لا، الحق ليس نسبيًّا!
- Sermon By: ق. مارك عبد المسيح
- Categories: دراسات متنوعة
لا، الحق ليس نسبيًّا!
القس مارك عبد المسيح[1]
مقدمة:
ذات مرّة ذهب أحد المحاورين، وهو رجلٌ أمريكيٌّ أشقر وفي منتصف الثلاثينات، إلى جامعة واشنطن في أمريكا لإجراء عدَّة لقاءات مع العديد من الطلاب الجامعيين. وكان واحد من الأسئلة التي سألها: “إذا قلت لك/ لكِ إنني امرأةٌ صينيةٌ، وإنّ عمري سبع سنوات، هل ستصدِّق/ ستصدِّقين هذا الاِدّعاء؟” الأمر المثير للدهشة هو أنه لم يُجب واحد من الطلاب بوضوح: “هذا ليس حقيقيًّا، أنتَ لستَ امرأةً، ولستَ من الصين، وعمرك ليس سبع سنوات!”. على العكس، أجاب مُعظم الطلاب قائلين: “إذا كان هذا ما ترى أنّه الحَقّ، فلا بأس!”، أو “رُبّما يصعب تصديق ذلك، لكن إذا أَرَدْتَ أن تكون هكذا، فهذا جيدٌ لك!” أو “إن كنتَ تشعر بهذا في قلبك، وهذا يرضيك، فحسنًا، إذ لك مطلق الحرية لتؤمن بما تريد أن تؤمن به!”[2] لقد كانوا كلهم أبناء عصر ما بعد الحداثة.
إنّ أحد اِدّعاءات عصر ما بعد الحداثة هي أنّه “لا يوجَد حقٌّ مُطلق”. فيخبرنا مُفكِّرو عصر ما بعد الحداثة أن “الحَقَّ نسبيٌّ”، وأنّ كل مَن يدَّعي أنّ ما يقوله هو “حقٌّ” (truth) أو “الحَقّ” (the truth) هو متكبِّر ومتعصِّب، فاقد للمحبة وغير متسامِح. ليس هذا فقط بل أيضًا إن هذا الأمر يتّخِذ عدة أشكال كتابية، فنسمع بعض الناس يقولون: “قال المسيح لا تدينوا لكي لا تدانوا، لذلك لا يجب علينا أن نحكم على أي معتقد أو فكر أي شخص”، أو نسمع، “في نظري هذا المقطع الكتابي يعني…” وكأنّ الحَقَّ في كل مقطع كتابي، نسبيّ وشخصيّ وليس موضوعيًّا. لكن هل مثل هذه الاِدّعاءات قادرة على الصمود أمام الفحص المنطقي والعملي واللاهوتي والكتابي؟ هذا هو موضوع حديثنا، ولكن دعونا نوضِّح سريعًا ما المقصود بموضوعي، وشخصي أو نسبي.
أقصد بما هو “موضوعي” أن يكون شيءٌ ما حقًّا مَهْما كانت كل الاعتبارات والآراء البشرية، أي سَوَاءٌ قَبِله الناس أو رفضوه. فوجود الشمس حقيقة موضوعية، حتى لو كان البشر كلّهم مُصابين بالعمى وينكرون وجودها. هذا يختلف عن الرأي “الشخصي”؛ فمن الممكن أن يقول أحدٌ: “إنّني أرى أنّ طعمَ عصير المانجو حلو”، ويقول آخر: “إنّ عصير المانجو بغيض، وعصير الفراولة حلو من وجهة نظري”، هنا بات الأمر شخصيًّا (الأمر المُرتبط دائمًا بفكرة النسبية)، وليس موضوعيًّا.
