميّ، تنتج ثقافةٌ تميِّزُ العالم العربيّ أسماها المفكر المصريّ جابر عصفور “ثقافة التخلف”؛ فثقافة التخلف هي التي تؤكد وجود بنية التراتب” (عصفور، 2007، 12).
  • طغيان ثقافة الأشخاص على ثقافة النظم، بينما حسب مفهوم عقيدة كهنوت جميع المؤمنين تُزكَّى ثقافة النظم لا ثقافة الأشخاص، ومشكلتنا دائمًا أنَّنا ارتبطنا بثقافة الأشخاص وليس بنظام؛ فتتغير الأنظمة بتغيير الأشخاص.
  • التركيز في الخطاب الدينيّ المسيحيّ والترانيم على لاهوت الفرد، مما قاد إلى اعتبار الفرد أو العضو أهم من الجماعة، فبهت مفهوم ودور ولاهوت الجماعة.
  • الإقلال من التعليم عن هذه العقيدة الهامة والأساسية، جعل عليها أتربةً كثيرةً فضعفت في مجتمع يجنح نحو التقليد والجمود، ويمتلئ بأنظمة تحتاج إلى مساحة أوسع لممارسة الديمقراطيَّة؛ فالديمقراطيَّة نظام وأسلوب حياة، وليست تفصيلًا لمواقف معينة دون غيرها.
  • التطرف في تطبيق هذا النظام أنتج نوعًا من الفوضى وفقدان معايير الاحترام؛ فالتطرف في هذا الفكر ألغى توصيف الوظائف (التوصيف الوظيفيّ) وهو ركن مهم في فهم عقيدة كهنوت أنَّ الجميع واحدٌ متساوون، ولكن لكلِّ واحدٍ مسؤولية وعمل يختلف عن الآخر يستطيع أن يخدم حسب موهبته فيصبح المجتمع (مجتمع خبرة) يفيد بعضه البعض في روح التقدير والاحترام، وفي جو من الشركة والحب.
  • ضعف دور المرأة وتهميش دورها داخل الكنيسة والتركيز على عمل الرجل، في حين أنَّ العقيدة هي كهنوت جميع المؤمنين فظهرت اتجاهات وأفكار تضعف من قيمة عمل المرأة ودورها وتهمِّشها، تأثرًا ببعض الأفكار الشاذة والغريبة على الفكر الإنجيليّ المستنير. في دراسة هذا الأمر يجب دراسة كل النصوص المتعلقة بالمرأة وخدمتها ومكانتها.
  • يوتيبيا العمل الجماعيّ وطوباوية العمل الفرديّ، أول من استخدم هذا المصطلح هو “توماس مور” ومعناه شيء ليس موجودًا في أي مكان وهو ضرب من الخيال. وهذه الظاهرة ليست داخل الكنيسة فقط، ولكنها تعم المجتمع المصريّ بأكمله. على سبيل المثال فريق كرة القدم (المنتخب) يخسر في حين أن الألعاب الفردية تحصد جوائز. هذه الذهنية تربَّيْنا عليها من التنشئة، فنحن لا نعرف أن نعمل معًا، في حين أن الغرب لا يعرفون أن يشتغلوا بمفردهم.
  • التمييز بين أبناء الأسرة الواحدة، وبين النوع (رجل وامرأة) رصد الكاتب المصريّ نبيل عمر بعضًا من مظاهر التمييز داخل المجتمع المصريّ بالقول: “بل إنَّ أغلب المصريين ضحايا لتمييزٍ ما، قد يحدث ويلعب الدين دورًا، لكن كما تلعب المحسوبيَّة دورًا والسلطة دورًا والنفوذ دورًا ومركز القوى دورًا، وإذا دققنا في الأحوال بالعقل دون عواطف مشتعلة، فلن يصعب أن ندرك أنَّ التمييز جزء من ثقافة المجتمع المصري، سمة أساسية في علاقاته على أي مستوى؛ الطفل الذكر على حساب الطفل الأنثى، والرجل على حساب المرأة، والمرأة التي تنجب الذكور على حساب المرأة التي تنجب الإناث، أهل الثقة على أهل الخبرة، الأغنياء على حساب الفقراء، البهوات على حساب المُهمَّشين، أصحاب الواسطة على من لا ظهر لهم، المحاسب على حساب البسطاء، وأندية القاهرة على أندية الأقاليم، هي حالة عامة وعلينا جميعًا أن نعالجها من منظور ثقافة وطنيَّة، وليس منظور ثقافة طائفيَّة” (عمر، 2007، 12)
  • التناقض القيميّ والذي تعبِّر عنه الثقافة الشعبيَّة بصور كثيرة، يقول سيد عويس: “ومن المعوقات الثقافية التي تقف في سبيل النهوض في مجتمعنا المصريّ المعاصر على الوجه الأكمل، ما نجده في القِيَم المتناقضة. تلك القيم التي يقف أمامها الإنسان المصريّ حائرًا لا يعرف كيف يسلك السلوك المتوقَّع. ولعل وجود القِيَم المتناقضة يرجع على قِدَم المجتمع المصريّ، كما يرجع على استمرار هذا المجتمع، ومهما يكن من الأمر فهي قِيَم تستحق الدراسة كي تُفهَم فهمًا يمكن في ضوئه أن توجَّه أو تُواجَه ومن الأمثلة على ذلك ما تضمنته الأمثلة الشعبيَّة التالية: “اللقمة الهنية تكفي مية” و”اللي لك محرم على غيرك”؛ “القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود” و”اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”؛ “القفة اللي لها ودنين يشيلوها اتنين” و”قط مِلْك ولا جمل شِرْك”؛ “كلنا ولاد تسعة” و”الناس مقامات”؛ “الرزق يحب الخفية والمبدَّر رزقه أكتر” و”الأرزاق على الخلاق”؛ “اللي أوله شرط آخره نور” و”واللي من نصيبك راح يصيبك” (عويس، 2001، 34). ويقاس على ذلك مثلًا التناقض القيمي بين النجاح والأمانة، حيث في الامتحانات يضحون بالأمانة في سبيل النجاع عن طريق الغش.

الزاوية الثالثة: التطبيق والممارسة

       من خلال ما عرضناه من مفاهيم حول كهنوت جميع المؤمنين، والعقبات الموجودة في المجتمع المصريّ، ومن خلال مطابقة المفاهيم مع العقبات نخرج بمجموعة من التطبيقات العملية لكي نكون قادرين على تفعيل مثل هذه العقيدة بصورة إيجابية في الحياة.

  • تأصيل هذا الاتجاه التعليميّ وتطبيقه يبدأ أولًا بالجانب التعليميّ والكتابيّ والفكريّ واللاهوتيّ ولا سيما التركيز على الفكر الإنجيليّ المصلح لما أحدثه هذا التفكير من ثورة في تاريخ الفكر البشريّ؛ فهذه العقيدة أحدثت انقلابًا في التفكير السائد في القرون الوسطى الذي أفرز (النظام الباباويّ) نتيجة لديكتاتوريَّة السلطة لاهوتيًّا وسياسيًّا وإداريًّا يخدم النظام. نجد أنَّ الفكر المصلح نادى بفكرة المساواة أمام الله بالعودة على الكتاب المقدّس الذي يعلمنا بأن البشر متساوون أمام الله في الخلق والخطية والخلاص؛ فأفرز لنا اللاهوت المصلح فكرًا لاهوتيًّا يرتكز على الجماعة.
  • محاولة تغيير قيم المجتمع السائدة التي تدعو على الانسحاب، والانعزال، والهروب من المسؤولية، هذا يحتاج لبناء قيميّ بنَفَسٍ هادئ وطويل المدى، لكيلا تحدث ازدواجية في الفكر والسلوك فننادي بكهنوت جميع المؤمنين وكل فرد له لاهوت خاص على هواه ومزاجه الشخصيّ.
  • عدم التركيز على فرد واحد مهما سَمَتْ قدراتُه، ولكن يجب إشراك الجماعة كلها. ففي المجال الكنسيّ تعودت الكنيسة في العبادة والإدارة على أنَّ الراعي يقوم بكل شيء وفي غيابه يتعطل كل شيء ودور الشعب هو أن يراقب ويشاهد أو بمعنى آخر (يتفرج) في صمت وعدم اكتراث، أو يتذمر البعض وينسحبون (ظاهرة الغبن) في سلبية مميتة “ولكن بحسب كهنوت جميع المؤمنين يجب أن يكون هناك إشراك فعَّال للأعضاء في العبادة والإدارة؛ فلقد أعطى الله (الروح القدس) مواهب لجميع أعضاء الجسد، فلا يوجد راعٍ يمتلك جميع المواهب، كما إنَّه لا يوجد مؤمن داخل الكنيسة يخلو من المواهب” (فتحي، د. ن.) فكيف تمارس الكنيسة كهنوت جميع المؤمنين في العبادة؟ يقول مكرم نجيب: “على أن التحدي الذي مازال أن العبادة قبل الإصلاح كانت تعتمد على (المشاهدة) بمعنى الرؤيا بالعين لطقوس العبادة، وبعد الإصلاح اعتمدت أكثر على السمع بمعنى سماع الأذن فقط لكلمة الله، لكن المشكلة الأساسية أنَّ العبادة أكثر وأكبر من المشاهدة والسمع، بل هي التفاعل الصادق والحي والتجاوب القلبيّ والجماعيّ بين الشعب والله وبين الشعب وبعضهم البعض. ومن هنا تأتي حتمية التنوع في طرق وأساليب العبادة لتحقيق التفاعل الحقيقي” (نجيب، 1997، 28-29). والعبادة من خلال كهنوت جميع المؤمنين هي عمل الشعب، واحتفال الشعب وهذا يتطلب المشاركة الفعَّالة من الجميع في فترات العبادة المختلفة.
  • العمل في إطار نظام/ جماعة/ فريق عمل، وليس في إطار أشخاص كما ذكرنا من قبل. والتركيز على ثقافة النُّظُم مع الأخذ في الاعتبار قابلية النظم للتطوير والتعديل والتغيير بما يتناسب مع الخدمة ونموها، وهذا يحتاج إلى تدريب طويل. يأتي هذا التعليم في ظل بيئة ثقافيّة مصريّة لا تستطيع أن تعمل معًا جماعيًّا، تمجد دور الفرد، بل الألعاب الفردية هي التي تفوز، والألعاب الجماعيّة كمنتخب كرة القدم يخسر. وذلك يرجع إلى أنَّ هناك فرقًا في منهج التربية، حتى في طريقة اللعب لدى الأطفال؛ فقد قرأت هذه المفارقة: عندنا يأتون بتسعة كراسي لعشرة أطفال ويقولون للأطفال بأنّ الرابح هو مَن يحصل على الكرسي، ومَن يبقى بدون كرسي يكون خارج اللعبة. ثمّ يقلّلون عدد الكراسي كلّ مرّة، فيخرج طفل كلّ مرّة حتى يبقى طفلًا واحدًا ويتم إعلانه أنّه الفائز. فيتعلّم الطفل ثقافة “نَفْسي نَفْسي، ولكي أنجح عليَّ أن أزيح غيري”. وفي الروضة الخاصة بأطفال اليابان يلعبون لعبة الكراسي أيضًا؟ ويأتون بتسعة كراسي لعشرة أطفال أيضًا مع فارق بأنّهم يقولون للأطفال بأنّ عددكم أكبر من الكراسي. فإذا أحدكم بقي دون كرسي يخسر الجميع. فيحاول جميع الأطفال احتضان بعضهم البعض لكي يستطيع عشرة أطفال الجلوس على تسعة كراسي. ومن ثمّ يقللون عدد الكراسي تباعًا. مع بقاء قاعدة أنّهم يجب أنْ يتأكدوا بأن لا يبقى أحدهم دون كرسي وإلا خسروا جميعًا. فيتعلّم الطفل ثقافة “لا نجاح لي دون مساعدة غيري على النجاح”. ثقافة التعاون والمحبة خطوة لسعادة أكبر. الكراسي هي هي واللعبة هي هي لكن التوجه القيمي مختلف. أمامنا فرصة كبيرة في التربية والتعليم حول قيمة العمل الجماعيّ ودور كل فرد في فريق العمل فنحن نتعبد معًا، نخدم معًا، نقدم شهادة معًا.
  • إتاحة الفرصة لكافة الطاقات والإمكانيات الموجودة داخل الكنيسة للمشاركة كل واحد في إطار خدمته ومواهبه، مع التشجيع والتطوير باستمرار. يقول دورلنج: “إن كل شخص خليقة الله القيِّمة ذو شخصية، ومزاج، وصفات، وقدرات خاصة به. والله يريد من كل واحد أن يكون على سجيَّته، وأن يمجِّد الله ويخدم الآخرين. إنه ليس منتظرًا أو مطلوبًا من كل المؤمنين أن يكونوا متشابهين أو أن يخدموا بنفس الطريقة. من المهم أن يدرك كلُّ شخص هذه الحقيقة ويقبل نفسه كما خلقه الله. عندئذٍ فقظ يمكن للمرء أن يتحرَّر من التداعيات والشعور بعدم الأمان، والمقارنات، لكي يخدم بحرية وفرح وفاعلية”. (دورلنج، 2020، 73).
  • كسر حاجز العزلة والدعوة للاندماج لمملكة الكهنة لتأدية الدور المطلوب داخل المجتمع وهذا لا يفعله شخصٌ واحدٌ أو اثنان بكل المؤمنين داخل إطار المجتمع المحليّ، وذلك من خلال الخدمة والشركة والشهادة والعبادة معًا.
  • إعادة النظر في موضوع الديمقراطيَّة نتيجة لمفهوم كهنوت جميع المؤمنين، ومحاولة إرساء وتعليم الديمقراطيَّة الصحيحة لا تقف عند المظاهر في الانتخابات، بل تصبح أسلوب حياة. “أعطانا الله بركة عظيمة في نظامنا الإداريّ الإنجيليّ المشيخيّ هي بركة الحرية التي لا يتمتع بها غيرنا، ولكننا في الحقيقة أسأنا استخدامها وتطبيقها وحولنا الحرية إلى فوضى وتسيب، وفهمنا الديمقراطيَّة بمفهوم خاطئ لذا جاء الوقت الذي يجب فيه أن ندرك فيه المفهوم الصحيح للحرية والديمقراطيَّة، إنَّها ليست الغوغائيَّة والفوضويَّة. إنَّ التطبيق الخاطئ لها ينتج عنه فقدان السلطة الضرورية للكنيسة وضعف روح الانضباط مما أثر تأثيرًا كبيرًا على سير الخدمة فيها. إنَّ الديمقراطيَّة لا تلغي أبدًا احترام الصغير للكبير، والناشئ لصاحب الخبرة، والابن للأب، والتلميذ للمعلم، والعضو للراعي. إننا في حاجة عاجلة للتوجيه والتقويم بروح الأبوة المسؤولة ليعرف كل فرد الكنيسة أين موقعه، وما هو دوره بالتحديد حتى لا تختلط الأمور” (ذكي، د. ت، 13). ولقد سبق وقلت من قبل إنَّ الديمقراطيَّة بدون شعب مستعدٍّ تساوي نكسة، ولعل التنبير على عقيدة كهنوت جميع المؤمنين يساعد على فهم أفضل للديمقراطيَّة -التي أصبحت مطلبًا وطنيًّا- فهمًا وممارسةً، والذي تميزت به الكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة بمصر عبر أكثر من قرن ونصف من الزمان قدَّمت فيه لمصر خبرة ديمقراطيَّة رفيعة المستوى؛ إذ كل قياداتها في جميع المستويات هم بالانتخاب الحر المباشر الذي يزكِّي ثقافة الاختيار.
  • ممارسة منهجية العقل النقديّ وترسيخ وممارسة النقد الذاتيّ الجمعيّ الذي يساعد على نقاء وقداسة كهنوت جميع المؤمنين، بدون بكائيات على الأطلال أو جلد الذات، بل بتفكير هادئ، وموضوعيَّة، في ضوء المفاهيم والمبادئ والتطبيق الفعليّ. وهذا سيفتح أمامنا كمملكة كهنة أبوابًا كثيرةً للتطوير والتقدم والمعايشة داخل إطار (كهنوت جميع المؤمنين) الذي يقبل التعدد والتنوع في وحدة، والوحدة في تنوع، وقبول الآخر وخدمته، وإدراك واعٍ للدور المطلوب من كل ملك وكاهن داخل الجماعة/ الكنيسة. ويتحول المفهوم الشعبيّ القائل: “أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب (العصبيَّة والقبليَّة) إلى “أنا وأخي في خدمة ابن عمي، وأنا وابن عمي في خدمة الغريب.”
  • فهم عقيدة كهنوت جميع المؤمنين يساعد على إحياء الضمير الجمعيّ العام الذي امتلأ بالثقوب الكثيرة كما يساعد أيضًا على التوجه الصحيح مع الصمود الفكريّ لترسيخ القيم الإيجابيَّة والعمل على سد الفجوات والثغرات التي تظهر من حين لآخر في الضمير الجمعيّ العام.
  • محاولة الانتقال من فكرة أن تعيش أو توجد Existence لنفسك وهي مرحلة يعمل فيها كل واحد لنفسه فقط، إلى التعايش المشترك في سلام Coexistence، إلى التعاون Cooperation إلى التشارك والمشاركة Partnership، وفي المرحلتين السابقتين يعمل الشخص بطريقة التعاون المشترك وهذا مطلوب، ولكن ليس هو المنتهى. بل الغاية العظمى للوجود معًا وهي الرخاء المشترك prosperity Co وفي هذه المرحلة يحاول كل فرد أن يقوم بالجزئية المطلوبة منه باتفاق وهو يعلم أن إتقانه في هذه الجزئية يعمل على رخاء المجتمع، وذلك حسب وصف رؤوف حامد في كتابه إدارة المعرفة رؤية مستقبليّة. (رؤوف، 2001). والممارسة التطبيقية لكهنوت جميع المؤمنين تنقلنا من فكرة أنني أحيا لذاتي فقط في سلام مع الآخرين إلى الرخاء المشترك، فيصبح نجاحُ الآخر هو نجاحي، وفشلُ الآخر هو فشلي. وفق هذا المفهوم الحديث الذي يدور من البعض الآن في مصر نطبق هذا على جماعة الكهنوت الملوكيّ (كل الكنيسة معًا) كل واحد يعمل في نطاق المهمة والدور الذي يقوم به، وهو في اعتقاده أنَّه يعمل في منظومة متكاملة يكمل الآخرين من خلال إتقانه في العمل.
  • التركيز المستمر على مسؤوليتنا وامتيازاتنا التي حصلنا عليها في ضوء العهد الجديد. يقول مفيد إبراهيم سعيد: “إنَّ جميع الصفات التي وصف بها بطرسُ كنيسةَ المسيح قد سبق أن وصف بها شعب الله في العهد القديم، لكن هذا الشعب سقط وأُسقطت عنه هذه الصفات إذ ظن أنَّه اختير لأنَّه أفضل من غيره، ونسي أن الله قد اختاره ليقدم الخلاص للآخرين. لنحذر من أن نقع في هذا الخطأ. لقد اختارنا الله وأحبَّنا، وقد جعلنا جنسًا مختارًا، كهنوتًا ملوكيًّا، أمة مقدسة، شعب اقتناء، لا لأنَّنا أفضل من غيرنا ولا لنتمتع به فحسب، لكن لنخبر بفضائل الذي دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب. تمتعوا إذًا بهذا الامتياز وتحملوا هذه المسؤولية.” (سعيد، 1978، 30). يقول سهيل سعود في هذا الصدد: “إنَّ لقب “الكاهن” لكل مسيحي يرافقه امتيازات ومسؤوليات فالامتيازات هي: التواصل مع الله بالصلاة والإيمان، وتقديم الذبائح الروحية لله، التي هي ذبائح الحمد والتسبيح، وانسحاق الروح أمام الله. أما المسؤوليات فهي أن يكون المسيحي الكاهن رسول المصالحة بين الله والناس ليخبر بفضائل الذي دعاهم من الظلمة على نوره العجيب”. (سعود، 2019، 90).
  • تأصيل فكر ثقافة الديمقراطيَّة، والشفافيَّة، والمحاسبة، واحترام الآخر، والالتزام برؤية معرفة للجميع.
  • التوصيف الوظيفي مهم، وخلق الأدوار أيضًا داخل مملكة الكهنة شيء يحاول أن يعطي قيمة ومكانة ويستغل كافة الإمكانيَّات المتاحة عند الأعضاء. كلنا متساوون أمام الله لكن في الوقت نفسه ليس لدينا التساوي في الإمكانيات والقدرات، وهذا الاختلاف يقود إلى التكامل وليس الصراع.
  • تصبح مهمة الخادم أو الراعي أو المسؤول ليس القيام بكافة الأعمال، ولكن كما شبهه البعض بدور الملقن “إنَّ وظيفة (الخادم أو المسؤول) القسيس أن يدرب الشعب على العمل، ويعطيهم فرصة ليقوموا بدورهم في خدمة الله والكنيسة والمجتمع، وهو أشبه بالملقن، وظيفته أن يختفي من فوق المسرح، ليساعد الممثلين على أداء أدورهم أمام الجمهور، ولكن المأساة تحدث عندما يظهر الملقن على المسرح ويزيح كل الممثلين جانبًا ويقوم هو بجميع الأدوار” (فارس، 2004، 30).

خاتمة

عرضنا في هذه الدراسة تفاعل التفكير اللاهوتيّ مع المجتمع والفكر الاجتماعيّ من خلال عقيدة كهنوت جميع المؤمنين من حيث المفهوم، والعقبات التي تواجهها، وكيفية التطبيق. ويبقى في الدراسة والتفكير أنَّ عقيدة كهنوت جميع المؤمنين هي العقيدة المميزة لوجه الإصلاح الإنجيليّ والتي يجب الحفاظ عليها والعيش بمقتضاها، وهي لا تعني كهنوت الفوضى، ولكن الكهنوت الذي يقود إلى جماعة تعرف الله معرفة حقيقية وتخدمه، وفي الوقت نفسه تعرف نفسها وامتيازاتها وتدرك مسؤوليتها، وتحيا حياة مؤثرة في المجتمع الذي تعيش فيه.

 

المراجع

Handbook of Christian theology: Meridian Books, INC. New York 1958. Walter A. Elwell (ed.), Evangelical Dictionary of theology, Baker reference Library Grand Rapids, Michigan, 1996.

حامد، محمد رؤوف. إدارة المعرفة رؤية مستقبلية. القاهرة: دار المعارف، 1999م.

حجي، طارق بين القبيلة والدولة. جريدة وطني 13/5/2007م.

دورلنج، مارفن. كهنوت جميع المؤمنين أساس الكرازة للخليقة كلها. مراجعة وتنقيح كمال لطفي القاهرة: مجمع كنائس الإيمان المسيحيّ، 2022.

زكي، إميل وفايز فارس ومنيس عبد النور. إيماني الإنجيلي دروس لراغبي الانضمام للكنيسة. القاهرة: دار الثقافة، 1988م.

 زايد، أحمد. المصريّ المعاصر مقاربة نظرية وأمبيريقيّة لبعض أبعاد الشخصية القوميّة المصرية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، سلسلة العلوم الاجتماعيّة 2005م.

سعود، سهيل. العقائد الإنجيليّة من أفواه المصلحين. القاهرة: دار الثقافة، 2019م.

سعيد، مفيد إبراهيم، كهنوت ملوكي. القاهرة: دار الثقافة. سلسلة الأغصان 2، 1979م.

سيد، عويس. قراءة في موسوعة المجتمع المصريّ القاهرة، مهرجان القراءة للجميع مكتبة الأسرة، الأعمال الفكرية 2001م.

صبرا، جورج. في سبيل الحوار المسكونيّ مقالات إنجيليّة. بيروت، دار منشورات النفير، 2000م.

صلاح، عيد. دساتير الكنيسة الإنجيلية بمصر نصوص ووثائق 1879-2015م. القاهرة: المجلس القضائي والدستوريّ، سنودس النيل الإنجيليّ، 2016.

صموئيل، ذكي. دعوة للإصلاح. القاهرة: د. ت، د. ن.

عصفور، جابر. عن التخلف. جريدة الأهرام 11/6/2007 ص 12.

عمر، نبيل. تعساء ومتعصبون. جريدة الأهرام 27/6/2007م.

 فارس، فايز. الراعي والكنيسة من هو الراعي في الكنيسة الإنجيليَّة؟ القاهرة: دار الثقافة، 2004م.

فتحي، رفعت كهنوت جميع المؤمنين، دراسة غير منشورة.

كيرلس، القس كيرلس. أي زي نقصد؟ جريدة الأخبار 22/7/2001م.

متى، بخيت. إيماننا الإنجيليّ مرجع للعقائد الإنجيليَّة. القاهرة، سنودس النيل الإنجيليّ، مجلس شئون القسوس، 2005م.

مطر، فريد عودة. التراث الإنجيليّ. بيروت: مكتبة المشعل، 1955م.

منير، محسن. كهنوت جميع المؤمنين بين المساواة والتميز. النسور، مايو 2021.

نجيب، مكرم. الروحانية الإنجيليَّة الجذور والثمار. القاهرة: دار الثقافة، 1997م.

 

الفكر اللاهوتيُّ والعلم: رؤية مسيحيَّة مُصلَحة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القسّ عادل عبد المسيح ثابت

 مقدمة

في هذه الورقة[1] أقدم طرحًا مؤدَّاه أن الرؤية المصلحة للعالم تساعدنا في فهم أفضل للعلاقة بين الإيمان والعلم، وأن الصراع الحقيقي والخفي هو بين رؤى مختلفة للعالم والإنسان، وليس بين الإيمان والعلم. ولكي أوضح هذا الطرح، سأقدم أولًا مفهوم “الرؤية للعالم Worldview“، كمفهوم مركزي في هذه المناقشة. ثانيًا، سأقدِّم رؤيةَ المذهب الطبيعي، وهي رؤيةٌ ماديَّةٌ للعالم والتي يقول أصحابها إنها تمثل جزءًا أساسيًّا من الرؤية العلمية للعالم Scientism“”، والتي تجعل من العلم أمرًا مطلقًا يمكن من خلاله تفسير معنى الحياة الإنسانية والغاية منها. وتشير هذه النزعة أساسًا -المذهب الطبيعي- إلى كون الطبيعة هي المصدر الأساسي والجوهري لكل ما هو موجود، وإلى محاولة تفسير كل شيء وفقًا لقوانين الطبيعة. وبعد ذلك، ثالثًا، سأقدم للرؤية الدينية المسيحية المصلحة للعالم مبينًا أنها تساعدنا على فهم العلاقة بين الإيمان والعلم على نحو أفضل.

أولًا: الرؤية للعالم والحياة Worldview

هو مصطلحٌ فلسفيٌّ ظهر في الفلسفة الألمانية ويعني world and life view أي الرؤية للحياة والعالم. وأول من استخدمه هو الفيلسوف الألماني كانط، وهو مصطلح مُفضَّل لدى اللاهوتيين الهولنديين الذين ينتمون للكالفينية الجديدة هو يعني ببساطة (وجهة نظر للحياة) ويعني كل مبادئ الشخص واعتقاداته. وتعريفه هو الإطار المفاهيمي لاعتقادات الشخص الأساسية بخصوص الأشياء. ويحتوي هذا التعريف على:

الرؤية للعالم: أمر من اعتقادات الشخص وليس مشاعر أو آراء، ولكن يحمل ادِّعاءً معرفيًّا وإدراكيًّا يمكن الدفاع عنه بالحجج.

الرؤية للعالم: يجب أن تتعامل مع الاعتقادات الأساسية بخصوص الأشياء. يجب أن تتعامل مع الأسئلة المطلَقة والنهائية التي نواجهها، إنها تحتوي على المبادئ العامة. معنى الحياة؟ ما الغاية والمصير للوجود الإنساني؟ هل العنف صحيح بأي شكل من الأشكال؟ هل توجد معايير للحياة الإنسانية؟ هل توجد دلالة للألم؟

تقود هذه الاعتقادات من نحو الأشياء إلى نسق محدد. وعندما تكون الرؤية جادة تكون متَّسقة وغير ساذجة. يمكن أن يوجد عدم اتساق في رؤانا، ليس فقط إذا كان هناك تضارب بين الاعتقادات، بل أيضًا إذا فشلنا في الحياة بانسجام مع ما نؤمن به ونعتقد فيه. إذا كانت الأفعال بعيدةً عمَّا نعتقد، فإننا نحاول تغيير إما أفعالنا أو اعتقاداتنا. فلا يمكننا أن نظل في صحةٍ فكريةٍ إلى مدةٍ طويلةٍ إذا كنا لا نقوم بمجهود لحل هذا الصراع أو التناقض.

إن كل شخص لديه W.V من نوعٍ ما. عند مناقشة معظم الناس عن رؤيتهم للحياة والعالم، ربما لا يعرفون إجابةً، ولكن سوف تنشأ اعتقاداتهم الأساسية بسرعة كافية عندما يواجهون طوارئ عملية، ويواجهون القضايا المعاصرة، مثل ما رأيكم تجاه: الكرازة؟ حوار الحضارات؟ حب السلام؟ الشيوعية؟ الشذوذ الجنسي؟ عقوبة الإعدام؟ وكون أن لديَّ W.V هو ببساطة جزء من كوني موجودًا إنسانيًّا ناضجًا.

 دور الـ W.V في حياتنا؟

تقوم بعمل المرشد، وخريطة لما هو صواب وما هو خطأ. ومن السمات الإنسانية أنه لا يمكننا أن نعيش بدون هذا التوجيه والإرشاد؛ لأننا مخلوقاتٌ مسؤولةٌ ونحتاج إلى عقيدةٍ نحيا بها. ومن المهم أن نلاحظ أن رؤانا وحُجَجَنا ليست هي فقط المتأثرة بالـ W.V ولكن كل قراراتنا أيضًا: مثل هل ننخرط في السياسة؟ هذه الرؤية للعلاقة بين الـ W.V وتصرفاتنا أنكرها العديد من المفكرين:

– الماركسية: ما يرشد سلوكنا هو الصراع الطبقي

– كثير من علماء النفس: ديناميكية حياتنا الشعورية هي التي تحكم سلوكنا واعتقاداتنا، تكون هنا مُنقادة وليست قائدةً، فهي عقلنة للشعور. وعلماء نفس آخرون يرون أن أفعالنا مشروطة بدافع فيزيائي من البيئة الخارجية (السلوك الشَّرْطي).

– إن كل هذا محل اهتمام لأن السلوك الإنساني معقَّد ويشمل كل هذه الجوانب، ولكن السؤال ما هو العامل الحاسم والأهم في تفسير السلوك الإنساني؟ الإجابة هي (الاعتقاد). وهذا في حد ذاته نوع من الـ W.V وما قدمه هؤلاء المفكرون هو نوع من الـ W.V عن رؤيتهم للموجود الإنسانيّ.

ما العلاقة بين الـ W.V والكتب المقدسة؟

يجب أن تتشكل وتُـختَبَر بواسطة الكتب المقدسة، وهذا يعني أنه هناك فجوة ذات معنى بين هؤلاء الذين يقبلون الكتب المقدسة باعتبارها كلمة الله، وبين أولئك الذين لا يقبلونها على أنها كذلك. ويعني أيضًا أن على المسيحيين أن يفحصوا باستمرار اعتقاداتهم للحياة والعالم المناقضة للكتب المقدسة؛ لأن الفشل في ذلك سيجعل هناك ميلًا شديدًا لتشكيل العديد من الاعتقادات، وحتى الأساسية منها من الثقافة التي تمت عَلْمَنَتُها. نحن نعترف بسلطان الكتاب المقدس كسلطانٍ إلهيٍّ؛ أي يعلو فوق كل سلطان آخر. وهناك ضغط على المسيحيين لتأكيد إدراكهم بسلطان الكتاب والتقيُّد به في كل دوائر الحياة، وهذا الضغط هو ثمرةٌ للرؤية العلمانية للحياة والعالم.

