مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور صيف 2024_العدد (12)

فهرس عدد صيف 2024

  • افتتاحية العدد: صلاة سلام من مصر والعالم – د. ق. اندريه زكي رئيس التحرير.
  • في هذا العدد تقرأ – ق. عيد صلاح.
  • مقالات ودراسات عن القيامة:
  • …….وقام في اليوم الثالث، حسب الكتب”- د. نيقولا أبو مراد.
  • القيامة في غزة – ق. بيتر وديع.
  • ما دلالة خروج دم وماء؟ – ق. أمير إسحق.
  • ملف العدد: غزة وقضايا ما بعد الحرب.
  • في سوء الفهم……مساحة من الالتباس والاشتباك….. عن موقف المواطنين المسيحيين المصريين من القضية الفلسطينية – أ. هاني لبيب.
  • غزة……. قضية عربية وإنسانية – د. رامي عطا.
  • المحكمة الجنائية الدولية وجرائم إسرائيل – أ.د. نبيل حلمي.
  • هل سأصحو غدا…؟! – د. ماجد عزمي.
  • المتانة والمرونة والقدرة على الصمود- أ. مارجريت صاروفيم.
  • الموقف الرسمي للطائفة الإنجيلية في الحرب على غزة – ق. عيد صلاح
  • المناصرة والغياب: تقييم استجابة التحالف الإنجيلي العالمي لأزمة غزة – البروفيسور منير سليم.
  • الأدب الإنجيلي المصري العربي في تفنيد المزاعم الصهيونية: قضايا وكتابات- ق. عيد صلاح.
  • رجاء لعالم بلا رجاء – د. ق. وفيق وهيب.
  • لاهوت المحبة في عالم ملئ بالحروب – د. ق. حنا كنتاشو.
  • أخلاقيات القوة والصراع والسلام – د. ماهر صموئيل.
  • الخطاب الديني بعد الحرب على غزة: الأسرة المصرية في الكنيسة والمسجد نموذجا – د. هبة صلاح.
  • عرض كتاب: أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني – يوسف الخوري.
  • دراسات أدبية: قيمة ميخائيل نعيمة بالنسبة للكنيسة كما يبرزها مثال روايته “اليوم الأخير” – د. إيفان بافلي.
  • شذرات لاهوتية: أنواع الخبرة الروحية المسيحية – ش. د. إيهاب الخراط
  • شذرات كتابية – ش. أسامة رشدي.
  • ملحق العدد: نماذج من الكتابات الإنجيلية ضد الحركة الصهيونية – إعداد القس عيد صلاح.

صلاة سلام من مصر والعالم

اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي

يستطيعُ المطَّلِعُ ببساطةٍ ودونَ جهدٍ أنْ يدركَ كمْ منْ تحدياتٍ يواجِهُها العالمُ بأَسْرِه في عصرِنَا الراهنِ في ظروفٍ محليَّةٍ وإقليميةٍ ودوليةٍ؛ فنحنُ أمامَ عالمٍ تخنِقُه الأزماتُ وتطوِّقُهُ التحدياتُ من كلِّ جانبٍ، وتفوحُ في أركانِهِ رائحةُ الحربِ والعنفِ والقتلِ والدمارِ واستباحةِ الحياةِ الإنسانيةِ وغيابِ السلامِ.

هذا العالمُ إذًا، أيها الأحباءُ، متعطِّشٌ للسلامِ، مفتقرٌ للسلامِ.

لكن ماذا يَعني السلامُ؟!

إنَّ السلامَ مفهومٌ شاملٌ لا يقتصرُ فقطْ على زوالِ الصراعِ، بل يتطلَّبُ أيضًا التأكيدَ على تحقيقِ مجموعةٍ كبيرةٍ من مفرداتٍ، وقِيَمٍ، ومواقفَ، وعاداتٍ ترتكزُ على احترامِ مبادئِ السيادةِ والحرياتِ، بجانبِ احترامِ مبادئِ الحوارِ والتعاونِ، ونبذِ ثقافةِ العنفِ واستخدامِها.

يقترنُ السلامُ بالمصالحةِ وبناءِ الجسورِ، ولا سبيلَ للسلامِ إلا بالمصالحةِ.  

يَنتُجُ السلامُ أيضًا عنْ عملِ الرحمةِ؛ وعندما نعودُ إلى الكتابِ المقدسِ نجدُ مفهومَ الرحمةِ سائدًا؛ فقد وُصف الله مرارًا وتكرارًا بأنهُ “حافظُ العهدِ والرحمةِ” (نحميا 1: 5)، وأنه “رؤوفٌ ورحيمٌ وكثيرُ الرحمةِ…” (نحميا 9: 17، مزمور 145: 8)، وأنَّ “كلَّ سُبُلِ الربِّ رحمةٌ وحقٌّ…” (مزمور 25: 10)، وفي سفرِ هوشعَ، نجدُ اللهَ يضعُ الرحمةَ أولويةً على الذبيحةِ: “إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً” (هوشع 6: 6)، وهو القولُ نفسُهُ الذي اقتبَسَهُ السيدُ المسيحُ في عدَّةِ مواقفَ (متى 9: 13؛ 12: 7).

إذنْ، الرحمةُ أولويةٌ إلهيةٌ وصفةٌ مميزةٌ للهِ في جميعِ تعاملاتِهِ معنا. وطالما يعاملُنا اللهُ بالرحمةِ فلا سبيلَ أمامَنا إلا أنْ نتبادلَ هذهِ الرحمةَ معَ الناسِ “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ” (متى 5: 7).  

يَمتَدِحُ السيدُ المسيحُ أيضًا صانعي السلامِ؛ إذ يقول: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ” (متى 5: 9). لقد كانَ السيدُ المسيحُ نفسُه صانعَ سلامٍ. وإذا تتبَّعنا مسيرةَ آلامِه وعملِهِ الخلاصيِّ، نجدُه يتعاملُ مع كلِّ المواقِفِ من منطلقِ صناعةِ السلامِ. ففي لحظاتِ القبضِ عليهِ، قدَّم لنا النموذجَ والمثالَ في عَيْشِ ما علَّمَ بهِ؛ إذ رفضَ مقاومةَ الشرِّ بالشرِّ. صحيحٌ أنَّ السيدَ المسيحَ كانَ في عصرٍ يسودُ فيهِ اعتبارُ بناءِ السلامِ حصريًّا على استخدامِ القوةِ، لكنَّه قدمَ مفهومًا مختلفًا للسلامِ يتجاوزُ غيابَ الصراعِ إذْ يقول لتلاميذِهِ: “سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ”. ويحرصُ على أنْ يحدِّدَ: “لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا”.

إنَّ اتِّبَاعَنا للسيدِ المسيحِ، صانعِ السلامِ، هو دعوةٌ لنا لاستخدامِ كلِّ ما لدينا من قوةٍ لاقتراحِ مصالحاتٍ وبداياتٍ جديدةٍ وغفرانٍ، تمثُّلًا واقتداءً بالسيدِ المسيحِ.

إنَّ صناعةَ السلام ليستْ سهلةً، بل تتطلَّب تحوُّلاً في مواقفِنا؛ إذ إنَّ موقفَنا الأوَّلَ في وجهِ الصراعِ هو الانحيازُ إلى الجانبِ الأقربِ إلينا، وموقفَنا الأوَّلَ في وجهِ العنفِ أو الظلمِ هو الانتقامُ. صناعةُ السلامِ تتطلَّبُ تنقيةَ ذواتِنَا منَ التنميطِ والوصمِ ووضعِ الناسِ في قوالبْ. صناعةُ السلامِ تتطلَّبُ صبرًا على الإساءةِ وغفرانًا، بالتوازنِ مع القوةِ في الحفاظِ على الحقوقِ والمطالبةِ بها.

أنْ نكونَ تلاميذًا ليسوعَ المسيحِ لا يَعني فقطْ أنْ نقبلَ الإنجيلَ على أنَّهُ سلامٌ مُعطًى لنا، بل أنْ نُصبِحَ أيضًا صنَّاعَ مصالحةٍ وسلامٍ.

إنَّ العيشَ بسلامٍ يولِّد قيمَ التسامحِ والاحترامِ بينَ الناسِ، وينشرُ التقديرَ والقبولَ لثقافاتِ العالمِ المتنوعةِ، وطرقِ التعبيرِ المتفاوتةِ، واختلافاتِ البشرِ بشكلٍ عامٍّ، وهكذا يتمُّ تعزيزُ السلامِ منْ خلالِ الاهتمامِ بالمعرفةِ، والانفتاحِ على الآخرينَ، والتواصلِ، وتعزيزِ حريةِ الفكرِ.

السلامُ هو واحدٌ منْ أهمِّ مُتطَلَّباتِ تحقيقِ التنميةِ في أيِّ مجتمعٍ، وتحريرِ أفرادِهِ من الخوفِ ومنْ جميعِ أشكالِ العنفِ، وجعلِهِم يشعرونَ بالأمانِ.

أيُّها الأحبَّاءُ، لقد اختبَرْنَا جميعًا في بدايةِ العقدِ الثاني منْ هذا القرنِ ما عانَتْهُ بلادُنا ومجتمعُنا المصريُّ من تهديدٍ للسلامِ، وكيف دفعَ المصريونَ ثمنًا باهظًا للحفاظِ على الوحدةِ وأمانِ المجتمعِ، والتحركِ نحوَ الأمامِ وتحقيقِ الأمنِ والسلامِ، إننا اليومَ ندركُ أنَّ بلادَنا العزيزة عصيةٌ على الكسرِ.

لذا اسمح لي أيها القارئ العزيز أنْ أختمَ بهذهِ الصلاةِ، ولنشترك بها معًا أمام عرش النعمة:

أيُّها الربُّ الإلهُ سيدُ السماءِ والأرضِ، أتينا إليكَ في خشوعٍ وخضوعٍ، اجعَلْنا بكلمتِكَ شعبًا واحدًا يعملُ العجائبَ ويحملُ شهادةَ محبةٍ لكلِّ الناسِ، ويقدِّمُ الرحمةَ للجميعِ ويسعَى لصُنْعِ السلامِ.

أعطِنَا نعمةً يا سيدَنَا الربّ، لكي نُلزِمَ أنفُسَنا، باعتبارِنا جسدًا واحدًا، أنْ نحبَّ قريبًا كأنفُسِنا، والقريبُ هو كلُّ أخٍ لنا في الإنسانيةِ، وحتى الذينَ يسيئونَ إلينا.

أعطِنَا حكمةً أنْ نتمسَّكَ بإعلانِ المحبةِ ونعتنيَ بكلِّ العالمِ والخليقةِ.

ساعِدْنا يا رب أنْ نجاهِدَ ضدَّ كلِّ أنواعِ التمييزِ، ولا سِيَّمَا التي بينَ الرجالِ والنساءِ، الأغنياءِ والفقراءِ، الشبابِ والكبارِ، وأنْ نسعَى لبناءِ مجتمعِ العدالةِ وعالمٍ يسودُهُ الأمانُ والسلامُ.

آمين.

أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني للقس الدكتور منذر إسحق

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 

اسم الكاتب : يوسف الخوري

إسحق، منذر. أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني. بيت لحم: كلية بيت للكتاب المقدس، 2021

نادرًا ما نقرأ كتابًا لاهوتيًّا يتمتع بأسس رزينة في الكتاب المقدس وينقل فكرًا فريدًا ومتنورًا. تفتقر مكتباتنا العربية والفلسطينية لتلك النوعية من الكتب، بشكل خاص باللغة العربية وتستهدف القارئ العربي المسيحي. على الرغم أن اللاهوتيين الفلسطينيين قد كتبوا العديد من المؤلَّفات التي توضح تاريخ الوجود المسيحي الفلسطيني، وتقدم رؤية لاهوتية للقضية الفلسطينية وموقفًا رصينًا من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن تلك الكتابات غالبًا ما كانت باللغة الإنجليزية وتستهدف القارئ الغربي. يطل علينا القس الدكتور منذر إسحق، العميد الأكاديمي لكلية بيت لحم للكتاب المقدس، وراعي كنيسة الميلاد اللوثرية في كتابٍ مهمٍّ للغاية يناقش خلاله موضوعًا ساخنًا لاهوتيًّا وسياسيًّا وهو “أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني.” يقدم إسحق في اثني عشر فصلًا لاهوتًا كتابيًّا لمفهوم أرض الميعاد في السياق الفلسطيني. يتضح أن الكتاب قُسِّم لجزئين: الأول، في الفصول العشر الأولى يسرد لاهوتًا كتابيًّا لمفاهيم الأرض، الوعد، النسل المختار، الهيكل وصهيون والقدس. بينما في الجزء الثاني، الفصول الحادي عشر والثاني عشر، يوجِّه نقاشه مباشرة للصهيونية المسيحية وفهمًا لاهوتيًّا وكنسيًّا فلسطينيًّا لقضية أرض الميعاد.

يتسم أسلوب إسحق ولغته بالبساطة والوضوح، كما يبدو جليًّا أن الكتاب قد وُضِع لكي يكون سهل القراءة لجمهور واسع من القراء، تحاشى فيه قدر الإمكان المصطلحات اللاهوتية المعقَّدة. هدف الكتاب ليس اكاديميًّا لاهوتيًّا خالصًا، بل إنه محاولة لإخراج المسيحي الفلسطيني والعربي من أزمة الإيمان نتيجة خبرتهم مع الاستعمار وسوء تفسير واستخدام الكتاب المقدس (ص ١٠). نجح الكتاب في تجاوز العديد من العقبات اللاهوتية والفكرية التي تشكل تحديًا للاهوتيين العرب وأهمها عقبة المصادر والمراجع وذلك لندرة الكتابات اللاهوتية العربية. في أغلب الحال، يستند اللاهوتيين العرب على لاهوتيين ومدراس لاهوتية غربية لتدعيم آرائهم اللاهوتية، إلا أن إسحق استند على مفكرين ولاهوتيين فلسطينيين وعرب لامعين أمثال البطريرك صباح، يوحنا كتناشو، متري الراهب، عيسى دياب ورياض قسيس، وغيرهم. لم يكتفِ بذلك، بل قدم فكرًا أصيلًا وشموليًّا يتجاوز فيه هفوات بعض المدارس اللاهوتية والأيديولوجيات المسيحية الغربية التي تزعم صحة أسلوب تفسيرها لنصوص الكتاب المقدس وبذلك تدعم الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين التاريخية، بشكل خاص، متذرعة بمفاهيم أرض الميعاد والوعد والاختيار. فيما يلي قراءة لبعض الأفكار التي يطرحها الكاتب في ثلاث نقاط رئيسية.

أولًا، يؤكد إسحق على وحدانية الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس كقصة واحدة، وعلى إرسالية الله الواحدة نحو افتداء العالم وتجديده. بذلك، يرفض وينتقد بمنهجية كتابية وعلمية وافية تلك الازدواجية التي يتمسك بها بعض اللاهوتيين الغربيين تجاه الكتاب المقدس، بعهدية القديم والجديد، وتعاملات الله مع الشعب العبراني (أي إسرائيل الكتاب المقدس)، والكنيسة. التزم إسحق وبشكل كبير على منهجية اللاهوت الكتابي والتي لا تجزئ الكتاب المقدس، بل ترى فيه وحدة شاملة من سفر التكوين حتى رؤيا يوحنا.

ثانيًا، يناقش إسحق ثلاث مفاهيم أساسية مترابطة بما لا يدع مجالًا للفصل، وهي: الأرض والعهد والاختيار. يؤكد مستندًا على فهم وتفسير دقيق للنصوص الكتابية على البُعد الكوني لتلك المفاهيم. فالأرض، أي أرض الميعاد، لا يُقصد بها مكانًا جغرافيًّا معينًا قد وهبه الله لشعب معين، إنما كل الأرض لله وحده وقد أوكلها للإنسان ليرعاها لا ليملكها. كما يوضح أن دراستنا للاهوت الأرض لا يجب أن تبدأ من الوعد الإبراهيمي (تكوين 12)، بل من الخلق والإصحاحات الأولى لسفر التكوين (ص 59). يربط إسحق بتفنن بين أرض الميعاد وملكوت الله. إن كان الله هو مالك الأرض، فإن ملكوته يكون على الأرض أيضًا (ص 73). ما يستمد من الكاتب بأن لاهوت الأرض هو ليس لاهوتًا متخصِّصًا بأرض معينة بل هو لاهوت كل الأرض، بل ولاهوت ملكوت الله، فالله وحده مالك الأرض. يقترح إسحق مصطلحًا بديلًا وغاية في الدقة والجمال للأرض الميعاد وهو “الكون الموعود” (ص 75). أيضًا فيما يختص بالعهد، فهو يؤكد أن العهد يشترط القداسة؛ حيث إن العهد ليس حكمًا اعتباطيًّا غير مشروط أو غير محدود الأجل، بل مرتبط بمسؤولية الإنسان على العيش بقداسة مع الله والآخر في الإنسانية. أما بالنسبة للاختيار، يوضح إسحق بدقة أن الاختيار والنسل المقدس ليس مقتصرًا على صلة الدم أو الانتماء العائلي أو العِرقي لإبراهيم، بل على الإيمان بإله إبراهيم (ص ٤٥). إن الاختيار متجذر بالمسؤولية والإرسالية. كما يقول إسحق إن “الاختيار والإرسالية توأمان” (ص 85). فالاختيار ليس عشوائيًّا، إنما هادف، ينطلق فيه الله بشراكةٍ مع الإنسان في إرسالية لتحرير الكون من وطأة الخطية. إنه وصفٌ وفهمٌ دقيقٌ لمقاصد الله للإنسان والكون. من هنا يمكن اختصار فكرة الكاتب كما يلي: أن الاختيار هو مسؤولية إرسالية لاسترداد الكون لمالكه الأصلي، وهو الله من خلال المسيح.

ثالثًا، قدم إسحق تفسيرًا لنبوات العهد القديم فيما يخص الأرض والقُدْس والهيكل مرتكزًا على المسيح والعهد الجديد. فالمسيح هو الأساس والمركز في الكتاب المقدس. بينما يقرأ بعض المفسرين الغربيين والعرب الكتاب المقدس ونبوات العهد القديم بشكل حرفي وكأن المسيح لم يحققها، أبدع الكاتب في تقديم شرحٍ وافٍ ودليلٍ حازمٍ لتفسير الكتاب المقدس والرسل لنبوات العهد القديم من خلال منظار مجيء المسيح الأول وما بعد القيامة (113-150). فأرض الميعاد هي كل الأرض في المسيح. والعهود التي أُعطِيت لإبراهيم قد تحققت بالكامل لنسل إبراهيم الأوحد وهو المسيح، وأن الكنيسة وكل المؤمنين في المسيح يرثون معه وعود الله في الأرض والبركة. في الفصول الأخيرة، يقدم الكاتب تعريفًا وتوضيحًا مبسطًا ووافيًا للصهيونية المسيحية. يذكر سبعة أسئلة رئيسية ويقدم حججًا كتابيةً على ادعاءات الصهاينة المسيحيين. ويختتم كتابه بتقديم قراءات فلسطينية لمفهوم أرض الميعاد التي ترفض سوء تفسير الكتاب المقدس وتأويله لخدمة مشروعٍ استعماريٍّ وظلم الشعب الفلسطيني. مقتبسًا من وثيقة كايروس فلسطين، صرخة رجاء، مؤكدًا على الإيمان بصلاح وعدل الله.

على الرغم من شمولية ودقة إسحق في مناقشة طرحه، إلا أنه لا يخلو من بعض الهفوات. على سبيل المثال، في الفصل السابع (٩٩-١١٢) ينهمر الكاتب على توضيح الالتباس حول هوية النبي وتعريف النبوات، كما أنه يوضح سوء تفسيرها الحرفي لتنسجم مع الأيديولوجية الصهيونية المسيحية. إلا أنه لا يلمح لحقيقة أن تلك النبوات التي تتحدث عن العودة والبناء قد تحققت بالفعل مع عودة العبرانيين المسببين إلى فلسطين في القرن الخامس قبل الميلاد. كما يتجنب الكاتب استخدام مصطلح دولة الاحتلال الإسرائيلي ككيانٍ استعماريٍّ ويكتفي بالإشارة لها كدولة إسرائيل المعاصرة مما يخلق نوعًا من اللبس حول كونها استمراريةً لمملكة اسرائيل القديمة، إلا أنه يستخدم مصطلح الاحتلال لاحقًا في نقاشه لقضية الصهيونية المسيحية في الفصل الحادي عشر. كان من المستحسن لو استمر في استخدام مصطلح احتلال أو كيان استعماري لتحاشى أي التباس من جهة أي قارئ.

ختامًا، إن التفسير والمبدأ اللاهوتي اللذين تمسَّك بهما إسحق بحق هما وحدة الكتاب المقدس ومركزية المسيح في التفسير. كيف لأي مفسِّرٍ مسيحيٍّ أن يستثني أو يتجاهل مركزية المسيح في تحقيق نبوات العهد القديم وكونه المالك الأصلي للكون! ما أحوج مكتباتنا العربية وكنائسنا وجامعاتنا ومعاهدنا اللاهوتية لمثل هذا الغِنَى والزخم الفكري واللاهوتي. إن هذا الكتاب هو لاهوتيٌّ كتابيٌّ بامتيازٍ، إلا إنه أيضًا إرساليٌّ متجذرٌ في إرسالية الله والكنيسة لكل العالم. أؤمن أن هذا الكتاب مهمٌّ لدراسة علم اللاهوت الكتابي وعلم الإرساليات. كما أنه يصالح الإنسان المسيحي الفلسطيني والعربي مع إيمانه المسيحي ومع الكتاب المقدس بعد ما تم استغلاله من الغرب والكيان الإسرائيلي الاستعماري لظلم الشعب الفلسطيني.

المصدر: https://bethbc.edu/acblogar

"المناصرة والغياب: تقييم استجابة التحالف الإنجيلي العالمي لأزمة غزة"

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب :د. سليم منير 

قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ” (مي 6: 8).

يمثل التحالف الإنجيلي العالمي (WEA) شبكة واسعة من المسيحيين الإنجيليين، ويتمتع بنفوذ كبير على ناخبيه الدوليين، خاصةً عند التعامل مع الصراعات الجيوسياسية المعقدة. عند دراسة استجابات جمعية WEA للأزمات في مختلف المناطق، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمن بالغ الأهمية تقييم مشاركتها وخطابها. هذا التدقيق أساسي ليس فقط لضمان التمثيل الدقيق والمناصرة، ولكن أيضًا لتعزيز فهم أعمق وتضامن بين المجتمعات المسيحية العالمية.

والغرض من هذا التحليل هو الكشف عن أي تحيز أو تمييز في نهج جمعية WEA تجاه الصراعات، ولا سيما الصراع المستمر في غزة. العديد من قادة الكنائس في جميع أنحاء العالم يجب أن يكونوا على درايةٍ بالديناميكيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكيف يشكل خطاب المجتمع الإنجيلي الدولي التصورات والأفعال. إن المناصرة السليمة والخطاب المتوازن أمران في بالغ الأهمية؛ ومن دونهما، قد تسود وجهات النظر الأحادية والجزئية، مما يعيق المسيحيين الغربيين عن فهم ودعم نظرائهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كامل. يسلط هذا النقد الضوء على ضرورة أن تتبنى جمعية WEA  خطابًا أكثر صراحةً وتوازنًا، لا سيّما فيما يتعلق بالمعاناة غير المتناسبة في غزة والضفة الغربية.

من خلال تسليط الضوء على هذه التناقضات، نهدف إلى الحثّ على إعادة معايرة كيفية قيام الكيانات الإنجيلية مثلWEA  بتقديم التقارير حول الصراعات العالمية والتعامل معها، مما يضمن أن مناصرتهم لا تتحدث فقط عن الحقائق على الأرض، ولكنها تتوافق أيضًا مع مبادئ العدالة والرحمة المركزية إلى الإيمان المسيحي.

على وجه التحديد، عند دراسة تصريحات جمعية WEA بشأن الصراعات في مناطق مثل أوكرانيا وأرمينيا وقطاع غزة، فإنها تُظهِر اختلافًا ملحوظًا في اللهجة والمشاركة. على سبيل المثال، اتسمت استجابة جمعية WEA للصراع في أوكرانيا باستخدام لغةٍ قويةٍ وحاسمةٍ وتعبئةٍ كبيرةٍ للموارد. الخطاب مليء بالإدانة المباشرة للعدوان وتصويرٍ حيٍّ للمعاناة التي يتعرض لها المدنيون الأوكرانيون. علاوةً على ذلك، في أوكرانيا، تُظهر اتصالات جمعية WEA مشاركتها المباشرة في عمليات الإغاثة، مثل توزيع السلع الأساسية وإنشاء الملاجئ. هذه الإجراءات والموقف الاستباقي للمنظمة جديرة بالثناء وتتوافق مع القيم المسيحية الإنجيلية المتمثلة في الدفاع عن المظلومين والمساعدة للمحتاجين.

وعلى النقيض من ذلك، فإن النهج الذي تتبعه جمعية WEA في التعامل مع الصراع في غزة أكثر تحفظًا إلى حدٍّ كبيرٍ. أولًا، في حين أن جمعية WEA دخلت في شراكةٍ مع المنظمات المحلية للتغلب على الحواجز الجيوسياسية المعقدة وتسهيل توزيع المساعدات، فإن نطاق هذه الجهود وتأثيرها لا يظهر بشكل بارز في اتصالاتها. ثانيًا، في حين أن المنظمة لا تخجل من تنظيم المساعدات والدعوة إلى السلام، فإن تصريحاتها تفتقر إلى الحيوية أو التحديد الذي رأيناه في استجابتها للأزمة الأوكرانية. ويميل الخطاب إلى مساواة المعاناة على كلا الجانبين دون معالجة التأثيرات غير المتناسبة للصراع بشكلٍ مناسبٍ. على سبيل المثال، في حين تدين الجمعية العنف الذي تمارسه جميع الأطراف، فإن هناك غيابًا ملحوظًا للغةٍ محددةٍ تتناول العواقب الوخيمة للأعمال العسكرية الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين. إن هذا الخطاب المعمم والحذر لا يعكس العنف غير المتناسب الذي يواجهه سكان غزة، وهو أمر موثق جيدًا ومُعتَرَف به على نطاقٍ واسع، ولا يواجه القضايا النظامية الكامنة وراء الصراع.

علاوة على ذلك، يمتنع التحالف الإنجيلي العالمي WEA في كثيرٍ من الأحيان، في اتصالاته وتقاريره العامة، عن ذكر أرقام وإحصائياتٍ محددةٍ تتعلق بالضحايا وحجم المعاناة في غزة والضفة الغربية. ويتناقض هذا بشكلٍ حادٍّ مع تقاريرهم التفصيلية عن صراعاتٍ أخرى، كما هو الحال في أوكرانيا، حيث تقدم WEA أرقامًا دقيقة عن النزوح والإصابات والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. إن عدم الاتساق في عرض البيانات لا يؤثر فقط على خطورة الصراع في غزة فحسب، بل يثير أيضًا مخاوف بشأن التمثيل العادل لجميع المعاناة التي تقع ضمن اختصاص جمعية WEA. ومن خلال حذف الإحصاءات التفصيلية عن الضحايا والأضرار في صفوف الفلسطينيين، يساهم تقرير التمكين الاقتصادي عن غير قصد في سرد ​​روايةٍ قد تقلِّل من أهمية الأزمة الإنسانية في غزة والضفة الغربية. ومثل هذا النهج من شأنه أن يقوِّض مصداقية المنظمة كزعيمٍ إنجيليٍّ عالميٍّ ملتزمٍ بالحقيقة والشفافية في كافة مناطق الصراع. من الأهمية بمكان أن تتبنى WEA استراتيجيةً أكثر اتساقًا وصراحةً في الإبلاغ عن تأثيرات جميع الصراعات لضمان المناصرة المتوازنة والدعم المستنير من المجتمع الإنجيلي العالمي.

بالإضافة إلى ذلك، يُظهر تحليل اللغة المُستَخدَمة من قِبَل شبكة السلام والمصالحة (PRN) التابعة لـ WEA في سياقات أخرى القدرة على تقديم خطابٍ قويٍّ ومؤثرٍ. إن أوصاف شبكة  PRNلمحنة النساء في الصراع الأوكراني حيةٌ ومثيرةٌ للذكريات، وترسم صورةً مُفصَّلةً لمعاناتهن والآثار الاجتماعية الواسعة للحرب. هذه اللغة تدافع بقوةٍ عن احتياجات المتضررين، وتُشرِك المجتمع الإنجيلي العالمي في الدعوة للعمل. وبالمثل، تَستخدِم مقالات شبكة PRN حول حرب آرتساخ سردًا قويًّا يسلط الضوء على المظالم التاريخية والفظائع الحالية، مما يثير الشعور بالإلحاح والغضب الأخلاقي. تعمل هذه اللغة القوية على حشد الدعم وتعزيز الفهم العميق لمحنة الأرمن، مما يدل على أن جمعية WEA قادرةٌ بالفعل على التعبير عن المناصرة المقنعة عندما تختار ذلك.

يسلِّط تحليلُنا لنهج التحالف الإنجيلي العالمي (WEA) -في مجال المناصرة- الضوءَ على الحاجة الماسة للمنظمة لإعادة تقييم استراتيجيات الاتصال والدعوة الخاصة بها. وهذا أمرٌ في بالغ الأهمية بشكلٍ خاصٍّ فيما يتعلق بالمسيحيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالتالي المجتمعات الفلسطينية، التي غالبًا ما يتم تهميش أصواتها في الخطاب الإنجيلي العالمي. هناك ضرورة ملحة لخلق مساحات داخل الكنيسة الدولية ليس فقط لسماع هذه الاهتمامات، ولكن أيضًا للتعامل معها بشكلٍ نشطٍ، وتعزيز تضامنٍ أقوى عبر المجتمع المسيحي العالمي.

إن اللغة والنهج الحاليين اللذين تتبناهما جمعية WEA، والتي تشكِّلها عوامل سياسيةٌ وعقائديةٌ واقتصاديةٌ، من الممكن أن يؤديا إلى إدامة التمييز غير المقصود. ويتجلى هذا بشكلٍ خاصٍّ في الخطاب الحذر بشأن المسيحيين الفلسطينيين والشعب الفلسطيني الأوسع. ومثل هذا التردد، والذي ينشأ غالبًا من الخوف من رد فعل الجماعات الإنجيلية والسياسية المؤثرة في الغرب، يقوض مصداقية رابطة الكنائس العالمية. ومع ذلك، مثل نحميا، الذي واجه معارضةً كبيرةً في جهوده لإعادة بناء القدس، يجب على قيادة جمعية WEA إظهار المرونة والرؤية في الدفاع عن المتضررين من الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في مناطق مثل غزة، حيث تنحرف موازين العدالة والمعاناة بشكلٍ كبيرٍ، فإن الدعوات المعمَّمة التي أطلقتها WEA من أجل السلام والوحدة تتجاهل الظلم المنهجي والطبيعة غير المتكافئة إلى حدٍّ كبيرٍ للصراع. هذا الحذر الدبلوماسي لا يحجب الحقائق القاسية التي نواجهها فحسب، بل يخاطر بتآكل شرعية جمعية الكنائس العالمية كصوتٍ ذي مصداقيةٍ للمبادئ الإنجيلية والإنسانية. ولمعالجة هذه القضايا، من المهم جدًّا أن تتبنى جمعية تمكين المرأة لغةً مناصرةً حماسيةً ومُحدَّدةً للصراعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما هي الحال بالنسبة للصراعات الأخرى، مثل الأزمات في أوكرانيا. ويجب على المنظمة أن تدعو بشغفٍ ونزاهةٍ، لضمان أن تكون دعواتها للسلام والعدالة قويةً بالنسبة للمدنيين الفلسطينيين، كما هي بالنسبة للآخرين في جميع أنحاء العالم.

ومن خلال تعزيز الحوارات التي تتجاوز التحيُّزات السياسية والعقائدية، تستطيع جمعية WEA تقديم تمثيلٍ أكثر توازنًا وشمولًا لجميع المجتمعات المتضررة من الصراع. وبروح التزام الرسول بولس الثابت بالحقيقة والعدالة أثناء محاكماته، كما هو مُوضَّح في أعمال الرسل 24-26، يجب على جمعية WEA أيضًا أن تقف بثباتٍ في دفاعها. ويجب أن تتأكد من أن رسالتها لا تدعو إلى السلام فحسب، بل تعالج بشكلٍ فعالٍ جذور الصراعات، وتجسِّد الدعوة القوية والرحمة في قلب الإنجيل المسيحي.

ومن المشجع أنه يمكن اتخاذ خطواتٍ للتخفيف من هذه التحديات. إن المبادرات التعليمية التي ترفع مستوى الوعي بالواقع المعقد الذي يواجهه المسيحيون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتدريب على المناصرة الذي يزوِّد القادة بالتحدث بشكلٍ فعالٍ ضد الظلم، ومنتديات الحوار بين الأقاليم، كلها تدابير يمكن أن تعزز قدرة الكنيسة العالمية على الدعوة بشكلٍ أكثر فعاليةً. علاوةً على ذلك، يجب أن تهدف هذه الجهود إلى معالجة الأسباب الجذرية للظلم بالتزامٍ وإيمانٍ لا يتزعزع، مع ضمان عدم تجاهل المناصرة أو التقليل من معاناة أي مجموعةٍ، وخاصةً تلك العالقة في صراعاتٍ غير متكافئةٍ إلى حدٍّ كبيرٍ.

بالإضافة إلى ذلك، من المهم تسليط الضوء على دور الكنائس الإنجيلية المحلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يجب على هذه الكنائس أن تتبنى نهجًا استباقيًّا، من خلال الدعوة داخل مجتمعاتها والتأثير على جدول أعمال جمعية WEA  لضمان الاعتراف بمخاوفها ومعالجتها. يجب على كنائس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطوير مهارات مناصرة قوية من خلال المبادرات التعليمية مثل نظيراتها الناجحة في المناطق الأخرى، التي ترفع الوعي بالتحديات الفريدة التي تواجهها، وتوفير التدريب على المناصرة لقادة الكنيسة، وإنشاء منتديات للحوار تمتد عبر المجتمعات الإنجيلية الإقليمية والعالمية.
 من خلال تعزيز قدراتها في مجال الدعوة، يمكن لهذه الكنائس أن توجِّه جمعية WEA بشكل أفضل في مهمتها لتعزيز العدالة والرحمة والمساواة، مما يعكس حقًّا التضامن المسيحي العالمي والشامل. وبالتالي، فإن الدعوة إلى إعادة معايرة نهج المناصرة من قِبَل جمعية الكنائس العالمية يجب أن تكون في الوقت نفسه دعوة للكنائس المحلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمطالبة بشكل حازم بمساحة لها على الطاولة. وبينما يقومون بتطوير قدراتهم في مجال المناصرة، فإنهم يضمنون إثراء سرد وأفعال المجتمع الإنجيلي العالمي بفهم أعمق وأكثر دقة للسياق الفريد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بينما تتنقل كنائس رابطة الكنائس العالمية وكنائس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تعقيدات المناصرة العالمية وسط الصراعات، فمن المهم جدًّا أن تعزز المنظمات التزامها بالمبادئ المسيحية للعدالة والرحمة والكرامة المتأصلة لكل إنسانٍ. تتوافق هذه الدعوة إلى استجابةٍ أكثر قوةً وإنصافًا مع التعاليم الأساسية للمسيحية، والتي تجبرنا على أن نكون أصواتًا لمن لا صوت لهم ومدافعين عن المضطَهَدين. لأنه كما يقول لنا متى: “طوبى لصانعي السلام” (متى 5: 9)، وكما دعا عاموس إلى العدالة  “لكي تجري مثل المياه” (عاموس 5: 24)، فإن جمعية الكنائس العالمية في وضعٍ يُمكِّنها من أن تكون صوتًا نبويًّا في عالم اليوم، يدعو بشدةٍ إلى العدالة والرحمة في جميع الدول، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بينما تسعى منظمتنا جاهدةً لتحقيق تفويضها الإلهي، دعونا نسترشد دائمًا بحكمة أمثال 31: 8-9، التي تحثنا قائلةً:

اِفْتَحْ فَمَكَ لأَجْلِ الأَخْرَسِ فِي دَعْوَى كُلِّ يَتِيمٍ.

اِفْتَحْ فَمَكَ. اقْضِ بِالْعَدْلِ وَحَامِ عَنِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ.

فلنتقدم إذن ونجسِّد هذه الكلمات. دعونا ننهض دائمًا لمواجهة تحديات عصرنا بشجاعةٍ ووضوحٍ، ونضمن أن مناصرتنا لا تستجيب فقط لأعراض الظلم، بل تعالج أسبابه الجذرية بالتزامٍ وإيمانٍ لا يتزعزعان. دعونا نوضح ما يعنيه حقًّا الدفاع عن أولئك الذين أسكتهم الظلم. دعونا نصلي من أجل أن يتردد صدى هذه الدعوة للعمل، ليس فقط داخل أروقة السلطة، بل في كل قلبٍ ملتزمٍ بإحياء الإنجيل في عالمنا المضطرب.

Examined Sources:

“Addressing the Situation of Religious Minorities in Sri Lanka and in Afghanistan during the Dialogue with the High Commissioner for Human Rights – WEA at the United Nations.” WEA at the United Nations -, October 4, 2021. https://un.worldea.org/addressing-the-situation-of-religious-minorities-in-sri-lanka-and-in-afghanistan-during-the-dialogue-with-the-high-commissioner-for-human-rights/.

“Evangelical Community Responds to Crisis in Ukraine : World Evangelical Alliance.” World Evangelical Alliance | WEA seeks to strengthen local churches through national alliances, supporting and coordinating grassroots leadership and seeking practical ways of showing the unity of the body of Christ., November 9, 2022. https://worldea.org/crisis-response/.

“Hearing from the Church: A Middle East Voice on Israel and Gaza.” PRN, October 13, 2023. https://www.reconciledworld.net/newsroom/blog/detail/hearing-from-the-church-a-middle-east-voice-on-israel-and-gaza/.

Reimer, Johannes. “Women – the Sufferers of the War in Ukraine.” PRN, March 21, 2022. https://www.reconciledworld.net/newsroom/blog/detail/women-the-sufferers-of-the-war-in-ukraine/.

“Responding to Violence against Minorities in Pakistan: World Evangelical Alliance.” World Evangelical Alliance | WEA seeks to strengthen local churches through national alliances, supporting and coordinating grassroots leadership and seeking practical ways of showing the unity of the body of Christ., September 11, 2023. https://worldea.org/news/23486/responding-to-violence-against-minorities-in-pakistan/.

Simonian, Craig, and Phil Wagler. “Hearing from the Church: Armenians under Pressure in Artsakh.” PRN, September 27, 2023. https://www.reconciledworld.net/newsroom/blog/detail/armenians-under-pressure-in-artsakh/.

Simonian, Craig. “Hearing from the Church: Understanding the Current Suffering of Armenians in Artsakh.” PRN, August 2, 2023. https://www.reconciledworld.net/newsroom/blog/detail/understanding-the-current-suffering-of-armenians-in-artsakh/.

“Two Peoples, One Church: World Evangelical Alliance.” World Evangelical Alliance | WEA seeks to strengthen local churches through national alliances, supporting and coordinating grassroots leadership and seeking practical ways of showing the unity of the body of Christ., November 24, 2023. https://worldea.org/news/24186/two-peoples-one-church/.

“WEA Marks the 30th Anniversary of the Massacre of Armenian Christians during the First Karabakh War – WEA at the United Nations.” WEA at the United Nations -, September 27, 2022. https://un.worldea.org/wea-marks-the-30th-anniversary-of-the-massacre-of-armenian-christians-during-the-first-karabakh-war/.

“WEA Responds to the Holy Land: World Evangelical Alliance.” World Evangelical Alliance | WEA seeks to strengthen local churches through national alliances, supporting and coordinating grassroots leadership and seeking practical ways of showing the unity of the body of Christ., February 19, 2024. https://worldea.org/wea-responds-to-the-holy-land/.

“WEA Side Event on Manipur Violence Gets Worldwide Attention: World Evangelical Alliance.” World Evangelical Alliance | WEA seeks to strengthen local churches through national alliances, supporting and coordinating grassroots leadership and seeking practical ways of showing the unity of the body of Christ., September 25, 2023. https://worldea.org/news/23670/wea-side-event-on-manipur-violence-gets-worldwide-attention/.

“WEA’s Statement on the Holy Land Conflict: World Evangelical Alliance.” World Evangelical Alliance | WEA seeks to strengthen local churches through national alliances, supporting and coordinating grassroots leadership and seeking practical ways of showing the unity of the body of Christ., October 9, 2023. https://worldea.org/news/23784/weas-statement-on-the-holy-land-conflict/.

“World Evangelical Alliance Facebook.” Facebook. Accessed April 23, 2024. https://www.facebook.com/worldea/.

جولة العدد..جولة العدد

اسم الكاتب : القس عيد صلاح

في افتتاحية العدد التي خصها الدكتور القس أندريه زكي لهذا العدد في ظل الظروف التي نعيش فيها بعنوان: “صلاة سلام من مصر” مؤكدًا على السلام والمصالحة، حيث يقول: “إنَّ السلامَ مفهومٌ شاملٌ لا يقتصرُ فقطْ على زوالِ الصراعِ، بل يتطلَّبُ أيضًا التأكيدَ على تحقيقِ مجموعةٍ كبيرةٍ من مفرداتٍ، وقِيَمٍ، ومواقفَ، وعاداتٍ ترتكزُ على احترامِ مبادئِ السيادةِ والحرياتِ، بجانبِ احترامِ مبادئِ الحوارِ والتعاونِ، ونبذِ ثقافةِ العنفِ واستخدامِها. يقترنُ السلامُ بالمصالحةِ وبناءِ الجسورِ، ولا سبيلَ للسلامِ إلا بالمصالحةِ. وختم الصلاة بالقول: ساعِدْنا أنْ نجاهِدَ ضدَّ كلِّ أنواعِ التمييزِ، ولا سِيَّمَا التي بينَ الرجالِ والنساءِ، الأغنياءِ والفقراءِ، الشبابِ والكبارِ، وأنْ نسعَى لبناءِ مجتمعِ العدالةِ وعالمٍ يسودُهُ الأمانُ والسلامُ”.