مغالطة فكرية:
دعونا الآن نختبر أولًا اِدّعاء “نسبية الحَقّ” بالنظر إلى علم المنطق والمغالطات المنطقية.[3] إحدى المغالطات المنطقية المُهِمّة تُدعى “مغالطة التناقض الذاتي” والتي يرتكبها الشخص عندما يدَّعي ادعاءً ما يناقض ذاته. على سبيل المثال، إذا قال أحدٌ: “لا تُوجَد جُملة عربية تحتوي على أكثر من ثلاث كلمات”، لا يحتاج الأمر إلى ذكاء بارع لرؤية أنه بما أنّ هذه الجملة نفسها تحتوي على عَشَر كلمات، فما تعلنه هذه الجملة هو أمرٌ خاطئ ويناقض الجملة نفسها. بالمثل، إنّ الاِدّعاء القائل بأنّه: “لا يُوجَد حقٌّ مُطلق” أو “لا يُمكنك أن تقول إنّ هذا المُعتقد هو الحَقّ”، هو ادِّعاءٌ يناقض نفسه. فصاحب هذا الاِدّعاء يريدنا أن نرفض كلَّ حقٍّ مُطلق باستثناء اِدّعاء قائِله إنه: “لا يُوجَد حقٌّ مُطلق”، وأن نجعل “الحَقَّ المُطلق” الوحيد الذي نقبله هو أنّه “لا يُوجَد حقٌّ مُطلق”.[4] أليس هذا هراءً فكريًّا؟!
معضلة أخلاقية:
ثانيًا، لا يسعنا الحديث عمَّا إذا كان الحَقُّ مُطلقًا أم نسبيًّا، دون الحديث عن المعيار الأخلاقي. ففي اللحظة التي يُنكِر فيها تابعو فكر ما بعد الحداثة أنّ “الحَقَّ مُطلق وموضوعي”، ويؤكِّدون أنّ “الحقّ نسبيٌّ وشخصيٌّ” في الحقيقة إنّهم يُضحّون “بالأخلاق الموضوعية” على نفس المذبح، الأمر الذي يخلق عالمًا بلا معايير أخلاقية. لنفكر في سؤال مُهِمّ لتوضيح هذا الأمر: هل قَتْلُ هتلر لملايين من اليهود لم يكن سوى رأيًا شخصيًّا؟ أم أنّ هناك أساسًا موضوعيًّا يجعلنا نقول إنّ ما فعله هتلر خطأ بصرف النظر عمَّا كان يظنّه شخصيًّا؟ لنلاحظ أنّنا في اللحظة التي سنتخلّى فيها عن كون المعيار الأخلاقي حقيقة موضوعية، سنفقد الأساس الذي يُمكِّننا من القول بأن الشخص الذي يقتل أو يزني مُخطِئ. فوجود معيار أخلاقي موضوعي هو الحلُّ الوحيد للحكم على تصرُّف معيَّن بأنّه صوابٌ أو خطأ أيًّا كان رأي فاعِله، وبصرف النظر عن مقدار الفائدة العملية أو السعادة التي يجلبها هذه التصرُّف (الخاطئ!)[5]، بل وبصرف النظر عن قبول أو رفض مَن هُم في مُجتمع الفاعل (مثال: قبول كلّ مجتمع هتلر لمَا فعله، لا يجعل فعل الإبادة صحيحًا).[6] إذا قُبِلَت نسبية الحَقّ بكل تَبِعَاتها، فستقودنا لنسبية الأخلاق، الأمر الذي سيؤدّي بالضرورة إلى كارثة أخلاقية.[7]
الأبدية في خطر!
ثالثًا، أكَّد ستانلي فيش (Stanley Fish)، أحد أساتذة القانون والعلوم البشرية في عدّة جامعات أمريكية، أنّ الخطأ في الإجابة على السؤال “ما هو الحَقّ؟” في الدوائر السياسية والاجتماعية يترتّب عليه كثيرٌ من العواقب الوخيمة، فيمكن أن يؤدِّي إلى خسارة اقتصادية وخسارة وظائف وخسارة حقوق أشخاص فقراء ومهمّشين. أمَّا الخطأ في الإجابة على السؤال: “ما هو الحَقّ؟” في الدائرة الروحية، أي الخطأ في الإجابة على سؤال: “مَن هو الإله الحَقّ؟”، فله عواقب أبدية. أكَّد ستانلي عدم وجود مجال للنسبية في الاِدّعاءات الروحية عندما قال: “أَخْطِئْ في ذلك ولن تفقد درجتك أو وظيفتك، بل ستفقد خلاصَك ويُحكَم عليك إلى الأبد في الجحيم”. ثم يُضيف: “أنّ الاِدّعاءات الدينية “للحق” لا تطلب مجرّد احترامك، إنّما تطلب إيمانَك وفي النهاية (خلاص) نفسك. إنّها اِدّعاءات غيورة، فيها تسمع “لا يكُن لك آلهة أخرى أمامي””.[8] لذلك، عندما نتحدّث عن الحَقّ، على سبيل المثال المُعلَن في كلمة الله، فإنّنا لا نتحدّث عن أمرٍ قد لا نُصِيب فيه ونرجو حظًّا سعيدًا في المرة المُقبلة، لكنّنا نتحدّث عن حقّ تتعلّق به الحياة كلها، الحياة الحاضرة والحياة الأبدية. ومن نظرة مسيحية، فعندما تقول كلمة الله “إنّني بالطبيعة شرير، وأحتاج إلى خلاص لن أجده إلّا في يسوع المسيح،” فهذا يعني أنّه إنْ كان هذا الاِدّعاء حقًّا، فعليَّ أن أتخذ خطوات راديكالية [جذرية] للاعتراف بفسادي والتحوُّل عن خطاياي والرجوع إلى الله من خلال المسيح يسوع، الأمر الذي سيؤثّر على الحياة بأكملها.