إن مركز الكتاب المقدس هو التعليم، ولا يوجد نصٌّ لا يعلِّمنا شيئًا عن الله وعلاقته بنا. والشهادة والاعتراف هنا يكون عمليًّا في الحياة والموت وعلاقة المسير العهديّ مع الله. وهو ما قاله بولس في رومية 2: 12 “تجديد الذهن”.

إننا نظن أنَّ الكتاب المقدس يعلِّمنا فقط عن المعمودية والصلاة والاختيار والعقيدة عن الكنيسة، ولكنه يتكلم أيضًا بشكل أساسي عن كل شيء في حياتنا، بما فيها التكنولوجيا والاقتصاد والعلم. إن منظور التعليم الكتابي يشمل الشؤون العادية ويعني ذلك أن نأخذ بشكل جاد الكتاب المقدس وتعاليمه بالنسبة لمجمل حضارتنا الآن.

علاقة الـ W. V مع اللاهوت والفلسفة؟

هناك اتجاه يقول: فهمُنا للأشياء اعتمادًا على سلطان الكتاب المقدس يُسمَّى “لاهوت”، وفهمنا للأشياء اعتمادًا على سلطان العقل يُسمَّى “فلسفة”. وهذا افتراضٌ خاطئٌ يقوم على أساس أن اللاهوت لا يمكن أن يكون إنسانيًّا وأن الفلسفة لا يمكن أن تكون كتابيةً. إنَّ الفلسفة واللاهوت مجالان متخصصان، والحال ليس كذلك مع W. V لأنها هي ما قبل العلمي بينما الفلسفة واللاهوت علميان. ويمكن التمييز بين الفلسفة واللاهوت من خلال مصطلحين هما: structure الفلسفة، direction اللاهوت.

ثانيًا: المذهب الطبيعي والعلموية (المذهب العلمي) Scientism

كما أشرنا إلى أن المذهب الطبيعي هو محاولة تفسير كل شيء وفقًا لقوانين الطبيعة، وبالتالي فهو -كما يذهب الطبيعيون- يدعم العلموية. والعلموية كلمة غريبة إلى حد ما، ولكن لأسباب سوف نراها فهي كلمة مفيدة. ورغم أن المصطلح تم صكه حديثًا إلا أنه مرتبط بالعديد من الاعتقادات والمبادئ الأخرى مثل: المذهب المادي، المذهب الطبيعي، المذهب التجريبي، الوضعية.

تعريف العلموية:

يعرف Richard G. Olson العلموية بأنها: “السعي أو المجهودات لتطبيق الأفكار والمناهج والممارسات والاتجاهات العلمية على الشؤون السياسية والاجتماعية الإنسانية” ويعرفها Tom Sorell بأن “المذهب العلمي هو مسألة وضع قيمة مطلقة في العلوم الطبيعية مقارنةً بفروع التعليم أو الثقافة الأخرى”، كما يعرفها Lan Hutchinson بأنها “العلم، كما يظهر بشكل نموذجي في العلوم الطبيعية، هو المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقية”.

تاريخ المذهب العلمي

الثورة العلمية

إن جذور المذهب العلمي تعود إلى القرن 17 في أوروبا، فيما يعرف في هذا العصر بالثورة العلمية. حتى هذه اللحظة كان معظم العلماء مختلفين بخصوص التقليد الفكري وبشكل خاص بالكتب المقدسة المسيحية واليهودية وأيضًا الفلسفة اليونانية. ولكن السيل الجارف من التعليم الجديد في أواخر عصر النهضة بدأ يتحدى سلطان القدماء وبدأت الأسس تتصدع. ترأس فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت وجاليليو وقادوا حركة عالمية تعلن أساسًا جديدًا للتعليم، والذي يحتوي على فحص دقيق للطبيعة بدلًا من تحليل النصوص القديمة. استخدم بيكون وديكارت أسلوبًا قويًّا لتأسيس منهجهم الجديد، وقالا إنه بتعلم كيفية عمل النظام الفيزيائي الطبيعي، فإنه بمقدورنا أن نصبح أسياد الطبيعة ومُلَّاكَها-مقابل فكرة التكليف الإلهي.

وفي فعل ذلك، يمكن للإنسانية أن تتغلَّب على الجوع من خلال ابتكارات الزراعة، وأن نحدَّ من الأمراض من خلال الأبحاث الطبية، وفوق الكل يمكننا أن ندعم حياةً أكثر جودةً من خلال التكنولوجيا والصناعة بشكل مطلق. فإنه يمكن للعلم أن يحفظ الإنسانية من الآلام غير الضرورية ومن ميول الناس لتدمير أنفسهم، وأن العلم يَعِد بتحقيق هذه الأهداف في هذا العالم وليس في الحياة الأخرى. هذا المنهج الجديد لاقى نجاحًا كبيرًا، وبدأ المذهب العلمي في الانتشار وكان ديكارت قد صوَّر العالم وكأنه آلةٌ عملاقةٌ.

ثم في القرن التالي (التنوير في القرن 18) واصل العديدُ من مفكري التنوير هيامهم بقدرة العلوم الطبيعية، وقد ادعوا أن العلم ليس فقط يستطيع تحسين نوعية الحياة الإنسانية، بل أيضًا يمكن للعلم أن يعزز التقدم الأخلاقي، حتى أن الموسوعي Denis Diderot عمد إلى جمع وتنظيم وحفظ كل المعارف الإنسانية حتى يصبح أطفالنا -بعد أن يكونوا أفضل تعليمًا- أفضل فضيلةً وسعادةً في نفس الوقت. كما أن العديد من الفلاسفة الفرنسيين ادعوا حتى أن العلم يمكنه أن يكون بديلًا للدين.

ثم كانت الوضعية في القرن 19 وكانت أقوى صورة للمذهب الطبيعي، وذلك مع أوجست كونت، والذي بنى فلسفته الوضعية على تجريبية ديفيد هيوم ومذهبه الشكِّي. وكان أن ادَّعى أوجست كونت أن المعلومات الصالحة يمكن الحصول عليها فقط من خلال الإحساس، فلا شيء مفارق ولا شيء ميتافيزيقي يمكن أن يكون صالحًا.

وفسر كونت الفكر الإنساني بثلاث مراحل هم: المرحلة اللاهوتية؛ أي تفسير الظواهر بالكائنات الغيبية، والمرحلة الميتافيزيقية؛ وهي التفكير المجرد، وأخيرًا المرحلة الوضعية؛ وهي المرحلة العلمية. ولقد كان كونت يعتقد أنه من خلال التقدم المستمر للفهم البشري سيتلاشى الدينُ، وستتحول الفلسفةُ والعلوم الإنسانية إلى أساس طبيعي، وستصبح المعرفة البشرية في النهاية نتاجًا للعلم، وأن أية أفكار خارج هذا المجال ستكون مجرَّدَ خيال أو خرافة.

في القرن العشرين قويت الوضعيةُ وتطورت من خلال الوضعية المنطقية، والتي أخذت طريقها من خلال حلقة فيينا وقامت بتنشيط المبادئ الأساسية للوضعية مع المنطق الرمزي ونظرية الدلالة. وقالوا إن هناك نوعين فقط من العبارات ذات معنى؛ العبارات التحليلية والعبارات التجريبية، وأن أي شيء خارجهما هو بلا معنى.

المذهب العلمي اليوم

كارل ساجان: إن الكون هو كل ما هو موجود وكل ما كان وكل ما سيكون.

تمييز العلم من العلموية

إذا كان العلم يختلف عن العلموية، فما هو هذا الاختلاف؟ العلم نشاطٌ يسعى إلى استكشاف العالم الطبيعي باستخدام طرق راسخة ومحدَّدة، ونظرًا للتعقيد والاتِّساع في الكون؛ فهناك تخصُّصات كثيرة علمية لكلٍّ منها تقنياتها الخاصة، ويوسع العلم فهمنا بدلًا من تقييده. من ناحية أخرى، فإن العلموية هي نظرةٌ تأمليَّةٌ حول الواقع النهائي للكون ومعناه.

إن الاحتفاء بالعلم لإنجازاته وقدرته الرائعة على شرح مجموعة متنوعة من الظواهر في العالم الطبيعي شيءٌ، والادعاء بأنه لا يوجد شيء يمكن معرفته خارج نطاق العلم شيء آخر. فبمجرد أن تقول إن العلم هو المصدر الوحيد للمعرفة البشرية فإنك تتبنى موقفًا فلسفيًّا. إن العلموية ذاتها لا يمكن للعلم نفسه التحقق منها أو نفيها، إذًا فهي ادِّعاء غير علمي.

العلموية: هي الترويج إلى أن العلم هو المعنى الموضوعي الأفضل أو الوحيد الذي يجب على المجتمع أن يحدد من خلاله القِيَم المعيارية والمعرفية. تبنى Alexander Rosenberg العلموية كمصطلح للرؤية التي تقول إن العلم هو المصدر الوحيد الموثوق للمعرفة. وهي الرأي القائل بأن العلم التجريبي يشكِّل الرؤية للعالم والحياة الأكثر موثوقيةً والأكثر قيمةً للمعرفة البشرية، وإنها وحدها القادرة على إنتاج معرفة حقيقية عن الإنسان والمجتمع.

 ثالثًا: الرؤية المسيحية المصلحة للعلم

ما الذي يميز الرؤية المصلحة؟

إن ثنائية الرؤية للعالم والحياة (ديني ودنيوي) ليست رؤيةً مُصلَحة، وهذا خطأٌ رهيبٌ؛ لأنه يعني أنه لا توجد خبرات حياتية في الكنيسة، وأيضًا لا توجد قداسة في السياسة أو الصحافة أو العلم على سبيل المثال. فالرؤية المصلحة لا تقبل التمييز بين المقدَّس والدنيوي. فلا شيء منفصل عن الله أو يكون بعيدًا عن الحقائق الأساسية للإيمان الكتابي مثل: الخلق، السقوط، المصالحة. النعمة تسترد الطبيعة والفداء بيسوع المسيح يعني استرداد الخليقة الصالحة الأصلية (الفداء هو استرداد الخلق). إن التأكيد الأساسي للكتاب المقدس هو على ثلاثة أبعاد أساسية: الخليقة الأصلية، فساد الخلق بالخطية، الفداء واسترداد الخليقة في المسيح يسوع.

و”الرؤية المصلحة” ظهرت في القرن الـ20 في أعمال لاهوتيين هولنديين أمثال: كايبر، بافينك، ديوفيرد، فولينهوفن. من خلال اللاهوت والفلسفة وبعض المجالات الأكاديمية الأخرى، خاصةً من خلال الأعمال الاجتماعية والثقافية التي نهضت في إطار رغبة عميقة لطاعة الكتب المقدسة في كل مجالات الحياة والخدمات.

نميز بين نشاط الخلق لله (حدث منذ زمن بعيد) وبين النظام المخلوق (ظل معنا منذ ذلك الوقت). نفس الإله الذي خلق ونفس القدرة السيدية التي دعت الكون إلى الوجود هو نفسه الذي يحفظ هذا الكون في الوجود من لحظة إلى أخرى إلى يومنا هذا.

نستخدم كلمة “قانون، Law”، للتعبير عن مُجمَل أفعال الله الآمِرَةِ نحو الكون. وهذا المصطلح ليس فقط كلمة كتابية مركزية لكنها تركز الانتباه أيضًا على الله باعتباره صاحب السيادة كالإله والملك. إن الناموس أو القانون هو تجسيد لسيادة الله في الخلق. فالخالق وضع القانون ويحكم العالم بأمره، كل الأشياء تحيا وتتحرك بواسطة قراره السياديّ التشريعي. وهناك طريقتان يفرض الله من خلالهما ناموسه في الكون وينفِّذ مشيئته: إما بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر من خلال المسؤولية الإنسانية. إن الله وضع الكواكب في مداراتها وجعل المواسم ويجعل البذار تنمو والحيوانات تتكاثر. كما أنه أيضًا جعل الإنسان وكيلًا في مهمة صناعة الأدوات وتحقيق العدالة وإنتاج الفنون والاجتهاد المعرفي والبحث العلمي.

باختصار نرى أنَّ حكم الله بالناموس فوريٌّ في العالم غير البشري، وغير مباشر في الثقافة والمجتمع. والإنسان مُفوَّض من الله وصاحب سيادة. يتوافق مع هاتين الطريقتين للحكم نوعان من القوانين: القوانين الطبيعية، والمعايير. الحجر الساقط يطيع بالضرورة قانون الجاذبية، والنسر يطيع بالغريزة، لكن الإنسان يمارس مسؤوليته في طاعة المعايير. إن السيد الكوني يبسط قوانينه ونواميسه لكل شيء، الملك المطلَق يطلب أن تكون إرادته يمكن تمييزها في كل شيء. ولكن في العقل العلماني الغربي فإن التمييز كبير جدًّا بينهما لدرجة يبدو فيها أنهما ليسا نوعين مختلفين لنفس الفئة، بل كفئتين مختلفتين تمامًا. ويتحدثون عن المعايير وكأنها قِيَم في تعبيرٍ عن محاولة الإنسان من التحرُّر من كل الضرورات الإلهية. (مزمور 147: 15–20) أوامر الطبيعة والموجود الإنساني دفعة واحدة، فلا يوجد اختلاف جوهري بين كلمة الله لوصيته بالنسبة للثلج والجمد ووصيته بالنسبة لشعبه. سواء نواميس في الطبيعة أو المعايير فإنهما ينتميان إلى نفس القانون العالمي الشامل لكل الخليقة.

تكوين 1 هو نص مفتاحي للخلق

تشير الآية “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك 1: 1) إلى الخلق من العدم وهذا ضد أفكار ادَّعت أن الله خلق من خلال مادةٍ أوليةٍ أزلية غير مخلوقة. وتعبير “خربة وخالية” لا يصف فوضى وهو تفسير سائد يعتمد على المتوازيات البابلية، لكن هذا التعبير يعكس الخطوة الأولى تجاه ترتيب الكون الأرضي مثل إطار المنزل العاري قبل اكتماله وتأثيثه أو مثل الرسم الأوَّلي للفنان الذي يتم ملؤه بالألوان والتفاصيل لاحقًا. إن الكلمة “خربة” هي formless غير مشكلة unformed وليست deformed مشوهة. ثم بعد ذلك، يتم تفصيل وتأثيث الأرض وتحويلها إلى خليقة جميلة. وكما يقول الكتاب في عب 11: 3: “بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ” والكلمة المترجمة “أتقنت” هي نفسها المستَخدَمة في أي مكان آخر عن نشاط الخزاف في تشكيل كتلة الطين إلى إناء خزفي مثل رو9: 21. وبكلمة الله يحول الله الأرض غير المشكلة إلى تحفة فنية. هنا نفهم أن للإنسان مهمة حضارية وهو مفوَّض من الله أن يملأ الأرض أكثر ويشكلها أكثر “وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ»” (تك 1: 28).

التاريخ بهذا المعنى يعني انفتاح وتوليد الإمكانات المخفية في رحم الخليقة. الخليقة ليست الشيء الذي صنع مرة واحدة وتظل كتلة ساكنة، ولكن يوجد كشف تدريجي للخليقة؛ فقانون الخلق يصرخ لأن يكون تجريبيًّا. إننا مدعوون للمشاركة في عمل الله الخلقي المستمر لنكون مساعدي الله في تنفيذ مخطَّط تحفته حتى النهاية. النطاق الواسع للحضارة الإنسانية هو عرض الحكمة الرائعة لله في الخلق، وهذا هو المعنى العميق لمهمتنا في العالم.

إعلان الخليقة

الإعلان العام، قانون الخلق هو قانون إعلاني، وإعلان الله في نظام الخليقة يمكن معرفته، وهذا هو مغزى الدعوة للجميع (أع 14: 17؛ رو 1: 18- 20) الحكمة هي أن نعرف حكمة الله (النظام) وتوافق طرق الإنسان مع ذلك، وبالتالي تكون الحكمة هي الالتزام بالدستور الإلهي وبالتالي يجب أن نعرف هذا الدستور وننظم أنفسنا بناءً عليه. الحكمة هي التوافق مع خليقة الله. أم 1: 22، 23. إش 28: 23– 29 هنا الرب يعلِّم المزارع عمله وهو تعليم من خلال قوانين الخليقة.

صلاح الخليقة

الخليقة صالحة، وذلك مقابل الفكرة الغنوصية، وهذا يعني أن الخضوع للناموس ليس تقييدًا لخليقة الله، وإنما ذلك يجعل الحرية والصحة يعملان بشكل صحيح وظيفيًّا. البنية تشير إلى نظام الخلق، والاتجاه يشير إلى نظام الخطية والفداء. العلم -بحسب المفهوم المصلح- يجب أن يكون في خدمة الله، ومعلنًا جلاله وحكمه في الكون.

كل الخليقة مشمولة في نطاق فداء المسيح

يبدو غريبًا أن بولس يستخدم كلمة مصالحة “وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ…”  كو 1: 20 عندما يفكر فيما هو أكثر من البشر، فلا شيء في الخليقة محايد، وشعب الله مدعو لتعزيز التجديد في كل مجالات الخليقة وأنها مهمة فدائية. معجزات يسوع كلها (ماعدا لعن شجرة التين) تمثل معجزات استرداد. استرداد للصحة، استرداد للحياة، استرداد من الاستحواذ الشيطاني.

هناك افتراض أن المؤمن في العصر الحديث يعاني من فصام فكري بين ما يقدمه له الإيمان وما يقدمه له العلم وكأن الاثنين في تناقض، ومثال ذلك، الصراع الذي كان بين الكنيسة وجاليليو، ولكن الحقيقة لم يكن صراعًا بين كلمة الله وكلمة جاليليو وإنما كان صراعًا بين علماء الفلك التابعين لبطليموس والتابعين لكوبرنيكوس.

يعلِّم اللاهوت المصلح أن الكتاب المقدس هو رسالة الله الروحية للعالم الساقط المتألم، وفي هذا يشير كالفن إلى أن موسى والأنبياء كتبوا بلغة عامية شعبية لتوصيل الرسالة وليس بلغة علمية دقيقة وبناءً عليه -من وجهة نظري- لا مجال للحديث عن إعجاز علمي في الكتاب المقدس ولا عن خطأ علمي فيه.

ورغم أن اللاهوت المصلح يرى الكتاب المقدس باعتباره الرسالة الروحية من الله للإنسان الخاطئ المتألم، وأنه ليس كتابَ علم بالمعنى الدقيق، فإن الفكر المصلَح يرى في نفس الوقت أن الكتاب المقدس يضع الإطار العام للعلم؛ فهو يحدِّثنا عن الكون في مصدره ومقاصده ومصيره، وهو إطار عام لما يقدِّمه العلم من تفصيلات. وبحسب رأي ر. سي. سبرول فإن تكليف التسلط وإخضاع الخليقة هو بداية العلم لأن ذلك يستلزم معرفة قوانين الخليقة لتحقيق التكليف، وبالتالي فإن التكليف الإلهي يشتمل على التحدِّي أو السعي العلمي وعدم استنزاف موارد الخليقة واستخدامها بحكمة.

ونلاحظ أيضًا أن الفكر اللاهوتي لجون كالفن مُؤسَّس بشكل جوهريٍّ على الإيمان بسيادة الله وهي الفكرة التي اتخذها أبراهام كايبر وقدم من خلالها طرحه اللاهوتي. فلقد اعتقد كايبر أن الله يسود في كل مجالات الحياة المختلفة، السياسة، والفن، وأيضًا العلم. فالعلم بالنسبة له هو أحد المجالات التي تتجلى فيها سيادة الله وهو ما أشار إليه كالفن إلى أن الخليقة تحمل شهادة عن الألوهية وأن الرغبة في البحث عن الحقيقة وفحصها مغروسة في العقل الإنساني وهو ما جعل كالفن يدعو إلى التعمُّق في العلم باعتبار أن التعمق في العلم هو تعمُّق في الألوهية ومشاهدة حكمة الله وجماله وقوته، وأن الكتاب المقدس كالنظارة التي تساعدنا في فك شفرة الفكر الإلهي المكتوب بيد الله في كتاب الخليقة. نلاحظ أن في الوقت الذي فيه ينظر كالفن بإجلال إلى علماء الفلك والعلم بشكل عام، لكنه لم ينظر للكتاب المقدس كمصدر للمعرفة العلمية، ولكن هدفه -كما أشرنا سابقًا- هو الوصول إلى معرفة الله.

وجدير بالإشارة إلى أن الإيمان بوجود الله الخالق لهذا الكون أهمية خاصة للعلم؛ لأنه من خلال وجود الله وخلقه للعالم فإنه أودع القوانين التي تحكم الخليقة والقوانين هي أساس قيام العلم، وبالتالي لا يمكن أن يتناقض الإيمانُ مع العلم، ولكن الإيمان بوجود الله يضمن قيام علم، لأن عدم الإيمان بوجود الله يُسقِط العلم إذ لا يمكن قيام علم في إطار العشوائية. لذلك يجب أن يكون العالم من حولنا على درجة عالية من الانتظام والقابلية للتوقع حتى تنجح الممارسة العلمية. فالعلم مشروط باعتقادنا أو افتراضنا أن العالم يعمل بانتظام. وأيضًا من الركائز الأساسية للدين والعقيدة المسيحية أن الله يحكم العالم بطريقةٍ توفِّر نوعًا من الانتظام والاستقرار، وقد أشار عدد من المفكرين إلى أن الإصلاح الإنجيلي كان أحد العوامل المهمة لظهور الثورة العلمية.

خاتمة

لا يفصل الفكر اللاهوتي المصلح بين ما هو مقدس وما هو دنيوي؛ لأن كل العالم هو تحت سلطان الله. كما أن الصراع الحقيقي ليس بين الإيمان والعلم، ولكن بين المذهب الطبيعي والمذهب الإيماني؛ لأن هناك اختلافًا جوهريًّا بينهما في الرؤية للعالم والحياة؛ حيث يقوم المذهب الطبيعي بدورٍ دينيٍّ في الإجابة على أسئلة الحياة الكبرى وتقديم رؤية شاملة للحياة. وبحسب كانط فإن أهم ثلاثة أسئلة خطرت على العقل البشري هي: هل يوجد إله؟ هل البشر أحرار؟ هل توجد حياة بعد الموت؟ ويجيب المذهب الطبيعي على هذه الأسئلة فلا يوجد إله وليس هناك كائنات خالدة على الإطلاق، وأن الحجج التي تُثبت أن البشر أحرار في تصرفاتهم مشكوك في صحتها على أقل تقدير.

تساعدنا الرؤية المسيحية المصلَحة على فهمٍ أفضل للعلاقة بين الإيمان والعلم، وتجنِّبنا الوقوع في “فهم مطلق” للعلم، وتدعونا للقيام بالدعوة الإلهية في بناء الحضارة الإنسانيَّة؛ حيث إن هناك تفويضًا للإنسان بتطوير الخليقة وممارسة نشاط العلم وتحرك الإنسانية من جنة عدن نحو مدينة الله. والعلم هو جزء من خليقة الله، ولكن بسبب السقوط صار وكأنه مستقلٌّ عن الله تمامًا مثل الإنسان، فكانت صورة العلم في العلموية والمذهب الطبيعي. وتطرح الرؤية المصلحة فكرتها والتي ترى العلمَ في إطار استرداد الخليقة في المسيح، أن يعود العلم في طاعته للقانون الإلهي.

[1] -Albert M. Wolters. Creation Regained: Biblical Basics for a Reformational Worldview

– مقال Thomas Burnett. What is Scientism?

– مناقشات اللاهوتي John Calvin

– مناقشات اللاهوتي R. C. Sproul

– مناقشات الفيلسوف Alvin Plantinga

الإنجيليُّون والنهضة العلمية

اسم الكاتب: القس رفعت فكري سعيد

    احتدم الصراع في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بين اللاهوت والفلسفة، وكان الصراع بين الأصوليَّة المسيحيَّة -التي تلتزم حرفية النص الديني وترفض إعمال العقل- وبين العَلمَانية -التي تلتزم تأويل النص الديني في ضوء إعمال العقل. وحيث إن الأصولية الدينية شكلٌ من أشكال الدوجماطيقية التي تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، فيمكن القول بأن الصراع كان بين الدوجماطيقية والعلمانية، وجاءت حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وكانت مواكبةً للتقدم العلمي.

 فبينما كانت الكنائس الأرثوذكسية في الشرق في عُزلة عن العالم المسيحيِّ في أوروبا؛ فقد كانت ترزح تحت نير الحكم العثماني، لذا انحصر نشاط الكنيسة في الشرق إلى حدٍّ كبير في التعامل مع واقعها، ولم يكن لها دور في التقدم العلمي، وانشغلت بموضوعات تختلف عماَّ كان يشغل بال أوروبا، سواء من جهة القضايا التي أثارتها حركة الإصلاح أو في التفاعل مع النهضة العلمية، كالحديث عن مركزية الشمس، أو حتى الرجوع للكتاب المقدس في لغاته الأصلية. أما الكنيسة الكاثوليكية في جنوب أوروبا، فبعد الحكم الجائر ضد جاليليو، أوصدت الأبواب أمام أيِّ تقدمٍ علميٍّ في دائرتها، وبذلك جاء عبءُ التقدم العلمي وتشجيعه لقرون على عاتق الإنجيليين؛ ففي الوقت الذي تم فيه كتم أنفاس جاليليو، كان العَالِم الكبير “كبلر” صديق جاليليو وشريكه في البحث العلمي، يعيش في جو الحركة الإنجيلية، وبذلك فإنها حقيقة ثابتة أن الإنجيليين هم الذين احتضنوا التقدم العلمي لقرون، كما أنهم هم الذين قدموا للعالم الكتاب المقدس بمختلف لغاته ولهجاته مع جوانب كثيرة أخرى.

لم تتخذ البروتستانتيةُ موقفًا مساندًا للعلماء والاختراعات فقط، بل هناك الكثير من الدراسات التي تشير إلى أن البروتستانتية أرست نمطًا جديدًا من التفكير، وأضافت تفسيرات جديدة للكتاب المقدس، كما شجعت العلماء، على التفكير بطريقة علمية، ومن ثم كان للإصلاح الإنجيلي تأثيره الإيجابي على التقدم العلمي.


كنيسة القرون الوسطى ومحاربة العلم والعلماء!

الموضوعية تحتم علينا أن نقول إن كنيسة القرون الوسطى لم تكن على وفاق مع النظريات العلمية، ورأت أنها تتعارض مع تفسيرها وفهمها لنصوص الكتاب المقدس؛ فمن المعروف أن أوروبا في العصور الوسطى، كانت تعيش حالةً من الظلام الفكري الدامس، وكانت واقعةً تحت سلطة كنسية طاغية تتعقب المفكرين أينما وُجدوا، وقد ظل الصراع هناك محتدمًا بين العلم والدين، وبين المفكرين واللاهوتيين قرونًا عديدة، ولقد حرَّمت كنيسة القرون الوسطى على الناس التفكير الحر، حتى قيل إنها أحرقت نحو 1300 شخص بتهمة الهرطقة. 

إنّ رجال الكنيسة كانوا يزعمون أنّ الكتاب المقدس يتضمَّنُ كل أنواع العلوم التي يحتاجها الناس، سواء أكانت علوم دين أم دُنيا، وأنَّ أساس كُلَّ علمٍ، عندهم، هو الكتاب المقدّس وتقاليد الكنيسة، وأنَّ الله لم يقصُرْ تعليمنا بالوحي على الهداية إلى الدين فقط، بل علَّمنا بالوحي كلَّ ما أراد أنْ نعلَمه مِن الكون، فالكتاب المقدّس يحتوي من المعرفة على المقدار الذي قُدِّر للبشر أن ينالوه، فجميع ما جاء في الكتب السماوية من وصف السماء والأرض، وما فيها، وتاريخ الأمم ممّا يجب تسليمُه مهما عارضَ العقلَ، أو خالفَ شاهِدَ الحسّ، فعلى الناس أن يُؤمنوا به أولاً، ثم يجتهدوا ثانيًا في حمل أنفسهم على فهمه.

جاء العالم “جيوردانو برونو” بفرضيّةٍ علميّةٍ وصفَ من خلالها الكون بأنه “لا نهائي”، وأنّ هنالك أشكالًا من الحياة خارج الكرة الأرضية مما أثار غضب رجال الكنيسة، الذين كانوا يعتقدون بأن الأرضَ منبسطةٌ، وبناءً على ذلك فقد وجَّهت الكنيسة تهمة (الهرطقة) إلى “جيوردانو برونو”، وقامت بمحاكمته لمدّةٍ قاربت الثماني سنوات، تمَّ خلالها انتزاعُ الاعترافات من “برونو” عن طريق التعذيب، وحُكِمَ عليه بالموت لأنه “متعنّتٌ مُصِرٌّ على “هرطقته”…”. وكان قد جاهد ليشرح أنّ أفكاره ليست خطأً، دون جدوى، وتم حرقُه حيًّا في “كامبو دي فيوري”، وقد كمّموه قبل أن يأخذوه إلى المحرقة، لتفادي أن تتسبّبَ عباراته في قلقلة معتقدات الجمهور، الذي حضر لمشاهدة المحرقة، وقد تم إضفاء رتبة “كبير علماء الكنيسة” عام 1930م على “الكاردينال بلّلارمين” الذي تولّى إدانة “برونو” رسميًّا.

والصراع بين الكتاب المقدس والعلم الحديث في الغرب كان صراعًا محتدمًا بين مرجعية النصوص وقوة ودقة الملاحظة والمشاهدة والتجربة، وأولى لقطات هذا الصراع هو نظرية دوران الأرض، وأول أبطاله هو كوبرنيكوس، والذي قالت عنه الكنيسة إنه نصاب يحاول أن يبين أن الأرض هي التي تدور وليس السماوات أو الشمس أو القمر، وكان مصدر هذه التهمة هو الاستناد إلى بعض آيات الكتاب المقدس، مثل الآية التي تخبرنا بأن يشوع أمر الشمس وليس الأرض أن تقف في مكانها، والآية في (مزمور 93: 1) التي تقول: “أيضًا تثبتت المسكونة لا تتزعزع”، أما المصدر الخفي والحقيقي هو خوف القساوسة والكهنة، وغضبهم من أن إقصاء كوكب الأرض عن وضعه المركزي سيقصي الإنسان هو الآخر عن وضعه المميز في الكون.