 

مقالات ودراسات عن القيامة

في هذا العدد ثلاثة مقالات عن القيامة، الأولى تحت عنوان: “… وقام في اليوم الثالث، حسب الكتب” للدكتور نقولا أبو مراد يؤكد فيها على أن أهمية عبارة “حسب الكتب” تكمن في كونها تأتي لتؤكِّد تجذُّر “الإنجيل”، أي البشارة الرسوليّة بموت المسيح وقيامته في “الكتب” على اعتبار أنّ هذه “الكتب”، في استعمال بولس الرسول، تحمل من السلطان الإلهيَّ، ما يجعلها معيارًا لكلِّ كلامٍ في الإيمان ومضمونه. وتزداد أهمّيتها هنا إذا أخذنا في الاعتبار ما يورده بولس الرسول عن موت المسيح ودفنه وقيامته. والدراسة الثانية تحت عنوان: “القيامة في غزة” للقس بيتر عادل، وتجيب على السؤال المطروح في وسط هذا المشهد المظلم الصعب، وفي ظل معاناة شعبنا الفلسطيني وأهالينا في غزة، هل يوجد رجاء؟ هل توجد طاقة نور يمكن أن تتخلل المشهد؟ ويربط بين هذه السؤال ومفهوم القيامة التي هي رمز التجديد، وقوة روحية وأخلاقية، والأمل في السلام، توفر القيامة في جوهرها، سواء فُهمت بالمعنى الديني أو الروحي أو المجازي، مصدرًا عميقًا للأمل أثناء الحروب. إنها تؤكد للبشر أنه بعد الدمار، هناك إمكانية لحياة جديدة، وبعد المعاناة الهائلة، هناك إمكانية للشفاء والسلام. يمكن أن يكون هذا الأمل بمثابة شريان حياةٍ حاسمٍ، حيث يوفر الدعم العاطفي والنفسي في مواجهة الشدائد الساحقة. ثم المقالة الثالثة عن الحدث السابق عن القيامة كتبها القس أمير إسحق بعنوان: ما دلالة خروج دم وماء؟ حيث يؤكد على أنه رُغم أنَّ خروج دمّ من الجسم بعد الموت يُعدُّ أمرًا غريبًا، ورغم أنَّها تبدو للوَهلة الأولى ملاحظة لا أهميَّة لها، إلَّا أنَّها عبارةٌ محوريَّة في المقطع كلِّه، فهذا ما حدث بالفعل. وبذلك أراد يوحنّا أن يردَّ على افتراءات اليهود وغيرهم، مُؤكِّدًا أنَّ المسيح مات فعلًا. وليقول للمؤمنين إنَّهم يعيشون في ظلِّ فِصحٍ جديد مُنذ سالَ من جنب يسوع ينبوعان يُعطيان الحياة: ينبوع المعموديَّة (الماء)، وينبوع العشاء الرَّباني (الدَّم).

ملف العدد: غزة ما بعد الحرب

تخصص النسور ملف هذا العدد عن “غزة ما بعد الحرب” ويضم مجموعة من الدراسات والرؤى حول هذا الموضوع. في دراسة الأستاذ هاني لبيب وعنوانها “في سوء الفهم… مساحة من الالتباس والاشتباك… عن موقف المواطنين المسيحيين المصريين من القضية الفلسطينية!” يجيب على سؤال مهم: هل يحب المواطنون المسيحيون المصريون فلسطين؟ يعرض موقف المسيحيين للقضية الفلسطينية من منظور وطني وليس دينيًّا، ثم يقدم رموزًا عربية ومصرية دافعت عن القصية الفلسطينية. ويعرض للوقفيات والممتلكات المصرية في القدس ثم للكتابات والاجتهادات التي ظهرت في هذه المسألة، ثم يؤكد على القضية الفلسطينية وفي قلبها القدس. قضية وطنية إنسانية، وليست قضيةً دينيةً. قتل أي إنسان آمن مرفوض، وقتل المدنيين محظور، والمقامرة بحياة الشعوب وأمنها خط أحمر. إنها عدالة القضية الفلسطينية، أو بمعنى أدق قضية الشعب الفلسطيني. يعتقد البعض أن التاريخ يكتبه المنتصرون حسبما يرونه، ولكن دائمًا ما يحتفظ التاريخ ويسجل روايات أخرى، تجعلنا نصل للحقيقة مهما حاول البعض تشويهها وتزويرها لتحقيق مصالح ما فإن التاريخ لا يرحم ولا ينسى.

ويؤكد على هذه التوجه دكتور رامي عطا في دراساته بعنوان: “غزة… قضية عربية وإنسانية” ويطرح عددًا من القضايا المهمة مثل: الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة الذي أجبر الفلسطينيين على المقاومة، المرأة والأطفال. الفئات الأكثر تضررًا بسبب سوء التغذية والجفاف، إدانة دولية واسعة للممارسات الإسرائيلية التي تُعتبر جريمة حرب، حل الدولتين… هل ينهي المشكلة؟ ويختم عطا دراسته بهذا السؤال المهم: لعل السؤال الآن هو هل من الممكن أن يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذا العدوان، حماية للأطفال والنساء والمسنين والشيوخ، ورد الحقوق للشعب الفلسطيني الذي يُعاني منذ أكثر من خمسة وسبعين عامًا ممارسات صهيونية تقوم على الاستعمار وانتهاك حقوق الآخرين؟! هي رسالة لمؤسسات المجتمع الدولي، لعلها تتدخل وتنقذ أطفال غزة ونساءها من هذا الهجوم الوحشي، وأن تتدخل لوقف الانتهاكات التي تحدث بحق المرأة والأطفال، بل بحق الشعب الفلسطيني بأسره، الذي يثبت يومًا بعد آخر قوته وصموده ودفاعه المستميت عن الحق.

ومن زاوية نفسية يتحدث د. ماجد عزمي تحت عنوان: “هل سأصحو غدًا…؟! عن مآسي الحروب وكيف نتعامل معها، هذا ما تصنعه الحرب، تحطيم السلام، ونزع الأمان، تغيير شكل الحياة الثابتة المستقرة إلى حياة متقلبة لا تعرف فيها متى ستدوي صافرات الإنذار، من سيموت ومن سيصاب، ومن سيترك وطنه لينتقل إلى مخيمات اللاجئين. ثم يتحدث عن إقرار السلام وصناعة السلام وبناء السلام. ثم كيفية معالجة صدمات ما بعد الحروب.

تعرض دراسة “الموقف الرسمي للكنيسة الإنجيلية في الحرب على غزة” للقس عيد صلاح موقف الكنيسة الإنجيلية في مصر عبر بياناتها الرسمية من خلال صفحة رئاسة الطائفة الإنجيلية على الفيسبوك.

ويسير مع هذا لموقف الرسمي دراسات متميزة؛ ففي دراسة القس أمير ثروت يقدم تعريفًا لمصطلح الصهيونية، ويقدم قراءة وافية في المصطلح. وبصورة أوسع يقدم البروفيسور سليم منير مشاركة دراسية بعنوان: “المناصرة والغياب: تقييم استجابة التحالف الإنجيلي العالمي لأزمة غزة” يمثل التحالف الإنجيلي العالمي (WEA) شبكة واسعة من المسيحيين الإنجيليين ويتمتع بنفوذٍ كبيرٍ على ناخبيه الدوليين، خاصة عند التعامل مع الصراعات الجيوسياسية المعقدة. عند دراسة استجابات جمعية WEA للأزمات في مختلف المناطق، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمن بالغ الأهمية تقييم مشاركتها وخطابها. هذا التدقيق أساسي ليس فقط لضمان التمثيل الدقيق والمناصرة، ولكن أيضًا لتعزيز فهم أعمق وتضامن بين المجتمعات المسيحية العالمية. والغرض من هذا التحليل هو الكشف عن أي تحيز أو تمييز في نهج جمعية WEA تجاه الصراعات، ولا سيما الصراع المستمر في غزة. العديد من قادة الكنائس في جميع أنحاء العالم يجب أن يكونوا على درايةٍ بالديناميكيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكيف يشكل خطاب المجتمع الإنجيلي الدولي التصورات والأفعال. إن المناصرة السليمة والخطاب المتوازن أمر في بالغ الأهمية؛ وبدونها، قد تسود وجهات النظر الأحادية والجزئية، مما يعيق المسيحيين الغربيين عن فهم ودعم نظرائهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كامل. يسلط هذا النقد الضوء على ضرورة أن تتبنى جمعية WEA خطابًا أكثر صراحةً وتوازنًا، لا سيّما فيما يتعلق بالمعاناة غير المتناسبة في غزة والضفة الغربية.

ومن الموقف العالمي إلى الموقف الخاص للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر، ومنذ الخامس من يونيو 1967م والكنيسة ما زالت تكتب وتفند المزاعم الصهيونية وهذا السرد الأدبي لهذه الكتابات نجده في دراسة تحت عنوان: “الكتابات الإنجيلية المصرية العربية في تفنيد المزاعم الصهيونية” للقس عيد صلاح.

يقدم د. ق. وفيق وهيب رسالة ملهة بعنوان: “رجاء لعالم بلا رجاء” حيث يربط بين العالم الذي يتخبط في صراعات دولية وإقليمية تُسبب مُعاناه اقتصادية للشعوب الكادحة التي تتفاجأ كل يوم بارتفاع أسعار السلع وتحجيم قدرة الغالبية من الشعوب على العيش عيشة كريمة توفر لهم الاحتياجات الأساسية من الطعام والشراب والمأوى. ثم الإجابة على سؤال: “هل يوجد رجاء وسط كل هذه المآسي؟” ثم يتحدث عن بعض الموضوعات والأفكار مثل: عالم بلا رجاء، ورجاء وسط الآلام واليأس، الرجاء المسيحي، والمسيح رجاؤنا.

ومن الرجاء إلى المحبة، وفي ظل الحروب ومآسيها يأتي صوت فلسطيني، وهو د. ق يوحنا كتناشو ليتحدث عن “لاهوت المحبة في عالم مليء بالحروب” ليجيب على سؤال مهم وهو: كيف يراها الإنسان المسيحي الفلسطيني المُلتزم بعلاقة حميمة مع السيد المسيح، رب المحبة والسلام؟ وما مفهوم المحبة وكيف تتكلم وتبني حضارتها زمن الكراهية؟ ثم يتحدث عن ثلاثة أوجه من المحبة، وهي: المحبة العهدية، المحبة الكريستولوجية، محبة إرسالية. ثم ينهي كلامه بالقول: ونحن كمسيحيين مدعوون أن نحمل علم المحبة بنعوتها الثلاثة وأن نواجه الكراهية بمحبة الله والمسيح وبقيادة الروح القدس. فنختبر المحبة العهدية والكريستولوجية والإرسالية. ونغير عالمنا المريض إلى عالم يتحقق فيه حلم المحبة والعدالة والسلام. ونتلامس مع حضارة المحبة والمجتمعات التي ترضي الله. ولا يمكننا أن نحب بدون أن نواجه عالمنا ونعانق عدونا ونتحاور مع القضايا الشائكة بعقلية المحبة التي في إمكانها أن تقضي على عالم الموت وتحوله إلى عالم القيامة. ومهما بلغت قوة الكراهية فإن النصرة ستكون للمحبة ولها الكلمة الأخيرة.

وفي الخطاب الذي ألقاه دكتوره ماهر صموئيل في حفل تخرج كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة تحت عنوان: “أخلاقيات القوة والصراع والسلام” لم يهمل التوصيف الصعب الذي تعيش فيه؛ حيث يقول: “إننا نعيش في عالم منزوع السلام، يسوده الصراع، وأحد أهم الأسباب هو ممارسة القوة بدون أخلاق”. اليوم، وبينما نحن مجتمعون في هذه القاعة، لم تزل أصوات الرصاص تدوي على الجانب الآخر من حدود بلادنا من كل الجهات، الشرقية والغربية والجنوبية. في غزة ورفح، في ليبيا، وفي السودان، صراع مميت وضياع تام للسلام. وفي الواقع، الأمر لا يقتصر على اليوم، ولا على منطقتنا، فصفحات كتاب التاريخ البشري المعروف، القريب أو البعيد، تشهد أن التاريخ البشري هو تاريخ ممارسة القوة بدون أخلاق، حيث القوي يفترس الضعيف، وحيث يقهر الحاكم المحكومين، ولذا جاءت تلك الصفحات ملطخة بالدم، ويعلو منها صراخ الظلم. ما أود أن أقدمه في هذا الخطاب هو توضيح الموقف المسيحي إزاء هذا الواقع المرير. ثم يتحدث صموئيل عن ثلاثة أمور مهمة وهي، أولًا: ماهي أخلاقيات القوة التي تحقق السلام؟ ثانيًا: لماذا نحتاج لهذه الأخلاقيات بالذات؟ ثالثًا: كيف نطور هذه الأخلاقيات التي تضمن تحقيق السلام؟

وفي تصور للخطاب الديني وقضاياه في غزة بعد الحرب تقدم الباحثة الدكتورة هبة صلاح، وهي باحثة ومترجمة في الدراسات الإسلامية والنوع الاجتماعي بدار الإفتاء المصرية، دراسةً تحت عنوان “الخطاب الديني بعد الحرب على غزة: الأسرة المصرية في الكنيسة والمسجد نموذجًا” وفي الطواف حول واقع الخطاب الديني في المجتمع العربي بعد الحرب على غزة، بلغة أخرى ما هو التصور الذي يجب أن يكون عليه الخطاب الموجه من الكنيسة والمسجد في محاولة لاستكشاف الخطاب الديني في العصر الرقمي والتكنولوجيا، وبما أن الأسرة هي نواة المجتمعات، ومن ثمَّ السلام، يحاول المقال تسليط الضوء على الجوانب المتعلقة بدعم السلام الشامل، والعدل، وحقوق الإنسان، ورفض خطاب الكراهية، كما سنتناول المبادئ العامة التي تصلح لتكون نواة لسلام دائم بين البشر، وذلك من خلال عرض وتحليل لنموذج الأسرة المصرية بصفتها نواة السلام في المجتمع؛ فإذا صلحت صلح جسد المجتمع، وإذا فسدت، انهار المجتمع وفسد. وقد اعتمدت الدراسة على مقابلات لشباب جامعيين مسلمين ومسيحيين.

عرض كتاب:

نعرض في هذا العدد لكتاب: “أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني” للدكتور القس منذر إسحق. يعرض الكتاب يوسف الخوري مؤكدًا على أهمية هذه الدراسة من باحث فلسطيني أكاديمي متخصص، يقدم فيه عرضًا متميزا للكتاب المقدس عن مفهوم أرض الميعاد من منظور سياقي فلسطيني.

دراسات أدبية:

في هذا العدد نقدم لأول مرة دراسة أدبية لباحث أوكراني وهو د. إيفان بافلي، دراسة بعنوان: “قيمة ميخائيل نعيمة بالنسبة للكنيسة كما يبرزها مثال روايته «اليوم الأخير»”، وهو يجيد اللغة العربية، وهو عالِم ومترجم وباحث أدبي. حصل على درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة باكو السلافية في أذربيجان، ونشر بحثه عن الصلات بين الكتاب المقدس وروايتين من الأدب التركي. يقوم بافلي حاليًا بإجراء دراسات مقارنة عن الأدب العربي الحديث وتطوير منهجية لهذه النوعية من الدراسات التي تهدف إلى خدمة الكنيسة. وفي هذه الدراسة عن ميخائيل نعيمة وقيمته الأدبية يشارك بعض اللمحات من تحليليه المُوجّه نحو الكنيسة لرواية «اليوم الأخير» لنعيمة ليبين أنه بدلًا من أن تبتعد الكنيسة عن مؤلفين مثل نعيمة يجب أن تعتبر أعمالهم ثروة وتستخدمها لحوار أفضل مع المجتمع. ومن أهم الموضوعات التي يطرحها نعيمة في كتاب «اليوم الأخير» هي الانتقاد تجاه الكنيسة، وصلوات المسيحيين المتمركزة حول الذات، والجمال الروحي للمؤمنين المخلصين، والرؤية الرمزية للسير ضد المجرى في نفس القارب مع «اللامسمّى». توجه الدراسة نظر الكنيسة للكتابات الأدبية العربية وكيفية الاستفادة منها وما قدمه بافلي يعتبر نموذجا للدراسة بمكن الاقتداء به.

 

شذرات لاهوتية:

يقدم الشيخ الدكتور إيهاب في باب شذرات لاهوتية دراسة عن: “أنواع الخبرة الروحية المسيحية” وتقوم الدراسة على ثلاثة محاور، وهي: تعريف لما هي الروحانية، من وجهة نظر مسيحية. ثم معاني “الخبرة الروحية” وأخيرًا ألوان الخبرة الروحية المسيحية. ثم ينهي دراسته بهذه الفكرة الطيبة وهي: وفي النهاية يظل عطشنا وشوقنا وجهادنا ضد الزيف وضد خداع أنفسنا مستمرًّا في شوق لسكنى “لمعرفة القدوس”. الشوق ليس للخبرة الروحية وخاصة ليس لكل منها بل الشوق هو له، الذي من ينبثق الروح وإليه يقصد.

شذرات كتابية:

يواصل الشيخ أسامة رشدي كالمعتاد إسهاماته في الشذرات الكتابية التي تتميز بالعمق والبساطة والروحانية والفهم الجيد للنصوص الكتابية وربطها بالواقع المعاش.

ملحق العدد: نماذج من الكتابات الإنجيلية ضد الحركة الصهيونية، إعداد القس عيد صلاح.

 

القيامة في غزة

اسم الكاتب: ق. بيتر وديع

منذ أن قامت الحرب في غزة -أكتوبر 2023- ونحن جميعًا كشعوب عربيّة، بل وأيضًا كثير من شعوب العالم المحبين للخير والسلام، قلوبنا اعتصرت وتألمت لما يحدث لأشقائنا في فلسطين؛ حيث إن ما يحدث من قتل وذبح هو ضد الإنسانيّة وضد كل المعاير الأخلاقيّة في كل الشرائع والأديان والثقافات والحضارات.

وستظل قلبونا تدمي ونتحد مع الشعب الفلسطيني لما يحدث في غزة، حتى لو صمت العالم كله، واختلت موازين العدل والعدالة، وخفت صوت الحق، وتمّ مغالطة المنطق والفكر السليم؛ لأن هذا واجبٌ إنسانيٌّ علينا في المقام الأول، وواجبٌ أخويٌّ لشعبنا العربي، الذي نفتخر أننا جزء منه.

ولكن السؤال المطروح في وسط هذا المشهد المظلم الصعب، وفي ظل معاناة شعبنا الفلسطيني وأهالينا في غزة، هل يوجد رجاء؟ هل توجد طاقة نور يمكن أن تتخلل المشهد؟

وبالطبع يمكن الإجابة على هذا السؤال بأكثر من مدخلٍ؛ فيمكن الإجابة من مدخلٍ سياسيٍّ عسكريٍّ، ويمكن الإجابة من مدخلٍ اقتصاديٍّ ماديٍّ، ويمكن الإجابة من مدخلٍ تنمويٍّ إغاثيٍّ، ويمكن أيضًا من مدخلٍ نفسيٍّ اجتماعيٍّ. ولكن أريد في هذا المقال عزيزي القارئ أن أجيب على هذا السؤال من مدخلٍ لاهوتيٍّ مسيحيٍّ؛ حيث إن إيماننا المسيحي يكوِّن لدينا نظرةً عالميّةً World View نستطيع من خلالها رؤية الأحداث المختلفة والتفاعل معها بعدسات الإيمان المسيحي الكتابي.

وفي إطار الإجابة على سؤال هل يوجد رجاء؟ يتزامن صدور هذا العدد من مجلة النسور مع عيد القيامة المجيد -بحسب التقويم الشرقي- الذي يحتفل به المسيحيون جميعًا من مختلف العائلات (الطوائف والمذاهب)، ولذلك أرى أن القيامة هي المدخل اللاهوتي المناسب للرّد على هذا السؤال.

لذا دعنا عزيزي القارئ نلقي نظرة سريعة عابرة على مفهوم القيامة في المسيحيّة وتطبيقاتها العمليّة، ثمّ نربطها بالوضع الحالي في غزة.

القيامة في المسيحيّة

تُعتبر القيامة حجر زاوية في الإيمان المسيحي، حيثُ إنه لا يُمكن أن يكون الشخص مسيحيًّا دون أن يؤمن بالقيامة. فمركز المسيحيّة الأساسي هو يسوع المسيح، والمسيح يسوع في تجسده صُلبَ وماتَ وقامَ مِن بين الأموات، وأكدَّ بقيامته على قيامة جميع المؤمنين به؛ حيثُ أصبح لا سلطان للموت على المؤمنين، إذًا فالقيامة مركزية جدًّا في إيماننا المسيحي.

ومن أهم ما يلفت النظر في بداية الكرازة بالإنجيل، هو تأكيدها على موضوع القيامة؛ فقد كان المبشرون الأوائل على يقينٍ كاملٍ من أن المسيح قد قام، ومن ثم كانوا متيقِّنين أيضًا من قيامة المؤمنين في الوقت المعين، فالأناجيل تقصُّ علينا قصة شخص مات حقيقةً، ولكنه غلب الموت وقام ثانيةً. وحيث إن قيامة المسيح لا تشبهها قيامةٌ أخرى في الديانات الوثنية، فمن الحق أيضًا أن موقف المؤمنين بالمسيح من قيامتهم -التي هي نتيجة لقيامة سيدهم- يختلف اختلافًا جذريًّا عن أي شيء في العالم الوثني. فليس هناك ما يميز الفكر العالمي اليوم، مثل عجزه التام أمام الموت، لذلك كان من الواضح جدًّا أن تكون القيامة في الدرجة الأولى من الأهمية للإيمان المسيحي.

القيامة حدث تاريخي، بحسب الإيمان المسيحي المبني على الكتاب المقدّس. فالكتاب يشهد بوضوح عن أن القيامة حدث تاريخيًّا للسيد المسيح، فهو قام من بين الأموات في اليوم الثالث من صلبه وموته ودفنه بالقبر، ويذكر أن هذا حدث عام 27م تقريبًا.

القيامة معنى لاهوتي، تؤكد القيامة على قوة وقدرة الله، وتعلن نصرته الحاسمة على الخطية، وعلى قوات الشر الروحيّة، وأنه تم إنجاز الخلاص الذي تم في المسيح يسوع للبشريّة. كما تعلن القيامة ايضًا لاهوت المسيح وتؤكد أنه قادر على هزيمة الموت والانتصار عليه. 

القيامة خبرة روحيّة، نؤمن كمسيحيين أن العلاقة مع الله هي اختبار روحي داخلي، يأتي عندما يقرر الإنسان أن يقبل نعمة الله الخلاصيّة بالإيمان، فيتم التحرير من الخطية وتبدأ رحلة الإيمان في حياة التقوى والقداسة، هذه الخبرة التي تمثل الانتقال من الموت الروحي إلى الحياة الروحية مبنية على قيامة يسوع المسيح من الأموات.

القيامة رجاء مستقبلي، تؤكد قيامة المسيح على قيامة المؤمنين في نهاية الزمان، وهذه حقيقية لاهوتيّة نؤمن بها كمسيحيين؛ فنحن نعيش في ضوء هذا الرجاء وهو أن آلام الزمان الحاضر ليست هي المطاف النهائي ولكن يوجد نهاية مختلفة تقضي على الألم والشر إلى الأبد.

بالطبع يعوزنا الوقت لشرح حقيقة القيامة، سواء من الناحية التاريخيّة الكتابيّة أو اللاهوتيّة، وكذلك التطبيقات العمليّة والروحيّة، ولكننا استعرضنا سريعًا لمحةً عن القيامة، حتى نستطيع الإجابة على السؤال المطروح بشأن قضية غزة، هل من رجاء؟ وهل تستطيع حقيقة القيامة والإيمان بها أن يتفاعل مع الوضع الراهن في فلسطين؟ وهل نستطيع كمسيحيين أن نحتفل بذكرى القيامة دون أن ننفصل عن أشقائنا في غزة، ودون أن نغترب عن السياق الذي نعيش فيه؟

لذا ننتقل في الجزء القادم في المقال لمحاولة إيجاد رابط بين القيامة وواقع غزة. 

  القيامة في غزة

            بناءً على ما تمّ تقديمه عن القيامة، أرى أن في القيامة نستطيع أن تتفاعل مع حال إخوتنا في غزة، وتقديم رجاء حقيقي لهم في ظل هذه الكارثة الإنسانيّة الحادثة والواقعة عليهم.

القيامة رمز التجديد، يُعتَبَر مفهوم القيامة بمثابة استعارة قوية للتجديد والبدايات الجديدة. في سياق الحرب، حيث يتفشى الدمار والخسارة،  ففكرة أن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد تعتبر فكرة مُلحة جدًّا، حيث تتوفر منارة للأمل، ويُخلق الرجاء الحقيقي في الحياة من بعد الموت. فالقيامة تذكِّر الناس دائمًا بأنه حتى في أحلك الأوقات، هناك إمكانيّة لإعادة البناء والتعافي لأهالينا الفلسطينيين في غزة.

القيامة قوة أخلاقيّة وروحيّة، كما ذكرنا أن القيامة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحياة الروحيّة والأخلاقيّة، فالقيامة تؤكد أيضًا على موضوعات الثبات الأخلاقي والمرونة الروحيّة. وهذا يمكن أن يزود الأفراد بالقوة الداخليّة اللازمة لتحمل المصاعب، والحفاظ على قيمهم، ومواصلة النضال من أجل ما يعتقدون أنه صحيح، حتى عندما تكون الظروف قاسية. وكذلك على المستوى المجتمعي، يمكن لفكرة القيامة أن تعزز الشعور بالمرونة الجماعية. يمكن للمجتمعات التي دمرتها الحرب أن تعتمد على هذا المفهوم للتوحيد والعمل معًا من أجل إعادة الإعمار والشفاء، ويمكن أن يلهم التضامن والدعم المتبادل، التغلب على الآثار الطويلة الأجل للصراع، ومن ثمّ أمل حقيقي للأشقاء في غزة.

القيامة أمل في السلام، القيامة تجسد أيضًا الأمل في السلام ووقف العنف في نهاية المطاف. ويشير ذلك إلى أنه بعد الاضطرابات، هناك إمكانية لعالم سلمي وأكثر عدلًا. وهذا الأمل يمكن أن يدعم الناس في أسوأ الأوقات، ويحفزهم على السعي من أجل مستقبل أفضل. وذلك ما يقدمه لنا التاريخ في العديد من الأمثلة حيث نهضت المجتمعات من رماد الحرب، أقوى وأكثر ازدهارًا من ذي قبل.

فمثًلا إحياء المدن الأوروبيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، وتعافي اليابان بعد القصف الذرّي، وإعادة بناء رواندا بعد الإبادة الجماعيّة، كلها تذكيرات قوية بأن التعافي أمر ممكن، فهذه الأمثلة يمكن أن تلهم الأمل والرجاء لأهالي غزة.

أخيرًا، أريد أن أقول إن القيامة هي قوة حقيقية للتحول الشخصي، فبالنسبة للأفراد المتأثرين بالحرب، يمكن أن يرمز مفهوم القيامة أيضًا إلى التحول والنمو الشخصي لهم، فغالبًا ما يجد الناجون نقاط قوة وقدرات جديدة في أنفسهم ربما لم يدركوا وجودها من قَبْل الأزمة، ويمكن أن يؤدي هذا الميلاد الشخصي الجديد إلى تكوين شخصية أقوى وأكثر مرونة وقادرة على المساهمة في إعادة بناء مجتمعهم.

توفر القيامة في جوهرها، سواء فُهمت بالمعنى الديني أو الروحي أو المجازي، مصدرًا عميقًا للأمل أثناء الحروب. إنها تؤكد للبشر أنه بعد الدمار، هناك إمكانية لحياة جديدة، وبعد المعاناة الهائلة، هناك إمكانية للشفاء والسلام. يمكن أن يكون هذا الأمل بمثابة شريان حياة حاسم، حيث يوفر الدعم العاطفي والنفسي في مواجهة الشدائد الساحقة.

 وفي الختام أقر وأعترف أنه يمكنني أن أكتب كلمات وكلمات عن المعاناة والألم، ولكن لا يمكنني الشعور بهما كما يشعر بهما المتألم نفسه، لذا أرجوا الله من كل قلبي أن يهب التعزية والمعونة لكل متألم ولاسيما أهالينا في غزة.

الأدب المصري الإنجيلي العربي ضد المزاعم الصهيونية: قضايا وكتابات

اسم الكاتب: القس عيد صلاح

منذ الخامس من يونيو 1967م وحتى الآن، نرى موقفًا واضحًا للكنيسة الإنجيلية ضد المزاعم الصهيونية، والحرب مع إسرائيل ولَّدَت مجموعةً من القضايا المهمة الجديرة بالتفكير والدراسة مثل: مفهوم دولة إسرائيل، والملك الألفي، والمجيء الثاني، وعلاقة الحروب بالكتاب المقدّس، وتناوُل النبوات الكتابيّة، والصهيونية المسيحيّة، واللاهوت العهديّ في مقابل اللاهوت التدبيريّ، وظهرت أيضًا قراءةٌ عربيةٌ لمفهوم القوة والسلام. وما أشير إليه هنا هو حجم الإنتاج في الدراسات التي صدرت في هذا الشأن ليبيِّن أن أولوية الخطاب الدينيّ المسيحيّ ليس فقط في المساندة الوطنيّة، ولكن أيضًا في دحض كافة المزاعم اليهوديَّة المبنيَّة على أساسٍ من الكتاب المقدَّس، وإعطاء المعنى الصحيح لهذه القضايا والعقائد التي طَفَتْ على الساحة من جراء الحرب مع إسرائيل. والكتب والدراسات التي عالجت هذا الأمر متداخلةٌ ومتشابكةٌ معًا.

القضية الأولى: الموقف من دولة إسرائيل

من نكسة/هزيمة يونيو 1967م حتى اتفاقية كامب ديفيد 1978م والقضية التي شغلت الرأي العام الإنجيليَّ في مصر والعالم العربيَّ هو الموقف من دولة إسرائيل من الناحية الدينيَّة والسياسيَّة؛ فمن الناحية الوطنيَّة السياسيَّة، وقفت الكنيسة بجانب الدولة ودعمتها بكافة الطرق الممكنة، ومن الناحية الدينيَّة، كان يجب توضيح الموقف من إسرائيل كدولة، وفي هذا الصدد صدرت كتاباتٌ كثيرةٌ تنتقد ليس سياسة إسرائيل فقط بل ووجودها ككيان.

  • غبريال رزق الله، من هو إسرائيل؟ صدر في ثلاث طبعات، الأولى عن المطبعة الفنية الحديثة، عام 1971م، وتقع في 88 صفحة من القطع الصغير. الثانية صدرت عن مجلس الإعلام والنشر سنودس النيل الإنجيليّ 2014م، وتقع في 36 صفحة من القطع المتوسط، وقدَّم لها أمير ثروت مقدمة عن غبريال رزق الله حياته وكتاباته وأسلوب كتاباته. الثالثة، صدرت مُلحَقةً مع مجلة النسور، طبعة إلكترونية، سبتمبر 2021م، تقديم أمير ثروت وتحرير عيد صلاح، وتقع في 27 صفحة من القطع الكبير. رغم صغر حجمه إلا أنَّ له أهمية خاصة جدًّا؛ تعود إلى تاريخ نشره الأول: في عام 1970م، حيث لم يكن هناك اتجاهٌ تفسيريٌّ ولاهوتيٌّ واضح في الكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة بمصر حول الإسخاتولوجيّ -الفكر اللاهوتيِّ حول الأخرويَّات- وخصوصًا المتعلق بوضع شعب إسرائيل في المجيء الثاني للمسيح. إلا أنَّ الكاتب قدَّم طرحًا مهمًّا في الفكر اللاهوتيِّ الكتابيِّ آنذاك حول هذا الموضوع؛ وقد كان كتابه هذا بمثابة الجزء الأول من سلسلة كان ينوي أن يستكمِلَها؛ حيث وضع بقية مباحث هذه السلسلة على الغلاف الخلفيّ للكتاب في طبعته الأولى. فالجزء الأول المنشور بين يديك الآن عزيزي القارئ عنوانه: لقب إسرائيل، أما بقية الأجزاء فعناوينها تباعًا: مملكة إسرائيل، ثم سقوط إسرائيل، ثم ملك إسرائيل. غير أنَّ الكاتب لم يكمل خطته البحثيّة. ولو تتبعنا منهجيّة الكاتب في هذا المبحث الأول من دراسته فسنجده قد ركَّز بحثه حول إسرائيل كلقبٍ كتابيٍّ -وإنْ كان الكتاب كلُّه عبارة عن مقالٍ مطوَّلٍ بلا فواصل ولا عناوين فرعيّة- فتكلم عن الصيغة اللفظيّة للَّقب في أصله العبريِّ، ثم تكلم عن الصيغة الرمزيَّة للَّقب في الشريعة والنبوات. ويمكننا أن نضع عناوين فصلية للكتاب، كما قام محرِّر النصِّ، كالتالي: أولًا، إسرائيل ابني البكر؛ دراسة للنصِّ الكتابيِّ الوارد في سفر الخروج 4: 22. ثانيًا، نسل إبراهيم؛ دراسة للنصِّ الكتابيِّ الوارد في سفر التكوين 21: 12. ثالثًا، عبدي إسرائيل؛ دراسة للنصِّ الكتابيِّ الوارد في إشعياء 49: 3. (ثروت، 2021م، 2). ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ كتاب “مَنْ هو إسرائيل؟” قد تُرجِم إلى الإنجليزيّة عام 2000م. على يد الدكتور إسحق بولس، الذي نَشَر الكتاب على نفقته الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، كما قام بإيداع الكتاب في مكتبة الكونجرس الأمريكيّ. (ثروت، 2021م، 2).
  • مجموعة من المؤلفين، مفهوم إسرائيل في الكتاب المقدَّس، صدر عن دار الثقافة بالقاهرة، 1971م، يقع الكتاب في 35 صفحة من القطع المتوسط. وهو مجموع لعدد المحاضرات التي قُدِّمت في مؤتمر التوعية بشأن معنى إسرائيل في الكتاب المقدّس أثناء انعقاد الدورة الثمانين لسنودس النيل الإنجيليّ، في اجتماع خاصٍّ يوم الأربعاء 31 مارس 1971م. ويحتوي الكتاب: “الكنيسة المسيحيّة إتمام للنبوات”، بشاي سعيد، ص 4-8، “أرض الميعاد”، نصيف طانيوس، ص 9-13، “نسل إبراهيم“، حبيب حكيم، ص 14-25، “مأساة فلسطين والضمير الروحيّ” صموئيل وهبي، ص 26-35.
  • كمال رمزي استينو، معنى إسرائيل في الكتاب المقدّس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م، ويقع الكتاب في 30 صفحة من القطع المتوسط. قدَّم كلٌّ من عبد الملك مهني، رئيس السنودس، وصموئيل حبيب، أمين عام السنودس، لهذا الكتاب بالقول: “إنَّ السنودس يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الاستعمار-بكل ألوانه- شرٌّ بغيضٌ لا يتفق مع رسالة المسيحيّة الحقيقيّة. كما أنَّ السنودس يدعو للحرية والديمقراطيّة والاشتراكيّة باعتبارها تعبيرًا عن المسيحيّة الصحيحة. وقد رأى السنودس بأن البعض قد أساءوا تفسير معنى “إسرائيل” في الكتاب المقدّس، لهذا أراد السنودس أن يقوم بدور توعية بالعقيدة الإنجيليّة الصحيحة بالتفسير الصحيح لكلمة “إسرائيل” في الكتاب المقدّس. وقد نُشِرت هذه العقيدة في كتب عقيدة الكنيسة الإنجيليّة منذ نشأتها بمصر، منذ 117 عامًا. لهذا دعا السنودس إلى مؤتمر إنجيلي عام للتوعية بمعنى “إسرائيل” في الكتاب المقدّس. وقد قُدِّمت دراسات لاهوتيّة في هذا المؤتمر. (استينو، 1971م، 4).
  • بشاي سعيد، حقيقة إسرائيل عقيدة الكنيسة الإنجيليّة عن إسرائيل في الكتاب المقدّس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م. يقع الكتاب في 16 صفحة من القطع المتوسط.
  • برادلي واتكنز، هل دولة إسرائيل الحديثة تحقيق لنبوة كتابيّة؟ ترجمة عزرا مرجان. القاهرة: دار الثقافة، 1974م. يقع في 31 صفحة من القطع المتوسط.
  • أمير إسحق، إسرإيل الله، القاهرة: دار الفكر الإنجيلي للترجمة والنشر والتوزيع، 2023م، يقع في 44 ورقة من القطع الصغير، يشرح هذا الكتاب الفرق بين إسرإيل كشعب الله في العهد القديم، وإسرائيل الدولة الصهيونية الحالية.

القضية الثانية: الملك الألفي

هل يملك المسيح ألف سنة بصورة حرفيَّة؟ وهل هذه الفكرة لها علاقة بالفكر المسيحيِّ؟ كيف نشأت؟ وما هي خطورة هذه العقيدة على الفكرة المسيحيِّ؟ وقد تناولت الكتابات التالية هذا الموضوع بصورةٍ واضحةٍ.

  • إكرام لمعي، هل يملك المسيحُ على الأرض؟ القاهرة: دار الثقافة، 1997م. يقع الكتاب في 66 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على توضيح تفسير لمدرستين تتناولان هذه القضية، وعلامات المجيء وأحداثه، ثم الملك الألفي، والمعركة الأخيرة.
  • عزت شاكر، الملك الألفي. القاهرة: مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ، 2002م. وعن الكنيسة الإنجيليّة في مدينة نصر، 2006م. يقع الكتاب في 88 صفحة من القطع المتوسط. يرد على أسئلة: متى ظهرت عقيدة الملك الألفي. متى يقيَّد الشيطان؟ ما هو هدف ربط الشيطان؟ هل ستجتاز الكنيسةُ الضيقةَ العظيمةَ؟ هل هناك نبوات بإعادة بناء الهيكل؟ ما هي الأحداث الملازمة لمجي المسيح الثاني؟
  • عزيز توما، أين ومتى يملك المسيح؟ القاهرة: دار الثقافة، 2007م، يقع الكتاب في 190 صفحة من القطع المتوسط، ويجب على الأسئلة الآتية: هل سيملك المسيحُ على الأرض؟ أين سنكون نحن إذا حدث ذلك؟ هل الله سوف يتحيز لليهود في نهاية الزمان؟ ماذا يقول الكتاب المقدّس عن عقيدة الملك الألفي؟
  • جرجس جورج، جذور فكرة الملك الألفي. القاهرة: دار الفكر الإنجيليّ، د. ت. يقع الكتاب في 64 صفحة من القطع المتوسط، ويناقش جذور فكرة عقيدة الألف سنة، وهل كانت هذه العقيدة موجودة قبل المسيحيَّة أم لا؟ وهل أشارت الديانة اليهوديَّة لمثل هذه العقيدة؟ ثم يتحدث عن نظريات الملك الألفي في المسيحيَّة.

القضية الثالثة: المجيء الثاني للمسيح

ما معنى المجيء الثاني للمسيح؟ وكيف نفهمه بصورةٍ واضحةٍ؟ وما هي علاماته؟ وكيفية مجيء المسيح؟ هذه القضايا تمت مناقشتها بصورة واضحةٍ ومتَّسعةٍ، في الكتابات التالية:

  • فايز فارس، مجيء المسيح ثانيةً، القاهرة: دار الثقافة- بالتعاون مع مجلس كنائس الشرق الأدنى 1969م، يقع في 64 صفحة من القطع المتوسط. وهو أولى الكتابات التي ظهرت بعد النكسة لكي توضح معنى المجيء الثاني للمسيح.
  • منيس عبد النور، مجيء المسيح وسوابقه التاريخيّة. القاهرة: الكنيسة الإنجيليّة بقصر الدوبارة، 1993م. يقع الكتاب في 96 صفحة من القطع المتوسط. والكتاب هو عَصْرَنة لما كتبه لما ورد في كتابين مهمين، هما: “القواعد السَّنِيَّة في تفسير الأسفار الإلهيّة” للقس جيمس أنس، 1880م، والكتاب الثاني: “نظام التعليم في علم اللاهوت القويم” لجيمس أنس، 1890م.
  • نصرالله زكريا، رؤية معاصرة حول مجيء المسيح الثاني، يقع الكتاب في 104 صفحة من القطع الصغير، وقد كتبه ونشره المهندس نصرالله زكريا، طُبع في مطبعة الطلبة-خلوصي-القاهرة، وذلك إبان حرب الخليج الأولى في تسعينيات القرن العشرين وتحديدًا في عام 1991م، عندما اعتقد البعض أنَّ هذه الحرب هي مقدمة لنهاية العالم، ومجيء المسيح ثانيةً. يأتي هذا الكتاب في ثمانية فصول، تناول فيها الكاتب، يقينيَّة المجيء الثاني للمسيح وأهميته كعقيدة في المسيحيَّة، باختلاف طوائفها ومذاهبها، وكيف تطورت هذه العقيدة خلال عهدي الكتاب المقدّس، القديم والجديد، ولماذا تنال هذه العقيدةُ تحديدًا، أهميّةً في نهايات الأعوام والقرون، أو في الفترات التي تظهر فيها الحروب المؤثرة، كالحروب العالميّة، أو كما حدث في حرب الخليج؛ حيث طفت هذه العقيدة، وأخذت حيزًا كبيرًا في التعليم الدينيِّ، ونشرات الأخبار ووسائط الميديا الحديثة. ويختتم الكاتب بتوضيح أهم الاختلافات اللاهوتيَّة والفقهيَّة حول هذه العقيدة.
  • مكرم نجيب، المجيء الثاني للمسيح. القاهرة: دار الثقافة، 1997م، يتكون الكتاب من 243 صفحة من القطع المتوسط، ويناقش قضايا مثل: هل هناك علاقة بين النبوات القديمة والسياسات المعاصرة؟ كيف نفسر النصوص النبويّة والرؤويّة؟ من هم شعب الله المختار؟ ما الموقف من دولة إسرائيل الحديثة؟ ما هي النظريات المختلفة للمجيء الثاني للمسيح؟ الألف سنة هل هي حقيقة أم أسطورة؟ ما هي الأحداث الأخيرة ونهاية العالم؟
  • اسطفانوس زكي اسطفانوس، المجيء الثاني والرجاء المبارك. القاهرة: مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ، 1999م. يتكون الكتاب من 40 صفحة من القطع المتوسط.
  • نصرالله زكريا، المجيء الثاني للمسيح بين الادعاءات الصهيونيّة والحقائق الدينيّة: هل من علاقة بين قيام دولة إسرائيل ومحاولات بناء الهيكل اليهوديِّ وبين المجيء الثاني للمسيح. القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2003م. يقع الكتاب في 252 من القطع المتوسط. ويجاوب الكتاب على أسئلة كثيرة مثل: هل صحيح ما يتردد عن أن شعب اليهود هم شعب الله المختار؟ ثم يتحدث عن المسيحيّة الصهيونيّة والأصوليّة الإنجيليّة وموقف الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة من قضية إسرائيل.
  • مكرم نجيب، قراءة عربيَّة للمجيء الثاني للمسيح: المزاعم الصهيونيَّة لنهاية التاريخ. القاهرة: دار الثقافة، 2002م، يقع الكتاب في 136 صفحة من القطع الكبير. يناقش الكتاب العقيدة المتعلقة بمجيء المسيحيّ الثاني وماذا يعني ذلك؟ وما هو يوم الرب؟ وماذا يعني حكم الألف سنة؟ وهل هو مرتبط بنهاية التاريخ؟ هذه قضايا تبناها مفكرون لاهوتيّون في زمن سابق من وجهات نظر مختلفة مما شجع بعض الفرق المسيحيّة لتبني هذه القضايا بأسس مختلفة عن الأخرى، ومما شجعها على ذلك تطور الأحداث مثل الحروب الدوليّة والإقليميّة في الشرق الأوسط وظهور إسرائيل كدولة في منتصف القرن العشرين، مما جدد المحاولات في هذا الشأن. هذا الكتاب يناقش هذه القضية من خلال كلمة الله في دراسة لاهوتيّة متعمقة شاملة. مناديًا بوحدة المؤمنين المبنية على المحبة.
  • إكرام لمعي، هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح الثاني؟ القاهرة: دار الثقافة، 1990م، يقع الكتاب في 16 صفحة من القطع المتوسط. يناقش الكتاب عقيدة الملك الألفي للمسيح، ومعركة هرمجدون، والأبعاد اللاهوتيّة والأخلاقيّة والسياسيّة لترويج هذا الفكر.
  • أديب نجيب سلامة، موقف اليمين المسيحيّ والكنائس الأمريكية من قضايا الشرق الأوسط. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية. 2002م. يقع الكتاب في 38 صفحة من القطع الكبير.

