أسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
مصطلح الإسخاتولوجي
تتكون كلمة “إسخاتولوجي” في الأصل اليوناني مِن جزأين؛ الجزء الأول مُشتق من الصفة اليونانيّة “εσχαοφ” وتعني “الأخير“، والجزء الثاني من كلمة “λόγος” والتي تعني “الكلمة/الكلام“، وبإضافة الجزأين معًا يمكن أن نُترجم مصطلح “إسخاتولوجي” بـ”الكلام عَن الأمور الأخيرة“. وكلمة “λόγος” في اليونانيّة تطورت في اللاتينيّة إلى “ology” والتي تُترجم إلى “علم“، وبالتالي يُمكن أن نُترجم كلمة “إسخاتولوجي” إلى “علم الأمور الأخيرة” أو “الأخرويات“ كما هو مُتعارف عليه في الأوساط الاكاديميّة اللاهوتيّة.
الإٍسخاتولوجي والكتاب المقدّس
والإسخاتولوجي هو رجاء العهد القديم الذي تحقّق جزئيًّا في مجيء المسيح الأول، والذي سيتم اكتماله النهائي في نهاية الزمان، لذا فجذور التعليم الإسخاتولوجي ليست في العهد الجديد فقط، بل في العهد القديم أيضًا. ونرى جذوره في الرجاء الذي كان لدى الشعب قديمًا بقدوم “يوم الرّب”، الذي يتدخل فيه ليضع نهاية للشر، ونصرة على الظلم والقهر، ويعيد مجد إسرائيل ويرد المسببين، ويُحقّق ارتباطًا أقوى وأمتن بالله حيثُ يسكن الله وسط شعبه. وهنا قد نلحظ أن المسيحية أعطت بُعدًا جديدًا لفكرة الرجاء أنه ليس أرضيًّا فقط، وإنما يمتد إلى السماء الجديدة والأرض الجديدة. وهو ما أكد عليه السيد المسيح حين قال: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ”. لكنه أيضًا لم يهمل البعد الأرضي، حين أكد أن ملكوت الله “هنا والآن”: “لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (لو 17: 21- 22). ونرى أيضًا شغف الكنيسة الأولى في مجيء المسيح الثاني في العديد من النصوص. وبالتالي يُمكن تتبُّع وضوح إعلان الرجاء الإسخاتولوجي في كل الكتاب المقدّس بعهديه.
الإسخاتولوجي والإيمان المسيحي
يُعتبر الإسخاتولوجي “الأخرويات” أمرًا أساسيًّا في المسيحيّة، بل ويمكن اعتبار المسيحيّة كلها إسخاتولوجيّة، حيُث إن المسيحيّة نفسها رجاء. فلقد انبثق الإيمان المسيحي مِن قيامة يسوع المسيح المصلوب، وامتدّ إلى الوعود بالمستقبل العالمي للمسيح، حينما يكون ملكه منظورًا لكل الخليقة، وبالتالي فالإسخاتولوجي هو وصف لكل الإيمان المسيحي، بل ولكل الوجود المسيحي، ولكل الكنيسة.
وتنقسم الأخرويات المسيحيّة إلى قسمين أساسيين هما: الأخرويات الشخصية والأخرويات العامة. فالأخرويات الشخصية تتعلق بالأشخاص أنفسهم منذ وقت الموت الجسدي، وما يُسمى بالحالة الوسيطة حتى قيامة الأجساد النهائية. أما الأخرويات العامة، فهي التي تُغطي عرضًا للأحداث المستقبليّة والتي تتضمن المجيء الثاني للمسيح، ودينونة العالم، واكتمال ملكوت الله بصورة نهائية، وتحقيق الخليقة الجديدة لكل الأشياء.
الإسخاتولوجي واللاهوت النظامي
يُعتبر الكتاب المقدّس -بكل تأكيد- هو أساس الإيمان المسيحي، ولكن لا بد وأن يتم شرح وتفسير النصوص المختلفة لكي نخرج بصياغات لاهوتيّة، تساعدنا على فهم إيماننا بطريقة أفضل، وأكثر وضوحًا، وهذا ما يُسمى بـ”اللاهوت النظامي”، أي صياغة الفكر الإيماني العقائدي بطريقة مُنظمة في القضايا والأمور المختلفة.
ويدخل علم الأخرويات “الإسخاتولوجي” تحت مظلة اللاهوت النظامي في الدراسات الأكاديميّة؛ فهو جزء أساسي منه. ويوجد كثير من التقسيمات لعلم اللاهوت النظامي أشهرها التقسيمة الرباعيّة الآتية: القسم الأول هو “الثيولوجيا” أي علم الكلام عن الله، والقسم الثاني هو “الأنثروبولوجيا” أي علم الكلام عن الإنسان، والقسم الثالث هو “الكريستولوجيا” أي علم الكلام عن المسيح، والقسم الرابع هو “الإسخاتولوجيا” أي علم الكلام عن الأمور الأخيرة، والمصير النهائي للإنسان والبشرية والخليقة. وبذلك يكون الإسخاتولوجي مبحثًا رئيسيًّا وأساسيًّا ولا يمكن تجنبه في الدراسات اللاهوتيّة.
الإسخاتولوجي والجدل اللاهوتي
ومما لا شك فيه أن الباحثين والأكاديميين واللاهوتيين من مُختلف المذاهب والتيارات المسيحيّة، قد تحيروا كثيرًا أمام قضايا الإسخاتولوجي، فبالرغم من حقيقة الإسخاتولوجي الكتابيّة والإيمانيّة الواضحة، إلا أن دراسة التفاصيل، ومحاولة التفصيل فيه، من الأمور الأكثر غموضًا واختلافًا داخل الأوساط المسيحيّة المختلفة، منذ بداية المسيحية وحتى الآن. ولقد ظهرت في هذا المضمار مدارس مختلفة يكاد يصل الاختلاف بينها إلى درجة التناقض تجاه نظرتها إلى تفسير عدة قضايا مرتبطة بالأخرويات؛ مثل أحداث المجيء الثاني، الاختطاف، الضيقة، الملك الألفي… وغيرها، لذا فهو مبحث شاق وصعب.
الإسخاتولوجي تعزية روحيّة
يلعب الإسخاتولوجي دورًا كبيرًا في انتعاش الحالة الروحيّة لدى المؤمن؛ حيث يتقابل مع تحديات الحياة اليوميّة، وآلام الزمان الحاضر، والصراعات الفكريّة والوجوديّة، برجاء حقيقي يملأه بيقين النصرة النهائيّة مهما ضاق به الزمان؛ فهو بمثابة تعزيّة روحيّة حقيقية تنعش القلب، وتُبهج الروح، وتُطلق الوجدان، وذلك لأنه حقيقة مبنيّة على يقين قيامة الرّب يسوع من بين الأموات، تلك الحقيقة التي تقف وبقوة أمام كل أصوات الإحباط واليأس، وكل قوى العبثيّة والعدميّة، وتؤكد أن هُناك غاية نهائيّة إيجابيّة لهذا الوجود.
الإسخاتولوجي حالة وجوديّة
لا يُمكن اختزال الإسخاتولوجي باعتباره هو الحقائق البعيدة فقط، والتي سوف تحدث وتظهر في آخر الزمان، ولكنه هو تلك الحقيقة الوجوديّة أيضًا، التي تبقى باستمرار في الكنيسة غير المنظورة التي تعيش دائمًا في الحاضر بحسب مبادئ ملكوت الله. فهو طريقة فهم التحقيق الكامل للخلاص كحدثٍ مستقبليٍّ، وأيضًا كسلسلة مِن الأحداث تقودنا نحو المستقبل، فهو بشكل ما ينتمي ويرتبط بالحاضر. فالحاضر يلعب دورًا كبيرًا في العقيدة الإسخاتولوجيّة، والمستقبل دائمًا يكون مُتداخلًا مع الحاضر.
لذا يقودنا الإسخاتولوجي إلى حركة ديناميكيّة وجوديّة، تدفعنا إلى الأمام نحو مزيدٍ مِن التنمية والتنوير، فهو نهاية الشر والظلم والفقر، والقضاء على الفساد والعبوديّة والقسوة، وإنقاذ العالم من براثن التطرف والكراهية والعنف. لذلك يُحرك فينا الإسخاتولوجي الرغبة في النهضة والإصلاح ويدفعنا دفعًا إلى العمل الجاد والدؤوب للارتقاء بالكنيسة والمجتمع.
وهذا ما أكد عليه السيد المسيح في إنجيل متى 24- 25، في عدة أمثال (رب البيت، العبد الأمين، العذارى الحكيمات والجاهلات، الوزنات، الخراف والجداء)، تناولت بُعدي الإسخاتولوجي؛ البعد الوجودي (هنا والآن) والبعد الأخروي (المستقبلي)، ويلاحظ مثلًا في مثل الخراف والجداء أن السيد المسيح ركز على البعد الآني في سياق حديثه إذ قال: “ثمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ” (مت 25: 34- 36)، ويوضح لهم أن هذه الأفعال هي نفسها التي قاموا بها تجاه المحتاجين في مجتمعاتهم. وهنا يؤكد المسيح على أهمية الرجاء هنا والآن من خلال الدور الإنساني والمجتمعي للكنيسة والمؤمنين، في تحقيق الرجاء الأخروي.
وفي هذا العدد
رأينا أن نُقدّم بجرأة المفكر، وثبات المؤمن، ملفًّا متخصصًا عن الأخرويات “الإسخاتولوجي” لقارئ النسور، وذلك حتى نُساعد طالبي المعرفة، والمُهتمين، والباحثين، أن يتعرّفوا على الفكر الكتابي واللاهوتي الخاص بهذا المبحث، من خلال مجموعة من الأبحاث والمقالات الجادة والقيِّمة، التي تناولت الموضوع من عدة محاور، في محاولة لتقديم رؤية شاملة لمفهوم الإسخاتولوجي، تتبنَّى جميعها منظورًا مشيخيًّا محافظًا مستنيرًا؛ حيث إن هذا هو التوجه الفكري للنسور، فهي تنتمي للكنيسة المُصلحة، وترغب في تعزيز المنهج المستنير في التعامل مع القضايا المختلفة بطريقة تواكب السياق الذي نعيش فيه، وذلك دون المساس إطلاقًا بثوابت الإيمان المسيحي ومبادئ الإصلاح الإنجيلي التي نعتز ونفخر بها دائمًا.
وأصلي إلى الرّب راجيًا أن يهب كل باحث عن الحق الكتابي، الاستنارة الروحيّة والفكريّة، التي بها يستطيع أن يقف بثبات أمام تحديات الحياة المختلفة، وأيضًا يستلهم به رجاءً يعبر فوق مرتفعات الزمان الحاضر، وينتظر بشوق المجد العتيد أن يُستعلن فينا.
أسم الكاتب : ديفيد فيكتور
توطئة
مصطلح الأخرويَّات أو الأخِيريَّات، هو مصطلح يشير إلى عقيدة “الأمور الأخيرة”، ويُقصد بها أحداث الأمور الآتية ونهاية الزمان، الذي فيه يتمم الله مقاصده نحو الخليقة. ويتضمن هذا المصطلح الأمور المتعلقة بالحياة الأبدية.[1] والكنيسة على مر العصور -وبالأخص في أيام الاضطهاد- رأت في عقيدة الأخرويات ملجأً لتهرب نحو رجاء تحقق الوعود الأبدية، حيث لا ألم ولا دموع ولا مرض ولا أتعاب.
وفكرة الرجاء الأخروي -في الحقيقة- لم تقتصر على المسيحيين؛ ففي كل الديانات منذ فجر التاريخ كان الإنسان يحلم بالحياة الأخرى التي ينعم فيها بما يعوِّضه عما قاساه في هذا العالم. مثالًا على ذلك نرى كيف اهتمت الحضارةُ المصريةُ القديمة بالحياة بعد الموت، وهذا يظهر في بنائهم للقبور، وطقوس التحنيط، والمراسم الجنائزية المعقدة، التي تضمن للمتوفى أن يجتاز في رحلته في العالم الآخر بسلام، وصولًا للخلود.[2]
ملكوت الله
لا يمكن الحديث عن الأخرويات دون التطرق لمفهوم ملكوت الله، ولنبدأ بالتفسير الأخروي للملكوت، وهذا الفهم لملكوت الله يدعو إلى التمسك بالروحانية. وحسب هذا الرأي فإن تعليم يسوع كان أخرويًّا بالكامل. بمعنى أن الملكوت حقيقة رؤيوية مستقبلية تتحقق بتدخل معجزي من الله في التاريخ. على الجانب الآخر، التفسير غير الأخروي، حيث الملكوت موجود دائمًا في الحاضر والمستقبل. فالملكوت هو البشرية المنظمة حسب مشيئة الله. إنه نظام اجتماعي أكثر نبلاً، قادر على سد الفجوة بين ما هو ديني وما هو اجتماعي.
وهناك توجه لاهوتي آخر يرى أن الملكوت هو حكم الله الفادي الفعّال والنشط في توكيد سلطانه بين الناس، وأن هذا الملكوت الذي سيظهر كفعل أخروي في آخر الزمان، قد جاء فعلاً في التاريخ البشري- بل في شخص ورسالة الرب يسوع ليقهر الشر، ويحرر الناس من سلطانه، ولكي يأتي بهم إلى بركات حكم الله. إن ملكوت الله يتضمن لحظتين عظميين: لحظة تحقيقه ولحظة اكتماله في نهاية التاريخ؛ إذ إن حكم الله الفعّال قد غزا الدهر الحالي دون أن يحوله إلى دهر آتٍ. فالملكوت هو عمل الله بالكامل وليس عمل الإنسان. فهو ليس الصلاح المثالي، ولا التقدم الذي لابد منه، ولا هو التاريخ، ولا مجرد عمل الله في التاريخ، بل هو اقتحام الله الطبيعي للتاريخ في شخص الرب يسوع، ومجيء الملكوت في التاريخ هو عمل الله المعجزي.[3]
المجتمع المسيحي المصري وثقافة الأقلية
عانى الأقباط في فترة ما بعد ثورة 1952 نوعًا من التهميش، والاغتراب، والانعزال عن المجتمع. هذا التهميش وصل لذروته في مرحلة السبعينيات وما بعدها. فعلى سبيل المثال كان الأقباط يتولون مراكز قيادية في الوزارات قبل 1952، هذا ما اختلف تمامًا بعد ذلك، كما أخذت الدولة في فرض سطوتها على مدارس الأقباط، وأيضًا وضعت الكثير من العقبات التي عرقبت -بل وشلت- عملية بناء وترميم الكنائس. وفي الإعلام منع تقديم أيِّ محتوًى مسيحي. ولا ننسى ما حدث من توترات طائفية في السبعينيات وما بعدها، هذا كله -على سبيل المثال وليس الحصر- أشعل فتيل الشعور بالتهميش لدى الأقباط.[4]
ونتيجة لهذا التهميش رأى البعض -وللأسف كانوا أغلبية- أن الوسائل التقليدية للحياة لن تأتي بنتيجة، فبدأوا بإنشاء مجتمعات خاصة، منغلقة، يمارسون فيها نشاطاتهم بمعزل عن باقي المجتمع.[5] وهذا رأيناه على سبيل المثال في مجتمعات طلبة الجامعات (الأسرة؛ Action Group؛ منطقة ما يطلقون عليه الـ CH)، وفي بعض أماكن العمل أيضًا رأينا المسيحيين يفضلون الانغلاق على أنفسهم، أيضًا رأينا الانغماس في المجتمعات الكنسية (مثل إنشاء نوادي الكنائس) على حساب العلاقة مع العالم الخارجي.
هؤلاء الذ ين أنشأوا لأنفسهم مجتمعاتهم الخاصة، أصبحوا ينتمون كليًّا لمجتمعاتهم، وفي نفس الوقت كانوا مضطرين لأن يعيشوا حياتهم في مجتمع آخر، هذا خلق نوعًا من الازدواجية، بين مجتمع خلقوه، ومجتمع يشعرون أنه لا يلائمهم. فشعروا بانجذاب أكبر لمجتمعهم المغلق، بينما شعروا بالفشل والرفض في المجتمع العام الذي يحاولون أن يعتزلوه.[6]
هذا الشعور جعل المسيحيين يشعرون بأنهم “أقلية”، فنشأ عنه المزيدُ من الانعزال، ومزيدٌ من المجتمعات المغلقة، على جميع الأصعدة، وأصبح المسيحيون يركزون اهتماماتهم على مجتمعاتهم المغلقة، وأصبحت هذه الجماعات مصدر الإشباع لمعظم الاحتياجات الروحية والاجتماعية، مما جعلها مصدر جذب لمسيحيين آخرين.[7]
وفي هذا السياق يرى د. رفيق حبيب -بحسب كلماته- أن نتيجة لذلك “يندفع الشباب إلى المزيد من الانعزال عن المجتمع، والمزيد من رفض المجتمع، فداخل نطاق شعور الأقلية يلجأ الشباب إلى رفض المجتمع على مستوى الفكر واللفظ، وإلى الانعزال عن المجتمع والانفصال عنه، وكأنه كيان غريب ليس لهم علاقة به. فلأن الشباب لا يستطيع الدخول في مواجهة السلطة السياسية، والمجتمع لهذا يلجأ … للميل للانعزال والرفض … فالشباب القبطي المنعزل، نتيجة للهامشية الاجتماعية خلق لنفسه جماعات تتبع الكنيسة يحقق من خلالها إشباعاته وطموحاته.”[8]
عقلية الأقلية والرجاء الأخروي
عادةً ما تتجه عقلية الأقلية، بشكل لا إرادي، إلى البحث عن حل سحري، ينهي الألم الحاضر، ويرد المسلوب، ويعيد المجد. هذا نراه في ما تعيشه الأقلية من السير وراء الأحلام الرؤيوية والأخروية في عودة المسيح؛ لينهي هذا العالم الشقي، بعدها يؤسس ملكه الألفي،[9] الذي فيه لا وجود لألم، ولا خوف، وفيه تسترد الخليقة -حتى الحيوانات- طبيعةً مسالمةً. فمُلك المسيح يعد نموذجًا مثاليًّا لحكومة مؤسسة على الحق الإلهي، لا تعرف تمييزًا وتحقق المساواة.
وما أحلى أن يكون هذا الحلم بالتدخل الإلهي هو المهرب من الواقع بضغوطه. هذا المهرب يتركز في نمط التفكير الأخروي الذي أشرنا إليه، والذي يرجو التخلص من النظام الاجتماعي، عن طريق حل حتمي، تحت قيادة الله وسلطته، وقيادته، حيث يحقق الله إرادته الصالحة.[10]
هذه الرؤية للواقع المتمثلة في الهروب والانعزالية، في انتظار حلٍّ أخروي، جعلت الكنيسة المصرية تعيد صياغة لاهوت أخروي خاص بها، يمكننا وصفه بأنه “لاهوت أزمة” مصري خالص. هذا اللاهوت سأقوم بعرضه من خلال تحليل بعض الترانيم التي ظهرت في الحقبة الزمنية التي أشرت إليها سلفًا (بعد ثورة 1952، مرورًا بالسبعينيات كمحطة أساسية، وحتى الآن.). تعبِّر الترانيم عن فكر ووجدان الجماعة، لذا فلو نظرنا بشكل سريع إلى التاريخ العربي المعاصر لوجدنا أن الكلمات الملحَّنة لها تأثيرٌ كبيرٌ في المواقف المتعددة التي اجتازتها هذه الجماعة، وكذلك ارتبطت أغنيات معينة بمواقف محددة، البعض منها انتهت بنهاية الموقف والبعض الآخر ظل خالدًا في وجدان الناس.[11]
الترانيم نموذجًا
الكلمات المنشدة والملحنة تحمل في طياتها أراءً سياسية واجتماعية وثقافية ودينية، هذا الموقف يعكس ثقافة الجماعة وكذلك أدبياتها وعاداتها وتقاليدها، وفي معظم المرات يدعو إلى فكرة واضحة ومحددة ويرتبط بمنظومة أيديولوجية من زمانه. ويعبر بشكل أو بآخر عن خبرة إنسانية.[12] لذا ومن خلال هذا المدخل التحليلي سوف أحاول التعرض لبعض الترانيم في محاولة لتقديم قراءة نقدية بهدف الوصول للب الفكر اللاهوتي المعبَّر عنه في هذه الترانيم، وما تحويها من أيديولوجيات مصرية خالصة تعبر عن حقبة هامة في تاريخ مصر.
العالم يبني ويزرع[13]:
1- العالم يبني ويزرع وتملِّي مش شبعان | همه يكنز ويجمع وعن يسوع غفلان |
القرار | |
لكن أنا مش من هنا أنا ليا وطن تاني | لا مال ولا جاه ولا غني دا كله عالم فاني |
2- شايل هم الأيام محروم من السلام | وشكوي وكتر كلام م الضيق وم الآلام |
3- واحد منفوخ ع التاني زي الحصان الجامح | يعمل للكلمة معاني ولا يعرف مرة يسامح |
4- العالم يجري ويكدح ورا سيد اسمه المال | وزرع الشر ما يفلح والكل شيء زوال |
5- يبكوا ع الحظ الخاين مش جاي على هواهم | عاوزين في الدنيا جناين والعمر يستناهم[14] |
النظرة المبدئية لهذه الترنيمة تجعلنا نرى العديد من الأفكار الغريبة، ولعل أهمها رفض العمل “يبني ويزرع” وربط البناء والزرع بعدم الشبع، هذا رغم أن وصية الله الأولى للإنسان هي: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ” (تك 1: 28). بل ويرى المرنم أن الميل للبشري للسعي في تحقيق الذات والثروة هي عمل شرير على طول الخط.
لكن فكرة الترنيمة الرئيسة، والتي يعبر عنها القرار، هي: “لكن أنا مش من هنا أنا ليا وطن تاني”. وهنا -صراحةً- يتملص المرنم من كونه مواطنًا أرضيًّا، ليلخِّص سبب وجوده في كونه مواطنًا سماويًّا فقط، ونتيجة لهذا فإن ما في العالم من أمور -سواء أكانت خيرًا أم شرًّا- فهي لا تعنيه. ووجوده في هذا العالم الذي وصفه بأنه “عالم فاني” ليس سوى كأنه محطة انتظار للرجاء الأخروي المجيد والمنتظر.
رغم إن مؤلف وملحن هذه الترنيمة هو كاهن أرثوذكسي؛ إلا أن الترنيمة لاقت رواجًا شاسعًا بين الكنائس البروتستانتية بشتى طوائفها، فمن أظهرها للنور هو المرنم البروتستانتي المعروف نجيب لبيب، حيث كانت إحدى ترانيم ألبومه العاشر “جراح حبيبي”.
وانتشار هذه الترنيمة هو دليل على بحث المجتمع المسيحي في هذه الفترة عن التعزية في تأكيد لنفسه، أن العالم الذي يعد مصدر ألم وإزعاج هو “عالم فاني”، وأن تهميشه وإقصاءه كمواطن أرضي أمر لا يُحزن عليه، لوجود “وطن تاني” يعد هو الوطن الحقيقي.
يا كنيسة يا متغربة[15]:
1- (يا كنيسة يا متغربة | ده يسوع واقف ع المينا |
والدمعة اللي مقربة | دي علامة قرب فادينا)2 |
القرار | |
راجع راجع لينا | ده كلامه اللي معزينا |
راجع راجع لينا | كلنا سايبين أراضينا |
(شاهدين عارفين)2 | (بمجيئه التاني إلينا)2 |
2- (بالعالم متجربة | وآلات إبليس حوالينا |
أهي شمسك أهي مقربة | ارفعي هلبك يا سفينة)2 |
3- (ومدينتك أهي مرحبة | وعريسنا أهو مستنينا |
أكاليلك مترتبة | قبل ما هتشوفها عينينا)2 |
4- (شهدائك زمن الصبا | بدماهم رفعوا إيدينا |
الناس قالوا متغربة | ماشافوش يسوع وسطينا)[16]2 |
البعد الأخروي واضح بجلاء في كلمات هذه الترنيمة، بداية من مطلعها، إذ وصف الكنيسة بأنها “متغربة”. ورغم أن وصف الكنيسة نفسها بالاغتراب، والمبني على نص عبرانيين 11: 8 – 11، هو رأي كتابي لكن إبراهيم لم يكن سلبيًّا تجاه العالم. كما وصف المرنم في العدد الأول العالم بأنه مكان به “دمعة مقربة” وهذه الدمعة هي دليله على اقتراب الرجاء الأخروي الذي وصفه “علامة قرب فادينا … بمجيئه التاني لينا”.
بعدها وفي قرار الترنيمة يؤكد على الرجاء بأننا “سايبين أراضينا” وهذا هو “كلامه اللي معزينا”. ثم في العدد الثاني يرى أن العالم مكان تجربة، ومركز لآلات إبليس، هذا ما سينهيه المجيء الثاني. وفي العدد الثالث يعبر عن ترحيب المدينة السماوية بالمؤمنين، وفي العدد الرابع يؤكد أن المجيء هو نهاية الآلام وعصر الاستشهاد.
هذه الترنيمة هي خير مثال على التدليل على مفارقة رفض العالم في مقابل الرجاء الأخروي المتمثل في مجيء المسيح الثاني، والانتقال لعصر يهيمن فيه المسيح، فيشعر المؤمنون بما افتقدوه في عالم شعروا بانفصالهم عنهم، وعدم انتمائهم له.
شمس عمرك راح تغيب[17]:
قرار | |
(شمس عمرك راح تغيب ليه معاند يا غريب)2 | |
(قوم تعالى للصليب قوم ليسوع اندم وتوب)2 | |
(فجر عمرك لسه جاي طول مالينا يسوعنا حي)2 | |
1-(السنين بتمر تجري ليه في أرض المر تجري | لا السنين بتحس بينا ولا القبور هاضيق علينا)2 |
2-(فين ساعاتك اللي فاتت مع دقايق صمت ماتت)2 | (ليه سكاتك فكر شاتت دي حياتك ولا هانت)2 |
3-(ليه حياتك أرض بور والسواقي جنبك تدور | ليه تبات بين ألف سور كسر الضلمة بنور)2 |
4-(الحياه زي البخار ليه تبيع عمرك بنار | والشيطان عملك ستار دوس عليه وخدلك قرار)[18]2 |
المرنم في هذه الترنيمة ينظر للعالم بمنظور قاتم السواد، وبفلسفة عدمية فيصفها بـ”أرض المر” التي نعيش سنين فيها يصفها بأن “لا السنين بتحس بينا”، ونهايتها الحتمية القبور التي لن “تضيق علينا”. وهي على كل حال كما يصفها في العدد الأخير “زي البخار” وإن تمسَّكتَ بها ستكون كأنك “تبيع عمرك بنار”. لهذا في القرار -وهو مطلع الترنيمة أيضًا- يحذر بلهجة شديدة “شمس عمرك راح تغيب. هذه الرؤية السوداوية للحياة التي يعبر عنها كثيرًا بالجملة العدمية “مسيرها تنتهي” كانت انعكاسًا لحياة لاقى فيها الكثيرون اضطهادًا دفعهم لتحقير الحياة الحاضرة، في مقابل نعيم الحياة الآتية.
إن اشتياق القلب زاد[19]:
1- إن اشتياق القلب زاد وكثر الحنين | متى ترى يأتي الرحيل ويبطل الأنين |
القرار | |
سأرى سأرى عيانا فادي الورى أمكث جواره بلا نحيب | |
سأنسى أنا أتعابي هنا سأنسى أنا آلامي هنا حين ألقى يسوع الحبيب | |
2- أودع ظلم الحياة وكدر العيش | أنساهما لما أرى حبيبي في العرش |
3- إن آجلًا أو عاجلًا سأرقب الصباح | تنقشع كل الغيوم إذا ما الفجر لاح |
4- تمسك يدي قيثارة من صنع ذا الفادي | أرنم لحن الظفر بها للأبد[20] |
هذه الترنيمة واحدة من الترانيم التي كانت -ولازالت- ترنم في معظم خدمات التعزية في الكنائس الإنجيلية. ففيها يقدم المرنم بوضوح تمسكه بالرجاء الأخروي متسائلًا: “متى ترى يأتي الرحيل ويبطل الأنين”، وكأن الهدف من الحياة هو الرحيل. وفي القرار يوضح سبب انتظار الرحيل قائلاً: “سأنسى أنا أتعابي هنا سأنسى أنا آلامي هنا، حين ألقى يسوع الحبيب”. وفي العدد الثاني يؤكد: “أودع ظلم الحياة وكدر العيش”، وأيضًا في العدد الثالث: “تنقشع كل الغيوم إذا ما الفجر لاح”. وهكذا مرة أخرى نجد مفارقة كره العالم، وانتظار رجاء أخروي تتكرر.
الترانيم الأربع التي تطرقت إليها، ليست حصرًا، بل هي مثال لترانيم قدمت مفهوم ترك الأقلية للعالم، الذي يرونه مكان ألم وشقاء ليس إلَّا، بل -وكما رأينا- أن البعض رأى أن العمل والكد في العالم لا قيمة له. لكن لكي أكون منصفًا ليس الخطاب كله على هذا المنوال، وسأعرض لاحقًا ترانيم تتبنى رؤية نظر معتدلة.
ملكوت الله: الآن وليس بعد (Now and not yet)
في الوقت الحالي، يعيش المسيحيون في تخبُّطٍ لاهوتي كبير: فنحن نمتلك بالفعل كل بركة روحية في المسيح، لكننا لم نختبر ملء هذه البركات بعد. يكمن خلف هذا التخبط اللاهوتي والعملي حدثٌ فارقٌ في تاريخ المسيحية؛ ألا وهو مجيء المسيح، فالمسيح في مجيئه الأول، افتتح الأيام الأخيرة؛ فنادى: “تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” (متى 4: 17)، وفي عظته على الجبل، والتي يعدها الكثيرون دستور المسيحة، تحدث السيد عن “ملكوت السماوات”. ونادى مؤكدًا: “قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ” (مرقس 1: 15)، في مجيئه الثاني سيتم كل شيء، وحتى مجيئه الثاني، نعيش في “تداخل العصور”.
وهكذا فإن هناك بُعدَيْن لملكوت الله؛ الأول هو أن الملكوت حاضر الآن، والثاني أن الملكوت لم يأتِ بعد لملئه.[21] فوفقًا لنصوص الكتاب المقدس فإن المؤمنين:
إن ملكوت الله هو ببساطة مركز حكم الله. لذلك، عندما يقول يسوع إن الملكوت اقترب، فإن ما يقصده هو أن سلطانه أو ملكه أصبحا في متناول اليد، ويمكن العيش تحت ظلِّهما. مثال على ذلك فصول السنة (الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء). فمثلاً يكون الجو باردًا في الشتاء. ولكن عندما يأتي مارس، نادرًا ما يبدو الجو وكأنه ربيع على الرغم من أنه رسميًّا الربيع. الربيع هنا قد تم افتتاحه، ولكن لم يتم استكماله بالكامل بعد. لا يزال على المرء أن ينتظر شروق الشمس والرياح الدافئة. هكذا الحال مع ملكوت السماوات/الله: تم افتتاحه، لكن لم يكتمل بعد؛ لقد حان، لكنه لا يزال قادمًا.[23]
واليوم ونحن نناقش دور الكنيسة في العالم ومن أجل العالم وكيف يكون لها تأثيرٌ أخلاقيٌّ حقيقيٌّ يدفع نحو تحقيق متكامل ومتنامٍ لملكوت الله.
هناك اتجاه يُبنى على أساس مفهوم الملكوت كحدثٍ أخروي مستقبلي. ويركز على الكرازة كوسيلة أساسية يمكن عن طريقها جعل الناس يعملون للحياة الأبدية ومن ثم ملكوت الله الأخروي. وإذا تركت الكنيسة هذه الرسالة وانشغلت بغيرها خرجت عن دائرة دعوتها، وفقدت بذلك المفتاح المقدس الذي سلمه الرب للكنيسة لتدخل به إلى قلب الخاطئ، وهو المناداة بالتوبة والإيمان بالمسيح.
واتجاه آخر يبرز الحاجات الاجتماعية للناس، ويدعو الكنيسة إلى أن تهتم اهتمامًا خاصًّا بالخدمات الاجتماعية. وأصحاب هذا الرأي لا ينكرون أن رسالة الكنيسة الأصلية هي رسالة روحية، لكنهم يقولون: كيف يصل الإنجيل إلى جماعة من الناس في أحط الحالات صحيًّا واجتماعيًّا. ويقولون إن الكنائس يجب أن تقدم للناس ما قدمه المسيح في حياته على الأرض، إذ إنه اهتم بالمساكين، وشفى المرضى، وأشبع الجياع وأزال من حياة الناس ما يعطلهم عن الاستماع إلى رسالة الإنجيل.
وفي إطار هذا الاتجاه الثاني قد تنجرف بعضُ الكنائس نحو التركيز على الجوانب الاجتماعية فقط، حتى توشك أن تضيع رسالة الكنيسة الروحية من منطلق تصوُّرِهم لمفهوم الملكوت المحقق هنا والآن فقط، دون تصور إمكانية وجود تحقق كامل ونهائي للملكوت الأخروي. ومن ثم فإن العمل الاجتماعي هو الوسيلة الرئيسية لجعل الملكوت حقيقة واقعة.