ويمكننا القول إن عام 1543 هو بداية الصراع بين الكنيسة والنظريات العلمية، وأيضًا هو بداية بزوغ العلمانية، فلقد اتسع استخدام اللفظ عندما استقل الإمبراطور عن بابا روما، وتجسَّد الانفصال بين ما هو روحاني وما هو علماني في مؤسسات، فانتقلت بعض المسؤوليات من السلطة الكنسية إلى السلطة السياسية، ويُسمَّى هذا الانتقال بـ”العلمانية”. بيد أن هذا الانتقال كان في جوهره تعبيرًا عن نقلة فكرية؛ ففي هذا العام صدر كتاب من تأليف نيقولا كوبرنيكوس بعنوان “في دورات الأفلاك السماوية”، وهذا التاريخ يمكن أن يُعتَبَر حدًّا فاصلًا بين نهاية العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، فبفضل كوبرنيكوس لم يعد الإنسان مركزًا للكون، وتوقف الكون عن الدوران حول الإنسان، ولم تكن تنحية الأرض عن مركز العالم بالأمر الميسور، فقد كانت واردةً عند فيثاغورس؛ حيث ذهب إلى أن مركز العالم يجب أن يكون مضيئًا بذاته، ويجب أن يكون ساكنًا، ولهذا فإن الأرض ليست مركز العالم فهي مظلمة، وفيها نقائص كثيرة. بيد أن فيثاغورس كان يحذر تلاميذه من إعلان هذه النظرية، وقد كان فيثاغورس محقًّا في هذا التحذير، فقد أُحرقت الدار التي كان يجتمع فيها الفيثاغوريون، وقيل إن فيثاغورس كان متغيبًا عن الدار يوم الحريق، ويبدو أن كوبرنيكوس كان على وعي بالآثار الخطيرة المترتبة على نظرية دوران الأرض التي دعا إليها فيثاغورس، والتي كان يود إخفاءَها عن الجمهور. وأهدى كوبرنيكوس كتابه للبابا بولس الثالث، وقد جاء في الإهداء أن لديه قناعة قوية بأن ثمة أشخاصًا سيطالبون بإعدامه هو وأفكاره، بسبب ما كتبه عن دوران الأفلاك السماوية، وعن حركة الأرض، وأنه لا يكترث لآراء الآخرين، كما أنه على دراية بأن أفكار الفيلسوف لا تذعن لأحكام الدهماء، لأن غايته البحث عن الحقيقة، ومع ذلك فإنه يرى ضرورة الإفلات من قبضة الآراء المناقضة للعدالة والحقيقة، ولهذا كان عليه أن يختار بين الإعلان عن نظريته التي قد تُواجَه بالسخف من قِبل الذين قد اعتقدوا في ثبات الأرض لعدة قرون، وبين الالتزام بالصمت مثلما فعل فيثاغورس، وقد اختار الإعلان عن نظريته بناءً على ضغوط من بعض الأساقفة، هذا مع ملاحظة أن نظريته عن حركة الأرض كان قد احتفظ بسريتها لمدة ستة وثلاثين عامًا، وبالفعل نشر كوبرنيكوس نظريته، وقد جاءته نسخة مطبوعة من كتابه وهو على فراش الموت في 24 مايو 1543، وفي 5 مارس 1616 قرر ديوان الفهرست (محكمة التفتيش) تحريم كتاب كوبرنيكوس.

وقد لاقت نظرية كوبرنيكوس محاربةً شديدةً من قِبل رجال الكنيسة؛ لأن فيها كما يقولون “مخالفة لما جاء في الكتب المقدسة”، ومن ذلك ما كتبه “فروماندوس” وهو أحد رجال الدين في مقالته التي سماها “أرسطارخس”؛ حيث بدأ أول صفحة منها بلعنة كوبرنيكوس، ثم أعلن “أن التنزيل يقاوم كوبرنيكوس وأنصاره”. ولكي يبرهن على فساد نظرية كوبرنيكوس وأنها ضربٌ من ضروب الإلحاد، رجع إلى النصوص المقدسة التي تتحدث عن شروق الشمس وغروبها وثبات الأرض، حيث استند إلى نصٍّ من التوراة جاء فيه: “أن الأرض ثابتة إلى الأبد”، وأيضًا ماورد في الأصحاح الأول من سفر الجامعة: “ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس، دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد، والشمس تشرق، والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق”.

وفي عام 1609 صنع الإيطالي الشهير جاليليو التلسكوب، فرأى جبال القمر وأقمار المشترى الأربعة وعين حركتها، وأضاف أربعة أجرام سماوية أخرى فوق السبعة التي آمن بها القدماء، فحدث الانزعاج والرفض؛ لأن هذا لا يستقيم مع إشارات الكتاب المقدس، فالأجرام السبعة هي الشمعدانات السبعة التي تحدث عنها سفر الرؤيا، وكانت نتيجة هذا الهجوم ترقية قسيس دومنيكاني بسبب موعظة ألقاها حول نص الكتاب المقدس القائل: “وأنتم يا سكان الجليل لماذا تقفون محملقين في السماء”، ذهب منها إلى أن الهندسة رجسٌ من الشيطان، وأنه ينبغي استبعاد علماء الرياضة باعتبارهم مؤلفي كل الهرطقات.

وفي مارس من نفس العام، نشر جاليليو كتابًا بعنوان “رسول من النجوم”، أعلن فيه انحيازه لنظرية كوبرنيكوس، وفي عام 1613 نشر كتابًا بعنوان “رسائل عن كلف الشمس” فحرصت السلطة الدينية عل قراءته، وانتهت إلى أن الكتاب به آراء جديدة مخالفة للتفسير التقليدي لنصوص الإنجيل، ومن ثم بدأ الصراع بين جاليليو والسلطة الدينية، فراح جاليليو يبحث عن أدلة من الإنجيل، ومع ذلك أعلن المجمع المقدس أن كوبرنيكوس مهرطق، وأصدر البابا بولس الخامس أمرًا إلى جاليليو، بالامتناع عن تعليم نظريات كوبرنيكوس أو الدفاع عنها، فوعد بالامتناع، ولكنه نشر في عام 1632 كتابه المشهور “حوار حول نظامين أساسيين للعالم”، انحاز فيه لنظرية كوبرنيكوس، وفند نظرية بطليموس.  

ونظرًا لأن جاليليو أثبت أن عدد الكواكب يزيد عن سبعة -على خلاف الاعتقاد الكنسي السائد آنذاك- ثارت ثائرةُ الكنيسة وأعلنت هرطقة هذا العالِم، مُستندةً إلى أنَّ أقواله تخالف ما ورد في الكتاب المقدس، وتمَّ تحويل جاليليو إلى محكمة التفتيش في روما، “وأجبرته لجنة المحكمة على الرجوع في رأيه بأن عرضتْ عليه أولًا وسائل التعذيب المستخدَمة إذا ما أصرَّ على رأيه، وكانت أعمالُ “جاليليو” قد أُدينت ووُضِعت في كشف الممنوعات منذ عام 1616م”. وأمضى جاليليو بقية حياته مُعتقَلًا في منزله، إذ أنَّ شهرته العالمية قد سمحت له بتفادي العواقب الوخيمة، فكانت عمليّةُ اعتقاله في منزله هي الوسيلة الوحيدة لتفادي عمليات التعذيب الرسمية التي تمارسها اللجنة، خصوصًا بعد أن صدر الحكم عن محكمة التفتيش بسجنه وتعذيبه بشدّةٍ، مما اضطرّه للتراجع عن نظرياته العلمية (التي أثبت العلمُ الحديث صحَّتها تمامًا)، وأعلن أمام البابا “أربان الثامن” تراجعه وتوبته عمَّا قاله، وقال في إعلانه هذا: “أنا جاليليو، وفي السبعين من عمري، سجينٌ جاثٍ على ركبتيَّ، وبحضور فخامتك، وأمامي الكتاب المقدس، الذي ألمسُه الآن بيدي، أعلن أني لا أشايع، بل ألعنُ وأحتقرُ خطأ القول وهرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور”. ويُقال إنه بعد التوقيع ضرب الأرض برجله وقال: “ومع ذلك فهي تدور”.

كما دخل علماء الجيولوجيا والأحياء في جدل عنيف مع رجال اللاهوت حول قصة سفينة نوح، والتي استنبط منها اللاهوتيون أن كل الحيوانات الموجودة حاليًا تنتمي إلى أنواع تمثلت في الحياة في سفينة نوح، وبذلك فالأنواع ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، وكان أي شك في ذلك خاصة من علماء البيولوجيا المؤمنين بالتطور كفيلًا بإلصاق تهمة الكفر. وجاء اكتشاف أمريكا ليحير اللاهوتيين، فأمريكا كانت أبعد ما تكون عن الجبل الذي وُجِدت عليه سفينة نوح، ومع ذلك فقد عُثِر فيها على حيوانات كثيرة ليس لها وجود في الأماكن التي تحتل مركزًا وسطًا، فكيف استطاعت هذه الحيوانات السفر إلى هذه الأماكن النائية؟

وجاء الصراع مع علم الطب والذي كان أكثر احتدامًا وعنفًا؛ ففلسفة المرض عند رجال الدين القدامى هو أنه عقاب من الله. وقد ذهب البعض إلى أن جميع أمراض المسيحيين ترجع إلى الشياطين، وكان للقديسين منزلةٌ كبيرةٌ في جلب الشفاء، فعلى سبيل المثال نجد أن الناس ظلوا لقرون كثيرة يعتقدون في قدرة عظام القديسة روزاليا المحفوظة في بليرمو بإيطاليا على شفاء الأمراض، ولكن عندما قام عالم تشريح دنيوي بفحص هذه العظام اكتشف أنها بقايا عظام ماعز! ولحسن الحظ، أفلت هذا العالمُ من الحظر الذي كان قد فُرِض على علم التشريح، والذي اعتبره القساوسة مانعًا ضد بعث الأجسام من الموت. وامتدت الخزعبلات من الأمراض الجسميَّة إلى الأمراض النفسيَّة، والتي ارتبطت بالسحر اعتمادًا على الآية في (خروج 22: 18) التي تقول: “ولا تدع ساحرة تعيش”. ومن الأشياء الطريفة في تاريخ هذه المحظورات، أن القساوسة وقفوا ضد تلقيح الجدري لدرجة قيام قسيس أنجليكاني بنشر موعظة جاء فيها أن قروح أيوب ترجع دون شك إلى أن الشيطان قام بتلقيحه. واشترك كثير من قساوسة اسكتلندا في إعداد بيان جاء فيه: أن التلقيح يُعتَبَر محاولةً لإصابة حُكم الله وتقديره بالارتباك. وقال أحد القساوسة عن مرض الجدري: “إذا كنا قد ابتُلينا بمرض الجدري، فإن ذلك يرجع إلى ما مارسناه من عربدة في الشتاء الماضي، فقد انغمسنا في شهوات الجسد لدرجة أثارت غضب الله!”.

وحتى التخدير واكتشافه، الذي أنقذ البشرية من الألم، وأتاح الفرصة لأعقد العمليات الجراحية أن تُجرَى في أمانٍ كاملٍ، حتى هذا الاكتشاف لم ينجُ من تدخل رجال الدين الذين اعترضوا حين حاول أحد الأطباء سنة 1847 أن يستخدم التخدير في حالات الولادة، وذكروا الآية 16 في الإصحاح الثالث من سفر التكوين والتي تقول: “بالوجع تلدين أولادًا”.

وأعلن البعض أن الأمراض في حقيقتها، ما هي إلا أعمال خبيثة للشياطين، وإنها العفاريت، هي التي تسبب المجاعات، والبوار، والعقم، والأوبئة، وهي تحوم وتنتقل متخفيةً في السحاب، وتنجذب نحو الدماء والبخور التي يقدمها لهم الوثنيون الذين يعتبرون العفاريت آلهة، وأن تلك الأرواح الشريرة تتسبب في جميع أمراض المسيحيين. ثم بأمر من البابا بيوس الخامس أصبح لزامًا على جميع الأطباء الاستعانة بما أسماه “طبيب الروح”، على أساس أن الاعتلال البدني، ينشأ على الأرجح كنتيجة لارتكاب المعاصي. وباستقرار الأمر على أن الشياطين هي مصدر الأمراض، أصبح من الطبيعي أن يكون العلاج عن طريق طردها باستخدام وسائل التراث المقدس. وتبعًا لذلك، انهالت التبرعات على الكنائس والأديرة، خاصة ما اشتهر منها بامتلاكه لأسباب الشفاء. وفي الواقع، أصبحت الكنيسة راعيةً ليس فقط لأرواح المسيحيين، بل أيضًا لصحة أبدانهم.

وأقرت الكنيسة بأن الأوبئة مثل الجدري والكوليرا، إنما هي عقاب من السماء، وبالتالي أصبح التدخل البشري للوقاية منها بالتطعيم عملًا مرفوضًا بشدة. وكانت وجهة نظر الكنيسة أن الجدري “عقاب إلهي على خطايا البشر، وأن أية محاولة للتدخل لمنعه، لن تتسبب إلا في زيادة نقمة الله”. وعلى ذلك ألقيت قنبلة مشتعلة داخل منزل أحد المواطنين، بسبب إيوائه للدكتور/ بويلستون (1766 -1679) أحد رواد التطعيم ضد الجدري، هذا بالإضافة إلى انطلاق سيل من الخطب المنبرية الشاجبة لأنصار التطعيم. لكن الحق كان واضحًا وقويًّا، فبالتطعيم عاش الناس، وبدونه زادت الوفيات، وانتهى الأمر أخيرًا، بقبول الكنيسة على مضض بالتطعيم وإن كانت معارضتها لم تختفِ تمامًا.

 كانت معارضة الكنيسة للتشريح، من العقبات الكبرى في سبيل التطور العلمي للطب، وقد وصفت الكنيسة الذين يمارسون التشريح بـ”الجزارين”. وكانت هناك فكرة مرعبة سائدة مفادها أن العبث بأجساد الموتى قد يُجازى عليه بأهوال فوق حد التصور يوم البعث. وأضافت الكنيسة بقولها: “إن الكنيسة تمقت إسالة الدماء”، وهي مقولة جميلة حقًّا في حد ذاتها، ولكنها تبدو في مفارقة صارخة عند مقارنتها بالسعادة البالغة للكنيسة التي قتلت وأحرقت الآلاف ممن اتهمتهم بالسحر والزندقة. مما يوضح أنها في الحقيقة لم يكن لديها مانع من إسالة الدماء، طالما كان ذلك في سبيل مصلحتها المقدسة.

في حوالي عام 1770، حدثت ظاهرةٌ غاية في الغرابة في أجزاء كثيرة من أوروبا، حيث اصطبغت المياه بلون الدم الأحمر، وأرسلت تقارير عديدة إلى الأكاديمية الملكية للعلوم تفيد أن المياه تحولت إلى دماء. وعلى الفور رأى رجال الكنيسة أن ذلك يشير إلى غضب الله الشديد. وعندما امتدت الظاهرة إلى السويد، قام أحد علماء الطبيعة البارزين وهو “ليناوس” بفحص الظاهرة؛ حيث تبين له أن تحول لون المياه كان بسبب وجود كميات غزيرة من حشرة دقيقة حمراء اللون. وفور وصول تلك المعلومة إلى الأسقف، رفضها بشدة واعتبرها من الأفكار الشيطانية، وأعلن أن احمرار المياه لا يمكن أن يكون لأسباب لها أية علاقة بالطبيعة. ولم يكن ليناوس من الغفلة لينسى ما حدث لجاليليو من قبله، فتراجع عن رأيه العلمي في النهاية معلنًا أن حقيقة الأمر أبعد من قدرته على الفهم.

كما روج رجال اللاهوت وكنيسة العصور الوسطى لفكرة أن الأجرام السماوية، والمعروفة باسم المذنبات، ما هي إلا كرات من اللهب يقذف بها الله معبِّرًا عن غضبه على العالم الشرير. وقد عبر رجال الكنيسة عن المغزى الأخلاقي لذلك، بتصويرهم لأحد تلك الأجرام مرسلًا من عند الإله، إلى قاضٍ يجلس في قاعة المحكمة، واضعًا سيف القصاص على منضدة تفصل بينه وبين المتهمين. كما أعلن آخرون عن نبذ الكنيسة لكل من تُسوِّل له نفسه النظر إلى تلك الأجرام -التي تتضمَّن إشاراتٍ إلهيةً- وشبَّهوهم ببهائم تقف مشدوهةً على أبواب الحظائر. وحتى قرب نهاية القرن السابع عشر، كان على أساتذة الفلك أن يُقسِموا قَسمًا يمنعهم من تدريس تلك الأجرام، باعتبارها أجسامًا سماويةً تخضع لقوانين الطبيعة. وعلى أية حال، في النهاية لا يمكن كبح جماح العلم إلى الأبد، فقد قام العالم “هاللي”، برصد مسار مذنب “خطير” وتنبأ بأنه سيعود للظهور بعد 76 عامًا كما حدَّد بدقة متناهية موعد عودته مرة أخرى إلى الأرض، وكانت تنبؤاته مذهلة، وتكاد تكون خرافية في ذلك الوقت، إلا أنه بعد مرور 76 عامًا، وبعد وفاة كلٍّ من هاللي ونيوتن بوقت طويل، عاد مذنب هاللي للظهور، كما توقع تمامًا.

من كل ما سبق يتبين لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن صرامة التشدد الأصولي في كل المعتقدات لم تكن يومًا على وفاق مع الاكتشافات العلميَّة. أما من الناحية التاريخية، فلعل “الأصولية المسيحية”، هي التي خاضت أطول المعارك وأشدها مرارة ضد العلم، لقد حكمت الكنيسة المسيحية أوروبا بيد من حديد على مدار ألف عام قبل عصر النهضة، كان التعليم العلمي المنهجي مستحيلًا آنذاك، خاصةً في ظل ما اتسم به النظام العام من عدم السماحة، والتحيز، والتحامل المسبق على أي رأي معارض. وفي ظل ارتياب الكنيسة الشديد في أية محاولة حرة للتفكير، تم قمع كل وسائل التعليم، ما لم تكن متفقة تمامًا مع أهوائها وخطابها الديني، لقد أصدرت منابر المحاكم الدينية عشرات الآلاف من الأحكام بالتعذيب حتى الموت، على المشتَبَه فيهم بالسحر والزندقة؛ فكان يتم ربط المتهمين إلى الخيول لتمزيق أجسادهم، وتُنزع أحشاؤهم، ويُشنَقون، أو يُحرقون وهم مشدودون إلى الخوازيق. حتى الموتى لم يسلموا من التعسف والعنف؛ ففي واقعة مشهورة، خلص رئيس الأساقفة جيمس أوشر (1581- 1656)، رئيس أساقفة كنائس أيرلندا، من دراسته للإنجيل، إلى أن بداية خلق العالم كانت في الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الموافق 23 أكتوبر عام 4004 قبل الميلاد. هذا بالرغم من أن وايكلف (1328- 1384)، كان قد قدم الدليل المبني على الحفريات الجيولوجية، على أن عمر الأرض يقدر ببضعة مئات الآلاف من السنين على أقل تقدير. على أي حال، لم تتحمل الكنيسة تلك المفارقة، فيما اعتبرته نوعًا من الوقاحة، وعليه، فقد أصدرت أوامرها باستخراج رفات وايكلف، وتفتيت ما تبقى من عظامه، وحرقها، وإلقائها في مياه الأنهار والبحار حتى لا تظل الأرض ملوثة بزندقته وجراثيم أفكاره وتشكُّكاته.

كذلك نظرت الأصولية المسيحية إلى علم الجيولوجيا، واعتبرته أحد أدوات الشيطان، ووسائله المدمرة، فعلاوةً على ما أظهرته الجيولوجيا من خطأ تأكيد رئيس الأساقفة أوشر بشأن حساباته المتعلقة بعمر الأرض، فإنها أيضًا، أثبتت استحالة خلق الكون كله في ستة أيام، وقد نبذت الأصولية، علم الجيولوجيا واعتبرته فسوقًا، ووصفته بـ”الفن الأسود”، كما أعلنت، أن الجيولوجيين خونة، وتمشيًّا مع هذه الأفكار قام البابا بيوس التاسع، بمنع إقامة مؤتمر إيطاليا العلمي، الذي كان من المزمع عقده في بولونيا عام 1850.

 في العصور الوسطى ساد الاعتقاد بأن العواصف من عمل الشيطان، وحظيت تلك الأفكار بدعم من السلطات الكنسية العليا. وفي مواجهة تلك القوى غير العادية للرياح، أقيمت الطقوس والشعائر لطرد الأرواح الشريرة، ولعل من أكثر تلك الطقوس انتشارًا، كانت الممارسات السابقة للبابا جريجوري الثالث عشر؛ حيث تمثلت أساليب طرد الأرواح في إطلاق الأناشيد ودق أجراس الكنائس أثناء العواصف. لكن في القرن الخامس عشر، نشأ مفهوم مأساوي، مفاده أن لبعض النساء قدرة على تسخير القوى الشيطانية، وتوجيهها لاستحداث الزوابع الدوامية، والجليد، والفيضانات، وغير ذلك. وفي السابع من ديسمبر، عام 1484 أصدر البابا إنوسنت الثامن مرسومًا باباويًّا مستلهمًا من النص المقدس: “لا تدع ساحرة تعيش” سفر الخروج 22: 18، حث فيه قساوسة ألمانيا، للتعرف على المشعوذات، والساحرات، ممن يتسببن في إحداث الزوابع الشريرة، التي تدمر الحدائق والحقول والمزارع. كانت النتيجة أن آلاف السيدات وجدن أنفسهن مُقيَّداتٍ إلى آلات التعذيب، يصاحبهن في رعبٍ، أقربُ الناس إليهن، ولا يتمنين شيئًا غير الموت لإنقاذهن من المعاناة والآلام.

نادى الخطاب الكنسي بأن الصواعق تحدث كنتيجة لخمس خطايا: عدم التوبة، والشك، وإهمال إصلاح الكنائس، والتزوير في دفع العشور، واضطهاد المرؤوسين والخدم. وكان البابوات يستفيضون في الدفاع عن هذا الرأي، مُطلقين على الصواعق اسم “إصبع الله”. وفي عام 1752، أطلق بنيامين فرانكلين طائرته الورقية المشهورة، أثناء إحدى العواصف المصحوبة بالبرق، ليكتشف الطبيعة الكهربائية للصواعق. وتبع ذلك مباشرة استخدام القضبان المعروفة بموانع الصواعق، والقادرة على الحماية المؤكدة من أي عاصفة برقية. في البداية، رفضت الكنيسة التسليم بوجودها، ولكن مع ازدياد استعمالها، والتأكد من جدواها لجأت الكنيسة إلى استخدام أسلوب مغاير في المناورة؛ فعندما وقع زلزال كبير في ولاية ماساشوستس بأمريكا عام 1755، زعموا أنه حدث بسبب انتشار استعمال موانع الصواعق في مدينة بوسطن. واشتعلت خطب الوعاظ ضد هؤلاء الذين يحاولون التدخل في المشيئة الإلهية والحد من المدفعية الإلهية (الصواعق). كان من الممكن أن يستمر الجدل والصراع لمدد طويلة حول هذا الموضوع، لولا أن الكنائس التي لم تستعمل مانعات الصواعق، كثيرًا ما دُمِّرت بفعل الصواعق؛ ففي ألمانيا على سبيل المثال، تم تدمير حوالي 400 برج كنيسة، وتوفي 120 من قارعي الأجراس بفعل الصواعق في الفترة من 1750 إلى 1783، في المقابل صمد بيت للدعارة -بما تم تركيبه فيه من مانع للصواعق- ضد أسوأ العواصف والزوابع، كما لم تُصب بسوء أي من الكنائس القليلة التي كانت قد قامت بتركيب الموانع بها وبأبراجها. بناءً على هذا، وافقت السلطاتُ المقدسة، بكل أسى ومرارة، على استعمال موانع الصواعق، ولم تأتِ نهاية القرن، إلا وكانت معظم الكنائس قد استعملتها.

عندما تقدم ايمانويل كانط، بنظرية وجود سديمات بالفضاء، بالإضافة إلى النجوم، تعالت الأصوات في العالم العقائدي، اعتراضًا على ما اعتبروه زندقة؛ فقد ارتأت الأصولية المسيحية أن عدم وجود نص صريح، في الكتب المقدسة عن السديمات ينفي احتمال وجودها. ولقد غمرت السعادة النسبية بال هؤلاء، عندما أظهرت التليسكوبات المحسَّنة في ذلك الوقت، أن بعض المناطق في تلك السديمات، يمكن إيعازه إلى وجود نجوم، لكن مع التطور العلمي وابتكار الأجهزة الأحدث، مثل أجهزة التحليل الطيفي، اتضح بما لا يدع مجالًا للشك، أن الضوء القادم من السديمات مصدره الغازات فقط، وعلى ذلك اضطرت الأصولية إلى التراجع.

إن قائمة الممارسات التي اتبعتها مسيحية القرون الوسطى لامتهان الروح الإنسانية وتعذيبها وقمع التساؤلات العلمية، لهي أطول بكثير من الأمثلة القليلة المذكورة أعلاه، هذا فضلًا عن المعركة الكبيرة، التي دارت بين الأصولية المسيحية والعلم، والتي أعقبت نشر كتاب داروين عن “نشأة الأنواع” في عام 1859، وهي المعركة التي فاقت كل ما سبقها من معارك، بما في ذلك معركة جاليليو؛ فلقد كان أصعب كثيرًا على الإنسان، أن يكون علميًّا تجاه الأمور المتعلقة بالحياة نفسها، من إقراره بالعلم المتعلق بالصخور المتساقطة أو الأجسام السماوية، فعندما علمت زوجة أسقف كنيسة وورسستر بأمر نظرية دارون، عقبت بقولها: “يا إلهي، أينحدر أصل الإنسان من القردة العليا؟ دعونا نأمل ألا يكون هذا صحيحًا، أما إذا كان، فدعونا نصلي كي لا يصبح الأمر معلومًا للجميع”.

لماذا يا ترى اتخذت الكنيسة هذا الموقف المتشدد والمعادي بكل قسوة لرجال حملوا أفكارًا جديدة مثل بيكون، ووايكلف، وبرونو، وجاليليو، وعشرات الآلاف غيرهم؟ لعله من الممكن الوصول إلى سبب هذا التعنت البالغ من خلال الآتي:

  • كان النظام الاجتماعي العام، قائمًا على الالتزام الحرفي بالقواعد الموضوعة بواسطة الكنيسة، كانت هناك قواعد لكل شيء، بداية من أصول ممارسة الطقوس الدينية، إلى ما يتعلق بالطعام والشراب، إلى الزواج والجنس، حقًّا، كانت مسيحية العصور الوسطى تمثل منظومةً كاملةً للحياة.
  • اعتمدت قدرة الكنيسة في إملاء وفرض قواعدها الجامدة، على تسليم الناس الكامل بمعتقدات الكنيسة، غير القابلة للتساؤل، وشيوع الاعتقاد بأن رفض أو نقض ولو واحدة من معتقدات الكنيسة -سواء عن طريق العلم أو غيره- قد يترتب عليه انهيار شامل وتفتت كامل للبنية الاجتماعية ونظامها، بناءً على ذلك، أصبح العلم والتفكير الحر يمثلان تهديدًا خطيرًا وكان لا بد من تحريمه.
  • إن فترة قمع الرأي العلمي بواسطة الكنيسة كانت من أحلك عصور التاريخ البشري، كما أن مبدأ كروية الأرض وبالتالي وجود نقاط متقابلة على سطح الكرة الأرضية لم يكن مقبولًا في الفكر الديني، وقد هوجمت الفكرة بشدة من رجال الدين الذين تساءلوا باستنكار: “هل يوجد من فقد التمييز والإدراك إلى هذا الحد، حتى يُعتقد بأن المحاصيل والأشجار تنمو لأسفل وبأن الأمطار والجليد يسقطان إلى أعلى؟”.

إن الجدل بين العلم والأصولية المسيحية، مازال محتدمًا حتى اليوم، ولعل ذلك يتمثل بوضوح في ذلك التيار المعروف باسم “مجموعة الخلق”، الذي وُلد التيار في الثمانينيات، ومازال -في كثير من الولايات الأمريكية- يمثل قوة مؤثرة حتى اليوم، وأنصار هذا التيار، يؤمنون بأن كل الحياة في الكون، بدأت من العدم، منذ ستة آلاف سنة فقط، وفي سبعة أيام بالتحديد، وذلك تمشيًا مع حرفية النص كما جاء في الفصول الأولى من سفر التكوين، وهم يهاجمون كل ركن في علم الفلك أو الجيولوجيا، يشير بما يتعارض مع وضع حد لعمر الأرض يزيد عن 10.000 سنة، كما يرفضون أي تقدير للأعمار مبني على استخدام الكربون المشع، وعلى أية حال فإن نظرية داروين تحظى لديهم بأكبر قدر من الذم والهجاء.

وقد تمخض الصراع بين العلم والدين عن انتصار الفكر وتقلص السلطة الكنسية، واستقلال العلم عن الدين، وقد قاد الانطلاقة الفكرية في القرنين السابع عشر، والثامن عشر، العديد من المفكرين التنويرين، ومنهم: جون لوك، وديفيد هيوم، ونيوتن في إنجلترا، وفولتير، وكانط، وغيرهم، وأصبح مفهوم التنوير يمثل حركة عقلية أوروبية، رأت في العقل، الوجود الحقيقي للإنسان، وسعت إلى تحرير الحضارة من الوصاية الكنسية، والنزعات الغيبية، والخرافات، ودعت إلى التسامح، وآمنت بتقدم الإنسانية عن طريق تشكيل الحياة على أسس طبيعية وعقلية.

ومن الغريب أن الكنيسة بعد قرون من حكمها ضد جاليليو أصدرت عدة قرارات تراجعت فيها عن موقفها السابق بدءًا من سنة 1749م، حيث وافق البابا بندكت الرابع عشر على طباعة كتب جاليليو التي كانت الكنيسة قد منعت طباعتها وقراءتها سنة 1632م، وفي التاسع من مايو 1983، أصدر البابا يوحنا الثاني، ما يفيد بالتأكيد، بأنه أول اعتذار رسمي لجاليليو، وقد جاء الاعتذار متأخرا 350 عامًا، وفي عام 2008م تم وضع تمثال لجاليليو داخل جدران الفاتيكان.

الإنجيليون والنهضة العلمية

بمرور الوقت فقد علم اللاهوت مكانته كسيد للعلوم، وانفتح الباب وقتئذٍ لكل أنواع التأمل في علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والأحياء والطبيعة والجيولوجيا وعلم وظائف الأعضاء، وتستطيع الكنيسة (الكاثوليكية والبروتستانتية على السواء) أن تحتج، أما بالنسبة للعلماء والباحثين فقد أصبح الفكر الحر هو السائد يومئذ.

امتد الصراع بين العلم والدين، على مدى القرون الثلاثة التالية للإصلاح، ولايزال هذا الصراع مستمرًّا حتى اليوم، ولا يجب أن نستهين بمغزى هذا الصراع، فلقد مس كل كنيسة بدرجات متفاوتة وغَيَّر جذريًّا مسار الدراسات اللاهوتية، وما كان يمكن أن يجول بخاطر أكثر أصحاب النزعة الإنسانية تطرفًا مثل نيقولا كوزا (1401- 1464)، أن يبحث في حقيقة “الله” نفسه، ولكن ما دام مفكرو هذه الحقبة التي ندعوها (عصر التنوير) قد تجاسروا على الانسلاخ عن الكنيسة وتعاليمها، فإن أسئلة جديدة قد أثيرت حول أصل وطبيعة كل الكائنات، وتفتحت ميادين جديدة للمعرفة لم توجد في الكتاب المقدس، وبدت أحيانًا وكأنها متناقضة، ولم تواجه الكنيسة مثل هذه التحديات من قبل، وعندما واجهتها اختبرت تغييرات أساسية من داخلها، فتارة كانت تُنكر مكان العلم في الدين بصورة قاطعة كما فعلت مع جاليليو، وتارة كانت تُكيف نفسها للنظرية العلمية بطرق متعددة. وكم ترك كثيرون الكنيسة معتبرين معتقداتها غير علمية، وظهرت طوائف جديدة وضعت أسسًا لعقيدتها أكثر تمشيًا مع العلم مثل “الموحدين” والخلاصيين القائلين بخلاص الجميع، لكن كل كنيسة في العالم المسيحي تأثرت على نحو ما بالتنوير وثورة الفكر التي تجمعت عنه، فبعد كوبرنيكوس وجاليليو أصبح العالم قادرًا على تكوين رؤية علمية كونية، تَجُبُّ أية رؤية أخرى، ومعنى ذلك أنه إذا ما تعارض العلم مع الدين، فعلى الدين أن يترك مكانه للعلم.