القضية الرابعة: علاقة الحروب بنبوات الكتاب المقدَّس

فهم النصوص الكتابيَّة الخاطئ يزداد وسط الأزمات كالحروب ويربط الناس بين نصوص بعينها من الكتاب المقدَّس وبين ما يحدث من حروب، وقد ظهرت بعض الكتابات والدراسات التي تعالج هذا الأمر بصورة واضحة في الكتابات التالية:

  • فايز فارس، حرب الخليج ونهاية العالم. نُشر في طبعتين: الأولى، القاهرة: دار الثقافة، 1991م، وتقع في 55 صفحة من القطع المتوسط، والثانية، ملحق النسور، مايو 2022م، تحرير وتقديم عيد صلاح، ويقع في 24 صفحة من القطع الكبير. في هذه العظات الثلاث تحت عنوان: “حرب الخليج ونهاية العالم” يقدم فارس نظرة موضوعية لعلاقة الحرب بالنبوات في الكتاب المقدّس، والعظات الثلاث: الأولى هي “أزمة الخليج ونبوات انتهاء العالم”، يناقش فيها موضوع علاقة حرب الخليج وأية حروب بالأيام الأخيرة، وموضوع تحديد الأوقات والأزمنة وواجب الاستعداد الدائم ثم المسؤوليّة الحاضرة. الثانية تحت عنوان: “صور من انهيار الأمان التي تُبنى على ثلاثة أمور، وهي: الطمأنينة الباطلة، الحكمة المضللة، الأنانية القاتلة”. الثالثة تحت عنوان: “ملكوت الله وحركة التاريخ”، يتحدث فيها عن أمرين هما: ملكوت الله في التاريخ الإنسانيّ، ودور أبناء الله في التاريخ الإنسانيّ. وكانت هذه العظات بأفكارها ردًّا على ما قيل في ذلك الوقت عن نهاية العالم نتيجةً لحرب الخليج.
  • وقد خصَّصَت النسور في عدد مايو 2022م أيضًا ملفًّا كاملاً (ص 22-93) عن الحروب، ضمَّ عددًا من الدراسات حول الموضوع من زوايا متعددة، وهي: لماذا الحروب؟ القس فيكتور عطالله، ص 22-25. “حروب العهد القديم” أ. ديفيد ويصا، ص 26-41. “الحروب والأوبئة وعلامات نهاية الزمان ومجيء المسيح ثانية” د. ق عاطف مهني، ص 42-51. “الأخلاق والحرب” د. ق. هاني يوسف حنا، ص 52-57. “الحرب العادلة” القس جوهر عزمي، ص 58-65. “الفكر اللاهوتيّ ومآسي الحروب: ديتريش بنهوفر أنموذجًا” د. ق. موريس أمين، 66-77. “قِرَاءة فِي فِكر هيرمان باڤينك عَنِ الحَربِ والمسيحيّة” أ. مينا عبد الله أنيس، ص 78-84. قراء نقدية في فيلم Hacksaw Ridge، ق. بيتر وديع، ص 78-87. “أكثرها تأثيرًا وتدميرًا الجيل الرابع والخامس.. حروب المعلومات الافتراضية!” الأستاذ هاني لبيب، ص 88-93. ثم ضم ملحقُ العدد كتاب “حرب الخليج ونهاية العالم“، د. ق. فايز فارس، تحرير وتقديم ق. عيد صلاح.

القضية الخامسة: قضايا الإسخاتولوجي

عِلم الأخرويات (الإسخاتولوجي) مرتبطٌ بفهم الحاضر والمستقبل أيضًا. والمفاهيم المستقبليّة بالطبع تؤثر سلبًا أو إيجابًا على الواقع الحالي:

  • ج. أ. وليامسون. دراسة الأخرويات بحسب العهد الجديد. ترجمة بخيت متى، مراجعة عبد المسيح استفانوس. القاهرة: الرابطة الإنجيليّة في الشرق الأوسط، 1999. يقع الكتاب في 60 صفحة من القطع المتوسط.
  • واستكمالاً لهذه المسيرة اللاهوتيّة الفكريّة المنضبطة والواضحة خصَّصت مجلة النسور في سبتمبر 2021م، ص 36-119، ملفًّا كاملاً عن “الإسخاتولوجي”، احتوى الملف على تسع دراسات، وهي: “كيف نفهم النصوص الرؤيّة“، محسن نعيم، ص 36-47؛ “سفر الرؤيا“، كرم لمعي، ص 48-56؛ “علامات الأزمنة ونهاية التاريخ“، محسن منير، ص 57-66؛ “نعم نؤمن بالاختطاف“، حمدي سعد، ص 67-72. “جوج من أرض ماجوج العدو القادم من الشمال“، جميل فوزي، ص 73-83؛ “حديث خرافة فكرة الملك الألفي“، جرجس جورج، ص 84-93؛ “الهيكل في الفكر التدبيريّ“، إسحق وليم، 94-100؛ “العهود والتدابير بين الفكر العهديّ والتدبيريّ“، بيتر عادل وديع، 101-109؛ “الرجاء الأخروي بين الإيمان والهروب من الواقع“، ديفيد فيكتور، ص 110-119.

القضية السابعة: علاقة الكنيسة بالنبوات

فهم النبوات أمرٌ في غاية الأهمية، فيكون الحديث عن ملكوت الله وكيف نفهمه ونحياه فكرًا وسلوكًا، وفهم الكنيسة في النبوات أمرٌ في غاية الأهمية أيضًا، وهل قصد الله هو الكنيسة أم الأمة اليهوديّة؟ وهناك فارق كبير بين الفهمين، والكتابات التالية عالجت هذه الأمور بصورة واضحة:

  • فهيم عزيز، ملكوت الله. صدر عن دار الثقافة في ثلاث طبعات: الأولى 1970م، والثانية 1988م، والثالثة 2020م. يتحدث فيه عن معنى ومفهوم ملكوت الله، وتاريخه من خلال عصر الاستعداد، الإعلان، والنهاية. ثم الرعية والعضوية والانتساب في ملكوت الله من خلال العضوية وكيفيتها وحالتها وسلوكها. ويركِّز في هذه الدراسة عن مركزيّة الكنيسة في الكلمة المقدّسة وأنها حلت محل إسرائيل في العهد القديم.
  • حمدي سعد، أشهر النبوات. دار الثقافة: القاهرة، 1998م. يقع الكتاب في 188 صفحة من القطع المتوسط، ويتناول الكتاب النصوص النبوية في العهدين القديم والجديد، التي تتكلم عن المستقبل، ويشرح المدارس المختلفة في تفسير النبوات معتمدًا على كلمة الله.
  • حمدي سعد، الكنيسة في النبوات. القاهرة: دار الثقافة، 2016م، يقع الكتاب في 108 صفحة من القطع الصغير. ويناقش الكتاب عددًا من الموضوعات مثل: هل سيحكم المسيح ألف سنة؟ هل يسوع هو مركز نبوات العهد القديم، ولا تفسير لها إلا في المسيح؟ هل تحدَّث العهد القديم عن الكنيسة؟ ما هي السبع الكنائس الواردة في سفر الرؤيا؟ هل الكنيسة مجرد “تدبير” بمثابة جملة اعتراضية في البرنامج النبوي الإلهي لإسرائيل؟
  • رالف إدوارد وودر، الاختطاف السريّ هل هو حقيقة كتابيّة. ترجمة حمدي سعد. القاهرة: الرابطة الإنجيليّة في الشرق الأوسط، 2000م. يقع الكتاب في 90 صفحة من القطع المتوسط.

القضية الثامنة: نقد الصهيونيَّة المسيحيَّة

مصطلح الصهيونية المسيحيّة ارتبط بالمسيحيَّة مؤخرًا، وقد فندت هذه الكتابات مفهوم الصهيونية المسيحيّة، هل تم الاختراق الصهيوني للمسيحية؟ وكيف واجه الفكر المسيحيُّ الإنجيليُّ هذا الأمر؟ في الكتابات الآتية نجد الصورة الصحيحة عن هذا الفكر:

  • إكرام لمعي، الاختراق الصهيونيّ للمسيحيّة. القاهرة: دار الشروق، 1991م. يقع الكتاب في 213 صفحة من القطع المتوسط.
  • مكرم نجيب وعبد الوهاب المسيري، الإنجيليّون العرب والصهيونيّة. القاهرة: دار الثقافة، 2001م، يقع الكتاب في 56 صفحة من القطع المتوسط. يقوم الكتاب بنقد المزاعم حول دولة إسرائيل وربطها بالكتاب المقدّس. وهي محاضرات ألقاها عبد الوهاب المسيري، الكاتب المتخصص في الدراسات اليهوديَّة والصهيونية، ومكرم نجيب الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيليَّة بمصر الجديدة.
  • محسن نعيم، الكتاب المقدّس والصهيونية. دمشق: المؤلف، 2010م، يقع الكتاب في 39 صفحة من القطع المتوسط، ويجيب على مجموعة من الأسئلة مثل: هل من علاقة بين الكتاب المقدّس والصهيونيّة؟ هل هناك مسيحيّة صهيونيّة؟ ما معنى الوعد بالأرض ملكًا أبديًّا لإسرائيل؟ ما هو موقف السيد المسيح من قضية الأرض؟ هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح ثانية؟ من منظور الكتاب المقدّس هل سيُعاد الهيكل؟ ولماذا؟
  • رفيق إبراهيم، المسيحيّة الصهيونية. القاهرة: دار الثقافة، 2023م. يقع الكتاب في 134 صفحة ويجيب على الأسئلة الآتية: من هي إسرائيل الحالية وهل لا يزال الإسرائيليون الحاليون هم شعب الله المختار؟ إلى ماذا يشير مصلح الصهيونية المسيحيّة، وعلى أي أساسٍ لاهوتيٍّ أو كتابي يبني مناصرو هذ الحركة معتقداتهم؟

القضية التاسعة: التأكيد على لاهوت العهد في مقابل الفكر التدبيريّ

ظهر اتجاه التفكير العهديّ في مقابل الفكر التدبيريّ، والاتجاهان مختلفان، الفكر التدبيريّ يدعم الأمة اليهوديّة في مقابل الفكر العهديّ الذي يدعم الكنيسة من مفهوم لاهوت العهد بحسب كلمة الله في العهدين القديم والجديد، والتفكير اللاهوتيّ عن العهد يعتبر ركنًا أساسيًّا في اللاهوت الإنجيليّ المصلح. ويقترب الكاتب منه من عدة زوايا فيكتب عن الزاوية الكتابيّة واللاهوتيّة والعمليّة. وبهذا الكتاب يعيدنا الكاتب إلى بوصلة التفكير اللاهوتيّ الإنجيليّ المصلح الصحيح في تمايز واضح مع الفكر التدبيريّ.

  • أفرايم معزوز، العهد الأبديّ، وصَدَر عن المؤلف سنة 2021، ويقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط، ويُقسَّم إلى أربعة فصول:
  • الفصل الأول وهو تمهيد، ويبدأ فيه الكاتب بشرح حقيقة العهد الأبديّ باعتباره نخاع الكتاب المقدّس، وأهم موضوعات لاهوت الكتاب المقدّس، والخلفية التاريخيّة للعهد في العهود القديمة (أطراف العهد، الوثيقة، القسم، شروط العهد، الجزاءات، الأختام والوعود، طقس العهد)، وتعريف العهد والمفاهيم الكتابيّة للعهد، والمصطلحات الكتابيّة للكلمة، والطقوس العهديّة في الشرق القديم وفي كلمة الله، وطبيعة العهد، وأطراف العهد، والشروط، والنتائج، والضمان، ويشرح الكاتب بعد ذلك الإعلان الإلهيّ والعهد، والله الثالوث والعهد.
  • الفصل الثاني: العهود الكتابيّة، يبدأ الكاتب بالكلام عن العهد النوحي، وهو أول عهد يذكره الكتاب المقدّس بوضوح، فيه منح الله للإنسان نِعَمًا غير مُستَحَقَّة، وبركات طبيعية زمنية، كما أنه عهد غير مشروط للحفاظ على جميع البشر، وقد صاحب هذا العهد انتظام فصول السنة. والعهد الإبراهيميّ، الذي أقامه الله مع إبراهيم، ووعدان تم تأسّيسهما: تضاعُف نسل إبراهيم، وميراث أرض الموعد، وقد تم تحقيقهم بالأدلة الكتابيّة، وبعد ذلك طقس قطع العهد مع إبراهيم، ووعود الله له بالنعمة، وليس على أساس استحقاق إبراهيم، وعلامة العهد الإبراهيميّ وهي الختان الجسدي، ويتكلّم الكاتب بعد ذلك عن العهد السينائيّ (الموسويّ)، بركات حفظ العهد، وناموس موسى، والعهد السينائي المؤكد بالدم مثل العهد الإبراهيميّ، وقصد الله من هذا العهد أنه تجديد للعهد الإبراهيميّ، وقصد الله من الناموس كشف شر الإنسان، وليس لتبرير الحياة بالناموس، ولكن يتطلّب الناموس اعتراف الإنسان بعجزه وفشله واتضاعه، فيطلب رحمة الله ونعمته، بمعونة روحه القدوس. والعهد الداودي بعد ذلك، الذي هو وثيق الصلة بالعهد السينائيّ، وثبات رحمة الله لداود ونسله بسبب مواعيد الله، والكلام عن المسيح الملِك رسول العهد، ثم يشرح الكاتبُ العهدَ الجديد وربَّنا يسوع المسيح ذبيحة العهد وجوهره، وفي العهد الجديد، بصليب المسيح تمَّت بركة نسل إبراهيم الروحيّ (المؤمنين)، وأُزِيلت لعنة الناموس بصليب المسيح في العهد السينائيّ، وتحقّق الوعد الداوديّ وصار المسيح الملِك الداوديّ على العرش الأبديّ الذي فيه انتهت كل رموز العهد القديم، والمسيح الوسيط والموصي والمرموز إليه. والكلام بعد ذلك عن الفرائض الكتابيّة للعهد الجديد، وموضوع معمودية الأطفال.
  • الفصل الثالث: العهود اللاهوتيّة، لا يتكلم الكتاب المقدّس عنها إلا ضمنيًّا، لكن كافة عناصر العهود اللاهوتيّة موجودة وهي أولًا: عهد الفداء: يتكلم الكاتب عن الخلق والفداء كعمل الثالوث القدوس، والمسيح الغصن في العهد القديم، ووظيفتَيِ المسيح الملكية والكهنوتية في سفر زكريا (زك 3: 12، 13)، والمسيح في العهد الجديد كمتمِّمٍ لهذه النبوة، والكلام بعد ذلك عن أطراف وشروط وهدف عهد الفداء، ويتطرّق الكاتب بعد ذلك للكلام عن خصائص عهد الفداء (الأزليّة، الحرية السياديّة، الرحمة، النعمة، الثبات)، والوظيفة الثلاثية للمسيح (النبي، الكاهن، الملِك). ثانيًا: عهد الأعمال، وفي هذا العهد الذي بدأ في جنة عدن، قدَّم الله اتفاقًا مُلزِمًا يُحدّد شرط العهد بين الله والإنسان، ويعطي بركة الطاعة ولعنة العصيان، وقد كانت الحياة الأبديّة مُجرّد دين مرتبط بشرط طاعة آدم، وفي استمراره في طاعة الله له حق الحياة الأبديّة، وإذا فقد شرط الطاعة وعصي الله، فقد الحياة الأبديّة، وإن عهد الأعمال مازال ساريًا على كل كائن بشري من نسل آدم، ومنفصل عن المسيح، ويكشف وجود الطبيعة الخاطئة التي وُلدنا بها، ويتكلّم الكاتب بعد ذلك عن ناموس الضمير من آدم لموسى، وكيف كان يعمل في قلوب جميع البشر قبل نزول ناموس موسى المكتوب، ويتكلّم بعد ذلك عن ناموس موسى الذي زيد بسبب التعديات ليكشف غضب الله على الخطية والتعدِّي، وأيضًا طبيعة الفساد الموروث من آدم إلى نسل إبراهيم الجسديّ، وإنهم منتهكو العهد، وتحت غضب الله. وعهد الأعمال من آدم لآخر الزمان، الذي يكشف أن كل إنسان مولود (يهوديّ أو أمميّ) من نسل آدم هو بالطبيعة تحت عهد الأعمال منذ ولادته، ومُدان في صُلْب أبيه آدم الأول الذي كَسَر عهد الأعمال، ومُتحد به في عهد الناموس، والجميع انتظروا الشخص الوحيد الذي أرضى الله في عهد الأعمال، والذي لم يفعل شيئًا يبطل به فضيلة ذلك العهد أمام الله. وأيضًا يتكلّم الكاتب عن إسرائيل نسل إبراهيم الجسدي في ظل عهد الأعمال، وموقفه الروحيّ أمام الله الذي تميّز بالعصيان المستمر، كما قال عنهم استفانوس في عظته الخالدة: “يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ!‏ أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ،‏ الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلاَئِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ”.‏ (أع 7: 51، 53). ثالثًا: عهد النعمة، وفي هذا الجزء يتحدّث الكاتب عن عهود الكتاب المقدّس التي قدّم الله فيها نعمته، ولكن قبل هذا يبدأ بالكلام عن أزلية عهد النعمة، وأطراف العهد وهما الله والمسيح كممثّل شعبه، والبشر الذين اختارهم الله أزلًا، دخلوا في مظلة هذا العهد في زمان وجودهم على الأرض، والمسيح وسيط عهد النعمة، وكيفية نوال عهد النعمة، ووعد العهد الذي هو أساس العهد، وأولاد الموعد وهم المؤمنون الحقيقيون من كل الشعوب، ويبدأ الكاتب بالكلام عن عهد النعمة الآدمي ونعمة الله بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية، وعهد النعمة النوحي وهو عهد نعمة غير مشروط للحفاظ على جميع البشر، وعهد النعمة الإبراهيميّ الذي حقّق الله فيه نمو نسل إسرائيل وإعطاءه الأرض التي وعد آباءهم بها (نح 9: 7، 8) (2أخ 9: 26)، والقصد من هذا هو التطلّع لأورشليم السماويّة والعلاقة الأبديّة مع الله (عب 11: 9، 10، 16)، وبركة وجود نسل إبراهيم الروحيّ من اليهود والأمم في المسيح يسوع (غل 3: 29)، والرب يسوع المسيح نسل إبراهيم الذي هو جوهر الوعد، وختان القلب بالروح في العهدين القديم والجديد، ويتكلّم الكاتب بعد ذلك عن عهد النعمة السينائي الذي فيه قدّم الله الناموس ليجعل إسرائيل يدركون حقيقة خطاياهم ويرون حاجتهم إلى مُخلِّص، وأن الناموس لا يبرِّر أو يعطي خلاصًا، ولكن يعلن نظام البر الأخلاقيّ الكامل، لنتعلّم منه إرادة الله، ونرى شخصية مخلصنا فيه، فنلجأ دائمًا للمسيح، ونخضع لإرادته بحرية وسرور بعمل روحه القدوس. وأيضًا نعمة غفران الله على أساس كفارة المسيح في كل العهد القديم، وبعد ذلك عهد النعمة الداودي، ومسيح الجلجثة الملِك المنتصر، ونعمة العهد الجديد الممتدّ لجميع الأمم، الذي بلغ ذروة إعلانه في ملء نعمة المسيح، وموت الموصي الذي فعَّل الوصية، وجعلها نافذة المفعول، ودم العهد الأبديّ، والنعمة والاختيار الإلهيّ، والنعمة والخلاص، والنعمة والتبرير.
  • الفصل الرابع: مقتطفات حول العهد الأبديّ، ويتكلّم الكاتب فيه عن أهمية لاهوت العهد روحيًّا، وتاريخيًّا، ثم هاجر وسارة رمز العهدان (الأعمال والنعمة)، وإسرائيل والكنيسة والفرق بينهما في اللاهوت المُصلح، وأخيرًا الفرق بين العهد والتدبير.
  • يختتم الكاتب كتابه بخلاصةٍ وخاتمةٍ وهدفٍ للكتاب يوضّح فيه القصد من كتابه، وهو إعلان وحدة العهد الذي يكشف وحدة قصد الله، وكلمته وعهده وكفارته ومختاريه بصورة أوضح وأكمل. (يمكن الرجوع إلى عيد صلاح، القسّ فيليب معزوز: مسيرة رعويّة ولاهوتيّة، الإنترنت).
  • حمدي سعد، لاهوت العهد: كيف تقرأ القصَّة الكتابيّة وتاريخ الفداء؟ القاهرة: دار جلوري للنشر 2022م يُناقش هذا الكتاب ماهية وأهمية لاهوت العهد، ويعرض إلى القراءة العهديّة في إقرار إيمان وستمنستر، ثم يقدم قراءة للكتاب المقدّس من خلال العهود الإلهيّة، ويقسمها إلى: عهد الفداء، عهد الأعمال، عهد النِّعمة مع نوح وإبراهيم وموسى وداود، ثم يعرض إلى العهد الجديد في الأناجيل وكتابات بولس الرَّسول ويوحنا الرَّسول، وفي الأخير يختتم الكاتب حديثه بمقارنة بين لاهوت العهد واللاهوت التدبيريّ، كما يفرد حديثًا للقراءة العهديّة لفريضتي الكنيسة المُصْلَحَة.
  • لاهوت العهد” وهو ملف عدد مجلَّة أغصان الكرمة العدد السَّابع عشر، تصدر عن لجنة الإعلام والنَّشر في مجمع مشيخة المنيا الإنجيليّ، العدد السَّابع عشر، يوليو/أغسطس 2023م. وشمل المقالات والدراسات الآتية: القس مدحت موريس، عهديّ أم تدبيريّ؟ قراءة مقارنة بين أبرز الاختلافات بين اللاهوت العهديّ واللّاهوت التدبيريّ. القس جرجس چورچ، المفهوم الكتابيّ للعَهد. يقدم الكاتب شرحًا لماهية العهد في الفكر الكتابيّ. القس رفيق إبراهيم، لاهوت العهد وتطبيقات حياتيّة. يبين المقال كيف يختلف لاهوت العهد والّلاهوت التدبيريّ كنظامين لاهوتيّين في وجهات نظرهما عن التاريخ، والكنيسة، ووعود الله لإسرائيل. ويبين أهمية تعليم لاهوت العهد لإنشاء مناخ متوازن في قراءة الكتاب المقدّس في ظل القضايا المعاصرة. القس حمدي سعد، اللّاهوت العهديّ وإقرار إيمان وستمنستر. يقدم الكاتب في هذا المقال مقدمة تاريخيّة عن إقرار إيمان وستمنستر، ثم يعرض إلى دور اللّاهوت العهديّ في تشكيل مواد الإقرار. القس نصر الله زكريّا، “الفريضتان واللاهوت العهديّ”، يقدم الكاتب سردًا للعهود الكتابيّة، ثم قراءة للدور العهديّ في تأسيس العقيدة المُصْلَحة في الفرائض. الدكتور مارك عبد المسيح، لماذا تحتاج لفهم عهد الأعمال؟ يقدم الكاتب قراءةً مركَّزةً على عهد الأعمال، ويوضح كيف تفيدنا هذه القراءة في قراءة بقيَّة العهود، لا سيما عهد النِّعمة. القس سهيل سعود، بولينغر لاهوتيّ العهد بامتياز. يستعرض الكاتب قراءة تاريخية تحليليَّة لسيرة حياة اللاهوتيّ المُصْلَح هنري بولينغر الشهير بلاهوتيّ العهد، مستعرضًا كيف أثر اللاهوت العهديّ في حياته وأعماله. الدكتور القس يوحنَّا كتناشو، العهد مع موسى. يتناول الكاتب العهد الموسويّ ليس بوصفه شرائع وقوانين فحسب، بل يقرأ فيه دور الإيمان في الصراع السياسيّ وبناء مجتمع عادل. وتحرير الشعوب من عبوديّة الاستبداد السياسيّ، وإنصاف المظلومين وردع الشر الاجتماعيّ. الأستاذ مينا عبد الله، قراءة نقديَّة في كتاب: لاهوت العهد – مايكل هورتون. الدكتور شريف عاطف، عهد الفداء. يتناول الكاتب عهد الفداء، والأدلة الكتابيّة عليه، ودور الأقانيم في عهد الفداء. القس كرم لمعي، لاهوت العهد. قراءة في ماهيّة لاهوت العهد وأهميَّة ومحوريَّة هذا اللاهوت. مهندس چورچ إسحق، العهديّة التَّدرُّجيَّة: محاولة توفيقيَّة، أم أطروحة تجديديَّة؟ يناقش فيها الكاتب أطروحة العهديّة التَّدرُّجيَّة، ماذا قدَّمت، وهل هي أطروحة لاهوتيّة مُجدِّدة أم أنها مجرد محاولة توفيقيَّة بين اللاهوت العهديّ واللاهوت التدبيريّ؟ وهل أصابت هذه المحاولة؟

 القضية العاشرة: رؤية مسيحية عربيّة للسلام

قدَّم الطيب الذكر الدكتور القس مكرم نجيب في كتابه: الفكر اللاهوتيّ للقوة رؤية مسيحيّة عربيّة للحرب والسلام (القاهرة: دار الثقافة، 2003م)، الذي يقع الكتاب في 38 صفحة، رؤية لاهوتيّة للقوة من خلال رؤية مسيحيّة عربيّة للحرب والسلام، ويجيب فيه على الأسئلة الآتية: ما المقصود بالقوة؟ هل هناك علاقة بين القوة والسلطة والعنف؟ هل القوة أو السلطة في ذاتها صالحة أم شريرة؟ متى تتحول القوة والسلطة إلى طغيان؟ هل يوجد مكان الآن لفكرة المستبد العادل؟ ما هو مفهوم الحرب العادلة؟ متى وكيف ترتدي القوة أو السلطة عباءة الدين؟ ما هو فكرنا الكتابيّ واللاهوتيّ الذي يحدد رؤيتنا؟ وهذه الرؤية تحتاج إلى التوسع فيها من خلال الكتابة عنها لأننا في أمسِّ الاحتياج إليها في عالمنا العربيّ.

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أنَّ التاريخ المسيحيّ الإنجيليّ المشيخيّ في مصر والعالم وقف ضد دولة إسرائيل، وفي دراسةٍ لأديب نجيب سلامة صدرت عن مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة، يقول: “موقف الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة يُعَدُّ من أقوى المواقف في مواجهة التيار اليمينيّ الدينيّ الأمريكيّ.” (نجيب، 2003، 1).

المتانة والمرونة وتعزيز قدرة الصمود– لا تكن سهل الكسر!

مارجريت صاروفيم

اسم الكاتب :مرجريت صاروفيم

للأسف، تستنزف الحروبُ النفسَ البشرية. وما ينتج عن الحروب من فقد ودمار وتشويه لكل ما هو جميل، يتسبب في نشر الآلام والأحزان وضياع الأمل وكثير من الإحباط والكراهية.

في الوقت الحالي أمامنا خريطة حروب متعددة؛ منها الحرب الروسية الأوكرانية -والتي تجاوزت عامها الثاني- وتقاطعت معها بقوهٍ وعنفٍ الحربُ على الأشقاء في غزة.

رؤية المشاهد الدموية كل يوم، وسماع بكاء الأطفال وصراخ وعويل الأمهات والآباء، وصورة الهدم والحرائق، يؤدي كل هذا إلى شعور ضيق داخل نفوس البشر، ويشعر الإنسان كأنه يسير داخل نفقٍ مظلمٍ يبدو وكأن لا نهاية له.

لكن البقاء تحت وطأة هذه الضغوطات والضيق والاستغراق في الرضوخ لمشاعر الألم وتأثير صور الحرب بكل ما تجلبه من خراب ودمار قد تمنعنا من المضي قدمًا إلى الأمام، تمنعنا من السير نحو المستقبل بإيجابية ونشاط وتفاؤل.

الجسر الذى ينقلنا من الشعور بالحزن والضعف وعدم القدرة على المقاومة أو التغلب على الضغوطات النفسية، ويعزز الرفض للتأثير السلبي للتوترات المحيطة بنا، هو أن نتبنى نهج ومبادئ “المتانة والمرونة”.

نهج “المتانة والمرونة” يعزز القدرة على المواجهة والتعافي والتكيف والقدرة على الصمود. وحاله الصمود القوية وفقًا لتعريفات الأمم المتحدة هي “عملية التحول وتعزيز قدرات الأفراد والمجتمعات على توقع الصدمات، وإدارتها، والتعافي منها، والتحول منها لإعادة البناء على نحو أفضل”.

لتحقيق المتانة والمرونة وتعزيز قدرات الصمود وامتصاص الضغوطات يجب الاهتمام بتعزيز طرق الاستجابة السليمة للضغوطات والتوترات والتهديدات، والتي تخفف من حدة هذه الضغوطات أو تجعلها منعدمةً.

ويتحقق هذا “ببناء الجاهزية” للأفراد والمؤسسات والمجتمعات، لتتمكن من المواجهة والتعافي وتتصدى لمختلف أنواع الصدمات والتهديدات والمخاطر سواء الحالية أو المتوقَّعة.

كذلك من المهم جدًّا بناء قدرات الأفراد والمجموعات والمؤسسات على أن “يتبنوا مبادئ وآليات نظم الإنذار المبكر” وكيفية التنبؤ بالمخاطر وتحليلها وكيفية وضع خطط حالية ومستقبلية للتعامل والاستعداد بكفاءة وفاعلية لإدارة الأزمة وقت وقوعها.

أخيرًا من الأهمية بناء “شبكات الأمان المجتمعي ومجموعات الدعم النفسي”، والتي تحمي الأفراد والمجموعات والمجتمعات من الوقوع في براثن حالة الهشاشة والضعف التي تصل إلى “حالة الكسر النفسي”، وتعمل على تعزيز قدراتهم على مواجهة الضغوط والمخاطر القائمة والمحتملة بما يكفل لهم التماسك النفسي والاجتماعي والحماية من الكسر.

 

المحكمة الجنائية الدولية وجرائم إسرائيل

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: دكتور نبيل أحمد حلمي

إن ما تقوم به إسرائيل وقيادتها، وخاصة رئيس الوزراء نتنياهو، يمثل مثالًا واضحًا على الجرائم الدولية المنصوص عليها في لائحة المحكمة الجنائية الدولية، والتي تحاكم الأفراد الذين يرتكبون هذه الجرائم، وتشمل هذه الجرائم جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان.

وفي نفس الوقت لم تلتفت إسرائيل إلى محاولات كافة الوسائل السلمية التي قام بها المجتمع الدولي لوقف نزيف انتهاكات إسرائيل لقواعد القانون الدولي؛ حيث تدخلت معظم الدول المحيطة بفلسطين للوصول لحلٍّ سلميٍّ لوقف العدوان على فلسطين من خلال الوسائل السلمية، وهي -على سبيل المثال- الوساطة والتوفيق بين الأطراف، وغيرها. ثم تم الانتقال للوسائل القضائية، فاتجه المجتمع الدولي إلى طرح القضية الخاصة بالتصدي قانونًا لجريمة الإبادة الجماعية. وتقدمت جنوب إفريقيا برفع قضية أمام محكمة العدل الدولية، وما زالت منظورةً أمامها، على الرغم من صدور حكم ابتدائي واضح يثبت انتهاك إسرائيل لقواعد القانون الدولي، وخاصةً نصوص معاهدة عدم قانونية استخدام الإبادة الجماعية في أي نزاع بين الأطراف.

ولذلك، ولتحقيق العدالة القانونية الدولية، فإن المجتمع الدولي لجأ إلى المحكمة الجنائية الدولية لإيقاف الانتهاكات ومحاكمة الأفراد الذين يمارسون هذه الجرائم، وعلى رأسهم اليوم نتنياهو الذي يعيش الآن في حالة قلق وتخبط ورعب، وخاصةً بعد أن بدأت المحكمة في ٢٦ أبريل ٢٠٢٤ إجراءاتها. وعلق نتانياهو في محاولته للهروب من هذا التحرك بأن بلاده لن تقبل إجراءات المحكمة لأنها تقوم بممارسة حقها في الدفاع عن النفس!

ومن هنا يثور التساؤل عن ما هي أهم الإجراءات القانونية التي يمكن أن تتخذها المحكمة ضد نتنياهو؟… إن فلسطين كعضوٍ من أعضاء المحكمة الجنائية، من حقها إحالة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل على أرض فلسطين للمحكمة، ويتولى المدعي العام دراستها أو التحقيق فيها، وقد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا بعد الحصول على موافقة الدائرة التمهيدية لقضاة المحكمة. ولتحقيق الصورة العادلة، فإن المحكمة ستقوم بنفس التصرف والاتهام مع مقاتلي حماس، على الرغم من أن الأخيرة هي قوات تحت الاحتلال.

وإذا تحدثنا عن مذكرة اعتقال دولية ضد نتنياهو، فلابد أن نعرف أن مذكرة الاعتقال ليست حكمًا، بل تدل على أن المحكمة ترى أن هذا الشخص مُشتَبَهٌ فيه ويستدعي إحالته للتحقيق معه، وفي نفس الوقت لا يتم اعتقاله إلا إذا رأى قضاة المحكمة مثوله أمامها وإصدار الأمر باعتقاله. وفي نفس الوقت، فإن هذا لا يعني ولا يؤدي حتمًا إلى اعتقال رئيس وأعضاء الحكومة الإسرائيلية ولكن تقييد حركتهم بما فيهم نتنياهو من وإلى الدول التي انضمت للمحكمة الجنائية الدولية ومن ثم يمكن لهذه الدول اعتقالهم وترحيلهم للمحكمة لينظر في أمرهم قضاة المحكمة.

ومع ذلك نجد أن نتنياهو لا يزال يستنجد بالولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية اعترفت بها ١٢٤ دولة، بما في ذلك جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومعظم دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا والأردن وتونس، وهذا علاوةً على أن إسرائيل تواصل الحرب على غزة حتى الآن، رغم صدور قرارٍ من مجلس الأمن بوقف القتال فورًا، وصدور حكمٍ مبدئيٍّ من محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير فوريةٍ لمنع وقوع أعمال الإبادة الجماعية وتحسين الوضع الإنساني في غزة.

رجاء لعالم بلا رجاء

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : الدكتور القس وفيق وهبه

من الطبيعي لأي شخص يتابع أحداث العالم اليوم أن يشعر بالإحباط وخيبة الأمل؛ فلقد تعوَّدنا على متابعة الكثير من الكوارث الطبيعية، والأوبئة -مثل جاحه كورونا وما تَبِعها من ملايين الضحايا- بالإضافة إلى الكساد الاقتصادي وتحجيم حركة البشر حول العالم، ونهايةً بالحروب المندلعة في أوكرانيا والسودان، وأخيرًا في غزة.

وبينما كانت مصرنا العزيزة تحتفل بمرور خمسين عامًا على انتصارات أكتوبر، وما تَبِعها من مبادرة السلام التاريخية، فوجئنا بكارثة الأحداث في غزة، والتي قضت على حياه الآلاف من الأبرياء، بما في ذلك الأطفال والنساء العُزَّل. والكارثة الأكبر أن العالم اليوم يقف مكتوف الأيدي وكأن مشاعره وأحاسيسه قد تجمدت أمام الإبادة الجماعية والدمار الشامل في غزة.

ومن الطبيعي ونحن نتابع الأكاذيب المُلفَّقة وتحوير الحقائق عبر وسائل الإعلام، بالإضافة إلى ما نراه من مأساة بشرية متجسدة أمام عيوننا أن نشعر أننا نعيش في عالم بلا رجاء. فالعالم يتخبط في صراعات دولية وإقليمية تُسبب مُعاناه اقتصادية للشعوب الكادحة التي تتفاجأ كل يوم بارتفاع أسعار السلع وتحجيم قدرة الغالبية من الشعوب على العيش عيشه كريمة توفر لهم الاحتياجات الأساسية من الطعام والشراب والمأوى.

والسؤال الذي يطرح نفسه: “هل يوجد رجاء وسط كل هذه المآسي؟” وقبل أن نجيب على هذا السؤال، دعونا نوجه قلوبنا وأفكارنا لكلمه الله، نستشف منها المشورة والحكمة الإلهية؛ فالكلمة المقدسة وحدها هي القادرة أن تحكمنا وأن تعضدنا وتهدي أقدامنا وسط عواصف هذه الحياة واضطراباتها.

  • عالم بلا رجاء

يصف الكتاب المقدس حالة البشرية بعيدًا عن الله بأنها بلا رجاء؛ فالتاريخ البشري ما هو إلا فترات متلاحقة من الإحباط واليأس يتخللها بعضٌ من ملامح الأمل والرجاء. فها إرميا النبي يصف حالة شعب الله في القديم (إرميا 8: 15) قائلًا: “اِنْتَظَرْنَا السَّلاَمَ وَلَمْ يَكُنْ خَيْرٌ، وَزَمَانَ الشِّفَاءِ وَإِذَا رُعْبٌ”.

ولعل هذا الوصف لا يقتصر فقط على حقبة تاريخية معينة، وإنما يلخص حالة التاريخ البشري بأكملها. ويؤكد الرسول بولس هذه الحقيقة في رسالته إلى كنيسة أفسس: “أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ” (أفسس 2: 12). ويعود فيؤكد لكنيسة تسالونيكي: “لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ (أي سائر البشر بعيدًا عن المسيح) الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ.” (تسالونيكي 4: 13).

هذا الإحساس بعدم الرجاء يسود كافة البشرية، وقد يختبره حتى الواثقين في كلمة الله، والذين لهم علاقة شركة قوية مع الله عندما يجتازون في أزمات صعبة.

فكلمة الله تذكِّرنا أن أيوب الذي كان “كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ” (أيوب 1: 1)، اجتاز أصعب مراحل الاكتئاب وفقدان الأمل، عندما اجتاز في اختبارات قاسية دمرت أسرته وممتلكاته، وأصابت أيضًا صحته الجسدية والنفسية.

فها أليفاز التيماني، أحد أصدقاء أيوب، يسأله: “أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ، وَرَجَاؤُكَ كَمَالَ طُرُقِكَ؟” (أيوب 4: 6). إلا أن أيوب، وسط صعوبة الألم واليأس العميق يجيب بالقول: “”فَأَيْنَ إِذًا آمَالِي؟ آمَالِي، مَنْ يُعَايِنُهَا؟” (أيوب 17: 15). ثم يستطرد بالقول: “يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي وَيُعْطِينِيَ اللهُ رَجَائِي! أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي” (أيوب 6: 8، 9). وبعدها يؤكد: “أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنَ الْوَشِيعَةِ، وَتَنْتَهِي بِغَيْرِ رَجَاءٍ” (أيوب 7: 6).

تعلمنا كلمة الله أنه من الطبيعي أن نشعر باليأس والإحباط إلى درجة فقدان الأمل عندما نجتاز في آلام عصيبة، وعندما تعصف بنا الحياة بمشكلاتها الجمة. هذا إحساس بشري طبيعي نشترك فيه جميعًا كبشر لنا قدرات محدودة على تحمُّل الألم والمعاناة.

إلا أن كلمة الله تؤكد لنا على الفارق بين حالة العالم، الذي يعيش بلا رجاء، وبين رجاء المؤمنين وسط أصعب اختبارات الحياة القاسية. وحتى وإن اجتاز أولاد الله فترات عصيبة من الإحباط واليأس، فلديهم شعاع من الرجاء ينبثق من ثقتهم في إله الرجاء، الذي يعضد أتقياءه ويُولد فيهم الأمل من جديد. فها صوفر النعماني، أحد أصدقاء أيوب، يذكره: “لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا. حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ، وَتَكُونُ ثَابِتًا وَلاَ تَخَافُ” (أيوب 11: 15-17).

بعد اجتياز أيوب فترات طويلة من الإحباط وفقدان الأمل، وقبل أن تتغير حالته المأساوية، يرفع عينيه إلى الله ويختم حواراته مع الله بكلمات الرجاء والثقة: “قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَمَنْ ذَا الَّذِي يُخْفِي الْقَضَاءَ بِلاَ مَعْرِفَةٍ؟ وَلكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا اِسْمَعِ الآنَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ. أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِي بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي” (أيوب 42: 2-5).

  • رجاء وسط الآلام واليأس

تؤكد لنا كلمة الله أنه يوجد رجاء حتى في أحلك الظروف ووسط أصعب آلام الحياة؛ فكلمة الله مليئة بنعمة الرجاء النابع من الثقة والاتكال على إله الرجاء في أزمنة الإحباط والفشل.

لقد كانت رسائل الأنبياء لشعب الله وهم في أصعب أيام السبي والعبودية والقهر، بأن الله لم يتركهم وأنه معهم وأن وسط اليأس والإحباط  ينبثق بريق من الرجاء والأمل.