إلا أننا ككنيسة في منطقتنا العربية، نحتاج أن نؤكد على فهمنا لماهية طبيعة وهدف ملكوت الله، باعتبار أنه حقيقةٌ واقعةٌ في الحاضر وحدثٌ مستقبليٌّ في آنٍ واحد (now and not yet). وهكذا يمكن أن تجمع الكنيسة في إطار هذه الرؤية للملكوت، بين كلٍّ من الكرازة والمسؤوليَّة الاجتماعي معًا لتصحيح بعض شرور هذا العصر، وتحريك التاريخ تجاه الكمال الذي سيأتي عندما يعود السيد المسيح في مجيئه الثاني، ويحقق الملكوت في صورته النهائية الأخروية. [24]
ونهاية -في هذا السياق- أود أن أشدد على أن التوازن في فهم وتطبيق ملكوت الله ببعديه “الآن وليس بعد” هو أمر بالغ الأهمية، فالسير في الاتجاه المعاكس للرجاء الأخروي، سيقود الكنيسة لاعتناق لاهوت الرخاء،[25] وما أشد تدمير هذا، الفكرة.
ترنيمة ختامية
كما قمت بتحليل ترانيم تقدم الرجاء الأخروي باعتباره المهرب من الواقع، أود أن أعرض ترنيمة -على سبيل المثال- قدمت فكرًا أخرويًّا متزنًا:
ياللي بطول الرحلة معين[26]:
ياللي بطول الرحلة معين | ولينا راعينا وخل أمين | |
إنت إلهنا وعزنا بيك | نعدي ف وادي البكا غالبين | |
(ياللي مليت العمر بجودك | نعمة وتعويض بالأفراح | |
كفاية لينا يا رب وجودك | أيامنا وياك في نجاح)2 | |
(إنت إلهنا في رحلة عنا | وإنت التسبيح والترنيم | |
إنت الرضا بطول المدى | بحمد بنهتف ليك يا كريم | |
وإنت الخير غزير ووفير | بيملا حياتنا بشكر عظيم | |
وإنت سرور وري البور | وواحة وراحة وفيض ينبوع | |
وإنت العزا وإنت الرجا | أمين تعال يا ربي يسوع | |
(أمين تعال يا ربي يسوع)2[27] | ||
رغم إن المرنم أقر بأن نسير في “وادي البكاء”، وأننا نسير في “رحلة عنا”، لكنه يصف أن معية الله (الملكوت الآن) هو: “معين”؛ “عزنا”؛ “نعمة وتعويض بالأفراح”؛ “هنا”؛ “تسبيح وترنيم”؛ “خير غزير ووفير”… إلخ. ثم يختم بانتظار الرجاء الأخروي (الملكوت ليس بعد) مرنمًا “أمين تعال يا ربي يسوع”.
[1] محسن منير، “الأخيريات”، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، ص. 2293.
[2] شريف الصيفي، الخروج في النهار: كتاب الموتى (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، 20 – 28.
[3] أندريه زكي، “الكنيسة والمجتمع”، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، ص. 1706 – 1707.
[4] Andrea Zaki Stephanous, Political Islam, Citizenship, and Minorities: the Future of Arab Christians in the Islamic Middle East (Maryland: University Press of America, 2010), 120 – 122.
[5] رفيق حبيب، الاحتجاج الديني والصراع الطبقي في مصر (القاهرة: سينا للنشر، 1989)، ص. 146، 147.
[6] المرجع السابق، ص. 147.
[7] المرجع السابق، ص. 172 – 174.
[8] المرجع السابق، ص. 174، 175.
[9] أندريه زكي، “الفكر اللاهوتي وعقلية الأقلية”، نحو لاهوت عربي معاصر، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، ص. 507.
[10] رفيق حبيب، ص. 190، 191
[11] أندريه زكي، “الترانيم: نظرة لاهوتية وكتابية”، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، ص. 204.
[12] المرجع السابق.
[13] كلمات وألحان: الأب مكاري يونان.
[14] بيونج هاك لي، اصنع بنا نهضتك: 900 ترنيمة للاجتماعات (القاهرة: دار النشر الأسقفية، 2014)، ص. 356.
[15] كلمات وألحان: ماهر فايز.
[16] بيونج هاك لي، ص. 341.
[17] كلمات وألحان: ماهر فايز.
[18] بيونج هاك لي، ص. 175.
[19] كلمات وألحان: أنيس يونان.
[20] بيونج هاك لي، ص. 83.
[21] Bert Wagnor, “The Theology and Practice of The Kingdom of God,” Vineyard USA, accessed May 22, 2021, https://vineyardusa.org/library/the-theology-practice-of-the-kingdom-of-god/.
[22] David Briones, “Already, Not Yet: How to Live in the Last Days,” Desiring God, August 4, 2020, https://www.desiringgod.org/articles/already-not-yet. Accessed May 22, 2021.
[23] David M. Shaw et al., “The Already and Not-Yet Kingdom – The Gospel Coalition: Australia,” The Gospel Coalition | Australia, April 8, 2018, https://au.thegospelcoalition.org/article/already-not-yet-kingdom/. Accessed May 22, 2021.
[24] أندريه زكي، الأقباط والثورة (القاهرة: دار الثقافة، 2015)، ص. 97 – 100.
[25] لاهوت الرخاء (يُشار إليه أحيانًا باسم إنجيل الرخاء، أو إنجيل الصحة والثروة، أو إنجيل النجاح، أو الإيمان الأساسي)، وهو اعتقاد ديني مثير للجدل بين بعض المسيحيين البروتستانتيين، الذين يرون أن النعمة المالية والرفاه الجسدي هما دائمًا إرادة الله لهم، وأن الإيمان والخطاب الإيجابي والتبرعات لأسباب دينية ستزيد من الثروة المادية للفرد. يعتبر لاهوت الرخاء أن الكتاب المقدس هو عقد بين الله والبشر: إذا كان الإنسان يُؤمن بالله، فسيوفِّر الله الأمان والرخاء. تؤكد العقيدة على أهمية التمكين الشخصي، إذ تقترح أن مشيئة الله هي من تقرر مباركة شعب معين. يُفسر الخلاص في المسيحية (المصالحة مع الله)، على أنه يشمل التخفيف من حدة المرض والفقر، والتي يُنظر إليها على أنها لعنات يجب كسرها عن طريق الإيمان. [ماجد جرجس, “إنجيل الرخاء” reformationtheology,، 17 سبتمبر 2011، https://reformedthology.wordpress.com/2011/09/17/%D8%A5%D9%86%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AE%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%AC%D8%B1%D8%AC%D8%B3/. تم الوصول إليه 23 مايو 2021.؛ مينا ميشيل، “إنجيل الرخاء والصحة والغنى.. هل هو كتابي؟” خدمة المشورة والنضج المسيحي،https://arabic-christian-counseling.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1036%3A%D8%A5%D9%86%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AE%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%89-%D9%87%D9%84-%D9%87%D9%88-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%9F&catid=12&Itemid=165&lang=ar. تم الوصول إليه 23 مايو 2021.]
[26] كلمات وألحان: ناصف صبحي.
[27] بيونج هاك لي، ص. 269.
أسم الكاتب : ق. بيتر وديع
يعتقد الكثيرون أن الاختلاف بين المسيحيين هو فقط الاختلاف بين الكنائس التقليديّة (الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة) وبين الكنائس البروتستانتيّة بمختَلَف بمذاهبها، وكأن هذا هو فقط الاختلاف. ولكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك، فبداخل الطوائف البروتستانتيّة توجد اختلافات كبيرة أيضًا؛ فمثلًا يوجد داخل الطوائف البروتستانت تيارات ومذاهب كارزماتيّة تختلف تمامًا عَن باقي الكنائس الإنجيليّة. وتوجد أيضًا تيارات ليبراليّة تختلف كل الاختلاف عَن التيارات الأصوليّة وحتى المحافظة داخل الإنجيليين أنفسهم. وفي ضوء هذه الاختلافات -التي قد لا يُدركها العوام مِن الشعب الإنجيليّ، ولكنها بالطبع مفهومة للدارسين والمتخصصين- يُريد الباحث أن يُلقي الضوء على الاختلاف بين تيارين أساسيين داخل الطوائف البروتستانتيّة واللذين يختلفان عَن بعضهما البعض اختلافًا ضخمًا جدًّا، سواء في طريقة تفسيرهما للكتاب المقدس، وبالتالي التعامل مع نصوصه المختلفة، أو في استخراج المعاني اللاهوتية والعقائد المختلفة.
والتياران اللذان يقصدهما الباحث هما: التيار العهدي، والذي تتبناه الكنائس المُصلحة مثل: الكنيسة المشيخية واللوثرية والأسقفية…، والتيار التدبيري الذي تتبناه كنائس الإخوة في كل العالم وكنائس أخرى مثل الرسوليّة والخمسينيّة والمعمدانيّة…، وبالطبع يصعب أن نرصد جميع الاختلافات بين هذين التيارين من النواحي التفسيريّة أو النواحي اللاهوتيّة، لكن في هذه الورقة البحثيّة سيجتهد الباحث أن يُوضح الاختلافات الأساسية بين بين التيار العهدي والتيار التدبيري في قضية العهود والتدابير وعلاقة الله بالإنسان منذ خلق العالم وحتى أحداث مجيء المسيح الثاني ونهاية الزمان وما يُعرف بالإسخاتولوجي.
اللاهوت التدبيري
استمد التدبيريون هذا الفكر من نظرياتِ سابقي الألف سنة التاريخيين، والتي تبنَّاها اللاهوتيون القدامى منذ القرن الثاني الميلادي، أما هذا التعليم للتدبيريين المُحدثين فإنه يفصل فصلًا تامًّا بين إسرائيل والكنيسة، وهذا التعليم لم يظهر قبل جون نيلسون داربي (1800 – 1882) وظهر أيضًا على يد سكوفيلد عام 1909، وهذا ما يؤكد الاختراق الصهيوني للمسيحية، ويتفق التدبيريون المحدثون مع أصحاب النظرية التاريخية الذين يقولون إن المسيح سوف يحكم الأرض بصورة حرفية لمدة ألف سنة بعد مجيئه الثاني، ونحن نرى أن الملامح الأساسية لهذا الفكر هي كالتالي:
أولًا: تبني التفسير الحرفي لكل الكتاب المقدس، سواء كان النص أخلاقيًّا أم أدبيًّا أم تاريخيًّا (وهو ما يُسمى التفسير بظاهر النص) وهذا خطأ فادح في فهم قواعد التفسير وتطبيقها، فلا شك أن هناك نصوصًا كثيرة لا تُفسَّر بشكل حرفي.
ثانيًا: تقسيم التاريخ الإنساني إلى حقب تبعًا لتعاملات الله مع الإنسان، واعتمدوا في ذلك على اختلاف أسلوب الله في تعامله مع الإنسان من حقبة إلى أخرى، ولذلك يطلق عليهم أيضًا “الحقبيين”.
ثالثًا: يقسّم التدبيريون تاريخ العالم إلى سبعة عهود أو تدابير، ولذلك عُرِفوا بالتدبيريين، ويشتق التدبيريون اسمهم من كلمة (تدبير Οικονομια أويكونوميا) والتي تعني أيضًا وكالة. وهي مأخوذة من قول الرسول بولس “تدبير ملء الأزمنة” (أف 1: 10). ويرى التدبيريون أن الله تعامل ويتعامل مع البشر من منطلق سبعة تدابير لها جانب زمني وجانب موضوعي (عصور مختلفة وتعاملات مختلفة) هي كالتالي:
وهذا التقسيم يوضح نظامًا في منتهى التعقيد، لكي يُبين الفرق بين زمن وآخر، وهو يعتمد على تفسير حرفي ثقيل للنبوات، ويعتمد أيضًا على أن كل نبوة يجب أن تُحقَّق بالحرف، وهذه القاعدة غير مقبولة في مبادئ التفسير العلمي الصحيح للنصوص المقدسة؛ حيث يجب الاعتماد على أسلوب واحد في النص الواحد، وتتحدث هذه النظرية عن عودة المسيح ثانيةً يبن التدبير السادس والسابع، وستكون هذه العودة سرية بهدف اختطاف الكنيسة (المؤمنين الحقيقيين) حيث يكونون في السماء أثناء الضيقة وقبل المجيء الثاني للمسيح والذي يُعرف بالظهور لأنه سيتم علنيًّا، وقد اقترح البعض منهم حربًا عالمية ثالثة في نهايتها يظهر “ضد المسيح” وهو إنسان يأتي إلى العالم قبل أن تبدأ هذه الحقبة بمجد غير عادي، كملك أو كرئيس عظيم، تلي ذلك الحقبة السنوات السبع وفيها الضيقة العظيمة على العالم، وقد اقترح البعض الآخر تقسيم هذه الحقبة إلى جزئين كل جزء منها 3.5 سنة أو 42 شهرًا أو 1260 يومًا لكل جزء، في هذه الأثناء يبدأ نشاط ضد المسيح هذا، ويقول عنه دانيآل النبي: “وَيَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ” (دا 7: 25)، وفي أثناء هذه الضيقة سوف تؤمن أغلبية إسرائيل بالمسيح كالمسيّا، وبسبب إيمان هؤلاء اليهود سوف يؤمن عدد كبير من الأمم بالمسيح، وفي ختام السنوات السبع يأتي المسيح ثانيةً بصورة علنية وبمجد، حيث يدخل في معركة مع جميع أعدائه في معركة (هرمجدون) ويدمرهم ويسحقهم، وفي ذلك الوقت يكون قد تم تجميع اليهود الذين آمنوا بالمسيح في أثناء الضيقة العظيمة من كل أنحاء العالم، وبعد ذلك يدخل المسيحُ أورشليمَ ويتم تقييدُ الشيطان ويملك المسيح ألف سنة حرفيًّا على الأرض، وتحت هذا الحكم ستكون لليهود مكانة أعظم من كل الأمم، وسيكون قد تم بناء الهيكل، وستعود الذبائح مرة أخرى، وسيملأ العدلُ والسلامُ الأرضَ، وفي نهاية الألف سنة سيتم حل الشيطان ثمّ يُهزَم نهائيًّا، وعندئذٍ تكون القيامة العامة ودينونة الأموات وتبدأ الحالة الأبدية.
اللاهوت العهدي
تتبنى الكنيسة الإنجيلية المشيخية Presbyterian Church هذا اللاهوت، وهذه النظرة اللاهوتية هي نظرة الكنيسة المُصلحة منذ نشأة الإصلاح، ولم تتغير إلا عندما ظهر اللاهوت التدبيري كما ذكرنا أعلاه. هذا اللاهوت مبنيٌّ على طريقة مُعينة لفهم الإعلان الإلهي، فهي ترى أن إعلان الله عَن نفسه وعَن عهده مع شعبه في الكلمة المقدسة، هو إعلان يتجه تدريجيًّا نحو التقدم والاكتمال حتى يتحقق في العهد الجديد في شخص الرّب يسوع المسيح وعمله ورسالته. الذي جاء في الجسد ليُنجز هذا التحقيق، وسيأتي في المستقبل ثانيةً في مجد ليستكمل عمله، عندما يدين الشر ويتمجد في قديسيه.
ترى هذه المدرسة الكتابَ المُقدس بعهديه كتابًا واحدًا، يسري فيه كله تيار واحد هو تيار العمل الفدائي الكبير، وإقامة الملكوت الذي أعدَّ له الله في العهد القديم وتحقق في العهد الجديد، وفي ترتيب تصاعدي لإعلان العهد والوعد، ووصل ذروته في شخص المسيح. ولذلك يجب أيضًا أن نلاحظ الفرق بين نظرة العهد القديم ونظرة العهد الجديد، فنظرة العهد القديم هي نظرة الإعداد والتطلع، أما نظرة العهد الجديد فهي نظرة الاختبار والتحقيق، في طريق الاكتمال عندما يأتي المسيح ثانيةً ليكمل العمل الذي بدأه.
وتُبنى أيضًا الرؤية العهدية على طريقة القراءة اللغوية والتاريخية للنصوص الكتابية والتي تستند إلى المبادئ الهامة في التفسير مثل:
وبعد أن عرضنا كلًّا مِن المدرستين ونشأتهما ومفهومهما اللاهوتي، سيقدم الباحث نقدًا للاهوت التدبيري والرد على الحجج الرئيسية التي تجعل التدبيرين يتمسكون بهذا الفهم.
مأزق اللاهوت التدبيري
المُشكلة الأساسية في اللاهوت التدبيري يُمكن أن نُسميها “التقسيم الحاد لتعاملات الله”، وبذلك فهو يقع في مأزق شديد الخطورة. فهو يُقسِّم تعاملات الله بطريقة حادة جدًّا، وكأن كل سمة من سمات تدبير مُعين هي حصرية عليه. في حين أن كُل سمة مميزة لعصر معين يُمكن جدًّا، بل وهي بالعفل كائنة وموجودة في التدابير الأخرى، فمثلًا عندما نقول تدبير الضمير؛ لأن السمة الأساسية في تعامل الله مع الإنسان في هذه الحقبة هو الضمير، فهذا الأمر ليس حصريًّا على هذه الحقبة فما زال الضمير بداخل الإنسان ويُخاطب الروح القدس هذا الضمير في الإنسان على مر كل العصور حتى يجتذبه لله.
ومثلًا عندما نقول تدبير الحكومات لأن السمة الأساسية هي “سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ” (تك 9: 6) ألم يستمر هذا القانون بعد ذلك في كل التدابير الأخرى؟ ألم يكن هذا الأمر ساريًا أثناء إبراهيم وحتى موسى؟ ألم يظهر هذا القانون في الناموس بوضوح “العين بالعين السن بالسن”؟ إذًا إين التفرد أو التميز لهذا التدبير؟
وأيضًا عندما يقولون إن تدبير الوعد/العهد جاء مع إبراهيم، فهل هذه الطريقة لم تكن موجودة قبل إبراهيم؟ ألم يدخل الله في عهد مع آدم ومع نوح؟ وبالفعل قام الله بوعد نوع وأدخله الفلك بحسب عهده معه “أقيم عهدي معك…” (تك 6: 18)، ودخل الله بعد ذلك في عهد مع موسى والشعب وداود. إذًا أين التميز لهذا التدبير؟
وأيضًا عندما يقولون إن هناك تدبيرًا يُسمى “تدبير النعمة” (التدبير السادس) وكأن الله -الذي هو إله كل نعمة- يتعامل بالنعمة فقط خلال الألفي عام السابقين فقط ولم يتعامل بالنعمة سابقًا، مع أن من خلال القراءة العابرة للعهد القديم نجد النعمة، وبكل وضوح، من أول آدم وحواء اللذين سترهما الله بنعمته، وهابيل الذي قبل الله تقدمته بالنعمة، ونوح الذي دبر الله له الفلك بالنعمة، ودعوة إبراهيم وموسى والشعب وداود واسترداد مملكة يهوذا من السبي. فالنعمة بصمةٌ إلهيةٌ في كل تاريخ معاملات الله مع البشر.
إذًا عزيز القارئ أين التمييز الذي يُميز بين كُل تدبير وآخر؟ ولماذا نُطلق على هذه الحقبة اسمًا مُحدَّدًا بصفةٍ محددةٍ وكأنها حصريةٌ عليه؟ ولماذا نحدُّ مِن معاملات الله في طريقة محددة وهو إله غير محدود وطرقه غير محدودة في كل زمانٍ ومكانٍ؟
لذا، بالتحليل البسيط نجد أن التمييز بين معاملات الله مع البشر بما يُسمى التدابير، هو تمييزٌ مزعومٌ ووهميٌّ، وأن حصريةَ سمةٍ محددة على حقبة محددة من الزمن هي حصريةٌ مزعومةٌ لا تتسق مع روح الكتاب المقدس بعهديه، ولا العقائد الأساسية اللاهوتية، ولا حتى مع المنطق البسيط.
حجج التدبيريين والرد عليها
هنا يأتي السؤال: لماذا يتمسك التدبيريون بتفسيرهم هذا؟ وما الحجج الرئيسية عليه؟ بالطبع يعوزنا الوقت لعرض كل حجج التدبيريين لتبرير موقفهم اللاهوت، ولكن سيقوم الباحث بعرض أهم الحجج والرد عليها، حتى يُساعد القارئ للتعرّف على الرأي والرأي الآخر.
حجة صدق نبوات الكتاب المقدس
يتمسك التدبيريون بقوةٍ مستميتةٍ بالتدابير السبعة، ويتطرف البعض منهم ويعتبر أنه لا مجال لفهم الكتاب المقدس دون فهم التدابير السبعة، وأهم الحجج التي يسوقونها للتمسك بهذا التفسير هي حجة “صدق نبوات الكتاب المقدس” ويقولون إنه لا يُمكن أن يتنبأ الكتابُ بشيءٍ ولا يحدث، ولا يُمكن أن يكون الله -حاشا- كاذبًا، فإذا كان الله قد سبق ووعد حتمًا ولابد أنه سيفي بوعوده، ولقد تنبأ الله في العهد القديم بملكوتٍ أرضي، إذًا لابد وأنه سيتمُّ في المستقبل وبشكلٍ حرفيٍّ، لذا فهم متمسِّكون بالتدابير السبعة حيث يوجد تدبير المُلك الألفي الذي ستتحقق فيه النبوات بشكل كامل ونهائي وحرفي.
وللرد نقول إننا نتفق وبشدة مع أن الكتاب لابد وأن يكون صادقًا فيما تنبأ به، وأنه حاشا لله أن يكون غير صادق في وعوده. ولكن الفكرة هنا ما هي تلك النبوات؟ كيف تعرفنا عليها؟ وما الذي يؤكد أنها نبوات لم تتحقق وستتحقق في المستقبل؟ وما الذي يقول إنها ستتحقق حرفيًّا وليس روحيًّا؟
بالطبع هنا تأتي الاختلافات الكبرى بيننا وبين التدبيريين من حيث آليات تفسير النصوص المختلفة؛ فهم يتعاملون مع كل أسفار الكتاب المقدس بطريقةٍ نبويةٍ، مُستندين على أن كلمة الله هي كلمة نبوية في الأساس “وعندنا الكلمة النبوية …” (2بط 1: 19)، دون النظر لطبيعة النص الأدبية هل هو نصٌّ شعريٌّ أم قصصيٌّ أم رؤيويٌّ أم نبويٌّ؟
ففي دراسة النبوات لابد أن نتوقف بعمق ودراية أمام الرسالة، والأساليب المُستخدمة، ثم مدى الإتمام والتحقيق، وهل تمت النبوة في العهد القديم؟ أم في العهد الجديد في المجيء الأول؟ أم في المجيء الثاني؟ أم أن لها أكثر من إتمام في نفس الوقت؟ وما هي الرسالة المعاصرة لنا الآن؟ كل ذلك من خلال تطبيق خطوات تفسير النبوات.
فليس بالضرورة التعامل مع النصوص بالطريقة الحَرفية، إلا إذا استخدم الكتاب نفسه في العهد الجديد نصًّا من العهد القديم بهذه الطريقة، ففي هذه الحالة سيكون الكاتب فعل هذا بالروح القدس، ولا يحق لأي منا أن يفعل هذا. فسنقع في فوضى تأويلية وتفسيرية إذا اعتبرنا أي نص نبوة ولابد وأن تتم، ولكننا نلتزم فقط بما قال عنه العهد الجديد إنه نبوة وتمت في مجيء المسيح الأول أو ستتم في مجيئه الثاني، وبهذا يكون الكتاب صادقًا في نبواته، أما أن نفترض أن أي نص نبوةٌ فهذا خطرٌ شديدٌ.
وأيضًا لم يدركوا أن الكتاب المقدس كتابٌ نبويٌّ ليس معناه بالضرورة هو الإخبار بأمور مستقبلية غيبية لم يعرفها أحد، ولكن يُمكن أن يكون نبويًّا بمفهوم إنباء، أي إخبار بتعاليم ومفاهيم روحية ولاهوتية وأخلاقية.
حجة تفسير حروب العهد القديم
واحدة من أهم الأمور التي تجعل التدبيريين يتمسكون بتفسيرهم هذا، ويقسمون معاملات الله بهذه الطريقة، هي محاولة تبرير الله بالنسبة للحروب التي قاد بها الله الشعب قديمًا. فهم يقولون إن هذه الحروب كانت مرتبطةً بتدبير مُعين وهو تدبير الناموس، وكان الله في ذلك الوقت يتعامل بهذه الطريقة ولكن الآن ونحن في تدبير النعمة ولقد غيّرَ الله طريقته وبدأ يتعامل بالنعمة مع البشر.
وللرد نقول إن هناك مشكلة في ربط قرارات الله بالحروب بالنعمة أو بالناموس، وكأن الله لم يكن مُنعِمًا وأصبح مُنعِمًا، وكأن الناموس لم يُكن مُعطَى مِن الله بالنعمة، لخير وبركة الإنسان ممثلًا في شعب إسرائيل.
ومع أننا نتفق أن هذه الحروب كانت قراراتٍ خاصةً جدًّا في سياقٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ مُحدَّد ولأغراض محددة، لكن هذا لا يرجع إلى اختلاف التدابير كما يقول أصحاب هذه المدرسة، ولكنه يرجع للسياق الحضاري والثقافي والتاريخي والجغرافي لهذه الشعوب؛ فنحن نعلم أن الله إله ديناميكي تفاعلي، يتفاعل مع الإنسان بحسب سياقه، وهذا ما رأيناه بوضوح في الإعلان الكامل لشخص الرّب يسوع، فالله تجسد لكي يكون معنا في سياف إنسانيتنا. إذًا عندما ندرس السياق الحضاري لهذه الحروب -والذي يغفله دائمًا التدبيريون- سنرى الأسباب المنطقية التي جعلت الله يأمر شعب إسرائيل بالدخول في هذه الحروب، وحينئذٍ سنجد أنه لا داعي لاستخدام التدابير السبعة كمبرِّر.
حجة فداء الأرض والخليقة
يرى التدبيريون أن تدبير المُلك الألفي (التدبير السابع) هو الذي سيحقق ما قال عنه الرسول بولس في الإصحاح الثامن من رسالة رومية “الخليقة ستُعتَق من عبودية الفساد” وهذا ما سيتم في المُلك الألفي على الأرض وبشكلٍ حرفيٍّ، وبوضع بعض النصوص من الأسفار النبوية في العهد القديم -بحسب تفسيراتهم- سنجد أن الخليقة والأرض بكل ما عليها من نباتات وحيوانات لا بد وأن تُعتَق.
وللرد نقول هل عتق الخليقة مُرتبط بالألف سنة فقط؟ أليس من الممكن أن يكون عتق الخليقة مُرتبطًا بالأبديَّة كلها؟ فيذكر الكتاب عن الحالة الأبدية أنها “سماء جديدة وأرض جديدة” ومن الممكن جدًّا أن تكون الحالة الأبدية مُحقَّقةً على هذه الأرض بعد فدائها بمجيء المسيح الثاني. إذًا فنحن نؤيد وبشدة فداء الخليقة كلها، وننتظر عتقها من عبودية الفساد التي تسبب فيها السقوط، ولكن لا يوجد ارتباطٌ شرطيٌّ بين تدبير المُلك الألفي وبين هذه الحقيقة، فيُمكن وأن تتحقق في الحالة الأبدية.
أسم الكاتب : القس أمير ثروت
إنه الدكتور القس توفيق جيد ميخائيل (1895–1967م)، الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيلية بالفجالة- القاهرة، من مواليد هور- ملوي بمحافظة المنيا في عام 1895، وكان والده الشيخ جيد ميخائيل هو شيخ الكنيسة الإنجيلية بهور،[1] تخرج أولًا في كلية الأمريكان بأسيوط عام 1914،[2] ثم تخرج ثانيًا في كلية اللاهوت الإنجيلية عام 1917.[3]
رُسم ونُصب راعيًا للكنيسة الإنجيلية بالخرطوم عام 1919 ثم تم انتخابه وتنصيبه قسًّا وراعيًا لكنيستنا الإنجيلية بسوهاج عام 1925، وفي عام 1949 تمت دعوته وانتخابه ليكون راعيًا للكنيسة الإنجيلية بالفجالة خلفًا للراحل القس غبريال الضبع.
حصل على الدكتوراه الفخرية من كلية لاهوت “سَس كينجم” بالولايات المتحدة الامريكية عام 1963[4] وقد مُنحت له هذه الدرجة تقديرًا لخدماته للكنيسة الإنجيلية بمصر والسودان والشرق العربي.
تقلد منصب أمين سر سنودس النيل الإنجيلي عام 1930[5] ترأس السنودس (المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية بمصر) عام 1962.[6]
تحمل مسئولية ملجأ “فولر” بعد أن قررت الإرسالية الأمريكية غلقه في ذلك الوقت، وذلك نيابةً عن السنودس لارتفاع النفقات الشهرية الخاصة به،[7] وأسس جمعية خيرية باسم “جمعية رعاية الفقراء والأيتام للأقباط الإنجيليين بالفجالة” للعمل في خدمة الملجأ عام 1961.[8]
انتقل إلى المجد في صباح يوم الاثنين 14 أغسطس 1967.
كان القس توفيق جيد صاحب مدرسة وعظية خاصة، اتبعها من بعده جيلٌ كاملٌ منذ خمسينيات القرن الماضي؛ حيث كان يقسم عظته بعد عنونتها ووضع مقدمة لها إلى ثلاث أفكار رئيسية مسجوعة، ثم يقسم كل فكرة من الأفكار الرئيسية إلى ثلاث أفكار فرعية مسجوعة أيضًا حتى يسهل على السامع متابعة العظة وتذكرها أيضًا، على أنه كان يختم العظة بملاحظتين ختاميتين كتطبيقات سلوكية عملية لما جاء في العظة، ونستطيع أن نطلق على هذه المدرسة الوعظية “مدرسة الثلاثيات”.
وإليك عزيزي القارئ نموذج لإحدى عظاته[9].
اسم العظة ” ليأتِ ملكوتك” بعد المقدمة، ثلاث كلمات، الكلمة الأولى: الملكوت المنشود، والكلمة الثانية: الإتيان المقصود، والكلمة الثالثة: الالتزام المفروض.
الملكوت المنشود: الملكوت في بدايته والملكوت في صفاته والملكوت في رعاياه.
والإتيان المقصود: هدم وتقدم وقدوم، هدم ملكوت الظلمة وتقدم لملكوت النور وقدوم لملكوت المجد.
والالتزام المفروض: التزام العمل بغير رخاء والتزام العطاء بكل سرور والتزام تحمل الضيق والبلاء والتزام الامتلاء من رفع الأمل والرجاء.
والملاحظتان الختاميتان، الأولى: لنُملِّك مليكنا على قلوبنا من جديد، والثانية: لنُعِدَّ نفوسنا للملكوت العتيد.
وكلماته في العظة تظهر بسيطة وواضحة، لكنه كان ينفخ فيها من روحه فيملأها بالمعنى والتأثير.
ناهيك عزيزي القارئ عن لغته العربية الفصيحة، حيث ينطق كل كلمات عبارته مشكلة تشكيلًا صحيحًا وتامًّا ولا يتبع القاعدة الأشهر في الخطابة “سكن تسلم” لتلافي الأخطاء النحوية.
ويقول عنه الدكتور القس لبيب مشرقي[10]: “ولما انتقل الضبع إلى السماء لم تجد كنيسة الفجالة من تستطيع أن تأتمنه على كنيسة الضبع إلا توفيق جيد وقد استطاع فعلًا أن يكون خير خلف لخير سلف”.
ويقول عنه أيضًا: “وأنت إذا ذهبت إلى كنيسة الفجالة صباح الأحد أو مساءه وجدت كنيسة مزدحمة ازدحامًا لم يسبق له مثيل (…) حيث كان القس توفيق خطيبًا بليغًا قديرًا يسحر الجمهور ببلاغة كلماته”.
تميز القس توفيق جيد بصوته الجمهوري؛ حيث كان يعظ بدون ميكروفون في كنيسة الفجالة والتي تزيد مساحتها عن 600 متر مربع وصار لقبه المعروف به “أمير الوعاظ”[11]
قدم القس توفيق جيد ستة كتب وعظية للمكتبة المسيحية العربية، حيث كان يحول عظاته التي يعظها في الكنيسة إلى كتب مطبوعة.
وهو كتاب عن ثمر الروح القدس.
وهو كتاب عن السلوك المسيحي من خلال رسالة رومية أصحاح 12.
وهو كتاب عن لاهوت الرب يسوع المسيح.
وهو عبارة عن مجموعة عظات ألقيت على هامش السوق الخيري السنوي الذي تقيمه الكنيسة الإنجيلية بالفجالة لدعم دار الرعاية بفولر.
وهو كتاب عن عقيدة الثالوث الإلهي.
وهو عبارة عن شرح للصلاة الربانية والتي كان يشرحها القس توفيق جيد في عظاته من منبر الكنيسة الإنجيلية بالفجالة خلال ثلاث سنوات متتالية.