ولقد وجدت الحركةُ الإنجيليَّةُ أن حرية الفكر وحرية الضمير واحترام البحث العلمي وغيره، بل وتشجيعه، لا يمكن التضحية بها مهما كلف الأمر، فلقد جاء في شمال أوروبا علماء (إنجيليون) كثيرون كانت لهم إسهامات مهمة في مجال العلوم الطبيعية، ومنهم من تميز بالربط بين اكتشافاتهم والنصوص الكتابية بصورة أو بأخرى اقتناعًا منهم بمبادئ الإصلاح، نذكر منهم روبرت بويل (1627م- 1691م). الكيميائي المشهور الذي كان مهتمًّا بالعلم والفكر اللاهوتي معًا، وإن كان قد أخضع العلم أحيانًا لعلم اللاهوت! اعتبر بويل أن الله مؤلف كتاب الطبيعة وكذلك الكتب المقدسة، وأكد أن الكتابين المنفصلين يرتبط كلٌّ منهما بالآخر دون تعارض. وبمرور السنين أصبح واضحًا أن الكتاب المقدس لم يُقصد به أن يكون مرجعًا علميًّا أو ما إلى ذلك، فهدفه الواضح هو أن يُعلن معاملات الله مع البشر، وطريق الخلاص من الخطية والعلاقة الوثيقة مع الله. وعلى الرغم من هذا، قال علماء الكتاب المقدس لقرون طويلة، بأن العالم تكوَّن في ستة أيام، واستنادًا لبعض نصوص الكتاب المقدس -ولا سيما الأجيال التي جاء ذكرها في سفر التكوين- حددوا عمر العالم بستة آلاف سنة، وجاء علماء الجيولوجيا بدراساتهم لتكوين الصخور وغير ذلك ليقولوا إن العالم تكوَّن في ملايين السنين، فبدأ الحديث عن أن اليوم يعني حقبة طويلة من الزمن. ثم جاء موضوع شَغَل الفكر الإنجيلي بصورة كبيرة جدًّا، ذلك عندما نشر تشارلس داروين (1809- 1882م) كتاب أصل الأجناس سنة 1859م، ومن المعلوم تاريخيًّا أن هذا الكتاب والنظرية التي قدمها داروين أثارت مناقشات حادة بشأن العلاقة بين الدين والعلم أكثر من أي كتابٍ آخر في العصر الحديث، وكانت بداية لعصر جديد من الناحية الدينية وتاريخ الحضارة. ومن السهل أن نلاحظ لماذا أثار كتاب داروين ضجةً كبيرةً في العالم المسيحي والإنجيلي، بصفة خاصة، لمكانة الكتاب المقدس عنده، وتحققت المخاوف عندما نشر داروين كتابه الثاني “اعتدال الإنسان” سنة1871م، والذي استند فيه إلى اكتشاف آثار جيولوجية لكائنات حية، وملاحظات ومشاهدات أثناء رحلة قام بها إلى مناطق من أمريكا الجنوبية وبعض المواقع في المحيط الهادي في جنوب شرق آسيا.

إن الحديث عن أن الإنسان جاء نتيجة تطور من حياة أدنى، يتعارض تمامًا مع قصة الخليقة التي يقدمها الكتاب المقدس، كما أنه يحط من كرامة الإنسان ومكانته كسيد الخليقة، والحديث عن تطور اقتضى الآلاف الكثيرة من السنين يتعارض مع الصورة التي يقدمها سفر التكوين للقارئ العادي، وبذلك رأى الإنجيليون الذين كانوا صفوة المفكرين أن نظرية داروين تتعارض مع عقيدة الخلق والتعليم عن السقوط وعمل الفداء. لكن اللاهوتي المشيخي البارز تشارلس هودج أستاذ اللاهوت بكلية برنستون اللاهوتية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميَّز بين الحقائق التي يقدمها الكتاب المقدس باعتبارها من الله ونظريات تفسير كلمات الكتاب التي يقدمها البشر، وفسر كلمة (اليوم) الذي يتحدث فيه سفر التكوين عن الخليقة بأنه تعبير عن حقبة زمنية. وباختصار رأى هودج أن المشكلة مع داروين ليست أنه لم يعترف بوجود خالق، بل أنه اعتبر أن دور الخالق انتهى بإتمام الخليقة، وترك الأمر للتطور الطبيعي، الذي يخضع لمبدأ التكيف البيئي والبقاء للأصلح وحده في تعارض مع تعليم الكتاب المقدس. جاء من بعد تشارلس هودج ابنه أرشبولد هودج، ولاهوتي برنستون المشهور ب. وارفيلد، ولم يجدا مشكلة في التوفيق بين مبدأ التطور وتعليم الكتاب المقدس، باعتبار أن ما نادى به التطور هو نظرية يمكننا قبولها. “كما” أن جيمس مجوش، الذي كان رئيسًا لجامعة برنستون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن رفض نظرية داروين عاد ليقول بأن الكنيسة لها مجالها الذي ينبغي ألا يتدخل في مجال العلم. كما أن هنري درامند العالم والواعظ المشهور، صديق مودي، تبنى إلى حدٍّ ما نظرية التطور، وقال إن هناك خطة في عالم الطبيعة كما إن هناك خطةً في العالم الروحي، ويجب ألا نخلط بينهما. وظهر سنة 1922م كتاب مهم يقدم صورة عن موقف الفكر الإنجيلي المشيخي من الداروينية، ويتناول أسباب رفض نظرية التطور، ويقارن بين رفض نظرية كوبرنيكوس ثم قبولها، ورفض نظرية داروين، ليقدم بالتفصيل ما يؤكد أن نظرية التطور تتمشى مع الفكر المشيخي، ويقدم أمثلة كثيرة بصفة خاصة من قادة الكنيسة المشيخية في اسكتلندا، مؤكدًا أن الكتاب المقدس لم يُقصد به أن يكون مرجعًا علميًّا، فهو لا يحدد لنا ما يجب أن نؤمن به في أمور الفلك أو الجيولوجيا أو الدراسات المختلفة بشأن النبات أو الحيوان، وأن الكتاب المقدس يحدثنا عن أن الله هو الخالق وأن الخليقة تعتمد عليه، وأن سلطانه يشملها جميعًا وعنايته ترعاها، بينما لا يقدم لنا تفصيلات علمية. ويقول الكتاب في أحد ملاحقه إن الكنيسة يجب أن تتجنب فرض نظريات علمية بعينها يلتزم بها من تتم رسامتهم للتفرغ لخدمتها. وإيمانًا بالتدرج نصت مادة 5 من دستور الكنيسة الإنجيلية على “نؤمن بأن الله في أدوار متدرجة كون ونظم هذا العالم الذي نسكنه معطيًا حياة لكل خلقه”.

رؤية معاصرة للإصلاح الإنجيلي في الشرق

اسم الكاتب: القس سهيل سعود

  • البروتستانتيون: الإيمان الذي صنع العالم الحديث

 في كتابه “البروتستانتيون: الإيمان الذي صنع العالم الحديث”، الذي أصدره المؤرّخ ألك ريري عام 2017، يذكر الكاتب: “لم تكن مجرّد فكرة حرية التعبير، الأمر الهام الذي أتت به البروتستانتية، وإنما عدم قدرة أحد على إجبار أحد آخر على التفكير عكس ما يمليه عليه ضميره. وبالتالي، ليس هناك سلطة فكرية مهما كانت، يمكن أن تجبرك على الاعتقاد أنك على خطأ. وليس هناك من يستطيع أن يفرض سلطته عليك، ليقف عائقًا بينك كإنسان وبين الله”. أطلق مارتن لوثر هذه الفكرة العظيمة، عندما أصرّ على رفضه أي تسلّط بشري على ضميره وفكره. ورفضه هذا في التراجع أمام ضغوطات السلطات الكنيسة والمدنية، التي طلبت منه إحراق كتبه ووقف حركة إصلاحه، أسّس لسلطة جديدة داخل الإنسان، هي سلطة حرية الضمير والمعتقد والتعبير، وأرسى تقليد الوقوف في وجه السلطات البشرية التي تعيق فهم واختبار قوّة الإنجيل المغيّرة للحياة، إذ قال: “الضمير، لا يحتمل سيّدًا زائلًا”. إنّ موقفه الشهير الذي صرّح فيه، قائلًا: “هنا أقف. لن أتراجع. فضميري أسير لكلمة الله”، فتح نقاشًا كبيرًا حول أسئلة جدّية حاسمة، حملت قوة تغيير في الكنيسة والمجتمع، وساهم بشكل مباشر في إعادة المبادئ الديموقراطية إلى المجتمع. كما أنّ رفض لوثر لحَقِّ الكنيسة الحصري في تفسير الكتاب المقدّس، أعطى أهميةً كبيرةً لقوى الإنسان العقلية والفكرية. وإطلاقه لمبدأ أن “كلمة الله تفسّر نفسها بنفسها، وأن النصوص الصعبة من الكتاب المقدس يمكن تفسيرها بنصوص أخرى أوضح”، منحت الإنسان المؤمن الثقة بنفسه التي يحتاجها، لفهم وتفسير كلمة الله ورسالته الخلاصية التي تغيّر الحياة، وتكوين مفهومه الشخصي، دون حاجة إلى وساطة الكاهن والكنيسة، وإنما بالاعتماد بالدرجة الأولى على إرشاد الروح القدس الذي يسكن فيه.

        يعتقد مؤرخون أن الإصلاح الإنجيلي، كان مصدر السلاح الأيديولوجي الفكري، الذي لم يكن يتوقّعه المصلحون أنفسهم. مثلًا، عندما تحدّث لوثر عن مفهوم الحرّية في إطار فهمه للكتاب المقدس، فإنه لم يرد أن يكون الناس أحرارًا في اختيار الإيمان الذي يريدوه، بل أرادهم أن يكونوا أحرارًا ليؤمنوا بالحقيقة. اعتقد لوثر، أن الحقيقة تشهد عن نفسها لكل من يفتح الكتاب المقدس ويقرأه، ليجد المسيح. إلاّ أنه اكتشف لاحقًا، ما لم يتوقّعه، وهو أن الناس قرأت الكتاب المقدس، بطريقة مختلفة عن الطريقة التي اختبرها هو، إذ صاروا يجدون في قراءة الكتاب المقدس، رسائل سياسية واجتماعية، أكثر راديكاليةً مما توقّعه.

ما لم يكن يدركه لوثر إدراكًا كاملًا هو أن الحرية الروحية، لها نتائج سياسية، وساهمت في إطلاق الكثير من المفاهيم السياسية. على سبيل المثال، إنّ مفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” شدّد في جانبه الروحي على مساواة جميع الناس أمام الله؛ إذ اعتقد المصلحون أن جميع الذين يؤمنون بالمسيح، يصبحون كهنةً وكاهناتٍ أمام الله، بمعنى أنهم يستطيعون التواصل مع الله وإقامة علاقة روحية مباشرة معه، دون الحاجة إلى وساطة الكهنة والأساقفة ورجال الدين. فجميع الناس متساوون أمام الله. فليس لإنسان سلطة روحية أعلى وأسمى من سلطة إنسان آخر. سلطة المؤمن البسيط وسلطة بابا الكنيسة هما معًا متساويان أمام الله. هذا المبدأ الروحي، كان له أيضًا تبعات إنسانية واجتماعية وسياسية، إذ أرسى مبدأ المساواة في المجتمع بين جميع الناس: الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، المرأة والرجل، العبد والحر، كما يقول الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28).

          في كتابه “تاريخ الفكر السياسي”، يقول الكاتب في الفكر السياسي، روبرت بركي: “وضع الإصلاح الإنجيلي، الحجر الأساسي لمفاهيم جوهرية في العلوم السياسية، مثل: الحريّة، المساواة، الديمقراطية، العلمانية، المؤسساتية، الحكم المطلق، وغيرها”. ويضيف بركي: “كان الإصلاح الإنجيلي، وسيلةً مهمةً لتحرير الناس وحثّهم على الإبداع والخلق الفكري، لأنواع جديدة من المعرفة. وبالإيجاز، خلق الإصلاح فصلًا جديدًا في العلوم السياسية”. مع أنه لم يكن هدف المصلح مارتن لوثر، خلق عصر الحرية، والديمقراطية، بل إيصال رسالة الإنجيل الخلاصية للناس، لكن هذا ما حصل، وهذا ما أنتجه الإصلاح الإنجيلي.

  • صفحات بيضاء وصفحات سوداء

ذكر المؤرخ فيليب شاف: “إنّ الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، هو إلى جانب دخول المسيحية إلى العالم، الحدث الأعظم في التاريخ. فقد لحظ نهاية القرون الوسطى، وبداية الأزمنة الحديثة”. اعتبر الإصلاح الإنجيلي نقطة تحوّل راديكالية في تاريخ المسيحية. هذا ما ذكره المؤرخ ماكين في كتابه “التحوّلات اللاهوتية الكبيرة”. صرّح اللاهوتي الألماني المعاصر يورغان مولتمان، قائلًا: “إنّ اللاهوت المصلح هو لاهوت إصلاحي. يدين بوجوده إلى حركة الإصلاح الإنجيلي الفريدة في القرن السادس عشر. الإصلاح الإنجيلي هو أكثر من حدث تاريخي، إنّه شيء مختلف عن الالتزام التاريخي. إنه يهتم بإصلاح كلّ الحياة والعالم، كون أن العالم، لم يصبح بعد كما يريده الله أن يكون. وبهذا المعنى يستمرّ الإصلاح”.

مما لا شكّ فيه، أن هناك صفحات بيضاء مشرقة في تاريخ الإصلاح الإنجيلي، أذكر بعضها: ترجمة الكتاب المقدس ووضعه في أيدي العامة. سحب السلطة من قادة الكنيسة، ووضعها في الكتاب المقدس. وضع الضمير الأسير لكلمة الله، فوق سلطة الحكام الدينيين والزمنيين. وضع حدٍّ للفساد في الكنيسة. مشاركة العلمانيين في خدمة الكنيسة. تصحيح سوء الاستخدامات، ووقف ممارسة بيع صكوك الغفران. استعادة الحياة إلى العقائد والممارسات الكنسية. أما على صعيد المجتمع، فقد كان للإصلاح الإنجيلي النتائج التالية: تقديم مفهوم الدولة الحديثة والوطن للمجتمعات. التأكيد على حقوق الإنسان. البحث الحرّ. تطبيق الإصلاح على التربية، والمشاركة في المجتمع. تقديم مفهوم جديد للعمل: العمل دعوة إلهية. تطوير الاقتصاد. يذكر عالم الاقتصاد ماكس فايبر: “أنّ آداب العمل البروتستانتية، هي التي أحيت الاقتصاد الحديث”.

ليس كل تاريخ حركة الاصلاح يحمل صفحات بيضاء، بل هناك أيضًا صفحات سوداء غير مشرقة، تُخجلنا وتُحرِجنا كإنجيليين وإنجيليات، والتي لا تزال تلاحقنا حتى اليوم، نريد أن نسجد على ركبنا ونطلب غفران لله عليها، لا سيما الحروب الدينية المتقطّعة التي دامت حوالي مئة وثلاثين عامًا، بين الكاثوليك والإنجيليين، والتي تسبّبت بموت الكثيرين. أيضًا هناك صفحات سوداء مُخجِلة هي أخطاء قام بها مصلحون، لا سيما اضطهاد بعض المصلحين لبعض راديكاليي الإصلاح، الأناببتست. أيضًا يشير مؤرّخون إلى نقاط سوداء بحق آبائنا المصلحين، منها: عدم وقوف مارتن لوثر إلى جانب ثورة الفلاحين عام 1525، بل إلى جانب الحكام، الأمر الذي أدى إلى مقتل العديد منهم. أيضًا الإجراءات غير الإنسانية التي اتُّخذت بحق اليهود بموافقة لوثر. أما الأمر الأكثر ذكرًا بالنسبة لأخطاء المصلح جان كلفن، هو موافقته، بل ربما تشجيعه، مجلس إدارة مدينة جينيف على إعدام الهرطوقي الطبيب المميّز جدًّا مايكال سيرفيتوس، الذي رفض عقيدة الثالوث، الأمر الذي اعتبره كلفن، خطرًا على خلاص النفوس، إذ بدون عقيدة الثالوث، يخسر المسيح قدرته على تخليص الخطاة، كإله مخلِّص. وبنهاية المطاف، فشل الإصلاح الإنجيلي في فرض إرادته على روما والبابوية، وذهب في اتِّجاهات تقسيميةٍ أدّت إلى نشوء أربعة مذاهب إنجيلية هي: اللوثرية، المصلحة، الأنجليكانية، والأناببتست الراديكالية. قال الرسول بولس لأعضاء كنيسة تسالونيكي: “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ” (1تس 5: 21). ويقول اللاهوتي، جايمس راسل لول: “الإصلاح يدعو إلى التواضع وأن يكون لدينا بُعد نظر”.

 

  • عقيدة سيادة الله تدعونا للاهتمام بالمجتمع

صرّح المؤرّخ جان غريتش قائلًا: “على اللاهوت المصلح مهمة، فهم الإيمان المسيحي في سياق الجماعة والاختبارات الحياتية”. وتحدّث كلفن عن مسؤولية الكنيسة بالنسبة لأولادها والمجتمع. إنّ نظرة جان كلفن إلى عقيدة سيادة الله، أنشأت فكرة الإرسالية من خلال أمرين: الأول، التجديد الروحي الداخلي للأفراد. والثاني، تغيير وجه الأرض من خلال ملئها بمعرفة الرب. إنّ نظرة كلفن هذه، أحدثت تغييرًا عمليًّا روحيًّا واجتماعيًّا في مدينة جنيف، حيث كان جان كلفن راعيًا. ركَّز كلفن في لاهوته على فكرة عهد الله مع شعبه في الكتاب المقدّس. وهذا التركيز، أسَّس لفكرة أنّ الله يقيم عهودًا مع كلّ البشر، وأن البشر جزء من سلسلته الإنسانية التي يرعاها. شدَّد كلفن على أهمية الخير العام والمصلحة العامة، وليس المصلحة الخاصة ومصلحة الأفراد. في تفسيره لقول البشير لوقا في سفر أعمال الرسل: “لأَنَّ دَاوُدَ بَعْدَ مَا خَدَمَ جِيلَهُ بِمَشُورَةِ اللهِ، رَقَدَ وَانْضَمَّ إِلَى آبَائِهِ، وَرَأَى فَسَادًا” (أعمال الرسل 13: 36)، قال كلفن: “كل الناس مرتبطون ببعضهم في سلسلة مقدّسة، والتي يجب أن نحتضنها بمشاعر المحبة”. أدرك أنه بسبب طبيعة الحالة الإنسانية الخاطئة، فإن محاولاتنا هي إلى حدّ كبير مدفوعة بالمصلحة الذاتية والكبرياء والطمع. لم يكن لاهوت كلفن منفصلًا عن حقيقية الحياة، بل من صميم الحياة، وقد انعكس لاهوته في تطبيق الإنجيل على كل جوانب الحياة. اعتبره غِنًى أن يطلب إرشاد الكتاب المقدس ليخاطب اهتمامات ومسائل الحياة، لهذا أظهر في جنيف اهتمامًا خاصًّا بالفقراء، لا سيما فقراء اللاجئين الإنجيليين الذين تقاطروا إلى مدينته بسبب الاضطهاد الديني عليهم. شغل نفسه بمسائل التجارة والاقتصاد.

  • مخاطبة أزمة اللاجئين في الشرق

في كتابه “جان كلفن، وإصلاح اللاجئين”، أطلق المؤرخ واللاهوتي المتخصص في دراسة زمن الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر “هايكو أوبرمان” (1930- 2001)، على عمل جان كلفن المميّز مع لاجئي عصره، تسمية “إصلاح اللاجئين”. سلّط الضوء على خبرة كلفن الشخصية في اللجوء من فرنسا إلى جنيف، والتي طبعت لاهوته ومواقفه وخدمته للاجئين في جنيف. أسمى المؤرّخ عمل كلفن هذا بـ”الإصلاح الثالث”، بعد “الإصلاح الأول” لمارتن لوثر في ألمانيا، “والإصلاح الثاني” لجان كلفن في جنيف. في تحليل المؤرّخ لكتابات وأعمال كلفن، ذكر ما يلي: “نستطيع أن نتكلم عن إصلاح كلفن الروحي والعقائدي منذ انضمامه إلى حركة الاصلاح منذ عام 1533 وحتى عام 1548. ولكن بعد هذه المرحلة، وإلى حين موته في عام 1564، نستطيع أن نسميها بمرحلة الإصلاح الثالث، أو “إصلاح اللاجئين”؛ إذ يتعاطى كلفن بشكل أكبر مع المسائل الاجتماعية، ويضع لاهوتًا عمليًّا يحاكي احتياجات تلك المرحلة، التي تميزت بدخول أعداد كبيرة من اللاجئين إلى مدينة جنيف، حيث كان راعيًا لكنائسها”. يؤكد الكاتب: “أنه بالرغم من أن المبادئ الأساسية للإصلاح الإنجيلي: “الكتاب المقدس وحده”، “النعمة وحدها”، “والإيمان وحده”، كانت أسسًا مشتركةً للإصلاحات الثلاثة. وبينما، الإصلاح الأول والإصلاح الثاني، شدَّدا أكثر على أهمية الخضوع لسلطة الكتاب المقدس، الدستور الوحيد للعقيدة والإيمان والحياة، إلا أن الإصلاح الثالث، تمّ في ظروف مختلفة فرضت نفسها على كلفن الراعي واللاهوتي، مما دفعه لتعديل مساره اللاهوتي والرعوي، والتشديد في كتاباته وتفسيراته لأسفار الكتاب المقدس، على اختبارات وحاجات الفقراء بشكل عام، فقراء جنيف وفقراء اللاجئين، والذي اعتبره الكاتب “هايكو أوبرمان”، إصلاحًا من نوع جديد، لم يلُج فيه بعمق باقي المصلحين الإنجيليين.

في كتابه “لاهوت كلفن، في اختباره بأن يكون غريبًا”، يقول الكاتب “هرمان سيلدرهام”: “إن اختبار كلفن للغربة، وإيمانه بأن السماء هي موطنه الأصلي، قلّل من ارتباطاته القوية بالأرض وأنتج عقلية سبّاقة”. في كثير من الأحيان، كان يقرأ الكتاب المقدس، من وجهة نظر إنسان غريب لاجئ. قال: “نحن دائمًا على الطريق”. وكما ذكر كاتب الرسالة إلى العبرانيين، يذكِّرنا كلفن، بأن مسكننا الحقيقي ووطننا النهائي هو “المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله” (عبرانيين 11: 10). من أكثر التحدّيات التي تواجهها كنائسنا الإنجيلية وباقي الكنائس، تحدّي اللجوء، إذ صار العديد من أعضاء كنائسنا في الشرق لاجئين في مكان ما. هذا بالإضافة الى أزمة الملايين من اللاجئين الفقراء. ولا تستطيع الكنيسة في كل مذاهبها أن تسدّ آذانها عن هذه الحاجة المتعاظمة بأن تقوم من خلال أذرعتها ومؤسساتها في المجتمع بسدّ حاجتهم ليس فقط منها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والطبية، وإنما أيضًا حاجاتهم الروحية من خلال رسالة الإنجيل والصلوات لأجلهم، كيما يخفّف من خوفهم وإحباطهم وشكوكهم ويحيي فيهم الرجاء.  

 

  • وحدة المسيحيين في الشرق

نرقب ونتابع بألمٍ انحسار الوجود المسيحي في الشرق، الذي خرجت منه المسيحية. أرى أنّ على الكنيسة الإنجيلية أن يكون لها دور فاعل في العمل على تقريب وجهات النظر، وتزكية الوحدة بين المسيحيين، والحوار الجدّي مع الإخوة والأخوات المسلمين، دون المساومة على عقائدنا الإنجيلية، بل الدخول معهم (كما يذكر المطران المفكر الكبير المطران جورج خضر) في حوار المحبة والعقل، أي أن نفكّر ونعقل معهم في قيمة وغنى وجودنا معًا، وأن نحبّهم محبة صادقة.

يُنْظَر تاريخيًّا إلى المُصلِحين الإنجيليين كونهم انْفصلوا عن الكنيسة الكاثوليكية، أنَّهم مِن المُسبِّبين الأساسيِّين للانْقسام في الكنيسة. أرسل الكاردينال “جاكوبو سودلتو”، عام 1539، رسالة مفتوحة إلى مجلس إدارة مدينة “جينيف”، بَعْد انضمامها إلى حَرَكة الإصلاح الإنجيلي وخِدمة المُصلِح جان كلفن فيها، يَدْعو سُكَّان المدينة للعَوْدة إلى حِضْن الكنيسة الكاثوليكية، ويُحَمِّل المُصلِح كلفن، وباقي المُصلِحين مَسْؤولية تقسيم وتَمْزيق وتدنيس الكنيسة عروس المسيح، هذا بالإضافة إلى إثارة الاضْطرابات فيها. فردّ كلفن، على الرسالة في نفس السنة بوثيقة مهمة جدًّا، بعنوان “في ضرورة إصلاح الكنيسة”، تُعْتَبَر رسالة دِفاع عَن وجْهة نَظَر الإصلاح الإنجيلي، أوضح فيها فَهْمه لضَرورة الإصلاح، وطبيعة الوحدة في الكنيسة. كتب قائلًا: “لَنْ أقْبَل هذه التُّهْمَة، إلاَّ إذا أردتُم أنْ تقولوا بأنَّ عروس المسيح تتمزَّق بواسطة الذين يرغبون أنْ يحافظوا عليها كعَذراء نَقيَّة لا دنس فيها ولا عيب”. وأضاف: “لقد تدنَّسَت الكنيسة عندما أدخَلْتُم إليها عقائد غريبة. لهذا، ليس مِن العَدْل أنْ توجِّهوا لنا هذه التَّهْمَة”. تابع كلفن قائلًا: “نحن لَمْ نَطْلب شيئًا، سوى أنْ يحيا الإيمان، ولا نريد سوى اسْتعادَة وَجْه الكنيسة الحقيقي الذي تَشَوَّه مِن خلال غَيْر المُتَعلِّمين مِن الله”. كان مَطْلَب المُصلِحين، إعادة وَجْه الكنيسة الأولى الحقيقي، لذي يُظهره الكتاب المقدس، والذي انْحَجَب في تِلْك الفترة التي اعْتبرها المُصلحون مُظْلِمة. أوضح كلفن للكاردينال أنَّه لم يكن في نيَّته، ونيَّة المُصلحين، أنْ يؤسِّسوا كنيسة جديدة. آمَن المُصلِحون أنَّ الكنيسة هي “جماعة المؤمنين التي تنتَشِر في كل العالَم، وعَبْر كل العصور، وترتبط ببَعْضها البَعْض، بإيمان واحد وروح المسيح الواحد، وتحافظ على وحدة الإيمان”. هذه الكنيسة هي واحدة جامعة مقدَّسة رسولية. قال كلفن: “ليس لنا خلاف مع هذه الكنيسة، بَلْ نَعْتَبِرها أمَّنا، ونَرْغب أنْ نَبْقى في حِضْنها”. ضمَّن “كلفن” صلاة للرب يسوع المسيح قال فيها: “إنَّ ضميري يشهد لي كَمْ هي غَيْرتي قوية من أجل وحدة كنيستك. كَمْ أنا مُتشوِّق لأجل وحدة الكنيسة، إلاَّ أن هذه الوحدة يجب أن تبدأ معك وتنتهي بك. فكَم مرَّة يا رَبُّ دعوْتنا للسلام والوفاق، لكن في الوقت نفسه أظْهَرْت لنا بأنَّك الرَّباط الوحيد الذي يحفظ هذه الوحدة”. هذا هو المفهوم الإنجيلي لوحدة الكنيسة. آمَن المُصلِحون الإنجيليون أنَّ وحدة الكنيسة تكون فقط تَحْت سيادة المسيح وفي شَخْصه المُبارَك وحده، لأنَّه رأس الكنيسة الوحيد.

أدْمَت قَلْب كلفن، الانقساماتُ بين الإنجيليين، فكتب في عام 1552م رسالة إلى المُصلِح الإنجيلي الإنجليزي “توماس كرنمار” مُعَبِّرًا عَن ألَمِه مِن هذه الانْقسامات الكثيرة، قال فيها: “إنَّ هذا الانْقسام الكبير بَيْن قادَة وكنائس الإصْلاح، يُعَدُّ مِن أعْظَم شرور عَصْرنا، حتى أنَّه بالكاد توجَد علاقة إنسانية تَجْمَع بَيْنَنا. فلَيْس هناك ذلك النُّور المُشِعّ مِن الشركة المُقدَّسة بَيْن أعْضاء كنيسة المسيح، إذْ يتفاخَر كثيرون مِنْهم في الكلام، وقليلون منهم يَعْملون بِصِدْق. ولأنَّ الأعضاء مُمَزَّقون، فإنَّ جَسَد المسيح يَنْزِف جَريحًا… فإذا ما كان في قوَّتي وسُلْطتي أنْ أساعِد في اتِّجاه الوحدة، فإنِّي لَنْ أخاف أنْ أقْطَع عشرة بِحار مِن أجل تحقيق الوحدة بَيْن أعضاء الكنيسة”.

وضع كلفن” معايير للعمل من أجل وحدة الكنيسة، يمكن أن نعتمدها اليوم في سعينا من أجل الوحدة مع الكنائس الإنجيلية ومع كل المسيحيين. صنَّف الإيمان والمُمارسات المسيحية إلى صنْفَيْن: الصنف الأول، أسماه “الأمور الأساسية والجوهرية” والتي هي الكتاب المقدس والعقائد الأساسية. والصنف الثاني “الأمور الثانوية غير الأساسية”، والتي هي نظام إدارة الكنيسة، طريقة العبادة (الليتورجية)، طريقة الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية، وغيرها من الأمور. مع اعتقاد كلفن، أنَّه ليس هناك كنيسة مَرْئية كاملة على هذه الأرض، بسبب بقايا الجَهْل والخطية الكامِنَة في الإنسان حتى بعد إيمانه، مع ذلك اعتقد أنَّ الكنائس الإنجيلية، وأنا أقول أيضًا الكنائس المسيحية، تستطيع أنْ تتقارَب وتتوحَّد في الأمور الأساسية، إذْ لا يوجَد أي مانِع ليكون للكنائس وجْهات نَظَر مُخْتلِفَة في الأمور الثانوية.

  • رؤية معاصرة للإصلاح الإنجيلي في الشرق؟

تفترض الإجابة على هذا السؤال، قبل أيّ شيء معرفة الإنجيليين والإنجيليات لتاريخهم جيدًا. يتكلم الكثير من القسوس والوعّاظ والخدام في كنائسنا الإنجيلية، ويعظون فقط عن الحاضر والمستقبل، ويتجاهلون عن قصد أو غير قصد، التاريخ المجيد للإصلاح بصفحاته البيضاء الذي صاغ هويتنا الإنجيلية الحاضرة. لا أدري السبب، لكني أعلم تمامًا وللأسف، أنّ هناك جهلًا كبيرًا في كنائسنا لتاريخ حركة الإصلاح الإنجيلي وشخصيات الإصلاح، لا سيما الشخصيتين الأساسيتين: مارتن لوثر وجان كلفن. هناك جهل لعقائد الإصلاح ونمط العبادة الإنجيلية، ولليتورجيات العبادة التي تركها لنا المصلحون، لنستنير بها ونسير على خطاها، حتى نختبر بساطة وغنى وعمق العبادة الإنجيلية. فأولئك المصلحون وغيرهم، درسوا الكتاب المقدس جيدًا، وأخرجوا من الكتاب المقدس جددًا وعتقاء، غيّرت حياة الأفراد والمجتمعات، ورصدوا قضايا معاصرة غيّرت وجه الكنيسة والمجتمع. إنّ فهمنا لتاريخ الإصلاح يساعدنا لنرى كيف أن الأمور التي تبدو بديهية لنا اليوم، مثل الحصول على كتاب مقدس بلغتنا المحلية، كان أمرًا مكلفًا جدًّا، سبّب سفك دماء مصلحين مثل دم المصلح الإنجليزي، وليم تيندل وغيره.