يؤكد إشعياء بروح النبوة عن فم الرب: “لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي ​إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي الأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلاَ تُلْذَعُ، وَاللَّهِيبُ لاَ يُحْرِقُكَ” (إشعياء 43: 1، 2).

فالله يحفظ أولاده، بل ويسير معهم وسط صعوبات الحياة التي تغمرهم بطموها ونارها المحرقة.

“فَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي لاَ يَخْزَى مُنْتَظِرُوهُ” (إشعياء 49: 23).

“وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ” (إشعياء 40: 31).

“لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ (الناتج عن حريق هائل ودمار شامل) وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ” (إشعياء 61: 3).

ويعد الرب شعبه المسبي في العبودية بأنه سيمنحهم “آخِرَةً وَرَجَاءً” (إرميا 29: 11). ولعل أعظم نشيد عن الرجاء وسط الألم يسجله لنا إرميا الذي وصف حالته، قائلًا: “أَنَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي رأَى مَذَلَّةً بِقَضِيبِ سَخَطِهِ” (مراثي إرميا 3: 1)؛ إذ يلخص خبرة حياته وسط الآلام القاسية بقوله: “ذِكْرًا تَذْكُرُ نَفْسِي وَتَنْحَنِي فِيّ” (مراثي إرميا 3: 20). إلا أنه في هذه القرينة ووسط المعاناة من شدة الألم والإحباط يعود مباشرةً ويؤكد: “أُرَدِّدُ هذَا فِي قَلْبِي، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَرْجُو إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ نَصِيبِي هُوَ الرَّبُّ، قَالَتْ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَرْجُوهُ. طَيِّبٌ هُوَ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يَتَرَجَّوْنَهُ، لِلنَّفْسِ الَّتِي تَطْلُبُهُ” (مراثي إرميا 3: 21-25).

ولعل إرميا يجسد بصدق اختبار أولاد الله، الذين وهم في وسط الألم والانسحاق واليأس يستطيعون أن يرفعوا أعينهم ويرددون في قلوبهم نغمة الرجاء. لا لأن الظروف حولهم قد تغيرت للأفضل، بل لأن رجاءهم وثقتهم ونصيبهم هو إله الرجاء، ومراحمه التي لا تزول. في قرينة ربما تصف بأدق الكلمات حالة العالم الذي نعيش فيه اليوم، يؤكد لنا حبقوق في نهاية نبواته قوة رجاء المؤمنين الذين وضعوا ثقتهم ورجاءهم في إله الرجاء. “فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي. اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي…” (حبقوق 3: 17-19).

  • الرجاء المسيحي

الرجاء المسيحي الذي نتحدث عنه ليس مجرد أوهام تُنسينا الواقع المرير لمدة لحظات أو أيام ثم نعود نواجه الواقع المعاش بما فيه من معاناة وآلام. الرجاء المسيحي يختلف كل الاختلافات عن التفاؤل الذي طالما يتحدث عنه العالم كمحاولةٍ لمواجهة الصعاب والمشكلات العصيبة التي تمر بها البشرية اليوم.

ومن الجدير بالذكر أن لغة الرجاء التي تشع من خلال قوانين الله ووعوده المدوَّنة في الكلمة المقدسة لا مثيل لها في كتابات الأديان الأخرى أو الثقافات البشرية. فكلمة الله وحدها تنفرد بهذا النوع من الرجاء المبني على يقينية الإيمان والثقة في إله الرجاء. إنه رجاء على الرغم من الظروف القاسية، بل ورجاء وسط أصعب مشكلات الحياة.

وكلمة لله تعلمنا أن هذا الرجاء يعكس عمق صراع الإنسان مع الألم والصعاب، بما فيه تساؤل الله ومناجاته بتعبير نابع من قلوب انكسرت من خيبة الأمل والإحباط والآلام. الرجاء المسيحي لا يتجاهل الواقع المعاش بكل معاناته، لكنه ينقلب عليه بثقه ويقين في إله الرجاء.

ويعبر المرنم عن حالته النفسية وما يمر به من صعاب: “لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ارْتَجِي اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ. ​يَا إِلهِي، نَفْسِي مُنْحَنِيَةٌ فِيَّ، لِذلِكَ أَذْكُرُكَ مِنْ أَرْضِ الأُرْدُنِّ وَجِبَالِ حَرْمُونَ، مِنْ جَبَلِ مِصْعَرَ غَمْرٌ يُنَادِي غَمْرًا عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ. بِالنَّهَارِ يُوصِي الرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ لإِلهِ حَيَاتِي. أَقُولُ للهِ صَخْرَتِي: «لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أَذْهَبُ حَزِينًا مِنْ مُضَايَقَةِ الْعَدُوِّ؟ بِسَحْق فِي عِظَامِي عَيَّرَنِي مُضَايِقِيَّ، بِقَوْلِهِمْ لِي كُلَّ يَوْمٍ: أَيْنَ إِلهُكَ؟ لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلهِي” (مزمور 42: 5-11). ويؤكد داود في طلبته لله: “احْفَظْ نَفْسِي وَأَنْقِذْنِي. لاَ أُخْزَى لأَنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ” (مزمور 25: 20).

ثم يعود ويناجي بالكلمات التي تجسد حالة البشر اليوم: “اِلْتَفِتْ إِلَيَّ وَارْحَمْنِي، لأَنِّي وَحْدٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا. اُفْرُجْ ضِيقَاتِ قَلْبِي. مِنْ شَدَائِدِي أَخْرِجْنِي. انْظُرْ إِلَى ذُلِّي وَتَعَبِي، وَاغْفِرْ جَمِيعَ خَطَايَايَ. انْظُرْ إِلَى أَعْدَائِي لأَنَّهُمْ قَدْ كَثُرُوا، وَبُغْضًا ظُلْمًا أَبْغَضُونِي احْفَظْ نَفْسِي وَأَنْقِذْنِي. لاَ أُخْزَى لأَنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ” (مزمور 25 16-20).

“أَمَّا أَنَا فَأَرْجُو دَائِمًا، وَأَزِيدُ عَلَى كُلِّ تَسْبِيحِكَ” (مزمور 71: 14). (قارن أيضًا إشعياء40: 31، 43: 18-21، 49: 23، 58: 11).

ونجد في كتابات الرسول بولس بُعدًا جديدًا لمفهوم الرجاء المسيحي المبني على مواعيد الله في العهد القديم، والتي تؤكد أن الرجاء الذي لنا في إله الرجاء “وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي” (رومية 5: 5).

إلا أن الرسول بولس يضع الرجاء المسيحي في إطار أوسع يؤكد فيه أن الضيقات والصعوبات التي نمر بيها تلد فينا أملًا جديدًا ورجاءً مصدره محبة الله المنسكبة من خلال هبة وعطية الروح القدس. فالرسول بولس يرى أن الضيقات ليست مجرد معاناة بشرية ليس لها معنى، لكنها بالنسبة للمسيحي تصبح موضعًا للافتخار لأنها تنشئ صبرًا وتزكية للإيمان.

“الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا”. (رومية 5: 2-5).

وهنا نجد أن الرسول بولس يقدم الرجاء المسيحي من خلال منظور متكامل أساسه عمل المسيح في الفداء والذي يحرر الإنسان من عبودية الخطية ويحرر الخليقة من عبودية الفساد.

“لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟” (رومية 8: 24-25). فالرجاء المسيحي الذي حررنا من عبودية الخطية ونتائجها من الآلام ومتاعب يكتمل بصورة أشمل وأوسع معطيًا قدرة وصبر على احتمال المشقات في الحاضر، كما يعمل فينا بصورة أعظم لندرك أن للرجاء أبعادًا تتعدى الحاضر وتقودنا إلى انتظار الرجاء المبارك وظهور مجد الله. فالرجاء هنا “Transitional”؛ أي إنه ينقلنا من محدودية الحياة الحاضرة، مع متاعبها وهمومها، إلى أبعاد أعمق في معرفة الله فيها نختبر محبة الله وشركة الروح القدس الذي يشفع في القديسين لنصبح مشابهين صورة ابنه.

يأخذنا الرسول بولس إلى عمق جديد لإدراك ماهية الرجاء المسيحي؛ فالرجاء المسيحي يعطي بُعدًا جديدًا، بل يلقي الضوء على الهدف من المعاناة التي يجتاز فيها أولاد الله، والتي يصفها الرسول بولس بأقوى العبارات: “فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ” (رومية 8: 22)، كتعبيرٍ عن أصعب مراحل الألم؛ فالضيقات والأنين تصبح مصدرًا لشركة أعمق مع الله، فيها نعاين مجد الله بعين هذا الرجاء. المؤمنون الذين يئنون في أنفسهم يُزَكَّون بالصبر ويُكلَّلون بهذا الرجاء غير المنظور. ثم يُكمل بولس هذه الحقيقة التي تبعث الأمل والرجاء في قلوب المؤمنين، بتأكيده على أن الخليقة التي تئن مثل المؤمنين بسبب الخطية “سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (رومية 8: 21).

الرجاء المسيحي مرتبطٌ ارتباطًا تامًّا بالإيمان المسيحي والمحبة المسيحية؛ حيث يُكمل ويعضد كلٌّ منهم الآخر “أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ” (1كورنثوس 13: 13). “وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى” (عبرانيين 11: 1).

في نفس الوقت يؤكد الرسول بولس أن المحبة “تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (1كورنثوس 13: 7).

وكما أن الرجاء المسيحي مرتبط ارتباطًا عميقًا بالإيمان والمحبة المسيحية، كذلك الرجاء المسيحي مصدر فرح لأولاد الله “فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ، صَابِرِينَ فِي الضِّيْقِ، مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ” (رومية 12: 12).

هنا نستطيع أن نقول إن الرجاء المسيحي يعبِّر عن عمق وشمولية العلاقة مع إله الرجاء؛ فالضيقات والآلام تُزكي المؤمنين وتمنحهم صبرًا ورجاءً بتعضيد الروح القدس الساكن فيهم، حتى أن المؤمنين يفتخرون في الضيقات لأنها تقودهم لاختبار أعمق ليد الله. كما أن هذا الرجاء المبني على الإيمان يفيض بمحبة وسلام وفرح.

  • المسيح رجاؤنا

فإن كان الرجاء المسيحي مبنيًّا على إدراك أعمق أن “خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا” (2كورنثوس 4: 17)، وأن الأنين الذي يختبره أولاد الله انما يقود إلى الصبر والتزكية التي تُنشئ الرجاء غير المنظور، فإن مصدر هذا الرجاء هو المسيح المقام الذي أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم من أجل تبريرنا. فالمؤمنون لهم رجاء حقيقي؛ لأن خطاياهم قد غُفرت بدم المسيح الذي سُفِك لتبريرهم “وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أفسس 2: 6).

ويشرح الرسول بولس سبب الرجاء المسيحي الذي وصفه بأنه “الرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي” (رومية 5: 5). بتأكيده أن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطَى لنا. ثم يضيف بإيضاحٍ أكثر عن هذه المحبة الإلهية التي هي مصدر هذا الرجاء “وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رومية 5: 8)؛ فالمسيح هو رجاؤنا لأنه في محبته المتناهية دفع ثمن خطايانا على الصليب وجعلنا مُبرَّرين أمام الله. وهنا نرى اكتمال كلمات أليفاز التيماني أحد أصدقاء أيوب “فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا” (أيوب 5: 16).

لأن المسيح دفع ثمن الخطية على الصليب. المسيح رجاؤنا لأن “أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا” (إشعياء 53: 4)؛ فقبل الصليب ابتدأ يسوع يحزن ويكتئب وقال لهم: “نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ” (متى 26: 37)، وعلى الصليب صرخ بصوت عظيم: “«إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟” (متى 27: 46) كتعبيرٍ عن قمة الألم لترك الآب الذي أحبه وهو واحد معه.

نعم لقد اشترك المسيح مع المؤمنين في عمق آلامهم وأحزانهم، بل وحملها معهم وعنهم؛ فجراحه ضمدت جراحاتهم “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إشعياء 53: 5). “لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ” (أفسس 1: 12). ويجب علينا أن نعيش لمدح مجده “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أفسس 1: 18 قارن أفسس 4: 4).

ورجاؤنا في المسيح يُكمل بانتصارات القيامة؛ فقيامة المسيح من الأموات تؤكد لنا أنه يوجد رجاء وحياة بعد هذه الحياة الحاضرة. وهكذا نأتي إلى شمولية الرجاء الذي يبدأ بعمل المسيح في الفداء ويكتمل بالرجاء في الحياة الأبدية. “إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ” (1كورنثوس 15: 19). لذلك لا نحزن كالباقين (كسائر العالم) الين لا رجاء له في القيامة والحياة الأبدية. “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ” (1تسالونيكي 4: 14).

نعم الرجاء المسيحي رجاء حي وحقيقي؛ لأنه وسط أتعاب الحياة ومَشَقَّاتها، نستطيع أن نرفع أعيننا بثقةٍ في عمل المسيح الذي فدانا بدمه وتحمَّل آلامنا واشترك فيها، بل وأقامنا معه، وأعطانا رجاءً في السماويات. “مِنْ أَجْلِ الرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ لَكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّذِي سَمِعْتُمْ بِهِ قَبْلًا فِي كَلِمَةِ حَقِّ الإِنْجِيلِ” (كولوسي 1: 5) فالمسيح الذي فينا هو “رَجَاءُ الْمَجْدِ” (كولوسي 1: 27). “وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ” (متى 12: 21).

نعم لنا رجاء في هذه الحياة، إلا أن هذا الرجاء يكتمل في الحياه الأبدية؛ فنحن نعيش ونفرح ويكون لنا سلام بقوة هذا الرجاء “مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (تيطس 2: 13).

الموقف الرسميّ للطائفة الإنجيليّة في مصر تجاه الحرب على غزة:بيانات، صلوات، مساعدات

 

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

 

مقدمة:

تعرض هذه الورقة لموقف الكنيسة الإنجيليّة في مصر متمثلةً في رئيس الطائفة الدكتور القس أندريه زكي، والبيانات التي صدرت من رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، هذا الموقف يتفاعل مع الأحداث، ويطالب بالعدالة والمساواة، واحترام الحقوق والحريات، وإقرار السلام والأمن.

 وهذا الموقف لا يقف عند البيانات التي تدين فقط، ولكن يمتد لرفع الصلاة إلى الله ليتدخل وفي نفس الوقت تقديم المساعدات في حدود المتاح والممكن. هذه المواقف والبيانات التي صدرت موجودةٌ ومتاحةٌ على منصة التواصل الاجتماعي Facebook الموقع الرسمي لرئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، وهي الصفحة الرسمية الناطقة باسم رئيس الطائفة الإنجيلية د.ق أندريه زكي.

ويمكن قراءة هذه الوثائق الهامة في ضوء المواقف الأخرى التي صدرت عن مؤسساتٍ دينيةٍ مسيحيةٍ أو إسلاميةٍ، مثل: مجلس كنائس الشرق الأوسط، مجلس كنائس مصر، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الكنيسة القبطية الكاثوليكية، لمعرفة الموقف الديني الداعم للسلام والعدالة.

تحتوي هذه الورقة على مقدمة، ثم عرض لكافة البيانات والمواقف الخاصة بموقف الكنيسة الإنجيلية في مصر منذ 7 أكتوبر 2023م، وحتى الآن، مُرتَّبة حسب تاريخ صدورها، وهي في ذاتها مادة خام تحتاج إلى تحليل ودراسة، ثم نعقبها بخاتمة.

***

القاهرة في ٨ أكتوبر ٢٠٢٣م

رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر:

  • نؤمن بأن الله قادر على تهدئة العاصفة
  • نقف خلف الدولة المصرية ونثمّن موقفها الأصيل للحفاظ على الأرواح وحقوق الشعب الفلسطيني
  • نصلي من أجل أن يُحل اللهُ السلامَ والطمأنينة والهدوء على جميع دول العالم

ــــــــ

تعبر الطائفة الإنجيلية بمصر، وعلى رأسها الدكتور القس أندريه زكي، عن إدانتها لكافة أشكال العنف والصراع المسلح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وما تسبب في اعتداءات على عدد كبير من المدنيين الأبرياء.

ونؤكد أننا نقف خلف الدولة المصرية، وموقفها الأصيل في الحفاظ على الأرواح وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، ونثمن الدور المحوري المصري في التدخل والتفاعل مع الأزمة، وندعو الجميع إلى الاستماع لصوت العقل والحكمة في التعامل مع كافة الأطراف، ونؤمن بأن الله قادر على تهدئة العاصفة، ونصلي من أجل أن يُحل اللهُ السلامَ والطمأنينة والهدوء على جميع دول العالم.

الدكتور القس أندريه زكي

رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

***

في 14 أكتوبر 2023م

رئيس الطائفة الإنجيلية: التدخل المصري في محاولة وقف العنف ودعم وإغاثة الفلسطينيين هو الأكثر عقلانية

ثمنت الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، بقيادة الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، الدور الوطني الذي يقوم به التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي، والذي يأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتقديم الدعم الفوري والإغاثة الإنسانية لدولة فلسطين الشقيقة، وهو ما يتم بشكل مستمر في إطار دعم وتضامن جمهورية مصر العربية تجاه الشعب الفلسطيني الشقيق لتخفيف حدة أحداث العنف الذي أدت إلى سقوط العديد من الضحايا والمصابين.

وقال رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية: التدخل المصري في محاولة وقف العنف ودعم وإغاثة الفلسطينيين هو الأكثر عقلانية، وموقف الدولة المصرية والقيادة السياسية في ظل تصاعد العنف يؤكد حرصها على سلامة البشر، والحفاظ على الأرض، أكثر من أي شيء آخر، كما يعكس علاقة الشعب المصري بالشعب الفلسطيني التاريخية، والتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي يمتلك القدرة على الإغاثة الإقليمية.

وانطلقت صباح اليوم القوافل الشاملة للتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي وحياة كريمة، والتي تضم قرابة 106 قاطرات، محملة بكمياتٍ ضخمةٍ من المساعدات الإنسانية، تتضمن ألف طن من المواد الغذائية واللحوم، و40 ألف بطانية، بجانب ما يزيد عن 50 ألف قطعة ملابس، وأكثر من 300 ألف علبة من الأدوية والمستلزمات الطبية، وذلك لدعم الأشقاء في فلسطين جراء أعمال العنف التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.

ومن جانبها قالت مارجريت صاروفيم، رئيس قطاع التنمية المحلية بالهيئة الإنجيلية، وعضو التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي: إن الهيئة الإنجيلية ساهمت بنحو 42 طنًّا من المواد الغذائية الجافة، والتي تخدم حوالي 5000 أسرة، وذلك لدعم الأشقاء في فلسطين.

 

المصدر: https://www.cairo24.com/1883755

***

القاهرة في ١٧ أكتوبر ٢٠٢٣م

رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر: قصف إسرائيل لمستشفى الأهلي المعمداني بغزة تجاوزٌ للقانون الدولي وتعدٍّ على جميع القيم الإنسانية

تدين الطائفة الانجيلية بمصر، القصف الإسرائيلي لمستشفى الأهلي المعمداني في قطاع غزة، والذي أسفر عن سقوط مئات الضحايا الأبرياء والجرحى والمصابين من المواطنين الفلسطينيين.

ويعرب الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، عن حزنه الشديد إزاء استخدام العنف الوحشي غير المُبرَّر، وقصف منشآت مدنية، وهو ما يؤكد على تجاوز إسرائيل القانون الدولي والتعدي على جميع القيم الإنسانية.

***

القاهرة في ١٨ أكتوبر ٢٠٢٣م

الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر:

– نؤيد موقف القيادة السياسية من طرح قضية تهجير سكان غزة إلى سيناء المصرية، والتأكيد على أن هذه الفكرة ستُهدد السلام في المنطقة العربية، والسلام القائم بين مصر وإسرائيل.

– نرفض التعامل مع القضية الفلسطينية بالأدوات العسكرية أو من خلال تهجير الفلسطينيين قسرًا من أرضهم.

– انطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية والمجتمعية ساهمت الهيئة الإنجيلية تحت مظلة التحالف الوطني بنحو ٤٢ طنًّا من المواد الغذائية لعدد ٥٠٠٠ أسرة في طريقهم لدعم الأشقاء في فلسطين.

ـــــــــ

تؤيد الطائفة الإنجيلية بمصر، وعلى رأسها الدكتور القس أندريه زكي، كل ما جاء في تصريحات سيادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الأربعاء 18 أكتوبر 2023، حول خطورة تهجير سكان غزة إلى سيناء المصرية، والتأكيد على أن هذه الفكرة ستُهدد السلام القائم بين مصر وإسرائيل، كما نؤكد على رفض المصريين التعامل مع القضية الفلسطينية بالأدوات العسكرية، أو من خلال تهجير الفلسطينيين قسرًا من أرضهم، على أن يأتي ذلك على حساب الأرض المصرية، كما أننا نثق في أن الدولة المصرية ستظل على موقفها الأصيل في دعم الحق الفلسطيني المشروع على أرضه.

ونؤكد مجددًا بأننا نثق بأن مصر قادرة على استقبال المساعدات والتزامها بنقل تلك المساعدات لقطاع غزة عن طريق معبر رفح البري لدى سماح الأوضاع بذلك.

وانطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية والمجتمعية ساهمت الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، تحت مظلة التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي، بنحو ٤٢ طنًّا من المواد الغذائية الجافة، والتي تخدم حوالي ٥٠٠٠ أسرة، في طريقهم لدعم الأشقاء في فلسطين.

***

بيان سنودس النيل الإنجيلي في 18 أكتوبر 2023م

يدين بشدة المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر كافة الممارسات اللا إنسانية التي تحدث في فلسطين، وكل أعمال العنف التي يتعرض لها المدنيون، ونستنكر كل مظاهر العنف الانتقامي الذي أدى إلى قتل وجرح آلاف الأبرياء، وتدمير البنى التحتية والتهجير القسري. إن ما حدث من تدمير المستشفى المعمداني بغزة، والذي راح ضحيته الآلاف ما بين قتلى وجرحى، كلهم من المدنيين والمرضى، هو أمرٌ لا يتفق مع أبسط مبادئ الإنسانية، ويتعارض مع كل الاتفاقيات الدولية المتعلقة الخاصة بحماية المدنيين.

ويثمّن سنودس النيل الإنجيلي الدور الهام الذي يقوم به الرئيس عبد الفتاح السيسي، والحكومة المصرية، من أجل إيقاف الحرب واستتباب الأمن والسلام في المنطقة. كذلك نعظِّم الدور الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني في مصر، في جهود الدعم والإغاثة.

واختتم البيان: إننا ندعو الله جلَّ شأنه أن يسود السلام العادل والدائم في المنطقة، وأن يعزي الأسر المنكوبة، ويشفي الجرحى، وينزع الرعب وعدم الأمان من قلوب الخائفين، وأن يحفظ بلادنا من كل شر.

***

القاهرة في ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٣م

رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر عن قصف مبنى كنيسة الروم الأرثوذكس بغزة: انتهاك واضح للقانون الدولي لإحدى أعرق المؤسسات الدينية في فلسطين والوطن العربي

 نؤكد على أهمية الدور التاريخي لمصر قيادة وشعبًا في الحق الفلسطيني والتزام الدولة المصرية في دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة

تدين الطائفة الانجيلية بمصر، بأقوى العبارات، وعلى رأسها الدكتور القس أندريه زكي، القصف الإسرائيلي لكنيسة الروم الأرثوذكس، والذي طال أحد مباني الكنيسة التي تقدم خدمات إنسانية في مدينة غزة، وأسفر عن سقوط شهداء أبرياء وجرحى ومصابين من المواطنين الفلسطينيين.

ويعرب الدكتور القس أندريه زكي، عن قلقه العميق إزاء العنف الموجه للمناطق السكنية خلال الثلاثة عشر يومًا الماضية، والذي طال أمس أحد أعرق المؤسسات الدينية في فلسطين والوطن العربي، كنيسة الروم الأرثوذكس.

إن ما يحدث هو انتهاك واضح للقانون الدولي، من استخدام القوة العسكرية المفرطة، وقصف منشآت مدنية، وفرض حصار كامل على غزة يشمل وقف المياه والغذاء والكهرباء والوقود، الأمر الذي خلف الكثير من الخسائر في أرواح المدنيين ويشكل عقابًا جماعيًّا.

كما تؤكد الطائفة الإنجيلية بمصر على أهمية الدور المصري التاريخي، قيادةً وشعبًا، على موقفها في دعم الحق الفلسطيني المشروع على أرضه، وعلى التزام الدولة المصرية في دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة عن طريق معبر رفح البري.

***

القاهرة في ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٣م

الدكتور القس أندريه زكي يشارك شعب الكنيسة المعمدانية بالقاهرة في الصلاة من أجل الشعب الفلسطيني

ـــــــ

رئيس الطائفة الإنجيلية من الكنيسة المعمدانية بالقاهرة:

– بدون عمل الله لا قيمةَ لأي شيء

– نتضامن اليوم مع المستشفى المعمداني وكنيسة الروم الأرثوذكس في فلسطين ومع جميع عائلات وأهالي الشهداء الأبرياء والمصابين ونصلي اليوم من أجل السلام في فلسطين وأن يحفظ الله بلادنا الغالية وسلام الشرق الأوسط والعالم

– علينا ألا ننسى أبدًا دور نعمة الله المحوري في حياتنا

ــــــ

شارك الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، اليوم الجمعة، بمقر الكنيسة المعمدانية بالقاهرة، الصلاة من أجل الشعب الفلسطيني ومن أجل المعاناة التي يعاني منها أهالي غزة، وذلك بمشاركة عدد كبير من شعب الكنيسة المعمدانية، وبحضور القس خلف بركات، رئيس المجمع المعمداني، والقس عادل عزت، نائب رئيس المجمع، والأستاذ رامز عطالله، مستشار دار الكتاب المقدس، والدكتور القس منير صبحي، راعي الكنيسة المعمدانية بالخلفاوي.

 رحب رئيس الطائفة الإنجيلية بشعب الكنيسة المعمدانية بالقاهرة، معبرًا عن أهمية المشاركة اليوم والتضامن سويًّا في صلاة خاصة من أجل الأشقاء في فلسطين، وفي بداية كلمته قال الدكتور القس أندريه زكي: “بدون عمل الله لا قيمةَ لأي شيء، واليوم مع شعب الكنيسة المعمدانية بالقاهرة نتضامن مع المستشفى المعمداني وكنيسة الروم الأرثوذكس في فلسطين، ومع جميع عائلات وأهالي الشهداء والمصابين، ونصلي أيضًا اليوم من أجل السلام في فلسطين ومن أجل أن يحفظ الله بلادنا الغالية ومن أجل سلام الشرق الأوسط والعالم”.

 وأضاف رئيس الإنجيلية: “في وسط ظروف وتقلبات العصر الراهن، تواجه كافة المجتمعات حاليًا تحديات كثيرة على مستوياتٍ عدة، وعلينا يا أحبائي اليوم أن ننظر بإيمان نحو المستقبل، ويطمئننا الله دائمًا أن المستقبل بيديه، وهذه الثقة في مواعيد الله تجعلنا نشترك معه في العمل، ونحن مطمئنون تمامًا، وتزرع في داخلنا سلامًا وسط الاضطرابات والتحديات، ورجاءً وسط اليأس، ولا ننسى أبدًا دور نعمة الله المحوري في حياتنا”.

وفي نفس السياق، نظمت الكنيسة المعمدانية بالقاهرة اليوم لقاءً خاصًّا بمناسبة مرور ستين عامًا على تأسيسها تحت عنوان “شكر لحصاد الأمس ونظرة إيمان للغد”.

***

القاهرة في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٣م

رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر:

– نثمن جهود مصر الدولية في قمة القاهرة للسلام والمساهمة الصادقة في احتواء الأزمة الطاحنة في فلسطين.

– نؤكد عل ثقتنا والوقوف صفًّا واحدًا خلف الدولة المصرية وعدم التهاون في الحفاظ على سيادتنا وأمن بلادنا بإرادة المصريين وعزيمة قيادتنا السياسية.

ــــــــــ

تثمن الطائفة الإنجيلية بمصر، وعلى رأسها الدكتور القس أندريه زكي، جهود مصر الدولية في قمة القاهرة للسلام، والمساهمة الصادقة في احتواء الأزمة الطاحنة في قطاع غزة، وتراجع التصعيد العسكري الإسرائيلي، والذي راح ضحيته آلاف من المدنيين الأبرياء منذ ٧ أكتوبر حتى الآن.

كما تؤكّد الطائفة الإنجيلية على ثقتها، ووقوفها صفًّا واحدًا خلف الدولة المصرية، وعدم التهاون للحظة في الحفاظ على سيادة بلادنا وأمنها القومي، في ظل ظروف وأوضاع عالمية شديدة الخطورة، بإرادة شعبها وعزيمة قيادتها السياسية.

***

***

القاهرة في ١٧ يناير ٢٠٢٤م

رئيس الإنجيلية بمصر يدين القصف الإسرائيلي للكنيسة الإنجيلية الوطنية في بلدة علما الشعب بجنوب لبنان

ـــــــ

الدكتور القس أندريه زكي:

اعتداء واضح ومباشر على دور العبادة والمنشآت المدنية واستخدام القوة العسكرية المتهورة وغير المسؤولة أمام العالم

تؤكد الطائفة الإنجيلية بمصر على أهمية الدور المصري المخلص قيادة وشعبًا في محاولات وقف العنف الإسرائيلي ودعم الحق الفلسطيني

ـــــــــ

تدين الطائفة الانجيلية بمصر، وعلى رأسها الدكتور القس أندريه زكي، القصف الإسرائيلي الذي طال الكنيسة الإنجيلية الوطنية في وسط بلدة علما الشعب بجنوب لبنان، وأحدث أضرارًا كبيرة في منزل راعي الكنيسة القس ربيع طالب.

ويعرب الدكتور القس أندريه زكي، عن قلقه الشديد إزاء الاعتداء الإسرائيلي على المدنيين ودور العبادة، وقال: “ما يحدث هو اعتداء واضح ومباشر على دور العبادة والمنشآت المدنية، واستخدام القوة العسكرية المتهورة وغير المسؤولة أمام العالم، ونشر الخوف والذعر بين البشر، وهو الأمر الذي خلف الكثير من الخسائر في الأرواح”، مضيفًا: “تؤكد الطائفة الإنجيلية بمصر على أهمية الدور المصري المخلص، قيادةً وشعبًا، في محاولات وقف العنف الإسرائيلي، وموقفها الإنساني في دعم الحق الفلسطيني”.

***

القاهرة في ٢٣ مارس ٢٠٢٤م

رئيس الإنجيلية يشارك في إفطار المحبة بكنيسة مدينة نصر بحضور رموز المجتمع المصري

ـــــــ

الدكتور القس أندريه زكي:

في هذا الشهر الكريم يأتي التفاؤل والكرم

كلنا ثقة وتفاؤل بأن مصر ستعبر من التحديات إلى أرض الخير

مصر بشعبها العظيم سبيكة عصية على الكسر

اليوم ونحن معًا نطلق صرخة استغاثة للعالم من أجل أهلنا في غزة

نصلي أن يحل السلام إلى هذه المنطقة وينهي المعاناة وينشر السلام في العالم

ـــــــ

شارك الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، اليوم السبت، في الإفطار الرمضاني الذي نظمته الكنيسة الإنجيلية بمدينة نصر، تحت رعاية الدكتور القس عزت شاكر، راعي الكنيسة، وشارك بالحضور عدد كبير من القيادات السياسية والدينية والإعلامية والتنفيذية وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ.

ورحب الدكتور القس أندريه زكي، بجميع السادة الحضور، معربًا عن سعادته الكبيرة بالمشاركة في الإفطار الرمضاني، وقال: “في هذا الشهر الكريم يأتي التفاؤل والكرم، ونحن كلنا ثقة وتفاؤل بأن مصر ستعبر من التحديات إلى أرض الخير لأن مصر بشعبها العظيم سبيكة عصية على الكسر”، مضيفًا: “اليوم ونحن معًا نطلق صرخة استغاثة للعالم من أجل أهلنا في غزة ونصلي أن يأتي السلام إلى هذه المنطقة وينهي المعاناة، وينشر السلام في العالم”.

ومن جانبه قدم الدكتور القس عزت شاكر الشكر لجميع الحضور، وقال: “تمتلئ قلوبنا فرحًا ومحبة علاقتنا ممتدة لسنين طويلة، وإفطارنا معًا يعكس أصالة الشعب المصري”.

***

القاهرة في ٣١ مايو ٢٠٢٤م

الدكتور القس أندريه زكي يشارك في حفل تخريج الدفعة ١٥٣ لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

  • رئيس الإنجيلية: دارس اللاهوت يجب أن يكون مدركًا لتحديات المجتمع وصناعة السلام ليست سهلة وتتطلب تغييرًا في مواقفنا وتنقية ذواتنا
  • الدكتور ماهر صموئيل: القوة الخلاقة نعمة تمنح الحياة والفرح والسلام والحرية

ـــــــــ

شارك الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، اليوم الجمعة، في حفل تسليم الدرجات العلمية لخريجي الدفعة 153 من طلبة كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، بالكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، بحضور الدكتور القس عزت شاكر، رئيس سنودس النيل الإنجيلي، والدكتور القس يوسف سمير، رئيس مجلس إدارة كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة وراعي الكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، والدكتور القس صموئيل رزفي، عميد كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، والدكتور ماهر صموئيل، والدكتور القس جورج شاكر، نائب رئيس الطائفة الإنجيلية، والقس رفعت فتحي، الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلي، والدكتورة آن إميل، المدرس بكلية اللاهوت الإنجيلية.

وحضر الاحتفال أيضًا، فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو زيد الأمير، منسق عام بيت العائلة المصرية، نائبًا عن فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب، والأستاذ فريد زهران، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي والمرشح الرئاسي السابق، والسفيرة ماريان كوبيه، القائم بأعمال سفارة ليبيريا، والنائب إيهاب منصور، والنائب الدكتور فريدي البياضي، أعضاء مجلس النواب، والمهندس هادي لويس، عضو مجلس الشيوخ، والدكتور أمنحتب أمين، عضو مجلس البحوث الاقتصادية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والأستاذ الدكتور جرجس إبراهيم، أستاذ ونائب رئيس قسم اللاهوت بمعهد الدراسات القبطية، والأرشيدياكون عماد باسيليوس، ممثلًا عن الكنيسة الأسقفية، والأب فيليبس عيسى، راعي الكنيسة السريانية بمصر.

وفي كلمته، هنأ الدكتور القس أندريه زكي، الخريجين لحصولهم على الدرجات العلمية، متمنيًا لهم خدمة مؤثرة ومثمرة، وقال: “إن دارس اللاهوت يجب أن يضع في أولويات دراسته أحوال المجتمع الذي يعيش فيه من ظروف محلية وإقليمية ودولية، وأن يكون مدركًا للتحديات التي يواجهها المجتمع”، مؤكدًا “أن ظروف العالم الحالية من حروب وعنف تؤكد أنه عالم مفتقر للسلام، وأن مفهوم السلام يشتمل على الرحمة والمصالحة وبناء الجسور”، مؤكدًا “أن صناعة السلام ليست سهلة، بل تتطلب تحولاً في مواقفنا؛ إذ إن موقفنا الأول في وجه الصراع هو الانحياز إلى الجانب الأقرب إلينا، وموقفنا الأول في وجه العنف أو الظلم هو الانتقام”. مضيفًا “إن صناعة السلام تتطلب تنقية ذواتنا من التنميط والوصم ووضع الناس في قوالب”.

وفي خطاب الحفل، هنأ الدكتور ماهر صموئيل، خطيب الحفل، الخريجين، مؤكدًا أن الخريجين عليهم مهمة ومسؤولية استخدام علمهم ليكونوا نافعين للوطن والكنيسة. مضيفًا “أننا نعيش الآن في عالم منزوع السلام، وأن حدود بلادنا تشهد صراعات وحروب، وأن التاريخ البشري هو تاريخ ممارسة القوة بدون أخلاق”، مؤكدًا “أن القوة هي إمكانية التأثير، وهي القدرة على التغيير، وهي إمكانية التأثير بسبب القدرة أو المهارة أو التكليف”. مشيرًا إلى “أن الكتاب المقدس يشير إلى أن القوة تستخدم إما للخير أو الشر، وأن القوة كالعلم، بل العلم هو قوة، يجب توجيه استخدامه في وجود الأخلاق الصحيحة لممارسته”، مضيفًا “أن القوة الخلاقة نعمة، وتمنح الحياة والفرح والسلام والحرية والتطور”.

***

القاهرة في 23 يونيو 2024

رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في خدمة اجتماع الأحد بالكنيسة الرسولية بالشرابية

الدكتور القس أندريه زكي: الله له سلطان على كل التحديات والصعاب

شارك الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، في خدمة اجتماع الأحد، اليوم، بالكنيسة الرسولية بالشرابية. بحضور القس ناصر كتكوت، الرئيس العام للكنائس الرسولية بمصر، والقس ناشد غالي، راعي الكنيسة الرسولية بالشرابية.

وفي كلمته بعنوان “أنا هو لا تخافوا”، قال رئيس الطائفة الإنجيلية “إن العالم يعاني من حروب تسبب دمارًا وخوفًا، ويشهد العالم كله أزمات اقتصادية، وأن كل إنسان منا لديه مخاوفه وتحدياته”، مضيفًا “إن الرسالة التي يوجهها الله لنا في وسط كل هذا “أنا هو لا تخافوا”، لأنه هو من لديه السلطان على كل الأمور”.

***

خاتمة:

هذه البيانات الصادرة من الطائفة الإنجيلية بمصر متمثلة في الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة، في ظل الحرب على غزة، الصراع العربي الإسرائيلي المستمر قد عبرت عن حس وطني أصيل ورؤية إيمانية ولاهوتية وسياسية عميقة حملت الهم العام، والوقف بجانب القيادة السياسية المصرية الداعم للقضية الفلسطينية، وعبرت عن المشاركة والمناصرة للمواقف السياسية العربية والدولية تجاه هذه القضية، وإن كانت البيانات قد بدأت بالتأكيد على الإيمان بأن الله قادر على تهدئة العاصفة، ختمت بأن الله له سلطان على كل التحديات والصعاب.

كما أن هذه المواقف تعبر عن الدور النبوي للكنيسة في نقد كافة أنواع الظلم والشر وانتهاك حقوق الإنسان والاستخدام السيئ للسلطة، وتؤكد دائمًا على المناداة بالعدل والمساوة والحرية والكرامة الإنسانية والوقف بجانب الضعيف، وما زال صوت الله يدوي في منطقتنا: “قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ.” (مي 6: 8).

 

شذرات كتابية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب :الشيخ أسامة رشدي 

شذرة كتابية (1)

رافع وجهك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَفَعْتُ وَجْهَكَ فِي هَذَا الأَمْرِ أَيْضًا”

(تكوين 19: 21)

هل لديك طِلبةٌ لدى الرب إلهك؟

هل توسلت إليه من أجل استجابة لصلاتك؟

هل وضعت أمام عينيه أمرًا صعبًا وعسيرًا؟

إن كان لك كل هذه التضرعات والتوسلات فاطمئن، هذا هو وعده لك، لقد رفع وجهك في هذ الأمر، وهذا لا لأمانتك، بل لأمانته، لا لبرٍّ فيك أو صلاحٍ عملتهُ، بل لمحبةٍ في قلبه نحوك، دموعك لم يَنسَها، وأتعابك ذُكرت أمامه، المشقات والضيقات التي أصابتك الأيام الماضية هو رآها. نعم، يرفع وجهك ويسمع صراخك، ثق في حنانه ومحبته وأمانته؛ فصلاحه عظيم وأفكاره نحوك أفكار سلام لا شر (إرميا 29: 11)، وجُودهُ الذي ذَخَرُه لك عظيم (مزمور 31: 19)، وإنصافه لقضيتك سريعًا، ألم يكن وعده الصادق لنا: “أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلًا وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعًا! وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟» (لوقا 18: 7، 8) آمين.

 

 

 

شذرة كتابية (2)

صمتٌ إلهيّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«وَلِذَلِكَ يَنْتَظِرُ الرَّبُّ لِيَتَرَأَّفَ عَلَيْكُمْ»

(إشعياء 30: 18)

هل الرب ينتظر؟

نعم، ينتظر!

رأيناه ينتظر حتى مدّ إبراهيم يدهُ وأخذ السكين ليذبَحَ ابنه إسحاق! (تكوين 22: 10)، وينتظر ويصمتُ أمام أسئلة أيـوب المُحيرة عن الألـم! (أيوب 13: 22)،

وينتظر ولا يُجيبُ بكلمةٍ أمام صُراخ المرأة الكنعانية! (متى 15: 23)،

وينتظر ويمكثُ يومين عندما سمـع عن لعازر أنه مريض! (يوحنا 11: 6)،

 وينتظر على الجبل وحده والسفينة مُعذَّبة في وسـط البحر! (متى 14: 23).

في امتحانات إيمانك قد لا تفهم لماذا طلب الرب شيئًا غاليًا في حياتك مثل إبراهيم؟

 قد لا تفهم لماذا صمت الرب أمام ألم مثل أيوب والكنعانية؟

ولماذا انتظر الرب وأنت في ضيقةٍ وحيرةٍ مثل لعازر والتلاميذ؟

إنه ينتظر؛ لكنه لا يتأخر، إنه ينتظر؛ لكنه يترأف، إنه ينتظر؛ لكنه يتمجد.

إنه يتمجد عندما يكتمل إيمانك، وطاعتك، وثقتك به، نعم، يترأف بوعدٍ بعد امتحان، وبتعويضٍ بعد ألـمٍ، وبشفاءٍ بعــد صمتٍ، وبقيامةٍ بعد انتظـارٍ، وبهدوءٍ بعد هزيعٍ رابعٍ.

فثق بتوقيتاته وانتظر.

شذرة كتابية (3)

ترتيلة مع صوت العصافير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«عِنْدَ الْمَسَاءِ يَبِيتُ الْبُكَاءُ وَفِي الصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ.»