وهذا الكتاب له قصة خاصة؛ فهو مجموعة من العظات التي ألقاها القس توفيق جيد ردًّا على د. نظمي لوقا أستاذ الفلسفة بكلية الآداب – جامعة عين شمس، حيث أصدر الأخير كتابًا بعنوان “محمد، الرسالة والرسول” عام 1959.[12] وتحدث فيه عن لاهوت المسيح “فقد صار اتباع المسيح إلى القول بألوهيته وأنه ابن الله (…) ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى شيء من ذلك، بل كان يدعو نفسه على الدوام: ابن الإنسان”.[13]
ولقد قام بالرد على د. نظمي لوقا قطبان من الكنيسة المصرية، الأول هو الدكتور القس توفيق جيد في كتابه “من هو؟” والثاني هو القمص سرجيوس في كتابه “الدكتور نظمي لوقا في الميزان”.[14] وإن اختلف كلاهما في منهجية الرد؛ فالأول اتبع منهجية شرح العقيدة المسيحية كما هي دون خطاب مُقدَّم للدكتور نظمي لوقا الذي أثار المشكلة، والثاني وضع اسم الدكتور نظمي لوقا على الكتاب من الخارج وأخذ يفند ما كتبه فصلًا فصلًا.
فالدكتور القس توفيق جيد هو بحق أحد آباء الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر.
[1] توفيق جيد، الصلاة الربانية (القاهرة: دار الثقافة، كتاب اجنحة النسور السنوي، يوليو-أغسطس 1968) ص3.
[2] المرجع السابق، ص3.
[3] أديب نجيب سلامة، تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر (القاهرة: دار الثقافة، 1982) ص99.
[4] توفيق جيد، الصلاة الربانية (القاهرة: دار الثقافة، كتاب اجنحة النسور السنوي، يوليو- أغسطس 1968) ص3.
[5] أديب نجيب سلامة، تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر (القاهرة: دار الثقافة، 1982) ص 61.
[6] المرجع السابق، ص 144.
[7] توفيق جيد، الصلاة الربانية (القاهرة: دار الثقافة، كتاب أجنحة النسور السنوي، يوليو – أغسطس 1968) ص 3.
[8] أيمن السيد عبد الوهاب، دليل الجمعيات الاهلية التنموية في محافظة القاهرة (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجيات، 2003) ص223.
[9] توفيق جيد، عظة صوتية مسجلة بعنوان: “ليأت ملكوتك”، الكنيسة الإنجيلية بالفجالة.
[10] عزرا مرجان، سحابة من الشهود (الاسكندرية، لجنة الإعلام والنشر لمجمع الدلتا الإنجيلي، بدون تاريخ) ص 75.
[11] شماسة لأنجيل شهيد، كنيسة الفجالة الإنجيلية في مائة عام (القاهرة: الكنيسة الإنجيلية بالفجالة، 2019) ص 56.
[12] نظمي لوقا، محمد الرسالة والرسول (القاهرة: طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، 1959)
[13] المرجع السابق، ص 65، 66.
[14] القمص(سرجيوس)، الدكتور نظمي لوقا في الميزان (بيروت: دار المنشورات الحديثة، 1959).
أسم الكاتب :القس جميل فوزى
يُعتبر الفصلان 38-39 من سفر حزقيال هما الأصعب على الإطلاق من بين أجزاء السفر من حيث عملية التفسير. وترجع صعوبة هذين الفصلين إلى الغموض الذي يتَّسِمان به. يقدم حزقيال جوج من أرض ماجوج كشخصيةٍ غامضةٍ ترافقه دولٌ أجنبية أخرى مثل فارس وكوش وفوط وماشك وتوبال (38: 1- 5؛ 39: 1)، حيث يجتمعون معًا لغزو أرض إسرائيل (38: 8- 9، 16). بدوره، قام يهوه ليدافع عن إسرائيل، فنراه يحارب جوج ويلحق به دمارًا رهيبًا (38: 18- 23). بعد هزيمة جوج، تم تدمير أسلحة ودروع محاربيه في حريق هائل، وتُرِكَت جثث جنوده على الأرض لتلتهمها طيور السماء ووحوش الحقل (39: 3- 5، 17- 20).
إن السمة الغامضة لهذين الفصلين تجعل هوية جوج، العدو القادم من الشمال، موضع جدال بين العلماء لدرجة أن بعض العلماء يقرون “أن الإجماع حول هوية جوج أمر لا يمكن تحقيقه بل سيظل يكتنفه الغموض إلى الأبد.”[1] على أية حال، تقدم العديد من التفسيرات هوية جوج على أنه شخصية تاريخية (فرد أو أمة) إما معاصرة لزمن حزقيال أو عابرة للتاريخ. يتعامل علماء آخرون مع اسم جوج بشكل رمزي أو حتى يرونه كإشارة لقوى شريرة في عداء مع يهوذا/إسرائيل. من بين الكثير من الاقتراحات ستؤيد هذه الورقة اقتراح أن جوج هو شيفرة للإشارة إلى نبوخذناصَّر الثاني، الملك البابلي المعاصر لحزقيال (القرن السادس قبل الميلاد) من خلال تقديم قراءة للفصلين 38-39 من منظور معاصر لزمن السبي البابلي.
من المثير للاهتمام، أنه على مدار السفر كله لم يتم توجيه أي نبوءة للدينونة ضد بابل، كما هو الحال مع باقي الأمم، الأمر الذي من شأنه أن يشكك في معقولية رسالة الرجاء التي قدمها حزقيال في الفصلين 36-37 حيث الوعد باسترداد الشعب إلى أرضهم. إذن، في ضوء رسالة الرجاء هذه، ما هو موقف نبوخذناصَّر من استرداد الشعب؟ هل وافق عليه أم عارضه؟ وكيف حدث الرجوع؟ هل عاد الشعب إلى أرضهم دون حرب أم اضطروا إلى القتال مع نبوخذناصَّر؟ إذا كانت رسالة الرجاء حقيقية، فلماذا لا يوجد دينونة ضد نبوخذناصَّر حتى تتوافق رسالة حزقيال مع نبوءة إرميا عن نبوخذناصَّر التي تقول إنه سينال دينونة من الله (إر 50- 51)؟ مثل هذه الأسئلة تمثل توترات لا يمكن تسكينها بشأن معقولية استعادة إسرائيل إلى أرضهم في غياب مصير نبوخذناصَّر. في الواقع، إن تجاهل مصير نبوخذناصَّر يبدو غير واقعي في سياق السبي البابلي؛ لأن شرف يهوه لم يتم تبريره في أعين الأمم من خلال إلحاق الهزيمة ببابل حتى يدركوا أن نبوخذناصَّر ما هو إلا أداة استخدمها يهوه لعقاب إسرائيل. لحسن الحظ، تتعامل نبوءة جوج مع كل هذه الأسئلة وتساعد في العثور على المعقولية المفقودة وراء استعادة إسرائيل. تؤكد جالامبوش على أهمية نبوءة جوج في سياق رسالة حزقيال حيث تطلق على الفصلين 38- 39 “حبكة” رسالة حزقيال. تقترح جالامبوش أن الاهتمام الجوهري لرسالة حزقيال هو الله وليس الشعب. فشرف يهوه تم الاستخفاف به بواسطة عصيان الشعب؛ لذلك استخدم الله نبوخذناصَّر ليظهر قداسته بمعاقبة الشعب (21: 15- 16، 23: 22- 35). إلا أن هذا العقاب أدى بدوره إلى إحداث ضرر في سمعة يهوه بين الأمم؛ حيث سُبي الشعب ودُمِّر الهيكل المقدس على يد نبوخذناصَّر. مما أدى بدوره إلى حتمية استرداد شرف يهوه في أعين الأمم من خلال عقاب نبوخذناصَّر.[2] لذلك، بحسب جالامبوش، إن عقاب نبوخذناصَّر ليس رفاهية لكنه أمر حيوي لحبكة السفر. في الواقع، إن احتمال أن يكون جوج هو اسم مشفر لنبوخذناصَّر، ملك بابل، هو اقتراح قوي يمكن تعزيزه من خلال العديد من الأدلة الأدبية.
أدلة أدبية على أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر
إن قراءة نبوة جوج من منظور سبي بابلي يتم إثباته من خلال العديد من الأدلة الأدبية التي تؤكد أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر. الدليل الأول هو وصف جوج كعدو يأتي من الشمال (38: 6، 16). كان يُنظر إلى الشمال من قِبَل العقليّة اليهوديّة العهد قديميّة على أنه مكانٌ خطرٌ وغامضٌ، موطن الغرباء وغير المعروفين.[3] ومع ذلك، فإن هذا العدو الغامض وغير المعروف قد تم اكتشافه. إنهم يعلمون جيدًا أن العدو القادم من الشمال هو نبوخذناصَّر ملك بابل. يأتي هذا الفهم من اطلاعهم على نبوءة إرميا (إر 25: 8- 11؛ 1: 13- 15؛ 4: 5-18؛ 6: 22)، التي تعلن أن العدو القادم من الشمال هو نبوخذناصَّر، الذي يأتي كأداة لدينونة الله على شعب إسرائيل. علاوة على ذلك، يصرح حزقيال كثيرًا في سفره عن نفس الحقيقة أن نبوخذناصَّر ما هو إلا مجرد أداة للدينونة في يد الله وأن السبي الذي يختبره الشعب الآن هو نتيجة خطايا إسرائيل (الفصول 6، 12، 21). بذلك يكون نبوخذناصَّر، العدو القادم من الشمال، هو تحقيق للنبوات القديمة حسب إرميا. ولا يمكن لأي شخص يقرأ سفر حزقيال (أو إرميا) أن يشك في أن البابليين هم هذا العدو القادم من الشمال لتدمير أورشليم.[4] انطلاقًا من حقيقة أن نبوخذناصَّر هو العدو القادم من الشمال، يعطي حزقيال أهم تلميح لقارئ كتابه معلنًا أن جوج هو نفس الشخصية التي تحدث عنها الأنبياء القدامى. وبالتالي، فإن جوج هو استعارة أو اسم مشفر لنبوخذناصَّر.
تؤكد جالامبوش أن جوج يمثل نبوخذناصَّر اعتمادًا على بعض التشابهات اللغوية في وصف الشخصيتين سواء في سفر حزقيال أو في سفر إرميا. على سبيل المثال، في سفر حزقيال، نجد أن كلاهما يأتي من الشمال (26: 7؛ 23: 24 (السبعينية فقط)؛ 38: 15؛ 39: 2)؛ كلاهما يقود جماعة عظيمة (16: 40؛ 23: 24، 46، 47؛ 26: 7؛ 32: 3؛ 38: 4، 15)؛ كلاهما يكون مصحوبًا بشعوب كثيرة (38: 6، 9، 15، 22؛ 26: 7؛ 32: 3)؛ كلاهما يسلب وينهب (26: 12؛ 29: 19؛ 38: 12، 13).[5] وفي إرميا 49: 28-32، يصف النبي هجوم نبوخذناصَّر على قيدار وحاصور بشكل يتطابق مع وصف هجوم جوج على شعب إسرائيل. فدعوة كليهما للحرب نابعة من يهوه (49: 28؛ 38: 3-9)، كلاهما يعتقدان أن الفكرة نابعة منهما وأنهما ينفذان خططهما الشخصية (49: 30؛ 38: 10-12)؛ كلاهما يهجمان على شعب آمن وبلا أسوار بغرض نهبهم وسلبهم (49: 31- 32؛ 38: 8، 11- 12).[6]
بالإضافة إلى ذلك، فإن قائمة البلدان المذكورة في نبوءة جوج هي بمثابة إشارة أدبية قوية إلى أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر. بغض النظر عن هوية هذه الدول أو أهميتها الجغرافية والتاريخية، دعونا نتعامل معها فقط من حيث أهميتها ودلالتها الأدبية في النص. في الحقيقة، يسرد حزقيال هذه الأمم ليس وفقًا لأهميتها الجغرافية بل وفقًا لأهميتها السياسية في السياق الأدبي للسفر. هو يريد فقط أن يؤكد على أن هذه الأمم تقع داخل دائرة النفوذ البابلي بهدف الإشارة إلى أن جوج هو نبوخذناصَّر.
من الجدير بالملاحظة أن قائمة البلدان المذكورة في نبوءة جوج موجودة أيضًا ضمن قائمة الدول التي كانت في تحالفات عسكرية وسياسية وتجارية مع كلٍّ من صور ومصر (الفصول 27 و30 و32). وبسقوط صور ومصر لتكون تحت سلطة نبوخذناصَّر (وفقًا لنبوءات حزقيال في الفصول 26- 32)، تصبح هذه البلدان أيضًا تحت سيطرة نبوخذناصَّر وتنضم إلى إمبراطوريته. على سبيل المثال، يصور الفصل 27 ماشك وتوبال كحليفين لصور تجمعهما معها تعاملات تجارية مشتركة (عدد 13). علاوة على ذلك، تم تصوير ماشك وتوبال في الفصل 32 على أنهما حليفتان لمصر وقد قُتلا بالسيف معها (عدد 26). أما بالنسبة لفارس وفوط، فيقدمهما الفصل 27 كجزء من جيش صور (عدد 10). بالتالي، فإن التحالف العسكري أو الخضوع لصور واضح للغاية هنا. يتحدث حزقيال أيضًا في الفصل 30 عن مجموعة من الدول في تحالف مع بعضهم البعض لدعم مصر. من بين هذه الدول كوش وفوط المذكورين في نبوءة جوج. إلا أن هذه الدول سقطت أيضًا مع مصر بحد السيف على يد نبوخذناصَّر (عدد 6). أخيرًا، يقدم فصل 27 آخر دولة في قائمة الفصل 38، بيت توجرمة، كدولة تنتمي إلى صور تجاريًّا وسياسيًّا (عدد 14). لذلك، مع سقوط صور ومصر ليكونا تحت سلطة نبوخذناصَّر، تصبح جميع هذه الأمم أيضًا موالية له وخاضعة للإمبراطورية البابلية.
البلد الوحيد الذي لم يذكره حزقيال سابقًا في الفصول 27 و30 و32، ولكنه مذكور في الفصل 38، هي جومر. ومع ذلك، لا يمثل هذا أي مشكلة لأن حزقيال لا يلتزم بذكر قائمة البلدان بنفس الترتيب في كل مرة ولا يهتم بألا يفوت بعضًا منها. في كثير من الحالات، لا يريد أن يذكر قائمة الدول واحدةً تلو الأخرى، بل يبحث فقط عن أمثلة. على سبيل المثال، في 30: 5 يتحدث عن مجموعة من البلدان الموجودة في لفيفٍ دون أن يذكرها جميعًا. بالإضافة إلى ذلك، تحدث حزقيال في 27: 15 عن “الجزائر الكثيرة” الذين كانوا حلفاء تجاريين لصور دون ذكر الأسماء. لذلك، قد يكون جومر أحد البلدان التي لم يهتم حزقيال بذكرها في 30: 10 أو 27: 15. ومع ذلك، فإن جومر هو أحد أبناء يافث المدرجين في تكوين 10: 2- 4 و1 أخبار 1: 5- 7. وتتضمن هذه القائمة معظم الأسماء التي انعكست في نبوءة جوج، مثل جومر وتوبال وماشك وتوجرمة وترشيش وماجوج وغيرها. لذلك، لا يربط حزقيال أسماء الأمم بقوائم البلدان السابقة في الفصول 27 و30 و32 فحسب، بل يربطها أيضًا بقائمة أبناء يافث. هذا هو السبب في أننا نجد جومر في نبوءة جوج حتى لو أنه لم يذكرها في الفصول السابقة.
باتباع الطريقة التي يذكر بها حزقيال هذه البلدان، يتضح لنا أنه يذكرها في نبوءة جوج، ليس لأهميتها الجغرافية أو التاريخية كدول، ولكن لأنها تثبت أن جوج هو نفس شخصية نبوخذناصَّر؛ فقد خضعت هذه البلدان سابقًا لنبوخذناصَّر مع سقوط صور ومصر. ومن خلال تصويرهم على أنهم ينتمون إلى جوج في فصل 38، فإنه تلميح ثاقب يشير إلى أن كلًّا من جوج ونبوخذناصَّر هما نفس الشخص.
يربط أيضًا حزقيال بين جوج ونبوخذناصَّر من خلال الإشارة إلى علاقة قديمة بين جوج وإسرائيل. في الواقع، تقدم الفصول 38-39 جوج باعتباره شخصية معروفة للشعب. تشير الآيات 38: 4 و39: 2 بوضوح إلى أن هجوم جوج على أرض إسرائيل لم يكن الهجوم الأول لأن يهوه سوف “يرجعه” لمهاجمة الشعب. وهكذا، كما لاحظت جالامبوش أيضًا، فهذه ليست حملة جوج الأولى ضد إسرائيل.[7] بالإضافة إلى ذلك، يذكر حزقيال في 39: 10 أن جوج على علاقة سابقة مع شعب إسرائيل وليس شخصًا غامضًا أو غير معروف بالنسبة لهم. ففي يوم الدينونة على جوج، أعلن حزقيال أن شعب إسرائيل سوف ينهبون الذين نهبوهم، ويسلبون الذين سلبوهم. لذلك، يُصوَّر جوج على أنه شخص له علاقة مباشرة بالشعب؛ لقد نهبهم وسلبهم من قبل، وسيرجعه الله إليهم الآن لكي يستردوا ما سلبه وما نهبه منهم. فجوج ليس شخصًا من نبوءات قديمة لم تتحقق في الماضي والآن هو تاريخ تحقيقها، ولا هو تحقيق لنبوءة من الماضي في سياق جديد كما يقترح بعض العلماء، ولا هو شخص من المستقبل سيهاجم شعب إسرائيل في زمن ليس له علاقة بزمن حزقيال، بل تضع الفصول 38-39 جوج في علاقة مباشرة مع الشعب ومعاصرة له. لذلك فإن جوج على وجه التحديد هو نبوخذناصَّر ملك بابل، الذي نهبهم وسلبهم في السابق، والآن حان الوقت لاستعادة كل هذه الأشياء.
اعتراضات على أطروحة أن جوج هو نبوخذناصَّر
للاستمرار في القول بأن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر، ينبغي تفنيد بعض الاعتراضات المحتملة التي يمكن أن تثار ضد هذا الاقتراح والرد عليها. فيما يلي بعض هذه الاعتراضات:
يتطلب الادعاء بأن جوج هو تمثيل لنبوخذناصَّر أن نتعامل مع الاعتراض الذي أثاره دانيال بلوك حول عدم منطقية أن يكونا جوج ونبوخذناصَّر نفس الشخص بسبب أن لكل منهما دورًا يختلف عن الآخر. فبينما يكون نبوخذناصَّر أداة في يد الرب لمعاقبة إسرائيل، نجد جوج عدوًّا ليهوه.[8] بالإضافة إلى ذلك، بما أن حزقيال يربط الاعتراف بالرب بالنجاح العسكري لنبوخذناصَّر كأداة مختارة من يهوه أو وكيل له، فكيف نفهم فشل جوج وهزيمته إذا كان حقًّا اسمًا مشفرًا لنبوخذناصَّر؟ في الواقع، إذا أردنا إثبات الاطروحة القائلة بأن جوج هو نبوخذناصَّر، فهذه قضية أساسية للغاية يجب التفكير فيها. تجادل جالامبوش دفاعًا ضد هذا الاعتراض قائلة: “مثل هذا الاعتراض، يتجاهل ليس فقط الدافع الكامن وراء الادعاءات النبوية بأن الجيوش الأجنبية هم في الحقيقة عملاء ليهوه، ولكن أيضًا الأدب النبوي السابق (إش 10: 5- 19؛ إر 25: 8- 14).”[9] وفقًا لجالامبوش، يتجاهل هذا الاعتراض سببين يمكن أن يجعلانا نقبل هذا التغيير في دور نبوخذناصَّر من وكيل ليهوه إلى عدو. السبب الأول هو أن الأدب النبوي يستخدم مناورة بلاغية دفاعية ليعلن أن يهوه يستخدم الجيوش الأجنبية كأداة له، لكن بالنسبة للأمم، فإنهم يرون أن انتصارهم على شعب الله هو انتصار مُستَحَقٌّ لم يُعطَ لهم لأنهم مجرد أدوات في يد يهوه.[10] وبالتالي، فإن “تحالف نبوخذناصَّر مع يهوه هو وسيلة للاستمرار في المطالبة بتفوق الإله على الرغم من وجود دليل قوي على عكس ذلك”.[11] في الواقع، لم يتجاهل كتبة الوحي المقدس وجهة نظر الأعداء فيما يتعلق بانتصارهم على شعب الله في العديد من المناسبات، بما في ذلك حالة جوج، حيث يعتقدون أنهم يفعلون إرادتهم. “هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أُمُورًا تَخْطُرُ بِبَالِكَ فَتُفَكِّرُ فِكْرًا رَدِيئًا، وَتَقُولُ: إِنِّي أَصْعَدُ عَلَى أَرْضٍ أَعْرَاءٍ. آتِي الْهَادِئِينَ السَّاكِنِينَ فِي أَمْنٍ، كُلُّهُمْ سَاكِنُونَ بِغَيْرِ سُورٍ وَلَيْسَ لَهُمْ عَارِضَةٌ وَلاَ مَصَارِيعُ” (حز 38: 10، 11)؛ (انظر أيضًا إرميا 49: 28- 32؛ إشعياء 10: 5- 11؛ إشعياء 14: 12-15). السبب الثاني، وفقًا لجالامبوش، هو أن هذا الاعتراض يتجاهل المواقف الكتابية السابقة المماثلة التي يغيِّر فيها يهوه موقفَه تجاه حليفه. وبالتالي، فليس من المستغرب أن نجده يقوم بنفس الفعل مع نبوخذناصَّر. “لقد واجه إشعياء نفس المشكلة اللاهوتية في استخدامه لآشور، وقام بحل هذه المشكلة بالتصريح بأن يهوه في النهاية سيعاقب ملك آشور المتكبر جدًّا لاعتقاده أنه المنتصر على يهوه وليس خادمه (إش 10: 12-19؛ 30: 19-33).”[12] بالإضافة إلى ذلك، نجد في إرميا 25: 8- 14؛ 50: 18 أنه تم تقديم نبوخذناصَّر أول مرة كخادم ليهوه يستخدمه لتدمير يهوذا، ولكن بعد ذلك عوقب على “إثمه” بجعل أرضه “خربًا أبديَّةً.”[13]
في الحقيقة، إن دفاع جالامبوش ضد هذا الاعتراض هام ولا بد أن يؤخذ في الاعتبار. ومع ذلك، من الجدير بالملاحظة أن حزقيال يقدم سببه الخاص لجعل القارئ يقبل هذا التحول في دور نبوخذناصَّر. يصور حزقيال نبوخذناصَّر في كتابه على أنه أداة الله لدينونة كل من إسرائيل والأمم. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر حزقيال أن أي مقاومة لنبوخذناصَّر، سواء من إسرائيل أو الأمم، هي بمثابة تمرد على الله. لذلك، كرس حزقيال ستة من سبعة فصول (25- 32)، التي تعلن الدينونة على الأمم، لمناقشة عصيان صور ومصر. كما اعترف حزقيال بأن نبوخذناصَّر هو وكيل الله الذي يستخدمه لممارسة الدينونة ضد إسرائيل (فصل 21). على الجانب الآخر، يمكننا أن نرى بوضوح أن حزقيال يصور جوج وجيشه على أنهم أعداء لله وأدوات في نفس الوقت. على سبيل المثال، في الأعداد 38: 3- 4، 16؛ 39: 1– 2 يُصوَّر جوج على أنه خصم يهوه الذي تم إحضاره إلى إسرائيل ليواجه هزيمته. بالإضافة إلى ذلك، يُصوَّر جوج على أنه أداة يستخدمها يهوه ليتمجد من خلالها في عيون الأمم (38: 16).
كيف يمكن لجوج مع هذه الصورة المتداخلة (خصْم وأداة) أن يكون نفس شخص نبوخذناصَّر الذي له دور بسيط ومحدد (حليف أو أداة)؟ في الواقع، لقد أنهى يهوه دور نبوخذناصَّر كأداة لدينونة الله في الفصل 29 بعد هزيمة مصر. نجد في 29: 17- 21 أن يهوه أنهى خدمة نبوخذناصَّر له بإعطائه ثروة مصر كمكافأة على خدماته لله. علاوة على ذلك، من الملاحظ أنه تم إعلان موقف جديد لإسرائيل في نفس وقت إنهاء خدمة نبوخذناصَّر كأداة لله (29: 21)؛ فإسرائيل لم تعد تحت العقاب والدينونة. هذا يعني أنه في الفصل 29 تغير موقف كلٍّ من نبوخذناصَّر وإسرائيل.
لذلك، فإن القول بأن نبوخذناصَّر لا يمكن أن يكون جوج بسبب الأدوار المختلفة لكليهما ليس تصريحًا نهائيًّا. هذا لأن نبوءة جوج هي تعبير عن وضع ودور جديد لنبوخذناصَّر ولاسيما بعد انتهاء خدمته التقليدية كأداة في يد يهوه. هذا الموقف الجديد لنبوخذناصَّر متداخل الأدوار: خصم وأداة في نفس الوقت. علاوةً على ذلك، فإن طبيعة دور نبوخذناصَّر كأداة تختلف في موقعه الجديد عن موقعه التقليدي؛ ففي دوره القديم كأداة، استخدم الله نبوخذناصَّر ليتمجد “بواسطته”، حيث عقاب إسرائيل على خطاياهم، ولكن في دوره الجديد سوف يستخدمه الله كأداة ليتمجد “فيه” في عيون الأمم، حيث هزيمته.
أثارت ليديا لي الاعتراض الثاني عندما قالت: “من وجهة نظري، إن تصوير جوج ليس فقط مستوحى من اللغة المطبقة على نبوخذناصَّر، ولكنه أيضًا مأخوذ من العديد من المصادر الأخرى المتعلقة بالدول الأجنبية في سفر حزقيال.”[14] وتجادل لي أنه على الرغم من الروابط اللغوية الملموسة بين جوج ونبوخذناصَّر، إلا أنه لا ينبغي أن يقتصر جوج فقط على نبوخذناصَّر لأن الأدلة اللفظية في نبوءة جوج يمكن ربطها أيضًا بالعديد من ملوك الدول المجاورة مثل مصر وآشور وكوش وفوط وغيرها. على سبيل المثال، يستخدم حزقيال صيغة “هأنذا عليك” (הִנְנִי עָלֶיךָ أو הִנְנִי אֵלֶיךָ) مع فرعون أيضًا (29: 3). كما يتعهد يهوه بوضع خزائم/شكائم في فكي كل من جوج وفرعون (בִּלְחָיֶיךָ، 29: 4، 38: 4). كذلك، في إشعياء 37: 29 و2مل 19: 28، يهدد الله بوضع خزامة على الغازين الآشوريين. علاوة على ذلك، فإن أشور موصوفة في إشعياء 14: 31 وصفنيا 2: 13 على أنها العدو القادم من الشمال.[15] على الرغم من وجود روابط لغوية قوية بين جوج والعديد من الملوك الآخرين، إلا أنه عندما يتم ربط جوج مع نبوخذناصَّر لغويًّا، فإن هذا لا يحدث اعتباطيًّا. يجب وضع العلاقة اللغوية بين جوج وأي شخصية أخرى في سياق حبكة سفر حزقيال. فعلى الرغم من أن لي محقة في ملاحظاتها بأن جوج يمكن ربطه لغويًّا بآشور ومصر (فرعون)، فإن بابل (نبوخذناصَّر) هي الدولة التي يمكن أن تتناسب تمامًا مع نبوءة جوج. فكما هو موضح سلفًا، بابل هي المملكة الوحيدة الغائبة التي لا تتلقى أي دينونة عبر السفر كله؛ كما أن هزيمة نبوخذناصَّر هي عنصر أساسي في رسالة الرجاء التي يقدمها حزقيال. لهذا السبب تصف جالامبوش نبوخذناصَّر بأنه “العدو الضروري”. لذلك، فإن ربط جوج بنبوخذناصَّر لغويًّا له منطقه الخاص الذي لا يتوفر مع أي شخصية أخرى. في الواقع، يعلن حزقيال دينونة الله ضد كل الأمم الأخرى التي اقترحتها لي. جميعهم تمت هزيمتهم بواسطة نبوخذناصَّر وخضعوا له. وهكذا، فإن نبوخذناصَّر هو الملك الوحيد الذي لا يزال في السلطة العالمية. فعلى سبيل المثال، إن احتمالية كون جوج ممثلًا لملك آشور هو احتمال خارج المنافسة لأن حزقيال عبر سفره كله لم يقصد أبدًا تسليط الضوء على آشور وقد ذكرها بشكل هامشي في كتابه. بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد مصير أشور من قِبَل النبي في حزقيال 32: 22 حيث إنها كانت ضمن الأمم الذين تم قتلهم ودفنهم.
إذا كان حزقيال يشير بالفعل إلى نبوخذناصَّر، فلماذا لم يذكر اسم نبوخذناصَّر مباشرة؟ في الواقع، لم يذكر حزقيال صراحة اسم نبوخذناصَّر لأن نبوته موجهة إلى بني إسرائيل الذين في السبي. لذلك، فإن إعلان مثل هذه النبوءة في أرض السبي، التي تخضع سياسيًّا وعسكريًّا لنبوخذناصَّر، أمر يحتاج إلى إعادة تفكير. ليس من الحكمة أن يتم ذكر اسم نبوخذناصَّر صراحةً، بل التعبير عنه باسم آخر يكون شيفرة له لتجنب المخاطر. ففي حالة ذكر الدينونة ضد نبوخذناصَّر، يُعَدُّ هذا انقلابًا على الدولة في ذلك الوقت. في طرحه الذي ينص على أن نبوءة جوج تشير إلى بابل، قدم هنري ماكيتنج نفس السبب أثناء الدفاع عن أطروحته قائلًا: “إذا كان حزقيال يتنبأ في بابل، فإنه دون شك كان سيُورط نفسه في مشكلة فورية وخطيرة إذا أعلن اسم نبوخذناصَّر مباشرةً.”[16] تقترح جالامبوش بدورها نفس السبب؛ حيث إنه كان على حزقيال استخدام اسم مشفر بهدف حماية نفسه من الأعمال الانتقامية التي قد تنتج عن حديثه ضد السلطة الحاكمة.[17] وتجدر الإشارة إلى أن وضع إرميا يختلف عن وضع حزقيال من حيث مسألة الأمان. لم تكن بابل في زمن إرميا (حوالي 626 قبل الميلاد) قوة عظمى بعد. بالإضافة إلى ذلك، قدم إرميا نبوءته على أرضه قبل أن يحدث السبي.[18] لذلك، لم يمثل إعلان اسم نبوخذناصَّر صراحة أي خطر على إرميا كما هو الحال مع حزقيال.
إن احتمالية إساءة فهم الاسم الذي يشير إليه جوج من قِبَل المستمعين الأوائل لحزقيال هي صفر بسبب التلميحات التي ذكرها حزقيال في نبوءته. بالإضافة إلى ذلك، لا يرتبط هذا الاسم بأي شخصية إمبراطورية تاريخية في زمن حزقيال. وتقول مارجريت أودل عن الأسماء جوج وماجوج: “يبدو أنها لا تشير إلى أي كيان تاريخي أو جغرافي يمكن تحديده.”[19] لذلك، فإن هذا الغموض التاريخي حول الاسم يجعل حزقيال يستخدمه دون أي إمكانية لتطبيقه على الشخص الخطأ. في الواقع، إن تطبيق الاسم جوج على الشخص الصحيح لا يستقيم إلا من خلال التلميحات المتضمنة في النبوءة نفسها لربط هذا الاسم الغامض بنبوخذناصَّر.
الاعتراض الرابع: لماذا استخدم حزقيال لقب “جوج من أرض ماجوج” على وجه التحديد؟
قد يتساءل البعض، لماذا اختار حزقيال لقب “جوج من أرض ماجوج” على وجه الخصوص ليكون هو التعبير المشفر عن نبوخذناصَّر؟ أعتقد أن هناك منطقًا رائعًا وراء اختيار هذا اللقب بالذات للإشارة إلى نبوخذناصَّر. بالرغم من أن اسم “جوج” له مرجع كتابي واحد فقط، وهو 1 أخبار الأيام 5: 4، فإنني أقترح أن هذا المرجع ليس هو سبب تسمية جوج في حزقيال 38-39 بهذا الاسم. يُذكر جوج في 1 أخبار الأيام 5: 4 بين قائمة أسماء أبناء رأوبين، ولا توجد علاقة بين قائمة الأسماء هذه وأسماء الأمم المذكورة في نبوءة جوج. وبالتالي، ليس من المنطقي أن يكون حزقيال قد قصد استخدام جوج كاسم اعتمادًا على هذا المرجع.
في الحقيقة، لقد استخدم حزقيال اسم “ماجوج” كمصدر اشتق منه اسم “جوج”. فماجوج هو أحد أبناء يافث المذكورين ضمن قائمة الأسماء في تكوين 10: 2- 4 و1 أخ 1: 5- 7. وتتضمن هذه القائمة أسماء مثل جومر وتوبال وماشك وتوجرمة وترشيش وغيرها، بالإضافة إلى ماجوج. من هذه القائمة نلاحظ أن العديد منها ينعكس في سفر حزقيال في الفصول 27، 30، 32، وهي الأمم التي سقطت بسقوط صور ومصر ثم خضعت لنبوخذناصَّر. ومن ثم، فمن الواضح أن هذه القائمة من الأسماء كانت في ذهن حزقيال عندما استخدم اسم ماجوج لوصف الأمة التي جاء منها جوج قائلًا: “جوج من أرض ماجوج”. علاوة على ذلك، على عكس الأسماء الأخرى في قائمة أبناء يافث، فإن ماجوج هي الأمة الوحيدة التي لم يكن لها أي وجود تاريخي في زمن حزقيال. لذلك، في ضوء هذا الغياب التاريخي لماجوج، يجد حزقيال المنطق لاستخدام هذا الاسم الغامض بشكل مجازي للإشارة إلى بابل، التي أصبحت هذه البلدان تابعة لها وتحت تأثيرها وسيطرتها.