بدأ الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، بسؤال سبَّبَ أرقًا كبيرًا للمصلح مارتن لوثر، هو: “كيف أجد إلهًا مُنعِمًا يرحمني؟”. قبل بدء إصلاحه كان لوثر يعاني من موجات كبيرة من الهمِّ القَلِق، والخوف، والإحباط، والشكوك. وبعد تعرُّفه على الإنجيل، وجد الإجابات لقلقه ومخاوفه من خلال عقيدة التبرير بالإيمان وحده أو الخلاص الإصلاحية، التي حرَّرته من مخاوفه وإحباطاته وشكوكه. اكتشف لوثر من خلال هذه العقيدة، التي كانت ويجب أن تبقى، حجر الأساس لكنائسنا الإنجيلية في الشرق، أنّ الله المُنعِم أظهر رحمته ونعمته في يسوع المسيح. توقّف المؤرّخ اللاهوتي ماكغراث، عند أهمية عقيدة التبرير أو الخلاص بالإيمان وحده، قائلًا: “إنّ مصطلح “الخلاص”، يُستَخدَم في اللاهوت المسيحي لإيصال الصور المنجزة، بموت وقيامة الرب يسوع المسيح”. وجد ماكغراث خمس صور أو مكوّنات ملهمة في هذه العقيدة: أولًا- صورة الانتصار. ثانيًا- صورة تغيّر في المكانة أو الوضع القانوني الإنساني. ثالثًا- صورة تغيّر في العلاقات الشخصية. رابعًا- صورة تحرُّر. خامسًا- صورة عن الاستعادة الكلّية للإنسان. أكمل ماكغراث قائلًا: “هذه العقيدة زوّدتنا بنقطة نحوّل لاهوتية محورية، لأنّ المسيح بخلاصه الذي أتمّه من أجلنا في الصليب والقيامة، زوَّدنا بأسس التجديد والتغيير. وبالتالي، إنّ ما قام به الله في المسيح، أنه جعل كل شيء جديدًا. لذا، أصبح يسوع المسيح، التركيز اللاهوتي الجديد في الإصلاح الإنجيلي. وبهذا التركيز، فإن الخلاص بالإيمان بالمسيح وحده، أصبح نقطة التحوّل في تاريخ ولاهوت الكنيسة. وتأثيره لم يكن فقط على الكنيسة، وإنما أيضًا على المجتمع”.

إنّ الرابط الذي يربط بين حالة مارتن لوثر والناس في زمن الإصلاح في القرن السادس عشر، وحالة الناس اليوم في القرن الحادي والعشرين، لم يتغيّر، بل لا يزال نفسه. إنّ نفس مشاعر الخوف والقلق والإحباط والشكوك التي سادت على لوثر والناس، لا تزال تسود على الأغلبية الساحقة من الناس في شرقنا، بسبب التغيّرات الإقليمية التي نشأت مما سمِّي الربيع العربي، والذي كان بالحقيقة خريفًا. هذا بالإضافة إلى الحروب المتلاحقة في منطقتنا، إن كان في فلسطين، أو العراق، أو سوريا، أو مصر، أو لبنان وغيرها. وآخرها الحرب الروسية على أوكرانيا، التي أضافت على ملايين اللاجئين، السوريين والفلسطينيين والعراقيين وغيرهم، ملايين أخرى. معلوم أنّ الحرب الروسية- الأوكرانية، أعاقت إمداد العديد من الدول بالمواد الضرورية للعيش، لا سيما الطحين والمواد الأولية. هذا بالإضافة إلى غزو جائحة كورونا العالم، وانتشار الأوبئة، والآن نسمع بمرض جدري القرود. وبالتالي، إنّ سوء الأحوال السياسية والاجتماعية والنفسية والأمنية، والانهيارات الاقتصادية، والمالية، والصحيّة. هذا بالإضافة إلى النقص في الأولويات الحياتية في بلداننا: من كهرباء، وأدوية وطعام واستشفاء وغيرها من الحاجات الضرورية يؤدّي إلى انتشار المزيد من الفقر والجوع والظلم والتشرّد والتهجير والهجرة في العديد من بلدان منطقتنا الشرق أوسطية، ويعاظم الكثير من الهموم والآلام والخوف والقلق والإحباط في قلوب وحياة سكان أهلنا في الشرق من مسلمين ومسيحيين.

مما لا شك فيه أن الكثير من هذه المخاوف لها تبريراتها، لكن هناك قولًا يونانيًّا قديمًا، مفاده: “أرني مخاوفك، وسوف أخبرك أن تحرُّرَك منها، هو في الإيمان”. كان الخبر السار الذي نقله الإصلاح الإنجيلي للعالم، هو أنّ الإنسان الخاطئ يتحرّر من خطاياه ومخاوفه المرافقة، بالنعمة وحدها، بواسطة الإيمان وحده، في يسوع المسيح وحده. وكان لعقيدة التبرير بالإيمان دورٌ في تخفيض نسبة كبيرة من القلق والهموم والخوف والإحباط لدى مارتن لوثر والمصلحين. أعتقد أنّ التحدّي الأكبر بالنسبة لنا اليوم في الشرق، هو ليس إزالة هذه المخاوف، الأمر غير الممكن، وإنما تطهيرها وتلطيفها، وتعميدها بمياه معمودية يسوع المسيح، لكيلا تخنقنا هذه المخاوف وتقضي علينا. وحيث إنّ اختبار المصلحين الشخصي العملي، علّمنا أنّ حضور الله المنعم في حياتنا في ابنه يسوع المسيح يخفّف من مخاوفنا وقلقنا، لذا نحن مدعوون للعودة إلى الله، واختبار صلاحه من جديد. ربما نحتاج في القرن الحادي والعشرين إلى طرق جديدة، ولغة جديدة، وحقول اختبارات جديدة، كيما نعيد اكتشاف حضور الله في حياتنا، لكن تبقى مبادئ الإصلاح الإنجيلي الخمسة: الكتاب المقدس وحده. النعمة وحدها. الإيمان وحده. يسوع المسيح وحده. المجد لله وحده. هي البوصلة التي تقود حياتنا في استخدامنا لطرق جديدة معاصرة، ولغة عصر جديدة، وحقول اختبارات جديدة. غالبًا ما وَصَف الكلفينيون رؤيتهم للكنيسة في تصنيفات ثلاثة: العقيدة، العبادة، وإدارة الكنيسة. قال المؤرّخ مايك هورتون: “أراد المصلحون أن يستعيدوا بعض الأشياء التي فُقِدت، وليس أن يتبعوا رياح الحداثة الناشئة”. وأضاف: “إن لم تستطِع الكنيسةُ أن تراوح مكانها، هذا لأنها بحاجة دائمًا الى إعادة توجيه بناء لكلمة الله”. إنّ الاصلاح الوحيد، الذي يستحقّ تسويقه، هو ذاك الذي يدخلنا بعمق أكبر في الكتاب المقدس.

تزامن انطلاقة حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر مع تطوّر صناعة الطباعة، عبر اكتشاف مطبعة المخترع الألماني يوهان غوتنبرغ في منتصف القرن الخامس عشر، والتي كانت من الاختراعات المذهلة في كل العصور. قبل أن يخترع يوهان غوتنبرغ مطبعته حوالي العام 1450، كان الرهبان يقومون بنسخ الكتاب المقدّس والكتب الدينية بخطّ اليد، الأمر الذي كان يستغرق وقتًا طويلًا. كما أن المواد التي كانت ينسَخ عليها كانت جلد الحيوانات. فمثلًا، لنسخ كتاب مقدّس باليد على جلد الخراف، كان يتطلّب الأمر تأمين جلد 300 خروف، ممّا جعل أسعار الكتب باهظة الثمن، إذ كان يوازي ثمن الكتاب المقدّس الواحد راتب شهر كامل. لهذا، فإن المطبعة خفّضت أسعار الكتب والمنشورات كثيرًا، وسمحت للفقراء أن يقتنوا ويقرأوا الكتب في كل نواحي أوروبا. استطاع لوثر عبر هذه التكنولوجيا، اختراق الحظر الذي وضعته الكنيسة على حظر ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة الشعب. وهكذا وصلت أفكار المصلحين إلى الملايين في ألمانيا وأوروبا، فتمكّنت من إجراء تغيير لاهوتي وكتابي وروحي واجتماعي، وسياسي، ومدني، وغيره. ونحن اليوم، يمكننا استخدام وسائل التكنولوجيا المتطوّرة جدًّا، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي والفيسبوك، لجعل دراسة النصوص الكتابية متاح عالميًّا، للنمو في معرفة الله، وتكون هذه الوسائل بركة للعالم.

  • الكنيسة المصلحة دائمًا تصلح نفسها

مما لا شكّ فيه أنّ إصلاح الكنيسة ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق. في كتابه “الكنيسة المصلحة في فرنسا”، ذكر المصلح ثيودور بيزا، الذي خلف المصلح كلفن في رعاية كنيسة جنيف: “إنّ إبقاء الإصلاح في الكنيسة، هو أمر صعب وضروري”. إنّ أيّ إصلاح مستقبلي يجب أن يشبه تاريخنا كيما يكون إصلاحًا إنجيليًّا حقيقيًّا، لكيلا يتّخذ مسارًا مختلفًا عن مسار آبائنا المصلحين. في قلب الإصلاح الإنجيلي، هناك استعادة الإنجيل الحقيقي ليسوع المسيح. لذا، إنّ أي نقاش حول إصلاح في الكنيسة الإنجيلية، يجب أن يتمحور حول الإنجيل وينطلق بالتركيز على المسيح.

استنتج المتخصّص في تاريخ الإصلاح لويس سبيتز “أنّ إحدى مساهمات الإصلاح الأساسية، هو توقّعنا أنّ الكنيسة المسيحية يمكنها ويجب أن تقيّم وتنتقد نفسها بشكل مستمرّ”. قال: “يعلّمنا الإصلاح، أن الكنيسة يمكنها ألَّا تتلاءم مع أزمنتها. لهذا فإنها تستطيع ويمكنها أن تتغيّر، كيما تصبح كما يريدها سيّدها هنا والآن”. لم يفهم المصلحون الإصلاح الإنجيلي كحدث واحد في التاريخ. لكنهم أدركوا أنه إذا ما أرادت الكنيسة الإنجيلية أن تبقى أمينة لمبادئها، عليها أن تكون دائمًا مصلحة بناءً لكلمة الله.

“Ecclesia Semper Reformanda Est” جعل اللاهوتي الإنجيلي الكبير كارل بارت عام 1947. هذه العبارة اللاتينية “الكنيسة المصلحة هي دائمًا مصلحة” عبارةً شعبيةً. استُخدمت العبارة لدعم برامج وأهداف لاهوتية وكنسية. رصد مؤرخون مصدر هذه العبارة، فوجدوا أنها مُقتَبَسَة من كتاب تعبُّدٍ وتأملات روحية، للقس الهولندي جاكوبوس فان لودنشتاين عام 1674، الذي كان راعيًا في الكنيسة الهولندية المصلحة، وشخصية رئيسية فيما عرف بـ”الإصلاح الهولندي الثاني”. ولدت تلك الكنيسة، بعد عقود من الوعظ المحيي والمشجّع، وقد عاين جاكوبوس والأعضاء كنيستهم، تصبح مصلحة وتكمّل ما ابتدأته حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن الذي سبق. اقتبس جاكوبوس قول معلمه: “يجب أن تكون لدينا الرغبة بأن نُدعَى مصلحين، وليس ببساطة مصلحين. ولكي نكون دائما مصلحين، علينا أن نستحقّ هذا الاسم”.

     في فصل ملهم بعنوان “مُصلَحة ودائمًا مُصلَحة”، أوضح المؤرّخ مايك هورتون، معنى العبارة اللاتينية المكرّرة، بما يلي:

أولًا: هذا الشعار، هو ليس للنظر إلى الأمام، وإنما للنظر إلى ينابيع الإصلاح.

ثانيًا: ليس هذا الشعار هو حول التقلّبات المستمرّة، وإنما حول الأساسات الثابتة للإصلاح. إنها حول الالتصاق المتين بالكتاب المقدس.

ثالثًا: الكنيسة دائمًا مُصلحة، بمعنى أنها تتمسّك بالمستوى الإصلاحي المناسب الذي ينسجم مع تاريخها. وأن تعمل دائمًا على إحداث التغيير الضروري، كلما رأت الحاجة إلى ذلك.

رابعًا: أن تكون دائمًا مُصلَحة بناءً لكلمة الله، يعني ألَّا تغيِّر لاهوتها وسلوكيَّاتها، أو ألَّا تكون غير مبالية بالقضايا الاجتماعية الأساسية التي تحصل حولها.

خامسًا: ليس هدف الإصلاح، اختراعات عقائدية، وإنما استقرار عقائدي.

مع أن عبارة “الكنيسة المصلحة دائما تصلح نفسها”، تبدو وكأن الكنيسة هي المسؤولة عن إصلاحها واستمرارها، إلاّ أنّ المصلحين ونحن -إلى جانب عملنا من أجل إصلاح الكنيسة في الشرق- علينا أن نؤمن، أنّ هذا العمل هو عمل الله عبر كلمته الحيّة والمحيية في الكتاب المقدّس، وليس صنع تغيير ما من أجل التغيير.

 

لماذا الإصلاح الإنجيلي؟ الإصلاح: ماضٍ ومستقبلٌ الهويّة الإنجيليّة في المشرق العربيّ

اسم الكاتب: د.ق وجيه يوسف

  • البابا هو نائب يسوع المسيح، وخليفة بطرس، هو ممسوح من الله، إله فرعون هو وسيط بين الله والناس، هو أدنى من الله، وأعلى من الناس، هو يحاكم الجميع، ولا يُحاكمه أحد. كما جعل الله القمر لحكم الليل، جعل الدولة للحكم على الأجساد؛ ولكن الشمس تعطي النور للقمر، والقمر لا يستقيم في حياته بدون الشمس.

    كانت هذه تعاليم أرساها عدد كبير من باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور الوسطى. تصف هذه التصريحات الباباوات لأنفسهم، ولمكانتهم التي علموا بها آنذاك في البداية، علينا أن نسأل أنفسنا عن معنى التعبير “الإصلاح الإنجيلي” هل هو فعلًا إصلاح إنجيلي، أم بروتستانتي؟ في الحقيقة، وللأسف الشديد، لكلمة “بروتستانتي” سمعة غير طيبة، سمعة سلبية جدًّا في الشرق الأوسط؛ لأنها دائمًا ترتبط في ذهن الناس بالاعتراض، وإن كان في هذا الأمر بعض الحق لكن، لا يمكن أن ننسى أن الأصل اللاتيني للكلمة مشتق من الفعل “يشهد” تأتي هذه الكلمة من الكلمة اللاتينية (protestantes) وهي اسم فاعل يعني “الشاهدون للحق، أو الذين يحملون شهادة علنية للحق” وتعود جذور هذه الكلمة للقرن السادس عشر، وبالتحديد إبان انعقاد مجمع سبير الثاني (Diet of Speyer) الذي انعقد عام 1529م. وقد ناقض هذا المجمع قرارات مجمع سبير الأول الذي انعقد عام 1526م، وكان المجمع الأول قد تسبب، بطريقة أو بأخرى في نشر الفكر الإنجيلي. أما المجمع الثاني فقد عارض هذا الفكر وأدانه جدًّا، وعليه فقد قدم عدد من الأمراء الألمان وثيقة اعتراض ضد قرارات المجمع، مطالبين بأن يتوقف تدخل الحكام في أمور الدين، مؤكدين كذلك على مبادئ إنجيلية أخرى. ومن هذا الحدث التاريخي، جاءت كلمة “بروتستانت” إذن البروتستانت هم من يشهدون عن أمر ما. بالطبع هم اعترضوا على قرارات معينة لكن هم أيضًا شهدوا عن أمر آخر، هم من يشهدون عن حق كتابي علَّمه الكتاب المقدس.

    هذه المطالبات التي نادي بها الكثير من الناس سواء من الرهبان أو أستاذة الجامعة قبل لوثر، كلهم طالبوا بالإصلاح لأنهم رأوا في الكنيسة فسادًا. كانوا يرون في الكنيسة انحرافًا كبيرًا عمَّا علَّمه الكتابُ المقدس. كل هذا قاد لليوم المبارك الذي قام فيه الراهب الأوغسطيني لوثر في يوم الأربعاء 31 أكتوبر سنة 1517م بتعليق احتجاجاته الـ95 على باب كنيسة فيتنبرج. ولكن، لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟ آنذاك، وصلت قمة الفساد إلى حد مهول، هاكم بعض الأمثلة:

    كانت للملك هنري الرابع، إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة (1056م-1105م) قضية مشهورة مع البابا غريغوريوس السابع (1020م-1085م) بشأن تعيين أحد معارفه (الأسقف تيدالد Tedald) أسقفًا على ميلانو في إيطاليا. وقد سبق وعيّن البابا حرم الملك، والتحريم، آنذاك، له معنى ربما أشمل وأكبر بكثير من المعنى الذي نفهمه اليوم، فكان يشمل منع كل الممارسات الدينية في كل المقاطعة التي تخضع للملك. هذا الأمر جعل الملك يقف عاري القدمين لمدة ثلاثة أيام، طالبًا الغفران من البابا سنة 1077م.

    تزداد هذه المشكلة (سلطة الباباوات) تعقيدًا حتى نتذكر بكلمات غريبة جدًّا ويقول: “البابا هو نائب يسوع المسيح، هو وسيط بين الله والناس.” هذا تعبير مقتبس أصلًا من الإنجيل كوصف للمسيح، لكن الباب أخذه واصفًا ذاته! هذه كلمات صادمة لأي مسيحي تقي. فمجد المسيح ومكانته كوسيط لا مثيل له قد انتُزعت وسرقها إنسان واصفًا نفسه بها! قال البابا:

    خالق الكون عمل النورين العظيمين في جلد السماء: النور الأكبر (الشمس) لحكم النهار والنور الأصغر (القمر) لحكم الليل بنفس الطريقة عن جَلَد الكنيسة الجامعة التي يقال عنها السماء. عيَّن الله مقامين عظيمين: الأعظم (الكنيسة) لمسؤولية الحكم على الأرواح هؤلاء، كما لو كانوا النهار؛ والأقل (الدولة) لمسؤولية الحكم على الأجساد. هؤلاء كما لو كانوا الليل. هذان المقامان هما السلطان البابوي والقوة الملكية. أكثر من ذلك فإن القمر يستمد نوره من الشمس، وهو في الحقيقة أدنى من الشمس في الحجم والنوع؛ وبنفس الطريقة تستمد القوة الملكية مقامها من السلطة البابوية. (لوريمر، تاريخ الكنيسة. 4: 28- 29).

    في نفس التوقيت أراد الملك جون لاكلاند (John Lackland) ملك إنجلترا سنة (1166م-1216م) أن يختار واحدًا من أقربائه أسقفًا على كانتربري، لكن البابا اعترض على هذا التعيين ثم أصدر حرمانًا ضد الملك. وكانت النتيجة أن الملك اضطر أن يسير حافي القدمين. ثم تسبب هذا الحرمان بأن قام بعض الرهبان بجلده وفُرضت عليه ضريبة يدفعها لروما، للبابا.

    أما البابا بونيفاس الثامن (1235م-1303م) فقد فرض سلطته بشكل مطلق على كل شيء تقريبًا، وطلب ممن يرغبون في الحصول على الخلاص أن يخضعوا له وقال: “لا بد أن يخضع للبابا كلُّ من يريد الخلاص” (لوريمر، تاريخ الكنيسة، 4: 30) تخيلوا كم كانت هذه التعبيرات صادمة!

    استكمالًا للصراع بين الملوك والباباوات، حدثت مشكلة أخرى بسبب الضرائب بين البابا بونيفاس الثامن وملك فرنسا فيليب الرابع (1268م-1314م)؛ إذ طلب الملك من البابا أن يدفع بعض الضرائب. رفض البابا، وأصر على أن السلطة الأولى والأخيرة تكون في يده. على إثر هذا الرفض حدث شيء “غريب” في تاريخ الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور يسمي المؤرخون ما حدث “السبي البابلي” ليس المقصود طبعًا هو السبي البابلي أيام العهد القديم لكن “السبي البابلي” في تاريخ الكنيسة، وهي أن ملك فرنسا أرسل قوةً حاصرت البابا، وقبضت عليه! إذن، أخذ الصراع بُعدًا عسكريًّا، متجاوزًا مسألة الاختلاف في الآراء. ثم ازدادت المشكلة تعقيدًا؛ إذ نقل ملك فرنسا، فيليب الرابع، مقر الباباوية من روما إلى مدينة في جنوب شرق فرنسا اسمها “أفنيو.” ومنذ تلك اللحظة حتى منتصف القرن الخامس عشر، ظلت فرنسا (لمدة سبعين عامًا) هي مكان الكرسي البابوي في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وبالطبع، فقد كان كل باباوات تلك الفترة من الفرنسيين. في أفنيو شُيِّدت القلاع والقصور بُنِيَت كمقرٍّ للبابوية. ونعرف من شهادة التاريخ كيف اهتم الباباوات الفرنسيون بتشييد هذه الأماكن الفخمة.

    ولكن، ولأسباب سياسية، تم في روما انتخاب بابا (غير فرنسي) معاصر للبابا الفرنسي. اسم الأول أوربان السادس (1318م-1389م)، صار أوربان بابا عام 1378م، وحتى وفاته عام 1389م. وقد حدث بين البابا الجديد وبين ثلاثة عشر من الكرادلة الفرنسيين بعض المشاكل، فتركوا روما وذهبوا إلى مدينة “أناجني” في إيطاليا، وهناك أعلنوا عدم شرعية انتخاب البابا أوربان السادس. وقاموا، يوم 20 سبتمبر 1378م، بانتخاب الكاردينال الفرنسي “روبرت الذي من جنيف” بابا. وصار اسمه: البابا أكليمندس السابع (1342م-1394م). إذن، نحن الآن أمام كنيسة واحدة لها ليس بابا واحد، لكن ثلاثة باباوات في نفس الوقت!

    حريٌّ بنا أن نلتفت إلى قضية أخرى أظهرت فيها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بُعدها التام، آنذاك، عن إنجيل المسيح، ألا وهي قضية صكوك الغفران؛ إذ وصل فساد الكنيسة الكاثوليكية المالي في العصور الوسطى إلى حدٍّ منقطع النظير. وقدم باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية “اختراع” صكوك الغفران. الصكوك هي شهادة يشتريها الشخص بالمال، ليسحب من رصيد القديسين الذين قاموا بأعمال تفوق ما يحتاجون إليه. تُستخدم هذه الأرصدة لبركة المُشتَرِي. علَّمت الكنيسة بأن كفارة المسيح تكفي بكمياتٍ أوفر بكثير جدًّا من كل خطايا البشر، كما أن عددًا كبيرًا من القديسين عملوا برًّا زائدًا عما كانوا يحتاجونه هم أنفسهم وهناك فائض الفائض يمكن أن يُباع ويُستخدم لبركة أعضاء الكنيسة. كانت الصكوك مصدرًا مهمًّا للدخل بشكل عام. ومن يشتري من هذه الأرصدة يتجنب عقوبة الخطية. يجب أن نلاحظ أن الصكوك لم تكن تكفر عن الخطية، لكن كانت تجنِّب الإنسان دفع عقوبة الخطية على الأرض أو في المطهر، وكان طبيعيًّا أن يسحب المشترون من هذه الأرصدة لمن هم ليسوا أحياء، للذين هم قابعون في المطهر! من المعروف أن الباباوات هم شخصيًّا من يمنحون تصريح ببيع صكوك الغفران. وهذا معناه أن الشخص الذي صرح له البابا بأن يبيع صكوك الغفران سوف يُرجع نسبة معينة للبابا الذي أعطاه التصريح، في المقام الأول. إذن، حتى البابا نفسه كان يحصد من هذه الغنائم المالية. لقد كانت صكوك الغفران من أكبر الأمور التي جعلت لوثر يفعل ما فعله في هذا الأربعاء المبارك، يوم 31 أكتوبر 1517م.

    المبادئ الخمسة للفكر البروتستانتي، المعروفة بالـ (Five Solas): الكتاب المقدس وحده، المسيح وحده، بالنعمة وحدها، بالإيمان وحده، لمجد الله وحده. هذه المبادئ تلخص أساسيات الإيمان الإنجيلي، بل قُلْ أساسيات الإيمان الكتابيّ كله. فلا أساس لكنيسة، راسخ يُعتَمَد عليه كدستور للإيمان والأعمال، غير كلمة الله الموحى بها، والمعصومة؛ ولا مركز للكنيسة غير المسيح، الذي هو حجر الزاوية، الألف والياء، البداية والنهاية؛ والخلاص من الخطية لا يتأتى بسبب مجهودٍ فرديٍّ، ولا عملٍ خيريٍّ، بل يناله الخطاة بنعمة الله الغافرة فقط؛ عن طريق الإيمان وحده الذي هو وسيلة استقبال هذه النعمة، فالأعمال لا تُخلِّص، لكنها تُستعلن في حياة المُخلَّصين؛ والكل يجب أن يزول في مجمله وتفاصيله لمجد الله وحده. هذا إيماننا.

    الإصلاح: ماضٍ ومستقبلٌ، الهويّة الإنجيليّة في المشرق العربيّ

    قال القديس الشمال-الأفريقي ترتليانوس (160م– 220؟م) “What has Athens to do with Jerusalem?”. “ما علاقة أثينا بأورشليم؟” وكان يعبِّر بسؤاله هذا عن استنكارٍ استفزَّ ضميرَه عن علاقة الفلسفة اليونانية بتراث المسيحيَّة الكتابي؟ إنه لا يرى توافقًا أو انسجامًا بين السياق الفلسفي اليوناني وقرينة الكنيسة في أورشليم/ القدس.

    منذ أن وصل البروتستانت (وسأستخدم تعبير “الإنجيليون” فيما يلي لسبب التشويه الذي سبَّبه كثير من الشرقيين من معارضي الفكر البروتستانتي عبر التاريخ) منذ أن وطئت أقدام الإنجيليين بلادَنا في القرن التاسع عشر للميلاد (بالتحديد عام 1854م). ويسألُ بنو المشرق نفس السؤال الذي سبق وطرحه ترتليانوس: “ما للإنجيليين بالمشرق العربي؟” المشرق العربيّ، مثله كمثل بقية بلدان المشرق، أرثوذكسي، فما الذي يجعل الغربيين الأسكتلنديين أو الأمريكيين، يأتون لتأسيس كنائس “جديدة” في بلاد كانت يومًا معقلًا للفكر الأرثوذكسي؟ ألا يمثل وجودهم في المشرق العربيّ شرخًا آخر في جسد الكنائس الأرثوذكسية، كما فعل وصول الكاثوليك ورهبانيتاهم المختلفة مع نفس الكنيسة؟ هذه التساؤلات، وإن بدت غير معقولة عند الإنجيليين، لكنها قضايا مشروعة عند الأرثوذكس.

    وما زاد الطين بلة، والأمر سوءًا وتعقيدًا، هو الحكم الذي أطلقه كثير (إن لم يكن معظم) الإنجيليين على الكنائس الأرثوذكسية القائل بضرورة “تجديد” هؤلاء المسيحيين “التقليديين” الذين هم في حكم الإنجيليين بعيدون عن حظيرة الإيمان، أو هم على أفضل تقدير “منحرفون” عن الإيمان القويم. لقد تسبَّب هذا الحكمُ غير المنصف لعمل روح الله في المشرق منذ يوم الخمسين، والمجحف لدور وأمانة الكنائس الشرقية عبر قرون طويلة، في صراعات كثيرة بين الأرثوذكس، وغيرهم من جانب وبين الإنجيليين من جانب آخر. ولا ينكر عاقلٌ عظيم الأثر الذي تركته هذه الصراعات في إضعاف جسد المسيح، بشكل عام، في المشرق أيضًا، ألا نعتبر حركة “الانبثاق غير المنتهية” للمذاهب الإنجيليّة إضعافًا أكثر لجسد المسيح في الشرق؟ فإلى جوار الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، يحتضن المشرق العربيّ، منذ مطلع القرن التاسع عشر، مذاهب إنجيلية متعددة، إذ يجد المرء المصلحين واللوثريين والأسقفيين وتقريبًا كل مذاهب حركة تجديدية المعمودية، الأنابايتستس.

    عودٌ على بدء، ما للإنجيليين الغربيين بالمشرق العربيّ؟ ما لجنيف ببيروت؟ وما لألمانيا بمصر؟ تطرح هذه التساؤلات أمامنا تحدياتٍ عديدةً، كإنجيليين. هذه التحديات هي في الواقع محدِّدة للهوية والسؤال المحوري في هذا المضمار يختص بتعريف الهوية الإنجيليّة في المشرق العربيّ؟ هل فعلًا نحن غرباء، نتمسح بالمشرق العربيّ؟ هل نحن نبتة غريبة في أرض المشرق؟ والسؤال الآخر المهم يتعلق بعروبة الإنجيليين. هل الإنجيليون “المشرقيون” ينتمون للبيئة العربيّة؟

    تتحدد هوية الإنجيليين المشرقيين بالنظر إلى مكانهم وزمانهم. فلا يجب أبدًا الوقوف عند تاريخ وإسهامات المشرقيين الإنجيليين دون أن نقيم مكانتهم هنا والآن أحاول أن أناقش في هذه الورقة القصيرة علاقة الإنجيليين العرب بسياقهم المسيحي التاريخي وبيئتهم العربيّة الإسلامية.

    المشرقيون الإنجيليون ومسألة التراث المسيحي

    يؤكد الفكر الإنجيلي أنه منذ انطلاق شرارة الإصلاح لم يخترع مسيحيةً جديدةً، ولم يَقُم بثورة ضد الكنيسة التي يتأسس لاهوتها على فكر الآباء، الذي يتماشى مع تعاليم الإنجيل، وقد أكد لوثر مرة: “يلزم على العالم كله أن يعترف أن الإنجيل الذي بين أيدينا هو نفس الإنجيل الذي كان عند الرسل الأطهار، بنفس نقائه وأصالته.” أيضًا يشدد: “إننا لا نعلِّم شيئًا جديدًا. بل نعلِّم نفس ذلك التعليم القديم، الذي علَّم به الرسل الأطهار ومعلمو الكنيسة قبلنا.” ومع أن موقف يوحنا كالفن من آباء الكنيسة (باستثناء أوغسطينوس 354م-430م) كان نموذجًا على اختلاف مهم في الرأي بشأن قضية حرية الإرادة بين المصلح وبين تراث الآباء. ولكن مثله في ذلك مثل لوثر، فقد أكد كالفن على أن ما يقدمه المصلحون ليس ابتداعًا جديدًا، بل البدعة الجديدة هي ما أتت به الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، منافية بذلك شهادة الآباء، وبالتالي، فالذي ابتعد عن فكر الكنيسة الأولى هو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. كل هذه التأكيدات وغيرها من شهادات المصلحين الإنجيليين يجب أن تكون نصب أعيينا، في معرض حديثنا عن هويتنا التاريخية وعن كياننا كجزء أصيل من جسد المسيح، لا في المشرق العربيّ فحسب، بل في كل العالم إننا كنيسة آبائية، لا فئة مبتدعة.