(مزمور 30: 5)

هل لك إيمان بإلهك أن إشراقة الصباح قد اقتربت؟

 قد يشتد عليك الليل بظلامه وإحباطه ويأسه، قد تسمع أصوات الناس من حولك يقولون لك: “الانتظار صعب، لا أمل، لا خلاص، لا رجاء، أين إلهك؟ أين ذراعه القديرة؟ أين يده الممدودة بالرحمة إليك؟” لكن لا يزال هناك صوتُ الإيمان الراسخ يدوي في نفسك: «تَرَجَّيِ اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلهِي» (مزمور 42: 11)، «إِنَّمَا ِللهِ انْتَظَرَتْ نَفْسِي» (مزمور 62: 1)، «وَالآنَ، مَاذَا انْتَظَرْتُ يَا رَبُّ؟ رَجَائِي فِيكَ هُوَ» (مزمور 39: 7). في كل هذا قد تبكي، تتوجع، تئن، تخور، لكن يبقى لك في إلهك أمانةٌ بلا حدود، لطف وإحسان لا يزول، مكافأة انتظارك محفوظة، ترنيمة فرح لنجاة عظيمة سيضعها الرب في فمك في صباح الخلاص، فانتظرها.

 

 

 

 

شذرة كتابية (4)

 

انطلاقة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«ثُمَّ مَضَتِ الْمَرْأَةُ فِي طَرِيقِهَا وأكلت ولم يَكُنْ وَجْهُهَا بَعْدُ مُغَيَّرًا.»

(صموئيل الأول 1: 18)

ما أروع ما تصنعه الصلاة فينا من تغيير! فحَنَّةُ المرأة الحزينة الروح والمُرَّة النفس، والتي سكبت نفسها في محضر الرب بصلاةٍ، وبكاءٍ ودموعٍ، وكانت شفتاها فقط تتحركان وصوتها لم يُسمع، خرجت من محضر إلهها مرفوعة الرأس مبتهجة النفس، وفى يدها وعدٌ بالاستجابة. لقد سمعت الخبر المُفرح: «اذْهَبِي بِسَلاَمٍ، وَإِلَهُ إِسْرَائِيلَ يُعْطِيكِ سُؤْلَكِ الَّذِي سَأَلْتِهِ مِنْ لَدُنْهُ» (آية 18)، لقد قبلت ببساطة وعد الرب لها، وعلمت يقينًا أنه سيقيم كلامه. لم تعد كئيبة الوجه، بل انطلقت في طريقها لبيتها متجددة القوة والإيمان.

 فامضِ في طريِقَكَ فَرِحًا مثلها؛ فصلاتك سُمعت؛ إلهك أصغى إلى تنهداتك، رأى دموعك، نظر إلى اتضاعك وانسحاقك، لن يكون وجهكَ من اليوم مُكمدًا. آمين.

ما دلالة خروج دم وماء؟

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: .ق. أمير اسحق

نحن هنا أمام آخر مشهد عن جسد المسيح قبل دفنه في القبر، وشهادة يوحنا بخروج دم وماء (مقدمًا الدم على الماء بحسب إنجيله)، وماء ودم (مقدمًا الماء على الدم بحسب رسالته الأولى) فما دلالة كل من الصيغتيْن؟

في قصة صلْب وموت المسيح يؤكد مرقس على تعجب بيلاطس عند سماعه نبأ موت المسيح سريعًا: “فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعًا. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟»” (مرقس 15: 44). ولم يسمح بإنزال جسد يسوع من على الصليب، ليدفنه يوسف الرامي، إلا بعد أن تأكد من واقعة الموت، بسؤال قائد المئة. لم تكن ظاهرة موت مصلوب غريبة على الجنود الرومان، فهذا أمرٌ مألوفٌ بالنسبة لهم. كانت عادة الرومان أن يتركوا أجساد المصلوبين معلقة على الصلبان حتى يموتوا على مهلٍ، فتنتن جثثهم وتصير مأكلًا للطيور الجارحة والحيوانات المفترسة. أما الشريعة اليهودية فقد قضت بأن ترفع أجساد المصلوبين عن الصلبان قبل حلول يوم السبت المقدس، حتى لا تحل بأرضهم المقدسة لعنة الجثث المصلوبة، لأنها تنجس الأرض بحسب (تثنية 21: 22-23).

كان ذلك السبت “عظيمًا“، لأنه ليس سبتًا أسبوعيًّا عاديًّا، بل سبت الفصح، أعظم سبوت السنة. أما الرومان فلم يبالوا كثيرًا بشرائع اليهود، لولا أنهم ألحوا على بيلاطس بأن تكسر سيقان المصلوبين قبل أن يحل ذلك السبت؛ لأن شمس يوم الجمعة قد آذنت بالغروب. لم يكن السبب هو غيرتهم في تقديس السبت، بل حقدهم على يسوع، وتأكيدًا لموته. فسألوا بيلاطس أن يتخذ وسيلةً سريعةً لإماتة المصلوبين الثلاثة، بأن تُكسر سيقانهم، مما ينتج عنه اختناقهم وتصفية أجسامهم من الدم، فتحدث الوفاة سريعًا.

 

الطعنة

جاءت فرقة من الجنود الرومان الخبراء المتخصصين في فحص المصلوبين؛ حيث كان بمقدورهم أن يميزوا بوضوح المصلوب الميت. فكسروا سيقان المصلوبيْن الآخريْن اللذيْن مع يسوع. ولما أتوا إلى يسوع، وجدوا أنه قد مات. فتقدم أحد الجنود، لتأكيد أنه مات فعلًا، وليس في حالة إغماء أو ادِّعاء، وطعن جنبه بحربته. وكأنه قال في نفسه: “إنْ لم يكن قد مات فعلًا، فطعْن جنبه هكذا كافٍ أن يذهب ببقية حياته”. ونستدل من (يوحنا 20: 27) أن تلك الطعنة قد أحدثت جرحًا عميقًا واسعًا في جنب يسوع، يكفي لوضع يدٍ. إذ قال لتوما: “هات يدك وضعها في جنبي”. كما نستدل أن الحربة قد نفذت بين ضلوعه وبلغت جدار قلبه.

هنا يشهد يوحنا، بشكلٍ لا مثيل له في روايات الإنجيل، أنه قد شاهد بعينيه خروج “دم وماء” من جنب جسد يسوع (الآيتان 34-35)، مقدِّمًا الدم على الماء. ويؤكد ويشدد أنه يقدم الحق لكي نؤمن به! فأي حق يقصد؟ هل هو موت المسيح؟ هذا الأمر لم يكن بحاجةٍ إلى شهادةٍ من يوحنا، لأن الحراس أنفسهم شهدوا بذلك. وهل الإيمان الذى يطلبه منا هو أن نؤمن بموت المسيح؟ هذا وضعٌ لا يحتاج إلى إيمان؛ لأنه النهاية الطبيعية لكل مصلوبٍ. فما هو وجْه العجب الذي رآه يوحنا في ذلك الحدث، حتى أنه يؤكده ويشدد عليه بكل تلك القوة؟ وما الأسباب التي دفعته لذكر ذلك؟ هل مجرد الدقة التاريخية، أمْ تقديم برهانٍ على حقيقة موت المسيح، التي كانت مثار شك في الأزمنة المبكرة؟ وهل هناك علاقة بين ما كتبه يوحنا في الإنجيل عن رؤيته دمًا وماءً خرجا من جنب المسيح المطعون، وبين ما قاله عن يسوع في رسالته الأولى أنه “أتى بماءٍ ودم”، مقدمًا الماء على الدم؟

 

سبب الوفاة على الصليب

سجَّل يوحنا بأمانة وبكل دقة، كشاهد عيان، السبب الفسيولوجي لموت يسوع على الصليب. لم يمت بسبب إنهاك جسده على الصليب، ولا بسبب الآلام التي اجتازها قبل الصلب. بل بسبب حزنه الشديد الذي أدى إلى انفجار جدار قلبه. كان من الثابت نشاطه العقلي والجسدي أثناء مراحل الصلْب، بما لا يدع مجالًا للشك أن موته لم يكن نتيجة نفاد قوته الجسدية. فجاءت طعنة الجندي الروماني بالحربة في جنبه، لتعلن للعالم أن سبب الوفاة هو انفجار جدار القلب. إن الدماء التى سالت من جنبه لم تكن دماء محبوسة ومخزونة داخل جسمه، ظلت هكذا إلى أن وجدت لها منفذًا فخرجت منه بشكلٍ طبيعي. فمن المعروف طبيًّا أن أي شخصٍ عند وفاته يبدأ التحلل والفساد يصيب جسده، وخلايا الدم هي أول الخلايا التى يصيبها الفساد بعد الوفاة مباشرةً. لذلك، يعبر عن الموت بالقول “سفْك الدم”.

من الناحية الفسيولوجية، لتفسير هذه الواقعة، فإن الدم الذي خرج من جراء طعنة حربة الجندي، لا بد أنه كان متجمعًا خارج القلب، قبل أن تفتح الحربة جنب يسوع. لأن هذا هو الوضع الوحيد الذي يجعل من الممكن خروج الدم والماء، كما جاء في شهادة يوحنا. هي ظاهرةٌ عجيبةٌ لم يستطع يوحنا أن يفسرها، لكنه قدم لنا مفتاحًا أكيدًا لمعرفة السبب الحقيقي لموت المخلِّص.

يوضح أحد علماء التشريح أن موت المسيح لم يكن بسبب آثار الصلب، بل نتيجة تمزق القلب أو انفجاره بسبب الأسى العميق والإجهاد النفسي الرهيب الذي تعرض له. كانت معاناة أي مصلوبٍ تستمر عادةً وقتًا طويلًا (24-28 ساعة) قبل أن تحدث الوفاة. فليس هناك سببٌ جسماني يبرر موت المسيح السريع على الصليب؛ حيث أنه مات بعد ست ساعاتٍ فقط من صلبه. فالموت الناتج عن انفجار وتمزق القلب يحدث نتيجة المعاناة النفسية الشديدة، وهو ما حدث سريعًا للمسيح وهو على الصليب.

هنا تحقق القول النبوي: “الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي” (مزمور 69: 20)، و”أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ” (إشعياء 53: 10). فالدم الذي يسري، بسبب تمزق وانفجار القلب، إلى غشاء التامور المحيط بالقلب، سرعان ما يتخثر مكونًا جلطة دموية، وينفصل المصْل عنه السائل “الماء”. لقد نفذت الحربة من بين أضلع صدر يسوع من أسفل إلى أعلى، حتى وصلت إلى جدار قلبه، فمزقت غشاء التامور، وأدت إلى إطلاق التجمع الدموي من داخل غشاء القلب. فكانت تلك الطعنة القاسية بمثابة عملية تشريح للجثة لمعرفة سبب الوفاة، الذي من دونه لا يمكن تحديد السبب الحقيقي للوفاة.

لقد تدفق الدم والمصْل السائل من الجرح الذي أحدثته الطعنة. أما الصرخة العالية التي ذكرتها الأناجيل الثلاثة الأولى: “فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ” (متى 27: 50، مرقس 15: 37، لوقا 23: 46)، والتي سبقت موته الفعلي، فهي علامة مميزة لحالات انفجار وانكسار وتمزق القلب. إن الوفاة في مثل هذه الحالة، تسبقها مباشرةً صرخةٌ مدويةٌ قويةٌ. هذا التفسير يعطينا بالتأكيد فرصةً عظيمةً أن ندرك عمق معاناة المسيح النفسية لأجلنا، لقد بلغت آلامه النفسية حدًّا حتى انفجر قلبه، بسبب تحمله لعنة الخطية، وهو القدوس البار، وهكذا تمَّم الفداء وقدَّمه للبشرية كلها.

يقول علماء التشريح أيضًا إن الوفاة يمكن أن تحدث بتمدد في الأوعية الدموية التي تحمل الدم من القلب لتوزعه على خلايا الجسم، تحت ضغط ضخ القلب. لهذه الأوعية خاصية المرونة، فتتمدد وتتقلص حسب قوة ضغط ضخ القلب للدم. لكن، إذا حدث ارتفاع في ضغط الدم لفترات طويلة، وصاحبه ارتفاع في الكولسترول، وعوامل أخرى، يحدث تمدد غير قابل للتقلص في أحد أجزاء الشريان الأورطي، الذي يأخذ الدم مباشرة من القلب، بحيث ينتفخ ويصبح مثل البالون. ومع مرور الوقت، يزداد ضعف هذا البالون، مما يؤدي إلى الانفجار المفاجئ في جدار القلب. هذا الانفجار عبارة عن تشقق يحدث في جدار الشريان الأورطي. وعندها يتدفق الدم من الشريان الأورطي نحو الصدر، ويؤدي هذا النزيف الشديد إلى حدوث الوفاة.

 

دم وماء

إن خروج “دم وماء” بسبب طعنةٍ في جسدٍ ميت ظاهرة غير طبيعية، الأمر الذي جعل يوحنا يؤكد صحته بقوة. أما الملاحظات المتكررة التي أجريت على الإنسان والحيوان، فقد دلت على بعض النتائج المهمة؛ فعند طعن الجانب الأيسر من الجسد، بعد الوفاة، بسكين كبيرة تساوي تلك الحربة، فقد سجلت النتائج التالية:

(تخرج قطرات قليلة من الدم المحبوس، ذلك ما يحدث في أغلب الحالات؛ يتدفق سيلٌ من الدم فقط من الجرح، وهو ما يحدث في حالات الموت غرقًا أو نتيجة التسمم؛ يتدفق ماءٌ فقط، تتبعه قطرات قليلة من الدم، في حالة انفجار القلب أو التهاب غشاء التامور؛ سيلٌ غزيرٌ من الماء يتبعه سيلٌ غزيرٌ من الدم من الجرح، وذلك في حالة المصلوب الذي كان مصابًا قبل صلبه بالتهاب رئوي أدى إلى احتقان الرئتيْن بالدم، كما في حالة الغرق أو التسمم؛ سيلٌ غزيرٌ من الدم يتبعه سيلٌ غزيرٌ من الماء من الجرح، وذلك نتيجة انفجار قلب المصلوب). النتيجة الأخيرة هي الحالة التي يصف بها يوحنا ما رآه بعد موت يسوع وهو على الصليب. لقد تدفق دمٌ ثم ماءٌ، وليس العكس. فلو كان المسيح حيًّا عندما طُعن جنبه بالحربة، لخرجت دفقات غزيرة من الدم فقط، مع كل نبضة في قلبه.

رأى بعض العلماء أن كلام يوحنا عن مشهد الدم والماء كلامٌ محوريٌّ. فرغم أن خروج دم من الجسم بعد الموت يُعد أمرًا غريبًا، ورغم أنها تبدو للوهلة الأولى ملاحظةً لا أهمية لها، إلا أنها عبارةٌ محوريةٌ في المقطع كله، فهذا ما حدث بالفعل. وبذلك أراد يوحنا أن يرد على افتراءات اليهود وغيرهم مؤكدًا أن المسيح مات فعلًا. وليقول للمؤمنين إنهم يعيشون في ظل فصحٍ جديدٍ منذ سال من جنب يسوع ينبوعان يعطيان الحياة: ينبوع المعمودية (الماء)، وينبوع العشاء الرباني (الدم). لذلك، نلاحظ أنه بدأ إنجيله بطريقة عملية باعتراف المعمدان أن يسوع هو حمل الله، وعمَّده في الماء (1: 29، 36). وانتهى بخبر موت يسوع، حمل الفصح الحقيقي الذي يحتفلون به في العشاء الرباني (الدم). لذلك، شدد على حدث الدم والماء بصورة واضحة كشاهد عيان، لأهمية ذلك الحدث، وما يحمله من مفهومٍ عميقٍ في حياة الكنيسة.

 

ماء ودم

هل هناك علاقة مباشرة بين ما شاهده يوحنا ورواه في إنجيله، وما كتبه في رسالته (1يوحنا 5: 6-7)؟ يقول الكتاب إنه “بدون سفك دمٍ لم تحصل مغفرةٌ”، ولا شك في أن الدم الذي سُفك من يديه ورجليه ورأسه، لا يقاس بالدم الذي انسكب من قلبه نتيجة انفجار جداره. لذلك قال يوحنا عنه: “هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ” (1يوحنا 5: 6). فما هو الدم والماء اللذان أتى بهما يسوع؟ لقد سببت هذه الآية إرباكًا شديدًا بين المفسرين، وقد قدمت ثلاثة تفسيرات رئيسة لهذه الآية:

الأول: الماء والدم هنا إشارة إلى سرَّي العهد الجديد: سر المعمودية الذي فيه يبدأ المسيحي حياته المسيحية وشهادته العلنية؛ وسر العشاء الرباني، الذي ينمو فيه المسيحي في الشركة والشهادة. وقد أيد مارتن لوثر وجون كلفن هذا الرأي. لكن، إذا كان الماء رمزًا يشير إلى المعمودية، فإن الدم سيكون رمزًا جديدًا للإشارة إلى العشاء الرباني لم يسبق استخدامه. هذا فضلًا عن أن موضوع يوحنا في رسالته الأولى ليس عمل المسيح الحالي، بل كان يتكلم عن مجيء المسيح الأول التاريخي، وما ارتبط به من شهاداتٍ.

الثاني: هناك علاقة بين قولَي يوحنا، الأول عن طعْن المسيح بحربة في جنبه، وخروج دم وماء، وهو ما سجله في إنجيله، وبين قوله في رسالته عن أن المسيح أتى بماء ودم، كلاهما مرتبط بالشهادة. لكننا لا نستطيع أن نقول إن يسوع “أتى” بماء ودم في ذلك الحدث، أو جاء بواسطتهما وعن طريقهما. لأن الواقع التاريخي أنهما خرجا من جنبه. وليس هناك تطابق بين الفقرتيْن بخصوص الشهادة. فيوحنا في إنجيله هو الذي يشهد لها، وفي الرسالة هي التي تشهد للمسيح.

الثالث: إن الماء يشير إلى معمودية يسوع، التي أعلن الله الآب بواسطتها شهادته عن ابنه الحبيب الذي به سُرَّ، وبعدها بدأ المسيح إرساليته وتزوَّد بالقوة الإلهية لأجل تلك الإرسالية. أما الدم فيشير إلى موته الذي ختم به تلك الإرسالية وتوَّجها، حيث شهد له الآب أيضًا بقبول موته من خلال الأحداث الطبيعية التي رافقت موته على الصليب. وهكذا استخدمت الكنيسة الأولى تلك الرموز اللفظية “الدم والماء” للتعبير عن هذه الحقائق اللاهوتية. وهذا هو الرأي الأرجح، بحسب وجهة نظرنا.

فبينما قدم يوحنا الدم على الماء في إنجيله؛ لأن الدم أثقل من الماء فسال أولًا، قدم في رسالته الماء على الدم، ليشير إلى زمن تجسد المسيح الذي بدأ بمعموديته وانتهى بسفك دمه، من جانبٍ، وليشير إلى حياة المؤمنين التي تبدأ بإشهار الإيمان في المعمودية، وتستمر في الشركة مع المسيح ومع المؤمنين، والشهادة للمسيح، من خلال ممارسة العشاء الرباني، من جانبٍ آخر.

قد نتعجب من تشديده في القول: “هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ” (1يوحنا 5: 6). كانت أمام يوحنا هرطقة تقول إن يسوع الإنسان يختلف عن المسيح؛ فالمسيح حل على يسوع عند معموديته في الماء، وظل معه في تعاليمه ومعجزاته، لكنه فارقه عندما مات على الصليب وسالت دماه. وهم بذلك يرفضون الطريقة التي دخل بها المسيح إلى العالم، أيْ ميلاده العذراوي المعجزي. ويرفضون أيضًا الطريقة التي خرج بها جسده من العالم، أيْ قيامته من الأموات. لذلك، شدد يوحنا، في تعليمه المؤمنين، على أن يسوع هو المسيح ابن الله، وقد بدأ إرساليته منذ معموديته بالماء، حيث شهد له الآب، وختمها وتوَّجها بموته على الصليب. فليس بالماء فقط، بل بالماء ثم الدم أيضًا، الذي شهد له الآب أيضًا من السماء، بما حدث في الطبيعة.

 

وهكذا أراد يوحنا أن يثبت لنا عدة حقائق على درجة عالية من الأهمية:

  1. إن ساقَي المسيح لم تُكسَرا، إتمامًا للنبوءة “يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ” (مزمور 34: 20).
  2. إن أحد العسكر طعن المسيح في جنبه، ما يؤكد أنه مات بالفعل.
  3. خرج من جنبه دم وماء، إثباتًا لموته، من جانبٍ، وإيضاحًا لسبب موته، من جانبٍ آخر. وهي فرصة عظيمة لنا أن ندرك عمق معاناة المسيح النفسية لأجلنا، التي بلغت حدًّا حتى انفجر قلبه، بسبب تحمله لعنة الخطية وعارها بدلًا منا، وهو القدوس البار، وهكذا تمَّم الفداء للبشرية كلها.
  4. أثبت يسوع بذلك أنه المسيح، لأنه بحوادث موته تمت النبوءات.
  5. الذين طعنوه، أو تسببوا في طعنه، سوف ينظرون إليه (زكريا 12: 10)، إما نظرة الإيمان والتوبة على خطاياهم، فيخلصون ويتمتعون بالحياة الأبدية، وإما أن ينوحوا على هلاكهم الأبدي في يوم الدين (رؤيا 1: 7). فمن ينظرون إلى جنبه المطعون المجروح لأجلهم نظرة الإيمان، في كل عصر، سوف يخلصون ويجدون برهانًا عظيمًا على محبته إياهم محبةً تفوق الوصف.

بالدم والماء الجارييْن من جنبك

بجسمك المكسور.. بدمك المسفوك..

بجنبك المطعون.. وجسمك المنهوك

غَفَرْتَ سيدي خطايا عبدك

 

قيمة ميخائيل نعيمة بالنسبة للكنيسة كما يبرزها مثال روايته «اليوم الأخير»

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. إيفان بافلي

ميخائيل نعيمة (١٨٨٩- ١٩٨٨) هو كاتب عربي شهير من لبنان. وُلد في عائلة مسيحية ودرس في دار المعلمين الروسية بالناصرة، ثم في المدرسة اللاهوتية ببولتافا (أوكرانيا الحالية). في نهاية دراسته هناك، رفض الكنيسة بقناعة قوية بأن الكنيسة ابتعدت عن المسيح وأصبحت عدوة له. في إخلاصه للمسيح، غالبًا ما عبّر نعيمة عن حقائق كتابية عميقة -أحيانًا باقتباسات مباشرة من الكتاب المقدس، وأغلب الأحيان بأسلوب مبتكر، مقدِّمًا إياها في أشكال فنية عالية وبطريقة تتردد صداها في المجتمع بالبلدان العربية. هذا هو الجانب المفيد في رفض نعيمة للكنيسة لأنه لو بقي في الكنيسة لكان من الصعب عليه إقامة حوار مع المجتمع. عادةً ما يكتب المؤلفون المنتسبون للكنيسة للمسيحيين باعتبارهم القرّاء الأساسيين لهم، وسائر المجتمع يعتبرون كتبهم «دينية» وغير متعلَّقة بهم.

في هذه المقالة سأشارك بعض اللمحات من تحليلي المُوجّه نحو الكنيسة لرواية «اليوم الأخير» لنعيمة لأبيِّن أنه بدلًا من أن تبتعد الكنيسة عن مؤلفين مثل نعيمة، يجب أن تَعتَبِر أعمالهم ثروةً وتستخدمها لحوار أفضل مع المجتمع. ومن أهم الموضوعات التي يطرحها نعيمة في كتاب «اليوم الأخير» هي الانتقاد تجاه الكنيسة، وصلوات المسيحيين المتمركزة حول الذات، والجمال الروحي للمؤمنين المخلصين، والرؤية الرمزية للسير ضد المجرى في نفس القارب مع «اللامسمّى».

الكلمات المفتاحية: ميخائيل نعيمة، اليوم الأخير، ليو تولستوي، الكنيسة والأدب

Mikhail Naimy’s Value for the Church as Demonstrated by the Example of His Novel ’Al-Yawm ’Al-’Akhir (The Last Day)

Dr. Ivan Pavlii

 

Mikhail Naimy (1889–1988) is a famous Arab author from Lebanon. He was born in a Christian family and studied at the Russian Teachers’ Institute in Nazareth and later at the Theological Seminary in Poltava (present-day Ukraine). By the end of his study in Poltava, he rejected the church with a strong conviction that the church turned away from Christ and became His enemy. In his sincere devotion to Christ, Naimy often expressed profound biblical truths—sometimes by direct quotes from the Bible, but mostly in an original way, presenting them in highly artistic forms and in a way that resonates with society in Arabic-speaking countries. This is a silver lining in Naimy’s rejection of the church because it would have been difficult for him to establish a dialogue with society if he had remained in the church. Authors associated with the church usually write for Christians as their primary audience, and the rest of society views their books as “religious” and irrelevant to them.

In this paper, I will share some glimpses of my Church-oriented analysis of Naimy’s novel ’Al-Yawm ’Al-’Akhir (The Last Day) to demonstrate that instead of distancing itself from authors like Naimy, the church should use his works as an asset for a better dialogue with society. Some of the important themes Naimy raises in ’Al-Yawm ’Al-’Akhir are criticism of the church, Christians’ self-centered prayers, the spiritual beauty of sincere believers, and a symbolic vision of moving against the current in the same boat as the “Unnamed One.”

Keywords: Mikhail Naimy, The Last Day, Leo Tolstoy, Church and literature

المقدمة

ميخائيل نعيمة هو أحد أبرز الكتّاب في الأدب العربي الحديث. وُلد في عام ١٨٨٩ في قرية جبلية لبنانية اسمها بسكنتا في أسرة مسيحية (رومية أرثوذكسية). ولما كان ميخائيل ابن اثني عشر عامًا، سافر إلى الناصرة ودرس هناك في مدرسة أرثوذكسية روسية. فتخرَّج منها كأفضل تلميذ، وحصل على الحق في مواصلة دراسته في إحدى المدارس اللاهوتية في الإمبراطورية الروسية. وفي السادسة عشرة من عمره، وصل ميخائيل إلى مدينة بولتافا الأوكرانية، التي كانت ضمن الإمبراطورية الروسية في ذلك الوقت، للدراسة في مدرسة بولتافا اللاهوتية. بعد خمس سنوات، تخرج من المدرسة وعاد إلى لبنان. ولم يلبث أن سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة في إحدى الجامعات. وفي الولايات المتحدة، أصبح ميخائيل نعيمة أحد مؤسسي وقادة «الرابطة القلمية» العربية (مع جبران خليل جبران الشهير). في عام ١٩٣٢، عاد نعيمة إلى لبنان وسكن هناك حتى وفاته في عام ١٩٨٨ بعمر ٩٩ عامًا. لم يتزوج ميخائيل، ولم يكن له أولاد. ومال إلى العزلة والزهد والتصوف.

مرّت سنوات تكوين شخصية نعيمة من الثانية عشرة حتى الحادية والعشرين في بيئة اللغة الروسية، في مدرسة بالناصرة أولًا ثم في بولتافا. وبما أنه كان داخل المؤسسات الدينية الأرثوذكسية، فقد رأى سلبياتها، مثل مناصرة الإمبراطورية في حروبها وظلمها، والتركيز المفرط على الطقوس، واضطهاد المعارضين. فخلال تلك السنوات، أتقن ميخائيل الفتي اللغة الروسية إلى حد أنه بات قادرًا على كتابة أشعار جميلة بها. وبدافع حبه الهائل للفن الأدبي، قرأ ميخائيل كتبًا روسية وأوكرانية من مختلف الأنواع، ووجد فيها بديلًا مثيرًا عن معتقدات الكنيسة التي بَدَتْ له خاطئةً. وفي سيرته الذاتية بعنوان «سبعون» يصف نعيمة انطباعاته من مطالعة مؤلفات مكسيم غوركي:

«… غوركي في كتابه «الاعتراف»… يقول إنّه فتّش طويلًا عن الإله المسيحي فلم يجده في الكنائس، ولا في الأديار، ولا في مغاور المتعبدين والمتنسكين. هذا الكاتب الموهوب يستطيع بقلمه أن يجعل من الصحراء القاحلة خميلة غنّاء. لقد أحببت فيه الفنّان على قدر ما أحببت فيه عميق تفهمه للمصائب البشرية» (سبعون ١، ص ٣٤٤).

وأحد الكتّاب الذين أحبهم ميخائيل أكثر من غيرهم كان ليو تولستوي. فقد تأثر الشاب المسيحي اللبناني تأثرًا شديدًا بمؤلفات تولستوي بل وأشد تأثرًا بحياته. فكتب:

«…كان لي صديق آخر، وكانت يده القويّة تسندني من حيث أدري ولا يدري. فقد كان لا يعرف شيئًا عنّي، وأعرف عنه الشيء الكثير. وكنت أتتبّع بلهفة فائقة صراعه العنيف مع نفسه ومع العالم. فإذا ربح معركة شعرت كأنّني ربحتها. وإذا خسر معركة شعرت كأنّني أنا الذي خسرها. ذلك الصديق لم يكن غير نمرود «ياسْنايا بولْيانا» – ليف نيكولايفتش تولستوي… لقد استهواني تولستوي المفتّش عن حقيقة نفسه وحقيقة العالم من حواليه أكثر مما استهواني مؤلف «الحرب والسلم» و «آنّا كارينينا». فأنا كذلك كنت قد بدأت أفتش بمنتهى الجدّ عن حقيقة نفسي وحقيقة العالم الذي أعيش فيه» (سبعون ١، ص ٤٠٤-٤٠٥).

كما رأينا في هذه السطور، فإن نعيمة، في خيبة أمله من الكنيسة الأرثوذكسية وفي بحثه عن الحقيقة، وجد تولستوي شخصًا قريبًا من نفسه. لقد رفض تولستوي الكنيسة وقرر اتّباع طريقته الخاصة للمسيحية، وبمعتقدات وممارسات تختلف اختلافًا ملحوظًا عن معتقدات وممارسات المسيحية التاريخية. وبنهاية فترة إقامته في أوكرانيا، في الحادية والعشرين من عمره رفض نعيمة العديد من العقائد المسيحية وتوقف عن حضور القداسات الكنسية.

ومع ذلك، لم يصبح من أتباع تولستوي أيضًا، بل اختار أن يتبع المسيح بطريقته الخاصة. وبالمقارنة مع تولستوي، كان نعيمة مسيحيًّا أكثر صدقًا؛ فبينما كان تولستوي يرفض كل المعجزات ويعترض كثيرًا على الإيمان بألوهية المسيح، كان نعيمة على ما يبدو يؤكد على الأمرين معًا. وذكر في سيرته الذاتية انطباعاته من قراءة كتاب «حياة يسوع» لرينان، قائلًا:

«قرأت «حياة يسوع» لرينان… يبدو لي أن المؤلف الذي حاول أن ينزع صفة الألوهة عن المسيح عاد فألّهه عندما وضعه في مرتبة من الكمال البشري لم يرقَ إليها -ويتعذّر أن يرقى إليها- أيّ إنسان». (سبعون ١، ص ٣٥٦-٣٥٧).

وينهي نعيمة هذه الفقرة بالكلمات التالية:

«لقد كان الإنجيل -ولا يزال- عزائي الأوحد. وسيبقى كذلك». (سبعون ١، ص ٣٥٧).

كانت لدى تولستوي مشاعر مختلطة تجاه المسيح. لقد ذكر مكسيم غوركي في كتابه «الذكريات عن ليو تولستوي» قائلًا: «[يتحدث تولستوي] عن المسيح حديثًا سيئًا للغاية- لا يوجد في كلامه لا حماس ولا عاطفة، ولا شرارة واحدة من نار صادقة. وأعتقد أنه يَعتَبِر المسيح ساذجًا، مثيرًا للشفقة، ورغم إعجابه به أحيانًا، فإنه لا يحبه إلا بالكاد».[1] يتناقض هذا الموقف تناقضًا حادًّا مع موقف ميخائيل نعيمة من المسيح، وهو موقف مليء بالمحبة والإعجاب والإخلاص الشخصي.

في السبعين من عمره كتب نعيمة عن موعظة المسيح على الجبل ما يلي: «كنت -ولا أزال- أعتقد أن تلك العظة من أنبل وأسمى ما نطق به لسان» (سبعون ١، ص ١٨٧).

وقد قدم نعيمة في كتابه «المراحل» وصفًا مؤثرًا لصلب المسيح، مؤكدًا إيمانه بمعجزاته وموته وقيامته (وقد أنكر تولستوي كل ذلك). وقبل وفاته بزمن قصير كتب ميخائيل إلى ابنة أخيه ميّ نجيب نعيمة: «تقوم حياتي في هذه الأيام على ركيزتين: المسيح في السماء وميّ على الأرض».[2]

تحتوي مؤلفات ميخائيل نعيمة على بعض العناصر المسيحية الإيجابية، إلى جانب عناصر من النظرات الأخرى، مثل الكارما والتقمص والتصوف وغيرها. كان نعيمة مقتنعًا بأن الكنيسة ابتعدت عن المسيح وأصبحت عدوةً له. وفي إخلاصه للمسيح، غالبًا ما عبَّر نعيمة عن حقائق كتابية عميقة، أحيانا باقتباساتٍ مباشرةٍ من الكتاب المقدس، وأغلب الأحيان بأسلوب مُبتَكَر. يقدمها في أشكال فنية عالية وبطريقة تتردد صداها في المجتمع في البلدان العربية.

وكما يقول المثل، لرب ضارة نافعة. لو بقي نعيمة في الكنيسة، لكان من الصعب عليه إقامة حوار مع المجتمع. عادةً ما يخاطب الكتاب المنتسبون إلى الكنيسة المسيحيين باعتبارهم القراء الأساسيين لهم، وسائر المجتمع يعتبرون كتبهم «دينية» وغير متعلقة بهم. وبالنسبة للكنيسة، نعيمة هو الإنسان المبتدع، وبالتالي، فلدى الكنيسة أسباب وجيهة لتثبيط الناس عن قراءة مؤلفاته. ومع ذلك، فإني أعتقد أنه إذا سامحت الكنيسة نعيمة على بدعته واختارت البحث عن العناصر الإيجابية في كتبه، فستكتشف فيها ثروة تساعدها على حوار أفضل مع المجتمع. ومن هذا المنطلق، سأعرض هنا بعض هذه العناصر القيمة في رواية «اليوم الأخير» لنعيمة.

البحث

نُشرت رواية «اليوم الأخير» في عام ١٩٦٣ عندما كان المؤلف في الرابعة والسبعين من عمره. وهذه الرواية هي كتاب فلسفي على درجة عالية من الفن، وذو معانٍ فلسفية عميقة، وتتحدث عن «اليوم الأخير» لأستاذ فلسفة يُدعَى موسى العسكري. تتألف الرواية من ٢٤ فصلًا يسميها المؤلف «ساعات». تبدأ الرواية باستفاقة موسى العسكري في منتصف الليل بعد أن سمع صوتًا في حلمه يقول له إنه يودع يومه الأخير. وعلى الرغم من منصبه الرفيع في إحدى الجامعات، يعاني موسى من حياة صعبة: فقد هجرت زوجته منه لرجل آخر، وابنهما الوحيد هشام وُلِد معاقًا لا يستطيع المشي أو الكلام.

يملك موسى شهادة دكتوراه في الفلسفة، ولكن عندما يعلم أنه يودع يومه الأخير، يتبين له أن كل معارفه الفلسفية لا فائدة منها. ونحن إذ نشارك موسى العسكري في «يومه الأخير»، نختبر رحلةً مثيرةً من الأحداث غير المتوقَّعة والمعجزات التي تصاحبها تأملات موسى وتحوله.

وفي «الساعة الخامسة»، عند الفجر، بينما يواصل موسى تأملاته في الحياة والموت، يفكر في ما يحدث في المساكن والمتاجر والمعابد والمستشفيات والثكنات والمقاهي والملاهي والمحاكم والسجون. وبخصوص المعابد، يقول:

«وفي المعابد أرى بخورًا وشموعًا تحترق، وجباهًا تنطح الأرض، وأكفًّا ترتفع إلى فوق، وأيديًا تقرع الصدور، وشفاهًا تتمتم ابتهالات وتسابيح وضراعات. فلا أرى الجباه تشرق بالنور، ولا الأكفّ‏ تمتلئ بالخيرات، ولا الصدور تتطهّر بالبخور، ولا الشفاه تسيل بالبركات». (اليوم الأخير، ص ٥٢).

قد يتكون لدى القراء انطباعٌ بأن المؤلف كان مُحبَطًا من الكنيسة لدرجة أنه لم يَرَ فيها شيئًا إيجابيًّا. ولكن هذا ليس صحيحًا. فعندما عاش ميخائيل الشاب في أوكرانيا، تمتع بخبرة إيجابية في إحدى كنائس القرية، ووصفها في سيرته الذاتية على النحو التالي:

«الخوري والخورية، وابنان أحدهما أكبر مني والثاني في مثل سني، وكلاهما طالب في السمنار. ثم ابنة في الخامسة عشرة تدرس في «مدرسة الأبرشية» التي بقرب السمنار واسمها «ماروسْيا»- تلك هي العائلة التي نزلت في ضيافتها. وهي عائلة طيبة من جميع الوجوه… تخشعت عندما حضرت صلاة ليلة الميلاد في كنيسة القرية. فقد كانت الكنيسة بالمصلّين كالرّمّانة بالحبّ. وأكثرهم من الفلّاحين. إنّ خشوع أولئك الناس البسطاء هو الذي أدخل الخشوع إلى قلبي. عجيب هو الفلّاح الروسيّ[3] بإيمانه، واستسلامه للكنيسة، وبصبره على المشقّة والحرمان، وبمحبته لأرضه وتفانيه في الدفاع عنها…» (سبعون ١، ص ٣٥٢).

وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم ما رآه ميخائيل نعيمة في الكنيسة كان سلبيًّا وأكثر قادة الكنيسة الذين رآهم لم يكونوا قدوة صالحة لأتباع المسيح. وقد تُفهَم أقواله السلبية كتعميم، وفي هذه الحالة، هي مفيدة للكنيسة. فإن أعدادًا كبيرة من المسيحيين في الكنائس يكتفون بأداء الطقوس وهم يعيشون حياةً أنانيةً، ويسعون وراء الثروة المادية، ولا يتبعون تعاليم المسيح بجدية. في «الساعة التاسعة»، يتأمل موسى العسكري في هؤلاء الناس وينتقد صلواتهم بشدة:

«والغريب في أمرهم أنّهم لا يخاطبون ربّهم إلّا بصيغة الأمر والنهي. فكأنّهم الأسياد المطلقون، وكأنّه الخادم المطيع، الأمين:

«ربّنا،‏ هبنا العافية والقوة والثروة والجاه والبنين الصالحين. ربّنا، أغدق علينا الطيّبات من خيراتك. ربّنا، احفظ الأحياء من أحبّائنا، وارحم الذين ماتوا، وأسكنهم فسيح جنانك. ربّنا، انصرنا وارفعنا واخذل أعداءنا وأذِلّهم. ربّنا، اغفر لنا ذنوبنا، وردّ عنّا الكارثات، وأنزل علينا البركات.

والله في عُرْف الصالحين من الناس والطالحين هو أعدل العادلين وأرحم الراحمين. فكيف يمسك حقًّا عن صاحبه، أو يعطيه لغير صاحبه؟ إنّما ينال كلَّ مخلوق ما يستحقّه من خير ومن شرٍّ– لا أكثر ولا أقلَّ. ويناله من غير أن يطلبه، ومن غير أن يتوسّط له أحد في ما ينال وما لا ينال. وأيّ مجال للوساطة بين الله وبين مخلوقاته التي هي منه وفيه؟» (اليوم الأخير، ص ١٠٨-١١٠).

هذه الأفكار يمكن أن تكون مفيدةً أيضًا للكنيسة كتذكير بأن الصلاة ليست مجرد طلب أمور من الله؛ فالصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه والمعروفة بالصلاة الربانية تبدأ بكلمات مركزة على الله: «أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. ليأتِ مَلَكوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ…»؛ فهذه ليست طلبات (أفعال الأمر)، بل هي بالحري تركيز على علاقة شخصية مع الله («أبانا»)، وعلى قداسته، وعلى الخضوع لأمره («ليأتِ ملكوتك»)، وعلى الاشتياق إلى أن تتم مشيئته.

وعلينا أن نتذكر أن المسيح علمنا الصلاة على هذا النحو أولًا وقبل كل شيءٍ. إلا أن الصلاة الربانية تتابع بطلبات متواضعة بأفعال الأمر: «…خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، بَلْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ». (الكتاب المقدس، متى ٦: ٩-١٣) إذن، الصلوات التي ينتقد نعيمة المسيحيين بسببها هي أيضًا تتوافق مع مشيئة الله.

وقول نعيمة بأننا ننال ما نستحقه من خير ومن شرّ على أي حال، من غير أن نطلبه في الصلاة، هو أيضًا صحيح جزئيًّا فقط. إن المسيح يؤكد هذه الحقيقة، ولكنه في الوقت نفسه يأمرنا قائلًا: «اُطْلُبُوا فَيُعْطَى لَكُمْ». (الكتاب المقدس، متى ٧: ٧) وتتكرر هذه الحقيقة في رسالة يعقوب ٤: ٢: «…لَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لِأَنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ». ويأمرنا الله في رسالة بولس إلى أهل فيلبي ٤: ٦: «لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ». إذًا، عدم استخدام أفعال الأمر في الصلاة هو نوع من عصيانٍ لأمر الله.

ويجب ألا تُفهم انتقادات نعيمة لأولئك الذين «لا يخاطبون ربهم إلا بصيغة الأمر والنهي» بأنها تثبط المؤمنين عن الطلب في الصلاة. يمكن للكنيسة أن تستفيد من هذه الانتقادات بقبولها تذكيرًا بأن لا نتقرب إلى الله كما لو كان «موردًا» للاستفادة منه لعيش أفضل. يشبه التعامل مع الله بهذه الطريقة سحرًا لا علاقة. وينبغي أن تتقبل الكنيسة كلمات نعيمة كدعوة للتحول من حياةٍ متمركزةٍ حول الذات إلى محبةٍ حقيقيةٍ لله والتذكير بأن نصلي النصف الأول من الصلاة الربانية قبل الانتقال إلى الطلبات في النصف الثاني.