الحقيقة الكتابية:
رابعًا، لا تخلو كلمة الله من التأكيد على وجود حقّ موضوعي ومُطلق. فنرى الكتاب المقدس يشير لله بوصفه إله الحَقّ (إشعياء ٦٥: ١٦؛ يوحنا ٣: ٣٣، ١٧: ٣)، ولكون المسيح يسوع هو الحَقّ (يوحنا ١٤: ٦). الروح القدس هو روح الحَقّ (يوحنا ١٤: ١٧، ١٦: ١٣)، وكلمة الله حقّ (مزمور ١١٩: ١٦٠)، ورسالة الإنجيل هي رسالة الحَقّ (أفسس ١: ١٣؛ كولوسي ١: ٥- ٦). كذلك، فإنّ كل مَن عَرَف رسالة الحَقّ هو مدعو أن يعيش حياةً تعكس هذا الحَقّ (١ يوحنا ٣: ١٨؛ مز ٨٦: ١١). كما أنّ إحدى أهم وظائف الروح القدس هي إرشاد التلاميذ ليس فقط للحق، بل “لجميع الحَقّ” (يو ١٦: ١٣). وهو يفعل ذلك بتوجيههم باستمرار لشخص المسيح يسوع وفدائه وتعاليمه (يوحنا ١: ١٤، ١٦: ١٤). أمَّا الذين يبتعدون عن إنجيل المسيح وعن تعاليم كلمة الله “فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ” (٢ تيموثاوس ٤: ٤)، بإعطاء آذانهم لإبليس “الكذَّاب” وعدوّ كل حقّ (يوحنا ٨: ٤٤). الأمر نفسه الذي وبَّخ المسيحُ الصدُّوقيِّين لأجله عندما قال لهم: “تَضِلُّونَ إِذْ لَا تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلَا قُوَّةَ اللهِ” (متى ٢٢: ٢٩). إذًا، فكلمة الله لا تعطي أيّ مجال للقول بأنّ الحَقَّ نسبي أو شخصي. الأمر الذي نراه جليًّا في كتابات بولس عندما يستخدم تعبيرات مثل “نحن نعلم…”، بدلًا من “نحن نظنّ…”. فنراه يقول “إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (غلا ٢: ١٦)، “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ” (رو ٨: ٢٨).[9]
على الرغم من هذه اليقينية والإعلان الإلهي عن إمكانية معرفة الحق، فإنّ كثيرين يرفضونه. لعلّ مشهد محاكمة المسيح أمام بيلاطس من أهم المشاهد التي تُذكِّرنا بردّ فعل الإنسان تجاه قضية قبول الحَقّ على أنّه موضوعي ومُطلق. نقرأ في يوحنا ١٨: ٣٧- ٣٨: “فَقَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟». أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لِأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». قَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: «مَا هُوَ الْحَقُّ؟!». وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً…» …”. لقد جاء المسيح ليكون هو الحَقّ المتجسِّد، وليشهد عن مملكته، مملكة الحَقّ، أمام بيلاطس صاحب المُلك الأرضي. لكن ماذا كان ردّ فعل بيلاطس؟ يقول Borchert: “كثيرًا ما يُضحّي الأشخاص ذوو الدوافع السياسية بالحَقّ على مذبح النفعية. ويتظاهر العديد من الأشخاص ذوي التوجُّهات السياسية بأنّهم مهتمّون بالحَقيقة. لكن بيلاطس يُلخِّص نمط حياته ذات التوجُّه السياسي بالسؤال المؤلِم: “مَا هُوَ الْحَقُّ؟” … في نظر بيلاطس، كان هذا السؤال محاولةً لمقاومة شعوره بأهمية أن يقدِّر تصريح يسوع حقّ قَدْرِه في حياته الخاصة…”[10]. فبيلاطس لم يكن مستعدًّا لقبول شهادة يسوع ولا لانتظار إجابة سؤاله الشخصي، الأمران القادران على تغيير نظرته فيما يتعلّق بموضوع الحَقّ برمّته. ما نراه في قصة بيلاطس هو أن أحد أهم أسباب رفض الحق هو أنّ قبولَه مُكلِّف، وكثيرًا ما تكون التكلفة باهظة للبعض، خصوصًا لهؤلاء الذين لديهم الكثير ليُخفوه وراء ستائر الضلال والكذب.