    ولكن لا أعلم كيف انفصلت كنائسنا في المشرق العربيّ عن هذا الكنز الموجود في كتابات آباء الكنيسة؟ مرات أظن أن السبب الأساسي وراء هذا الحال هو تأكيد على انفصال وجودي عن الكنائس الموسومة بالتقليدية. إن كان الأمر كذلك، فقد أضاعت الكنيسة الإنجيليّة في المشرق العربيّ فرصة ذهبية للتواصل مع الكنائس التاريخية في المنطقة، والتي تمثل تعاليم الآباء فيها قيمة لاهوتية جوهرية، كان من الممكن أن تكون كتابات الآباء، التي اعتمد عليها رواد عصر الإصلاح، كأساس وبرهان على صحة أطروحاتهم، وخاصة تلك التي تتوافق مع الإنجيل، كان من الممكن أن تكون جسرًا للتقارب اللاهوتي مع الكنائس التاريخية. أما الموقف السلبي الذي اتخذه كثير من الإنجيليين في المشرق من تراث الكنيسة المسيحية فقد ترك أثرًا سلبيًّا على العلاقات المسيحية، المسيحية. وجعل المسيحيين التاريخيين في المنطقة يظنون السوء بالإنجيليين.

    عامة، وللأسف الشديد، مازال الإنجيليون العرب يعكسون هذه الخسارة؛ حيث إن غالبية دراساتهم وكتاباتهم تنحصر في موضوعات لاهوتية لا تقترب إلى فكر آباء الكنيسة. بالطبع هناك استثناءات، وأعمال محمودة تناقش فكر الآباء في قضية لاهوتية ما، لكن مازال السواد الأعظم من الإنجيليين لا يولي كتابات الآباء أهميتها اللائقة، باعتبارها مكونًا أساسيًّا في الفكر اللاهوتي، بشكل عام، أما عند الشعب الإنجيلي في المشرق العربيّ فتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا. فغالبية الإنجيليين المشرقيين لا يفرقون بين ما هو فلكلوري وما هو تاريخي بشأن آباء الكنيسة، كثيرون لا يميزون بين إيريناوس (ت. 202م) أو أغناطيوس الأنطاكي (35م-108م) وبين ما يُنسَب إلى قديسين أو رجال أطهار من أعمال لا يقبلها الضمير الإنجيلي، الذي هو “أسير” لكلمة الله فقط. لكن يجب أن يقبل الإنجيليون التعاليم الإنجيليّة التي تحدث عنها أغناطيوس الأنطاكي أو إيريناوس وغيرهما. تتمثل المشكلة عند كثير من الإنجيليين في أنهم أهملوا الكل معًا، ما هو إنجيلي من كتابات الآباء وما هو فلكلوري. للأسف، عمق هذا التجاهل فجوة سوء الفهم لدى المسيحيين التاريخيين في المشرق العربيّ، وجعلهم يظنون أن الإنجيليين لا يعبؤون بتاريخ الكنيسة. كذلك، يرى المسيحيون التاريخيون في العبادة الإنجيليّة في المشرق العربيّ نوعًا من الغربة عن تاريخ الكنيسة؛ لا ذكر من قريب أو من بعيد لأية اقتباسات من كتابات الآباء. ولهم في هذا الاستنتاج كل الحق بالطبع ليس المرجو أن تضحي الكنيسة الإنجيليّة بمبدأ (solus Christus). فهذا مستحيل، ولكن خلو العظة الإنجيليّة تحديدًا من أية إشارات آبائية لهو أمر مستغرب–خاصة إن التفتنا إلى تأكيدات المصلحين الأوائل على ارتباطهم بالكنيسة الأولى ولاهوتها.

    الأمر الآخر الملفت في تحديد هوية الإنجيليين المشرقيين تاريخيًّا هو ما يمكن أن نطلق عليه “التعريف السلبي للهوية.” بهذا أقصد أن الإنجيليين، ولفترة طويلة، عرفوا أنفسهم عن طريق نفي الهويات اللاهوتية التاريخية السائدة في المشرق العربيّ. فالإنجيليون لا يؤمنون بالمذبح في كنائسهم؛ هم لا يضعون صورًا ولا أيقونات للقديسين في كنائسهم، ولا سر اعتراف عندهم، إنهم لا يقبلون شفاعة القديسة العذراء مريم ولا أي قديس، إنهم لا يؤمنون باستحالة عنصري السر المقدس إلى جسد الرب ودمه. هم لا يمارسون الاعتراف لدى الكاهن… إلى غير ذلك. كما يتضح من هذه القائمة، فنحن لا نعرف بماذا يؤمن الإنجيليون، إلا عن طريق معرفة ما لا يؤمنون به. ربما نجد في التاريخ تبريرًا لهذه الأزمة؛ إذ انشغل الإنجيليون في الغالب بنفي هذه العقائد والممارسات سعيًا منهم نحو تأكيد الاختلاف عن المسيحيين التاريخيين في المشرق العربيّ. ألم يكن كل هذا الحرص وراء تسمية “سر العشاء المقدس” بـ”فريضة العشاء الرباني؟” إن هويتنا اللاهوتية واضحة المعالم، ويجب أن تتحرك الكنائس الإنجيليّة بشكل جمعي منظم حتى تعبِّر عن هويتها بأسلوب عربيّ مبين، وأنسب وقت للقيام بهذه الحركة هو عام 2017!

    المشرقيُّون الإنجيليُّون ومسألة التراث العربيّ

    القضية الأخرى التي يصارع معها الإنجيليون المشرقيون هي قضية علاقتهم بالسياق العربيّ. هل يرى الإنجيليون أنفسهم عربًا؟ وهل انخرطوا في الثقافة العربيّة؟ وما الدليل على هذا الانخراط؟ مرةً أخرى، يجد المشرقيُّون من الإنجيليين أنفسهم في موقف لا يُحسَدون عليه؛ فالتاريخ يؤكد انشغالهم بقضايا العروبة واللغة العربيّة والدراسات الشرقية وتأسيس مؤسسات تعليمية كثيرة، كما لا ينكر أي عاقل دورهم الجوهري في حركة القومية العربيّة. إلا أن الواقع يشهد بأن التهمة التي أُلصِقت بالإنجيليين هي أنهم “نبتة غربية” ووافدون من الغرب. مع أنهم مستوطنون في الشرق فأصولهم ليست أصولًا عربيّة، أما المتجذرون في السياق العربيّ فهم المسيحيون التاريخيون. هؤلاء هم من عاصروا الدولة الإسلامية الناشئة، وكان لإسهاماتهم في بناء الحضارة العربيّة/ الإسلامية دور لا ينكره إلا الجاحدون الظالمون. هؤلاء عبَّروا عن تراثهم وفكرهم اللاهوتي بأسلوب عربيّ مبين، وتشهد النصوص اللاهوتية والعقائدية والدفاعية التي خلفوها على كونهم أبناء هذه البيئة بحق أما الإنجيليون المشرقيون فحالهم مختلف. إنهم يعتمدون على كتابات أصلًا موضوعة بالفرنسية أو بالألمانية أو بالإنجليزية، لا العربيّة. وحتى أسماء لاهوتهم أسماء غربية، لا عربيّة. لاهوتيو الكنيسة المشرقية في دار الإسلام معروفون، وأسماؤهم عربيّة أصيلة. هذا أبو قرة وذاك حبيب بن حذيقة، أبو رائطة التكريتي وهذا عمار البصري… إلخ. ولكن أسماء اللاهوتيين الإنجيليين لا تعبِّر عن ارتباطٍ عضوي بالثقافة العربيّة. أدرك تمامًا أن قضية الأسماء ليست جوهريةً، لكنها مؤشر (indicative) كما أننا لا نسمع عن كتابات لاهوتية موضوعة أصلًا بلغة الضاد، تقريبًا معظم الكتابات اللاهوتية العربيّة الإنجيليّة مُترجَمة من لغات أوروبية. ألا تعبر كل هذه الأمور عن ابتعاد الإنجيليين المشرقيين عن السياق العربيّ، حتى لو كان ابتعادًا غير مقصود منه الانفصال عن السياق العربيّ؟

    للأسف تتضح هذه الغربة المكانية أكثر إن نظرنا إلى شكل العبادة الإنجيليّة؛ فبدايةً من الآلات الموسيقية المُستَخدَمة في الترانيم، كالأورغن والبيانو، مرورًا بالترانيم ذاتها التي تُعتَبَر مُترجمةً من الإنجليزية في غالبيتها، مرورًا بالألحان الغربية، والإصرار مرات على تقديم فن “الكانتاتا” في المناسبات الرسمية، تعبر الكنائس الإنجيليّة، ولو عن غير قصد، عن غربة ثقافية داخل السياق العربيّ. أرى أنه على الكنائس الإنجيليّة وهي تبحث عن تأكيد لهويتها الشرقية أن “تعرِّب” طريقة عبادتها. لقد فصلت هذه الممارسات بين الكنيسة الإنجيليّة وسياقها العربيّ المسيحي بشكل خاص، كما فصلت بينها وبين قرينتها الإسلامية بشكل عام، ولا نسمع هذه الأيام عن لاهوت لوثري أو مصلح عربيّ، ولذا تتعالى الأصوات الإنجيليّة التي تشعر بخطورة هذه العزلة، مطالبةً بضرورة كتابة لاهوت إنجيلي عربيّ سياقي، وحتمية أن تتَّسق العبادة الإنجيليّة مع القرينة العربيّة. المشكلة التي تدعو للأسى هي أن هذه الأصوات مع أنها تُسمع منذ أكثر من 25 سنة، إلا أنها لم تتمخض إلا عن بعض المقالات هنا أو هناك. ولم يشعر شعب الكنائس العربيّة الإنجيليّة بهذه المناشدات التي غالبًا ما تكون منحصرةً في الأوساط الأكاديمية.

    ختامًا، لا شك في أن الكنائس الإنجيليّة العربيّة في المشرق تربطها بتراث الكنيسة العام روابطُ وثيقةُ الصلةِ، وهي كنائس لم تأتِ بجديد، بل أيقظت في وعي الكنيسة رجوعًا والتزامًا بفكر ولاهوت الكنيسة الأولى غير أن الكنائس الإنجيليّة المعاصرة، ولأسباب عديدة، راحت تنعزل شيئًا فشيئًا، عن الالتزام بهذه التعاليم الآبائية، ولذا صار حالها خليطًا “مائعًا” من تعاليم لاهوتية كثيرة. وإذ نتذكر ما فعله العظيم مارتن لوثر، وغيره من المصلحين، فالحاجة الآن هي أن نعود ونؤكد على أهم مبادئ الإصلاح التي تميز الكنائس الإنجيليّة في سياقنا المسيحيّ التاريخيّ والعربيّ الإسلامي. علينا أن نثبت لأنفسنا ولغيرنا أن فكر الإصلاح جاء إلى بلادنا وتجذر فيها وأنه لا عداوة بينه وبين سياقنا الشرقي التاريخي/ العربيّ الإسلامي.

مبادئ الإصلاحِ الإنجيليّ

اسم الكاتب: القس محسن منير

  • بدأت حركة الإصلاح الإنجيلي سنة ١٥١٧ بقيادة المحرِّك الأول لها، الراهب الألماني “مارتن لوثر” وعبر فترة زمنية، عبَّرت هذه الحركة عن فكرها وبلوَرَتْه في خمسة مبادئ أساسية أُطلِق عليها “Five Solas” والكلمة “Sola” هي لفظة لاتينية تعني وحيد، متفرد، حصري.

    والمبادئ الخمسة هي:

    (١) الكتاب المقدس وحده.

    (٢) يسوع المسيح وحده.

    (٣) النعمة وحدها.

    (٤) الإيمان وحده.

    (٥) المجد لله وحده.

    أولًا: الكتاب المقدس وحده.. المبدأ الأول

    يحتل الكتاب المقدس مكانة خاصة جدًّا في الفكر الإنجيلي، وذلك منذ بداية حركة الإصلاح الإنجيلي؛ حيث حرص المصلحون الأوائل على إعلاء هذا المبدأ.

    المقصود بهذا المبدأ أنه ليس هناك أي سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس؛ لأن الله الروح القدس هو كاتبه، وبذلك يكون الكتاب المقدس هو المعيار الذي يُقاس به مدى صواب أيِّ سلطة أخرى بقدر اتفاقها معه.

    وانطلاقًا من هذا المبدأ، اعتمد المصلحون الكتابَ المقدسَ كالمقياسِ الوحيد للتمييز بين التعاليم التي يقبلونها وتلك التي يرفضونها، في كل أسفاره الستة والستين بعهديه القديم والجديد.

    هذا المبدأ يقود إلى ضرورة أن يكون أسلوب قراءتنا ودراساتنا للكلمة المقدسة معبرًا عن مدى إدراكنا لأهميتها القصوى لنا، الأمر الذي يعلنه بوضوح ما جاء في كلمات الرسول بولس بالروح القدس في رسالته الثانية لتلميذه تيموثاوس (٢تي ٣: ١٦، ١٧) من أن هدف الكلمة المقدس هو إعداد إنسان الله ليكون كاملًا ومستعدًّا لكل عمل صالح وذلك من خلال التعليم، التوبيخ، التقويم، التأديب في البر الذي يقدِّمه الكتاب المقدس.

    ولأن الروح القدس هو الذي كتب الكتاب المقدس بقيادته لأشخاص سبق واختارهم وأعدَّهم لهذا الدور، لذا من الضروري واللازم أن نكون حريصين على قيادة الروح القدس لنا أثناء قراءتنا ودراستنا للكتاب المقدس، ليفتح عيوننا على ما يلزم أن نفهمه وندركه ونعيشه، ليتحقق الهدف الروحي من قراءة الكتاب المقدس، وهو التغيير المتجدد والمستمر في حياتنا الروحية نحو هدف مشابهة المسيح يسوع.

    لذا عزيزي القارئ، في كل مرة تقرأ الكتاب المقدس، اطلب في روح الصلاة رفقة وقيادة وإرشاد الروح القدس.

    ثانيًا: يسوع المسيح وحده.. المبدأ الثاني

    ظهرت عبر الأزمنة المختلفة، أفكار وتعاليم وممارسات تعبِّر عن رؤية أصحابها في عدم كمال وكفاية عمل المسيح الفدائي وحده للخلاص. لهذا اهتم المصلحون الأوائل بتصحيح هذا الأمر من خلال الإلحاح على حقيقة كفاية شخص المسيح وحده وأنه من خلال عمله الكفاري على الصليب وقيامته قد حقق الخلاص الكامل الشامل للإنسان.

    أدعوك عزيزي القارئ الآن لمطالعةٍ متأنيةٍ لما ورد في رسالة الرسول بولس إلى كنيسة كولوسي الإصحاح الأول بداية من العدد ١٥ إلى نهاية عدد ٢٠.

    لعل هذا النص كافٍ لإدراك أن المسيح وحده هو الوسيط الوحيد والشفيع الوحيد بين الله القدوس والإنسان الخاطئ.

    ولعله من الواضح أن مبدأ “يسوع المسيح وحده” هو المفتاح التفسيري لمبدأ “الكتاب المقدس وحده” لأنه لا يمكن التيقن من أن يسوع المسيح وحده هو الطريق لخلاص الإنسان إلا بالاعتماد على الكتاب المقدس وحده كمصدر لإعلان وتأكيد هذه الحقيقة.

    وضع الإصلاح الإنجيلي عقيدة “المسيح وحده” كمركز الإيمان المسيحي؛ لأن الكتاب المقدس يعلن ويؤكد بوضوح تام أن المسيح وحده هو محور خطة الله لأجل خليقته؛ فهو وحده من قام بالعمل الكفاري المُخلِّص وهو أيضًا من سيقوم بالدينونة وفق ما جاء في يوحنا ٥: ٢٢- ٢٣.

    ثالثًا: النعمة وحدها بواسطة الإيمان وحده.. المبدأ ٣ و٤

    قبل بدء حركة الإصلاح، كان يتردد أن البشر من الممكن أن يكون لديهم -بمعزل عن الله- القدرة على خلاص أنفسهم. لذلك نادى المصلحون الأوائل بحقيقة أن الخطية دمَّرت حياة الإنسان روحيًّا وفكريًّا وإراديًّا مما جعله لا يقوى ولا يقدر أن يخلِّص نفسه بجهده الشخصي.

    عبَّرت حركة الإصلاح عن فكرها في مبدأ “النعمة وحدها” من خلال التأكيد على حقيقتين جوهريتين:

    (أ) النعمة بطبيعتها عمل إلهي بمبادرة إلهية بقدرة إلهية لا يقوى عليها الإنسان الساقط.

    (ب) أي دور بشرى يتم في أمر خلاصنا هو في حد ذاته عطية من نعمة الله، أي إعداد الإنسان لتقبُّل نعمة الله هو مسبقًا عمل نعمة الله. فالنعمة تقوم بكل شيء يخص أمر خلاصنا، ومساهمة الإنسان تكمن فقط في إقراره بخطيته وعدم استحقاقه.

    لذا من الطبيعي والمنطقي أن يكون كل المطلوب من الإنسان هو “الإيمان وحده

    يمنحنا الله نعمته -فقط- عندما نعترف ونقر بكفاية عمل المسيح وحده ليصير هو برنا. لذا الإيمان يعني عدم الاعتماد على ذواتنا أو قدراتنا لنوال الخلاص، بل قبول عمل النعمة بكل إيمان واتضاع وشكر والتي بها يشملنا ويغطينا بر المسيح الكامل.

    إن النعمة -في مفهوم الفكر المصلح- ليست مجرد أداة معاونة في خلاص الإنسان لكنها ضرورة تفرضها خطية وفساد الإنسان وبالتالي عدم قدرته على خلاص نفسه.

    يؤكد الفكر المصلح أيضًا على كفاية النعمة انطلاقًا من كمال وتمام عمل المسيح الفدائيّ على الصليب؛ فبعد أن تقوم بخلاص الإنسان تستمر في رفقته في رحلة النمو من خلال ممارسة كل وسائل النعمة من صلاة وقراءة منتظمة لكلمة الله والاستقبال للوعظ والتعليم بانتظام في الكنيسة. (رو 3: 23- 25؛ رو 5: 1؛ أف 2: 8، 9).

    رابعًا: المجد لله وحده.. المبدأ الخامس

    كانت هذه العقيدة منذ البداية من أساسيات حركة الإصلاح وتعليمها وممارساتها، إلا أنه لم تتم إضافتها كمبدأ من مبادئ الإصلاح إلا في سنة ١٩٦٥ بواسطة اللاهوتي يوهان مانز.

    هذا المبدأ هو بمثابة حجر الزاوية لكل اللاهوت الإنجيلي المصلح؛ فهو الرابط الذي يضم ويجمع المبادئ الإصلاحية الأخرى. فكل المبادئ السابقة تصب في هذا الشريان الذي ينقل الدم إليها.

    من أساسيات لاهوت الإصلاح أن الطبيعة البشرية ساقطة وفاسدة بسبب الخطية، لذا فالبشر غير قادرين في ذواتهم وقدراتهم الشخصية أن يكون لديهم استحقاق أمام الله. ومن هنا فإن عمل روح الله بالنعمة وحدها بواسطة الإيمان وحده فقط هما القادران على أن يخرجا الإنسان من حالته الفاسدة فيستعيد صورة الله فيه.

    وكنتيجة لذلك فإن الإنسان الذي تبرر وتغير بواسطة عمل نعمة الله وحدها بواسطة الإيمان وحده، عليه، بناءً على ذلك، أن يرفع كل المجد لله وحده.

    ما سبق أعلاه يمثل الأساس الأول الذي يستند عليه هذا المبدأ والأساس الثاني هو شهادة الأنبياء والرسل القديسين عن الله في الكتاب المقدس، على سبيل المثال، ما جاء في إشعياء ٤٢: ٨، رومية ١١: ٣٦، ١كورنثوس ١٠: ٣١، ١بطرس ٤: ١١.

    خاتمة

    انطلاقًا من هذه المبادئ انطلقت حركة الإصلاح الإنجيلي، واستخدمها الرب في بركة كبيرة للكنيسة في كل العالم.

مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها

جرجس صبحي

اسم الكاتب:  جرجس صبحي

  •  استطاعت الكنائس الإنجيلية، منذ نشأتها، أن تؤثر تأثيرًا عميقًا في الفكر الديني والاجتماعي في العالم أجمع، وفي الشرق الأوسط. لكن كان المُلاحظ لوقت قريب هو ندرة الدراسات المنشورة باللغة العربية تشتمل على العرض التاريخي والتعريف بالأفكار العقائدية واللاهوتية للكنائس المنتمية للفكر المصلح على اختلاف أطيافها. لهذا السبب، يُعد كتاب “مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها” للقس الدكتور عيسى دياب، أول كتاب شامل باللغة العربية يقدم تعريفًا شاملًا عن الكنائس الإنجيلية من حيث تنوعها وتاريخ نشأتها وتعاليمها.

    صدرت الطبعة الأولى للكتاب عام 2009 بالتعاون بين مدرسة اللاهوت المعمدانية العربية في لبنان. وهو يستخدم منهجًا وصفيًّا وتاريخيًّا في عرض الموضوع؛ وهذا بسبب طبيعة المادة التي يتداخل فيها السرد التاريخي مع عرض الأفكار اللاهوتية. ومما يميز هذا الكتاب أيضًا هو مراعاته للجانب المسكوني؛ إذ استطاع المؤلف أن إلى الصورة الإنجيلية الذاتية، بعض الموضوعية عن رؤية الآخر -الطوائف المسيحية الأخرى- للإنجيليين.  

    ويتناول الموضوع في أربعة أبواب؛ الباب الأول يقدم تعريفًا بالكنائس الإنجيلية العامة في البلاد العربية وطريقة تنظيمها، والباب الثاني يسرد تاريخ الإصلاح الإنجيلي في أوروبا في القرن السادس عشر، بدءًا من تهيئة الساحة الثقافة في أوروبا الحاضنة للإصلاح، مرورًا بتأسيس الكنائس الإنجيلية وانتشارها في أوروبا والعالم الجديد، وصولًا إلى تأسيس كنائس إنجيلية في الشرق الأوسط، أما الباب الثالث فهو يهتم بعرض لاهوت الكنائس الإنجيلية على تنوعه، خصوصًا ما يتعلق بالتعاليم التي يتميز بها الإنجيليون عن غيرهم من المسيحيين، وفي الباب الرابع نجد دراسة حول تأثير الإنجيليين الروحي والفكري في العالم عمومًا وفي الشرق الأوسط خصوصًا.

    مدخل عام إلى الكنائس الإنجيلية      

                يتعرض الكاتب في هذا الباب إلى تاريخ الكنائس البروتستانتية/ الإنجيلية في لبنان وسورية، منطلقًا من الاسم والتقسيم والانتماء التاريخي، موضحًا أن “الكنائس الإنجيلية متنوعة ومستقلة إداريًّا بعضها عن بعض، ولكل منها خصوصيات عقائدية أو ليتورجية تميزها عن غيرها”. وأن الكنائس البروتستانتية تنتمي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى حركات الإصلاح الديني التي بدأها مارتن لوثر خلال القرن السادس عشر في ألمانيا وانتشرت في معظم أنحاء أوروبا. وقد عرض في هذا الفصل أطياف الكنائس البروتستانتية في أربعة أنواع:

    1. الكنيسة اللوثرية الإنجيلية (The Evangelical Lutheran Church)
    2. الكنيسة المصلحة (The Reformed Church)، وهي بدورها تضم نوعين:
    • الكنيسة المشيخية (The Presbyterian Church)
    • الكنيسة الجمهورية أو الاستقلالية (The Congregational Church)
    1. الكنيسة الأنجليكانية (Anglican Church)
    2. الكنائس الحرة أو “كنائس الإصلاح الراديكالي”، التي نتجت عن حركة الأنابابتست في القرن السادس عشر.

    ثم يهتم المؤلف في هذا الفصل بتقديم لمحة عن تنظيم الكنائس الإنجيلية في بلدان الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أنه لا يوجد تنظيم نموذجي للكنائس الإنجيلية المشرقية ينطبق على بلدان الشرق الأوسط كلها، معتبرًا التنظيم القائم في لبنان وسورية، ويشبهه أيضًا تنظيم الكنائس الإنجيلية في مصر صورةً نموذجية عما يمكن أن يكون عليه تنظيم الكنائس الإنجيلية في بلدان الشرق الأوسط الأخرى؛ إذ يجمع بين الوحدة والتنوع.

    ويوضح الكاتب في هذا الباب أيضًا عقيدة الكنائس الإنجيلية، مؤكدًا ان سائر الكنائس الإنجيلية تؤمن بقانون الإيمان النيقاوي/ القسطنطيني، وقانون إيمان الرسل، وأن لكل كنيسة اعتراف إيمان يتضمن في صلبه ما ورد في قانوني الإيمان هذين. ويؤكد أن للكنائس الإنجيلية مجتمعة خصوصيات تنظيمية ولاهوتية، مع وجود قواسم إيمانية مشتركة.

    مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية 

                  يتضمن هذا الباب ستة فصول تتناول: الخلفية التاريخية والفكرية للإصلاح الإنجيلي، الإصلاح اللوثري ونشوء الكنيسة اللوثرية، الإصلاح الكالفيني والتسفتغلي ونشوء الكنيسة المصلحة، الإصلاح الإنجليزي ونشوء الكنيسة الأنجليكانية، الإصلاح الراديكالي ونشوء الكنائس الحرة، تأسيس كنائس إنجيلية في الشرق.

                ويركز في الفصل الثاني على الوضع السياسي والاجتماعي والديني الذي كان قائمًا في أوروبا قبيل انطلاق شرارة الإصلاح الديني في ألمانيا، ومساهمات التطورات التاريخية والدينية والثقافية في تهيئة الأرضية المناسبة لاحتضان الإصلاح. عارضًا لما بعد انفصال كنائس الشرق عن الغرب وسيطرة البابوية على أوروبا واستئثارها بالسلطتين السياسية والدينية، وحالة الضعف الروحي، مما كان له أكبر الأثر في انطلاق حركة الإصلاح. 

                ويخصص الفصل الثالث لسيرة حياة المصلح مارتن لوثر وقصة نشوء الكنيسة اللوثرية، وقصة الاختبار الروحي الذي عاشه لوثر وغيَّر مفهومه عن الخلاص ونعمة الله، مما دفعه للمطالبة بإصلاح شامل، وما واجه حركة الإصلاح الناشئة من صعوبات ومحاربات من السلطة البابوية. وأصل تسمية أتباع حركة الإصلاح بالبروتستانت (Protestants) التي تعني المحتجين، بسبب احتجاج المندوبين اللوثريين على قرارات البرلمان الألماني لمحاولة ترتيب الأوضاع بين الكاثوليك واللوثريين، وتحول عدد كبير من الكنائس الكاثوليكية إلى لوثرية، وقضى البرلمان بمنع إجراء تغييرات كنسية جديدة والسماح بالعبادة الكاثوليكية في المناطق اللوثرية.

                في الفصل الرابع يتطرق الكاتب للإصلاح الكالفيني، نسبة إلى جون كالفن (فرنسا)، والتسفنغلي أو الزوينجلي، نسبة إلى أولريخ زوينجلي (سويسرا)، وقد تعرف كلٌّ منهما إلى الآخر والتقيا في عدد كبير من الأمور، وساهما في نشوء الكنيسة المصلحة. ويمكن القول -وفقًا للكاتب- أن هذه الكنيسة تعود إلى تأثير الإصلاح اللوثري وخروجه من الحدود الألمانية إلى فرنسا وسويسرا وإنجلترا. ويرى الكاتب “أن الكنيسة المصلحة، والمعروفة أيضًا باسم المشيخية، قد أعطت المجتمع البشري فكرًا دينيًّا وفلسفيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا مميزًا، ولربما كانت هذه الكنيسة، خصوصًا في الفرع الجمهوري منها، هي الهيئة التي احتوت براعم الديمقراطية الحديثة…”.

                أما الفصل الخامس فيبحث في الإصلاح الإنجليزي ونشوء الكنيسة الأنجليكانية (الأسقفية)، ومن أهم أعلام الإصلاح الإنجليزي وليم تندل. لكن ربما كان الإصلاح الإنجليزي سابقًا لأي بلد أوروبي آخر على يد جون ويكليف في القرن الرابع عشر وأفكاره المصلحة، ثم جون هس. ويرجع الكاتب الشرارة الأولى للإصلاح الإنجليزي لرفض البابا الموافقة على طلاق الملك هنري الثامن، ملك إنجلترا، وإعادة زواجه من امرأة أخرى، وعندها أخذ هنري الثامن الخطوة الجريئة بفصل الكنيسة الإنجليزية عن الرئاسة البابوية. ومرت الكنيسة الأنجليكانية بعدة تغيرات وإصلاحات متأثرةً بانتشار الفكر المصلح في جميع أنحاء أوروبا.

                الفصل السادس اهتم بتناول تاريخ الإصلاح الراديكالي ونشوء الكنائس الحرة، ومنها حركات الأنابابتست الإصلاحية التي نشأت في القرن السادس عشر، وروَّادها ونظرياتهم اللاهوتية، والكنائس التي نشأت من أنشطة هذه الجماعات. وتتلخص آراؤهم في: ممارسة معمودية الكبار، وفصل تام بين الكنيسة والدولة، وتركيز المواهب الروحية، والتركيز على سفر الرؤيا والأمور الإسخاتولوجية. وتأسست منهم جماعات وكنائس مستقلة في أماكن متعددة.

                يستعرض الفصل السابع تأسيس كنائس إنجيلية في الشرق. ويبدأ أولًا بوصف الوضع المسيحي في الشرق قبيل وفود الإرساليات البروتستانتية؛ إذ أنشأت السلطة العثمانية نظام الملة، وهو نظام يعطي الطوائف المسيحية بعض الاستقلال في إدارة شؤونها، متطرقًا إلى معاهدة الامتيازات، التي وقعتها فرنسا وبعض الدول الأوروبية لتأمين الحماية للطوائف المسيحية الشرقية، ومشيرًا إلى الإرساليات الكاثوليكية التي كانت من مظاهر اهتمام الكنيسة الكاثوليكية بالشرق خاصة بعد الإصلاح الديني في أوروبا. وكيف شكَّل مجيء الإرساليات البروتستانتية تحديًا للمؤسسات الإرسالية الكاثوليكية، هذه المنافسة التي أنتجت أمرًا إيجابيًّا تمثل في بناء الكثير من المؤسسات التعليمية والدينية مساهمةً في قيام نهضة فكرية ودينية في الشرق.

    كانت أقدم الإرساليات المنظمة إلى الشرق في فلسطين، حين اشتركت إنجلترا وبروسيا في القرن الثامن عشر في عمل إرسالي مشترك أثمر تأسيس كنائس أنجليكانية ولوثرية في فلسطين والأردن. في حين بدأ العمل الإرسالي المنظم في سورية ولبنان وتركيا في الربع الأول من القرن التاسع عشر وأثمر تأسيس كنائس إنجيلية مصلحة: مشيخية وجمهورية مع عدد كبير من المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية. ومع بدايات القرن العشرين وفدت إرساليات إلى لبنان من كنائس إنجيلية مختلفة وأسست كنائس إنجيلية ذات طابع إصلاحي راديكالي. أما في مصر فقد بدأت محاولات تأسيس العمل الإنجيلي منذ القرن السابع عشر، لكن الإرساليات المنظمة أتت في منتصف القرن التاسع عشر، وأثمر هذا تأسيس كنائس إنجيلية مشيخية في مصر والسودان، إضافة إلى الكثير من المؤسسات التعليمية والإنسانية والدينية، وتأسست أيضًا كنائس إنجيلية أخرى تنتمي للإصلاح الراديكالي في مراحل لاحقة في بدايات القرن العشرين. كما تأسست كنائس إنجيلية مصلحة في العراق والخليج العربي نتاج إرساليات عديدة وفدت إلى المنطقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

                ويرى الكاتب ضرورة انتقال الكنائس الإنجيلية المشرقية من مرحلة “الغربنة” إلى مرحلة “الشرقنة”، وأن عليها أن تنغرس أكثر وأكثر في عمق أرض هذا الشرق العزيز.