إلى جانب انتقاده اللاذع للمسيحيين الذين يصلون صلواتٍ أنانيةً، يقدِّر موسى العسكري الجمال الروحي للمؤمنين المخلصين الذين قد لا يكونون مثله في المعرفة، ولكنهم أعلى منه بكثير في علاقتهم مع الله بسبب صدقهم وإخلاصهم. عندما شُفِي ابنه هشام بمعجزة ذلك الصباح، هبت خادمتهم، الأرملة المسنة أم زيدان، وشكرت الله والسيدة مريم، فأسرعت إلى الوفاء بنذرها بشراء شمعتين كبيرتين ووضعهما أمام صورة مريم. كانت قد نذرت هذا النذر وهي تصلي من أجل شفاء هشام لعدة سنوات. ويستجيب موسى لهذا الأمر كما يلي:

«لقد كان بإمكاني أن أسخر بأمّ زيدان، فأسألها من أين لها الثقة بأن السيّدة -عليها السلام- هي التي حلّت العقدة في لسان هشام وردّت القوّة إلى ساقيه؟ ولماذا لم تفعل ذلك من تلقائها، ومن زمان، ومن غير أن تستدرّ أمّ زيدان عطفها بشمعتين كبيرتين؟ وإذا كانت لها القدرة على شفاء المرضى فلماذا لا تشفى كلّ مريض في الأرض، وهكذا تُغني الناس عن الطبّ والأطبّاء، والممرّضات والمستشفيات؟ أم إنّها لا تساعد إلّا الذين يسترضونها بشيء من الأشياء، ويستعطفونها بمذلّة تبلغ حدّ الانسحاق؟

كان بإمكاني أن أقول ذلك، وأكثر من ذلك لأمّ زيدان. ولكنّني، من بعد أن سمعت منها ما سمعت، ولمست من حرارة إيمانها ما لمست، وجدتني بين يديها كالطفل بين يدي عملاق. ووجدت جميع ما حشوت به رأسي من فلسفات يتناثر هباء في وجه نسمة من تقواها الساذجة، أو سذاجتها التقيّة. لقد كانت هي الدكتور في الفلسفة، لا أنا. وكانت شمعتاها أقوى من أيّ صاروخين يطلقهما العلماء إلى الفضاء الخارجيّ.

وشعرت أنّني كنت أولى بسخريتها منها بسخريتي». (اليوم الأخير، ص ١٠٦).

تظهر هذه الفقرة سمو المؤمنة المخلصة، ليس بفضل صحة عقائدها ومعرفتها، بل بفضل علاقتها الشخصية، ونذرها لله أو حتى للسيدة العذراء مريم باعتبارها جزءًا من قصته ووفاءها بنذرها بأمانة وإخلاص، وكل ذلك حبًّا لله ولقريبه، وليس بدافع الأنانية.

قرب نهاية الرواية، في «الساعة الحادية والعشرين»، ينام موسى ويحلم حلمًا غير عادي، حيث يريه رجلٌ نهرًا عظيمًا وعلى النهر مراكب كثيرة مختلفة الأشكال والأحجام، تجري في اتجاه المجرى. تمثل المراكب مؤسسات ومجتمعات ومجموعات مختلفة من الناس. وأحد المراكب يمثل الكنيسة:

«ورأيت بعد ذلك مركبًا في شكل معبد بديع الهندسة، وقد تعالت قبابه المذهّبة إلى السماء وراحت تتلألأ في الشمس بأنوار تبهر الأبصار. وسمعت ترانيم المصلّين تتدفّق من المعبد أمواجًا تلو أمواج:

«اللّهمّ نحن عبيدك. منك حياتنا. وفي يدك مماتنا. اللّهمّ اعطنا العافية، والثروة، والعزّة، والكرامة، والقوّة، والحرّيّة، وجميع أسباب السعادة. اللّهمّ مكّنّا من أعدائنا، ولا تمكّن أعداءنا منّا. اللّهمّ نحن أخلصنا لك العبادة فانصرنا. وأعداؤنا لم يخلِصوا لك العبادة فاخذلهم. اللّهمّ ادفع عنّا غضب الطبيعة وغضبك. وأجزل لنا الأجر في هذه الدنيا وفي الآخرة».

ولكنّ النهر لم يلبث أن جرف ذلك المعبد البديع وجميع مَن فيه إلى النفق حيث ابتلعتهم الظلمة وابتلعت صلواتهم. وتتالت أمام عينيّ أشكال وأشكال من المراكب والزوارق والقوارب. فهذا مصرف. وذلك معهد علمي. وهذه مزرعة. وتلك صومعة. إلى آخر ما هنالك من الأمور التي يتعاطاها الناس في حياتهم من يوم ليوم. وجميعها كانت تجري في النهر إلى حين ثم تبلغ النفق فتدخله وتختفي فيه». (اليوم الأخير، ص ٢٦٠-٢٦١).

ولما سأل موسى الرجل الذي عرض عليه هذه الرؤيا عن الغرض منها، قال له الرجل:

«- قصدي، كما سبق وقلت لك، أن ترى الجنازة الأبديّة. كلّ ما يجري في نهر الزمان ينتهي إلى نفق الظلمات. كلّ ما لا يثبت على حال مآله إلى الزوال.

قلت:

– وهل هنالك ما يثبت على حال؟

قال:

– إنّه الذي يُجري ولا يَجري. الذي يغيّر ولا يتغيّر». (اليوم الأخير، ص ٢٦٢).

في نهاية الرؤيا، يرى موسى ابنه هشام والرجل الغامض الذي يظهر في القصة باسم «اللامسمّى» يجذفان ضد المجرى!

«وبغتة انقطع سيل المراكب والزوارق والقوارب على صفحة النهر وأطلّ من النفق زورق صغير فيه رجلان.‏ وكان الزورق يجري ضدّ مجرى النهر، والرجلان اللذان فيه يجذّفان بمنتهى النشاط من غير أن يبدو في حركاتهما أيّ تردّد أو عياء أو وجل.

وما كان أشدّ دهشتي عندما اقترب الزورق منّي فتميّزت الرجلين اللذين فيه وإذا بهما اللامسمّى وولدي هشام! عندئذٍ، وعن غير وعيٍ منّي، انتصبت واقفًا ومددت ذراعيّ إلى الأمام كمن يحاول أن يقفز إلى الزورق المنطلق نحو منابع النهر، ثمّ صحت بكلّ ما في حنجرتي من قوّة:

«هشام! خذني معك!»» (اليوم الأخير، ص ٢٦٣)

وبناءً على ما نعرفه عن حياة نعيمة الشخصية، ومعتقداته الثيوسوفية، يمكننا أن نفترض أن هذه الرؤية للمجموعات المختلفة من الناس التي تدخل في نفق الظلمات قد تكون مرتبطة بفكرة الكارما والتقمص. ومع ذلك، يمكن للكنيسة أن تفسّر هذه الصورة بطريقة إنجيلية لا على أنها كسر للكارما بل على أنها اتّباع للرب. فدعوة المسيح إلى اتباعه هي دعوة للسير ضد المجرى. وبالنسبة للمسيحيين، السير في اتجاه المجرى ليس خيارًا. لقد دعا المسيح أتباعه «مِلْحَ الأَرْضِ، وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ ٱلْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لَا يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلَّا لِأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ ٱلنَّاسِ». (الكتاب المقدس، متى ٥: ١٣).

إن رؤية العالم كله، بما في ذلك المؤسسات المسيحية، وهو يدخل في نفق الظلمات، يمكن أن تُفهم على أنها صورة الواقع المأساوي للملح الذي فسد وفقد طعمه. قد تكون رؤية هشام واللامسمّى يجذفان ضد المجرى بكل قوتهما رمزًا للمؤمنين الحقيقيين الذين هم في نفس المركب مع المسيح، يتبعونه بإخلاص، رافضين التوافق مع هذا العالم الذي يتحرك بالمال، والسلطة، والجاه، والملذات، والشهوات الأنانية.

على الرغم من كل عيوبه، يظهر موسى العسكري نموذجًا لشخص يجري ضد المجرى. في «الساعة الخامسة عشرة»، يتخلى عن حقه في الكنز الذي وجده في قطعة أرضه، مقتبسًا كلمات المسيح: «لِأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا». (الكتاب المقدس، متى ٦: ٢١).

في الساعات التالية، يخاطر موسى بالقبض عليه، ولكنه مع ذلك يفعل كل ما في وسعه لإنقاذ حياة رجل جريح. ولحسن حظ موسى، لا يموت الرجل، بل يعود إلى رشده ويخبر الشرطة بما حدث، ويُطلق سراح موسى. ونتيجة لمثل هذه الاختبارات، تتغير حياة موسى، ويقرر بدء حياة جديدة، والانضمام إلى هشام واللامسمّى في السير ضد المجرى.

الختام

على الرغم من كل معتقداته الخاطئة، كان نعيمة باحثًا عن الحقيقة ومحبًّا للمسيح بكل تأكيد. وقد كان رفضه للكنيسة مرتبطًا بالأمور السلبية التي اختبرها في الكنيسة وبتأثير بعض المؤلفين الروس المعروفين الذين خاب أملهم في الكنيسة كالأديب العظيم ليو تولستوي. ونحن الكنيسة بإمكاننا أن نرفض نعيمة باعتباره مبتدعًا ونرفض قراءة مؤلفاته، ولكن من الأجدى لنا أن نعترف بذنبنا في إبعاد أمثال نعيمة عن الكنيسة لأنه لم يَرَ نور مجد الله ساطعًا في المؤمنين.

وفي بعض الأحيان، يكون انتقاد نعيمة للكنيسة عادلًا وقيِّمًا بالنسبة لنا. وفي أحيانٍ أخرى تكون رسالته قريبةً من رسالة الرب في الكتاب المقدس وتتجاوب مع أولئك الذين لا يرضون بهذا العالم ويرغبون في القيم السماوية. وحين نتناول مؤلفات نعيمة من هذا الجانب، فربما تكون مؤلفاته ثروة جديدة للكنيسة في جهودها لتحسين الحوار مع المجتمع.

المراجع

١. ميخائيل نعيمه. سَبعون… حِكَاية عُمْر ١٨٨٩ – ١٩٥٩. المرحَلة الأولى ١٨٨٩ – ١٩١١. نوفل، بيروت، ٢٠١١

٢. ميخائيل نعيمه. اليوم الأخير. نوفل، بيروت، ٢٠١٧

٣. الكتاب المقدس، ترجمة فان ديك، https://ebible.org/arb-vd/

التعريف بالمؤلف:

Ivan Pavlii is a Ukrainian scholar, translator, and literature researcher. He earned his Ph.D. in literature from Baku Slavic University in Azerbaijan and published his research on connections between the Bible and Turkic literature in two literary works. Currently, Pavlii is conducting Church-oriented comparative studies of modern Arabic literature and developing a methodology for such studies.

إيفان بافلي هو عالِم ومترجم وباحث أدبي من أصل أوكراني. حصل على درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة باكو السلافية في أذربيجان، ونشر بحثه عن الصلات بين الكتاب المقدس وروايتين من الأدب التركي. يقوم بافلي حاليًا بإجراء دراسات مقارنة  عن الأدب العربي الحديث وتطوير منهجية لهذه النوعية من الدراسات التي تهدف إلى خدمة الكنيسة.

[1]  راجعhttps://arvindguptatoys.com/arvindgupta/rus-gorky-tolstoy.pdf . الأصل الروسي: “о Христе [он говорит] особенно плохо — ни энтузиазма, ни пафоса нет в словах его й ни единой искры сердечного огня. Думаю, что он считает Христа наивным, достойным сожаления и хотя — иногда — любуется им, но — едва ли любит” (М. Горький, Собрание сочинений в тридцати томах. Том 14. Повести, рассказы, очерки, воспоминания, сказки, стихотворения (1912-1923). Гос. Изд. Худ. Литературы, М: 1951. стр. 257.

[2] راجع «عسل سنديان وما قاله ميخائيل نعيمة لابنة أخيه ميّ نعيمة»

 https://mirdad.app/articles/193/- عسل-سنديان-وما-قاله-ميخائيل-نعيمه-لابنة-أخيه-ميّ-نعيمه

[3]  يقصد نعيمة الأوكرانيين بـكلمة «الروس».

شذرات لاهوتية:أنواع الخبرة الروحية المسيحية

اسم الكاتب: ش. د. إيهاب الخراط

يحاول هذا المقال أن يقدم أولًا تعريفًا لما هي الروحانية، من وجهة نظر مسيحية، ثم يعرض لمعاني “الخبرة الروحية” وأخيرًا يستعرض ألوان الخبرة الروحية المسيحية.

 

أولًا: ما هي الروحانية؟

يقدم الطبيب النفسي الشهير سكوت بيك Scott Peck  تعريفًا للروحانية بالقول: “طريق الروحانية يتضمن تقبل المعاناة، والانفتاح على الجمال، والاستعداد لنضال شاقٍّ في سبيلٍ صاعدٍ نحو الحب الكريم المتفاضل gracious”. بينما يقترح عالم عملاق آخر هو ليون جيستينجر أن الروحانية: “هي بُعد ضامٌّ connective  للنفس والآخرين والعالم ولكينونة متسامية… وهي ما يقودنا إلى ما هو سر Mystery ويسمح لنا بأن نعيش النشوة ويدفعنا نحو التضحية بالذات”. بينما يتحدث عالم النفس واللاهوتي الوجودي بول تيليش عن “قوة فينا وليست منا” وهي ما يتعلق “بالاهتمام الأقصى” Ultimate concern.

آن هندرسون، العالمة الرائدة في مجال الاستردادية (المدخل الرئيسي للوقاية من الإدمان والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر) تقدم تعريفًا أبسط ولا يقل عمقًا فتقول: “الروحانية هي أن يكون لنا هدفًا يتجاوز أشخاصنا وعائلاتنا، وأن نقدر أن نستلهم قوةً مما أو ممن يتجاوز أشخاصنا لمواجهة ضغوط الحياة”.

ويوضح عالم النفس الواسع التأثير كين ويلبر أن هناك فرقًا بين الروحانية التي تنبع بما هو خارجنا exoteric ، والروحانية التي تنبع من داخلنا esoteric. ولذا هو وهندرسون وباقي من ذكرت يضعون تمايزًا بين “الروحانية” و”التدين”. التدين يتضمن الاعتقاد بتفسير نهائي لكيف وجد الكون ما هي غايته وكيف سينتهي، ومجموعة من الوصايا الأخلاقية، وشكلًا مؤسسيًّا لتنظيم وامتحان الخبرات الروحية، وتنظيم ودعم المسيرة الحياتية. وبهذه المعاني كلها يمكن للإنسان أن يكون “روحانيًّا” دون أن يكون متدينًا على الإطلاق، بل يتحدث البعض عن “روحانية إلحادية”. بينما يمكن للإنسان أن يكون متدينًا بلا روحانية. وبطبيعة الحال، يمكن أن يكون التدين إطارًا للروحانية أيضًا.

لعل الـ 12 خطوة هي من أهم -إن لم تكن أهم- سُبُل التعافي من الإدمان. وهي تقوم على “قوة أعظم منا” هي “الله كما يفهمه كلٌّ منا”، وبالتالي تنفتح على كل الديانات، وتسمح حتى لغير المؤمنين بأي ديانة أن ينضموا لها. لكنها تضع معايير خاصة أيضًا لنوعية روحانيتها؛ فهي تتحدث عن “إلهٍ مُحِبٍّ يعتني بنا”، ونعرفه في ضمير مجموعاتنا، ويدعونا لخدمة الآخرين، وعمل جردٍ جَسورٍ للطبيعة الحقيقية لعيوب شخصياتنا، وطلب من الله أن يغير هذه العيوب.

ومن هذا المنطلق، يمكن تصور روحانية غير مرتبطة بأي دين، بل هناك من يدعو إلى روحانية ملحدة، كما في كتاب أندريه كومت- سبونفيل   Comte-Spoobville بهذا العنوان مثلًا، وهي تتمثل في السعي نحو ما هو دال، وإنشاء تواصلات واختبار التعجب amazement  في الكون المفعم بالطاقة.

أما من وجهة النظر المسيحية فالروحانية كما في كل رؤية العالم من المنظور المسيحي- ترتبط بالمسيح نفسه: معرفته، التمثل به، الحياة فيه ومنه وله ومعه. هي أن يتصور المسيح في أذهان وقلوب وسلوك المسيحيين، ومن ثم فتعبيرات مثل قبول الألم والسعي للمحبة غير المشروطة وتذوق الجمال، ومثل أن نعيش لما هو أعظم منا، ونستمد قوة مما هو أو من هو أعظم منا، تجد في الروحانية المسيحية تحققها في العلاقة مع المسيح، مجد الآب وصورته، بالروح. الروح القدس هو الذي يمجد المسيح ويرشد للحق وليس غيره يمجد المسيح. إذن فمحبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان (أمانة) وداعة تعفف هي ثمر هذا الروح. لكن لعلنا كمسيحيين يشكِّل الكتاب المقدس فكرنا، ومن ثم يضع شكل روحانيتنا وهذا مفروغ منه. لكن لعلنا أيضًا نسعى لإثراء قراءتنا للكتاب وتفهمنا للمسيح المعلن فيه من خلال تتبع معاني الروحانية من خارج الكتاب أيضًا، وأسرع فأقول بما لا يتناقض مع الكتاب، بل بما يظل محكومًا به.

كثيرًا ما تنحدر “الروحانية” إلى تزمُّت ضيق (فريسية) أو تهويمات بلا محتوى ولا فعالية، ولا تبرأ المسيحية من هذه التشوهات. “روحانية” تكتفي من الأخلاقيات بالقشور أو بوضع قائمة من أخلاقيات البرجوازية المحافظة وضيقة الأفق.

 

ثانيًا: ما هي الخبرة الروحية؟

الخبرة الروحية إذن هي خبرة ذاتيةsubjecting  تتعلق لا بمشاعرنا الجسدية، بل بأفكارنا وأحاسيسنا الداخلية وتؤثر على قراراتنا وسلوكنا.

هي خبرة تؤدي إلى اتساع مداركنا ونمو وعينا، لكن بالضرورة وبحسب تعريفها، يجب أن تقود هذه الخبرة إلى مزيدٍ من الروحانية الأخلاقية أو التطبيقية كما قمنا بتعريفها. أي أن “الخبرة” إن لم تؤدِّ إلى القيم التي أسلفنا ذكرها، تكون خبرةً مشوهةً أو على أقل تقدير ناقصةً.

في علم النفس ما يُسمَّى خبرة الذروة Experience  Peak وهي حالة يشعر فيه الإنسان بمشاعر إيجابية (مثل الفرح أو الرضا أو السلام… إلخ) بينما ما يقوم به أو يؤدي به إلى هذه الحالة هو متسقٌ مع قناعاته   ويتفق مع مبادئه اتفاقًا كاملًا. وبطبيعة الحال قد تكون خبرة الذروة هذه روحانيةً متعلقةً بما هو أبعد من الإنسان/ الفرد أو إنسانية محضة؛ كنجاح في العمل، أو تحقيق مُنجَزٍ إبداعي، أو حتى خبرة رومانسية، أو تواصل وسط الأسرة أو أمام الطبيعة… إلخ.

خبرات الذروة تتضمن الخبرات الروحية (الصوفية أو المستيكية) لكن تتسع لتضم خبرات أخرى. لكن تعريفها ودراستها يتيحان فهمًا أعمق للخبرات الروحية عمومًا، كما يتيحان لنا تصورًا أكثر واقعيةً لفهم وتمييز الخبرات الروحية المسيحية. الخبرة الروحية هي نوع من خبرات الذروة توسع إدراكنا وينتج عنها تحول داخلي ووعي باتصالنا بما هو -أو من هو- أعظم وأكثر جلالًا وجمالًا منا.

فإذا سحبنا هذا التعريف على الخبرات الروحية المسيحية نجده منطبقًا، فيما عدا أنه في الخبرة المسيحية يكون اتساع الإدراك هو إدراكًا أوسع لمن هو الله في وجه يسوع المسيح والتحول الداخلي يجعلنا أقرب شبهًا بهذا الذي أدركناه. والجلال والجمال الذي نعانيه في هذه الخبرة هو جلال مجد وبهاء جمال الرب.

 

ثالثًا: ألوان وأنواع الخبرة الروحية المسيحية

  • من جهة السعي واللقاء

تبدو لنا الخبرات الكتابية الروحية واصفةً لثلاث درجات من الخبرة: العطش/ الشوق، ثم اللقاء، وأخيرًا الإرسالية.

  • العطش/ الشوق: “كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟” (مزمور 42: 1-2).

ليس الشوق لله مجرد “احتياج”، لكنه في ظني “خبرة روحية” في حد ذاته؛ من حيث إنه يربطنا بما هو أعظم منا، ويدفعنا له، ويثير فينا مشاعر وسلوكًا جديدًا بتفعيل تغيير داخل نفوسنا. بل إن هذا الشوق نفسه إن سكن باللقاء، يكون شوقًا ناقصًا؛ لأن اللقاء مع الله بقدر ما هو مشبع ويفعم القلوب بالرضا والسكينة هو أيضًا دافعٌ لمزيد من العطش ومزيد من التعلق بمعرفة ما لا يمكن إدراكه بالتمام في هذه الحياة.

  • اللقاء: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ” (2ملوك 5: 16).

“وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ” (2كورنثوس 3: 18).

إذن هذا اللقاء ليس فقط يملأ وعينا بحياة الرب وقلوبنا بالفرح به، بل هو أيضًا يغير أذهاننا وسلوكنا إلى شبه المجد الذي نلتقي به.

ج- الإرسالية:

“فَحَمَلَنِي الرُّوحُ وَأَخَذَنِي، فَذَهَبْتُ مُرًّا فِي حَرَارَةِ رُوحِي، وَيَدُ الرَّبِّ كَانَتْ شَدِيدَةً عَلَيَّ” (حزقيال 3: 14).

“ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي»” (إش 6: 8).

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ»” (يوحنا 20: 21-22).   

الإرسالية لا تعني ثبات المشاعر الإيجابية (الفرح والسلام)، لكن هذه المشاعر في سياق الخبرة الروحية تثبت الطريق أمام تحمُّل صعاب هذه الإرسالية، بل أن العطش واللقاء إن لم تتبعه إرساليةٌ يكون خبرةً روحيةً مُبتسَرةً أو ناقصةً.

  • من جهة موضع النفس أمام القدوس

قد ترتبط الخبرة الروحية بالسكينة/ السكون الصمت، أو ينتج عنها زعزعة الأساسات.

  • السكوت والصمت: “بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ. نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ” (مز 131: 2).

“بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُونِ تَخْلُصُونَ. بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ»” (إشعياء 30: 15).

“وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ. فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْمُغَارَةِ، وَإِذَا بِصَوْتٍ إِلَيْهِ يَقُولُ: «مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟»” (2ملوك 19: 12- 13).

  • ولكنه أيضًا يتحدث بالرعد والبروق “الرَّبُّ فِي الزَّوْبَعَةِ، وَفِي الْعَاصِفِ طَرِيقُهُ، وَالسَّحَابُ غُبَارُ رِجْلَيْهِ.” (ناحوم 1: 3).

“فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَة…” (أيوب 38: 1).

“… رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ… «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ مِنْ صَوْتِ الصَّارِخِ، وَامْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا” (إشعياء 6: 1، 3-4).

  • الوعي المغاير

كثيرًا ما تأتي الخبرة الروحية الكتابية في سياقِ ما يبدو أنه الوعي الطبيعي العادي، وكثيرًا أيضًا ما تأتي في سياقِ وعيٍ مغايرٍ: غيبة، أن يكون المرء مسبخًا (مخبوطًا على رأسه)، أو كأنه يحلم، أو كما لو كان يبدو عليه أن يهذي.

“كَانَ فِي سَنَةِ الثَّلاَثِينَ، فِي الشَّهْرِ الرَّابعِ، فِي الْخَامِسِ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَنَا بَيْنَ الْمَسْبِيِّينَ عِنْدَ نَهْرِ خَابُورَ، أَنَّ السَّمَاوَاتِ انْفَتَحَتْ، فَرَأَيْتُ رُؤَى اللهِ… وَإِذَا بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ… سَحَابَةٌ عَظِيمَةٌ وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ… وَعَلَى شِبْهِ الْعَرْشِ شِبْهٌ كَمَنْظَرِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ” (حزقيال 1: 1، 4، 26).

كل هذا حدث بينما حزقيال يمارس يومه المعتاد ببين المسبيين.

بينما في حالة يوحنا الرائي أتته الخبرة الروحية الفائقة أثناء كونه “في الروح”: “كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ… وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ” (رؤيا 1: 10، 16-17).

نلاحظ في كل هذه الخبرات الروحية المسيحية الكتابية أنه سواء كانت الخبرة مصاحَبة برؤى وأصوات صاخبة صارخة، أو كانت في سكون الوعي العادي، في كل أحوالها نجد لقاءً مع الله يغيِّر ويحوِّل حياة الملتقي مع الله تغييرًا في اتجاه البر والعدل والسلام، ثم ينتج عن اللقاء إرسالية ما أو مهمة ذات هدف واضح يتحقق. إذن عناصر الخبرة الروحية كلها نجدها متحققة.

  • الملء والسكنى

التلاقي مع المسيح بالروح خبرة يسميها الكتاب “الملء بالروح”، ونراها تحدث مرارًا وتكرارًا مع التلاميذ. وفي كل مرة أيضًا يحدث تغيير داخلي ثم تأثير حولهم في الأرض. وبينما يرى كثيرون أن سكنى الروح، أي الانفتاح على عمل الخبرات الروحية يحدث عند بداية الإيمان، يرى آخرون أن “إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً” (يوحنا 14: 23).

في كل الأحوال نجد أن الملء خبرة روحية -وليس مجرد خطوة باردة خالية من المشاعر- ترتبط “بإعلان روحي” [اتساع للمدارك ووعي مختلف] وينتج عنها ثمر [تغيير وتحول عميق] وتأثير [مسحة] في المجتمع حولها.

إذن هناك أيضًا خبرات تتشابه مع الخبرات الروحية المسيحية، لكن لا تتوفَّر فيها مقومات التغير الأخلاقي والتأثير الإيجابي في حياة مَن هم حول الذين اختبروا هذه الخبرات، ومن ثمارهم تعرفونهم؛ فمهما كانت درجة الانفعال وشدة المشاعر الإيجابية وقتها، تكون هذه الخبرات أيضًا مبتسرةً وناقصةً إن لم تكتمل فيها كل المقومات.

وفي النهاية يظل عطشنا وشوقنا وجهادنا ضد الزيف وضد خداع أنفسنا مستمرًّا في شوقٍ لسُكنى “لمعرفة القدوس”.                                    

 

صلاة سلام من مصر والعالم

اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي

يستطيعُ المطَّلِعُ ببساطةٍ ودونَ جهدٍ أنْ يدركَ كمْ منْ تحدياتٍ يواجِهُها العالمُ بأَسْرِه في عصرِنَا الراهنِ في ظروفٍ محليَّةٍ وإقليميةٍ ودوليةٍ؛ فنحنُ أمامَ عالمٍ تخنِقُه الأزماتُ وتطوِّقُهُ التحدياتُ من كلِّ جانبٍ، وتفوحُ في أركانِهِ رائحةُ الحربِ والعنفِ والقتلِ والدمارِ واستباحةِ الحياةِ الإنسانيةِ وغيابِ السلامِ.

هذا العالمُ إذًا، أيها الأحباءُ، متعطِّشٌ للسلامِ، مفتقرٌ للسلامِ.

لكن ماذا يَعني السلامُ؟!

إنَّ السلامَ مفهومٌ شاملٌ لا يقتصرُ فقطْ على زوالِ الصراعِ، بل يتطلَّبُ أيضًا التأكيدَ على تحقيقِ مجموعةٍ كبيرةٍ من مفرداتٍ، وقِيَمٍ، ومواقفَ، وعاداتٍ ترتكزُ على احترامِ مبادئِ السيادةِ والحرياتِ، بجانبِ احترامِ مبادئِ الحوارِ والتعاونِ، ونبذِ ثقافةِ العنفِ واستخدامِها.

يقترنُ السلامُ بالمصالحةِ وبناءِ الجسورِ، ولا سبيلَ للسلامِ إلا بالمصالحةِ.  

يَنتُجُ السلامُ أيضًا عنْ عملِ الرحمةِ؛ وعندما نعودُ إلى الكتابِ المقدسِ نجدُ مفهومَ الرحمةِ سائدًا؛ فقد وُصف الله مرارًا وتكرارًا بأنهُ “حافظُ العهدِ والرحمةِ” (نحميا 1: 5)، وأنه “رؤوفٌ ورحيمٌ وكثيرُ الرحمةِ…” (نحميا 9: 17، مزمور 145: 8)، وأنَّ “كلَّ سُبُلِ الربِّ رحمةٌ وحقٌّ…” (مزمور 25: 10)، وفي سفرِ هوشعَ، نجدُ اللهَ يضعُ الرحمةَ أولويةً على الذبيحةِ: “إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً” (هوشع 6: 6)، وهو القولُ نفسُهُ الذي اقتبَسَهُ السيدُ المسيحُ في عدَّةِ مواقفَ (متى 9: 13؛ 12: 7).

إذنْ، الرحمةُ أولويةٌ إلهيةٌ وصفةٌ مميزةٌ للهِ في جميعِ تعاملاتِهِ معنا. وطالما يعاملُنا اللهُ بالرحمةِ فلا سبيلَ أمامَنا إلا أنْ نتبادلَ هذهِ الرحمةَ معَ الناسِ “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ” (متى 5: 7).  

يَمتَدِحُ السيدُ المسيحُ أيضًا صانعي السلامِ؛ إذ يقول: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ” (متى 5: 9). لقد كانَ السيدُ المسيحُ نفسُه صانعَ سلامٍ. وإذا تتبَّعنا مسيرةَ آلامِه وعملِهِ الخلاصيِّ، نجدُه يتعاملُ مع كلِّ المواقِفِ من منطلقِ صناعةِ السلامِ. ففي لحظاتِ القبضِ عليهِ، قدَّم لنا النموذجَ والمثالَ في عَيْشِ ما علَّمَ بهِ؛ إذ رفضَ مقاومةَ الشرِّ بالشرِّ. صحيحٌ أنَّ السيدَ المسيحَ كانَ في عصرٍ يسودُ فيهِ اعتبارُ بناءِ السلامِ حصريًّا على استخدامِ القوةِ، لكنَّه قدمَ مفهومًا مختلفًا للسلامِ يتجاوزُ غيابَ الصراعِ إذْ يقول لتلاميذِهِ: “سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ”. ويحرصُ على أنْ يحدِّدَ: “لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا”.

إنَّ اتِّبَاعَنا للسيدِ المسيحِ، صانعِ السلامِ، هو دعوةٌ لنا لاستخدامِ كلِّ ما لدينا من قوةٍ لاقتراحِ مصالحاتٍ وبداياتٍ جديدةٍ وغفرانٍ، تمثُّلًا واقتداءً بالسيدِ المسيحِ.

إنَّ صناعةَ السلام ليستْ سهلةً، بل تتطلَّب تحوُّلاً في مواقفِنا؛ إذ إنَّ موقفَنا الأوَّلَ في وجهِ الصراعِ هو الانحيازُ إلى الجانبِ الأقربِ إلينا، وموقفَنا الأوَّلَ في وجهِ العنفِ أو الظلمِ هو الانتقامُ. صناعةُ السلامِ تتطلَّبُ تنقيةَ ذواتِنَا منَ التنميطِ والوصمِ ووضعِ الناسِ في قوالبْ. صناعةُ السلامِ تتطلَّبُ صبرًا على الإساءةِ وغفرانًا، بالتوازنِ مع القوةِ في الحفاظِ على الحقوقِ والمطالبةِ بها.

أنْ نكونَ تلاميذًا ليسوعَ المسيحِ لا يَعني فقطْ أنْ نقبلَ الإنجيلَ على أنَّهُ سلامٌ مُعطًى لنا، بل أنْ نُصبِحَ أيضًا صنَّاعَ مصالحةٍ وسلامٍ.

إنَّ العيشَ بسلامٍ يولِّد قيمَ التسامحِ والاحترامِ بينَ الناسِ، وينشرُ التقديرَ والقبولَ لثقافاتِ العالمِ المتنوعةِ، وطرقِ التعبيرِ المتفاوتةِ، واختلافاتِ البشرِ بشكلٍ عامٍّ، وهكذا يتمُّ تعزيزُ السلامِ منْ خلالِ الاهتمامِ بالمعرفةِ، والانفتاحِ على الآخرينَ، والتواصلِ، وتعزيزِ حريةِ الفكرِ.

السلامُ هو واحدٌ منْ أهمِّ مُتطَلَّباتِ تحقيقِ التنميةِ في أيِّ مجتمعٍ، وتحريرِ أفرادِهِ من الخوفِ ومنْ جميعِ أشكالِ العنفِ، وجعلِهِم يشعرونَ بالأمانِ.

أيُّها الأحبَّاءُ، لقد اختبَرْنَا جميعًا في بدايةِ العقدِ الثاني منْ هذا القرنِ ما عانَتْهُ بلادُنا ومجتمعُنا المصريُّ من تهديدٍ للسلامِ، وكيف دفعَ المصريونَ ثمنًا باهظًا للحفاظِ على الوحدةِ وأمانِ المجتمعِ، والتحركِ نحوَ الأمامِ وتحقيقِ الأمنِ والسلامِ، إننا اليومَ ندركُ أنَّ بلادَنا العزيزة عصيةٌ على الكسرِ.

لذا اسمح لي أيها القارئ العزيز أنْ أختمَ بهذهِ الصلاةِ، ولنشترك بها معًا أمام عرش النعمة:

أيُّها الربُّ الإلهُ سيدُ السماءِ والأرضِ، أتينا إليكَ في خشوعٍ وخضوعٍ، اجعَلْنا بكلمتِكَ شعبًا واحدًا يعملُ العجائبَ ويحملُ شهادةَ محبةٍ لكلِّ الناسِ، ويقدِّمُ الرحمةَ للجميعِ ويسعَى لصُنْعِ السلامِ.

أعطِنَا نعمةً يا سيدَنَا الربّ، لكي نُلزِمَ أنفُسَنا، باعتبارِنا جسدًا واحدًا، أنْ نحبَّ قريبًا كأنفُسِنا، والقريبُ هو كلُّ أخٍ لنا في الإنسانيةِ، وحتى الذينَ يسيئونَ إلينا.

أعطِنَا حكمةً أنْ نتمسَّكَ بإعلانِ المحبةِ ونعتنيَ بكلِّ العالمِ والخليقةِ.

ساعِدْنا يا رب أنْ نجاهِدَ ضدَّ كلِّ أنواعِ التمييزِ، ولا سِيَّمَا التي بينَ الرجالِ والنساءِ، الأغنياءِ والفقراءِ، الشبابِ والكبارِ، وأنْ نسعَى لبناءِ مجتمعِ العدالةِ وعالمٍ يسودُهُ الأمانُ والسلامُ.

آمين.

غزة.. قضية عربية وإنسانية

اسم الكاتب : د. رامي عطا صديق

  • الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة أجبر الفلسطينيين على المقاومة
  • المرأة والأطفال.. الفئات الأكثر تضررًا بسبب سوء التغذية والجفاف
  • إدانة دولية واسعة للممارسات الإسرائيلية التي تُعتبر جريمة حرب
  • حل الدولتين.. هل ينهي المشكلة؟

خلال الأشهر الماضية، وبالتحديد منذ أكتوبر 2023م، شغل قطاع غزة اهتمام العالم، شمالًا وجنوبًا.. شرقًا وغربًا، وأصبحت غزة حديث الصحف وغيرها من وسائل الإعلام العربية والعالمية، وإن كانت معاناة غزة تعود لسنوات طويلة، بسبب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ما جعل أهل فلسطين في غزة يفكرون دومًا في المقاومة ومحاولة ردع القوات الإسرائيلية.

يُعدّ قطاع غزّة بموجب القانون الدولي تحت الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من الانسحاب أحادي الجانب من القطاع عام 2005م؛ إذ احتفظت إسرائيل بالسيطرة الكاملة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، كما تسيطر السّلطات الاسرائيليّة على السجل السكاني في غزة وشبكات الاتصالات، سواء كانت شركات المحمول أو الاتصال بالإنترنت، إلى جانب السّيطرة على العديد من الجوانب الأخرى للحياة اليومية وجوانب البنية التحتية.

بالتّالي كان لدى إسرائيل القدرة على السّيطرة على عدّة مناحٍ من حياة السكان في قطاع غزة، في عقاب جماعيّ غير مسبوق، ما يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.

حماس تسيطر والفلسطينيون يعانون

فازت حركــة حمــاس فــي الانتخابات التشريعية التي أُجريت في يناير 2006م، لتسيطر عسكريًّا على القطاع منذ يونيو 2007م، وتم الإعلان الإسرائيلي عن غزة “كيانًا معاديًّا”؛ ففرضت عقوبــات وقيود إضافيــة مشددة، مسّت بالحقوق الأساسية لسكان القطاع، ومن ذلك دخـــول المستلزمات الأساسيّة للمدنيين، مثل: الوقـــود والبضائع، والتّضييق على حركـــة الأفراد مـــن وإلـــى القطـــاع.

كما عملـت السـلطات الإسرائيلية علـى عـزل قطـاع غـزة، وفصلـه عـن باقي الأراضي الفلسطينية، وتحكمت السلطات الإسرائيليّة في كمية ونوعية البضائع والمواد التي تدخل إلى قطاع غزة، وحظرت المئات من المنتجات. الأمر الّذي أضرّ بالقطاع الاقتصاديّ، وأصاب القطاع بالرّكود الشّامل، كما أدّى إلى ارتفاع حاد في معدلات الفقر والبطالة. كما تأثر القطاع الصحي، فلا يتوفر تنوّعًا في الأصناف واللوازم الطبية الأساسية، وزاد عدد المرضى الموضوعين على قائمة الانتظار لأشهر بغرض تلقّي العلاج وإجراء العمليات الجراحية.

لقد دخل اقتصاد قطاع غزة ركودًا عامًّا منذ فرض الحصار الإسرائيلي، ما أدى إلى إغلاق شبه كامل للمعابر التجارية وقيود شديدة على حركة التجارة. حيث شنّت إسرائيل عدة هجمات عسكرية مدمّرة على القطاع خلال سنوات الحصار، أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وتدمير آلاف المنازل والمنشآت المدنية، وأحدثت دمارًا ضخمًا في مرافق البنى التحتية. وفاقمت الهجمات الإسرائيلية من تدهور الأوضاع الاقتصاديّة، وشلّت المرافق الاقتصادية، بسبب  تدمير المصانع والشركات وفقدان الوظائف. أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فقد بلغت مساهمة قطاع غزة في الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين أقل من 18% مع نهاية عام 2020م.

وضاعفت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، التي بدأت بالتفشي داخل القطاع في أغسطس 2020م ممَّا فاقم من الأزمات التي يعاني منها اقتصاد القطاع؛ إذ تسببت إجراءات الإغلاق لدواعٍ وقائيّة بزيادة معاناة العمال الذين يعملون بنظام اليومية. وبحسب اتحاد نقابات العمال فــي قطاع غزة، فقد أصبح حوالي 160 ألف عامل عاطلًا عن العمل، أو أوقفوا مؤقتًا عن العمل بسبب الإغلاقات الوقائيّة. كما أنّ الأجور اليومية التـي يتحصّل عليها العمال منخفضة جدًّا، تجعلهم عاجزين عن إدارة شؤونهم الماليّة في فترة الإغلاقات. سيّما أنّ متوسط الأجر اليومي للعامل يعادل 3 $، وهو ما لا يتناسب مع الظروف المعيشية الإنسانيّة وغلاء الأسعار.

عملية طوفان الأقصى

ربما من هنا كان التفكير المستمر من جانب الفلسطينيين في المقاومة؛ ففي السابع من أكتوبر الماضي (2023م)، استطاع مقاتلون من فصائل المقاومة الفلسطينية، تنفيذ عملية “طوفان الأقصى”، حيث تم اجتياز حاجز إسرائيل- غزة إلى منطقة غلاف غزة، بالإضافة إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وأخذ رهائن، ومن هنا أعلنت إسرائيل الحرب على حركة حماس، واستدعت “300” ألف جندي احتياطي لتنفيذ العملية العسكرية الإسرائيلية.

فرضت إسرائيل حصارًا شاملًا على قطاع غزة في 9 أكتوبر 2023م، وقد شمل منع دخول الغذاء والماء والدواء والوقود والكهرباء. وقالت إسرائيل إنَّ رفع الحصار عن غزة لن يتمَّ إلا بعد عودة الرهائن الذين اختطفتهم حماس بسلام إلى وطنهم.

في أعقاب الحرب الفلسطينية- الإسرائيلية 2023م فُرض حصار أكبر وأضيق وأكثر شمولًا في 9 أكتوبر 2023م، وهي المرة الأولى التي يُفرض فيها مثل هذا الحصار على هذا النحو، إذ تقع المعابر الحدودية في غزة على طول الحدود بين إسرائيل ومصر منذ 2005م، تحت سيطرة إسرائيل بالأساس مع مصر.

كما ضربت إسرائيل عددًا من المستشفيات والمراكز الصحية في غزة، مثل المستشفى المعمداني، إذ ادعت السلطات الإسرائيلية اختفاء بعض عناصر المقاومة به.

تضامن عربي ودولي

منذ أن بدأت هجمات إسرائيل على قطاع غزة، تضامنت كثير من الدول العربية مع الشعب الفلسطيني؛ حيث أعلنت الأردن عبر بيان صدر عن الديوان الملكي الهاشمي يفضي بالتنسيق مع مصر، بغية إيصال مساعدات إلى غزة عن طريق معبر رفح الحدودي، ومن جانبها حذَّرت مصادر أمنية مصرية من وجود نوايا لتصفية الأراضي الفلسطينية من سكانها، عقب تصريحات لمسؤول إسرائيلي هدد فيها النازحين من القطاع وأمرهم بالتَّوجُّه إلى مصر. الأمر الذي رفضته القيادة السياسية المصرية، منعًا لتصفية القضية الفلسطينية وتفريغها من مضمونها، مع استمرار تقديم الدعم للفلسطينيين في غزة، من حيث المستلزمات الطبية والمواد الغذائية، من خلال المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، حيث شارك المجتمع المدني المصري في إمداد غزة بالمعونات قدر المستطاع.

خسائر الحصار الإسرائيلي

في 2 أبريل 2024 أوضح تقرير مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة أن تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في قطاع غزة، في الفترة ما بين أكتوبر 2023 وحتى يناير2024، تقدر بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97% من إجمالي الناتج المحلي للضفة الغربية وقطاع غزة معًا عام 2022م.

محاولات مجلس الأمن

بعد أكثر من خمسة أشهر من الحرب، وفي 25 مارس 2024م، اعتمد مجلس الأمن الدولي قراره الأول الذي يُطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان بما يؤدي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وذلك بتأييد 14 عضوًا وامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت. وحظي قرار مجلس الأمن بتأييد دولي وعربي واسع النطاق خاصةً وأنها المرة الأولى التي يتبنى فيها قرارًا بوقف إطلاق النار في غزة والذي عطلته الولايات المتحدة عدة مرات من قبل.