أما بالنسبة لاسم “جوج”، فقد اشتق حزقيال هذا الاسم من كلمة ماجوج. لأن الكلمة العبرية מָגֹוג يمكن تقسيمها إلى مقطعين מ وגֹוג، ويعني حرف الميم מ “مكان”. بالتالي، يعني الاسم “ماجوج” حرفيًّا “مكان جوج”.[20] يبدو بوضوح أن حزقيال استخدم اسم “جوج” لأنه مشتق من كلمة ماجوج ولم يقصد أبدًا استخدام هذا الاسم لأن له علاقة بقائمة أبناء رأوبين في 1 أخبار الأيام 5: 4. لذلك، بما أن ماجوج تعني حرفيًّا “مكان جوج”، فليس من المستغرب أن تجد حزقيال يستخدم جوج كاسم غامض للشخص الذي يأتي من هذه الأرض. بالقول إن جوج هو رئيس حاكم ماشك وتوبال، يربط حزقيال ببراعة بين جوج (الذي يأتي من أرض ماجوج) وبين ماشك وتوبال (الأمم التي ينتمي إليها عرقيًّا من يافث). ثم يوازي حزقيال بين هذه العلاقة الإثنية التي تربط جوج مع تلك الأمم وبين انتماء هذه الأمم السياسي إلى نبوخذناصَّر.
خاتمة
رغم صعوبة وغموض الفصلين 38-39 من سفر حزقيال، إلا أن الفهم الصحيح لهما لا يستقيم إلا عندما نولي اهتمامًا بالسياق الأدبي للنبوة بالنسبة لسفر حزقيال ككل، وكذلك الاهتمام بالنص نفسه ومحاولة فهمه من خلال الأدلة الأدبية التي يضعها حزقيال داخل نبوءته في محاولة منه للإشارة إلى أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر. إن محاولة فهم هوية جوج بشكل مستقل عما يقوله النص يؤدي إلى تفسيرات بعيدة كل البعد عن المقصد الأساسي للنبوءة. من خلال هذا المقال استطعنا إلقاء الضوء على الأدلة الأدبية التي تؤكد أن جوج، العدو القادم من الشمال، هو نوخذناضَّر، ملك بابل.
[1] Katheryn Darr, “Ezekiel,” In The New Interpreter’s Bible, ed. Leander E. Keck, 6:1073–1607 (Nashville, TN: Abingdon, 2001), 1512.
[2] J. Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH and Gog in Ezekiel 38–39,” in Israel’s Prophets and Israel’s Past: Essays on the Relationship of Prophetic Texts and Israelite History in Honor of John H. Hayes , ed. B. E. Kelle and M. B. Moore, Library of Hebrew Bible/Old Testament Studies 446, 254–67 (New York: T&T Clark, 2006), 256.
[3] H. McKeating, Ezekiel, Old Testament Guides (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1993), 116. (It is perhaps best to conclude that the names of Gog and his associates are chosen precisely because they are foreign and mysterious.)
[4] Thomas Renz, Rhetorical Function of the Book of Ezekiel, Supplements to Vetus Testamentum 76. (Leiden: Brill, 2002). 118–119
[5] Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH, and Gog in Ezekiel 38–39,” 259.
[6] Ibid., 260.
[7] Ibid., 259.
[8] Daniel Block, The Book of Ezekiel: Chapters 25–48, New International Commentary on the Old Testament (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998), 434, 436.
[9] Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH, and Gog in Ezekiel 38–39.” 257.
[10] Ibid.
[11] Ibid.
[12] J. Galambush, “Ezekiel,” in The Oxford Bible Commentary, ed., J. Muddiman and J. Barton, 533–562 (Oxford: Oxford University Press, 2001), 559.
[13] Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH, and Gog in Ezekiel 38–39.” 257–258.
[14] Lydia Lee, Mapping Judah’s Fate in Ezekiel’s Oracles against the Nations, Ancient Near East Monographs (Atlanta: SBL Press, 2016), 211.
[15] See Lee’s whole discussion in (Ibid., 210-216).
[16] H. McKeating, Ezekiel, Old Testament Guides (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1993), 122.
[17] Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH, and Gog in Ezekiel 38–39.” 258.
[18] Fred M. Wood and Ross McLaren, Jeremiah & Lamentations, Holman Old Testament Commentary (Nashville, TN: Holman Reference, 2006), 70.
[19] Margret Odell, Ezekiel, Smyth & Helwys Bible Commentary (Macon, GA: Smyth & Helwys Pub, 2005), 470.
[20] Darr, “Ezekiel.” 1516.
أسم الكاتب : ق. جرجس جورج
كما أنّ سُرّة البطن موجودة في مركز جسم الإنسان
هكذا أرض إسرائيل هي سرّة العالم
موقعها في مركز العالم،
والقدس موجودة في مركز أرض إسرائيل،
والهيكل المقدس في مركز القدس،
وتابوت العهد في مركز الهيكل المقدس،
وحجر الزاوية أمام المكان المقدس،
لأن منه تم تأسيس العالم[1]
المقدمة
إن لفكرة الملك الألفي خلفية تاريخية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وذلك لأن الإنسان تحت ضغوط الحياة، من ظلم، وقهر، وجوع، وفقر، أصبح لديه حلم عن السعادة، والخير والرخاء والسلام. وبالطبع هذا الحلم كان الرفيق الأول للإنسان منذ وجوده إلى يومنا هذا. وأفصح الإنسان عبر العصور المختلفة عن فكرة الأمل والرجاء في أن يحيا في عالم يشمله الحب والسلام والأمان، بعيدًا عن القهر والظلم الاجتماعي والاقتصادي، وكل أنواع الشرور. فذهب يحلم بهذا الخلاص، وبهذه الحياة. فعبّر الفلاسفة عن هذا الحلم بحثًا عن الفضيلة ليس في كمالها فقط بل في كمال واقعها الإنساني. وكان لليهود -مثلهم مثل باقي الأمم- هذا الحلم الذي كان ومازال بالنسبة لهم عقيدة راسخة وتحولت إلى بُعد سياسي يحاولون وينتظرون تحقيقه. انتقل فكر السلام والأمان في المُلك الألفي على يد الرسل والآباء في العهد الجديد وصارعت الكنيسة الأولى لتواجه هذا الفكر لكنَّه استمر بشكل ما، إلى أن وصل إلينا في عقيدة جدلية، يُبنى عليها الكثير من العقائد التي لها أبعاد سياسية.
اتجه الفيلسوف ليعبر عن حلم الإنسان بعالم جديد سعيد؛ إذ اعتقد الإنسان منذ القديم في عالم نموذجي خالٍ من الشر؛ فصنع لنفسه مجتمعًا خياليًّا ومثاليًّا، هذا المجتمع يعوضه عن الفردوس المفقود، الذي تتحقق فيه السعادة والكمال لكل البشرية. هذا الفكر نتج عن شعور الإنسان بالظلم والفساد، فأراد لنفسه حياةً مثاليةً تخلو من الظلم والاستبداد، وكان أول من صاغ هذا الحلم وجعل منه مبدًا كونيًّا؛ هو الفيلسوف اليوناني أفلاطون Plato (427-347) في كتابه “الجمهورية”، وأطلق على هذا العالم الذي في خاطره اسم “المدينة الفاضلة” التي يسود فيها العقل، لا الرغبات والشهوات، وتكون مبنية على العدل والمساواة.[2]
الكلمة “”utopia تعبر عن مدى عمق هذا الحلم. “”utopia يوتوبيا كلمة يونانية معناها لا مكان أو المكان الذي لا وجود له؛ ليصبح مكانًا خياليًّا “لتعني نموذجًا لمجتمع خيالي ومثالي يتحقق فيه الكمال أو يقترب منه، ويتحرر من الشرور التي تعاني منها البشرية..”[3] وهي دنيا مثالية وبخاصة من حيث قوانينها وحكوماتها وأحوالها الاجتماعية. وهي عالم يجوز تسميته بالخيال أو صورة ما وراء العين، مكان يتحقق فيه التعاون الاجتماعي بصورة كاملة التحقيق لسعادة الأفراد.[4] هذه الفكرة أثرت في كل الشعوب والأجيال، وكان لليهود نصيب في ذلك التأثير بل في أغلب الحضارة الهيلينية التي أثرت بشكل كبير في كتابات العهد الجديد.
ومن الفلاسفة العرب كان الفارابي الذي تأثر بهذه الفكرة، وراح يرسم حلمه عن “المدينة الفاضلة”، ومن أهم ما كتب كتاب “آراء أهل المدينة الفاضلة”. كذلك الفلاسفة بن رشد وبن خلدون، حيث رسم كلٌّ منهما مدينته الفاضلة التي ربما تختلف عن مدينة أفلاطون.[5]
وطور الفلاسفة هذه الفكرة، وكانت أزهى عصورها في العصر الكلاسيكي، أي تقريبًا في القرنين السادس والسابع عشر.
وتحول هذا الحلم إلى أكثر من أن يكون مجرد حلم ودخل هذا المفهوم إلى السياسة والأدب والدين. وتغنَّى الشعراء بهذا الحلم، فقالت نازك الملائكة:[6]
ويوتوبيا حُلمٌ في دمي أموتُ وأحيا على ذكره
تخيّلتُه بلدًا منْ عَبير علي أفق جرتُ في سرّه
هنالك عبرَ فضاءٍ بعيد تذوب الكواكب في سحره
هنالك حيثُ تذوبُ القيود وينطلق الفكرُ من أسره
وحيثُ تنامُ عُيونُ الحَياة هنالك َتمتدّ يوتوبيا
فكرة الملك الألفي لم تكن فكرةً فريدةً خرجت من عباءة المسيحية، لكن معظم الديانات كانت تؤمن بفكرة مجيء عصرٍ يسوده العدلُ والسلام، على يد مُنتَظَر -مُنقِذ- يقوم بالقضاء على الشر وبدء عصر الخير والاستقرار. تربط الفكر الإسخاتولوجي الرؤيوي وتعود جذورها إلى الحضارة الكنعانية، والديانات المصرية القديمة وكانت الحضارة الفارسية الزرادشتية لها التأثير القوي.
عقيدةُ الألفية ليست فريدةً من نوعها في الدين المسيحي فقط، لكن يمكن العثور على جذورها في معظم الأديان في جميع أنحاء العالم. بل هي من العناصر الرئيسية المكوِّنة لعقيدة معظم الأديان. وتعرف بأنه سيكون هناك وقتٌ تُدمِّر فيه قوى الخير قوى الشر وتنتصر عليه، تأتي بعد هذا الانتصار فترةٌ طويلةٌ من السلام. تاريخيًّا، إذن، اتخَذَت كلمة الألفية أو الملك الألفي المعنى المضاف لعصر السلام العالمي.[7]
وترجع فكرة الملك الألفي، إلى الزرادشتية Zoroastrianism التي كان لها التأثير البالغ على الفكر الإنساني. فقد كان لها تأثير هام على آلاف الأفكار المتعلقة باليوم السعيد أو حقبة السلام (الملك الألفي). أثرت في الديانات الإنسانية وخصوصًا التفكير في الأخرويات بشكل عام.
وهذه النظرية تنادي بأن مصطلح الألفية يمكن أن يُطبق في كلٍّ من الأديان الثلاثة؛ الزرادشتية، واليهودية والمسيحية، ويضيف إليهم الباحث الديانة الإسلامية.
بالنظر إلى أوجه التشابه بين الزرادشتية واليهودية والمسيحية، يمكن للمرء أن يرى علاقات محددة بين الزمان والمكان. المواضيع المشتركة التي تشكل معتقداتهما الأخروية Eschatological، قد تنبع من بدايتها أو أصولها الجغرافية. حيث تتأثر التقاليد التي تنتقل من جيل إلى جيل في الدين بالطريقة التي يتم بها نقل أو كتابة المعلومات الشفاهية. وللتعامل مع منظور الألفية … يمكن دراسة أفكار الزمان والمكان لفهم تأثير تاريخ العالم والجغرافيا على المعتقدات الألفية. حيث توفر هذه النظريات معًا فهمًا أفضل لهذه التقاليد الدينية الثلاثة.[8]
الزرادشتية [9] Zoroastrianism | اليهودية [10] Judaism | المسيحية[11] Christianity | الإسلام[12] Islamic |
تحتوي الزرادشتية على الألفية الكارثية في نظرتها لتدمير المذنب للأرض. يمثل المخلص، Saoshyant، حركة تقدمية عن طريق إحلال السلام في إعادة بناء تدريجي للعالم. | تختلف وجهات النظر اليهودية في نهاية الزمان مع التفسير النصي. فيمكن اعتبار الأفكار حول المسيح المنتظر والأمة المقدسة إما كارثية أو تقدمية الألفية. | مثل اليهودية، تختلف المسيحية أيضًا مع التفسير المختلف حول المجيء الثاني للمسيح، كما هو مشار إليه في سفر الرؤيا، قد يسبق أو يتبع فترة من الخير. هذا هو عرض قبل الألفية. | نشر ناظم الأسلم كرماني، وهو مؤرخ ذُكر في ذلك الوقت، كتابًا بعنوان “علامات التجلّي”. وفي هذا الكتاب، أكد أن إنشاء حكومة دستورية في إيران كان علامة لا جدال فيها على المظهر الوشيك للإمام الخفي كالمهدي. وقال: “بعد الحصول على الدستور لا يمكن حرمان [الإيرانيين] منه مرة أخرى حتى يسلموه إلى رب الأمر (المهدي) وكل مسلم يُقتَل في الحصول على الدستور هو شهيد”. |
ينتظر الزرادشتيون المخلص الذي يحررهم من الشر ويحقق السلام. | ينتظر اليهود المسيا ليحكم عليهم بالعدل ويملكون الأرض وتقام دولتهم في خير وسلام ورخاء. | ينتظر المسيحيون مجيء المسيح الثاني ليقضي على الشر ويملك على الأرض ألف سنة فيها يحيا الخروف مع الأسد. | ينتظر المسلمون قدومَ المهدي المخلص الذي يقضي على أعداء الله وينقذهم ليحيا بهم في سلام والانتصار. |
فكرة الملك الألفي الحرفي في الأصل هي فكرة يهودية. وأكد ذلك القولWilliam Masselink في كتابه “why thousand year?” (لماذا الألف سنة؟) حيث قال:[13]
وجدت المفاهيم اليهودية القديمة حول المملكة المسيانية تجسيدها المثالي في نظرية الألفية. حيث إن نظرية ما قبل الألفية Premillennialism هو من مخلفات اليهودية. يقول الدكتور هودج عن هذا: ‘إنه عقيدة يهودية، لأن المبادئ التي اعتمدها دعاة هذا الفكر في تفسير النبوة هي نفسها التي اعتمدها اليهود في زمن المسيح. وقد أدت إلى حد كبير إلى نفس الاستنتاجات. توقع اليهود أنه عندما جاء المسيح سوف يؤسس مملكة أرضية مجيدة في القدس أورشليم.’”.
وعبّر هذا الشعب عن ذلك ببعض الكتابات التي سُمِّيت بالأبوكريفا (كتبت بطريقة رؤيوية) لتمثل مصدرًا هامًّا وعقيدةً لشعب مُستَعبَد ومُشتَّت وكانت تعبيرًا واضحًا عن فكر. وظهر ذلك في تفسيرهم لنبوات العهد القديم والكتابات الرؤيوية التي ظهرت في فترة ما بين العهدين، هذه الكتابات والنبوات التي كان يهدف كُتّابها إلى بُعد فكري لا مادي، بُعد تشجيعي لينقذهم من اليأس. وكتب بهذه الطريقة لضعف المستوى التفكيري للشعب اليهودي، فكتب لهم رسالة “لا بتعبيرات لاهوتية صعبة وإنما بأوصاف مجازية مادية شعبية”[14] ليستطيعوا فهمها.
وقد قال غبريال رزق الله عن الفكر اليهودي عن الملك الألفي إنه “حديث خرافة يهودي. صار عقيدةً متغلغلةً في قلب إسرائيل.. حديث خرافة حجبت عن العيون حقيقة ملكوت ابن الله الروحي..”.[15]
عندما وقعت الكنيسة في زمن الاضطهاد في عصر الرُّسل، خصوصًا في فترة نيرون ودوميتيان. كانت تلك الظروف مشابهة لفترة ما بين العهدين لذلك لجأ الكاتب لكتابة رسالة تشجيع، كانت هذه الرسالة هي سفر الرؤيا. حيث كُتب على غرار الكتابات الرؤيوية Apocalyptic (إش 6، حز 1: 26- 28، دا 10: 2- 9) وهي نوع من الأدب انتشر خلال القرنين الأخيرين قبل الميلاد وامتد للقرن الأول الميلادي. وجاء السفر له نفس سمات الكتابات الرؤيوية، من حيث الأسلوب وليس من حيث المضمون والمحتوى، ولم يكن للرسالة أن تحمل معنى هذه الكتابات في العهد القديم أو في الفترة ما بين العهدين. فالسفر سفر نبوي كُتِب بأسلوب رؤيوي.
استعار الكاتب تشبيهات وصورًا من كتابات العهد القديم، لكنه لم يقتبس الرسالة. أشهر تلك الصور من دانيآل الإصحاح السابع[16]، لكن هناك عبارة استند عليها البعض في تحديد وترسيخ لعقيدة في غاية الخطورة جاءت في سفر الرؤيا الإصحاح العشرين، تم ذكر هذه العبارة “الألف سنة” في وسط رسالة مضمونها إعلان “وجود الله بقوة في التاريخ وفي عصره (الكاتب) ليشجع المؤمنين ويدفعهم إلى التوبة والرجوع إلى الله”.[17]
فكاتب الرؤيا لم يقصد إعلان الأفكار المسيانية في رسالته، بل لم يكن في ذهنه هذا الفكر من الأساس. الكاتب لم يكن منشغلًا بالتاريخ السياسي، ولا بعلامات نهاية الأزمنة، فتاريخ الكاتب تاريخ إيماني مبني على تدخل الله بالعدل، والسلام. ذلك التاريخ المتدرج الذي يحمل الإيمان والاستنارة بجماعة الكنيسة المنتصرة في المسيح. ولا مجال لربطها بنهاية العالم التشاؤمي، إذ لم تكن رسالته تشاؤمية على غرار الكتابات الرؤيوية القديمة بل كانت مشجعة؛ فالله هو المسيطر وليس الشر، الله مصدر الرجاء والسلام.
كُتَّاب العهد الجديد من الرسل لم ينشأوا بمعزل عن الثقافة الفلسفية أو اليهودية. لكنهم بالطبع تأثروا بهذا الفكر، دون أبعاد سياسية أو معالجة لمشكلة الشعب -الشعب اليهودي- الذي لم يتفق مع الإيمان المسيحي ولم تكن هناك نقاط تماس بينهما. لكن القراءة الصهيونية وجدت هذه النقاط المتماسة بل جعلتها متطابقةً، بحثًا عن الملك الألفي. “وقد لاقى هذا الأمل اللذيذ البليد صدًى جميلًا لدى بعض المسيحيين الأوائل، فقد ترجموه ونقلوه بلغتهم المسيحية إلى معسكرهم العقائدي كما هو، وإنما وضعوا الشعب المسيحي بدل شعب إسرائيل، وجعلوا أعداء المسيح عوض أعداء يهوه، واحتفظوا بأورشليم “المدينة المحبوبة” لهم بدلًا من أن تكون لليهود”[18].
وجاءت الكنيسة الأولى في عصر الرسل والآباء في قرونها الثلاث الأولى مؤمنة بعقيدة الملك الألفي حيث سيحكم المسيح على الأرض ألف سنة في المستقبل وهذه الحقبة لا بد وأن تسبقها أحداث فوق طبيعية خاصة. ورسمت هذه الألفية وصفًا آخر (الألفية “chiliasm”). ولقد ازدهرت هذه الفكرة في فترة اضطهاد الكنيسة حيث كانت الأرض خصبةً لانتشار هذا الفكر. وتؤمن تلك النظرة بأن الكنيسة لن تنجح في رسالتها للعلم بالوعظ بالإنجيل ولا بد من مجيء المسيح ليحقق العدل في الملك الألفي.[19] وانجرف بعض الآباء في التأكيد على الصورة اليهودية المستقاة من التفسير الحرفي المادي لكتابات العهد القديم وكتب الأبوكريفا وما بين العهدين.
الذي عاش في القرن الأول الميلادي:Cerinthus وبدأت عقيدة الملك الألفي الأرضي للمسيح على يد
“طلب كرينثوس Cerinthus من أتباعه أن يعبدوا الإله الأعلى … ووعدهم بقيامة أجسادهم، وسوف يحيوا بأجسادهم الممجدة السعادة والمسرات الرائعة في عهد الملك الألفي للمسيح … لأن من المفترض أن يعود المسيح مرة ثانية. . . وسيحكم مع أتباعه ألف سنة في فلسطين”.[20]
ومن بعد Cerinthus من الآباء الذين اعتنقوا هذا الفكر الأب “بابياس” أسقف هيرابوليس بآسيا الصغرى (60- 130م) فيقول: “ستأتي أيام فيها تنمو كروم العنب، وكل كرم يحمل عشرة آلاف فرع، وكل فرع يحمل عشرة آلاف غصن، وكل غصن يحوي عشرة آلاف عنقود، وكل عنقود يحمل عشرة آلاف حبة عنب، وكل حبة عنب حينما تعصر تملأ خمسة وعشرين مكيالًا من الخمر”[21] وتتبع يوستينوس الشهيد (100- 165م ) بابياس في فكره وعدله ليتناسب مع إيمانه فقال: “إن الرب يسوع سيعود إلى أورشليم ويعيش مع تلاميذه “يأكل ويشرب”، وأن المسيحيين سيجتمعون هناك ويعيشون مع المسيح والأنبياء والبطاركة في سعادة كاملة ألف سنة”.[22]
وانتشرت فكرة الملك الألفي ونادى إيريناوس (130- 200م) بنفس ذلك التعليم وهو الذي ربط الملك الألفي بفكرة السبعة آلاف سنة عمر العالم، حيث جعل الألف السابعة والأخيرة للعالم هي ملكوت المسيح الأرضي مع الأبرار. وجاء من بعده ميليتو وهيبوليتس وترتليان ولقد كان بابياس مرجعيتهم في هذا الفكر.
وتبعه في هذا الربط بين الفكرتين كلٌّ من “كوموديانوس” في منتصف القرن الثالث الميلادي، وتبعه “فيكتورينوس” في أواخر القرن الثالث الذي كتب أقدم تفسير لسفر الرؤيا، ومعاصره “لاكتنانيوس” وهؤلاء جميعًا كانوا يقولون بأن الملك الألفي يبدأ بعد مجيء السيد المسيح، أي أنهم كانوا جميعًا من “سابقي الألف سنة”. ومن الآباء المعروفين أيضًا الذين قبلوا التفسير الحرفي للملك الألفي ميلتو أسقف ساردس (توفي 190م)، وهيبوليتس الرماني (أبوليدوس 170- 236م).
لكن تصدى لهذه التعاليم علماءُ مدرسة الإسكندرية وعلى رأسهم العلامة أوريجانوس، وديونيسيوس البابا السكندري (248- 265م) الذي كتب كتاب “على المواعيد الإلهية” للرد على خرافة الملكوت الألفي. وهاجم هذا الفكر أيضًا أبو التاريخ، يوسابيوس أسقف قيصرية (270م)، وباسيليوس الكبير (229- 279م)، وغرغريوس الكبير (321- 389م)، والقديس جيروم (331- 420م)، والقديس أوغسطينوس (354- 430 م)، الذي اعتبر هذه التعاليم هرطقة وكل من ينادي بها هو هرطوق وقضى على هذه التعاليم بحجج لا يمكن الرد عليها.[23] ’[24]
هـ) عصر ما بعد الآباء:
اختفت عقيدة الملك الألفي التاريخية في القرن الرابع الميلادي، لكنها عاودت الظهور بشكل آخر في صورة ضعيفة في عصر الإصلاح (القرن 16)، وقويت خلال الحرب الأهلية الإنجليزية العامة في منتصف القرن السابع عشر،[25] لكنها ظهرت بقوة على مستوى القاعدة الشعبية في أواخر القرن الثامن عشر خاصة أثناء الثورة الفرنسية 1798م.[26] وفي هذه الفترة ظهر فكر متطور عن التفكير الرؤيوي حيث كانت أوروبا بأكملها تعاني اضطرابات عنيفة تمس كل الجوانب الاجتماعية والسياسية وبعد عام 1799م. انتشر مدَّعو النبوة وأصبحت فكرة التنبؤ شعبية في بريطانيا بين رجال الدين، بل وانتشرت بكثرة وسط الشعب وادعى الكثير أن لهم بصيرة ترى أفضل من غيرهم.[27]
ظهر هذا الفكر في البداية علي يد إدوارد إرفينج Edward Irving الذي عاش خلال الفترة (1792-1834). وهو أحد القادة في الكنيسة الكاثوليكية الرسولية. قال إرفنج بفكرة الاختطاف ومجيء المسيح على مرحلتين. كما نادى بالملك الألفي للمسيح على الأرض. فكان كلٌّ من هنري دورماند وإدوارد إرفينج يفسران السياسة بالدين عن طريق تأويل النصوص الكتابية -خصوصًا الرؤيوية- لخدمة الأغراض السياسية. ومن بعده جاءت مارجريت ماكدونالد التي ادعت بأنها أعطيت رؤيا عن مجيء المسيح الثاني وأنه سيكون منظورًا فقط لمن لهم الأعين الروحية 1830م. ولقد كان فكر إرفينج ومارجريت مؤثرًا إلا إنه لم يكن له عمق لتفسير النبوات بل كان يعتمد على المبالغات غير قادر على دمج فكرة الملك الألفي بالنبوات. إلا أن هناك ظهر شخصٌ في الفترة (1800- 1882) وهو جون نلسون داربي John Nelson Darby الذي ولد في 18 نوفمبر 1800م، وتوفي في 29 أبريل 1882. التحق بمدرسة وستمنستري بلندن ثم بكلية ترينتي بدبلن (ايرلندا)، وفي عام 1825 رسم شماسًا في الكنيسة الأسقفية حتى عام 1843م حيث أعلن انفصاله عن الكنيسة في تلك السنة.
وقام داربي بتطوير فكر إرفينج؛ حيث طور هذه “الفكرة لتصبح جزءًا من النبوات”[28] وتزعم هذه الحركة ضد الكنيسة الأسقفية، وكانت مدينة بلموث في إنجلترا هي المركز الرئيسي لتحركاتهم لذلك سميت الحركة “الإخوة البليموث” على الرغم من إنها بدأت أساسًا في دبلن. وكان يطلق عليهم اسم التدربيين واعتبر داربي أبو التدبيرية الحديثة؛ حيث إنه هو المؤسس لعقيدة الاختطاف السري -سابقو الاختطاف- وسابقو الألفية.
كما أن تحركات داربي نفسه ساهمت بدور فعال في نشر فكره؛ حيث زار أمريكا حوالي ست مرات ووصلت مطبوعات داربي من نبذ وكتب إلى الكنيسة المشيخية الأمريكية، وأوكلت مستر بنكرتون بالرد على هذه التعاليم التي تخالف العقيدة المشيخية، وكان بنيامين بنكرتون واحدًا من المرسلين الأمريكان لخدمة الإنجيل في الشرق الأوسط وكان مقره بيروت، لكنه كان يتجول بين بلدان القطر المصري، وكانت له علاقات واسعة برعاة وشيوخ الكنيسة المشيخية في مصر وخصوصًا مستر هوج صديقه الحميم في مدينة أسيوط.
وبعد دراسة بنيامين بنكرتون ما جاءه في طرد من مجلس الإرسالية في أمريكا 1870م الذي يحتوي على مؤلفات داربي ومستر بللت وشروحات وليم كيلي. ومن ثم جاء رده بكتابة “خطاب إلى مجلس الإرسالية في أمريكا يعلن فيه اقتناعه بما في تلك الكتابات من حقائق جدير التمسك بها..”[29] ودعمه تشارلس ستانلي (إنجلترا) بمطبعة عربية بجميع معداتها لينشر الفكر في بيروت (لبنان)، وسوريا، العراق، ومصر حيث كان يتردد على مصر وسنويًّا ليقضي أربعة أشهر لنشر فكره اجتماعات البيوت.[30]
وكان أول راعٍ مصري يعتنق هذا الفكر ويؤمن به جرجس روفائيل الذي تخرج عام 1875 من كلية الأمريكان بأسيوط (قسم اللاهوت) وكان قسًّا بكنيسة ملوي الإنجيلية.
وتعرف بالمستر بنكرتون وتوطدت بينهما العلاقة -لم تنظر الكنيسة المشيخية في هذا الأمر وتركته للزمن- والتف حوله من له صلة بالمستر بنكرتون ومنهم القس بولس ميخائيل الهواري وموسى صالح وجورجي الفلاح وجرجس رزق، والقس بطرس ديناسيوس راعي كنيسة الأقصر. وهكذا انتشر هذا الفكر بعد الثورة العُرابية واجتمع الإخوة في أواخر 1883م في ملوي يوم الأحد ليكسروا الخبز.[31]
الخاتمة
كان هذا الحلم يوتوبيا جميلةً وفلسفةً رائعةً، إلى أن دخل في إطار الدين بنوع من أنواع التحريف، قام بها أولًا اليهود تحت ظلم الاستعمار، وباعوا الفكرة لطائفة من المسيحيين الذين ساندوا في تدعيم فكرة إقامة دولة يهودية لشعب الله المختار الذي ينتظر المسيا ليملك عليهم ويملّكهم الأرض الموعودة من نهر النيل إلى دجلة والفرات. فاخضعوا كل تعاليم الكتاب المقدس لخدمة هذه الفكرة، التي في ظاهرها تبدو دينيةً، ولكنها في حقيقة الأمر فكرة سياسية قائمة على التعصب. وفسروا الكتاب المقدس تفسيرًا حرفيًّا، وهذا التفسير كان أقرب للقاعدة الشعبية -عامة الشعب- من تفسير الكتاب المقدس بقواعد التفسير ونظريات النقد. لذلك اعتنق الكثيرون هذا الفكر على أساس أنه فكر ديني. والإيمان بأنه فكر ديني تغلغل في مصر في الكنيسة المشيخية لدرجة أنه تقلد منصب رئيس الطائفة في إحدى الفترات شخص يؤمن بهذا الفكر وهو إبراهيم سعيد.
فالمشكلة الواقعة في الكنيسة هي عدم إدراكنا للجذور التاريخية لبدعة الملك الألفي. وعندما نصل لهذا البعد التاريخي وتطور الفكرة، يسهل علينا الحكم إذ كانت الفكرة حلمًا إنسانيًّا عامًّا، أم انها حقيقة لشعب واحد مختار؟
[1] ستيفن سايزر، الصهيونيّون المسيحيون “على الطريق إلى هرمجدون”، (لبنان بيروت،2004)،59.
[2] تطور أنظمة الحكم.. بعيون أفلاطون وابن رشد، الثلاثاء 19 سبتمبر 2006، متاحٌ على موقع
http://www.mshjiouij.com/blog/archives/3
تم الاطلاع علية في يوم، الثلاثاء 20 فبراير 2007.
[3] ماريا لويزا برنيري، ترجمة عطيات أبو السعود، مراجعة عبد الغفار مكاوي، المدينة الفاضلة عبر التاريخ (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سبتمر1997).
[4] فرهاد ديو سالا، اليوتوبيا في شعر نازك الملائكة، متاحٌ على موقع
http://www.balagh.com/mosha/z30oa6ex.htm
تم الاطلاع علية يوم الثلاثاء 20 فبراير 2007.
[5] محمد جمال طحان، الفارابي في بلاط سيف الدولة، المركز الإعلامي حلب،27/8/2006، متاحٌ على الموقع
http://www.aleppo-cic.sy/acic/magz/modules/AMS/article.php?storyid=154
تم الاطلاع علية في يوم الاثنين 19 فبراير 2007.
[6] فرهاد ديو سالار، اليوتوبيا في شعر نازك الملائكة، متاحٌ على موقع
http://www.balagh.com/mosha/z30oa6ex.htm
[7] Lonnie Kent York, History Of Millennilism, Introducyion,
WWW. History of millennialism.htm, accessed 31 Saturday, March,2007.
[8] Zoroastrianism and its Influences on Christianity and Judaism,
http://www.conncoll.edu/academics/departments/relstudies/290/iranian/influences/, accessed 31 Saturday 2007.
[9] Ibid.
[10] Ibid
[11] Ibid
[12] Millennialist Connections- 1906
http://www.conncoll.edu/academics/departments/relstudies/290/islam/1906mill.html, accessed 31 Saturday, March, 2007.
[13] William Masselinke, Why Thousand Years?,(Michigan: Grand Rapids, Eerdmans Publishing Company,1930),Ch.3.
[14] المرجع السابق، 11.
[15] غبريال رزق الله، الألف سنة (القاهرة: مطبعة شمس البر، 1958)، 24.
[16] Richard Bauckham, The Theology of the Book of Revelation (Cambridge: Cambridge University Press, 1993),107-109.