    مدخل إلى لاهوت الكنائس الإنجيلية

                في ستة فصول يرصد الكاتب لاهوت الكنائس الإنجيلية واعترافات الإيمان التاريخية في الكنائس الإنجيلية، والكتاب المقدس في الكنائس الإنجيلية، والتقليد في الكنائس البروتستانتية، والخلاص في مفهوم الإنجيليين، ومفهوم الكنيسة وتنظيمها وخدمتها في اللاهوت الإنجيلي.

                يرى الكاتب في الفصل الثامن أنه نظرًا للتنوع الكبير في الكنائس الإنجيلية ليس من السهل كتابة مقدمة عامة عن لاهوت هذه الكنائس. لذا فهو يركز هنا على الطابع الجوهري للاهوت الإنجيلي واصفًا الملامح العامة للاهوت البروتستانتي في ست نقاط هي:

    1. ذو طابع كتابي
    2. لاهوت اختباري وعملي
    3. متنوع
    4. شعبي
    5. فرداني (Individualistic)
    6. غربي

     ويشير إلى أن التنوع في اللاهوت البروتستانتي ناتج عن تنوع الكنائس البروتستانتية وروح الديمقراطية التي هي لب الممارسة الكنسية البروتستانتية.

    الفصل التاسع يهتم باعترافات الإيمان التاريخية في الكنائس الإنجيلية، ونظرة الكنائس الإنجيلية إلى مفهوم قانون الإيمان، عارضًا قانوني الإيمان التاريخيين المعتمدين في جميع الكنائس المسيحية: قانون إيمان الرسل، وقانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني، ثم قوانين الإيمان التي أعدتها الكنائس الإنجيلية في القرن السادس عشر والتي تضمنت العقائد المسيحية المشتركة كالثالوث والتجسد والفداء والمجيء الثاني والقيامة والدينونة الأخيرة، وتضمنت أيضًا الخصوصيات الإنجيلية المتعلقة بالكتاب المقدس والتقليد والخلاص وخدام الكنيسة وتنظيمها وسلطتها وأسرارها أو فرائضها. ويتتبع موضوع “قوانين الإيمان الإنجيلية” والتوجهات العامة في صياغتها.

    يحتل موضوع الكتاب المقدس في الكنائس الإنجيلية اهتمام الفصل العاشر، وكيف كان إحياء دراسة الكتاب المقدس عاملًا رئيسًا في نشأة حركة الإصلاح وتبني حركة الإصلاح شعار “الكتاب المقدس وحده Scriptura sola” للتعبير عن أن الكتاب المقدس هو المراجع الأعلى وصاحب السلطة لكل ما يتعلق بالعقيدة والسلوك. متعرضًا للقضايا المعاصرة مثل “الوحي الحرفي أو اللفظي”، و”عصمة الكتاب المقدس”، و”سلطة الكتاب المقدس”، وما نتج عنها من تيارات لاهوتية مختلفة. ومقسمًا الإنجيليين في موقفهم من الكتاب المقدس، وقضايا أخرى، إلى خمس فئات: 

    1. الليبراليون
    2. الأرثوذكس الجدد
    3. المحافظون المنفتحون
    4. المحافظون المنغلقون
    5. الأصوليون الانفصاليون

                في الفصل الحادي عشر نجد عرضًا شاملًا لقضية التقليد في الكنائس البروتستانتية، مؤكدًا عدم دقة المفهوم القائل بأن المصلحين البروتستانت الكلاسيكيين كانوا ضد التقليد، وأن السؤال كان حول: أي نوع من التقليد هو الأفضل؟ وليس: هل نقبل التقليد أم نرفضه؟ متتبعًا التطور التاريخي لقضية التقليد الآبائي في التيارات الإنجيلية المختلفة.

                يستعرض الفصل الحادي عشر موضوع الخلاص في مفهوم الإنجيليين، وخبرات المصلحين الأوائل ثم في اعترافات الإيمان التي صاغوها أو صاغها الرعيل البروتستانتي الأول.

                أما الفصل الثاني عشر، وهو أطول فصول الكتاب، فهو يهتم بمفهوم الكنيسة وتنظيمها وخدمتها في اللاهوت الإنجيلية؛ أولًا “الكنيسة على أنها شعب الله في العهد القديم والعهد الجديد، وهي شعب العهد الجديد في لاهوت كنائس الإصلاح الراديكالي، وأكد أن اللاهوت المصلح يشدد على أن العلامات الصحيحة للكنيسة الحقة هي الكرازة بالكلمة وممارسة السرَّيْن بالطريقة التي ينص عليها الكتاب المقدس. وعارضًا الأنظمة الثلاثة المطبقة في الكنائس الإنجيلية:

    1. النظام الأسقفي (السلطة في الأسقف)
    2. النظام المشيخي (السلطة في المشيخة)
    3. النظام الجمهوري (السلطة في جمهور الكنيسة المحلية)

    ويركز هذا الفصل أيضًا على إيمان الإنجيليين بـ”لاهوت جميع المؤمنين”، وأنه يوجد نوعان من الخدام: الشيوخ المعلمون، والشيوخ المدبرون.

    ثم يفرد هذا الفصل مساحة للتعرف على اللاهوت الأسراري الذي تؤمن به الكنائس الأنجليكانية واللوثرية والقسم الأكبر من الكنائس المصلحة، موضحًا أن الأسرار اثنان هما: المعمودية، والعشاء الرباني. ثم يتطرق إلى خدمات العبادة ونظامها وترتيبها واختلافاتها بين الأطياف الإنجيلية المختلفة.

    مآثر الإنجيليين

    ويتناول هذا الباب خلاصةً عامة حول المآثر الروحية والفكرية للكنائس الإنجيلية.

    • أولًا المآثر الروحية:
    • الإصلاح الكاثوليكي
    • إعلاء شأن الكتاب المقدس في الكنيسة
    • إعلاء الدور العلماني في حياة الكنيسة
    • إدخال الترنيم الجمهوري والكورالي إلى برنامج العبادة الكنسية
    • تنشيط العمل المرسلي
    • ثانيًا: المآثر الحضارية:
    • نهضة اللغة والأدب
    • الاهتمام بالتربية والتعليم
    • التأثير الإيجابي في الفكر الاجتماعي والسياسي: الديمقراطية، فصل الدين عن الدولة، الحرية الدينية والاجتماعية، قيمة الفرد والمساواة، الإصلاح الاجتماعي، الحركة العلمية، الموسيقى، الاقتصاد.
    • ثالثًا: مآثر الحركة الإنجيلية في الشرق
    • النهضة الروحية للكنائس الشرقية
    • الحركة المسكونية المشرقية
    • النهضة التربوية
    • النهضة الثقافية
    • التزام الإنجيليين بقضايا الشرق
    • المساهمة في نشوء الفكر العلماني في الشرق

     

    ويختتم الكاتب أفكاره بأن “الكنائس الإنجيلية شجرات مثمرة ومساكب غنية، وورود عطرة في بستان المسيحية المشرقية، وعليها واجب العطاء في هذا البستان، ولها حق الأخوة والمشاركة مع شجرات وورود هذا البستان، وما انفكت يومًا عن المساهمة في إبراز جمال هذا البستان لكل من يريد أن يرى الجمال والانسجام والتكامل في التنوع…”.

مسيرة الفكر الإنجيليّ هل هي نقطة ثابتة ساكنة أم ديناميكيّة متحركة؟

اسم الكاتب: الدكتور القسّ عيد صلاح

  • إنَّنا مدينون للإصلاح الإنجيليّ بالكثير؛ فقد كشف لنا من كنوز الكتاب المقدّس، أبعادًا رائعة عن محبة الله، ونعمته المجانية المتفاضلة والمخلِّصة. وقد أعلن لنا مقام المؤمنين في المسيح، باعتبارهم كهنوتًا ملوكيًّا وأمة مقدسة وشعب اقتناء. فلم يتركنا تحت سلطان كهنوت بشري يحتكر النعمة الإلهيّة، ويمسك في يده مفاتيح ملكوت السماوات والسماء ليفتحها أمام البعض، ويغلقها أمام البعض الآخر. بل جعل مِن جميع المؤمنين كهنة يستطيعون أن يتقدموا إلى الله مباشرةً في شفاعة المسيح، ابن الله الوحيد، ورئيس الكهنة الأعظم.

    ومن بين المبادئ الرائعة التي أرسى الإصلاح الإنجيليّ قواعدها، مبدأ حرية الضمير المسيحيّ، وحق المسيحيّ في أن يقرأ كلمة الله، ويجتهد في شرحها وتفسيرها، مستعينًا بكافة الوسائل التي تساعده على ذلك. لقد حَرَّمت كنيسة القرون الوسطى التفكيرَ الحرَّ على الناس، حتى قيل إنها في خلال الأربعين سنة التي سبقت الإصلاح الإنجيليّ، أحرقت نحو 1300 شخص بتهمة الهرطقة. ولقد كانت الهرطقة في مفهوم الكنيسة حينذاك هي أن يفكر الإنسان لنفسه، أو يتساءل متشككًا في سلطة الكنيسة ومجامعها، فقد كان للكنيسة وحدها حق إصدار الأحكام والقرارات المتعلقة بالأمور الدينيّة. وكان على المسيحيّ أن يقبلها بدون سؤال أو استفهام.

    لكن فَجْر الإصلاح الإنجيليّ أشرق على الفرد المسيحيّ بنور حرية الفكر والضمير. ولقد وقف مارتن لوثر في محاكمته في ورمس Worms عام 1521 أمام الإمبراطور والنبلاء والأمراء والكرادلة وقال قولته الشهيرة: “ما لم يقنعني أحد بالإقناع العقليّ والكتابيّ أن ما أقوله خطأ، فلن أستطيع أن أغيِّر ما قلت. إنَّ كلمة الله قد استأثرت ضميري، ولذلك لا أستطيع، ولا أريد أن أعدل عن شيء من أقوالي، لأنه ليس من الصواب ولا من الأمانة أن يتلكم الإنسان ضد ضميره”. كما كان من أقوال مارتن لوثر الشهيرة عن قيمة الفرد وعن حرية ضميره المسيحيّ قوله: “وحدي وقفت في هذا العالم، ووحدي يجب أن أجابه الحياة ومسؤولياتها، ووحدي سأقف أمام الديان العظيم. لن يقف أحدٌ مكاني ولا بيني وبين الله، لا أسقف، ولا كاهن، ولا مجمع كنسيّ، ولا قانون كنسيّ ولا تقليد كنسيّ. بل سأقف أمام الله عاريًا، وعليَّ تقع المسؤولية تجاه الله خالقي”.

    بمثل هذه الومضات الفكرية بدأ عهد الإصلاح، وكلمة “إصلاح” في اللغات الأوروبية التي نشأت فكرة الإصلاح الإنجيليّ في ربوع بلاد الناطقين بها، هي كلمة Reform أي إعادة التكوين، وهذا دليل قاطع على أنَّ مسيرة الفكر الإنجيليّ، لم تكن، ولن تكون نقطةً ثابتةً ساكنةً جامدةً، بل كانت وستظل ديناميكيّة متحركة. ومن المأثور عن جون كالفن، أبي المشيخيّة، أنَّه رغم اهتمامه بالنظم والقوانين حسب دراسته القانونيّة، وتطبيقاته العمليّة في كنيسة جنيف قال ما معناه: “إنَّ الكنيسة المُصلحة يجب أن تصلح ذاتها دائمًا”. وفي هذا تأييد لحركة الفكر الإنجيليّ. ليست هذه محاولة مستحدثة لإضفاء ديناميكيّة جديدة للفكر الإنجيليّ، ولكنه الفكر الإنجيليّ منذ بداية الإصلاح. ومما يؤيد ذلك أنَّ سنودس برن في سويسرا، وضع إقرارًا للإيمان المسيحيّ الإنجيليّ عام 1532م، جاءت فيه هذه العبارات: “ولكن إذا أتانا من رعاتنا أو من أي مصدر آخر شيء يقربنا أكثر إلى المسيح، وفي ضوء كلمة الله يقودنا إلى وفاق أكثر في محبتنا المسيحيّة، حتى إذا ما اختلف ذلك عمَّا عبرنا عنه في هذا الإقرار، فنحن نقبله فرحين، وبدون أي تعطيل لحركة الروح القدس الذي لا يعود بنا إلى الوراء، بل يدفعنا إلى قدام نحو شبه المسيح يسوع ربنا. وإنَّنا لنتضرع أن يحفظنا دائمًا في نعمته”. (من أنتم شهودي، رسالة اتحاد الكنائس المصلحة العالمي، 17).

    دعونا نحاول أن نتأمل في هذا الاتجاه، بقلوب وأذهان مفتوحة لتكون لنا المرونة الكافية، التي تجعل الفكر الإنجيليّ الذي نعتز به، نقطة انطلاق وتقدم نحو تمجيد الله، لا نقطة توقف وجمود، لأن كلام الله لنا “روح وحياة” أي متحرك متجاوب.

    المحور الأول: مفهوم هذه الحركة الديناميكيّة في الفكر الإنجيليّ

    المفهوم الأول: إنَّ هذه الحركة الديناميكيّة -أي القوة المتحركة المتفجرة- دليل تجاوب الكنيسة مع عمل الروح القدس الخلاق فيها

    فمن أقوال السيد المسيح لتلاميذه، في خطابه الوداعي، قوله في (يو 16: 12- 13): “إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ”. ودلالة هذا القول عميقة وعريضة في معانيها؛ فالله لا يكشف أسراره وإعلاناته للبشر إلا بالقدر الذي يستطيعون أن يفهموه ويحتملوه في موقف معين. والله يتعامل مع الناس كأطفال يتدرجون في القدرة على الفهم والاستيعاب. فالمدرس الحكيم لا يبدأ بتدريس النظرية النسبيّة للمبتدئين في الرياضة، ولا يبدأ بتدريس الفلسفة وما وراء الطبيعة لمن بدأوا القراءة والكتابة حديثًا. وعلى هذا الأساس فإن إعلانات الله للبشر متدرجة. وهناك مشكلات كثيرة في الكتاب المقدّس لا نجد لها حلًّا مريحًا إلا إذا فهمنا هذه الحقيقة. فمثلًا يتساءل كثيرون: لماذا سمح الله في فترةٍ ما بتعدّد الزوجات، وبالطلاق، وبقتل الناس بصورة جماعيّة. والجواب يتلخص في قول السيد المسيح لليهود إنَّ موسى أذن لهم بالطلاق لأجل قساوة قلوبهم.

    إنَّ روح الله يجدد إعلانات الله للكنيسة عبر التاريخ وأروع ما في الكتاب المقدّس أنَّه لا يغلق على البشر باب الأمل. فالعهد القديم لا يدَّعي أنَّ إعلانات الله قد اكتملت، بل يسود فيه روح الرجاء والانتظار، إنَّه ينتظر نبيًّا أعظم من موسى، وملكًا أعظم من داود، وعهدًا جديدًا ينسكب فيه الروح القدس. والعهد الجديد لا يوقفنا أمام باب مغلق، لكنه يفتح أمامنا باب الرجاء، ويؤكد لنا أننا دائمًا في تفتُّح لإعلانات الله. ويقول بولس الرسول: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ.” (1 كو 13: 12).

    إنَّ ما يميز المسيحيّة عن كل ديانة أخرى بعد حقيقة الصليب والفداء حقيقة أخرى هي وجود الروح القدس مع المؤمنين وفيهم (يو 14: 17)؛ فالمسيحيّة ليست ديانة متحجرة جامدة، بل متطورة دائمًا، لأنَّ المسيح يحيا بروحه الخلاق المتجدّد في الكنيسة لكي تتجدد دائمًا؛ إذ يرشدها إلى كل الحق. هذا الحق مأخوذ من المسيح، ومُعطَى للمؤمنين، لقد قال المسيح عنه إنَّه “يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.” (يو 16: 14).

    كانت بعض كلمات الكتاب المقدّس غير مفهومة في وقت من الأوقات، حتى جاء وقت معين أنار فيه الروح القدس أذهان بعض قادة الكنيسة لتوضيحها وتفسيرها، فحدثت نهضةٌ كبرى. فمثلًا حقيقة “التبرير بالإيمان” وعدم جدوى الناموس ظلت مكتنزةً غير واضحة عند الكثيرين ولا يعيها غالبية الناس، حتى فجَّرها روح الله في عقل لوثر وقلبه فبدأ عصر الإصلاح الإنجيليّ. وهكذا يجدد الروح القدس إعلانات الله للكنيسة عبر تاريخها.

     

    المفهوم الثاني: التجاوب الصحيح مع عمل الله في التاريخ

    والحديث عن التاريخ، يقودنا إلى جانب آخر من مفهوم الحركة الديناميكيّة في الفكر الإنجيليّ، هذا الجانب هو التجاوب الصحيح مع عمل الله في التاريخ. إنَّ علَّة الجمود عند كثيرين هي أنَّهم يعزلون ويفصلون الأحداث التاريخيّة التي جرت وقت كتابة أسفار الكتاب المقدّس، كوحدة مستقلة منفصلة، عن تيار التاريخ المستمر من خلق العالم إلى عصرنا الحاضر.أنأأ””” أأأأأأ

    لقد أصبح علماء الكتاب المقدّس يدركون الآن أنَّ ما ورد من تاريخ وأحداث في العهدين القديم والجديد، لم يكن القصد منه تدوين تاريخ العالم أو بعض الشعوب، بل إظهار تعامل الله مع الناس من خلال بعض حوادث التاريخ. لذلك فنحن لا نستطيع أن نفصل تمامًا بين كلمة الله الموجَّهة للبشر في وقت ما، وبين الأحداث التاريخيّة التي عاصرت هذه الكلمة.

    وعلى هذا الأساس، استمرت الكنيسة المسيحيّة على مدى عشرين قرنًا من الزمان، تضع القرارات وقوانين إيمانها، في ضوء الظروف التاريخيّة التي عاشت فيها، كنوع من التجاوب الصحيح مع الظروف التي عاشت فيها الكنيسة. فعندما قام “أريوس” بضلالته الشهيرة التي أنكرت لاهوت السيد المسيح، أصدرت الكنيسة قانون الإيمان النيقوي بعد انعقاد مجمع نيقية في عام 325م، وكان التركيز فيه على الرد على تلك الضلالة.

    وبعد عصر الإصلاح الإنجيليّ، كانت الكنائس المختلفة، تضع إقرارات إيمانها في ضوء ظروفها التاريخيّة والاجتماعيّة، ولعله من المناسب أن نذكر جانبًا من هذا التاريخ لتوضيح العلاقة بين نظام الكنيسة وإقرارات إيمانها وظروفها التاريخيّة:

    • النظام الإداري للكنيسة الذي توصل إليه جون كالفن -الملقب بأبي المشيخيّة- كان في الأصل محاولة منه لتنظيم الكنيسة في مدينة جنيف بعد الإصلاح الإنجيليّ. وكانت سويسرا عبارة عن مقاطعات مستقلة (Cantons) وكانت جنيف تدين كلها بالبروتستانتيّة، وقد حاول كالفن، وهو يجمع بين الزعامة الدينيّة والقيادة السياسيّة، أن يعمق الحياة الأخلاقية بين السكان، وذلك عن طريق برنامج ثقافيّ مكثف للقسّوس، مع التشديد في اختيارهم، والتدقيق في نظم التأديب الكنسيّ بمعرفة الشيوخ المدبرين، وفيما بعد وضع نظام الشمامسة لتوزيع الخيرات، وقد تعرَّض نظامه هذا للانهيار بسبب صرامته، لولا قبضته الشديدة كسلطة مدنيّة ودينيّة، ولولا تأييد الهاربين من الاضطهاد الكاثوليكيّ له، وكذلك اللاجئين من البلاد الأخرى إلى مدينة جنيف، وذلك باعتبار أنَّ النظام المشيخيّ جزء من نظام المدينة الإداريّ.
    • كان انتقال النظام المشيخيّ إلى اسكتلندا له أسباب سياسيّة؛ فقد حاول الملوك، وخاصةً الملك جيمس الأول، ملك إنجلترا، أن يجعل اسكتلندا تقبل نظام الأساقفة، لأنَّه رأى أنَّ النظام المشيخيّ يشجع روح التحرر وسط الجماهير، ولما كانت اسكتلندا تسعى لتؤكد استقلاليتها عن إنجلترا، لذلك دافعت اسكتلندا عن النظام المشيخيّ وتمسكت به، وصدر إقرار إيمان اسكتلندي في عام 1560 وضعه ستة أشخاص، اسم كل واحد منهم “جون John”.
    • عندما حدث صراع في ألمانيا بين اللوثريين والمصلحين، أصدرت الكنيسة المصلحة الإنجيليّة إقرار إيمان “هيدلبرج” في عام 1560م، تركز فيه على ما تقرُّه الكنائس المصلحة، بالمقابلة مع ما تقرُّه الكنائس اللوثرية.
    • في الوقت الذي كانت فيه غالبية البرلمان الإنجليزي من “البيوريتان” المدققين دينيًّا وكان يضم عددًا كبيرًا من اللاهوتيين (1643- 1649م)، أراد البرلمان الإنجليزيّ أن يُجري إصلاحًا قوميًّا وروحيًّا في البلاد، فقام البرلمان بإصدار إقرار الإيمان “الوستمنستري”، وقانون الإيمان الوستمنستري المطول والمختصر، وقد صدر في عام 1647م، وبموجب هذا الإقرار صارت كنيسة إنجلترا شكلًا وقانونًا كنيسة مشيخيّة، لكنها لم تكن كذلك في الواقع، فقد كان فيها كثيرون من المعمدانيين والمستقلين كما ضمت فيما بعد جماعات من “الأصدقاء” Friends وهو الاسم الشعبي للإخوة “الكويكرز” Quakars.

    كان هذا كله في أثناء حكم البيوريتان لإنجلترا في عهد أوليفر كرومويل. ولكن بعد انتهاء حكمه وعودة الملكية إلى إنجلترا في عهد الملك شارل الثاني في سنة 1660م، عاد النظام الأسقفيّ إلى إنجلترا، ومما يُذكر أنَّه بعد هذه الفترة بقليل، هاجر كثيرون من الأوروبيين إلى أمريكا، وكان بعضهم هاربًا من الاضطهاد الكاثوليكي، ومِن بين مَن هاجروا كان أولئك الذين أسسوا الكنيسة المشيخيّة في شمالي أمريكا في الفترة ما بين 1713-1773م وهي الكنيسة التي بدأت العمل الإنجيليّ في مصر سنة 1854م، ولذلك لا غرابة إن كانت تحتفظ بقوانين الإيمان الوستمنستريّة، والتي مازالت الكنيسة المشيخيّة في مصر حتى الآن تعتبرها قوانين إيمانها. إلا أنَّ الكنائس المشيخيّة في العالم لم تنظر إلى قانون الإيمان الوستمنستري نظرة جامدة، ولم تعتبره قانونًا معصومًا، لكنها نظرت إليه باعتباره يعبِّر عن حاجة الكنيسة في فترة تاريخيّة معينة.

    لذلك فعندما سادت المبادئ النازية في ألمانيا شعرت الكنائس المصلحة بحاجتها إلى إقرار إيمان جديد، تواجه فيه مبادئ هتلر، وتعبر فيه عن مسؤوليتها التاريخيّة في توجيه شعبها، فصدر “إعلان بارِمنْ” Barmen Declaration في عام 1934م، أصدره سنودس الكنيسة في ألمانيا، ومن بين من أسهموا فيه بقدر كبير اللاهوتيّ الكبير “كارل بارت”، وهو من زعماء الدعوة إلى العقيدة المستقيمة بعد انتشار الآراء العصرية والنقديّة في القرن التاسع عشر. وقد نادى بارت بالعودة إلى الحق القويم ولذلك فإن هذه الحركة تسمى بالنيوأرثوكسية Neo-orthodoxy والنقطة الرئيسيّة في هذا الإعلان هي أن السيد المسيح هو كلمة الله الوحيد الذي يجب أن نثق به ونطيعه في الحياة وفي الموت، والتركيز هنا هو على شخص المسيح كما هو معلن في الكتاب المقدّس، أكثر من التركيز على الأسلوب القديم من حفظ قواعد وقوانين مبنية على آيات؛ ذلك لأن الكنيسة شعرت أنَّ جمودها يضعف من ولائها للسيد المسيح في مواجهة الفلسفات التي تحاول أن تستحوذ على ولاء الإنسان وتشعل طاقاته لخدمتها، بينما تعزل حياته الدينيّة في إطار من القواعد الدينيّة المحفوظة.

    كذلك فإنه الكنيسة المشيخيّة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد شعرت بعوامل الانقسام والصراعات التي تسود العالم، أصدرت إقرار إيمان جديدًا في عام 1967 والنقطة الرئيسية التي يدور حولها الإقرار هي: “المصالحة” Reconciliation باعتبار أنَّها عمل المسيح، وعمل الكنيسة في العالم، ومن هذا المنطلق انبثقت مختلف جوانب العقيدة. وهكذا نرى أنَّ الكنيسة المسيحيّة في العالم، استطاعت أن تميز علامات الأزمنة، وتفهم دلالة التاريخ، وتحاول أن تتجاوب مع عمل الله في التاريخ، بفكر متجدد.

    المفهوم الثالث: حقيقة سيادة الرب يسوع

    ومفهوم الحركة الديناميكيّة في الفكر الإنجيليّ نابع من حقيقة سيادة الرب يسوع الحي على الكنيسة. وبذلك تصير المسيحيّة حركة وسط العالم، فقد أمر المسيح تلاميذه: “وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا.” (مر 16: 15). كما قال لهم قبل انطلاقه للسماء: “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ.” (أع 1: 8).

    لقد نادى قادةُ الإصلاح الإنجيليّ بسيادة يسوع المسيح. وقال كالفن: “كل ما يتعلق بخلاصنا نجده في شخصه” (النظم المسيحيّة مجلد 2 فقرة 16، 19)، إنَّ السيد المسيح بموته على الصليب وانتصاره على الموت قدَّم الفداء لبشرية قد اقتنصتها قوة الخطية. إنَّه هو كلمة الله المخلِّصة التي يجب أن تسمعها الكنيسة وتعلنها، وبقوة الروح القدس تحيا هذه الكلمة في قلوب الناس. ما معنى هذا الكلام، في واقع الحياة؟ إنَّ هذا الكلام يجب أن يعبر مفهومنا عن العلاقة بين الكنيسة والعالم الحاضر. فالكنيسة ليست نظامًا خاصًّا روحانيًّا موازيًا للعالم، هذا المفهوم القديم عن الكنيسة عزلها وأضعف من تأثيرها في العالم، لأنَّه اعتبرها نظامًا مستقلًّا عن العالم منشغلًا بما يعتبره “روحيّات”، يعظ الناس ويعلمهم لكي يضمهم إليه ويربحهم من النظام الآخر الدنيويّ، وحتى في الأمور التي يتعاون فيها النظامان، فإذا كانت الكنيسة تخدم خدمة اجتماعية مثلًا أو خدمة طبية، فإنَّما هذا لكي تعبر عن أفضلية نظامها ومبادئها وربما لتكسب نفوسًا من العالم إليها.

    إنَّ نظرة ثانية إلى حياة السيد المسيح وتعليمه، وقراءة ثابتة للفصول التي تبين لنا أنَّ الرب يسوع هو السيد الذي أُعطِي له كل سلطان في السماء وعلى الأرض وقد تجعلنا نعيد النظر في ذلك المفهوم القديم. ألا نجد في مرات كثيرة أن بعض القيم والمفاهيم الدنيوية، سواء الصالحة أو المادية أو الشريرة، موجودة أيضًا عند بعض الأفراد، وربما بعض الجماعات أيضًا في داخل الكنيسة.

    إنَّ المسيح في حياته لم يتكلم أبدًا عن نظامين، نظام روحيّ في الكنيسة، ونظام دنيوي في العالم. لكن السيد المسيح كانت له رسالة لكل العالم، ورسالة السيد المسيح كانت بحركة من أجل هذا العالم، لقد قال لنيقوديموس: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.” (يو 3: 16). إنَّ المسيح جاء ليخدم العالم وليخلص العالم.

    والمسيحيّة ليست مؤسَّسة، ولكنها حركة في العالم. ولو جعلنا المسيحيّة “منظمة” أو “مؤسَّسة” لجمَّدناها وقضينا عليها. إنَّ رسالة المسيح كانت أسلوب حياة في وسط العالم، وأسلوب الحياة المطلوب، لا التقوقع أو احتواء غيره، ولكن الانتشار، وهذا هو المقصود بنور العالم، وملح الأرض. أي أنَّ هدف المسيحيّة هو التغلغل والانتشار… وهذا معناه أن تنشغل الكنيسة فعلًا بالمشكلات الحقيقيّة الواقعيّة التي يعاني منها المجتمع، والموضوعات التي تشغل الناس وتجعلهم يتحدثون عنها كثيرًا لأنَّها تسبِّب لهم القلق. أما إذا شعرت الكنيسة بأنَّ هذا ليس من شأنها، وتركت الناس يعانون ويتألمون لأنَّهم لا ينتمون إليها، أو لأنَّ هذه المشكلات مختصة بالحياة الدنيا، والكنيسة تهتم فقط بالحياة الأخرى، وبتعليم الآيات والترانيم، فإنها تتقوقع وتعزل نفسها، وتصير سراجًا تحت المكيال.

    وعندما جاء السيد المسيح إلى عالمنا لم يقف على الهامش أبدًا؛ كان معلمًا وطبيبًا، وصديقًا، ومجاملًا، وموبخًا. لقد دخل أعماق الحياة كلها. وهذه هي رسالة من يؤمنون به، ولكنهم مع الأسف يخافون أن يغوصوا في أعماق مشكلات العالم لئلا تبتلعهم ويصبحوا في خطر. والخطر قائم وموجود فعلًا إذا لم يلاحظ المسيحيّ نفسه ويتزود بالقوة اليوميّة، لكنه إذا تقوقع فقد ينجو من خطر الدنيويّة، ولكنه لن ينجو من خطر الانطواء والانزواء وعدم الملاءمة لحياة المجتمع، وفقدان الرسالة كلها، وهذا أقسى وأشر من الموت.

    إنَّ عمل الكنيسة في اجتماعاتها ونشاطاتها هو أن تعبِّر عن حركة المسيحيّة في العالم، ولا ينبغي أن يكون هدفها مجرد أن تأخذ البعض من العالم لتضمهم إليها، بل عليها أيضًا أن تخرج إلى الناس لتحررهم ليظلوا أحياء في العالم لهم حركة خلاقة في مختلف المجالات، وعندما يشعر الفرد بأنَّه محتاج إلى قوة وخبرة ومعرفة، يأتي إلى الكنيسة، لا ليظل حبيسًا بين جدرانها، بل ليصير كل شخص رسالة متنقلة، لأنَّ الشخص نفسه أي شخص هو جزء من هذا العالم، شاء أو لم يشأ، ولكن هذه الحركة تتغلغل في العالم لتغيره إلى الأفضل، فقد أتى المسيح لتكون للناس حياة، أفضل أنواع الحياة.