المرأة والأطفال الأكثر تضررًا

هكذا يشير الواقع إلى أنه من بين أكثر الفئات تضررًا من العدوان الإسرائيلي على غزة هم الأطفال والنساء! بسبب سوء التغذية والجفاف. وأن سنوات طويلة يواجه فيها الفلسطينيون ومن بينهم الأطفال والنساء ومعهم المسنون والشيوخ، كثيرًا من المعاناة والحياة غير الآدمية وغير الإنسانية. وهكذا فإن الأطفال والنساء في فلسطين وحول العالم هم الأكثر مُعاناة من الحروب والصراعات المسلحة، وما يُصاحبها من مشكلات تتعلق بالنواحي الأمنية والصحية والتعليمية والغذائية، فضلًا عن التأثيرات النفسية والاجتماعية.

ولعل اللافت للنظر هنا والمُثير للانتباه هو أن يحدث هذا على مسمع من المجتمع الدولي بمؤسساته السياسية والحقوقية، وأن يقع ما نشاهده عبر وكالات الأنباء والقنوات التليفزيونية والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي أمام مرأى من حكومات العالم، التي يتجاهل بعضها ويتغاضى عن العدوان الذي تمارسه حكومات إسرائيل المتعاقبة بحق الشعب الفلسطيني صاحب الحق وصاحب الأرض.

إننا لا نتخيل الأطفال إلا وهم يمضون يومهم في البيت والحضانة أو في المدرسة والنادي ودور العبادة… يتعلمون الموسيقى والرسم والتلوين، ويكتسبون مهارات حياتية، ويلعبون في الحدائق ويسعدون بالمنتزهات وشاطئ البحر، ويتجولون بحريةٍ وأمان مع ذويهم من الآباء والأمهات في الشوارع والميادين، وبالإجمال يعيشون الحياة بفرح وهدوء وسلام، ما يؤهلهم لأن يكونوا مواطنين صالحين للوطن وأناسًا نافعين للمجتمع الإنساني.

مجاعة في قطاع غزة

تقارير وتصريحات كثيرة صدرت عن منظمات دولية تدين إسرائيل منها -مثلًا لا حصرًا- برنامج الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة المطبخ المركزي العالمي “وورلد سنترال كيتشن”، وبرنامج الأغذية العالمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في 18 مارس 2024م أشار تصنيف عالمي عن معدلات الجوع عالميًّا إلى أن النقص الشديد في الغذاء بأنحاء قطاع غزة “تجاوز مستويات المجاعة”، وأن الموت الجماعي “أصبح وشيكًا” ما لم يتم السماح بتدفق المواد الغذائية إلى المناطق المعزولة بسبب القتال. وأصبحت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” شريان الحياة في القطاع. لكن السلطات الإسرائيلية تعمل على عرقلة عمل الأونروا، وبالأخص شمال القطاع.

من جانبه، قال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إن القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ترقى إلى مستوى التجويع وهو ما يُعد جريمة حرب.

وفي 28 مارس 2024م أمر قضاة محكمة العدل الدولية بالإجماع إسرائيل باتخاذ كل الإجراءات الضرورية والفاعلة لضمان دخول إمدادات الغذاء الأساسية لسكان غزة دون تأخير، وقال القضاة إن الفلسطينيين في غزة يواجهون ظروف حياة صعبة في ظل انتشار المجاعة التي ظهرت بالفعل في القطاع.

وفي 9 أبريل 2024م، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن استخدام إسرائيل التجويع كسلاح في قطاع غزة يُمثل “جريمة حرب” وأكدت أن تأثير التجويع على سكان غزة يتفاقم بسبب “الانهيار شبه الكامل لنظام الرعاية الصحية”.

وقالت المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، إن سكان شمال غزة يعتمدون بشكل كبير على العشب للبقاء على قيد الحياة مؤكدة أن الفرصة ما زالت قائمة لمنع المجاعة في قطاع غزة إذا ما تم غمره بالمساعدات (11 أبريل 2024م).

وفي 25 أبريل 2024م أطلقت وكالة الأونروا نداءً لجمع 1.21 مليار دولار للتعامل مع الأزمة الإنسانية غير المسبوقة في قطاع غزة والاستجابة للاحتياجات في الضفة الغربية. ومن جانبها حمّلت منظمة “بتسليم” الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان، إسرائيل مسؤولية ما وصفته بـ”جريمة التجويع” في غزة، وأشارت في وثيقة بعنوان “عار التجويع: إسرائيل مسؤولة عن جريمة التجويع في قطاع غزة” إلى أن الإجراءات التي تتخذها حكومة نتنياهو “زائفة” وغير كافية لمواجهة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.

وأعلنت مؤسسة “وورلد سنترال كيتشن” الإغاثية الخيرية، أنها قررت استئناف عملياتها في قطاع غزة بعد شهر من وقفها بسبب مقتل 7 من موظفيها في غارة جوية إسرائيلية (29 أبريل 2024م).

عرقلة الأونروا

صدَّقت لجنة الدستور والقضاء في الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يفضي بوقف عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة.

وفي 8 مارس 2024م قال فيليب لازاريني المدير العام للأونروا، إن الوكالة “مهددة بالموت ومعرضة لخطر التفكيك” بعد أن أوقف عدة مانحين تمويلهم بسبب مزاعم إسرائيلية بأن بعض الموظفين شاركوا في هجوم حماس في 7 أكتوبر.

وفي 18 مارس 2024م أعلنت الأونروا ومصر أن السلطات الإسرائيلية قامت بخطوة غير مسبوقة ورفضت السماحَ للمدير العام للوكالة فيليب لازاريني بدخول قطاع غزة، لا سيما أنها المرة الأولى التي يُمنع فيها لازاريني من دخول القطاع منذ توليه المنصب في عام 2020م.

ومن جانبه قال فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة الأونروا، عبر منصة “إكس”: “إنه اعتبارًا من اليوم أصبحت الأونروا، شريان الحياة الرئيسي للاجئين الفلسطينيين، محرومةً من تقديم المساعدة المنقذة للحياة إلى شمال قطاع غزة”، مضيفًا: “هذا أمر مشين يشير إلى تعمد عرقلة المساعدة المنقذة للحياة وسط مجاعة من صنع الإنسان. يجب رفع هذه القيود” (24 مارس 2024م).

وقد أثار تعطيل عمل الأونروا رفض واستياء كثيرٍ من الدول والمنظمات الحقوقية والإنسانية حول العالم.

حل الدولتين.. هل ينهي المشكلة؟

يجمع كثيرون من الخبراء والمتخصصين، فضلًا عن المنظمات والمؤسسات الدولية، أن حل الدولتين هو الحل الأنسب للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ففي 24 يناير 2024م، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، رفض إسرائيل حل الدولتين بأنه “غير مقبول” ومن شأنه أن يطيل أمد النزاع في قطاع غزة.

وفي 25 يناير 2024م، قالت حركة حماس إنها ستلتزم بوقف إطلاق النار إذا أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا بذلك في الدعوى المقدمة من جنوب إفريقيا، ونفذته إسرائيل.

وأكدت القاهرة وواشنطن مجددًا موقفهما الثابت برفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، مع التوافق على حل الدولتين باعتباره أساس دعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط (26 يناير 2024م).

وفي 29 يناير 2024، قالت حركة “حماس” إن إطلاق من تحتجزهم سيتطلب تنفيذ إنهاء مضمون للحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، وسحب جميع قوات الاجتياح.

موقف مصر

مع بدء الحرب على قطاع غزة أعلنت مصر رفضها للحرب، ورفض تهجير الفلسطينيين إلى رفح المصرية وسيناء، مع استمرار دعم القضية الفلسطينية، وتقديم المساعدات عبر الجهات الحكومية وغير الحكومية.

ويذكر أنه في 11 فبراير 2024م حذرت مصر إسرائيل، من تنفيذ عملية عسكرية في مدينة رفح، مؤكدة أن عواقب ذلك ستكون وخيمة، وطالبت بضرورة تكاتف جميع الجهود الدولية والإقليمية للحيلولة دون استهداف رفح.

وفي 18 فبراير 2024م، أعلن رئيس الهيئة العامة المصرية للاستعلامات ضياء رشوان أن مصر تقدمت بمذكرة لمحكمة العدل الدولية، حول الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وفي 27 فبراير 2024م، نفذت القوات الجوية للأردن ومصر والإمارات وقطر عملية إنزال جوية مشتركة للمساعدات فوق غزة، في إطار جهود دولية مشتركة لتخفيف المعاناة على أهالي القطاع. ويستمر دعم الدولة المصرية لقطاع غزة.

السؤال الآن

لعل السؤال الآن هو هل من الممكن أن يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذا العدوان، حمايةً للأطفال والنساء والمسنين والشيوخ، ورد الحقوق للشعب الفلسطيني الذي يُعاني منذ أكثر من خمسة وسبعين عامًا ممارسات صهيونية تقوم على الاستعمار وانتهاك حقوق الآخرين؟! هي رسالة لمؤسسات المجتمع الدولي، لعلها تتدخل وتنقذ أطفال غزة ونساءها من هذا الهجوم الوحشي، وأن تتدخل لوقف الانتهاكات التي تحدث بحق المرأة والأطفال، بل بحق الشعب الفلسطيني بأسره، الذي يثبت يومًا بعد آخر قوته وصموده ودفاعه المستميت عن الحق.

في سوء الفهم.. مساحة من الالتباس والاشتباك.. عن موقف المواطنين المسيحيين المصريين من القضية الفلسطينية!

اسم الكاتب  : هاني لبيب

  • هل يحب المواطنون المسيحيون المصريون فلسطين؟!

    سؤال جدلي معقد رغم بساطة إجابته التي يتشابك فيها الوجدان الديني بالقِيَم الوطنية والإنسانية لعدة مرتكزات، أهمها على الإطلاق هو أن فلسطين هي مهد ميلاد السيد المسيح وحياته بالكامل، صلبه وموته، وقيامته. وفيها أقدم كنائس العالم التي تُعتَبَر ضمن مقدَّسات الدرجة الأولى لكونها تمثل الأماكن المقدسة لنشأة المسيحية قبل أن تنتشر في العالم، وليس في العالم مثيل لها سوى محطات مسار العائلة المقدسة على أرض مصر عند هروب العذراء مريم ويوسف النجار بالطفل يسوع.

    ربما في بعض اللحظات، جمَّد العديد من المواطنين المسيحيين المصريين موقفهم من القضية الفلسطينية بسبب ما تم تصديره من خلال بعض الفصائل الفلسطينية، بما يمكن أن نطلق عليه “أسلمة القضية الفلسطينية”، والترويج لها في الخطاب السياسي والإعلامي بتحويلها من قضية وطنية لأرض محتلة إلى قضية أرض إسلامية محتلة، ومن كونها قضية تتعلق بالاستقلال الوطني ضد المحتل والمستعمر الإسرائيلي إلى اختزالها في خانة مُحدَّدة تخص فئة من المهتمين دون غيرهم، وهي قضية استرداد المسجد الأقصى. وما ترتب على ذلك من عدم الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى حد اللامبالاة. وهو ما تغير بعد 7 أكتوبر 2023، واستمرار الانتهاكات اليومية ضد الشعب الفلسطيني، الذي دفع -ولا يزال يدفع- ثمن حياة أبنائه بسبب فصيلٍ فلسطينيٍّ اعتنق الأصولية الإسلامية في مقابل حكومة حرب يهودية اعتنقت الأصولية الصهيونية.

    ومع ملاحظة أساسية، وهي أن إسرائيل استطاعت على مدار سنواتٍ تحويل الصراع في فلسطين المحتلة من صراعٍ ثلاثي الأبعاد مرتكِز على الدين (يهودي، ومسيحي، وإسلامي) إلى صراع ثنائي الأبعاد (يهودي، وإسلامي). وهو ما تطور إلى شكلٍ يوحي بأن اليهود يمثلون في هذا الصراع الغرب الأوروبي والأمريكي، وأن الفلسطينيين يمثلون الجانب العربي والإسلامي. وما صاحب ذلك من محاولة ترسيخ صورة ذهنية أمام العالم بشكل عام، وأمام المسيحيين بشكل خاص.. أن اليهود هم المستأمنون والقادرون على حماية وحراسة الأراضي المقدسة.. وحدهم دون شريك عربي لهم.

    ولذا كان من الطبيعي، أن تنتشر شعارات دينية حنجورية جوفاء تغازل غوغائية الشارع وفوضويته وعشوائيته، في سبيل تديينه بشعارات وهمية من نوعية: “وا أقصاه”، و”اللهم أعد إلينا قدسنا”، و”وا قدساه”، و”على الأقصى.. رايحين بالملايين”، و”على القدس.. رايحين بالملايين”، و”تحرير بيت المقدس”. وكأنها رسائل موجهة للمسلمين فقط في العالم بتحرير المسجد الأقصى فقط، وليس تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة.

    ما سبق، ترتب عليه نوع من تشكيك المواطن المسيحي المصري، وترسيخ حالة من الالتباس وسوء الظن في موقفه من القضية الفلسطينية، سواء ضد الاحتلال الإسرائيلي ومع الشعب الفلسطيني، أو ضد حماس التي تورطت في العديد من العمليات الإرهابية التي استهدفت المواطنين المصريين بشكل عام، والمواطنين المسيحيين المصريين وكنائسهم بشكل خاص.

    ورغم ذلك، اتخذت الكنيسة المصرية موقفًا وطنيًّا، وليس دينيًّا -بأي حال- في قرارها بمنع زيارة القدس، وتمسُّكها به حتي لا تعطي شرعيةً دينيةً للاحتلال الإسرائيلي في مصادرة حق عودة الشعب الفلسطيني.

    * * *

    عقائدية، وليست إنسانية

    قامت حركة حماس -منذ نشأتها- باختزال القضية الفلسطينية باعتبارها قضيةً دينيةً وعقائديةً.. يلتف حولها أتباع الإسلام السياسي في العالم لدعمها والجهاد من أجلها لجذب الموالين والمتعاطفين، واستمرار تأكيد المؤمنين بها حسب تفسير دولة الخلافة الحمساوية بأجنحتها العسكرية وغيرها.

    لا زلت أصمم على أنه قد حدث خطأ سياسي ووطني في تجاهل دعم المسيحية العربية ومساندة المسيحيين العرب بالترويج للقدس كقضية أرض ومقدسات إسلامية فقط، دون الإشارة إلى المقدسات المسيحية فيها.. رغم أن واقع الأمر، يؤكد أن المقدسات المسيحية تفوق من حيث العدد المقدسات الإسلامية، التي يمكن حصرها في أنها الأرض التي تمثل أولى القبلتين من خلال المسجد الأقصى.

    تجلى ما سبق -حسبما كتبت قبل ذلك كثيرًا- في هدف التوجه نحو الترويج لـ”تديين قضية القدس” بشكل خاص، و”أسلمة القضية الفلسطينية” بوجه عام.. في إهمال مُتعمَّد للمقدسات المسيحية هناك.

    حصروا القضية برمتها في المربع الطائفي والديني، الذي هو في النهاية مربع ضيق، بالمقارنة بما لو كان قد تم تصديرها باعتبارها قضيةً وطنيةً إنسانيةً ذات مقدسات دينية يهودية ومسيحية وإسلامية. وهو ما كان من شأنه أن يجعل القضية الفلسطينية قضية إنسانية عالمية لشعب يُباد ويُقهر ويدفع حياته ثمنًا لأخطاء قادته وتواطؤ العالم ضده. وانتهى الأمر كأنها مواجهة سياسية تستند إلى مرجعية دينية، سواء لحركة المقاومة الإسلامية -باعتبارها نموذجًا للإسلام السياسي من جانب- في مواجهة أصولية سياسية يهودية تستند إلى نصوص توراتية من جانب آخر. وأصبح المشهد الآن حسبما يريد البعض أن يكون؛ كأنها مواجهة بين أصوليتين إحداهما إسلامية والأخرى يهودية أو صهيونية.

    إن مسألة اختزال القضية الفلسطينية في كونها معركةً بين المسلمين واليهود، قد أضرت كثيرًا، وتضر الشعب الفلسطيني وقضيته. وتظل إسرائيل هي المستفيد الوحيد من هذا الأمر.

    * * *

    تديين القضية الفلسطينية

    كان الأفضل -حسبما ذكرت قبل ذلك- الترويج لقضية القدس باعتبارها قضيةً وطنيةً إنسانيةً ذات مقدسات يهودية ومسيحية وإسلامية لأتباع الأديان على مستوى العالم.

    أهمية المقدسات لا تتجزأ سواء كانت مسيحية أو إسلامية، بعيدًا عن محاولات الإقصاء والتصنيف. وكان علينا ألا نتقوقع في خندق معين، فإن كل «مسيحي أو مسلم» عربي يحمل في خلفيته جزءًا من الحضارة الإنسانية العالمية، والعكس صحيح.

    كنا نحتاج منذ سنوات طويلة إلى فك الاشتباك والالتباس في تناول القضية الفلسطينية بشكل ديني ضيق الأفق، إلى الشكل الإنساني واسع الأفق. وهو ما كان سيُحدِث أثرًا عالميًّا في الموقف الأوروبي والأمريكي منها منذ سنوات طويلة.

    * * *

    رموز وقيادات مسيحية عربية

    يزخر تاريخ القضية الفلسطينية بحركة مقاومة وطنية، كان للمسيحيين دور بارز فيها، وعلى سبيل المثال:

    على مستوى المشهد الفكري والسياسي المصري، نجد أمثلةً وطنيةً قيِّمةً عديدةً، منها: سلامة موسى، أبوسيف يوسف، ود. وليم سليمان قلادة، وغالي شكري، وميلاد حنا، ووداد متري، وفخري لبيب، وسمير مرقص… وكثيرين غيرهم. ومن رجال الدين، نجد البابا شنودة الثالث، والدكتور القس صموئيل حبيب، والدكتور القس أندريه زكي، والأنبا غريغوريوس، والقمص متى المسكين، والأب وليم سيدهم، والدكتور القس فايز فارس، والقس رفيق جريش.

    أما على مستوى المشهد الفكري والسياسي العربي، نجد:

    • المطران هيلاريون كابوتشي (السوري الجنسية والفلسطيني الهوى) الذي ظل يدعم المقاومة الفلسطينية حتى حكموا عليه بالسجن والنفي.
    • ميشيل عفلق.. أحد أهم منظري الفكر القومي العربي، ومؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي.
    • أنطون سعادة.. مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي.
    • جورج حبش.. مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
    • وديع حداد.. القيادي بحركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي اغتالته إسرائيل بالسم.
    • نايف حواتمة.. مؤسس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
    • كمال بطرس ناصر.. شاعر حركة فتح الذي اغتالته إسرائيل.

    الأسماء السابقة ليست حصريةً، ولكنها مجرد نماذج تؤكد على أن المواطنين المسيحيين العرب هم مكوِّن أساسي في الدفاع عن القضية الفلسطينية. وهي حقيقة ينكرها البعض إما بالجهل بها، أو بمعنى أدق بتجاهلها.

    * * *

    ممتلكات وأوقاف مصرية

    من أشهر الممتلكات المصرية في القدس، هو دير السلطان. ولأن لقب «سلطان» لا يُطلق إلا على الحكام المسلمين من جانب، كما أنه من المعروف على أن تسمية الكنائس والأديرة القبطية تكون بأسماء القديسين والشهداء المسيحيين المصريين من جانب آخر، فإن البعض يذهب إلى أن تسمية الدير باسم دير السلطان يعود إلى أحد احتمالين في الغالب؛ الأول أن يكون بناء الدير أو الأرض المبني عليها هي هبة من أحد السلاطين المسلمين للمسيحيين، فتم نسبه إليه كعادتنا للاعتراف بفضله، أو أن السلطان الذي نُسب إليه قد اتخذه لإقامة أتباعه في القدس أو لإيواء رسله، وهم في طريقهم لبلاد لشام.

    ولكن على أي الأحوال.. أؤكد في هذا الصدد، على وثيقة مهمة «حجة» مؤرخة بتاريخ 777 هجرية للسلطان الأشرف بن شعبان بن حسين تتضمن -جزءًا- محضر ثبوت وقفية لمسيحيي مصر بدير السلطان. وقد ذكرت العديد من الكتب التاريخية مدى عناية المسيحيين المصريين بدير السلطان إلى أن احتله الرهبان الأوغسطينيون إبان مملكة القدس اللاتينية. ولما استعان الملك الصالح نجم الدين بفرسان وجنود الخوارزم في قتاله ضد الملك الناصر داود صاحب الشام وضد اللاتين وهاجموا مدينة القدس، ونهبوها وأشعلوا النيران في كنيسة القيامة ودير السلطان سنة 1245م، وعندما عادت القدس لسيطرة الملك الصالح نجم الدين أمر بإعادة بناء السور وأعيد دير السلطان إلى المسيحيين المصريين في عهد كلٍّ من الأنبا باسيليوس الأول «1236م–1260م» أول مطران مصري للقدس وأثناء تولي البابا كيرلس الثالث، والمعروف باسم ابن لقلق كرسي الباباوية «1235م–1242م».

    * * *

    حجج مُوثَّقة

    هناك عديد من الحجج الموثقة التي تثبت ملكية الكنيسة المسيحية المصرية لدير السلطان، وعلى سبيل المثال:

    • حجة قرار محكمة القدس التي أصدرتها بتاريخ 13 شوال 1098هـ والموافق 22 أغسطس 1686م، بخصوص التأكيد على أن قرار ترميم الدير لم يتجاوز ما صدر به الإذن الشرعي للترميم.
    • بعد مرور 100 عام على الترميم السابق، وفي عهد المعلم إبراهيم الجوهري «ناظر دواوين مصر» تمت زيادة الأوقاف المسيحية المصرية بالقدس بجوار دير السلطان، حيث تم شراء قطعة أرض من عبدالله أفندي بما عليها من مبانٍ، وذلك بمقتضى حجة شرعية مؤرخة بتاريخ غرة ربيع الأول 1198هـ والموافق 4 فبراير 1782م، حيث كان الوكيل الذي وقَّع حجة الشراء هو الأنبا يوساب “مطران الكرسي الأورشليمي”.
    • في عام 1818م قام القمص يوسف «كاتب البطريركية» في عهد البابا بطرس السابع والمعروف بالبابا بطرس الجاولي، بالإشراف على ترميم دير السلطان، وهو ما تطلب إخلاء الغرف التي كان يقيم بها الرهبان، ولم يكن هناك حينذاك سوى راهبين حبشيين رفضا مغادرة غرفهما بالدير، وهو بداية سوء النية المبيتة من قِبَلهم في هذا الأمر، وقد تم إخراجهما بموجب أمرٍ على يد قاضٍ شرعي بحضور مندوب المفتي والمشايخ بتاريخ 9 محرم 1336هـ الموافق 17 أكتوبر 1820م.
    • في 4 ربيع الأول 1236هـ الموافق 10 ديسمبر 1820م أصدر القاضي الشرعي كشفًا بالأماكن المصرح بترميمها في كلٍّ من دير السلطان ودير مار جرجس للراهبات، وهو الأمر الذي ذكر فيه اسم وكيل الدير القبطي.

    أما عن قيام الأحباش بانتزاع دير السلطان من الكنيسة المصرية فقصة تستحق أن تُروَى، وهي أنه بسبب قلة عدد الرهبان الأحباش في القدس، فقد فقدوا تدريجيًّا أماكنهم وحقوقهم بداخل كنيسة القيامة بمرور الوقت، كما طُرِدوا من ديرهم المعروف باسم «دير مار إبراهيم» الملاصق لكنيسة القيامة في حوالي عام 1654م، وحل محلهم الأرمن إلى أن انتزعه منهم على التوالي الروم بأمر من الباب العالي العثماني حينذاك.

    وبناء على ما سبق، لجأ ما يقرب من ثمانية من الرهبان الأحباش إلى دير السلطان بالقدس التابع للكنيسة المصرية باعتبارها الكنيسة الأم لهم، حيث كانت الكنيسة المصرية تسمح للرهبان الأحباش بدخول الأديرة المسيحية في مصر والإقامة بها، ولكن تم إخراجهم رسميًّا من الدير بسبب سوء نيتهم في عدم ترك الدير، حينما قام القمص يوسف بترميم دير السلطان عام 1818م.

    وما يؤكد على عدم وجود رهبان أحباش في دير السلطان بعد ذلك، هو أوجستين شولز في كتابه «رحلة بين الإسكندرية وفلسطين» عام 1820م، إذ لم يشر فيه إطلاقًا لوجود رهبان أحباش؛ بل قال إن «للمسيحيين المصريين ديرهم الواقع خلف كنيسة القبر المقدس وتتبعه كنيسة الملاك، وفيه يقيم رئيس الدير مع بعض الرهبان». وعادت العلاقات بين الرهبان الأحباش ودير السلطان مرة ثانية باعتبارهم ضيوفًا على الدير، وذلك إلى أن اجتاحت الكوليرا مدينة القدس عام 1838م، وهو الوباء الذي لم ينجُ منه سوى عدد قليل من الرهبان المسيحيين المصريين وراهب حبشي واحد فقط حسبما أورد المؤرخ نيوبيتوس.

    وفيما بعد، توجس الرهبان الأحباش من الرهبان المصريين خشية طردهم في يوم من الأيام. وسعوا جاهدين ليجدوا ما يضمن بقاءهم في الدير، وهو ما وجدوه من خلال ادعائهم لملكيتهم له، وهو ما تم من خلال الدور السلبي الذي قام به المطران الإنجليزي بالقدس صامويل جوبات، والذي كان يترأس إرسالية إنجليزية بالحبشة عُرفت باسم «سي أم أس»، وقد قام بجهود ضخمة للوقيعة بين الكنيسة المصرية والكنيسة الحبشية، خاصة عندما ذهب إلى القدس، حيث قام بالتنسيق مع القنصل الإنجليزي بالقدس لتحريض الرهبان الأحباش ضد الرهبان المصريين في دير السلطان.

    وفي شهر نوفمبر عام 1850م قام الرهبان الأحباش بخطف مفاتيح دير السلطان بالقوة، وقام الأرمن بالقدس بتقديم مذكرة حينذاك إلى الوالي يثبتون فيها حق الرهبان المسيحيين المصريين في إعادة مفاتيح دير السلطان لهم، وهو ما جعل الوالي يصدر أمرًا في نهاية شهر أكتوبر عام 1850م بإعطاء المفاتيح لمن كان بأيديهم قبل حدوث الصدام، وتم عمل محضر بذلك بحضور الشرع الشريف للمدينة المقدسة بتاريخ 11 محرم 1267هـ، الموافق 16 نوفمبر 1850م.

    وفي ظل الدور السلبي الذي قام به المطران الإنجليزي بالقدس صامويل جوبات، بالتعاون مع القنصل الإنجليزي «فين» حينذاك، من خلال دعمهما للرهبان الأحباش ضد الرهبان المصريين، قام الرهبان الأحباش بخطف مفاتيح الدير مرة ثانية، ومخاطبة الباب العالي العثماني لتثبيت أمر افتراضي بأحقيتهم في دير السلطان، غير أن الأمر تم تصعيده، حيث قام بالنظر فيه مجلس القدس الكبير بتاريخ 22 ذي القاعدة 1279هـ، والموافق 9 مارس 1863م، وانتهى المجلس إلى تسليم مفاتيح الكنيسة للرهبان المصريين، أو رفع الأقفال القديمة بمعرفة الشرع الشريف، وإحلالها بأقفال جديدة، وإعطاء مفاتيحها للرهبان المصريين، وهو الأمر الذي تذيَّل بالعديد من الأختام والتوقيعات لكل من: نقيب الأشراف وقاضي القدس وأعضاء عن طائفة الروم والأرمن واللاتين ومديري الأوقاف والزراعة، وقد تحررت حجة شرعية بما سبق بتاريخ 29 ذي القاعدة 1279هـ، والموافق 16 مايو 1863م لإجراء ما يلزم، وهو ما تم تأكيده بموافقة رسمية من الباب العالي بتاريخ 2 صفر 1280هـ، والموافق 19 يوليو 1863م، وتم تغيير الأقفال بموجب ما سبق، وإعطاء المفاتيح للرهبان المصريين.

    في شهر يونيو عام 1878م عُقِد مؤتمر برلين، والذي نصت المادة 62 منه على الحرية الدينية وحق ممارسة الطقوس للجميع، كما اشترطت عدم المساس بالحالة الراهنة في الأماكن المقدسة، وهو ما ترتب عليه بقاء الحال كما هو عليه لجميع الطوائف بدون تعديل أو تغيير، ورغم ذلك ظلت مشاغبات الرهبان الأحباش مستمرة بأشكال متعددة.

    وعبورًا فوق سنوات عديدة، نصل إلى عام 1905م حينما أعاد الإمبراطور الحبشي منيليك مسألة ملكية الأحباش لدير السلطان. وقام في سبيل ذلك بتجميع شهادات رؤساء الطوائف في القدس لإثبات ملكية الأحباش لدير السلطان.. تمهيدًا لتقديمها للباب العالي لانتزاع وثيقة منه بذلك، واستطاع الأحباش أن ينتزعوا أمرًا من الباب العالي بإعطائهم مفتاحًا آخر لدير السلطان، وقد تمادي الأحباش في طلباتهم، واستطاعوا استصدار قرار من الباب العالي، يقضي بفتح باب خاص لهم في الجهة الشرقية من الدير، ثم طلبوا بعد ذلك من الباب العالي مفاتيح كنيسة الملاك بدير السلطان، ثم مفاتيح دير السلطان نفسه.

    وفي 22 فبراير سنة 1961م، قام مجلس الوزراء الأردني الذي كان يشرف على القدس حينذاك بإصدار قرار إداري بتاريخ 12 فبراير 1961م يقضي بتسليم الأحباش دير السلطان، وبعد العديد من المفاوضات والمقابلات تخللتها مقابلات بين الوفد المصري الذي شكَّله البابا كيرلس السادس لهذا الأمر مع كل من: الملك الراحل حسين ورئيس الوزراء الأردني، وهو ما انتهى بقرار آخر من مجلس الوزراء الأردني يجمد فيه القرار السابق، ويقر بتسليم المفاتيح للرهبان المصريين، ولقد ظل الحال إلى ما هو عليه إلى أن قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في 25 أبريل سنة 1970م بتغيير أقفال الدير، وتسليمه للأحباش في تصرف غير مبرر.. قامت محكمة العدل الإسرائيلية بإدانته، بل حكمت بإعادة دير السلطان للرهبان المصريين، وهو القرار الذي لم يتم تنفيذه إلى الآن.

    ولا يقل أهمية عما سبق، قضية الأوقاف الإسلامية المصرية التي تعود إلى أكثر من ثمانية قرون مضت. ونذكر أن عصبة الأمم المتحدة عام 1929م قد شكَّلت لجنة دولية سُمِّيت بلجنة «شو» للبحث في مدى قانونية اغتصاب أرض حائط المبكى وباب المغاربة بالقدس، وقد انتهت اللجنة في تقريرها عام 1930م إلى أن هذه الأراضي هي أوقاف إسلامية «فقدت» صكوكها بشكل أو بآخر، وهو ما دعا اليهود حينذاك إلى الرد بأن مدى اتساع منطقة الوقف غير معلوم نتيجةً لفقدان الصكوك، وبالتالي من حقهم العبادة عند حائط المبكى لحين ظهور هذه الصكوك.

    * * *

    ليس دير السلطان وحده..

    يمكن حصر الأوقاف المصرية في القدس فيما يلي:

    • الوقف رقم 1 الذي بحثت عن حجته لجنة «شو»، وهي الحجة المحفوظة لدى مصر، وهي عبارة عن محضر بالوقفية مؤرخ سنة 589هـ. باسم الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن علي بن الملك صلاح الدين الأيوبي، وقد أوقفها نور الدين على طائفة المغاربة.
    • أرض المدرسة البلدية: وهي ملك لعائلة الأحمدي المصرية. وبها حصص خيرات للحكومة المصرية، وتقع بجوار باب السلسلة بمدينة القدس، وتاريخ الوقفية مؤرخ في شهر جماد آخر سنة 782هـ. وقد أوقفها الأمير مناكلي بغا الأحمدي.
    • أرض المدرسة الشريفة السلطانية الأشرفية: وتوجد داخل المسجد الأقصى بالقرب من باب السلسلة. وبها حصص خيرات تتبع وزارة الأوقاف المصرية.
    • أرض المدرسة العثمانية: وقف إسلامي تركي، أوقفته أصفهان شاه خاتون بتاريخ 840هـ، وهي بالقرب من باب المتوضأ بالقدس.
    • أرض الرباط الزمني: بباب المتوضأ بالقدس، وهي ملك عائلة الخواص المصرية مؤرخة عام 881هـ، وحجتها الشرعية محفوظة لدى مصر.
    • أرض المدرسة الخاتونية بباب الحديد: وهي وقف عراقي أوقفته سيدة عراقية تُسمَّى أغل خاتون بنت شمس الدين محمد بن سيف الدين. وهي من بغداد، ومؤرخة بتاريخ 5 ربيع آخر سنة 755هـ.
    • أرض رباط كرد: ملك عائلة الكردي المصرية بشربين دقهلية. وبها حصص خيرات للحكومة المصرية، وحجتها مؤرخة سنة 693هـ. وهي تقع بباب الحديد بالقدس.
    • أرض المدرسة الجوهرية: خاصة بعائلة الجوهري بمصر، وهي عائلة تعود جذورها إلى محافظة الدقهلية، وحجتها مؤرخة سنة 844هـ.
    • أرض الزاوية الوفائية: وهي وقف إسلامي أهلي مصري موجود عند باب الناظر بالقدس، وهو ملك عائلات السادات بمصر، من أحفاد محمد أبي الأنوار السادات، وأبوالوفا السادات، وأبوالإسعاد السادات، وهي عائلة تعود جذورها إلى محافظة البحيرة وهو وقف به أيضًا حصص خيرات للحكومة المصرية.
    • المدرسة المزهرية: وهي وقف إسلامي مصري، وهو ملك عائلات الأنصاري بمصر والكويت، وهي مؤرخة بتاريخ وقفها سنة 893هـ. وتقع بباب الحديد بالقدس، وحجتها الشرعية محفوظة لدى مصر.
    • أرض المدرسة الصليبية: وهي وقف إسلامي سوري، وحجته مؤرخة 809هـ، وهي محفوظة لدى مصر.
    • أرض المدرسة الباسطية: وهي وقف مملوك لإحدى عشرة عائلة مصرية، قامت بهدمه السلطات الإسرائيلية عام 1968م، رغم استنجاد دائرة أوقاف القدس وتحذيرات اليونسكو بعدم الهدم، وحجتها مؤرخة في شهر جماد أول سنة 834هـ.
    • أرض المدرسة الجاولية: وهي وقف خيري مصري مملوك للحكومة المصرية، وقد أوقفه الجد الأكبر لعائلة سنجر المصرية في محافظة القليوبية مؤرخ سنة 683هـ.
    • أرض المدرسة الأسعردية: وغير معروف ملاكه الحقيقيون، وبوجه عام.. هم من أحفاد مجد الدين عبد الغني بن سيف الدين أبو بكر بن يوسف الأسعردي، وتاريخ الوقفية يعود إلى 20 ربيع الأول سنة 770هـ.
    • أرض المدرسة الملكية: وهي وقف إسلامي مصري، ملك وزارة الأوقاف المصرية، والطريف في أمر هذه الوقفية أنها مكتوبة بتاريخها أعلى الرواق الشمالي بالمسجد الأقصى.
    • أرض المدرسة الحسنية: على باب الأسباط، وحجته مؤرخة في 27 محرم سنة 808هـ. وهي محفوظة لدى الحكومة المصرية. وهو يُعد أكبر وقف، حيث يصل من باب الأسباط شرقًا حتي قلعة النبي داوود غربًا مقاسًا بالذراع الهاشمي، ومرورًا بحي يعرف بدجانية القدس على امتداد السلسلة الرومية.
    • أرض المدرسة الصلاحية: في باب الأسباط، وهو وقف الملك صلاح الدين بجوار قبر حنة والدة العذراء مريـم. وتاريخ الوقفية يعود لـ 13 رجب 588هـ. وحجته الشرعية كانت ضمن ما بحثت عنه لجنة «شو»، والحجة محفوظة لدى مصر.
    • أرض المدرسة الوجهية: ملك عائلات أبو النجا بمصر، أوقفها جدهم الأعلى وجيه الدين محمد بن عثمان بن أسعد أبو النجا المتوفي في شهر شعبان سنة 701هـ.
    • رباط علاء الدين البصير: وأسفله حفريات إسرائيلية أدت إلى تصدعه وانهيار بعض أجزائه، ولم يظهر له مستند بالوقفية، ولكن يوجد محضر مثبت للوقف.

    * * *

    كتابات عن القدس

    وهي حسب ما ذكره سمير مرقص في مقال هام له بعنوان “المسيحيون العرب.. نكون أو لا نكون! النخبة القبطية وفلسطين” بجريدة الأهرام في 18 نوفمبر 2023.

    * اجتهادات في التأصيل الوطني الفكري واللاهوتي تجاه إسرائيل:

    1- إسرائيل في نظر المسيحية، البابا شنودة الثالث، 1966.

    2- الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار والصهيونية، د. وليم سليمان قلادة، 1966.

    3- إسرائيل في التوراة والإنجيل، د. مراد كامل، 1967.

    4- ما وراء خط النار، الأب متى المسكين، 1967.

    5- الماركسية والدولة الصهيونية، أديب ديمتري، 1970.

    6- معنى إسرائيل في الكتاب المقدس، د. كمال رمزي استينو، 1971.

    7- الكنيسة والمعركة (كتاب مشترك)، الأنبا صموئيل، وفوميل لبيب، وألبرت برسوم سلامة، والأنبا باسيليوس (مطران القدس)، وإبراهيم نجيب، جمعها: د. يوسف خليل يوسف، 1973.

    8- الكنيسة ومزاعم إسرائيل السبعة، الأنبا غريغوريوس، 1973.

    9- إسرائيل في الميزان من منظار مسيحي، الأنبا غريغوريوس، 1973.

    10- إسرائيل حقيقتها ومستقبلها، الأنبا يؤانس (مطران الغربية الراحل)، 1973.

    11- من هم بنو إسرائيل؟، د. ميشيل فرح، 1974.

    12- اليهود واليهودية، د. موريس تاوضروس، 1974.

    13- موقف الكنيسة المصرية من إسرائيل والصهيونية، مجدي نصيف، 1975.

    * اجتهادات أبدعتها النخبة المسيحية المصرية المدنية والدينية:

    1- هل دولة إسرائيل الحديثة تحقيق لنبوءة كتابية؟، نص منشور عن دار الثقافة الجديدة الإنجيلية، 1991.

    2- المسيحية والحرب، د. رفيق حبيب، 1991.

    3- القدس المسيحية منذ القديم وإلى اليوم، الأنبا غريغوريوس، 1992.

    4- الاختراق الصهيوني للمسيحية، القس د. إكرام لمعي، 1993.

    5– القدس، نبيل نجيب سلامة، 1994.

    6- رؤية مسيحية للعهد القديم وإسرائيل، ملف دراسي للمركز القبطي للدراسات الاجتماعية، د. جوزيف موريس فلتس، 1997.

    7- القدس وبيت لحم، د. ميخائيل مكسي إسكندر، 1999.

    8- الإنجيليون العرب والصهيونية، القس د. مكرم نجيب، 1999.

    9- فلسطين.. لمن؟، د. أنطون يعقوب ميخائيل، 2000.

    10- دحض الأساطير الإسرائيلية تاريخيًّا وفلسفيًّا وآبائيًّا، د. حنا جريس، 2002.

    11– القدس.. المكانة.. المقدسات.. الإشكاليات..، سمير مرقص، 2002.

    12- الصهيونية ذات التوظيف المسيحي، سمير مرقص، 2003.

    * * *

    نقطة ومن أول السطر..

    القدس قضية وطنية إنسانية، وليست قضية دينية.

    نحتاج لفك الاشتباك والالتباس في تناول القضية الفلسطينية بشكل ديني ضيق الأفق إلى الشكل الإنساني واسع الأفق.

    القضية الفلسطينية وفي قلبها القدس.. قضية وطنية إنسانية، وليست قضية دينية.

    قتل أي إنسان آمن مرفوض، وقتل المدنيين محظور، والمقامرة بحياة الشعوب وأمنها خط أحمر.

    إنها عدالة القضية الفلسطينية، أو بمعنى أدق قضية الشعب الفلسطيني.

    يعتقد البعض أن التاريخ يكتبه المنتصرون حسبما يرونه، ولكن دائمًا ما يحتفظ التاريخ ويسجل روايات أخرى، تجعلنا نصل للحقيقة مهما حاول البعض تشويهها وتزويرها لتحقيق مصالح ما فإن التاريخ لا يرحم ولا ينسى.

هل سأصحو غدًا....؟!

اسم الكاتب: د. ماجد عزمي

  • لا تعتقد أنَّك نجوت من الحرب فقط لأنَّك لم تمُت؟ يخبرنا الناجون من القصف أن بعد انتهاء الحرب لم تفارق أصواتُ الطائرات والقنابل أحلامَهم، كل ليلة هي بمثابة غارة لم تتم، يخبرنا الناجون أن النوم بالنسبة لهم صار مقتصرًا على غلق الأجفان، أما العقول فلا تغلق أبوابها أبدًا، بل يبدأ عملها حين تستقر الرأس على الوسادة، وغالبًا بعد استعراض كل الويلات السابقة يكون السؤال الذي لا يغيب: هل سأصحو غدًا…؟Top of Form

    الآثار النفسية للحروب والصراعات تطال الجميع الأطفال واليافعين كما تطال الكبار. وتكمن صعوبة ووجع هذه الآثار في أنها غير مرئية، ولكن هذا لا يعني أنها غير موجودة.

    نستطيع تفهُّم ألمَ مَن فقد عضوًا من جسمه بسبب الحرب، أو أصيب بحروق في جسده بدرجات متفاوتة، ندرك جميعًا هذا الوجع الملموس لدينا؛ فأمامنا شخص يجلس في سرير مشفى محاط بأجهزة، والمحاليل تسري في جسده لتعوِّضه عن عدم قدرته على تناول الطعام. لكننا لا ندرك آلام من نجت أجسادهم وربما منازلهم، لكن سلام نفوسهم تحطم تمامًا تحت تكرار القصف واختفاء الأمان المعتاد.

    هؤلاء الذين يسيرون على قدميهم، وربما المصابين في أروقة المشافي، هؤلاء لم يعودوا كما كانوا، والأسوأ أن معاناتهم ليست واضحة للمحيطين، بل على العكس يمنعهم المجتمع من الكلام تحت شعار “احمد ربنا أنك عايش وجسمك سليم”.