[17] مكرم نجيب، المجيء الثاني للمسيح ونهاية التاريخ (القاهرة: دار الثقافة، 1997)، 54.
[18] متى المسكين، الحكم الألفي، 4.
[19] Millard J. Erickson, Contemporary Options In Eschatology, A Study Of The Millennium (grand rapids, Michigan, barker book house,1987),58,59.
[20] Early history of millennium teaching ,
http://www.scionofzion.com/ehmt.htm, accessed 19 Thursday, April,2007.
[21] متى المسكين، الحكم الألفي، 4، 5.
[22] متى المسكين، الحكم الألفي، 6.
[23] المرجع السابق، 7، 8.
[24] عزت شاكر، الملك الألفي (القاهرة: الكنيسة الإنجيلية بمدينة نصر، 2006)، 17.
[25] Jak Van Deventer, Eschatological Decline of 1825-1925 Pt.3,
http://www.credenda.org/issues/13-3eschaton.php, accessed 26 Monday, march, 2007.
[26] إكرام لمعي، الاختراق الصهيوني، 184.
[27] Jak Van Deventer, Eschatological Decline of 1825-1925 Pt.3,
http://www.credenda.org/issues/13-3eschaton.php,accssed 26 Monday, march, 2007.
[28] المرجع السابق.
[29] فارس فهمي، الإخوة في مصر (القاهرة: مكتبة الإخوة، 1982)، 11.
[30] المرجع السابق، 12.
[31] المرجع السابق، 15-19.
أسم الكاتب : القس كرم لمعي
مقدمة
يعزف الكثيرون عن دراسة سفر الرؤيا بسبب صعوبة فهم السفر لما فيه من ألغاز ورموز وشفرات يصعب فكها، ويفسّر آخرون السفر دون اعتبار لقرينة السفر التاريخية ولا للقالب الأدبي الذي كُتبَ فيه، وأيضًا دون اعتبار لباقي الكتاب المقدس فينحرف التفسير ويفقد السفر رسالته التي قُصد أن تفهمها الكنيسة وتعيش بموجبها. ورأينا كثيرًا من محاولات توفيق السفر أو “تكييفه” ليلائم أحداثًا بعينها، ومر الوقت ولم نرَ ثمة علاقة بين السفر وتلك الأحداث لنصحو من جديد على محاولات أخرى مع ظهور أحداث جديدة على مسرح التاريخ، ولعلّ آخرها ما تزامن مع بداية العام 2020 وانتشار فيروس الكوفيد-19 على المستوى العالمي وما أشيع عن قرب ظهور “الوحش” وأن المصل الذي يتم تصنيعه ما هو إلا ختم الوحش. بالإضافة إلى أزمة سد النهضة على المستوى القومي والإقليمي. وهذه المقالة ليست دراسة أكاديميةً لاهوتيةً بالمعنى الدقيق، ولكنها محاولةٌ لعرض مدارس التفسير المختلفة، مع التركيز على مدرسة التفسير المتوازي التصاعدي لوليام هندركسن كمحاولة لفهم السفر والختام بضرورة دراسة السفر وتعليمه.
سفر الرؤيا ببساطة
إن سفر الرؤيا، في جوهره، رسالة رعوية بامتياز، أرسلها يوحنا إلى كنائس آسيا الصغرى آنذاك عندما كانت تعاني من الاضطهاد المرير من جهة، وأيضًا الضلالات اليهودية والوثنية التي مثّلتْ تحديًا حقيقيًّا لاستقامة التعليم وحياة الكنيسة، ونتبين بالفعل من دراسة أصحاحي 2، 3 إصابة بعض الكنائس بحالة من الفتور والضعف أحيانًا، وأحيانًا أخرى المساومة على الحق مثل كنائس برغامس وثياتيرا ولاودكية مثلًا. لكن بقيت بعض الكنائس على إيمانها وولائها للتعليم والقداسة والشهادة؛ مثل سميرنا وفيلادلفيا. والسفر، كرسالة، يحتوي على عناصر الرسائل النمطية التي شاعت وقت كتابة السفر؛ فنجد اسم المرسل، ثم التحية، وموضوع الرسالة، والخاتمة.
وقد كُتِب السفر في قالبٍ رؤيويٍّ يرسم فيه الرائي صورًا أكثر مما يتكلم، والسبب في ذلك يرجع إلى أن هذا القالب هو الأنسب للتعبير عن مضمون السفر وغايته من حيث تصوير الصراع بين الخير والشر؛ بين مملكة الله وممالك العالم التي يرأسها الشيطان، وإحياء الرجاء لدى البقية الأمينة المضطهدة وتثبيتها، والتأكيد على النصرة النهائية الكاملة لمملكة الله واندحار مملكة الشر. فالقالب الرؤيوي الرمزي هو الأنسب للتعبير عن هذه المضامين، ويضيف البعض أن لغة السفر المشفَّرة تجعل حامل الرسالة والمرسَل إليهم في مأمن في حال وقوع الرسالة في يد العدو.
ولا يمكن فهم السفر إلا في ضوء الأسفار الرؤيوية في العهد القديم، مثل حزقيال، ودانيآل، وزكريا؛ فكثير من شفرات السفر نجد حلًّا لها في هذه الأسفار، والنص الآخر الشهير الذي لا يمكن تجاهله هو حديث جبل الزيتون (متى 24). أما القاعدة التفسيرية الشهيرة والبسيطة التي تُعيننا على فهم السفر فهي ضرورة تفسير النصوص الصعبة والغامضة في ضوء النصوص الواضحة والمباشرة، والحذر من بناء عقيدة أو تعليم على نص واحد مفرد أو كلمة أو رقم.
ويعتبر 1: 1، 9 مفتاحًا مناسبًا لفهم السّفر، فبحسب 1: 1 فالسفر كشفٌ أو إعلانٌ لأمورٍ خافيةٍ على البشر كشف عنها المسيحُ شخصيًّا، وكلَّف ملاكه بتبيان هذه الأمور ليوحنا، ليقوم يوحنا بدوره بكتابتها للكنيسة. والسفر، ببساطة، هو “ما لا بدّ أن يكون عن قريب”، وتوجد مدرستان رئيسيتان لتفسير هذه العبارة: الأولى هي المدرسة المستقبلية التي ترى في السفر نبوءاتٍ ستحدث في آخر الأيام قبيل عودة المسيح، وهؤلاء يتبنّون حُكم دوميتيان زمنًا لكتابة السفر حوالي 95م، أما المدرسة الثانية فترى في العبارة ما سيحدث حالًا إشارة إلى سقوط أورشليم وحكم نيرون ونهاية روما، وهذه المدرسة تتبنى ما قبل سقوط أورشليم زمنًا لكتابة السفر؛ حوالي 68م.
ومن 1: 9 نتبين أنَّ يوحنا كان منفيًّا في جزيرة بطمس، وكان النفي إحدى وسائل روما للمعاقبة، ويعلن أنه شريكُ المكتوب إليهم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره. نلاحظ هنا أمرًا هامًّا وجوهريًّا، ألا وهو اقتران الألم والصبر بالملكوت؛ فالاثنان يسيران معًا جنبًا إلى جنب. إن ملكوت المسيح هو ملكوت الألم، ولا يمكن تصوّر ملكوته خاليًا من الألم إلا في السماء.
مدارس تفسير السفر
الأولى: مدرسة “تحقق بالفعل” preterist
ترى هذه المدرسة أن السفر تحقق بالفعل في الماضي، الكلمة preter هي كلمة “ماضي” في اللاتينية، وترى هذه المدرسة أن السفر يتكلم عن سقوط أورشليم في يد الرومان سنة 68-70م، وأن الأصحاحات 1-3 تكشف وضع كنائس آسيا الصغرى قبل هذا الحدث، والأصحاحات من 6 – 19 جميعها هي عن سقوط أورشليم، بينما الأصحاحات 20-22 مختصة بالقيامة ومجيء المسيح ثانيةً. بالمناسبة، آر سي سبرول يتبنى هذه المدرسة، ويُطلق على هذا الاتجاه “التحقيق الجزئي”.
الثانية: المدرسة التاريخية Historical
تبنى قادة الإصلاح البروتستانتي هذه المدرسة مثل جون ويكليف، وجون هسّ، وتندال، ولوثر، وكالفن، وزوينجلي وآخرون، وترى هذه المدرسة أن السفر يمثل تعاقبًا لحقب تاريخية مرت وتمر بها الكنيسة، وهذه الحقب تمثلها الكنائس السبع في الأصحاحات 1-3، وفك الأختام 4-7 يمثل سقوط روما، والأبواق 8-10 اجتياح الشعوب والقبائل الحدودية للإمبراطورية الرومانية مما تسبب في سقوطها، والأصحاحات من 11-13 تمثل صراع الكنيسة الحقيقية -المُصلحة- مع الكاثوليكية المرتدة في عصر الإصلاح، حتى أنَّ من المصلحين من رأى أن البابوية تمثل الوحش، وأنّ الأصحاحات من14 -19 تمثل الضربات على البابوية ثم دينونتها النهائية. يكفي نقدًا لهذه المدرسة أنها قصرت السفر على غرب أوربا مكانًا ووقت الإصلاح زمانًا دون اعتبار للكنيسة في باقي ربوع العالم ولا عبر التاريخ.
الثالث: المدرسة المستقبلية (التدبيرية) Futurist
تتبنى هذه المدرسة تفسيرًا حرفيًّا مستقبليًّا للسفر، وبالتحديد الأصحاحات من 6 – 22. يقسّم المستقبليون السفر إلى ثلاثة أجزاء بناءً على 1: 19 “ما رأيت، وماهو كائن، وما هو عتيد أن يكون بعد هذا”، فيعتبرون أصحاح 1 هو “ما رأيت”، والأصحاحات 2-3 “ما هو كائن”، والأصحاحات 4-22 “ما هو عتيد أن يكون بعد هذا”. ترى هذه المدرسة أن الأصحاحات من 4 – 22 نبوات ستحدث مباشرةً عقب اختطاف الكنيسة، وتبدأ بسبع سنين ضيق شديد فيها ينصبُّ غضب الله على الأمم متمثلًا في الختوم والضربات والجامات، والأصحاح 13 يمثل حكومةً عالميةً بزعامة الوحش، وهو زعيم سياسي، وحليفه النبي الكذاب، وهو زعيم ديني، أما أصحاح 17 فيمثل الكنيسة المرتدة، وأصحاح 19 يمثل مجيء المسيح، وأصحاح 20 تقييد الشيطان والحكم الألفي السعيد الذي يعقبه خلق السماء الجديدة والأرض الجديدة بدلًا من أرضنا وسمائنا القائمتين. وفي خلال الضيقة العظيمة سيؤمن كثيرون من اليهود بالمسيح ويُقتَلون ثم يقومون في نهاية الضيقة مع مجيء المسيح وبداية الملك الألفي.
يعيب هذه المدرسة أنها تفصل بين زمن وحاجة قرّاء السفر الأوائل وبين محتواه بألفي سنة – باعتبار عصرنا الحاضر -فيكون الأمر شبيهًا بمن يشجع غريقًا يصارع الأمواج بأنه بعد ألف سنة سيتمكن الإنسان من اختراع ساعة يد تحمي من الغرق، فهذه النبوة لا تعني شيئًا لذلك الغريق. بالإضافة إلى أن القالب الرؤيوي والرمزي لا يمكن تفسيره حرفيًّا، وإذا انتقينا ما نعتبره حرفيًّا وما نعتبره رمزيًّا سنجد أنفسنا نلوي النصوص أو ننتزعها من قرائنها لإثبات وجهة نظرنا. مثلًا؛ في رؤيا 20 يقرّ الجميع أن الشيطان روح ولا يُقيّد حرفيًّا بسلسلة ولا يُحبس حرفيًّا في بئرٍ مادي ورغم ذلك يصرّ التدبيريون على حرفية رقم 1000 ومادّية المُلك على أرضنا المادّية رغم أن كل هذا ورد في ذات النّص.
الرابعة: المدرسة المثالية أو الروحية Idealist
تنتهج هذه المدرسة نهجًا مجازيًّا في تفسير السّفر، فترى في السفر نموذجًا للصراع الروحي المستعر بين المسيح وكنيسته من جهة والعالم الشرير المناوئ للمسيح ومملكته الروحية من الجهة الأخرى. وهذا الصراع بدأ بمجيء المسيح الأول وسينتهي بمجيئه الثاني، وتؤكد المدرسة المثالية على أن السفر لا يتعرض لأحداثٍ تاريخيَّةٍ بعينها وإنّما لمبادئ المعركة الروحية الدائرة، وترى المدرسة الروحية أن الوحش يمثل أيَّ قوةٍ سياسيةٍ معاديةٍ للكنيسة في أي عصر، وكذلك النبي الكذاب يمثل أي أيديولوجية أو ديانة زائفة مناقضة للحق وتسعى لتضليل المؤمنين، والضربات هي دينونات إلهية تحدث عبر التاريخ سواء أوبئة أو مجاعات أو حروب وما يجنيه البشر من ورائها من خسائر ومعاناة.
على الرغم من أن التفسير الروحي يجعل السفر مُعاشًا دائمًا، ويمكّن الكنيسة من التغذّي عليه في أي عصرٍ وفي كل مكان، إلا أنه لا يمكن تجاهل الحقائق التاريخية المُشار إليها، فلدينا الكاتب الذي كان منفيًّا في جزيرة بطمس المعروفة، ولدينا كنائس آسيا التاريخية في أصحاحي 2، 3، ولا يخفى على القارئ أوجه الشبه بين مواصفات بابل المذكورة في السفر وروما التي عاصرها قرّاء السفر، حتى رقم الوحش بقراءتيه 666، 616 يجزم كثير من كبار المفسرين أنه عدد اسم نيرون في اليونانية واللاتينية.
خامسًا: التفسير “التوازي التصاعدي progressive parallelism ”
يعتبره الكثيرون أفضل تعبير للتفسير المثالي الروحي ويعود إلى وليام هندركسن في تفسيره للسفر “أعظم من منتصرين” ومفاده أن السفر ينقسم إلى سبعة أقسام متوازية وكل منها يبدأ بمجيء المسيح الأوّل وينتهي بمجيئه الثاني، وما بين المجيئين يصوّر لنا أحداث الصراع أو مبادئ المعركة الروحية التي تعيشها الكنيسة في العالم، إلا أن الأقسام السبعة ليست مجرد تكرار، ولكن في كل مرة يلقي الكاتب ضوءً جديدًا على ذات الأحداث، وكل قسم يبرز تصاعدًا في قوة المعركة ومبادئها وتتصاعد الوتيرة الإسخاتولوجية عبر التوازيات السبعة. وفيما يلي خلاصة توازيات هندركسن:
الأول: الأصحاحات من 1 – 3
يرى يوحنا المنائر السبع وفي وسطها يتمشى ابنُ الإنسان في مجده ويأمر يوحنا بالكتابة إلى كنائس آسيا السبع، ومن الواضح أن رؤية يسوع والرسائل السبع تشكّل وحدةً متجانسةً. وعلينا ملاحظة أن الرسائل تضمنت أسماء بلاد وأشخاص وأحداثًا تاريخيةً معاصرةً لكتابة السفر، كما أن الرسائل لم تكن قاصرةً أو حصريةً لكنائس السفر، بل هي موجهة -مثل باقي الأسفار- للكنيسة في كل مكان وزمان. وتمثل كنائس السفر كنائس اليوم وكل يوم، ففي ذات المدينة الواحدة، بل وفي الشارع نفسه، قد نلاقي كنيسة في فتور لاودكية، وبعدها بأمتار كنيسة في أمانة سميرنا. فلا شك أن السفر كان يعني شيئا مُعيَّنًا لكنيسة القرن الأول، فلا يصح مثلًا أن يكتب يوحنا إلى كنيسة مضطهدة في زمنه ليخبرهم عن أشياء ستحدث بعد آلاف السنين.
الثاني: الأصحاحات من 4 – 7
يؤخذ يوحنا بالرؤيا إلى السماء ليرى الله جالسًا في عرش يفوق الوصف، وكل الخليقة تتعبد له، وفي يمينه سفر مختوم بسبعة ختوم. ثم يرى حَمَلًا كأنه مذبوح، وهذا الحمل هو الوحيد المستحق أن يفك ختوم السفر ويعلن ما فيه لأنه الوحيد الذي، بموته، غلب وانتصر. ثم تفك الختوم واحدًا تلو الآخر، ومع كل ختم ينصبّ قضاءٌ جزئيٌّ على العالم، وتُرى الكنيسة متألمةً رغم انتصار الحَمَل/الأسد، فاتّباع الرب المنتصر لا يعني الإعفاء من الألم بل الانتصار في الألم، وتنتهي الختومُ بإعلانِ الدينونة الإلهية وانتهاء الزمن، ومُلك الرب النهائي ومكافأة شعبه “… قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمُ” (6: 17)، ومكافأة شعب الرب “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلًا فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ» (7: 15 -17).
الثالث: الأصحاحات من 8-11
تصف هذه الأصحاحات أبواق الدينونة السبعة، وتُرى الكنيسة محميةً منتصرةً وقد نال أعداؤها قصاصَهم العادل، وينتهي هذا القسم، نفس نهاية باقي الأقسام، بالدينونة الإلهية النهائية “«نَشْكُرُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، لأَنَّكَ أَخَذْتَ قُدْرَتَكَ الْعَظِيمَةَ وَمَلَكْتَ. وَغَضِبَتِ الأُمَمُ، فَأَتَى غَضَبُكَ وَزَمَانُ الأَمْوَاتِ لِيُدَانُوا، وَلِتُعْطَى الأُجْرَةُ لِعَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ وَالْخَائِفِينَ اسْمَكَ، الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَلِيُهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا يُهْلِكُونَ الأَرْضَ” (11: 17، 18).
الرابع: الأصحاحات من 12-14
تبدأ الرؤى بامرأة تلد ابنًا، وتنّينٌ ينتظر ليبتلعه فور ولادته، ولكن تُنقذُ المرأة والطفل، وتبدأ الحرب مع باقي نسلها، ثم نلتقي مع وحشين هما حليفا الشيطان، أما الطفل فهو المسيح في مجيئه الأول، وإنقاذه يمثل نصرته بالقيامة التي كانت فيها الهزيمة الكاملة للشيطان، ولما فشل الشيطان في إفساد عمل الفداء استمرت مقاومته للمسيح بمقاومة الكنيسة؛ حيث يوظف يوميًّا كل شرِّه وأحابيله للنَّيْل منها مجندًا له أعوانًا من المقاومين والمضللين، وينتهي القسم كذلك بتتويج المسيح ملكًا وقاضيًا عادلًا يقتص من المقاومين “ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ، وَعَلَى السَّحَابَةِ جَالِسٌ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، لَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي يَدِهِ مِنْجَلٌ حَادٌّ… فَأَلْقَى الْجَالِسُ عَلَى السَّحَابَةِ مِنْجَلَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَحُصِدَتِ الأَرْضُ” (12: 14، 16).
الخامس: الأصحاحان 15 ،16
يشرح هذان الأصحاحان جامات الغضب السبع، والتي تصوّر انصباب غضب الله على غير التائبين، فيسكب الملاكُ السابعُ جامَه على الأرض صارخًا: “قد تمّ” ويعقب صرخة الملاك تصوير للدينونة الإلهية.
السادس: الأصحاحات من 17 – 19
في هذا الجزء، نرى وصفًا لسقوط بابل ونهاية الوحشين، وتمثل بابل العالم الدنيوي الشرير في معاداته لملكوت الله، وينتهي بدينونة الشيطان نفسه وحليفيه؛ وحش البحر ووحش الأرض. ويختتم بتصوير واضح لنهاية العالم ومجيء الرب ثانيةً “ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ.. وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.. فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ، الصَّانِعِ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ. وَطُرِحَ الاثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ.” (19: 11، 15، 20).
السابع: الأصحاحات من 20 – 22
يبدأ المشهد بتقييد الشيطان فلا يضل الأمم، وهذا يمثل الفرقَ بين ما قبل يسوع؛ حيث كانت كل الأمم في ضلال، وما بعد مجيء يسوع وبدء الإنجيل ودخول الناس من كل الأمم إلى الكنيسة، والألف السنة تعبيرٌ رمزيٌّ على الوقت الممتدّ من مجيء يسوع الأول إلى مجيئه الثاني، وخلال هذه المدة يُعطى الشيطان، من آنٍ لآخر، الفرصة لشنِّ اضطهاد أو محاولات تضليل، لكنه لا ينجح في هزيمة الكنيسة، وتنتهي المدة بالقضاء التام على الشيطان إلى الأبد في بحيرة النار ومعه كل الشعوب المتمردة، وبدينونة كل من لم يوجد اسمه مكتوبًا في سفر الحياة، والنصرة النهائية الأبدية لشعب الرب ووصف أخّاذ يصوّر السماء، مسكن الله مع النّاس.
ويقسّم هندركسن الأقسام السبعة إلى قسمين؛ الأول من 1- 11 وفيها التركيز على الارض حيث العالم يضطهد الكنيسة ولكن الكنيسة محميّة ومنتصرة. والقسم الثاني من 12- 22 وفيه يلقي الضوء على الخلفية الروحية للصراع الظاهر، حيث الصراع في حقيقته بين المسيح (وكنيسته) من جهة والشيطان ومعاونيه من جهة أخرى، مع التأكيد على حقيقة وحتمية انتصار المسيح وكنيسته.
تعقيب
ينتهج البعض مدرسةً توافقيَّةً تأخذ من كل المدارس السابقة ما يتفق مع محتوى الكتاب المقدس، وما لا يتعارض مع قواعد التفسير السليمة التي تراعي القالب الأدبي للسفر والخلفية التاريخية واللغة الأصلية وقواعدها النّحوية وأيضًا القرينة الكتابية الواسعة في العهدين القديم والجديد، وغاية المدرسة التوافقية جعل السفر حيًّا نابضًا في حياة الكنيسة ومساهمًا في تشكيلها وتقويتها ودعم الرجاء فيها وتحفيزها في جهادها مُستعدةً لمجيء الرب، دون إغفال لتاريخية السفر وأحوال واحتياجات قرائه الأوائل.
الأمر المُحزن هو ما نراه من آنٍ لآخر من تطاحن وعداء بين بعض المذاهب المسيحية المختلفة؛ الأمر الذي يصل أحيانًا إلى حد التكفير والإدانة بالهرطقة رغم أن أتباع المدارس التفسيرية الأربعة مُخلِصون لحقائق وأساسيات الإيمان المسيحي القويم، مثل وحي الكتاب المقدس وعصمته وكفايته للتعليم والسلوك، وأيضًا عقائد الثالوث والتجسد وصلب وقيامة وصعود المسيح والإيمان بحرفية مجيئه ثانيةً، والخلاص بالنعمة بالإيمان بعمل يسوع، وحتمية الإرسالية للعالم وغيرها. ولا عجب أن الكنيسة المشيخية مثلًا لا تشترط في قبول أعضاء جدد أن يكونوا من أتباع مدرسة دون الأخرى، وإن كانت تشترط هذا في من يتولون الوظائف الكنسية وقيادات الصف الأول بالكنيسة، فالأعضاء الجدد هم على طريق التلمذة والتعليم والتشكيل، لكنها تشترط عليهم عدم تعليم ما يخالف عقيدة الكنيسة أو نظامها.
وأرى ضرورة تبنّي حوار تسوده المحبة والاحترام للتأكيد على ثوابت الإيمان وأساسياته وتوجيه كل الطاقة في المناداة بالإنجيل وتلمذة المؤمنين وإعدادهم للخدمة بدلًا من الجدل العقيم الذي لا يبني، لا سيما مع تنامي مدارس التشكيك في الكتاب المقدس وأساسيات الإيمان وتنامي النزعات الإلحادية وحالة الارتباك والحيرة لدى الكثير من الشباب.
لماذا من الضروري دراسة السفر؟
أولًا: رسالة رجاء
يحكي السفرُ قصةَ انتصار المسيح على الشر وحقيقة ملكه وسلطانه الكامل في الأرض والسماء ويقين انتصار الكنيسة، ولا شيء أعظم من هذه الحقائق المجيدة يزيد الكنيسة رجاءً وقوةً في معركتها الروحية الممتدة، ويحفِّزها لإنجاز إرساليتها في العالم.
ثانيًا: دعوةٌ للأمانة والولاء
كان على كنيسة القرن الأول أن تنتبه لمغريات روما وآلهتها وضلالات الوثنية وارتداد اليهودية مهما بدا بريق هذه الأخطار. لقد رأينا وحشًا بقرني خروف، ورأينا روما في جمالها وبهائها وغناها وانجذاب العالم كله لسحر جمالها، لكن السفر كشف قبحها وهشاشتها وغوايتها ووحشيتها. وعلى الكنيسة أن تحذر غوايات الثقافة المحيطة مهما بدت جميلة مريحة فلا تقع في شباك الكفر والوثنية، بل تبقى على ولائها وأمانتها لفاديها.
ثالثًا: الحاضر في ضوء الأبدية
يزيل السفر حجب العالم الحاضر لتخترق أشعةُ السماء كونَنا، فنرى مسكننا الذي من السماء ونرى ما ينتظر الأمناء من مجد مع المسيح في عرشه. وهنا يزول الفاصل السميك الوهمي بين عالمنا الذي نعيشه وعالمنا الذي ينتظرنا مع المسيح، فندرك أننا نحيا الأبدية هنا والآن، كل ما في الأمر أن جزءًا يسيرًا جدًّا وحاسمًا جدًّا من هذا الأبدية نحياه هنا، فننشغل بكيفية تأثير الأبدي على الوقتي وكيف نحيا الآن أفضل ما يمكن في ضوء الأبدي.
رابعًا: الإنجيل والحياة
كُتب السفر لكنيسةٍ تصارع مع الاضطهاد والتعاليم الكاذبة وتعيش وسط تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية وفلسفية كثيرة ومتنوعة كبيرة، فروما كانت في أوج قوتها وعدائها للإنجيل بدءًا من نيرون، وعانى كثيرٌ من المؤمنين ماديًّا بسبب حرمانهم من العمل؛ حيث اقترنت الكثير من الوظائف بالممارسات الوثنية، وآخرون تمت مصادرة ممتلكاتهم وآخرون تم نفيهم -يوحنا نموذجًا- وكثيرون قُتِلوا. ولا يختلف اليوم عن البارحة فالكنيسة في معترك المادية والفردية والإلحاد وكثرة التشكيك وانتشار الحيرة بين الشباب، وعلى الكنيسة أن تتجاوب مع حاجة اليوم دون مساومة أو تنازل. ويُعد سفر الرؤيا مصدرًا غنيًّا للتأكيد على ثوابت الإيمان؛ الثالوث ولاهوت المسيح وموته وقيامته وحقيقة مجيئه ثانيةً، وبشرية الكنيسة وإرساليتها، ولدينا نبع قوة لحاضرنا ورجاء لمستقبلنا في الكلمات: “هٰؤُلاءِ سيُحارِبونَ الحَمَل، والحَمَلُ يَغلِبُهم لأَنَّه رَبُّ الأَرْبابِ ومَلِكُ المُلوك، ويَغلِبُ الَّذينَ معه، المَدعُوُّونَ المُخْتارونَ الأُمَناء» (رؤيا 17: 14 الترجمة اليسوعية).
أسم الكاتب : القس محسن منير
موضوعٌ حيويٌّ ضروريٌّ تتعدد فيه المفاهيمُ والأفكارُ وأساليب التناول، ويشغل بال الكثيرين. ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بكيفية الفهم والتعامل مع نصوص الكتاب المقدس التي تتحدث في هذا الموضوع، وهو أحد الموضوعات التي ترتبط بما يعرف بـ”علم الأخرويات”. لذا رأيت أنه من الأفضل -من وجهة نظري- نسجه من ثلاثة خيوط رئيسية، قادرة أن تنتج معًا فهمًا واضحًا للموضوع، وهي:
(١) مقدمة تعريفية عامة.
(٢) مبادئ تفسيرية هامة.
(٣) إصحاح (٢٤) من إنجيل البشير “متى” نموذجًا.
أولاً: مقدمة تعريفيَّة عامة
كلمة “اسخاتولوچي” Esckatology تعني بصفة عامة النبوات والأحداث المتعلقة بمجيء المسيا وعمله وتحقيق ملكوت الله، سواء في الحاضر أو في المستقبل، وتعني بصفة خاصة الأمور المستقبلية المختصة بالأحداث الأخيرة، أي نهاية التاريخ وآخر الأيام ولذلك تسمى الأخرويات أو “الإسخاتولوچيات” أو “التعليم عن الأشياء الأخيرة”.
وفي محاولة الإجابة على سؤال “ما الذي يعلمه الكتاب المقدس عن هذه الأمور؟” ظهرت بعض الاتجاهات التفسيرية المختلفة، نذكر منها فقط اتجاهين أساسيين:
عادةً، عندما يواجه العالمُ فترةً من فترات التحول والتغيير، أو عندما تحدث بعض الأحداث التاريخية الكبرى، والتي تؤثر على مجريات الأمور في العالم أو في منطقة حيوية منه، تبدأ على الفور بعض النظريات المتعلقة بنهاية العالم أو نهاية التاريخ في الظهور على السطح من جديد في ارتباطها بمجيء المسيح ثانية وما يرتبط به من علامات نهاية الأزمنة.
فمثلاً، نشرت جريدة “التايمز” الإنجليزية مقالًا يوم السبت الموافق ٢٢/ ٩/ ١٩٩٠ قالت فيه إنه بالرغم من أن منطقة الخليج تبعد عن أمريكا آلاف الأميال، إلا أن بعض الشيع والجماعات الدينية في أمريكا -كعادتها في كل المناسبات المشابهة- اتخذت من أزمة الخليج برهانًا آخر لتأييد نظرياتها التي تقول إن نهاية العالم قد اقتربت جدًّا.
والكثير من الناس يقعون في مصيدة التفسير الحرفي لهذه النبوات مع أن الجزم والقطع بتفسير حرفي معين يعرض الناس لكثير من الأخطاء؛ فالذين اعتقدوا في ٩/ ١٩٩٠ أن صدام حسين هو الوحش أو المسيح الدجال المشار إليهما في سفر الرؤيا ونادوا بذلك، قد انزلقوا لنفس الخطأ الذي انزلق إليه كثيرون، عندما ظنوا ونادوا بأن نابليون أو هتلر أو موسوليني هو المسيح الدجال أو الوحش، وحاولوا تلفيق رموز الحروف على اسمه لتكون -٦٦٦- بطريقة أو بأخرى [الرقم الذي ورد في سفر الرؤيا كعلامة للوحش] ولقد ثبت يقينًا أن واحدًا من هؤلاء جميعًا لم يكن هو الوحش أو المسيح الدجال. إن الله وحده يحتفظ لنفسه بسلطان معرفة الأزمنة والأوقات، وهو ممسك بزمام التاريخ وأحداثه ويتمجد في كل ما يحدث. هذا ما يجب أن ندركه ونثق به، لأن أي محاولة اختراق حجب المستقبل في هذا الشأن أمر تنهانا عنه كلمة الله بوضوح في متى ٢٤: ٢٣- ٢٧.
لكن ما هي الأضواء التي يمكن أن تنير لنا الطريق ونحن ندرس هذه النصوص المرتبطة بالحديث في نهاية الأزمنة؟ حتى لا نستسلم لغواية التدخل في ما لا يعنينا من خلال فهم مغلوط لمعاني النصوص الكتابية علينا مراعاة الالتزام بعدد من المبادئ التفسيرية اللازمة.
ثانيًا: مبادئ تفسيرية هامة
قبل البدء في السرد المختصر لبعض المبادئ التفسيرية الهامة والتي بدون مراعاتها، حتمًا سنضل الطريق في الوصول إلى نتائج ومفاهيم ومعاني صحيحة للنصوص الكتابية، أودُّ الإشارة بسرعة إلى معنى الإعلان الإلهي. الإعلان ببساطة ويُسر هو المبادرة الإلهية في إعلان ذاته لنا. وأدعوك -عزيزي القارئ- لدراسة النص الوارد في عبرانيين ١: ١- ٣ والذي يمثل فقرةً رائعةً غنيةً مركَّزةً تشرح لنا الإعلان الإلهي من حيث الفعل، الهدف، الإطار، الزمن، والكيفية والمحتوى.
والآن نتقدم لعرضٍ مُختَصَرٍ لأهم المبادئ التفسيرية الضرورية للوصول إلى فهمٍ صحيحٍ لمعاني نصوص الكلمة المقدسة:
يتأكد لنا -في ضوء هذه المبادئ التفسيرية- صحة وحتمية قبول الاتجاه اللاهوتي الذي يعتمد على، ويستند إلى إدراك الطبيعة المتدرجة للإعلان الإلهي (فكر الكنيسة المشيخية).