    وعلى هذا الأساس يجب أن تطور الكنيسة نفسها وفكرها، لتكون فعلًا كنيسة مصلحة وعليها أن تتجنب استخدام لغة وتعبيرات خاصة غير مفهومه عند الإنسان العادي، وفي نفس الوقت تنشغل بالمشكلات المتجددة في العالم المعاصر، وتتخذ منها مواقف ومبادرات تعبِّر فيها عن محبة الله للعالم، وقيمة الإنسان عند الله فلا تقف عند حد استخدام “اكلشيهات” معينة في أساليب العبادة، أو تتجمد عند قواعد ونظم كانت تصلح لعصر مضى وانتهى، ولكن عليها أن تفتح قلبها لتتلقى كل جديد، من روح الله الخلاق في ضوء مشكلات الحياة المعاصرة.

    المحور الثاني: ضوابط هذه الحركة

    لقد رأينا أنَّ الحركة الديناميكيّة للفكر الإنجيليّ دليل على تجاوب الكنيسة مع عمل الروح القدس الخلاق فيها، وتجاوب صحيح مع عمل الله في التاريخ، يتطلب منها تجديد صياغة قوانين إيمانها لتلائم صيغة الحياة في المجتمع الذي تعيش فيه، وللتعبير عن حقيقة سيادة الرب يسوع المسيح الحي على الكنيسة وبذلك تصير المسيحيّة حركة وسط العالم.

    وهنا يبرز سؤال مهم قد يجول في أذهان كثيرين: إلى أي حدٍّ يمكن للفكر الإنجيليّ المصلح أن يتحرك ويتطور؟ وما هي الضوابط التي تمنع هذا التيار المتحرك من الانحراف عن مساره السليم؟ إنَّ الناس يتطلعون إلى شيء ثابت يتمسكون به، وكثيرون يجدون راحة في التمسك بالماضي لأنهم ألفوه وتعودوا عليه ووثقوا به، وأصبح في نظرهم قيمة غالية، ينبرون للدفاع عنها ضد كل محاولة للتغيير والتحديث. كما أنَّ البعض يخافون من انحراف التفكير، والتأثر بعوامل الضعف الإنسانيّ، وهم مُخلِصون في مخاوفهم، وصادقون في مشاعرهم، ولسنا نريد أن ننتقد القديم أو الماضي، فإنَّ الحكم على الماضي لا يمكن أن يتم بمقاييس الحاضر، وإلا كان حكيمًا غير منصف. لقد كانت هناك مبررات كافية للنظم الماضية في وقتها. لكننا كما لاحظنا لا نستطيع أن نوقف حركة التاريخ، وبالتالي لا نستطيع أن نتوقف عن التجاوب مع هذه الحركة. وإذا كنا نقول إنَّ: “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ.” (عب 13: 8) فليس معنى هذا أنَّ الرب يسوع المسيح مرتبط بالقديم، ولكنه أقدم من الأزل، وكائن إلى ما بعد الأبد. وهو لا يرتبط بالزمان، بل يتخطاه ويتعداه.

    إلا أنَّنا نؤكِّد أنَّه لا بد من وجود ضوابط لمسار الفكر الإنجيليّ وهو يتحرك لمواجهة الأحداث، سواء في صياغة العقائد، أو في وضع النظم المختلفة والأساليب المتنوعة في إدارة الكنيسة ونظام العبادة فيها. وفي تقديري أنَّ أهم هذه الضوابط هي ما يلي: أن الجسد واحد، والروح واحد، لكن الأعضاء كثيرة، والمواهب متنوعة. لكن الله يهتم أن تكون

    روح الوحدة سائدة في التنوع. وهذا ما يعرف بالوحدة في التنوع وهو يختلف عن الوحدة في التماثل Unity in diversity not unity in conformaty .

    الضابط الأول: الشركة والوحدة

    لذلك من الواجب أن يتشاور المؤمنون بعضهم مع بعض في الأمور التي يختلفون فيها، وبروح المحبة التي هي رباط الكمال، يحتملون بعضهم بعضًا، حتى لو لم يصلوا إلى اتفاق كامل. لذلك نرى بعض الهيئات المسيحيّة التي تهمها هذه الوحدة، تصدر “أوراق عمل” لكل موضوع تريد أن تبحثه، تناش فيها وجهات النظر، وقد تبدي فيه وجهة نظر معينة، لكنها لا تفرضها على الكنائس، وتترك لهم الفرصة للدراسة والمناقشة والتأمل، حتى تتخذ بنفسها موقفًا يتناسب مع ظروفها، وشتان بين مثل هذا الأسلوب المسيحيّ الجميل، وبين نبرات الإدانة والأحكام الصارمة التي يصدرها بعض من يريدون أن يفرضوا آراءهم على الغير، مدعين أن هذه هي الغيرة على الإيمان المسيحيّ، وعلى الحق القويم.

    ولعلنا نجد نموذجًا لمثل هذا الموقف في كنيسة العهد الجديد في موضوع “أكل ما ذُبح للأوثان”، وهذه المشكلات ليست موجودة حاليًا في الكنيسة، لكنها كانت موضوعًا من الموضوعات المختلف عليها في الكنيسة المسيحيّة الأولى، وقد تبعت هذه المشكلة من الاختلافات العنصريّة والثقافيّة والاجتماعيّة للبيئات التي عاش فيها الأفراد المسيحيّون قبل إيمانهم.

    وفي المسائل التي من هذا النوع لا يمكن أن ننتظر أنَّ البشارة بعمل الله الفدائي في المسيح، تعطينا إجابة مباشرة. لقد تساءل البعض: هل يأكل المسيحيّ اللحوم أم يكتفي بأكل البقول؟ وإذا كان اللحم قد بورك بواسطة كاهن وثني أو ذُبح في مذبح الأصنام، هل نشتري هذا اللحم من الملحمة ونأكله؟ وهل يمكن أن نأكل مثل هذا اللحم في بيت صديق إذا دُعينا إليه كضيوف؟

    كانت تلك الأسئلة وأمثالها حيوية وعويصة للغاية بالنسبة للمسيحيين في ذلك الوقت. ولم يكن هناك طريق سهل للإجابة عليها بالقول: “إن الله يريدنا أن نفعل كذا وكذا، ولا نفعل ذاك وذاك” ونحن إذ نلاحظ بولس الرسول يعالج مثل هذه الأسئلة، يدهشنا روحه المتحرر والمتطور، والكيفيّة التي وجد بها أن المحبة هي مفتاح الحياة المسيحيّة والعمل المسيحيّ، إن لم تكن الجواب المباشر للتساؤل.

    إننا نلاحظ أن بولس الرسول لم يكن “دوجماتيًّا” Dogmatic في اتجاهه إلى هذا الموضوع، (الدوجماتيّة أو الجَزْميّة أو الدوغمائيّة) هي توكيد الرأي والقطع به، بصورة جازمة أو بغطرسة أو من غير مبررات كافية ألا يتمسك بعقائد أو أفكار مبنية على مقدمات غير ممحصة تمحيصًا وافيًا. ولنقرأ ما كتبه الرسول بولس بالوحي في هذا الموضوع، واضعين في فكرنا أن مجمع أورشليم الأول، المذكور في سفر الأعمال 15، قرر أنه وإن كان الأمم الداخلون إلى المسيحيّة لا يُفرض عليهم الختان، لكن عليهم أن يمتنعوا عما ذُبح للأصنام وعن الدم وعن المخنوق والزنا. لكن بولس الرسول استطاع مع وجود هذا القرار أن يقول لأهل رومية:

    “وَمَنْ هُوَ ضَعِيفٌ فِي الإِيمَانِ فَاقْبَلُوهُ لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ. وَاحِدٌ يُؤْمِنُ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَيَأْكُلُ بُقُولًا. لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ-لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ. مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلَكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ. وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ-فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ: الَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ وَالَّذِي لاَ يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ لاَ يَهْتَمُّ. وَالَّذِي يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ لأَنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ وَالَّذِي لاَ يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ لاَ يَأْكُلُ وَيَشْكُرُ اللهَ” (رو 14: 1- 6).

    كان لا بد من وجود اختلافات في وجهات النظر لذلك كانت دعوة بولس دائمًا إلى روح الاتساع والاحتمال في المسائل التي من هذا النوع. إنَّه يقول: “وَأَمَّا أَنْتَ فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَا حَيٌّ يَقُولُ الرَّبُّ إِنَّهُ لِي سَتَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ وَكُلُّ لِسَانٍ سَيَحْمَدُ اللهَ. فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ. فَلاَ نُحَاكِمْ أَيْضًا بَعْضُنَا بَعْضًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ احْكُمُوا بِهَذَا: أَنْ لاَ يُوضَعَ لِلأَخِ مَصْدَمَةٌ أَوْ مَعْثَرَةٌ”. (رو 14: 10- 13).

    لقد كان هناك خطران ينبغي أن نحذر منهما عند تناول هذه المسائل المختلف عليها، فالإنسان الضعيف أو الشخص صاحب الرؤيا المحدودة، كان صاحب غيرة روحية، وكان مجرَّبًا بأن يعتقد أن كل أنواع التقشف التي يمارسها أشياء ضرورية، ومن ثم فعلى الجميع أن يكونوا مثله ويتبعوها. لكن بولس نفسه لم يكن من هذا النوع، لذلك لم يقبل أن يفرض شخص ما رأيه على أولئك الذين يختلفون معه في الرأي اختلافًا بضمير صالح، وبنوع خاص لم يقبل الرسول أن يرى الضعفاء يهدمون الحرية الحقيقية التي للذين حرَّرهم المسيح. فقال: “أَقُولُ الضَّمِيرُ، لَيْسَ ضَمِيرَكَ أَنْتَ، بَلْ ضَمِيرُ الآخَرِ. لأَنَّهُ لِمَاذَا يُحْكَمُ فِي حُرِّيَّتِي مِنْ ضَمِيرِ آخَرَ؟” (1 كو 10: 29).

    وقد اهتم بولس أكثر بالخطر الثاني الذي جاء من الذين اتخذوا الجانب المتحرّر. إن أمثال هؤلاء الناس أصحاب العقل المتسع نظروا إلى القيود التي وضعها المتزمتون باعتبارها تافهة، وانتفخوا أحيانًا بالكبرياء بسبب “معرفتهم” وصرحوا بأكل كل أنواع اللحوم. وقد اتفق بولس مع هؤلاء في أمور كثيرة إذ قال: “إِنِّي عَالِمٌ وَمُتَيَقِّنٌ فِي الرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ نَجِسًا بِذَاتِهِ، إِلاَّ مَنْ يَحْسِبُ شَيْئًا نَجِسًا، فَلَهُ هُوَ نَجِسٌ.” (رو 14: 14).  “وَلكِنَّ الطَّعَامَ لاَ يُقَدِّمُنَا إِلَى اللهِ، لأَنَّنَا إِنْ أَكَلْنَا لاَ نَزِيدُ وَإِنْ لَمْ نَأْكُلْ لاَ نَنْقُصُ.” (1 كو 8: 8). لكن بولس رأى أنه كان عند هؤلاء الناس ميل لاحتقار المتزمتين أصحاب العقول المتسعة، شيء من الكبرياء مقترن بعدم الإحساس بظروف الآخرين وتقدير الصراع الداخلي الذي يجتازون فيه. وقد اعتبر بولس أن نقص المحبة عند أصحاب العقول المتسعة أخطر من ضيق الفكر عند المتزمتين لذلك قال: “وَلكِنِ انْظُرُوا لِئَلاَّ يَصِيرَ سُلْطَانُكُمْ (أي حريتكم هذه) هذَا مَعْثَرَةً لِلضُّعَفَاءِ”. (1 كو 8: 9)، “فَإِنْ كَانَ أَخُوكَ بِسَبَبِ طَعَامِكَ يُحْزَنُ، فَلَسْتَ تَسْلُكُ بَعْدُ حَسَبَ الْمَحَبَّةِ. لاَ تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ ذلِكَ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِهِ.” (رو 14: 15).

    إذًا فالمحبة هي التي تعطينا الإجابات الخاصة في المسائل المُختَلَف عليها الناتجة من متغيرات العصر، واختلاف البيئات والثقافات. بل إنَّ المحبة تعمل أكثر من ذلك، إذ أنَّها تحدّد الروح التي نبحث بها عن إجابات لهذه الأسئلة، وتؤثر في اتجاهاتنا نحو من يختلفون عنا. وهذه أهم بكثير من الجواب المعيَّن الذي نقدمه في اللحظة التي نواجه فيها السؤال.

    إنَّ طريق المحبة ليس كتابًا للتشريعات الجامدة، وقد ذكر المسيح أنَّ السبت جُعل لأجل الإنسان، وبذلك جعل الإنسان الحي أكثر أهمية من التشريع الجامد. وعلى هذا الأساس -الذي هو المحبة والشركة- يمكن أن تجسد الكنائس ضوابط تحفظ تيار الفكر من الانحراف نتيجة الانفراد بالرأي والإصرار عليه، وتحفظه من الجمود نتيجة الانعزاليّة والانطواء على الذات.

    إنَّ تنمية الشركة والفهم المتبادل بين الكنائس أمر حتمي، لذلك كان من الضروري أن تكون هناك لقاءات على مستويات مختلفة بين قادة الكنائس ومفكريها لتبادل الرأي في شتى القضايا التي تهم المجتمع، والتي يجب أن يكون للكنيسة رأي فيها نابع من إيمانها واعتقاداتها بل إنَّه لمن الضروريّ أن تستفيد كل كنيسة من خبرات الكنائس الأخرى التي تتفق معها في الاعتقاد والنظام، والتي تختلف عنها كذلك، ذلك لأنَّ الانعزال فضلًا عن أنَّه مظهر لا يتفق مع روح الشركة، فإنَّه يقوي نوازع الكبرياء الروحيّ، ويساعد على جمود تفكيرها وعدم فاعليتها في تأدية رسالتها، فضلًا عن أنَّ هذا الانعزال لن يمنع من ظهور خلافات ومشكلات داخليّة في داخل الجماعة ذاتها.

    الضابط الثاني: الأمانة للتفسير الصحيح لكلمة الله

    بديهيٌّ أنَّ الكنيسة الإنجيليّة المصلحة نشأت نتيجة إعادة اكتشاف حقائق كتابيّة موجودة في كلمة الله، ولكن أسبابًا متنوعة جعلتها غير واضحة في تفكير قيادات الكنيسة فلم تكن عقيدة التبرير بالإيمان من تأليف مارتن لوثر، أو حتى من اكتشافه هو، لكنه التعليم الكتابيّ الذي نادي به من قبل القديس أوغسطينوس، ومن قبله بولس الرسول، ومن قبله حبقوق النبيّ. كان هؤلاء جميعًا يعلنون حقيقة عمل الله العجيب المجاني، لكن مارتن لوثر أعاد اكتشافه بعد أن كان منسيًّا مُهمَلًا ومتروكًا وسط شكليّات وطقوس الكنيسة في ذلك الوقت.

    ولا نستطيع أن نقول إنَّ الكنيسة المسيحيّة استطاعت أن تكتشف كل أعماق كلمة الله، ذلك لأنه كما قال المرنم: “لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا.” (مز 119: 96). لذلك فمن واجب الكنيسة أن تتفتح عقليًّا وقلبيًّا وروحيًّا لدراسة مستمرة متجدّدة لكلمة الله، لكي تكتشف في أعماقها كنوزًا من المعاني التي تثرى حياة الكنيسة وتوجهها في رسالتها. والأمانة في التمسك بكلمة الله ليس معناها الإصرار على تفسير معين، بقدر ما هي محاولة الدراسة المستفيضة بكل المتاح من إمكانات علمية حتى تكون معرفتنا لكلمة الله أكمل وأصدق وهذا يقتضي أن نهتم بالقديم، ولكننا في نفس الوقت لا نهمل الجديد أو نحتقره أو ندينه، بل تكون موضوعيين في دراستنا، لكي نستطيع أن ندرك ماذا يريد الله أن يقوله لنا من خلال كلمته في ضوء أحداث التاريخ المعاصر.

    الضابط الثالث: التمسك بالقيم المسيحيّة المتضمنة في حياة السيد المسيح، كما يسجلها لنا الكتاب المقدّس ككل

    إنَّ الرب يسوع المسيح هو كلمة الله المعلنة للبشر، وهو الكلمة الحية الفعالة، ومن خلال حياة السيد المسيح على الأرض، نجد مجموعة من القيم التي أرساها بتعاليمه وأعماله وحياته. وإنَّ التمسك بهذه القيم يُعتبر من الضوابط التي تحمي الفكر الإنجيليّ من الانحراف في مسيرته، ولسنا الآن في مجال حصر هذه القيم، لأنَّ هذا موضوع قائم بذاته، ويستحق جهدًا أوفر ووقتًا أطول، لكنا نذكر على سبيل المثال القِيَم التالية: الحرية، المحبة المسؤولة، قيمة الإنسان التي تسمو على التشريعات الجامدة، الاهتمام بنقاوة الجوهر والداخل أكثر من المظهر، التواضع، قداسة الحياة، الانشغال الواعي بمشكلات الناس، تحمُّل الآلام من أجل المبادئ، إنكار الذات… إلخ.

    هذه القيم وغيرها مبادئ أصيلة في المسيحيّة تجتمع معًا ويسند بعضها بعضًا. وقد نجد من خلال آيات الكتاب المقدّس شواهد معينة لو اتخذناها وحدها بمعزل عن مضمون الكتاب المقدّس، فإنها قد تبدو لنا مشجِّعةً لاتجاهات أخرى غير هذه المبادئ أو مؤيدة لمبدأ أو قيمة معينة على حساب قيمة أخرى.

    وكثيرون يتخذون من بعض الآيات أساسًا لعقيدتهم وحياتهم، بينما هم يعزلون هذه الآيات عن رسالة الكتاب المقدّس ككلّ، فالكتاب يكمل بعضه بعضًا، وعلينا أن نكون قارنين الروحيّات بالروحيّات، والأمثلة على ذلك كثيرة، فمثلًا البعض يركزون على الآيات التي تنادي باعتزال المؤمن مثل القول: “لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ” (2كو 6: 17) دون أن يلتفتوا إلى قول السيد المسيح بأن المؤمن هو نور للعالم، ومِلح للأرض، ودون أن يلتفتوا إلى حياته التي كانت مشاركة للناس جميعًا في مختلف ظروفهم.

    والبعض يتخذ من أقوال المسيح عن عدم مقاومة الشر ذريعة للخنوع والذلة وعدم المطالبة الشرعية بالحقوق دون أن يدرك أن رسالة المسيح كانت تحريرًا للمأسورين ودعوة إلى كرامة الإنسان، كما يبدو ذلك من أعماله، وأقواله، والبعض يتخذ من إشارات الكتاب المقدّس إلى القناعة، والرضى بالقليل، حجة للتكاسل، أو ذريعة يتخذها الأغنياء لظلم الفقراء متناسين أحاديث الكتاب الأخرى عن العدالة الاجتماعيّة وحقوق المظلومين.

    إنَّ الكتاب المقدّس رسالة واحدة متكاملة، وليس آيات متناثرة منفصل بعضها عن بعض. لذلك فالأصح ليس مجرد تأييد الفكر بآية، ولكن تأييده بمضمون كتابيّ متكامل، وبروح الكتاب كما تبدو في شخص المسيح وقد قال السيد المسيح مرة لتلاميذه: “اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (يو 6: 63)، “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ، وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي” (2 كو 3: 6).

     

    خاتمة

    وفي ختام هذا الحديث الذي أقدمه بكل اتضاع أمام الرب، وأمام زملائي أشعر بأنَّني مسؤول مع زملائي عن أي قصور في الكنيسة أو جمود في تفكيرها أو انعزاليّة في اتجاهها. وأرجو من روح الله أن يستخدم هذه اللبنة المتواضعة، لتكون بداية انشغال وتفكير جادين، يملآن كيان قادة الكنيسة وأعضائها لينقلوا الكنيسة إلى مرحلة أخرى تعرف فيها أولوياتها.

    ولننظر نظرة واقعية إلى عالمنا ومجتمعنا، والتغيرات التي تحدث فيه، ونتجاوب تجاوبًا سليمًا مع الأحداث. وفي الوقت الذي نسمع فيه أنين العائلات من مشكلات الحياة الزوجيّة والبيوت المنقسمة، ونرى الآلام العميقة التي يحسها الأفراد نتيجة لبعض عوامل القهر أو المظالم أو الاحتياج، ونرى العالم مهدَّدًا بالموت نتيجة الإشعاعات الذرية أو تلوث البيئة، ونرى الإنسان الذي خلقه الله على صورته، يفقد بعض حقوقه واحدًا بعد الآخر في بعض المجتمعات.

    ماذا يُشغل الكنيسة، وماذا يجري في اجتماعاتنا ومجامعنا وسنودسنا؟ لتكن الكنيسة الإنجيليّة نورًا حقيقيًّا لهذا المجتمع، وملحًا فعالًا فيه يصلحه، وشهادة في كل العالم لنشر مبادئ المسيح؟

    المصدر: نشرت هذه الدراسة في مجلة الهدى، السنة 78، العدد 904، مايو ويونيو 1987م، ص 8-13.

نساء الإصلاح بين التراث الأبوي وإصلاح الإصلاح

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. فنيس نقولا

  • كتب القس سهيل سعود عن الإصلاح الإنجيلي وتأثيره في نواحي الحياة، وخصَّص فصلًا عن “النساء المُصلحات” بعنوان “النساء المُصلحات والحوار والتسامح والخدمات الاجتماعية”.

     وبدايةً نعرض لرأي مارتن لوثر ونظرته إلى الزواج؛ فقد رأى أنه أحد أسرار الكنيسة السبعة (عام 1519) باعتباره ترتيبًا من الله للخليقة؛ لأن الله خَلق الانسان ذكرًا وأنثى، وتنبع قدسية الزواج من كونه مباركًا من الله. لكن مفهومه تغيَّر عام 1552 فشدَّد على أن المحبة هي العنصر الأساسي في الزواج المسيحي وأن الصداقة والمشاركة في الحياة العائلية أمور أساسية.

    أما عن أثر الفكر الإنجيلي المصلح في زمن الإصلاح بخصوص النساء، فهم لم يحقِّقوا تقدمًا ملموسًا في منْح مكانة مميِّزة للنساء، بل ركَّزوا على دور المرأة كزوجة وأم وربة عائلة.

    وقد يكون هذا راجعًا إلى أن السيدات كانت لهن مكانة مميَّزة من قبل الإصلاح، فمنهن من كانت أميرة أو حاكمة كاثوليكية ساهمت بأدوار بارزة في الإصلاح وأثنائه. إلا أن الانتقاد طال المصلحين لأنهم قلَّصوا خدمة المرأة وحدُّوها، خاصة وأنهم أغلقوا الأديرة، فأُلغي دور الراهبات المتمثِّل في الاهتمام بالفقراء والمحتاجين.

     كل هذا لا يؤثر في أن النساء اللاتي قَبِلن الإصلاح تغير فيهن شيءٌ، ألا وهو نظرة النساء لأنفسهن. وبالتالي شهد دورُ المرأة متغيراتٍ جديدةً في القرن 16 كنتيجةٍ للإصلاح، بطريقٍ غير مباشر، عندما سمح المصلحون للشعب بقراءة الكتاب المقدس دون العودة إلى مراجِع السلطة الكنسية.

    أما عن التعليم في تلك الحِقْبة؛ فقد اقتصر على المرحلة الابتدائية للنساء فكانت نسبة المتعلِّمات قليلة نظرًا للأثر الاجتماعي والمادي، ولهذا فمن حصلن على فرص جيدة للتعليم كنَّ بنات الطبقة العليا المثقَّفة، وبعضهن حاكمات مُصلِحات ومفسِّرات للكتاب المقدس ومُدافِعات عن الإيمان البروتستانتي وأميرات نشرن التعليم المُصلح في مقاطعاتهن. 

    توجد عدد من أسماء المُصلحات الإنجيليات برزن في زمن الإصلاح، ويذكر الكاتب عدة أسماء ومنها “كاثرين تزال” زوجة المصلح ماثيو تزال 1497- 1562 (ألمانية).

     

    كاثرينافون بورا 1525، زوجة لوثر

    استقبلت 150 شخصًا من اللاجئين بعد أن أجبرهم الراعي في مدينة قُرْب ستراسبورغ على مغادرة المدينة، وتولَّت كاثرين خدمتهم وإعالتهم كما استقبلت عددًا كبيرًا من زوجات الفلاحين وأولادهم بعد نشوب ثورة الفلاحين في ألمانيا.

    كانت سياسة المدينة أن الإغاثة تُقدَّم فقط لسكان ستراسبورغ وليس للغرباء، ولكن كاثرين استطاعت أن تُقنِع السلطات بضرورة مساعدة اللاجئين وقامت بحملة تبرُّعات واسعة واستمرت مساعدتها لهم لمدة ستة أشهر إلى أن عادوا إلى بيوتهم وقُراهم.

     

    المصلحة الإنجيلية كاثرين تزال (1497- 1562)

    عُرفِت بمواقِفها الصلبة بالتمسُّك بالإيمان الإنجيلي المُصلَح وفي نفس الوقت بالانفتاح والتسامح واستقبال المحاورين من كل الخلفيات الإيمانية البروتستانتية، وعندما وقَع خلاف لاهوتي بين رموز الإصلاح الرئيسية الثلاثة (لوثر، كالفن، زوِنجلي “بخصوص العشاء الرباني”) استقبلت اللاهوتيين المحاورين وتولَّت إعداد الطعام والخدمة، واستقبلت جون كالفن في بيتها عندما طُرِد من جنيف وعملت على تهدئة الوضْع بين كالفن وبيير كارولي واهتمت بثلاثين شخصًا من موفدي الطرفين الكاثوليكي والبروتستانتي على أمل استعادة الوحدة الكنسية 1541.

    اعترضت كاثرين على المُعاملة القاسية التي عامل بها الإصلاحُ الأنابابتست. ولها مواقف مشهود لها في خدمة اللاجئين والمرضى والمسجونين المضطهدين الوافدين إلى ستراسبورغ، وكانت مقاطعةً ألمانيةً مستقلةً ولم يشملها مرسوم “ورمس” الذي أعلن هرطقة لوثر، وبالتالي صدرت التعليمات لاضطهاد وملاحقة أتباعه بأعداد كبيرة وظلوا في مقاطعتها لمدد طويلة.

    زارت أحد أعضاء جماعة الأنابابتست في السجن -الذي أنكر عقيدة اللاهوت- ولم توافِق على حكم كالفن بهرطقة مايكل سيرفيتوس.

    عندما ماتت زوجة أحد الأطباء الأنابابتست، رفَضَ القس إجراء صلاة الجنازة إلا إذا أعلن زوجها أنها تركت الإيمان الصحيح، طلبت كاثرين أن تؤخذ المتوفاة على عربة إلى المقبرة وأجرت بنفسها مراسِم الجنازة واتخذ مجلس المدينة قرارًا بتوبيخها إذا تحسنت صحتها، لكنها ماتت عام 1562.

    عندما اتُّهِمت بأنها تزعج السلام قالت: أنا أزعج سلامي الشخصي وليس سلام الكنيسة، صحيح أني لم أقف كواعظةٍ على منبر، لكن أعمالي تتكلم بصوت أعلى من صوت واعِظ عل المنبر.

     

    المُصلحة الإنجيلية الأميرة جين دالبر (1528- 1572)

    كانت مرجريت مثقَّفة جدًّا وأتقنت لغات، قرأت الفلسفة بالألمانية وتَرْجمتْ تأملات لوثر حول الصلاة الربيَّة إلى اللغة الفرنسية وكانت شاعرة، ظهر في كتاباتها الشعرية تأثُّرها بالإصلاح، وأرادت أن تُصلِح الكنيسة الكاثوليكية داخليًّا بمبادئ الإصلاح وأن تحافِظ عليها، وإلى حدٍّ ما استطاعت أن تحمي الإنجيليين الفرنسيين في العصر الأول للاضطهاد. تأثرت ابنتها “جين” بأفكارها.

    فكانت الأميرة الشخص الأعلى منصبًا بين الإنجيليين الفرنسيين، وعملت على نشر الإيمان الإنجيلي في منطقة نفوذها، ودعت الرعاة الإنجيليين إلى مقاطعتها، وأعلنت الكالفينية مذهبًا للمقاطعة، وأسَّست الإصلاح بواسطة التشريعات والقوانين التي أقرَّتها، وأسَّست كلية لاهوت بروتستانتية لتعليم الرعاة واستقدمت أفضل الأساتذة، ودفعت الجزء الأكبر من رواتبهم من مالها الخاص. دعت إلى ترجمة العهد الجديد إلى الفرنسية لغة شعبها وأسست جامعة أكاديمية.

    رهنت جواهرها وثروتها للحصول على قروض لمساعدة اللاجئين، ووقفت ضد استغلال طبقة النبلاء لأموال الكنيسة ورصدت تلك الأموال لخدمات الكنيسة المُصلَحة وفتح المدارس ومساعدة الفقراء.

    سجنها زوجها لإجبارها على ترْك الكالفينية، ولجأ إلى وساطة البابا بيوس الرابع ليناشدها أن ترجع فرفضت. ومع تمسُّكها الشديد بالإصلاح الإنجيلي فقد أخذت أسلوب الحوار والتَّسَامُح منهاجًا لحياتها وأقرَّت قانون حرية العبادة والتعبير عن الإيمان والمعتقد. تصارعت مع عدم تقييد ضمير الآخرين، وفرْض الإيمان الإنجيلي، وفي الوقت نفسه إحساسها بالمسؤولية الروحية لتحذير الناس من غضب الله وعدم اختيار الإيمان الصحيح.

    لم ترغب أن ترى أحدًا يُقتَل بسبب انتماءاته وأصدرت مرسومًا دينيًّا 1562 عن الحرية الدينية.

    سمحت بالقداديس الكاثوليكية في المقاطعة التي تحكمها، ورفضت التطرُّف الذي اتسم به باقي المُصلِحين الإنجيليين.

    ماتت عن عمر 44 سنة قبل موعد زواج ابنها الذي كانت قد وافقت على زواجه من ابنة ملك فرنسا هنري الثاني، على أمل أن يساهم ابنها في نشر الايمان الإنجيلي وحماية الإنجيليين من الاضطهاد، وبالفعل وقَّع الامبراطور معاهدة سلام “جرمان” والتي منحت الإنجيليين حرية العبادة في فرنسا (عدا باريس وقُرْب العرْش الملكي).

    قال عنها الباحِث وولكر إنها “استطاعت أن تبحر بنجاح في حياة السياسة، ولكن التاريخ أهمَل ذكرها ولم يتكلم عن عَظَمة أفعالها لكونها امرأة.”

    وبعد..

    فإن لم يكن للإصلاح دور مباشِر في شأن المرأة، إلا أن الإصلاح الديني في حد ذاته هو النبع الذي استقى منه العقل الإنساني التطور الحضاري في مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية، والتربة التي انغرس فيها جِذْر عصر التنوير بعد أن رَفَع الإصلاح الديني الوِصاية عن العقل، والنساء ممن استقين من هذا النبع ورفعن الوصاية عن العقول، وقد عبَّر كانط عن معنى التنوير في القرن 18 بأنه هجرة الإنسان من اللا رشد أي عجْز الإنسان عن استخدام عقله والإفادة به.

    على أن أهم ما تتميَّز به حركة الإصلاح أنها لا تتوقَّف عند زمن ما ونقطة ما “فإصلاح الإصلاح” هو الملمح الأهم والذي يضمن تواصل جهود الإصلاح، وفي مجال الإصلاح والمرأة تواصلت حركة الإصلاح وامتدت لمجالات أرحب.