    في واقع الأمر كون الإنسان يتنفس ويأكل وتعمل وظائفه الحيوية بصورة جيدة لا يعني هذا أنه “حي” هو فقط على “قيد الحياة”.

    في نهاية الحرب العالمة الثانية جمعوا أطفالًا من مدن حطمتها الغارات ففقدوا أهلهم، لذلك وُضِع الأطفال في ملجأ بعيد عن الحرب، آمن تمامًا، لكن الأطفال في الملجأ كانوا يفعلون أمرًا غريبًا كل ليلة حين يذهبون للنوم؛ فبعد ساعة من نومهم يقوم الأطفال فزعين منهارين لينخرطوا جميعًا في نوبات بكاء هستيري لا يستطيع مشرفو الملجأ السيطرة عليها.

    حتى جاء يوم اقترح فيه الأخصائي النفسي على مدير الملجأ فكرة بسيطة، الاقتراح كان أن يذهب كل طفل إلى سريره ليلًا وهو ممسك بشطائر الإفطار المخصصة لليوم التالي. ورغم غرابة الاقتراح اقتنع المدير ونفذ الفكرة، كل طفل ذهب لفراشه في هذه الليلة وهو يحتضن إفطار اليوم التالي، وكانت هذه أول ليلة ينام فيها الأطفال بعمق. التفسير الذي قدَّمه الأخصائي النفسي هو أن بكاء الأطفال سببه عدم إحساسهم بالأمان نتيجة ضربات الغارات التي اختبروها على رؤوسهم، والتي لم تغادر مخيلتهم أبدًا فكانوا يذهبون إلى الفراش فاقدي اليقين في أن الغد سيأتي بصورة طبيعية، حتى أمسكوا ببشائر الغد بين أيديهم في صورة شطائر الإفطار.

    هذا ما تصنعه الحرب، تحطيم السلام، ونزع الأمان، تغيير شكل الحياة الثابتة المستقرة إلى حياة متقلبة لا تعرف فيها متى ستدوي صافرات الإنذار، من سيموت ومن سيصاب، ومن سيترك وطنه لينتقل إلى مخيمات اللاجئين.

    فقدان السلام والأمان لحن حزين، حين يزور قلب الإنسان يعصره ويسلبه كل علامات الراحة والفرح، ربما عُزِف هذا اللحن بآلات مختلفة -شأن أي فرقة موسيقية محترفة- فالبدايات يعزفها القلق والتوتر، واللحظات الحاسمة ينشدها الخوف والعزلة، وأخيرًا يأتي الاكتئاب وأعراض ما بعد الصدمة ليختما المقطوعة البائسة تاركين الفرقة والجمهور يتبادلان الدموع والدماء.

    تتحدث منظمات الغوث عن كثير من الأعراض المصاحبة للناجين من ويلات الحروب، مثل الصدمات النفسية الشديدة للأفراد نتيجةً للتعرض للعنف والخطر وفقدان الأحباء والممتلكات، كذلك القلق والخوف والصعوبات العاطفية، واضطرابات النوم والشهية والقدرات التحصيلية للطلبة، والعنف غير المبرر والرغبة في الانتقام، وأخيرًا تأتي مشاعر الحزن الناتج عن الفقد لتتوج الجميع بغلالة سوداء يصعب الفكاك منها.

    لكن الحروب لا تصيب النفس والجسد فقط؛ فالحربان العالميتان الأولى والثانية أصابتا أرواح الكثيرين، وزعزعتا الإيمان بعناية الله نتيجة الأهوال التي كابدها العالم بسبب صراعات الساسة. خرج الناجون من الحروب فاقدين الإيمان بالله، هذا الإله الذي سمح بكل هذه البشاعات ولم يمنع هلاك الأبرياء. منذ ذلك التاريخ تراجع الإيمان المسيحي في أوروبا إلى حدٍّ كبير، عكس الولايات المتحدة التي لم تكتوِ بنيران الحرب بنفس المقدار. هنا لا أذكر التأثير الروحي للحروب لمناقشة الإيمان بصلاح الله وسط الألم، فلهذا الموضوع مساحة أخرى للحديث، لكني أشير إليه لما يشكِّل الإيمان من دعامةٍ نفسيةٍ قويةٍ تسند النفس والجسد وقت الضعف، وبالتالي عندما تتزعزع الدعائم، فالسقوط هو الاحتمال الأكبر.

    ولكن هل توقُّف الحرب وعدم اندلاعها هو السلام والحالة المنشودة من الأمان والطمأنينة؟

    تخبرنا منظمة الصحة العالمية في تعريفها للصحة النفسية بأن غياب المرض لا يعني الصحة، وبنفس القياس نتعلم أن غياب الحروب لا يعني السلام، السلام له مواصفات خاصة، ومسيرة علينا أن نجتازها حتى نصل إلى المنشود من الراحة بعد انتهاء الحرب.

    فسكون صوت المدافع هو الخطوة الأولى في هذه المسيرة والتي تُسمَّى “إقرار السلام” أو “حفظ السلام”peace Keeping ، وفي هذه المرحلة يتم الفصل بين القوات المتنازعة بواسطة طرف ثالث يمنع تكرر الاعتداء بين الأعداء.

    ثم تأتي المرحلة الثانية وتسمى “صناعة السلام” peace making وفيها يجلس الخصمان لتوقيع اتفاق ينهي النزاع أو يحدد معالمه بصورة تضمن عدم تكرار الحرب.

    ثم تأتي المرحلة الأخيرة الأصعب وهي “بناء السلام” peace buildingوفيها تُبنَى علاقة جديدة تحوِّل أعداء أول أمس في ميدان المعركة -والذين صاروا خصومًا بالأمس على طاولة المفاوضات- إلى شركاء اليوم وغدًا، في علاقة تتفهم المصالح المشتركة والرغبة في الخير لكل الأطراف. هذا السلام يبني أساساته على خطاب يتجاوز الكراهية والعنف، يغرس بذار التقبل والتفهم، يعترف فيه كل طرف بالخطأ ويقر بمسؤوليته ويبدأ التعويض للمتضررين والاعتذار عما ارتُكِب من أخطاء، وتحمل نفقات الإصلاح، والتعهد بعدم التكرار، وبالطبع يعلو هذا الأساس بتقديم الغفران والصفح الذي لا يعني نسيان ما حدث وإنما تجاوز الفعل الخاطئ رغم بشاعته للوصول للطرف الثاني ومرافقته في مسيرة السلام.

    عندما يحدث هذا تبدأ بعدها علاقة شراكة لا عداوة فيها أو خصومة، وإنما اختيار حياة جديدة يختار فيها الطرفان أن يختبرا الخير وبهجته معًا مثلما تشاركا الشر وآلامه سويًّا.

    شعوب كثيرة كابدت صراعاتٍ عبر التاريخ نجحت في أن تسير هذا المسيرة؛ أوروبا بعد الحروب العالمية صنعت اتحادًا أوروبيًّا، الولايات المتحدة مع اليابان تجاوزا صدمات تدمير ميناء بيرل هاربور الأمريكي وقنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي في اليابان، وفي إفريقيا تصالح التوتسي والهوتو بعد مذابح دموية، وتكوَّن في جنوب إفريقيا نظام رائع اتفق فيه السود والبيض على الشراكة بعد عقود من الظلم والحروب.

    بناء السلام هو الساحة التي علينا السعي إليها لغرس بذور التعافي من الحروب، هناك يمكن أن نقدم الدعم النفسي لأنفسنا وللآخرين من خلال التحدث عن التجارب والمشاعر، في محاولة لتخفيف حدة الألم وتقليل العزلة. مع التركيز على الجوانب الإيجابية في الحياة والتأكيد على الأمل والشفاء.

    السلام فرصة لعودة البناء ورجوع اللاجئين، سواء هؤلاء الذين غادروا الوطن المكان إلى مخيم بعيد، أو من غادرهم السلام فصاروا لاجئين نفسيًّا تهيم أفكارهم في خواء الحياة بحثًا عن أمل.

    السلام يعيد التواصل بالأصدقاء والعائلة والمجتمع؛ فالحروب تفرق وتعزل، في حين يقود السلام خُطى الجميع للوحدة، ويعطي فرصة لاكتشاف معنى الحياة، وقيمتها، كل خسائر الصراعات يمكنها أن تنتج عقولًا واعية تدرك المعنى والهدف من الحياة.

    السلام وحده يشفي كما حكت مرة سيدة من لبنان عاشت أهوال الحرب الأهلية وهي منى (ليس اسمها الحقيقي) مهندسة معمارية لبنانية مقيمة في لندن منذ أكثر من عشرين عامًا. تقول منى في لقاء مع إذاعة البي بي سي إن ذكريات الحرب الأهلية لا تفارقها أبدًا رغم مرور وقت طويل جدًّا عليها، فقد خلفت تلك الحرب جروحًا لا تندمل وآلامًا عصية على النسيان. تحكي منى عن طفولتها:

    “أتذكر تمامًا الرحلة اليومية إلى المدرسة عبر الحواجز وتحت رصاص القناصة الذين يملأون سطوح الأبنية، كنت أشعر أنها حواجز الرعب، وكنت أضطر وأنا تلك الطفلة الصغيرة أن أغير ديانتي عند كل حاجز؛ فإذا مررت بالحاجز في المنطقة التي يسيطر عليها مسلمون أعطيهم اسم عائلة مسلمة، وبطبيعة الحال اسم عائلة مسيحية عند الحواجز التي يسيطر عليها المسيحيون… أتذكر تمامًا كيف تبولت بشكل لا إرادي أكثر من مرة لشدة خوفي من أن يكشف حاجزٌ ما أمري.. كان الموت ماثلًا أمام عينيَّ في كل لحظة… كنت حين أصل إلى الحاجز أشعر بخدر كامل في كل جسمي وكأن روحي طفت خارجه وأخذت تراقب ذلك الجسد الخاوي”.

    تروي منى كيف أن الكوابيس ظلت مرافقةً لأحلامها لفترة طويلة: “هناك كابوس مُحدَّد كان يؤلمني بشكل كبير، فعلى مدى ثماني سنوات تكرر ذلك الكابوس بشكل شبه يومي.. كنت أرى نفسي أمشي حافية القدمين فوق سطحٍ أعلى مبنى في منطقة الحمرا في بيروت، وبعدها أرمي بنفسي.. كنت أصحو مذعورةً وفي كثير من الأحيان باكيةً”.

    وتمضي منى للقول إنه لا يمكن الشفاء تمامًا من صدمة الحرب، وتروي كيف كان حال والدتها، التي كانت تعمل حينها مع منظمة خيرية، عندما ذهبت إلى صبرا وشاتيلا لتقديم المساعدات الإنسانية بعد المجزرة التي وقعت هناك: “من هول ما شاهدته من مظاهر الخراب والدمار والجثث والأشلاء، عادت أمي شخصًا آخر.. ظلت صامتةً لا تقوى على الكلام لأكثر من شهر.. لا أعرف ما إذا كانت تنام كذلك، كنت أراها مستيقظة دومًا وقليلًا ما كانت تأكل أو تشرب”.

    خلفت تلك الصدمة آثارا نفسية طويلة الأمد على منى التي تقول إنها حتى اليوم تشعر بتوتر شديد عندما تسمع أصوات الألعاب النارية إذ تذكرها بأصوات القذائف: “عندما يمر المرء بتجربة حرب من الصعب جدًّا أن يتخلص من آثارها النفسية مهما مر من الزمن، ويصبح الإنسان هشًّا وعرضةً للاكتئاب والقلق مهما أصبح وضعه أكثر استقرارًا… إنها آلام عصية على النسيان”.

    أخيرًا الحروب ليست فقط في ساحات القتال، توجد حروب باردة وصراعات خفية في غرف المعيشة بالمنزل، ومكان الاجتماعات في محل العمل، وغرف لجان قيادات خدمات الكنائس، هذه الحروب ربما لا تستخدم الأسلحة الثقيلة، لكن الجميع يشهد أن أسلحتها الخفيفة كالكلام الموجع والإهانات غير المقصودة لها نفس الأثر في النفوس، وقادرة على إحداث نفس الخسائر، مخلفةً قلوبًا كسيرةً وأرواحًا مُشوَّهةً. لذا تحتاج علاقاتنا اليومية العادية إلى وعي شديد يسحبها بعيدًا عن غواية الصراع ودوامة الحروب.

    عندما تنتهي الحرب نقول: “وضعت الحرب أوزارها” كنايةً عن وضع المتقاتلين أسلحتهم أرضًا والكف عن القتال. ولكن من اختبر الحرب يعرف أن لها أوزارًا أثقل من الأسلحة. وزر الرحيل عن الوطن ووزر فقدان الأحباء ووزر الألم النفسي المرير الناتج عن ألم التجربة.

    ففي قلوب ونفوس من عاش الحرب، تضع الحرب أوزارًا خفية ومؤلمة لسنوات، قد تستمر المعاناة النفسية، ولا يهم انتقالك لمكان جديد أو حصولك على الطعام أو الشراب والمسكن الدافئ، إن لم تبدأ في خطوات بناء السلام واستعادة العلاقات، فانتهاء الحرب لا يعني بالضرورة حلول السلام.

"... وقام في اليوم الثالث، حسب الكتب..

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب  : د. نقولا أبومراد

  • في رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس، في الإصحاح الخامس عشر، يتحدَّث الرسول بولس عن قيامة المسيح ومعناها في اتصالٍ مع قيامة الأموات، ويقول، في بداية الإصحاح، في ما يمكن تسميته خلاصة البشارة الرسولية: “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ [أي بالبشارة] الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ” (1كورنثوس 15: 1-4). هذه الفقرة غنيَّةٌ بالمعاني والروابط المعنويَّة، سيما أنها تأتي مقدمةً لمقطعٍ طويلٍ يشرح فيه بولس الرسول أهمية الإيمان بقيامة المسيح في سياق الحديث عن الأموات. غير أنني سأكتفي هنا بإلقاء الضوء على عبارة “حسب الكتاب” التي ترد مرتين، وذلك محاولةً مني لتبيان النحو الذي به يربط بولس الرسول ما بين البشارة بالقيامة و”الكتب”، طبعًا، الكتب التي نجدها في ما نسميه “العهد القديم”.

    تأتي عبارة “حسب الكتب”، وتعني أيضًا، في أصلها اليوناني (kata tas graphas) “استنادًا إلى الكتب” أو “وفق الكتب”، مرةً مع قوله: “إن المسيح مات من أجل خطايانا”، ومرةً ثانيةً مع قوله: “إنه دُفِن وأنه قام في اليوم الثالث”. أهمية هذه العبارة تكمن في كونها تأتي لتؤكد تجذُّر “الإنجيل”، أي البشارة الرسولية بموت المسيح وقيامته في “الكتب” على اعتبار أن هذه “الكتب”، في استعمال بولس الرسول، تحمل من السلطان الإلهي ما يجعلها معيارًا لكل كلامٍ في الإيمان ومضمونه. وتزداد أهميتها هنا إذا أخذنا في الاعتبار أن ما يورده بولس الرسول عن موت المسيح ودفنه وقيامته، قَبِلَه هو أيضًا كبشارةٍ قبل أن يسلمه بدوره إلى الإخوة الذين يخاطبهم في هذه الرسالة. غير أن هذا لم يَحُل دون أن يقول الرسول إن الإنجيل الذي بَشَّر به والذي كان قد قَبِلهَ، هذا الإنجيل الذي يشكِّل قوام الجماعة المسيحية وسببًا “لخلاصها” إنما هو “حسب الكتب”، أو أنه، بكلام آخر، إنجيل، إذا ما أردنا أن ندرك أبعادَه، فلنا “الكتب”. بمعنى آخر، يريد بولس أن يقول إن موت المسيح إنما هو إنجيلٌ، بشارةٌ، لأنه كان موتًا له لأجل خطايانا، وهذا “وفق الكتب”، وأن قيامته إنما هي أيضًا إنجيلٌ، بشارةٌ، لأنه “قام في اليوم الثالث“، وهذا “وفقَ الكتب”. ولكي ندرك أهمية هذا، لا بد لنا في النظر إلى مدلولات جملتَيْ “لأجل خطايانا”، و”اليوم الثالث”، وذلك في “الكتب” التي يرجع الرسول إليها توضيحًا للإنجيل.

    المرجعُ الأهم لجملة “لأجل خطايانا” نجده في سياق الكلام عن آلام عبد الرب في إشعياء 53: 5، في قول النبي: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا”. أما السياق الإشعياني فهو الخلاص الذي يتمُّه الربُّ في عبدٍ متألمٍ، انسحق، لا لخطيئةٍ اقترفها هو، أو لذنبٍ حمله، إنما “لأجل خطايا” مَن استكبروا، ورفضوا الرب وأبوا الاتكال عليه (إشعياء 7-8)، بل اتكلوا على ذواتهم وقوتهم الفانية، وسكروا بمجد ذواتهم الباطل وسلطانهم الكاذب، وتحولوا إلى ضلالٍ للناس (انظر إشعياء 28 – 29). يأتي الكلام عن عبدٍ للرب لا خطيئة في فمه، ولا حتى كلام، يصير وجعه شفاءً وتتحول آلامه فرحًا، ويغدو موته حياةً لأن ولئن كان بلا ذنب، إلا أنه عومل معاملةَ المذنبين لأنه حمل خطايا العالم، كقول الرب: “وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا”. وعليه سيعطيه الرب مكانة الأعزاء، “مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” ( إشعياء 53: 12).

    ولأن آلام العبد وموته كانت “لأجل خطايانا”، تلي الكلامَ عنه بشارةٌ إلى “العاقر التي لم تلد” -أي الجماعة الخاطئة- التي أتاها الآن خلاصُ الرب، فجمع شتاتها، وبرَّرها ومجَّدها “بالمشترع [أي صاحب الكلام الإلهي] الذي ستخضع له جميع الشعوب” (إشعياء 54-55)، والتي سيكون كل بنيها تلاميذ للرب (إشعياء 54: 13) حافظين كلامه وعهده دومًا. موتُ العبدِ تحول حياةً لها، وازدهارًا، واتساعًا؛ فالإثم الذي حمله كان إثم بنيها، وهو مات لأجل خطاياهم فبررهم، فصاروا مدعوين إلى سماع كلمة الرب ليكون لهم معه عهد أبدي ورحمة صادقة (إشعياء 55: 3).

    حين قال بولس الرسول: “إن المسيح مات لأجل خطايانا حسب الكتب”، أراد، بالتأكيد على “كتابية” موته “لأجل خطايانا”، أن يؤكد على أن الكلام عنها إنما هو حقًّا إنجيلٌ، بشارةٌ، وأنه، لهذا، يكون لمن يقبلونه ويقومون فيه خلاصٌ، ولهذا أيضًا تكون قيامته حياةً للأموات. فهو لم يمت لخطيئته، بل مات لخطيئتهم، وعليه فإن قيامته هي قيامة لهم، ولا سبيل لنكرانها، فإذا قلنا إنهم لا يقومون، فهذا يعني أن المسيح لم يقم، على ما يقول، “فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ!” (1كورنثوس 15: 13). لم يمت المسيح ولم يقم لذاته، بل “لأجل خطايانا”، وتاليًا لا جدوى من القول بقيامة المسيح إن أنكرنا على الخطاة الخلاص، وتاليًا على الموتى الحياة. ويتابع بولس ليقيم تضادًّا بين موتنا في آدم الذي أخطأ، وحياتنا في المسيح الذي له أخضع الله كل شيء، حتى الموت (1كورنثوس 15: 25-26).

    وكما لاحظنا هنا الانتقال في الكلام من الموت “لأجل خطايانا” إلى الحياة في المسيح، يكمل بولس الرسول ليقول إن المسيح “قام في اليوم الثالث حسب الكتب”، ليس كفكرة ثانية، ولكن في اتصال وثيق مع ما قلناه عن موته. وسنرى في كلامي عن مدلول القيامة في اليوم الثالث تأكيدًا لهذا الارتباط الذي يشكِّل أساسًا لفهم هذا الإصحاح في الرسالة. في اعتقادي أن المرجع الكتابي الأساس في موضوع اليوم الثالث هو الإصحاح الأول من سفر التكوين، وخصوصًا في الآيات 1-13. تتحدث هذه الآيات من سفر التكوين عن خلق الله للعالم، الذي يبدأ في اليوم الأول بكسر سلطان الظلمة على الأرض “الخربة والخالية” في اليوم الأول، لينتقل إلى قهر المياه المسيطرة المانعة الحياةَ في اليوم الثاني، وصولًا إلى ظهور الحياة في اليوم الثالث. الظلمة ومياه البحر في التصور والخبرة الإنسانيين عَدُوَّا الحياة. فالخوف دومًا أن تغطي مياه البحار اليابسة فتمحو الحياة عنها، أو أن تسيطر الظلمة وتمنع هذه الحياة من النمو. في كثير من نصوص الكتاب المقدس، تلعب المياه دورًا مدمرًا للحياة. حسبنا أن نذكر، في السياق المباشر لنصِّنا، رواية الطوفان؛ حيث المياه تقضي على كل حياة تكوين 7: 10-24. في رواية الطوفان، حركة معاكسة لما نجده في رواية الخلق الأولى. فالمياه التي كانت قد تراجعت إلى مُستَقَرِّها لتظهر اليابسة في تكوين 1:  9 بأمر الله، تعود فتغطي اليابسة لتبيد الحياة بأمر الله كذلك. وفي مواقع أخرى في الكتاب المقدس إلماحٌ إلى هذا الدور السلبي الذي تلعبه المياه (انظر مثلًا مزمور 93، الذي يصور مبارزة المياه لله الذي يتغلب عليها في نهاية المطاف؛ وكذلك رواية تسكين العاصفة والبحر الهائج في العهد الجديد، في مرقس 4: 35-41، والتي يَرِد فيها أيضًا موضوعا البحر والظلمة).

    والظلمة أيضًا في الشرق القديم، إلى جانب المياه، كانت تُعتَبَر من القوى الخوائية المعادية للحياة؛ فحلول الظلام واستمراره مؤشر إلى الموت وانعدام الحركة. في نصٍّ موازٍ لرواية الخلق (إرميا 4: 23) إشارة إلى غياب النور وسيطرة الظلمة على الأرض التي ابتعدت عن الله وسبله. يقول إرميا: “نَظَرْتُ إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا هِيَ خَرِبَةٌ وَخَالِيَةٌ، وَإِلَى السَّمَاوَاتِ فَلاَ نُورَ لَهَا…”. نلاحظ في هذه الآية وفي ما يليها استعمالًا للعبارات نفسها والصور نفسها التي تأتي في رواية الخلق الأولى: الظلمة، والخراب، وانعدام الحياة. ولكنها تَرِد في سياقٍ معاكسٍ لقصة الخلق؛ ففي حين تتحدث قصة الخلق عن انتقال الأرض من حال الخراب إلى الحال الحسن، نرى في إرميا 4 انتقالًا للأرض من الحياة إلى الخراب. أما السبب الذي يعطيه إرميا فهو أنه لم يَعُد في الأرض عاملٌ بالبر والعدل والحق؛ أي أنه لم يَعُد هناك مَن يعمل بكلمة الرب، أو مَن يُقِر بسيادته. المسألة إذًا أن حال الأرض مرتبطة بقبول هذه السيادة؛ فهي دونها خربة وخالية، ومعها في أحسن حال. هذه هي الفكرة الرئيسية التي تكمن وراء نص قصة الخلق الأولى.

    وعليه فإن حال “الخراب والخواء” في الأرض بسيطرة هذين العنصرين المميتين والقوتين المعاديتين للحياة، أي الظلمة والمياه الطاغية، تنتهي في اليوم الأول بانبلاج النور. فعل الخلق الأول النور. النور عكس الظلمة، وفعله عكس فعل الظلمة. في مواضع كثيرةٍ في الكتاب المقدس النور يرافق حضور الله، وهو علامةٌ له. في مزمور 104: 2 الله يتسربل النور، يلبسه كالثوب (انظر أيضًا دانيآل 7: 9). النور هو رمز الخلاص الذي يعطيه الله (إشعياء 9: 1؛ 58: 8؛ مزمور 18: 29؛ 36: 10؛ 43: 3؛ 97؛ 11؛ أيوب 29: 3). وفي أحيانٍ يَستَعمِل النص الكتابي “السراج” بدل “النور” بالمعنى نفسه (مزمور 18: 29؛ 2صموئيل 22: 29؛ أمثال 13: 9؛ 24: 20). في بعض المقاطع الكتابية يُوصَف الله نفسه بأنه سراج الناس (مزمور 27: 1؛ 2صموئيل 22: 29؛ إشعياء 10: 17). ما تشير إليه هذه الآيات وغيرها هو الأهمية التي لله في حياة الإنسان بكونه مانح الخلاص والمعونة. وينطبق الأمر نفسه على النصوص التي تتحدث عن “نور الرب” (إشعياء 2: 5)، و”نوره [الله]” (أيوب 29: 3). هنا أيضًا النور رمز الخلاص الذي يعطيه الله. في تكوين 1: 3 يأمر اللهُ النورَ أن يكون. في سياق الآية 2 يعني هذا أن النور هنا هو الخلاص الذي يغدقه الله على الأرض المغمورة بالظلمة. هنا النور يصير نقيض الظلمة في الآية 2، فإذا كانت هذه تمثل انتفاء الخلاص والابتعاد عن الله، فالنور هنا يمثل خلاص الله التام، وتنتقل الظلمة بهذا من حال العداء إلى حال السلام.

    في اليوم الثاني يفصل الله بين مياهٍ ومياهٍ، ويخلق السماوات. فصل المياه هذا، سيجعلها طيعةً، بحيث تأتي على الأرض حين يريد الله، وتُحبَس حين يريد. فصل المياه إلى ما هو فوق السماوات وإلى ما هو تحت السماوات، يمنعها من أن تغمر الأرض وتعيدها إلى وضع الخراب. أصبحت المياه الآن محييةً، لكونها تنزل، بأمر الله، مطرًا على الأرض فتحييها.

    بعد الغلبة على الظلمة والمياه، تظهر اليابسة، وظهور اليابسة سيكون مقدمةً لظهور الحياة؛ فكما أن الظلمة التي كانت قوةً معاديةً تسيطر على الكون، وتحولت إلى حركةٍ زمنيةٍ في تتابع الليل والنهار، هكذا تحولت المياه من قوةٍ معاديةٍ مانعةٍ للحياة إلى سببٍ للحياة. قلنا إن المياه التي فوق السماوات ستنزل مطرًا على الأرض. أما المياه التي تحت السماوات فتحولت إلى بحار، وستكون أيضًا مكانًا للحياة (الآيات 20-23). وتحوُّل المياه التي تحت السماوات إلى بحارٍ يتيح لليابسة أن تظهر، وتشهد البروز الأول للحياة. هذه الحياة سيضمن لها الله الاستمرار، وذلك في صورة “البذر” الذي يبذر، والثمر الذي يحوي البذر، ويؤمِّن الاستمرار للنبات والشجر. صورة البذار والإثمار مهمةٌ جدًّا هنا، لكونها لا تشير إلى الحياة الطبيعية واستمرارها فحسب، ولكن أيضًا، وفي الدرجة الأولى، إلى استمرار حياة الإنسان. هذا يعطي “اليومَ الثالثَ” رمزيةً خاصةً في الدلالة على الحياة التي يعطيها الله. (لا غرابة في أن يكون هذا النص من قصة الخلق هو القراءة الأولى من قراءات قداس سبت النور، يوم الاحتفال بقيامة المسيح).

    ما يلفتنا في هذا السياق إسهاب بولس الرسول في استعمال صورٍ وعباراتٍ مأخوذةٍ تحديدًا من رواية الخلق في سفر التكوين، من هذا الإصحاح، وذلك في سياق حديثه عن قيامة المسيح وقيامة الموتى في 1كورنثوس 15: 35-50؛ فهو يستعمل صورة البذور التي أعطى الله لكل منها جسمًا، ويتحدث عن الناس، والبهائم، والسمك، والطيور، والشمس، والقمر، والنجوم، أي كل ما يخلقه الله في تكوين 1. وفي هذا السياق يريد أن يقول إن ما كنا عليه ومتنا عنه بموتنا في المسيح هو غير ما سنكون عليه في حياتنا بقيامته. فكما كانت الأرض “خربة خالية” قبل الخلق وأصبح كل شيء “حسنًا جدًّا” بعده، هكذا كلنا، بقيامة المسيح، إذا قبلناها وأقمنا فيها وسِرنا بها، نتحول من الهوان إلى المجد، ومن الترابي إلى السماوي، ومن الحيواني إلى الحياة بروح الله وكلمته. هذه هي القيامة، وهذه هي الحياة الجديدة، حسب الكتب.

لاهوت المحبة في عالم مليء بالحروب

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القس الدكتور يوحنا كتناشو

  • نستصعب التحدث عن المحبة زمن الحروب؛ إذ نتنفس الهواء المليء بالكراهية. وتصبح الكراهية كلية الحضور، نراها ونسمعها ونتلامس معها في كل نشرة أخبار، وفي نظرات الناس الذين يكشّرون عن أنيابهم لينهشوا لحوم البشر. وتنتشر الكراهية والأنانية وتصبح نهجًا وأيديولوجيات سياسية ودينية. وتنشر الكراهيةُ دينَها بنشر معابدها من خلال نقاط التفتيش والقوانين المجحفة والتطرف الديني والظلم الممنهج والعنف المجتمعي والسياسي. وهكذا يتصارع الإنسان الفلسطيني يوميًّا مع منطق الكراهية ويقف أمام سيولها الجارفة التي تنحت الصخر فكم بالحري قلوب البشر. لا يعفينا هذا الواقعُ من دعوة المحبة التي دعانا الله إليها. العكس هو الصحيح؛ فالحاجة إلى المحبة أكثر إلحاحًا وضرورةً، لكن المحبة كلمة ضبابية في زمن الحروب. فكيف نسبر غورها ونسمع ألحانها رغم ضجة المدافع والدماء التي تصرخ في وجهنا. وما مفهوم المحبة وكيف تتكلم وتبني حضارتَها في زمن الكراهية. سأتحدث في هذا المقال القصير عن ثلاثة أوجه من المحبة كما يراها الإنسان المسيحي الفلسطيني المُلتزم بعلاقة حميمة مع السيد المسيح، رب المحبة والسلام.

    أولًا، بسبب تشوه مفهوم المحبة وحصرها بالجنس وبتوجهات إباحية، من الضروري تقديم النعوت الصحيحة لنَصِفَ المحبة التي ترضي الله. ولهذا اخترت أن أحدد المحبة بأنها المحبة العهدية. والمحبة العهدية هي المحبة الوحيدة المقبولة في طيات العهد القديم. ويمكننا الدخول إلى عالم العهد القديم من خلال سفر التثنية. ويشدد هذا السفر على مفهوم العهد وربطه بصورة مباشرة بالمحبة. فيقول: “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ” (تثنية 6: 4-5). إن المحبة العهدية هي أفضل تعبير عن الولاء لله وأفضل تجسيد لإرادته بين البشر. هي الدافع لطاعته والوسيلة لبناء العلاقة معه ومع خليقته، وهي الهدف من العلاقة. وإذا أردنا أن نلخص ونوجز العدالة التي يطلبها الله وكل قوانين العهد القديم نستطيع القول إن المحبة العهدية هي التعبير الأمثل عن العدالة التي يطلبها الله. فالمحبة العهدية هي الوجه الآخر من العدالة الإلهية، بل هي أشمل وأوسع من العدالة الاجتماعية والسياسية. إنها تعبير عن البر والعلاقة مع الله من منظور الولاء الذي يرضيه والسلوك الذي يطلبه والقلب الذي يسرُّه.

    ارتبطت هذه المحبة العهدية بشعبٍ عانى من الظلم. كانوا عبيدًا وإماءً في مصر القديمة. صارعوا مع أنظمة فرعونية ظالمة وصرخوا إلى الرب طالبين التحرير من سلاسل الشر. استجاب الله لصرختهم وواجه الشرَّ الممنهج وقاتَلَ الشر السياسي. لكن الله لم يكتفِ بالتحرير السياسي والاجتماعي؛ فهو يريد البر ويهدف إلى نشر حضارة المحبة. هو يريد أن يحبه الشعب من كل القلب وليس بسبب المنفعة مهما كان نوعها. يريد أن يحبوه بسبب هويته وشخصه وصفاته، ويحترموه ويكرموه كأب ويهابوه من خلال المحبة العهدية. وهو يريد أن تكون محبته المولِّد أو المُحرّك الذي يجعل حياتنا تفيض حبًّا لخليقته. فحبنا لله هو سر حبنا للإنسان الذي خلقه على صورته وكمثاله. وهو سر حبنا لكل إنسان مهما كانت خلفيته وثقافته وشكله ولونه وجنسه. ولهذا من الضروري التشديد على المحبة العهدية في بلاد موبوءة بالشرذمة الطائفية والانقسامات الدينية والمجتمعات المتحاربة والعنصرية والعقليات النخبوية. ويحتاج الإنسان الفلسطيني إلى اعتناق المحبة العهدية ومعانقتها يوميًّا ليستطيع أن يعانق جيرانه وكل إنسان دون كراهية. فمن يحب الله يحب كل إنسان.

    ثانيًا، بعد الحديث عن المحبة العهدية من الضروري إكمال رحلتنا في فهم المحبة واكتشاف نعوتها الضرورية؛ فالمحبة ناقصة دون صلتها بالمسيح. ولهذا ندعو المحبة بالمحبة الكريستولوجية. إن المحبة العهدية التي أظهرت براعمها زمن عهود العهد القديم سواء مع آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى أو داود، أو حتى العهد الجديد الذي تحدث عنه النبي إرميا، هي مثل القطار الذي يقودنا إلى المحبة الكريستولوجية. ففي المحبة الكريستولوجية تكتمل المحبة العهدية وتتجسد في ذروتها. ونستطيع القول إن المحبة الكريستولوجية أسمى كمًّا ونوعًا من كل محبةٍ عهديةٍ ظهرت في طيات العهد القديم. ولهذا من الضروري الانتباه لها وجعلها العدسة التي تعيننا في فهم المحبة العهدية. على أي حال، اخترقت المحبة الكريستولوجية حصون الكراهية، فتحدثت عن محبة الأعداء بشكل مذهل وصاعق. ولم يحب المسيح أعداءه بالكلام فحسب، بل مات على الصليب من أجل أعدائه. لم يَمُت ليصالحنا مع الله فحسب، بل مات أيضًا ليصالحنا مع بعضنا بعضًا. لم يَمُت ليُنهي العداوة بين الله والإنسان فحسب، بل مات ليُنهي العداوة بين الإنسان والإنسان، بين اليهودي والأممي. لقد مات على الصليب من أجل أعدائه ولكي يتصالح معهم. ولكن علينا أن ندرك أن المحبة الكريستولوجية لا تعني التخلي عن العدالة؛ فالعكس هو الصحيح. إنها المحبة التي تسعى لتحقيق العدالة من دون انتقام أو كراهية، وحتى عن طريق محبة الأعداء. إنها محبة الصليب الذي تلتقي فيه المحبة مع العدالة. إنها محبة الغفران. إنها المحبة التي تنزف وتضحي ليس من أجل القريب فحسب، بل أيضًا من أجل العدو! ومن المثير للانتباه أن عددًا من الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين ربطوا معاناتهم مع معاناة المسيح. ووصفوا أنفسهم بالمصلوبين ظلمًا ومن أعداء شرسين وظالمين.

    لكن هذه الصورة غير مكتملة، لا سيما بعيون المحبة الكريستولوجية. فإن أردنا تبنِّي منطق الصليب فعندئذٍ نرى أن المحبة الكريستولوجية لم تتألم من الأعداء فحسب، بل تألمت أيضًا من أجل الأعداء. لقد قبل الصليب ليفيض بحبه على أعدائه. وكأنه يقول: المسيحي الذي يتألم من أعدائه يستطيع أيضًا أن يتألم من أجل مصلحة أعدائه. فيواجه الشر ويخلق عالمًا من المحبة محاربًا كل أصناف العنصرية والكراهية والانتقام. هذا الحب الكريستولوجي مذهل حقًّا. إنه الحب الذي يستطيع أن يخلق عالمًا جديدًا يخلو من الكراهية. إنه الحب الذي يستطيع أن يمنحنا الأمل والرجاء بولادة علاقات اجتماعية وسياسية تفيض بالعدل النابع من المحبة. المحبة الكريستولوجية تستطيع أن تصنع هذه المعجزة وتشفي بلادًا بأكملها من الكراهية.

    ثالثًا، لم تكن خطة الله أن تتحول المحبة إلى بحيرة راكدة، بل أرادها نهرًا يفيض إلى كل العالم. ولهذا يجب أن تكون المحبة محبة إرسالية. وهذه هي المحبة الثالثة من رحلة المحبة؛ فلا يمكن للمحبة أن تكون أنانيةً وحصريةً. ترغب المحبة أن تغزو بلاد الكراهية وتشفيها من أمراضها الكثيرة. وتريد المحبة أن تدخل عالم السياسة وربما تريد أن تحوِّل الاثنوقراطية إلى ديمقراطية أو نظام آخر يخلو من الأنانية وتريد أن تستبدل الأنانية بالرحمة والإنسانية. إن مهمة المحبة الإرسالية أن تخلق عالمًا من العدالة والبر للفلسطيني واليهودي ولكل إنسانٍ مهما كان. ولا نستطيع أن نتمتع بالسلام دون المحبة الإرسالية؛ فهي وحدها تقدر أن تضمن الأمان. السيف لا يضمن الأمان أما محبة الصليب فتستطيع تحقيق المعجزات. ونستطيع أن نتلامس مع المحبة الإرسالية في شخص السيد المسيح عندما ذهب إلى السامرة ليلتقي بالمرأة السامرية. اخترق الحواجز السياسية والدينية والثقافية والجغرافية والجندرية؛ فالمحبة الإرسالية تصنع المعجزات وتحقق السلام رغم تاريخ مليء بالحروب.

    إن النعوت التي ذكرناها أعلاه مهمة وضرورية لتشكيل نظرة صحيحة وصحيّة عن المحبة. ولا شك أن التخلي عن هذه النعوت أو مدلولها سيفسح الطريق أمام عالم الكراهية. ونحن المسيحيين مدعوون أن نحمل علم المحبة بنعوتها الثلاثة وأن نواجه الكراهية بمحبة الله والمسيح وقيادة الروح القدس. فنختبر المحبة العهدية والكريستولوجية والإرسالية. ونغير عالمنا المريض إلى عالم يتحقق فيه حلم المحبة والعدالة والسلام. ونتلامس مع حضارة المحبة والمجتمعات التي ترضي الله. ولا يمكننا أن نحب دون أن نواجه عالمنا ونعانق عدونا ونتحاور مع القضايا الشائكة بعقلية المحبة التي في إمكانها أن تقضي على عالم الموت وتحوله إلى عالم القيامة. ومهما بلغت قوة الكراهية فإن النصرة ستكون للمحبة ولها الكلمة الأخيرة.

نماذج من الكتابات المصرية الإنجيلية العربية ضد المزاعم الصهيونية

اسم الكاتب : القس عيد صلاح

  • نعرض في هذه الملحق أربعة كتب من بواكير الكتابات المصرية الإنجيلية العربية التي انتقدت بشدة موقف إسرائيل، وهي:

    الكتاب الأول: مفهوم إسرائيل في الكتاب المقدس

    مجموعة من المؤلفين، مفهوم إسرائيل في الكتاب المقدس، صدر عن دار الثقافة بالقاهرة، 1971م، يقع الكتاب في 35 صفحة من القطع المتوسط. وهو مجموع لعدد المحاضرات التي قُدمت في مؤتمر التوعية بشأن معنى إسرائيل في الكتاب المقدس أثناء انعقاد الدورة الثمانين لسنودس النيل الإنجيليّ، في اجتماع خاص يوم الأربعاء 31 مارس 1971م. ويحتوي الكتاب: “الكنيسة المسيحيَّة إتمام للنبوات”، بشاي سعيد، ص 4-8، “أرض الميعاد”، نصيف طانيوس، ص 9-13، “نسل إبراهيم“، حبيب حكيم، ص 14-25، “مأساة فلسطين والضمير الروحيّ” صموئيل وهبي، ص 26-35.

    الكتاب الثاني: معنى إسرائيل في الكتاب المقدس

    كمال رمزي استينو، معنى إسرائيل في الكتاب المقدَّس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م، ويقع الكتاب في 30 صفحة من القطع المتوسط. قدَّم كلٌّ من عبد الملك مهني، رئيس السنودس، وصموئيل حبيب، أمين عام السنودس لهذا الكتاب بالقول: “إنَّ السنودس يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الاستعمار -بكل ألوانه- شر بغيض لا يتفق مع رسالة المسيحية الحقيقيّة. كما أنَّ السنودس يدعو للحرية والديمقراطيّة والاشتراكيّة باعتبارها تعبيرًا عن المسيحية الصحيحة. وقد رأى السنودس بأن البعض قد أساءوا تفسير معنى “إسرائيل” في الكتاب المقدس، لهذا أراد السنودس أن يقوم بدور توعية بالعقيدة الإنجيليّة الصحيحة بالتفسير الصحيح لكلمة “إسرائيل” في الكتاب المقدس. وقد نشرت هذه العقيدة في كتب عقيدة الكنيسة الإنجيليّة منذ نشأتها بمصر، منذ 117 عامًا. لهذا دعا السنودس إلى مؤتمر إنجيلي عام للتوعية بمعنى “إسرائيل” في الكتاب المقدس. وقد قدمت دراسات لاهوتيّة في هذا المؤتمر”. (استينو، 1971م، 4).

    الكتاب الثالث: حقيقة إسرائيل…عقيدة الكنيسة الإنجيليّة عن إسرائيل في الكتاب المقدس

    القس بشاي سعيد، حقيقة إسرائيل… عقيدة الكنيسة الإنجيليّة عن إسرائيل في الكتاب المقدس. القاهرة: دار الثقافة، 1971م. يقع الكتاب في 16 صفحة من القطع المتوسط.

    الكتاب الرابع: هل دولة إسرائيل تحقيق لنبوة كتابية

    برادلي واتكنز. هل دولة إسرائيل الحديثة تحقيق لنبوة كتابية؟ ترجمة عزرا مرجان. القاهرة: دار الثقافة، 1974م. يقع في 31 صفحة من القطع المتوسط.

    نقدم هذا التراث الذي نعتز به لإيضاح الموقف التي اتخذته الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر منذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي ولم تتخلَّ عنه أبدًا، قراءة ممتعة.