ثالثًا: إنجيل متى– إصحاح ٢٤ نموذجًا
من الجدير بالملاحظة والذكر أنه من السمات المميزة للبشير متى في كتابته للبشارة، أنه يجمع معًا وفي مكان واحد تعاليم الرب يسوع عن كل موضوع بعينه. ففي الإصحاح (٢٤) يجمع البشير متى ما ذكره يسوع عن المستقبل. ويرينا في ذلك الإصحاح الأمور المستقبلية. إلا أنه في هذا الإصحاح ينسج أقوال يسوع عن جوانب متعددة من المستقبل في نسيج واحد، ولكي نستطيع أن نفهم هذا الإصحاح الذي يكتنفه بعض الغموض، علينا أن نحاول فصل خيوطه المتشابكة لينظر إليها خيطًا خيطًا، وبما أن تلك الخيوط المنسوجة المتشابكة تمتد إلى نهاية العدد (٣١)، قد يكون من الأفضل أن نطالع هذه الأعداد معًا دفعة واحدة، ثم نحاول أن نضم كل خيط من هذه الأعداد الـ٣١ إلى الخيط الملائم له في الصورة- ومع أنه قد تبقى بعض التفاصيل غير مؤكدة- إلا أنه ستكون الصورة -بلا شك- أكثر وضوحًا.
والآن نتقدم إلى هذا النسيج من الخيوط لنرى الصورة المركبة ورؤيا المستقبل، كما جمعها البشير متى من أقوال المسيح، ولنحاول أن نفصل خيوطها، ونربط كل جزء بالخيط الذي يشير إليه وسنستعرض -باختصار- ستة خيوط منسوجة معًا في صورة رؤيا أحداث المستقبل.
الخيط الأول: القضاء على المدينة المقدسة ٢٤: ١– ٢
كان الهيكل من أروع التحف الفنية في البناء في العالم القديم. كان مبنيًّا على هضبة على قمة جبل صهيون، مساحتها نحو ألف متر مربع. وفي الجانب البعيد منها تم بناء الهيكل الداخلي (القدس، وقدس الأقداس) من الرخام الأبيض المغشى بالذهب. وكانت منطقة الهيكل محاطة بأروقة ضخمة مثل رواق سليمان، والرواق الملكي، وكانت تلك الأروقة تستند على أعمدة منحوتة، وكل عمود يتكون من كتلة واحدة من الرخام وارتفاع كل عمود ٣٧.٥ قدمًا وسُمكه يحتاج إلى ثلاثة رجال حتى يمكن أن يحيطوه بأيديهم معًا، ويبلغ أطوال أحجار زوايا الهيكل من ٢٠- ٤٠ قدمًا، ووزن الحجر الواحد أكثر من مائة طن.
وقد جاءت إجابة يسوع على سؤال تلاميذه، أنه سيأتي يوم لا يبقى من هذه الأحجار حجرًا لا ينقض- ولقد تحقق ذلك تمامًا، ففي عام ٧٠م طفح كيل غضب الرومان على عناد اليهود وثوراتهم، فتخلوا عن الوسائل السلمية التي سبق واستخدموها لمدة طويلة، ولجأوا إلى القوة الغاشمة والتدمير، فدمروا أورشليم وخربوا الهيكل، وتحققت نبوة يسوع حرفيًّا.
الخيط الثاني: فزع الحصار المخيف ٢٤: ١٥– ٢٢
يُعتَبر حصار أورشليم من أفظع أنواع الحصار التي عرفها التاريخ، فلقد كانت أورشليم بطبيعتها الجغرافية من المدن التي يصعب الاستيلاء عليها، إذ كانت مقامة على جبل وكان يقوم بحمايتها جماعة من المتعصبين الدينيين، لذلك قرر “تيطس” القائد الروماني أن يحاصرها حتى يهلك أهلها جوعًا.
عبارة “رجسة الخراب” مأخوذة من سفر دانيآل النبي ١٢: ١١. وقد وردت فيه بالتعبير “رجسة المخرب”، وأن هذا الرجس سيُقام في الهيكل، ودراسة التاريخ تعلن لنا أن ما ورد في سفر دانيآل يشير إلى ما حدث نحو عام ١٧٠ ق.م. عندما قرر “أنتيخوس أبيفانوس” ملك سوريا أن يقضي على الديانة اليهودية وينشر في مدن اليهودية الديانات والممارسات اليونانية، فقام باحتلال أورشليم، ونجس الهيكل إذا أقام مذبحًا للإله الأوليمبي “زيوس” في رواق الهيكل، وقدم عليه ذبائح من الخنازير، كما حوَّل حجرات الكهنة وأروقة الهيكل إلى مواخير للفساد. ولقد تنبأ يسوع أن مثل هذا العمل سيتكرر مرة ثانية ويتنجس الهيكل، كما سبق وتنجس في الماضي. رأى يسوع أن هذه الأحداث العظيمة التي جازت فيها أورشليم منذ مائتي عام ستتكرر، إلا أنه في هذه الجولة لن يقوم زعيم يخلصها كما قام “يهوذا المكابي” في المرة السابقة، فهذه المرة سيكون خرابًا شاملًا نهائيًّا.
تنبأ يسوع عن ذلك الحصار أنه سيكون قاسيًا حتى أنه لو لم تقصر أيامه، فلن يبقى إنسانٌ على قيد الحياة، وهذا ما يؤكده “يوسيفوس” المؤرخ في ما كتبه عن الحصار والمجاعة قائلاً:
“اتسعت المجاعة وشملت عددًا هائلاً من البيوت، وكنت ترى حواري وأزقة المدينة تمتلئ بالصبية والعجائز يتضورون جوعًا في الأسواق كالأشباح باحثين عن كسرة خبز وعبثًا يحاولون، فيسقطون على الأرض من الإعياء، ويبقون هكذا حتى النفس الأخير، وحجرات كثيرة تمتلئ بالنساء والأطفال يموتون جوعًا ولم تكن هناك قدرة عند من بقوا على قيد الحياة أن يقوموا بدفن الأموات، إذ كانوا قد أصابهم الإعياء، وقد كان البعض يموتون أثناء عملية دفن موتاهم وكنت تسير فلا تسمع نواحًا كما جرت العادة أن ينوح الناس على موتاهم، لأن المجاعة قد طفت على جميع مشاعر الناس. وكان الجميع يموتون وعيونهم متجهة نحو الهيكل” (من كتاب حروب اليهود ليوسيفوس ٥- ١٢- ٣) ويذكر يوسيفوس أن الرومان تمكنوا من أن يأسروا نحو ٩٧ ألف شخص بينما مات نحو مليون ومائة ألف شخص.
الخيط الثالث: يوم الرب ٢٤: ٦– ٨، ٢٩– ٣١
توجد صورة مأخوذة من الفكر اليهودي عن “يوم الرب”؛ فلقد قسم اليهود كل الزمان إلى دهرين: الدهر الحاضر، والدهر الآتي، وكان تقديرهم أن الدهر الحاضر والعالم الحاضر يتَّسم بالشر وأنه لا رجاء في إصلاحه. لكن الله سيتدخل لتغيير الأوضاع وإصلاحها، وبذلك يتحقق ما يسمونه “بالدهر الآتي” وبين هذين الدهرين سيأتي “يوم الرب”. والذي سيكون وقت تغيير رهيب ومخيف، لأنه سيكون إيذانًا بمولد عصر جديد. ونقرأ في العهد القديم عن صور عديدة ليوم الرب، وأيضًا في كتابات اليهود فيما بين العهدين. صفنيا ١: ١٤-١٦، يوئيل ٢: ٣٠-٣١، إشعياء ١٣: ١٠، ١٣ وغيرها. هذه الصورة الفظيعة ليوم الرب نجد جزءًا منها في الأعداد ٦- ٨، ٢٩- ٣١ من هذا الإصحاح.
ومما سبق نرى أن جزءًا هامًّا من الفكرة اليهودية عن المستقبل كانت مرتبطة بـ”يوم الرب” ومن الطبيعي لذلك أن كتبة العهد الجديد، إلى حد كبير، اعتبروا “يوم الرب” ومجيء المسيح ثانيةً، شيئًا واحدًا. لذلك أخذوا جميع الصور التشبيهية التي كانت عند اليهود ليوم الرب ووصفوا بها مجيء المسيح ثانية.
وعندما نضع هذا في اعتبارنا دائمًا، ينبغي أن نذكر حقيقة جوهرية وهي أنه لا ينبغي أن نتعامل مع هذه الأوصاف بالمعنى الحرفي، فهي مجرد صور ورؤى، هي محاولات للتعبير بلغة بشرية عما لا يمكن وصفه أو التعبير عنه. إلا أننا نستطيع أن نرى حقائق عظيمة تطل علينا من خلال هذه الصور، وعلى سبيل المثال: فهي تؤكد لنا أن الله لم يترك هذا العالم بسبب شروره. فالعالم لا يزال هو الميدان الذي يتحقق قصد الله فيه. والله لا يفكر في ترك العالم بل في التدخل في أحداثه ليحقق من خلالها مقاصده الأزلية. وأيضًا تبين لنا الصور أن الدينونة والخليفة الجديدة كلاهما أكيد الحدوث والله يتجه إلى العالم بالعدل والرحمة معًا، وأنه ليست خطة الله هي إزالة العالم بل خلق عالم يكون قريبًا إلى فكر الله.
لذا علينا أن نتذكر دائمًا أن قيمة هذه الصور ليست في تفاصيلها، فنستغرق فيها وتتعامل معها بطريقة حرفية ونقوم بلي ذراع النصوص وتطويع الأحداث التاريخية لنصل إلى التصور المسبق في أذهاننا. هي مجرد صور رمزية بطبيعتها لتقريب الفكرة إلى عقول الناس. إن القيمة الحقيقية لهذه الصور تكمن في الحقائق الخالدة التي تعلنها لنا، والحقيقة المركزية والمحورية فيها هي أنه أي أن كانت حالة هذا العالم فإن الله لم يتركه في شره.
الخيط الرابع: الاضطهاد الآتي ٢٤: ٩– ١٠
لم يَعِد يسوع تلاميذه وتابعيه بطريق سهل، بل حذرهم من وجود الاضطهاد والألم، فالكنيسة الحقيقية ستكون في الأغلب مضطهدةً ما دامت تحيا في عالم موضوع في الشرير، نرى ما الذي يحرك الاضطهاد؟ سنتعرض -باختصار- لأربعة أسباب تحرك قوى الاضطهاد:
الخيط الخامس: أخطار تواجه الإيمان ٢٤: ٢٣– ٢٦
رأى يسوع أن المستقبل يحمل خطرين كبيرين يمكن أن يهددا الكنيسة.. وهما:
الخيط السادس: مجيء المسيح ثانية ٢٤: ٣، ١٤، ٢٧– ٢٨
يتحدث يسوع في هذه الأعداد عن مجيئه ثانية.. وهذا التعبير “المجيء الثاني” لم يرد على الإطلاق في العهد الجديد، لكن الكلمة المُستَخدَمة في العهد الجديد للتعبير عن هذا الحدث “مجيء المسيح ثانية في مجده” هي كلمة يونانية “parousia باروسيا”. وهي تستخدم لتدل على وصول الملك إلى محل سلطانه، أو وصول الوالي إلى منطقة حكمه وشعبه.. فهي تشير إلى المجيء بسلطان وقوة.
ولقد وردت في البشائر الأربعة -فقط- في إنجيل البشير متى الإصحاح ٢٤: ٢٢، ٢٧، ٣٧، ٣٩. لكنها وردت مرات عديدة في باقي أسفار العهد الجديد.
عودة المسيح ومجيئه ثانية، تؤكد أن التاريخ يسير في اتجاه محدد. فهو ليس بلا معنى، وليس عشوائيًّا، وليس أبديًّا. سنواجه نهايةً حقيقيةً له مثلما كانت هناك بدايةٌ حقيقيةٌ.
عودة المسيح ومجيئه ثانيةً تعلن النصرة النهائية والكاملة والتامة، انتصار الخير على الشر، انتصار مقاصد الله على عصيان الإنسان وحرب الشيطان، انتصار مشيئة الله في قلوب البشر.. هذا الانتصار سيتم في كل من المجتمع البشري وفي العالم الطبيعي.
عودة المسيح ومجيئه ثانيةً تعلن الدينونة. ستكون زمنًا للفرز، فالبعض سيؤخذ والبعض الآخر سيُترَك (٤٠- ٤١). ما كان مخبوءًا في قلوب البشر عبر السنين، سيظهر للعيان في ضوء النهار الساطع أو الجميع سيبدون في ألوانهم الحقيقية. عودة المسيح ستكون يومًا للدينونة وتكشف كل ما كان يجري في الخفاء كل الوقت.
عودة المسيح ستكون قاطعةً وحاسمةً، فلن يكون بعدها مجال لفرص توبة أو طلب التغيير (٣٧- ٣٩).
عودة المسيح ومجيئه ثانية ستكون مفاجئة وغير متوقعة، كبرق يضيء في السماء (عدد ٢٧). ستكون واضحة ومعلنة ومباشرة لدرجة أن البشير متى عبر عنها بالكلمة اليونانية eutkcos (وللوقت، ففي الحال- عدد ٢٩). ستكون غير متوقعة مثل الطوفان في زمن نوح (عدد ٣٧).
عودة المسيح ومجيئه ثانية ستأتي في توقيت معروف فقط لله الآب (عدد ٣٦) التلاميذ لا يعلمونه، الوعاظ والمعلمون لا يعلمونه، أتباع عقيدة الألفية، وما بعد الألفية لا يعلمونه ولا حتى يسوع، نفسه يعلم؛ فحالة التجسد تعني تنحية مؤقتة للمعرفة الإلهية الكاملة. وبذلك تصبح كل المحاولات المتكررة لتحديد يوم لنهاية التاريخ كلها خادعة وواهمة، عودة المسيح يقين أكيد، لكن لا يوجد شخص يعلم متى تتم، هذا أيضًا يقين.
في ضوء هذا التعليم، عن عودة المسيح ومجيئه ثانية، تصير كل التكهنات بموعده غير مقبولة، بل حقًّا هي تجديف (عدد ٣٦).
وختامًا، ونحن ندرك أن يسوع لم يقصد بهذا الحديث النبوي مع تلاميذه إشباع غريزة حب الاستطلاع لديهم بل لإرشاد ضمائرهم وتبصيرهم بأسلوب التفكير والتصرف أمام هذه الحقائق التاريخية (عدد ٢٤) ولكي تكون الأولويات الصحيحة هي حياة التوقع والاستعداد (الأعداد ٣٢- ٣٣، ٣٧- ٤١). والثبات الراسخ في الآلام والمصاعب (عدد ١٣) والتحلي بالحكمة المتوازنة في الاجتهاد لقراءة علامات الأزمنة (عدد ٢٨، ٣٣).
المراجع المستخدمة:
(١) دائرة المعارف الكتابية- جزء الأول- دار الثقافة- ص.ب ١٢٩٨- القاهرة- ٣٧٤٢/١٩٨٨. ص ٩٧.
(٢) فارس- د. ق فايز- حرب الخليج ونهاية العالم- دار الثقافة ص. ب ١٢٩٨- القاهرة- ٥٠٨٢/ ١٩٩١.
(٣) نجيب- د. ق مكرم- قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح، المزاعم الصهيونية لنهاية التاريخ- دار الثقافة- ص. ب ١٢٩٨- القاهرة- ٧٨٦٦/ ٢٠٠٢- طبعة أولى. ص ٥-٦، ص ٩، ص ١٩- ٨٣، ص ٢٤- ٤٤.
(٤) علم اللاهوت النظامي- دار الثقافة المسيحية- ٣٢٨١- ١/ ٢٠٠٠- ١٩٧١.
(٥) جرودوم- واين- بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي- برنامج التعليم اللاهوتي بالامتداد ص. ب ١٩٣١- عمان ١١١٨- الأردن- مطبوعات إيجلز- ص. ب ١١٠١- هليوبوليس بحري- القاهرة ١١٧٣٧- مصر.
(٦) باركلي- د. وليم- تفسير العهد الجديد- إنجيل متى (الجزء الثاني)- ترجمة القس فايز فارس- طبعة ثانية- داو الثقافة المسيحية، ودار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية- مجمع الكنائس في الشرق الأدنى- ٥٦٧٦/ ٨٣.
(٧) هنري- متى- التفسير الكامل للكتاب المقدس- العهد الجديد- الجزء الأول- مطبوعات إيجلز- ص. ب ١١٠١- هليوبوليس بحري- ١٣٥٠٣/ ٢٠٠٢.
(8) The Bible Speaks Today. Michael- Green Inter. Varsity Press. The Message of Mathew.
أسم الكاتب : القسّ عيد صلاح
“وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ” (دانيال 12: 3)
مُقدِّمَةٌ:
على نسق معنى كلمة فلسفة وهي لغويًا من اليونانيّة، φιλοσοφία، philosophia، والتي تعني حرفيًا “حب الحكمة” يكون مماثلاً لها كلمة “فيلوببليا” أو “فيلولوجيا” وهي “حب كلمة الله”. هذا هو العنوان الذي يلازم يوسف ناثان في أي مكان يوجد فيه؛ فهو عاشق لكلمة الله وللدراسات البيبليّة (الدراسات المرتبطة بالكتاب المقدَّس)، وهو باحث متميز من طراز فريد، وإنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مستقيم الفكر والحياة، أمين في حياته، ومجد ومجتهد في دراساته.
على المستوى الشخصيّ تربطني به علاقة صداقة وأخوّة، فقد درسنا معًا في بداية التسعينات في كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، ومنذ ذلك الوقت ولم تنقطع العلاقة به حيث لا يجمعنا لقاء أو مكالمة تليفونيّة إلا وفيها من الحوار المفيد البناء والمشجع مع الاستفادة الكبيرة من فكره وعلمه. هو بمثابة دائرة معارف كتابيّة متحركة، استثمر وقته أفضل استثمار في البحث والدراسة والتقديم والشرح لكلمة الله، فقط إذا كتبت أسم يوسف ناثان على محرك البحث في جوجل أو على اليوتيوب ستظهر لك حلقات وعظات وتأملات كثيرة،كلها مرتبطة بشرح وتفسير الكتاب المقدّس بأسلوب شيق ومتميز ومركّز. هدف هذه الدراسة هو تقديم يوسف ناثان للقارئ مِنْ حيث: مَنْ هو؟ وما هي سماته الشخصية؟ وما هو مشروعه الفكريّ؟ وما هي أهم ملامح هذا المشروع؟
أولاً: مَنْ هو يوسف ناثان؟
ولد يوسف ناثان بسطا في القاهرة في 27 ديسمبر 1959م، حَصَلَ على بكالوريوس علوم، قسم كيمياء، جامعة المنيا، عام 1981م، وبكالوريوس آداب، قسم علم نفس وفلسفة، جامعة المنيا، عام 1988م، وبكالوريوس في العلوم اللاهوتيّة من كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، عام 1993م. تزوج من السيدة منى يعقوب في 25 فبراير 1986م، وله ابن وحيد وهو رامز. خَدَمَ مع الدكتور القسّ فايز فارس (1928- 2012م) في الفترة من 1984- 1991م لمدة سبع سنوات مساعد إداريّ وخادم متفرغ للشباب، في هذه الفترة تتلّمذ ناثان على يد القسّ فايز فارس وكان ملازمًا له، وكانت له علاقة طيبة به فكان يطلب منه مراجعة كتبه ومحاضراته لإبداء الرأي، وقد استفاد من ذلك ناثان كثيرًا.
بدأ العمل والخدمة في دار الكتاب المقدّس في سبتمبر عام 1991م، وحتى الآن، وهو مدير قسم الدراسات والأبحاث بدار الكتاب المقدس. رُسِمَ شيخًا بالكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا في مارس 1993م. وهو أيضًا عضو المجلس المليّ الإنجيليّ (المجلس الإنجيليّ العام) عن مجمع المنيا. أيضًا خَدَم َكأستاذ زائر في كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة لمدة 20 عامًا (1996- 2015) مادة نظرة عامة على الكتاب المقدَّس، بترشيح من الدكتور القسّ إكرام لمعي مدير الكلية في ذلك الوقت. وفي هذه الفترة (1999- 2003م) أيضًا قام بتدريس مادة “علم الأخلاق المسيحيّة لمدة أربعة سنوات” وذلك بترشيح من أستاذ المادة في ذلك الوقت وهو الدكتور القسّ فايز فارس.
ينتمي يوسف ناثان لعائلة لها جذورها الروحيّة والوطنيّة، فعم والده هو المهندس ناشد ساويروس الذي قام بترجمة كتب ماكنتوش لأسفار موسى الخمسة من اللغة الإنجليزيّة إلى اللغة العربيّة. وشارك في تصميم محطة سكة حديد المنيا، وذهب للسماء في الثلاثينات من عمره. وهذا الإرث الروحيّ والوطنيّ ممتد في العائلة من جيل إلى جيل.
يُعلِّم ناثان دائمًا أنَّ أصدق الشهادات عن الخادم هي شهادة البيت، فالأسرة ترى الخادم على حقيقته كما هو، وهو يعتز جدًا بزوجته منى وابنه رامز، وقد كتب رامز على صفحته بعد صدور الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة، في 20 يونيو 202م، الآتي: “إنَّها فرصة عظيمة ليس فقط للاحتفال بأعظم أب في العالم، ولكن بأحد أفضل الباحثين الذين شاهدتهم على الإطلاق. قضى والدي 14 عامًا (يقصد المدة التي قصاها والده في العهد القديم) من الدراسة المستمرة والبحث والاكتشاف حتى يتم نشر هذا المشروع أخيرًا. كمية المعلومات في هذا الكتاب مذهلة، إنَّه كنز حقيقي.”
ثانيًا: السمات الشخصيّة ليوسف ناثان
نحن أمام نموذج يعيش كسيدة عَمَلَ وعلَّم، قال المسيح: “مَنْ عَمِلَ وعَلَّمَ، فهذا يُدعَى عظيمًا في ملكوتِ السَّماواتِ” (متى 5: 19 ب)، وقد قيل عن المسيح كما ورد في افتتاحية أعمال الرسل: “اَلْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ.” (أع 1: 1).
يتميز يوسف ناثان بسمات إنسانيّة وأخلاقيّة وعلاقاتيّة وعلميّة ودراسيّة رائعة يراها فيه من تعاملوا معه، ومن اقتربوا منه، حتى من استمعوا له عن بعد، فنرى فيه مجموعة من السمات التي تميز بها وهي التعلَّم من الدراسات الأكاديميّة التي أجتاز فيها وطبعت في شخصيته وأسلوب تفكيره، وهو يعرف خدمته ودعوته فهو مثال رائع للخادم الذي عَرَفَ خدمته التي أخذها من الرب يسوع، ويعتبر نموذجًا للنزاهة والأصالة، وعنده القدرة على إقامة العلاقات وبناء جسور وصناعة صف ثان للخدمة، وهو عالم كتابيٌ أصيل، وفي نفس الوقت يتمتع بالعمق في بساطة وبطريقة عملية. هذا بالإضافة إلى علاقة محوريّة والتزام بترجمة ڤاندايك. من خلال هذه السمات قدَّم ناثان لروحانيّة يمكن تسميتها بروحانيّة الالتزام بالكلمة من خلال البحث والدراسة، وروحانيّة الانضباط في الحياة الروحيّة وهي تطبيق الكلمة في الحياة المعاشة. هذه السمات في شخصية يوسف ناثان هي سمات متداخلة ومركبة معًا لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، ونعرض لها ببعض من التفصيل.
السمة الأولى: التعلَّم ودور الدراسة الأكاديميّة في تشكيل فكر يوسف ناثان
يرى الأستاذ رامز عطالله مدير دار الكتاب المقدّس سابقًا ومستشار الدار حاليًا عن كيف تشكَّلت عقليّة وشخصية يوسف ناثان، ودور الدراسة الأكاديميّة في تشكيل حياته وفكره، فيقول: يوسف ناثان شخصية فريدة من نوعها، لا تتكرر، تتلّمذ على يد القسّ فايز فارس وتعلَّم منه الكثير. تعرفت على يوسف في أوائل الثمانينات أثناء خدمتي في المنيا حيث كنا نقوم بعمل تدريبات للشباب على دراسة الكتاب المقدّس، ثم خدمنا معا إلى آخر الثمانينات في اللجنة العامة لثانوي. ومن أوائل التسعينات حتى الآن نخدم معًا في دار الكتاب المقدّس. دراسات يوسف الأكاديميّة شكَّلت فكره واستخدمها الله لتطويره ليعطيه مواهبًا متميزة جدًا.
وحسب رؤية عطالله أن دراسة ناثان في الكيمياء علَّمته حفظ الأسماء والأرقام عن ظهر القلب وهذا كان مفيدًا جدًا في متابعة الخط التاريخيّ في الكتاب المقدّس كله. ودراسته في الفلسفة ساعدته في أن يكون تفكيره منظم جدًا وأيضًا التفكير بطريقة منطقيّة عقلانيّة وعمليّة. دراسته في اللاهوت عمَّقت معرفته للكتاب المقدّس والايمان المسيحيّ وساعدته ليستطيع التفكير بطريقة روحيّة وعلميّة في موضوعات لاهوتيّة عقائديّة وكتابيّة. فكان له فضل كبير في تطوير طبعات الكتاب المقدّس بوضع عناوين للفقرات وعلامات الترقيم والتشكيل الكامل مع إضافة معجم للكلمات الصعبة وملاحق وخرائط.
ويواصل عطالله كلامه بالقول، بعد ذلك قضى حوالي 20 عامًا في دراسات وأبحاث ومجهود شاق لإصدار “الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة”. المجهود الجبار الذي بذله في هذا الكتاب، بالنسبة لي، يساوي عشرات رسائل دكتوراه! “دكتور يوسف” شخصية مبتكرة، طيبة، سخية، بسيطة وهو صديق ومشير ومشجع للألاف داخل مصر وخارجها. وأتمنى له سنين طويلة في خدمات عديدة في الأيام المقبلة.
السمة الثانية: مثال رائع للخادم الذي عَرَفَ خدمته التي أخذها من الرب يسوع
عن دعوة وخدمة وشخصية الشيخ يوسف ناثان، يقول دكتور إيهاب نصر طناس، مدير المبيعات والعلاقات الكنسيّة بدار الكتاب المقدّس: الأخ العزيز والصديق الغالي يوسف ناثان مثال رائع للخادم الذي عَرَفَ خدمته التي أخذها من الرب يسوع، ويسعى جاهدًا بفرح ليتمم هذه الخدمة، وهي بحق خدمة جليلة وعظيمة ودائمة الأثر؛ أي دراسة كلمة الله بعمق وجدية واجتهاد ونشر ما حصَّله من كلمة الله من خلال الكتابة والنشر والفضائيّات والخدمات الكنسيّة.
وحسب رؤية طناس أنَّ الرب قد أعطاه نعمة فأصبح كل ما يقدمه موضع ثقة وترحيب من الجميع بلا استثناء. على الجانب الإنسانيّ، يعرف كل محبيه مدى حبه للجميع واهتمامه بالظروف والاحتياجات الخاصة، وتقديم المعونة بكل أنواعها للمتألمين والمتضايقين، وهو يفعل ذلك بقلب مسرور (2 كو 9: 7)، ويعمل الخير للجميع ولا سيما أهل الإيمان (غل 6: 10).
أما عن الجانب الشخصيّ-كما يذكر طناس-فالأخ الحبيب يوسف هو صديق صدوق، له قلب متدفق بالمشاعر المرهفة وفائض بالمحبة والمودة الأخويّة. أحسب نفسي سعيدًا بأنّي عرفته ومتمتع معه بدفء العلاقات الأخويّة الجميلة في روعتها وصدقها وبساطتها. أصلي أنْ يحفظه الرب في ملء البركة والاستخدام الإلهيّ إلى مجيئه القريب، ويبارك أسرته الغالية أيصًا.
السمة الثالثة: نموذج للنزاهة والأصالة
يعتبر ناثان نموذجًا للنزاهة والأصالة يرى الدكتور القسّ عاطف مهني المعصرانيّ مدير كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة الشيخ يوسف ناثان، فيقول: هو صديق عمري وتوأم روحي. لا أجد الكلمات التي أصف بها هذا الرجل ونزاهته في علاقاته وأمواله وأمانته في خدمته وتميزه في التعامل مع كلمة الله التي تفرغ لأجلها. هو نموذج مُشَرّف لأبناء الكنيسة، قارئ من طراز فريد، وباحث متميز في كلمة الله. لديه إدراك واعي لحاجة الشباب، وقدرة كبيرة على التواصل معهم، ولديه احترام عميق لجميع الطوائف المسيحيّة. صلاتي أن يحفظ الرب هذا الرجل للمسيح والكنيسة.
وفي هذا المجال يذكر فادي عاطف عن يوسف ناثان بالقول: “والأكثر من هذا، وما يعرفه الجميع عنه، هو أنَّ حياته وسلوكه المستقيم في مخافة الرب يعطي لعظاته وتفسيراته مصداقية عالية لأنه يؤكد أنه لا يعظ فقط، بل يعيش ما يعظه. كنت وما زلت أقول إنَّ حياة وعلم يوسف ناثان هم أحد أدلتي على صدق قضية المسيح. إنَّ كان يوسف ناثان يستطيع أنْ يعيش حياة متسقة مع تعليمه، فكلنا نستطيع أنْ نعيش هذه الحياة. يبارك الرب في عمل وخدمة الشيخ الوقور والأب العظيم يوسف ناثان لامتداد ملكوت الله في بلادنا العربيّة.”
السمة الرابعة: العلاقات وبناء الجسور وخلق جيل ثاني
في العلاقات، وبناء الجسور، وبناء صف ثان للخدمة يرى الشيخ إيهاب ثروت، وهو شيخ الكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا، وهو تلميذ نجيب للشيخ يوسف ناثان، ويقف عند ثلاث مستويات في شخصية يوسف ناثان كلها مبنية على العلاقات: الشخصيّ، والكنسيّ، والعام:
السمة السادسة: عالم كتابيّ أصيل
بدون مبالغة وبتقدير حقيقي، يوسف ناثان هو أهم عالم كتابيّ في منطقة الشرق الأوسط، هكذا يقول فادي عاطف (باحث دكتوراه في دراسات العهد الجديد ويهودية الهيكل الثاني)، وهو تلميذ نجيب للشيخ يوسف ناثان، ويبرهن فادي على ذلك بالقول: وهناك عدة أسباب لذلك، منها أنّه أكثر العلماء الكتابيين خبرة ومعرفةً بالكتاب المقدّس، كما أنَّه يعتبر أهم خبير في ترجمة ڤاندايك للكتاب المقدّس.
ونحن نرى أن يوسف ناثان أحدث نقلة كيفيّة ونوعيّة في مجالات الدراسات الكتابيّة، وهو أيضًا أسَّس لعلم دراسي جديد تميز فيه وبرع في عرضه، وهو بحق مفكر أحدث طفرة في الدراسات المختصة بالكتاب المقدّس، وعالم كتابيّ وضع أُسّس منهاجيّة للدراسات الخاصة بدراسة النصّ الدينيّ في ضوء القرينة والسياق ليكون مفهومًا وقادرًا على التغيير. فالنصّ دون خلفية هو نصّ هلامي معلق في الهواء.
السمة السابعة: عمق في بساطة وبطريقة عملية
يوسف ناثان في عيون مشاهديه ومستمعيه، يمكن أن نرى ذلك على صفحته على الفيسبوك التي تحمل عنوان “دراسات وعظات يوسف ناثان” حيث أرسل المتابعون له مجموعة من الرسائل، تعبر عن ردود فعل تلقائيّة، وهي من ناحية الأسلوب والمضمون، أنَّ ما يقدّمه ناثان يتميز بـ: “عمق في بساطة وبطريقة عملية”. ورسالة أخرى في نفس الاتجاه تقول: “إنَّ ما يقدّمه الشيخ يوسف ناثان يجمع ما بين الدراسة اللاهوتيّة الأكاديميّة المبسطة والدراسة التأمليّة المعزيّة التي تقودنا للصلاة وتحفزنا للتطبيق العمليّ في حياتنا. ربنا يساعدنا نفهم ونعمل.” وكتب أخر حول الجهد المبذول: “أثق أنَّ وراء أسلوب التقديم الجذَّاب والممتع، ساعات طويلة من معاناة التجهيز العميق، والأهم أنَّك تستمع وتشاهد خادم للرب يعيش ما يعلّمه.”، وكَتَبَ رابع: “العمق ومعرفة المسيح (كلمة الله) هي من ثمار هذه الدّراسات.”
السمة الثامنة: علاقة محورية والتزام بترجمة ڤاندايك
لم يحلم كرنيليوس ڤاندايك (1818- 1895م)، هو ومن قبله عالي سميت (1801–1857م)، بطرس البستانيّ (1819- 1883م)، ويوسف بن عبد القادر بن محمد الحسيني الأسير (1817- 1889م)، يومًا من الأيام، وهم من كانت لهم اليد الطولى في ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللغة العربيّة بهذا الاهتمام الذي قام به يوسف ناثان ودار الكتاب المقدّس بمصر. وقد تربَّعت ترجمة ڤاندايك على عرش الترجمات العربيّة في الكنائس المصريّة وذلك لأسباب كثيرة. ولذلك تأسَّس مشروع يوسف ناثان على هذه الترجمة دون غيرها.