[1] محاضر في كلية اللاهوت الأسقفية. حاصل على بكالوريوس الصيدلة، بكالوريوس العلوم اللاهوتية من كلية اللاهوت الأسقفية، درجة M.A في اللاهوت النظامي، ودرجة ThM في اللاهوت النظامي من جامعة PRTS. يقوم بتدريس عدة مواد في كلية اللاهوت الأسقفية منها الدفاعيات، الإرساليات، مقدمات كتاب مقدس، والأناجيل.
[2] الفيديو بعنوان، ” Gender Identity: Can a 5’9, White Guy Be a 6’5, Chinese Woman?”، ويمكن مشاهدة الفيديو كاملًا من على موقع اليوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=xfO1veFs6Ho
[3] يُمكن دراسة علم المنطق وعلاقته بفهمنا لله وللإيمان المسيحي من كتاب:
Vern S. Poythress, Logic: A God-Centered Approach to the Foundation of Western Thought (Wheaton, Illinois: Crossway, 2013).
[4] يقول جون فريم: ” يحاول الذاتي (النسبي/ أتباع النسبية) إقناع الآخرين برأيه، ومِن ثَمَّ يقرّ بأنّ هناك بعضًا من الحَقِّ الذي يعرفه الآخرون غيره… (في نفس الوقت) يدّعي أنّه يعرف بموضوعيةٍ حقيقةَ أنّه لا تُوجَد حقيقة موضوعية، وهذا أمر يهدم نفسه بنفسه”.
John Frame, The Doctrine of God (Phillipsburg, NJ: P&R, 2002), 120.
[5] فإنْ سرق شخص لأنه جوعان، هذا لا يجعل من السرقة أمرًا يُمكن امتداحه أخلاقيًّا. لذا، فالأخلاق ليست برجماتية.
[6] إذًا، فالأخلاق ليست مجرّد اتفاق من قِبَل البشر.
للمزيد حول الحجّة الأخلاقية، يُمكن مراجعة:
Doug Powell, Ultimate Guide to Defend Your Faith (B&H Publishing Group) Kindle Edition. (Chapter 4).
- S, Lewis, Mere Christianity (London: Collins, 1952).
[7] هذا لا يعني أنّ كل مَن يؤمنون بنسبيّة الأخلاق هم بالضرورة يعيشون حياة لا أخلاقية، فالكثير من الناس يعيشون بطريقة غير متسقة مع ما يؤمنون به (وفي هذه الحالة يكون عدم الاتساق مُفيدًا!). لكن في نفس الوقت، لا يستطيع أي مُفكِّر جاد أن يُنكر أنّ ما نؤمن به ونعتقده يؤثّر على أسلوب حياتنا تأثيرًا عمليًّا.
[8] نُشِر المقال الأصلي في،
“Religion without Truth,” New York Times for 31 March 2007 (now available at http://www.nytimes.com/ 2007/o3/3i/opinion/31fishs.html).
أنا مدين في هذا الاقتباس ل D. A. Carson, The Intolerance of Tolerance [Kindle Edition, chapter 5].
[9] استخدم بولس “نحن نعلم” نحو ١٦ مرة (رو ٢: ٢، ٣: ١٩، ٦: ٦، ٩، ٧: ١٤، ٨: ٢٢، ٢٨؛ ١كو ٨: ١، ٤، ١٣: ٩؛ ٢كو ١: ٧، ٥: ١؛ غل ٢: ١٦؛ ١تس ١: ٤؛ ١تي ١: ٨). كما استخدم تعبير “أعرف…” أو “أعلم…” نحو ١٢ مرة.