عن هذه العلاقة بترجمة ڤاندايك والالتزام بها يقول الشيخ أمير إلهامي، مدير دار الكتاب المقدّس بمصر: إنَّ الأستاذ يوسف ناثان مدير قسم الدراسات والأبحاث في دار الكتاب المقدّس هو الشخص المسئول عن كل ما يصدره دار الكتاب من دراسات كتابيّة. ونستطيع أن نقول إنَّه من أكبر وأهم الدارسين والباحثين للترجمة العربيّة للكتاب المقدّس-ترجمة ڤاندايك. وقد أثرى ومازال يثري الشيخ يوسف إنتاج دار الكتاب المقدّس على مر السنين. فمن خلال دراسات وأبحاث متنوعة في ترجمة ڤاندايك لأكثر من 30 عامًا أصبح لديه إلمامًا كبيرًا بفلسفة ڤاندايك واختياراته للمرادفات الكتابيّة المختلفة من حيث الأسماء والأفعال والتعبيرات اللاهوتيّة المقابلة للغة العبريّة للعهد القديم أو للغة اليونانيّة للعهد الجديد.
ثالثًا: مشروع يوسف ناثان الفكريّ
يرتبط مشروع يوسف ناثان بالكتاب المقدّس، وله منهجه الدراسي المتميز الذي بناه وطوره، فهو ليس بناقل عن أحد، أو مترجمًا لأحد، ولكنه مبدع ومجدِّد وفي اجتهاده مثل النحلة التي تذهب لورود وأزهار ورياحين كثيرة ولكنها في النهاية تعطي لنا عسلًا. فقد ذهب ناثان لمراجع كثيرة، وسافر عبر التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد واللغة والثقافة وأنتج لنا من خلال الدرس والمطالعة انتاجه المتميز، خط لنفسه منهجًا دراسيًا متميزًا. يُبنى هذا المشروع على تقديم كلمة الله بالحفر عند الجذور وإخراج الكنوز والجواهر الثمينة الموجودة فيها. ويتميز هذا الإشارة بالأصالة المنهاجية، وكما يقول فادي عاطف إنَّ يوسف ناثان أيضًا لا ينقل عن العلماء الغربيين ولا يقدّم فكر غربيّ على أنَّه فكره الشخصيّ، كما أن كافة تفسيرات يوسف ناثان للكتاب المقدّس نابعة من فكره هو دون أن يترجم أو يقتبس أو ينسب لنفسه ما ليس منه. لذلك يعتبر يوسف ناثان أحد قلائل الدارسين الكتابيين العرب أصحاب الفكر الأصيل.
تميز مشروع ناثان الفكريّ أنَّه بُنِيَ على ثلاثة محاور هامة، وهي:
هذا المشروع كما يقول عنه الشيخ أمير إلهامي مدير دار الكتاب المقدّس بمصر بل وأصدر الشيخ يوسف ناثان كم من الدراسات والأبحاث فيما يخص العصور والحقب الكتابية المختلفة وقدمها في دراسات متميزة من خلال محاضرات في الكنائس المختلفة أو من خلال حلقات تليفزيونيّة مثل حلقات نظرة عامة على الكتاب المقدّس وقراءة جديدة في حياة بولس وغيرها من البرامج الدراسية المتخصصة. وأخيرًا تمَّ إصدار الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة ليكلل جهد متميز وكبير على مدار أكثر من 20 سنة من العمل الدؤوب في دراسة متأنية وعميقة ليخرج في هذا الشكل الرائع من حيث المحتوى الثري والإخراج المتميز ليجد استقبالًا رائعًا وترحابًا شديدًا من الدارسين والخدام في الكنائس والطوائف المسيحيّة بمصر والعالم العربيّ. ويمكن رصد محاور المشروع في ثلاثة، وهم:
المحور الأول: تسجيل المادة الدراسية في فيديوهات
تماشيًا مع الوسيلة المتاحة والسريعة قام بتسجيل المواد الدراسية الخاصة بالكتاب المقدّس في فيديوهات تذاع على القوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعيّ وعلى شبكات الإنترنت، وما يميز ذلك السهولة واليسر في الوصول لهذه المواد المتلفزة وإتاحتها على الفضائيات وقد سجل 1200 حلقة دراسية حول الكتاب المقدّس لو فرغت هذه الحلقات ستكتب في مجلدات كثيرة، ولكنه أعتمد على الجانب السمعي والمرئي، وبذلك يكون قد تجاوب مع اللحظة الراهنة باستخدام أدوات العصر المتاحة لتوصيل الكلمة.
فقط نجد على الصفحة الرسمية المُسَجَّلة له على الأنترنت تحت عنوان: الموقع الرسميّ للشيخ يوسف ناثان 440 مادة مسجلة كلها حول كلمة الله، ونجدها في هذه البرامج: أبانا الذي في السماوات (36)، برنامج خلفيّات (70)، حوار يدور (52)، علمنا كيف نصلي (10)، كنوز كتابيّة (16)، لا يزول منه حرف (139)، متنوع (5)، نظرة عامة عن الكتاب المقدّس (106)، وعظات (6). هذه فقط عينة بخلاف ما هو متاح له على اليوتيوب وصفحات الكنائس المحلية التي تمتلك منصات إعلامية.
المحور الثاني: تدريب الخدام والمؤتمرات العامة
نقل يوسف ناثان مشروعة للحوار الحي المباشر مع الخدام في الكنائس المحلية والمؤتمرات العامة، وهو اسم مرغوب فيه من الكل، ميزة هذا الموضوع أنه يتلاقى مباشرة مع الأسئلة الواردة من الخدام حول ما يقدم من أفكار. وهو متاح وجاهز، وفي نفس الوقت لا يقدم المادة في صورة محاضرات جافة، أو مجرد معلومات فقط، ولكن يقدمها لتكون مادة لتغير الحياة، وتقوّم التفكير، وتحسن من أداء الخدمة وتصرفات الحياة.
المحور الثالث: كتاب الخلفيات التوضيحيّة
هذا هو المشروع الأبرز والأهم الذي أتم به يوسف ناثان مع فريق العمل المعاون له بدار الكتاب المقدّس وصدر مكتملاً في يونيو 2021م، وصدر في كتاب يحتوي على 2039 صفحة من القطع الكبير، وصدر عن دار الكتاب المقدّس بجمهورية مصر العربيّة، يحتوي على 76 ملحقًا، 15 خريطة.
رابعًا: ملامح مشروع يوسف ناثان الفكريّ
يمكنني رصد الملامح الفكريّة لمشروع يوسف ناثان حول دراسات في الكتاب المقدس فأجملها في أنَّه أسَّس لنظرية دراسية محكمة أسماها ناثان بنظرة عامة على الكتاب المقدّس، وضع منهجًا متكاملاً يعيد اكتشاف وقراءة الشخصيّات (بولس الرسول نموذجًا)، ثم مركزية المسيح في دراسات يوسف ناثان، وهو ملمح مركزي في دراسات وأبحاث يوسف ناثان، تبَّنى منهج الإيضاح والبيان (الخلفيات التوضيحيّة للكتاب المقدّس نموذجًا)، وذهب في رحلة مع النصّ للواقع ومن الواقع للنص أسميها برحلة الذهاب والعودة. وسأتحدث عن هذه الملامح تفصيلاً.
الملمح الأول: أسَّس نظرية دراسيّة لنظرة عامة على الكتاب المقدّس
أسَّس الشيخ يوسف ناثان لمدرسة أسماها بنظرة عامة على الكتاب المقدّس طور فيها من فكرة مقدّمات الأسفار إلى الترابط العام ووحدة الكلمة والدراسة التاريخيّة والثقافيّة والحضاريّة. بحيث يكون للدراس القدرة على الفهم والتتبع وتطبيق الكلمة في حياته. والنظرة العامة تفتح أفاقًا لم يدرسها الإنسان قبل ذلك، وهي نظرة يسميها بالنظرة التلسكوبيّة وهي جمع كل الأشياء في إطار واحد، وذلك في مقابل النظرة الميكورسكوبيّة التي تتعمق في فكرة واحدة أو نص واحد أو حقبة واحدة، أو سفر واحد، أو شخصية واحدة. وهو يرى أن النظرة التلسكوبيّة هي الحد الأدنى في المعرفة لكل مسيحيّ. النظرة التلسكوبيّة تفيد النظرة الميكورسكوبيّة، والنظرة الميكورسكوبيّة، لا معنى لها، لا تستقيم بدون النظرة التلسكوبيّة. وكلاهما يشرحان ويوضحان “المشروع الإلهيّ” ووحدة الكتاب المقدّس. والهدف في الأساس من خلال النظرة التلسكوبيّة أو الميكروسكوبيّة هو دراسة كلمة الله، وفهما والعيش بمقتضاها.
أهمية النظرة التلسكوبيّة هي النظرة التي تركز على الشخصيّات المحورية في كلمة الله وعددها 22 شخصية في العهد القديم، والأحداث المؤثرة في الكتاب المقدّس، والتواريخ المفصليّة، وأهم المواقع الجغرافيّة. وفي هذه النظرة تربط الشخصيّة بالحدث، وربط الحدث بالمكان والزمان، وبالتاريخ والجغرافيّا والثقافة العادات والتقاليد وارتباطها بالكلمة المقدّسة وهي بحر لا حد له، وكل هذه تساعدنا على فهم الكلمة، وتبين لنا خطة الله للخلاص.
النظرة العامة على الكتاب المقدّس كما يقدمها ناثان تدور حول القصة “قصة تعامل الله مع الإنسان” من البداية للنهاية، وهي تربط الأشخاص والأحداث والتواريخ والمواقع، وملخص هذه النظرة هو علاقة الله مع شعبه ورد فعل الشعب تجاه هذه العلاقة. والإعلان عن محبة الله واختياره وأمانته، وعلاقة هذا الشعب بالأمم المحيطة به فقد اختير لرسالة وشهادة. ويعتمد ناثان في نظرته العامة على ملخص القصة، ومثاله في ذلك ثلاث نصوص كتابيّة: أولها، كيف لخص الرب يسوع تعليم العهد القديم في آيتين: “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ». (متى 22: 37- 40). ثانيها: ملخص التاريخ كما أورده استفانوس 52 آية في (أعمال الرسل 7: 2- 53). وثالثها: عرض بولس الرسول في أنطاكية بسيديَّة لتاريخ العهد القديم في ست آيات كما وردت في (أعمال الرسل 13: 16- 22) والهدف من التاريخ الذي أورده استفانوس وبولس هو شخص الرب يسوع. وقسَّم ناثان العهد القديم في نظرته العامة إلى 5 عصور وهي: البدايات، الآباء، القضاة، الملوك، عصر الأنبياء.
وتحت هذه العناوين تفاصيل كثيرة وضعها ناثان في 74 حلقة متاحة على موقع دار الكتاب المقدّس، تشمل العهدين: القديم والجديد، لمن يريد أن يستمع إليها، ويتعلّم منها. يقول عنها الأستاذ رامز عطالله مدير دار الكتاب المقدّس السابق ومستشاره الحالي بالقول: “ترك يوسف أيضا بصماته من خلال أسلوب وعظه البسيط والعميق وخصوصًا في سلسلة دراسات “نظره عامه على الكتاب المقدّس” وهي سلسلة فيديوهات تقدم للمُشاهد رؤية عامة على الكتاب المقدّس من أوله إلى أخره.”
الملمح الثاني: مركزية المسيح في دراسات يوسف ناثان
يحتل المسيح في دراسات وعظات الشيخ يوسف ناثان مكانة مركزيّة، فيقول دائمًا أن هدف دراسة الكتاب هو فهم قصة الخلاص المغيرة للإنسان من خلال عمل المسيح. ويستخدم ناثان في إبراز مركزية المسيح عبارته الشهيرة: “المسيح الذي لم نعرفه بعد.” وقد أعطى هذه الدراسة أولوية كبيرة، وينطلق في رؤيته من مقوله في عظة مارتن لوثر كينج، الذي ولد في 15 يناير عام 1929، وتمَّ اغتياله في 4 أبريل 1968، في عظة لكنيسة معظمها من البيض، حين قال: إنَّ المسيح الذي تراه غير الذي أراه. كلانا يقرأ الإنجيل ليلًا ونهارًا. أنا أراه أسود وأنت تراه أبيض تمامًا. كلانا يراه مبهرًا”. المسيح المبهر هو ما يتحدث عنه ناثان من خلال الدراسة والقراءة التي يقدّمها.
ملامح هذه القراءة: يضع ناثان خمسة قواعد للقراءة الجديدة للإنجيل، وهي:
ويقدم الشيخ يوسف ناثان خمسة قواعد لما أسماها “القراءة الحية”، فهو يضع خمسة قواعد هامة لقراءة حية، وهي:
كيف ينبغي أن تقرأ الإنجيل؟
ثم يضع طريقة لكيف ينبغي أن نقرأ الأناجيل، فيضع ستة محفزات ينبغي اتباعها للقراءة والدراسة، بهذه الكيفيّة:
وضع طريقة جديدة للدراسة:
أسَّس الشيخ يوسف ناثان لمنهج دراسي لم يسبقه فيه أحد، وقد أسماها بالدراسة الطوليّة والدراسة العرضيّة للإنجيل فيها يقدم فهمًا للإنجيل بصورة أفضل من فكرة الاجتزاء أو الانتقائيّة. الصورتان معًا تقدم القصة الكبرى وهي خلاص الله للإنسان.
القراءة الطوليّة للأناجيل هي خاصة بكل إنجيل، وهي:
القراءة العرضيّة للأناجيل، وهي:
يتحدث ناثان عن المسيح في موضوعات شتى تقرأ المسيح برؤية جديدة مغيرة للحياة، فيتحدث عن علاقة الرب بالفريسيين، والسبت، والتقليد اليهوديّ، والخطاة والعشارين، وبطرس، والمرأة، والأغنياء، والأطفال، و”أنا هو”، وقادة اليهود.
ويتتبع فيها خطوات، ومشاعر، وزيارات، واقتباسات الرب يسوع من العهد القديم. ويرصد فيها محاولات قتل الرب يسوع. والأعياد في حياته. والأسئلة التي سألها. والأسئلة التي وجِهَّت له. والأزمات التي تعرض لها. والآب في تعليم الرب يسوع، وكيف قدَّم نفسه. والمعجزات الجماعية للرب يسوع. وكلمات مفتاحية في تعليمه. ونبوات تحققت في حياة الرب يسوع. وما هو سلطانه؟ وما معنى “ملء الزمان”؟ ولماذا تجسَّد الرب يسوع؟ وكيف تعامل مع العهد القديم الرب يسوع؟ ثم تحليل لمفردات الرب يسوع.
في دراسة شخصية المسيح سنتتبع أيضًا الاتهامات التي وجهت للرب يسوع. والمؤامرات التي دبرت له. ومراحل محاكماته. والأسبوع الأخير في حياته. واليوم الأخير في حياته. ثم يتناول مجد الله في حياة المسيح، التطويبات التي علمها، وكلمات الآب حياة الرب يسوع.
قام ناثان بحصر كامل للمشاهد التي سجلت عين المسيح (ماذا نظر وماذا رأى)، وقدمي ورجلي المسيح، ووجه المسيح، ويدي المسيح، ومشي(سير) المسيح. ثم عرض لكلمات المسيح عن حياة الصيد، كلمات المسيح عن حياة الزراعة، وكلمات المسيح عن الأحجار الكريمة، وكلمات المسيح عن العملات والمكاييل، وكلمات المسيح عن الأشجار والنباتات، كلمات المسيح عن الحيوانات والطيور، كلمات المسيح عن الأرقام، كلمات المسيح عن الاتجاهات والفصول، وكلمات المسيح عن الملابس، كلمات المسيح عن العائلة والأقارب.
كل هذه العنوانين هي بوابات لكنوز من سيرة المسيح وتفاصيل غنية لهذه الشخصيّة المغيرة للحياة يقترب منها الشيخ يوسف ناثان بالحفر عند الجذور والخروج بالكنوز التي فيها العبر والتعاليم المفيدة للحياة الروحية البانية للحياة.
الملح الثالث: منهج يعيد اكتشاف وقراءة الشخصيّات (بولس الرسول نموذجًا)
لم يعتد يوسف ناثان على المألوف، ولم يقنع بالمتاح، ولكن في دراسته يعيد الاكتشاف دائمًا، وهو عاشق لشخصية بولس الرسول، حيث يقدَّم من خلال شخصية بولس، حسب تعبيره، الذي لم نعرفه بعد الكثير من الدروس والعبر، فهو يرى أن بولس أحدث نقلة كبيرة في التفكير والتعليم عن المسيح، يرى ناثان أنَّ بولس لا يتكلَّم عّن أعمال أو معجزات المسيح ولكنه يتكلَّم عن عمل المسيح، ولم يتحدث عن تعاليم المسيح ولكنه تحدث عن فكر المسيح.
يعيد اكتشاف الرسول بولس على أساس أن بولس الرسول تمتع بالشخصيّة الموسوعية لم يكن مجرد شخص عادي ولكنه تسلح بالمعرفة والعلم وكانت له قدرة على الاستيعاب والفهم، ومعرفة ما يدور حول في كل شيء، ويقدَّم ناثان بولس الرسول في عناوين كثيرة منها علاقة بولس: والفلسفة اليونانيّة، الأدب اليونانّي، والشعر، القانون، لغة التجارة، ولغة الزراعة، والقوانين الرومانيّة، المنطق الأرسطي، والالعاب الرياضيّة، واستراتيجيّة الكرازة وزرع الكنائس، وقضية العمل، واللغات، الإنسان والأب، والعهد القديم، والاقتباسات، والعهد الجديد، بولس والمسيح، التاريخ اليهوديّ، والتقليد اليهود، والأساطير اليهوديّة، ورجل الحوار والحجة، بولس والتقسيم الاجتماعيّ. يدرس ناثان كل هذه الزوايا الجديدة التي لم نعتد عليها من قبل فيقدم لنا الرسول بولس بهذه الشخصيّة الموسوعيّة التي كان لها هذا الحجم من الإنجاز وهذه القدرة من التأثير. وهدف هذه القراءة هي أن تقودنا لنتمثل بهذا النموذج فلا نسجن أنفسنا في قوالب فكريّة أو صور نمطيّة.
الملمح الرابع: تبنى منهج الإيضاح والبيان (الخلفيات التوضيحيّة للكتاب المقدّس نموذجًا)
الخلفيات التوضيحيّة للكتاب المقدّس هو مشروع العمر للشيخ يوسف ناثان قضى فيه أكثر من عشرين عامًا مع فريق عمل من الدار، فهو مفيد للقارئ والدارس لكلمة الله، وهو من المشاريع الكبرى للمكتبة العربيّة المسيحيّة وسيظل تأثير هذا المشروع لعقود طويلة قادمة، وفي تصريح له بجريدة اليوم السابع يقول: “إنَّ أهم ما يميز الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة، إنه أول كتاب مقدّس دراسيّ مصريّ باللغة العربيّة أي أنَّه غير مترجم، وأول كتاب دراسي مبني على ترجمة ڨاندايك، موضحًا أن مهمة دار الكتاب المقدّس طباعة وتوزيع الكتاب بمختلف الأشكال والأحجام لمختلف الأعمار والكنائس. وحول تفسير آيات الكتاب المقدّس أكد أن الكتاب لم يتطرق إلى التفسير أي أنه تُرك التفسير للكنائس. كما اهتم المرجع باللغات الأصلية التي كُتب بها العهدين، وكيف تعامل ڤاندايك كمترجم مع هذه اللغات الأصلية، مؤكدًا أنَّ الكتاب المقدّس كتاب الكنيسة المصريّة بكل طوائفها ومذاهبها، وتمت مراجعته من قبل متخصّصين.” (الأحمدي، اليوم السابع، 26 يونيو 2021). وحول المدة التي أستغرقها الكتاب المقدّس فقد استغرق العهد الجديد 7 سنوات، والعهد القديم استغرق 14 عامًا، مما يعني أنَّ مشروع الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة استغرق حوالي 21 عامًا.
أمدني الشيخ يوسف ناثان بمعلومات كثيرة عن هذا المشروع، الذي هو مشروع العمر بالنسبة له. فقد تحدث عن كيف خدمت دار الكتاب المقدس ترجمة ڤاندايك؟ ثم المبادئ الحاكمة للكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة، فلسفة وأهداف الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة، رحلة الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة. ثم ما يميز هذا المشروع. من خلال هذا المشروع يتبين لنا إننا أمام مشروع عملاق أخذ وقتًا وجهدًا في خطة محكمة، فكانت النتيجة هذا الثمر المفرح.
أولاً: كيف خدمت دار الكتاب المقدّس ترجمة ڤاندايك؟
تمَّ تحويل النصّ من ألواح الزنك إلى كتابة النصّ على الكمبيوتر، ثم مراجعة النصّ كلمات وآيات إملائيًا. بالإضافة إلى مراجعة النصّ نحويًا ولغويًا. وضع علامات للترقيم، وضع عناوين للفقرات، تغيير الشكل إلى عمودين. وقد تمَّ تحديد الكلمات الصعبة على ثلاث مستويات في القراءة: العادية، والمتعمقة، والقراءة من خارج الإطار الكنسيّ، ومن خلال هذه القراءات الثلاث تمَّ وضع معاني للكمات الصعبة، وهي (2800 كلمة). تمَّ عمل ملاحق تشتمل على جداول المكاييل والموازين والمسافات والعملات عهد قديم ومثله للعهد الجديد. موضوعات الإنجيل في كتبه الأربعة، ثم كلمة الله تتعامل مع مشاعرك، وأخيرًا أطلس يحتوي على 15 خريطة.
ثانيًا: المبادئ الحاكمة للكتاب المقدس بالخلفيات التوضيحيّة
ثالثًا: فلسفة وأهداف الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة
رابعًا: رحلة الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة
كانت بداية التفكير في المشروع في سنة 1997م، وبداية العمل في الأناجيل كانت في سنة 1998م، ثم طباعة إنجيل لوقا في احتفال الألفية في سنة 1999م، تمت طباعة أناجيل متى ومرقس ويوحنا في سنة 2000م، ثم طباعة العهد الجديد كله 2006م، طباعة سفر التكوين 2013م، ثم سفر المزامير 2013م، كانت بداية العمل في العهد القديم في 23 يناير 2008م، وكانت نهاية العهد القديم في 16 يونيو 2017م. ثم تمت إعادة تحرير الأناجيل الأربعة ديسمبر 2018 حتى يونيو 2019م). ثم توج العمل بطباعة الكتاب المقدس بكامل الخلفيات في يونيو 2021م.
مميزات الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة:
يتميز الكتاب المقدّس بخلفياته التوضيحيّة بأنَّه أول كتاب مقدّس دراسيّ مصريّ باللغة العربيّة، فهو عمل مصريّ رائد بامتياز، كما أنَّه كتاب مرجعي هام، وهو يلتزم بالمتن النصّ كما ترجمه فاندايك كما هو وبدقة الهامش.
الميزة الأولى: أول كتاب مقدّس دراسيّ مصريّ
يعتبر مشروع الخلفيات التوضيحية عملًا مصريّا رائدًا وبامتياز, وهو أهم المشروعات التي ارتبطت بالكتاب المقدّس بعد مشروع ترجمة الأناجيل الأربعة التي قام بها الأسعد أبو الفرج هبة الله ابن العسَّال (1253)، والتي تمَّ نقل كلمة الله إلى اللغة العربيّة بيد مصريّة، وقد قامت بعض المشاريع التفسيرية قام بها الكثير من أبناء الكنيسة مثل علم الرئاسة بن كاتب قيصر، وبطرس السدمنتي، وصولاً للأب متى المسكين وإبراهيم سعيد، وغبريال رزق الله، والأب تادرس يعقوب ملطي، والتفسير العربيّ المعاصر للكتاب المقدّس-والقائمة تطول-وكلها محاولات تفسيريّة ارتبطت بكلمة الله للفهم والشرح والتطبيق، لتعاون المؤمنين في حياتهم اليومية. ومع هؤلاء يقف يوسف ناثان بهذا العمل الموسوعيّ التاريخيّ المفصليّ في تاريخ الدراسات الكتابيّة بمصر. وفي هذا السياق يقول دكتور عاطف مهني: لذلك بارك الله دوره المحوري في انتاج الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة. والذي اعتبره عملاً مصريّا رائدًا لا يقل قيمة عن أفضل الكتب المقدّسة الدراسيّة الملحقة بأشهر الترجمات الأجنبيّة.
ويقول يوسف ناثان عن هذا العمل وما يتميز به: ما يميز الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة أنه أول كتاب مقدّس دراسيّ مصريّ، فهو إنتاج مصريّ أصيل غير مترجم، وهو أول كتاب دراسي مبني أساسًا على ترجمة ڤاندايك. كما أنَّه لم يتطرق الكتاب إلى التفسير (تُرك التفسير للكنائس). والكتاب في شموليته لم يترك آية تقريبًا دون تعليق (خلفيّة). وقد أهتم الكتاب باللغات الأصلية التي كُتب بها العهدين، وكيف تعامل ڤاندايك كمترجم مع هذه اللغات الأصلية. وفي عموميته هو كتاب الكنيسة المصريّة بكل طوائفها ومذاهبها. وتمت مراجعته من قبل متخصّصين. وفي اتساعه فهو يغطي العديد من الخلفيات: كالخلفيات اللغويّة، والتاريخيّة، والجغرافيّة، والقانونيّة، والدينيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والكتابيّة، وغيرها. وقد تمَّت مضاعفة تعليقات (خلفيات) الأناجيل الأربعة عما كانت عليه في العهد الجديد بالخلفيات التوضيحيّة (تزيد مرة ونصف تقريبًا عن التعليقات السابقة).
الميزة الثانية: كتاب مرجعيّ هام
وقد أشار إليه قداسة البابا تواضروس الثاني في افتتاحية مجلة الكرازة تحت عنوان “كتب مرجعيّة هامة” حيث اعتبره قداسته أنَّ “الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة” من المصادر المرجعيّة الهامة لدراسة الكلمة حيث استعرض قداسته ثلاثة إصدارات مرجعيّة صدرت خلال الأشهر القليلة الماضية عن هيئات مسئولة تشارك في النهضة التعليميّة الكنسية فيقول: “قد صدر عن دار الكتاب المقدّس بمصر في يوليو الجاري حاويًا النصّ العربيّ حسب ترجمة فان دايك الموجودة بين أيدينا وقد أستغرق إعداده أكثر من عشرين عامًا. وهو يحوي بجوار النصّ مجموعة من الخلفيات الاجتماعيّة، الثقافيّة، التجاريّة، الجغرافيّة، السياسيّة، اللغويّة، اللاهوتيّة، بالإضافة إلى ملحقات توضيحيّة وهي ليست شرحًا ولا تفسيرًا ولكنها وسائل معينة على فهم النصّ. (مجلّة الكرازة، السَّنة 49، العدد 27- 28، الجمعة 16 يوليو 2021، ص 3)
وقد قال الدكتور القسّ أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيليّة بمصر، ورئيس الهيئة القبطيّة للخدمات الاجتماعيّة عن هذا المشروع الآتي: إننا نفتخر بهذا العمل الدراسي العظيم، ونثمن الجهود الكبيرة التي تقوم بها دار الكتاب المقدّس في إثراء المكتبة العربيّة بمثل هذه الإصدارات القيمة، كما أننا نقدر الدور الهام الذي قام به الشيخ يوسف ناثان والعمل الجاد لعدة سنوات لإصدار هذا العمل التاريخيّ المتميز. ونصلى أن تستمر هذه المسيرة في نشر كلمة الله والعمل على إصدار كل ما يتعلق بدراستها، من أجل زيادة الوعي بالكتاب المقدّس ودراسته”. (الأحمدي، اليوم السابع، 26 يونيو 2021).
الميزة الثالثة: الالتزام بالمتن والدقة في الهامش
الخلفيات التوضيحية للكتاب المقدّس التزمت بنصّ ڤاندايك، وخدمت ترجمة ڤاندايك خدمة جليلة، وفي نفس الوقت دققت في الهامش لكي تكون معينة للقارئ العربيّ، وحول ما يميز هذا العمل الموسوعيّ يقول فادي عاطف: لهذا العمل الموسوعيّ الضخم ميزتان غير موجودتين في أي كتاب مقدّس دراسي آخر: أولاً، هو عمل خاص بترجمة ڤاندايك وليس بأي ترجمة أخرى. كافة الكتب الأخرى تتبنى ترجمات أخرى، ولكن أكثر ترجمة يستخدمها الجميع هي ترجمة ڤاندايك، وبالتالي جاء هذا العمل كسد احتياج حقيقي وعميق لكافة المتحدثين بالعربيّة. ثانيًا، هذا العمل هو الوحيد الذي يتتبع التحليل اللغويّ لأغلب مفردات الكتاب المقدّس في لغاته الأصلية العبريّة واليونانيّة. وهذا بجانب تقديمه لكافة الخلفيات الحضاريّة الأخرى التي تساعد القارئ على فهم النصّ بشكل سليم. لقد قرّر يوسف ناثان من البداية ألا يفسر النصّ، وبالتالي يستطيع القارئ أن يرى حيادية التعليقات والتي تبتعد عن كل ما هو لاهوتيّ، ولكنه يقدم للقارئ المعلومات اللازمة لفهم النصّ الكتابيّ في سياقه بشكل صحيح.
ويقول فادي عاطف عن هذا المشروع: ويعتبر الكتاب المقدّس بالخلفيّات التوضيحيّة هو انتاجه الأبرز عبر عقدين كاملين. وأثناء إعداد هذا العمل كان يوسف ناثان حريصًا أشد الحرص على تحري الدقة المتناهيّة في كل تعليقات الكتاب الهامشيّة، كما كان حريص على أن يستمع لآراء كافة الكنائس (الأرثوذكسيّة، الكاثوليكيّة والإنجيليّة).
الملمح الخامس: النصّ ورحلة الذهاب والعودة
من النصّ للواقع ومن الواقع للنصّ، نسميها برحلة الذهاب والعودة، ونقطة الانطلاق من النصّ الكتابيّ يقول فادي عاطف عنها: إنَّها أحد أهم سمات فكر وتعليم يوسف ناثان، هي أنَّه ينطلق من الكتاب المقدّس ليخاطب الواقع الإنسانيّ المعاصر. هذه سمة هامة لأنَّ عكسها خطير. يوسف ناثان لا ينطلق من الواقع ويحاول البحث عن آيات كتابيّة يلوي عنقها لتخاطب الواقع. وحينما ينطلق يوسف ناثان من أرضية الكتاب المقدّس فهو بذلك لا يفقد الرسالة الكتابيّة الحقيقية القادرة على تغيير النفوس.
خاتمة:
يوسف ناثان هو نموذج مُلّهم في حب الاستطلاع والشغف لدراسة كلمة الله مع المواصلة والمثابرة والجدية في الدراسة، جيلي والأجيال القادمة ممتنة له كثيرًا لما قدَّمه ويقدّمه من دراسات وقبل ذلك من حياة معاشة، وتشكر الله من أجله، ومن أجل عمل نعمة الله فيه، ومن خلاله. نصلي له مزيد من البركة ومزيد من الاستخدام، وننتظر منه مشروعات عملاقة أخرى تختص بدراسة كلمة الله وتقديمه بأسلوب معاصر وشيق، وبصفة خاصة ننتظر منه أن ما قدَّمه عن “بولس الرسول الذي لم نعرفه بعد” يخرج في كتاب، كذلك ما يقدمه عن “الرب يسوع الذي لم نعرفه بعد” ننتظره أيضًا في كتاب.
عندما ننظر للشيخ يوسف ناثان نتذكر كلام الرب يسوع المسيح حين قال: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلًا رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ.” (متى 13: 52).
رجع الكاتب إلى المصادر الآتية:
الأحمداوي، أحمد. مجهود 21 عامًا..كنائس مصر تتسلم إصدار الكتاب المقدّس بالخلفيات التوضيحيّة، متاح على موقع https://www.youm7.com وتمَّ الاطلاع عليه في 25 يوليو 2021م.
تواضروس الثَّاني (البابا البطريرك)، افتتاحيَّة مجلّة الكرازة: كتب مرجعيّة هامة (القاهرة: السَّنة 49، العدد 27- 28، الجمعة 16 يوليو 2021)، 3.
حوار مع الدكتور القسّ عاطف مهني، مدير كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، بتاريخ، 30 يوليو 2021م.
حوار مع الدكتور إيهاب نصر طناس، مدير المبيعات والعلاقات الكنسيّة، دار الكتاب المقدّس، بتاريخ 29 يوليو2021م.
حوار مع الدكتور رامز عطالله، المدير السابق لدار الكتاب، والمستشار الحالي له، بتاريخ 31 يوليو 2021.
حوار مع الدكتور فادي عاطف ميخائيل، معيد بقسم الدراسات الدينيّة-جامعة ماكماستر-كندا، باحث دكتوراه في دراسات العهد الجديد ويهوديّة الهيكل الثاني، بتاريخ 28 يوليو 2021م.
حوار مع الشيخ أمير إلهامي، شيخ الكنيسة الإنجيليّة بمصر الجديدة، والمدير الحالي لدار الكتاب المقدّس، بتاريخ 31 يوليو 2021م.
حوار مع الشيخ إيهاب ثروت، شيخ الكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا، بتاريخ 28 يوليو 2021م
حوار مع الشيخ يوسف ناثان، مدير قسم الدراسات والأبحاث بدار الكتاب المقدّس، بتاريخ 30، 31 يوليو 2021.
دراسات وعظات يوسف ناثان، على موقع الفيسبوك، https://www.facebook.com/Youssef.Nathan.Sermons
الموقع الرسمي للشيخ يوسف ناثان، https://youssefnathan.org/page/2
ناثان، الشيخ يوسف. نظرة عامة على الكتاب المقدّس (1) أهمية النظرة العامة، موقع دار الكتاب المقدّس https://www.youtube.com/watch
ناثان، الشيخ يوسف. نظرة عامة على الكتاب المقدّس (2) لماذا النظرة العامة على الكتاب المقدّس؟ موقع دار الكتاب المقدّس https://www.youtube.com/watch
ناثان، رامز، على صفحته الشخصيّة بالفيسبوك، في 20 يونيو 202م، https://www.facebook.com/ramez.nathan
ناثان، يوسف. يسوع الذي لم نعرفه بعد، محاضرة غيرة منشورة، قدمها في الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس- القاهرة في 23 يوليو 2021.
أسم الكاتب : ق. محسن نعيم
دراسة النصوص الرؤوية، طريق محفوف بالمخاطر؛ لغموض الأدب الرؤوي الذي يَذْخَر بالصور والتشبيهات الغريبة والمُحيِّرة، وبصفة خاصة للقارئ المعاصر. وما يزيد الأمر صعوبة هو سعي البعض لتفسير (لصق أو استقراء) هذه النصوص في ضوء الأحداث المتغيِّرة سياسية كانت أو علمية أو دينية، مما يُثير شكوك البسطاء في الإيمان، الذين لا يستطيعون أن يُميِّزوا بين النص الديني المقدس الثابت، وبين تفسير المفسرين؛ فيشكون في مصداقية النصوص المقدسة حين يَثبُت عدم صحة هذه التفسيرات. كما يُقصِرُ البعضُ رسالة النصوص الرؤوية في الأحداث الإسخاتولوجية (آخرية). وهو نوع من الانتقائية تُجرِّد تلك النصوص من رسالتها الدائمة والمتجدِّدة.
المعنى والمفهوم
الكلمة اليونانية Aποκαλυψις تعني رؤيا أو إعلان. وترد في مستهل سفر الرؤيا (رؤ 1: 1). وهي تعني كَشْفُ سِّرٍ لم يكن معروفًا. ويتم هذا الإعلان من كائن سماوي، وهو في سفر الرؤيا الإعلان الإلهي ليوحنا بواسطة يسوع المُمجَّد.
ويُعرِّفها كل من John J. Collins و Paul D. Hanson بأنها: نوع من الأدب الرؤوي في هيكل قصصي، فيه يُقدَّمُ الإعلان بواسطة كائن من عالم آخر إلى مُتلقٍ بشري، كاشفًا حقيقة سامية، ومُعلنًا عن الخلاص الأخروي (الإسخاتولوجي). ويُصوَّر أحيانًا المُتلقّي أنه أُخِذَ في رحلة سماوية، حيث العرش السماوي (2كو 12، رؤ 4-5). وفي رهبة ورعدة يصف لنا الرائي اختباراته الإلهامية. هذه (الرؤيا) تُعلِنُ لمُستقبلِها حقائق هامة، لها بُعدٌ زمني عن خلاص الله الإسخاتولوجي، وبُعدٌ مكاني قد يشمل الأرض والسماء أو أجزاء منهما. وينسب الباحثون كلمة ” رؤيا” لمجموعة من الكتابات الرؤوية التي ظهرت في فترة ما بين العهدين، واستمرت فترة تتراوح ما بين ثلاثة وأربعة قرون، 300 ق.م – 100م تقريبًا. معظم هذه الكتابات من أصل يهودي وبعضها مسيحي.
” الرائي” هو أحد ألقاب الأنبياء، فقد أُعطِىَ صموئيل (1صم 9: 9- 10، 2صم 24: 11). والاسم مُشتّقٌ من الفعل العبري “رأى” أي أنه لديه “رؤيا ثاقبة أو بصيرة فائقة “. فالرائي يرى ما لا يراه الناس، إذ يرى رؤى وحقائق سماوية، ويتحدث بما رآه عن الله. هذه الرؤيا غير العادية يتمتع بها أُناسُ الله، وسِرُ تميُّزهم ليس ذاتيًا بل يَرجِعُ إلى تأثيرٍ فوق عادي، على قوة إبصار النبي، بحيث يرى الأشياء أمامه بدلًا من أن يسمعها فقط، ومن خلال الرؤيا تتغلغل الرسالةُ الإلهية في أعماق وعيه.
الكلمة العبرية الثانية هي “حزون” وتعني إعطاء الله للنبي كلمته المقدسة، فموضوع الرؤيا ليس شيئًا يُرى لكنه كلمة الله نفسها، مثال (إش 1: 1).
وبذلك تكون الكتابات الرؤوية أعمال أدبية، أو أسلوب للكتابة وطريقة خاصة لتوصيل وصياغة الرسالة، وليست وصفًا لرؤيا رآها أو شيء حدث. فالنبي يقول: “َكَانَتْ إِلَيَّ كَلِمَةُ الرَّبِّ قَائِلاً” بينما الرائي يقول: “رَأَيْتُ”. ويكتب الرائي رسالته بهذه الطريقة لظروف خاصة يعيشها متلقو رسالته.
خلفية ومصادر الكتابات الرؤوية
نشأت تلك الكتابات في أوضاع اجتماعية-سياسية، متأزمة. فبعد العودة من السبي ظل اليهود متمسكين بعبادتهم لله، إلا أنه مع تنامي القوة والثقافة اليونانيتين، ومع بداية حكم السلوقيين المتشدِّد ضد الديانة اليهودية، أصبح التمسُّك بالإيمان تحديًا صعبًا. هنا برزت فئاتٌ قليلة مثل الإيسنيين والحسيديم، رأوا في أنفسهم مقياسًا أسمى من القداسة جعلهم يعتزلون عن العالم، واعتبروا أنفسهم ” جماعة العهد”. يذكر يوسيفيوس أنهم كانوا نحو أربعة آلاف شخصًا. وتُعَّدُ مخطوطات قمران المُكتشفة سنة 1974 ق. م، هي أهم المصادر عن هذه الجماعات.
ومع ازدياد الاضطهاد الديني أيام أنتيوخس أبيفانس في القرن الثاني قبل الميلاد، ازدادت خيالاتُ أصحاب الرؤى، إذ وجدوا في الله ملجًأ لهم، وكانوا يأمَلون في سرعة مجيء المسيا ليخلِّصهم. فالرؤى تحملُ رسالةَ طمأنةٍ وتعزيةٍ للمتألمين في أزمنة الضيق، وتشجيع للمتشككين على التمسُّك بالإيمان. فالله سيتدخل حتمًا في الوقت المناسب، بصورة حاسمة وشاملة، ويُخلِّص شعبه من خلال المسيا الذي يُؤسِّس ملكوتَ الله. ويعلِّق Paul Barnet : ” ينشأ الأدب الرؤوي عادةً عندما تبدو الأشياءُ المُظلمة والشريرة لها اليد العليا. فنجد شعبَ الله يعاني والظلم يسود. تشير كل المؤشرات أن الشعب في الجانب الخاسر. ومع هذا تخبرهم النصوص الرؤيوية أنهم في الجانب الرابح وأن الله سينتصر في النهاية “.
– يُرجِعُ كلٌّ من John J. Collins و Paul D. Hanson أصل الكتابات الرؤوية إلى نحو القرن السادس قبل الميلاد، في نبوات إشعياء وزكريا (إش 24- 27، 56- 66، زك 9-14). هذه النصوص يسميها الدارسون ” الرؤوية المبكرة Pre- Apocalyptic “
أسس الكتابات الرؤوية
نشأت الكتابات الرؤوية في أزمنة ضيق، وفي إطار مشكلة تاريخية لاهوتية تحتوي ثلاثة عناصر.
1) ظهور ” الْبَقِيَّةِ الْبَارَّةُ ”
في زمن انحرفت فيه الأمةُ عن الله، تنبأ إشعياء عن ” الْبَقِيَّةِ الْبَارَّةُ ” (إش 26: 2، 37: 4، 32). وفي عصر أنتيوخس أبيفانس المعادي لليهود، اعتبرت جماعات الحسديم والفريسيين أنهم ” الْبَقِيَّةِ الْبَارَّةُ “. وأنتجوا كتاباتٍ رؤوية، كانت بمثابة احتجاج على الأوضاع السائدة. وقد تبنى المسيحيون في القرن الأول نفس التوجُّه الفكري.
2) مشكلة الشر والألم
لقد وعد الأنبياء أن البقية البارة، أي إسرائيل، ستعودُ لميراث الملكوت. وآنذاك كانت إسرائيل قد عادت للأرض وكانوا أمناء للناموس. واستقرت الأوضاع عن طريق الأنبياء، لكن الملكوت لم يأت، بل بالعكس حاول أنتيوخس أبيفانس تحطيم الإيمان اليهودي، موقِعًا عذابات واغتيالات على الأمناء. هذا ما أثار مُعضلة الشر، وبدأوا يُراجعون أنفسهم في عقيدتهم أن الله يعاقب المُسيء والشرير ويكافئ الأبرار. وصارعوا في التفكير عن سر الألم والشر الذي تعيشه البقيةُ البارة.
3) صَمْتُ الوحي
خلال تلك الفترات التي تفشّى فيها الشر، لم يتكلّم اللهُ ليوضِّحَ لغز التاريخ. فصوتُ النبوة قد اختفى. وصرخ باروخ في ألم: ” لقد رقد الأنبياء ” (باروخ 3: 85). وكان لا بد من ظهور ما يملأ هذا الفراغ، فظهر الرؤويون في هذا الوسط ليقدِّموا شرحًا لآلام الأبرار، وتأخُّر ملكوت الله. بالطبع لم يكونوا في عظمة الأنبياء لكنهم أثّروا في الناس بإيمانهم وتمسُّكهم بالله إلى النهاية في زمن صعب وظروف ضاغطة. فقد كانوا بحق أبطالًا وثقوا في الله وفي البقية البارة.
ويَخْلُصُ فهيم عزيز بالقول: “إنّ هذه الكتابات الرؤوية ترجع في أساسها إلى النبوة ، وقد ظهرت لكي تملأ الفراغ الذي حدث باختفاء الأنبياء. قطعًا تختلف عن النبوّة، لكنها ليست غريبة عنها ولا نبتت في تربة غريبة عن تربتها. فالكتاباتُ الرؤوية التي ظهرت في فترة ما بين العهدين ليست وحيًا إلهيًا، بل هي نوعٌ من الأدب الرؤوي الذي به عبّر الرؤويون عن آلامهم وآمالهم “. فهي ليست كالأجزاء الرؤوية الموحى بها في الأسفار القانونية.
لماذا الأدب الرؤوي؟
الأوضاع الصعبة التي سادت تلك القرون، من صَمْتِ الوحي واستعمارٍ واضطهادٍ قومي وديني، حَتَّمت الكتابةُ بأسلوب رؤوي رمزي، فيه الكثيرُ من الألغاز الغامضة للذين هم من خارج دائرة الإيمان، لكنه معروفٌ للمؤمنين المُرسل إليهم. فسفر الرؤيا مثلًا مملوءٌ بالرموز الغريبة، يحوي أكثر من 300 رمز. فنقرأ عن “بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّور “، وعن “حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا” (4: 6) و”خَرُوفٌ لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ” (5: 6)، وعن “جَرَادِ شِبْهُ خَيْل مُهَيَّأَةٍ لِلْحَرْبِ، وَعَلَى رُؤُوسِهَا كَأَكَالِيلَ شِبْهِ الذَّهَبِ، وَوُجُوهُهَا كَوُجُوهِ النَّاسِ” (9: 5- 7)، و”امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا” (12: 1) و”وَحْش لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ” (13: 1) .. إلخ.
لم يكن قصد يوحنا أن يكتب لُغزًا مُحيِّرًا للكنائس السبع آنذاك، ولنا الآن. فما فائدة ألغاز مُحيِّرة يُقدِّمها اللهُ لشعبه المضطهد المتألم آنذاك وعبر الزمن؟! فسفر الرؤيا ليس كتابًا مختومًا مُغلقًا أو ألغازًا مُحيِّرة ، بل هو كتابٌ مكشوفٌ وواضح، هو :” إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ” (1: 1).
كتب يوحنا بالرموز لأنه إذ كان منفيًا في بَطْمُسَ، بالتأكيد كانت عليه رقابة مُشدّدة. وكل كلمة يكتبها ويُرسِلها إلى شعبه لابد أن تُقرأ من الرقابة، لذلك كتب لشعبه بالشفرة. فالضيق يُنتج اللغة الرمزية، وأي جماعة مضطهدة في أي مكان في العالم يتكلمون بالشفرة حتى يستطيعوا أن يمارسوا معتقداتهم ويحققوا أهدافهم بعيدًا عن قهر الأغلبية.
لذلك نجد يوحنا يكتب إلى ملاك كنيسة برغامس: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، وَأَيْنَ تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَان … الَّتِي فِيهَا كَانَ أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي الأَمِينُ الَّذِي قُتِلَ عِنْدَكُمْ حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ” (2: 13). فلا يستطيع أن يقول “مركز عبادة الإمبراطور” بل ” كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ”. وبدلًا من أن يقول “روما الزانية” يقول “بابل الزانية”. وهذه اللغة كانت مفهومة عند القراء المسيحيين آنذاك. لذلك كان سفر الرؤيا “مختومًا” على الحراس الذين كانوا يُحيطون بيوحنا ويراقبونه في بَطْمُسَ، وعلى غير المؤمنين بالمسيح، لكنه سفرٌ مفتوحٌ ومُعْلَنٌ للكنيسة.
في كل عصور الضيق المعنية بالكتابات الرؤوية، أثيرت أسئلة باطنية في أذهان المؤمنين عن سلطان الله والألم، هل من نهاية للظلم؟ لماذا صَمَتَ الوحي؟ لذلك كانت الرسالة المحورية للكتابات الرؤوية هي رسالة رجاء في سلطان الله وربوبيته، وخلاصه العتيد.
مبادئ فهم النصوص الرؤوية
لكي نفهم النصوص الرؤوية، لابد لنا أن نعرف أهم سماتها الأدبية والدينية.
1) الاستعارة والانتحال
تكلّم الأنبياءُ باسم الربِّ مباشرةً للشعب، لكن الناس في فترة ما بين العهدين كانوا يُدركون أن النبوة قد انقطعت، واكتملت الكتب القانونية بسفر ملاخي. لذلك أخفى الكُتّاب الرؤويون أسماءهم وانتحلوا أسماءً عظيمةً قديمة، بعدما كتبوا رؤى تناسب ذلك الشخص المُستعار وظروف عصره. وقد نُسبت هذه الكتاباتُ إلى حوالي عشرين اسمًا مثل سفر أخنوخ الذي يُنسب إلى أخنوخ السابع من آدم.
كان للكُتَّاب الرؤويين سببين لاستعارة أسماء الأنبياء العظام، الأول هو إضفاء مصداقية وشرعية لكتاباتهم. والثاني هو حماية الكاتب والمُتَّلقي من الضيق والاضطهاد. ويسمّي أدولف بول هذه الظاهرة “الشخصية الممتدة”، فالشخص المؤثر يبقى حاضرًا بعد موته في أعمال تلاميذه وأتباعه.
2) الرمزية
تَذْخَر الكتاباتُ الرؤوية بالكائناتِ الأسطورية والصور والألغاز. وفي معظم الأحيان تكون غامضة مُقفلة على القارئ المعاصر. على عكس الحال مع القارئ الأصلي، الذي كان يعرف مفتاحها ويفك رموزها. ولعل بعض الدوائر اليهودية كانت تعرف هذه الرموز وتحتفظ لنفسها بمعناها، ومع ذلك فقد يعني الرمز شيئين مختلفين طبقًا للموقف من ناحية، وتطوّر معنى الرمز من الناحية الأخرى. ومن الرموز الهامة في الكتب الرؤوية الأعداد مثل 3، 7، 10، 12 والعدد 70 مشهور في الكتب الرؤوية اليهودية، بينما العدد 7 مشهور في الكتب الرؤوية المسيحية ولا سيما في سفر الرؤيا .
3) الإعلانات
تحتوي الكتاباتُ الرؤوية على إعلاناتٍ سماويةٍ خاصةٍ جاءت لأبطالها. وتَخْتّصُ هذه الإعلانات عادةً لا بعصر البطل نفسه (المُستعار اسمه)، بل بعصر الكاتب المجهول (أي فترة ما بين العهدين). وتُركِّز غالبيةُ الإعلانات على الخلاص الإسخاتولوجي أو الوقت الذي سيُنهي فيه اللهُ التاريخَ وتتحقق النصرة النهائية للحق؛ فتأتي الخليقةُ الجديدة (رؤ 21- 22).
4) الثنائية
تُعتبر “الثنائية ” فكرة محورية في الكتابات الرؤوية.
أ. الثنائية الكونية: “لم يخلق اللهُ عالمًا واحدًا فقط، بل عالمين” (2عزرا 7: 50). هذا الدهر “العالم” الحاضر “الشرير” المملوء بالألم والحزن للأمناء. الذي سيُنهي هذا العالم الشرير، ويخلق عالمًا جديدًا. ونجد جذور هذه الثنائية في أسفار الأنبياء (إش 65: 17، 66: 22). وقد تأثرت أيضًا بالثنائية الفارسية.
ب. الثنائية الإيمانية
– التشاؤم: العالم فاسد كليًا وغير قابل للإصلاح.
– اليقين: الله ينتصر في النهاية، يخلق عالمًا جديدًا يسكن فيه البر.
فالكُتّاب الرؤويون يُركِّزون رسالتهم -غالبًا- على الإسخاتولوجي، وفي هذا يختلفون عن الأنبياء الذين قدموا رسالةً شاملةً لكل مناحي الحياة، وطوائف الشعب، كما شملت أيضًا الماضي والحاضر والمستقبل. وكانت المساحةُ الأكبر من رسالتهم هي لحاضرهم، كما حاول الأنبياءُ دراسة التاريخ وإعلان الله فيه. ولم تَكْن رسالتُهم استقراءً مسبقًا للتاريخ، أو تأريخًا للأحداث بعد حدوثها، بل التركيز على مغزى التاريخ وكيفية إعلان الله لذاته فيه.
أهم المبادئ لفهم النصوص الرؤوية
أ. المبادئ العامة
تشترك النصوص الرؤوية مع بقية أنواع النصوص، في المبادئ العامة، كدراسة الخلفية التاريخية والحضارية (هناك وآنذاك) والمعنى الأساسي الذي قَصَدَهُ الكاتبُ وفَهِمه المُرسَل إليهم والسامعون آنذاك. والقرينة الكتابية، والتفسير اللغوي (تركيب الجُمل، معاني الكلمات، اللغات الأصلية، الترجمات).
ب. مراعاة اللغة المجازية، وعدم تفسيرها حرفيًا.
وألتقط مثالين، الأول: “فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا.. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ” (إش 11: 6، 8). «لأَنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، فَلاَ تُذْكَرُ الأُولَى وَلاَ تَخْطُرُ عَلَى بَال.. لاَ يَكُونُ بَعْدُ هُنَاكَ طِفْلُ أَيَّامٍ، وَلاَ شَيْخٌ لَمْ يُكْمِلْ أَيَّامَهُ. لأَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَالْخَاطِئُ يُلْعَنُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ” (65: 17، 20). هذه النبوة تحققت بصورة روحية، فحين أرسل المسيح تلاميذه، قال لهم: “اِذْهَبُوا! هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ” (لو 10: 3). فالمؤمنون حملان يعيشون وسط الأشرار الذئاب، بل وتستطيع الحملان بواسطة قوة إنجيل المسيح أن تُحوِّل الذئاب إلى حملان. ألم يُغيِّر المسيحُ الطبائعَ الشرسة إلى طبائع وديعة هادئة، وبولس نفسه خير دليل على ذلك (أع 9) (غل 1: 13). وقد وصَفَ نَفسَه قبل الإيمان قائلا:” كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ” (1 تي 1: 12-14). فقد تحوَّل إلى خادم للإنجيل، كالحمل الوديع الذي صَارَعَ وحوشًا في أفسس، وكان مستعدًا أن يُضطَّهد من أجل المسيح.
المثال الثاني: الأَلْفُ سَّنَةِ (رؤ 20) ليست فترة حرفية مُحدَّدة. فالرقم 1000 رمز الكثرة العددية، وهو أكبر الأرقام التي كانت معروفة. فحين يتحدث الكتابُ المقدس عن اختلاف مقاييس الله للزمن عن مقاييسنا البشرية يقول: “لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ” (مز 90: 4)(2 بط 3 : 8).
وهناك العديد من الشواهد الكتابية التي تؤيد حقيقة أن الرقم 1000 يعني لا نهائي (تث 1: 10- 11، 1أخ 16: 15).
فالألف سنة في (رؤ 20) ليست حرفية، لكنها فترة زمنية طويلة لا نعرف نهايتها، الله وحده يعرف الأزمنة والأوقات. هي الفترة الممتدة ما بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني (الأيام الأخيرة) فترة ملكوت المسيح الروحي الممتد بلا حدود قومية أو جغرافية.
جـ. الرسالة الروحية المتجدِّدة
لكي نفهم رسالةَ الله المتجدِّدة نحتاجُ أن نَرْبِطَ بين المعنى الأصلي الذي قصده الكاتبُ وفَهمِه مُعاصروه، وبين رسالتها المعاصرة لنا نحن هنا والآن. هنا يُعلٍّق مارتن هايزمان: إن سفر الرؤيا هو سفرٌ يتحققُ مراتٍ ومراتٍ ومزيدًا ومزيدًا من التحقُّق. يَضعُ سفرُ الرؤيا اللحظة الحالية في ضوء الحقائق غير المرئية لمُلك الله. يُساعدنا أن نرى عالَمنا وزمنَنا من منظور الله.
فالكتاباتُ الرؤوية تتضمن رسالةً روحيةً وأخلاقيةً متجددِّة، لأن رسالةَ الرجاء التي تَذْخَرُ بها هي رسالةٌ تشجِّع كُلَّ مُحبّط ومُعيي في وسط عالمٍ مُتأزم. ويؤكِّد مولتمان إن الرجاء قوةُ لتغيير العالم، فهو يُشكِّل جماعة الإيمان التي تحيا بقيم السماء. ويقول: إننا لدينا قوة سماوية تجعلنا نُفكِّرُ بطريقةٍ مختلفة، لذلك فإن عيوننا تترجى وَجه رَبِنا يسوعَ المسيح ليُعلَنَ لنا، وليُسَمع صوتُه في كل الأرض من خلالنا، ونفهم ونُميِّز صوته لنا في هذه الأيام.
أشهر النصوص الرؤوية في الكتاب المقدس، أجزاء كبيرة من أسفار حزقيال ودانيآل وزكريا، ومتى 24، مرقس 13، سفر الرؤيا.
سفر الرؤيا والكتابات الرؤوية
يتفق سفر الرؤيا مع الكتابات الرؤوية في بعض السمات، ويختلف في البعض الآخر. فهو رؤيا أو إعلان Aποκαλυψις (1: 1). فيه ملامح وأسلوب الكتابة الرؤوية، ورسالتها. ويتحدَّثُ عن تدخُّل الله الحاسم لإنهاء معاناة شعبه، وتمجيدهم، ودينونة قوى الشر، وخَلْقِ سماء جديدة وأرض جديدة.
يحوي السفر أيضًا قوالب أدبية أخرى، فهو “نبوة” (1: 3، 22: 7، 10، 18، 19). وكسائر الأنبياء قَدّم يوحنا رسالة من الله لمعاصريه في القرن الأول، تتناسب واحتياجهم، وفي ذات الوقت تَحْمِلُ بُعدًا نبويًا ورسالةً روحيةً مُتجدِّدة لكل العصور.
القالب الثالث هو “الرسالة”. فالسفر رسالة كُتِبَت لكنائس آسيا الصغرى (رؤ 2، 3)، لتشجيعهم، وحثهم على التمسُّك بإيمانهم رغم المحن، وحياة القداسة في عالم فاسد. فهو سفرٌ رعويٌ، فيه رسائل رعوية من يوحنا كراعٍ للكنائس السبع. وهو سِفْرٌ لكلِّ الكنائس عبر الزمن، فالكنائسُ السَّبْعُ تُقدِّم صورةً مركَّبةً للكنيسة في كُلِّ التاريخ. والقالب الرابع هو السرد القصصي، إذ يصف الصورَ والأحداثَ كأنها قصة.
– الرسالة المحورية في السفر هي ” إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (1: 1). فهو شهادةٌ للحق الأعظم – يَسُوعُ رَبٌّ! هو الأَوَّلُ وَالآخِرُ، هو الخَرُوفُ المذبوح الذي مات وقام وافتدى شعبه، ولهذا هو وَحدَه المُستَحِقُ العبادة. هو الأسدُ الغالبُ المنتصر، والضامن لنُصرة الكنيسة. هو الجالس على العرش الذي يَحْكمُ التاريخَ لخير كنيسته. ومهما اشتدت الحربُّ إلا أن نصرته مضمونة. والآية المفتاحية:” هؤُلاَءِ سَيُحَارِبُونَ الْخَرُوفَ، وَالْخَرُوفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ» (17: 14).
التفسير المتكامل
تقوم مدرسةُ التفسير المتكامل على حقيقةِ أن سفرَ الرؤيا هو لكُلِّ الأجيال. فرسالتُه ليست قاصرةً على القرن الأول فقط، وليس هو سفرًا تاريخيًا يَخصُّ المستقبل البعيد (الإسخاتولوجي) فقط. أيضًا هو ليس تأريخًا للأحداث، فهو لا يُقدِّم جدولًا زمنيًا لمراحل التاريخ، ما بين القرن الأول ومجيء المسيح ثانية. فالسفر هو لكُلِّ العصور، يَحمِلُ رسالةً لمعاصري يوحنا وتصلح للتطبيق في كُلِّ الأجيال رغم تَغيُّر النسق الحضاري.
يحتوي السفرُ سبعةَ أقسامٍ تسيرُ متوازية، كُلُّ قِسم يَمْتَدَ ما بين المجيء الأول والثاني للمسيح والأبدية، فهو ينظرُ إلى نفس الفترة بعدةِ وُجوهٍ. فالسفرُ مترابطٌ يُقدِّم بصورٍ مختلفةٍ فلسفةَ الله وسيادتَه على التاريخ. فالكاتب يبدأ في كل قِسم القصةَ بمجيء المسيح الأول بالجسد، ثم آلامه موته وقيامته، وصراع الكنيسة مع إبليس حيث يتصاعد هذا الصراع تدريجيًا، وتنتهي القصة بمجيء الرب للدينونة. ويُكرِّر نفس القصة بصُور مختلفة. وهذه الصورة تتصاعد فيها الأحداث من واحدة إلى أُخرى حتى تصل إلى الذروة في الأصحاح العشرين. فالبرغم من توازي الأقسام لكن فيها درجة من التقدُّم، فكُلَّما اقتربنا إلى نهاية السفر زاد وضوح الدينونة الأخيرة وما بعدها. فأقسامُ السفر مُرتَّبة تصاعديًا نحو القمة، مع تقدُّمٍ في التركيز على الآخريات.
الحقيقة الواضحة إذًا هي أن النضالَ والصراع بين الله والشيطان، بين الإيمان وقوى الارتداد، بين الخير والشر، بين النور والظلمة باق، بل وسيتصَاعَدُ هذا الصراع إلى أن يأتي اليوم الذي فيه تُكمِلُ الكنيسةُ جهادها، ويتم نصرُها بمجيء المسيح الثاني.
سفر الرؤيا وكورونا
تزامنت الدراساتُ والتحذيرات أن فيروس كورونا يمكن أن ينتقل بالأوراقِ المالية، تزامنت مع خبرٍ تناقلته وسائلُ الإعلام عن شريحةٍ دقيقة جدًا، قُطرها 5 ميكرومليمترات، تُزْرَعُ تحت جلد الإنسان على اليد اليمنى أو الجبهة. الغَرضُ منه أن الإنسان لا يستعمل الأوراق المالية، فَتَقِلُ فرصُ انتشار العدوى بكورونا. إلى هنا والكلامُ مُشجِّعٌ من الناحية العلمية والإنسانية، أين المشكلة إذًا؟
تكمن المشكلة في رَبْطِ البعض بين هذه الشريحة و ” سِمَةُ الْوَحْشِ ” (رؤ 13)، واقتطعوا الآية السابعة عشر من قرينتها ” وَأَنْ لاَ يَقْدِرَ أَحَدٌ أَنْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَبِيعَ، إِّلاَّ مَنْ لَهُ السِّمَةُ أَوِ اسْمُ الْوَحْشِ أَوْ عَدَدُ اسْمِهِ” (رؤ 13: 17). وقالوا: إن فيروس كورونا المستجد يُجهِّز المسرح َالعالمي لظهور الوَحْش.
القسم الرابع من السفر (رؤ 12- 14) كبقية الأقسام، يَمْتَدُ ما بين المجيء الأول للمسيح بالجسد (رؤ 12: 1- 3) إلى المجيء الثاني والدينونة الأخيرة (رؤ 14: 14- 20). والموضوعُ الرئيسي لهذا القسم هو الصراعُ ضد المسيح وكنيسته. ويصوِّر معركةً شديدةَ الضراوة بين المسيحِ وكنيسته، وبين أربعة أعداء، هم: التنين (رؤ 12)، والوحش الصاعد من البحر، والوحش الصاعد من الأرض (رؤ 13)، وبابل الزانية (رؤ 14). التنين هو: “فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ” (رؤ 12: 9). وحرب التنين ستستمر بلا هوادة مع المسيح وكنيسته. لكن الأصحاح يَزْخَرُ بالتأكيد على النصرة للمسيح وكنيسته. ويستخدم التنينُ معاونيه الثلاثة في حربه المتنوعة الصور ضد المسيح وكنيسته.
الوحش الصاعد من البحر (13: 1- 10). أوصافه تُظهِرُ طبيعتَه (العنف والاضطهاد). فهو مُرعِبٌ، يُمثِّل القوةَ الأولى للشيطان في اضطهاد كنيسة المسيح بشتى صور العنف. صورته تُشبِه الوحوشَ الصاعدة من البحر (دا 7). أربعة وحوش كلٌّ منها يُمثِّل امبراطورية حَكَمت العالمَ لفترةٍ من التاريخ، بابل= الأسد/ مادي= الدُب/ فارس= النمر/ الرابع هو مملكة الاسكندر الأكبر. لكنها لم تستطع جميعًا أن تقف أمام الشبيه بابن الإنسان. ويوحنا الرائي يقتبس الصورة من (دا 7) ليصف قسوةَ وعنفَ الوحش الصاعد من البحر ضد الكنيسة. هذا الوحش يُمثِّلُ السلطاتِ الحكومية العنيفة غير العادلة، والمنظمات الإرهابية المضادة للمسيح والكنيسة عبر الزمن.
الوحش الصاعد من الأرض (13: 11- 18)
يصف يوحنا طبيعته وهدفه ” وَيَصْنَعُ آيَاتٍ عَظِيمَةً، حَتَّى إِنَّهُ يَجْعَلُ نَارًا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ قُدَّامَ النَّاسِ، 14وَيُضِلُّ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ بِالآيَاتِ الَّتِي أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَهَا أَمَامَ الْوَحْشِ، قَائِلًا لِلسَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَصْنَعُوا صُورَةً لِلْوَحْشِ الَّذِي كَانَ بِهِ جُرْحُ السَّيْفِ وَعَاشَ ” (ع13- 14). فهو المُخادِعُ المُضل. وأوصافُه تُظهِر خِداعَه:” لَهُ قَرْنَانِ شِبْهُ خَرُوفٍ ” (ع11). كأنه يُقلِّد الخَرُوفَ الحقيقي (المسيح) ويتهكّم منه. ” يَتَكَلَّمُ كَتِنِّينٍ ” (ع11) أي بسلطان التنين، بطريقته المخادعة. ” وَيَعْمَلُ بِكُلِّ سُلْطَانِ الْوَحْشِ الأَوَّلِ أَمَامَهُ ” (ع12). أي لديه تحالف مع القوى العنيفة ضد المسيح والكنيسة.
تكمن المشكلة كما أشرت، في محاولة البعض، الربط بين هذا الوحش والشريحة المذكورة.
تفنيد الفكرة: 1) الكلمة اليونانية χαραγμα المترجمة ” سِّمَةُ ” تعني علامة ظاهرة. وبدراسة الخلفية التاريخية، كانت السمة علامة ظاهرة على الجبهة أو اليد المينى، تعني المِلكية. كان كُلُّ سَيّد يضعُ سّمَةً تُميِّزُ عبيدَه.
ترى مدرسةُ التفسير المتكامل أن الوَحْشَ، إِنْسَانٌ ” هُنَا الْحِكْمَةُ! مَنْ لَهُ فَهْمٌ فَلْيَحْسُبْ عَدَدَ الْوَحْشِ، فَإِنَّهُ عَدَدُ إِنْسَانٍ، وَعَدَدُهُ: سِتُّمِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ ” (رؤ13: 18). وليس شريحة. وحيث إن الرقم (7) في الكتاب المقدس، هو عددُ الكمال. يكون الرقم (6) يشير إلى الفشل في الوصول إلى الكمال، أو يشير إلى النُقصان. وبذلك يكون الرقم (666) يُشير إلى فشل الوَحْشَين، بل والتِّنِين، في السيطرة على الكنيسة وغلبتها. فالرقم (666) يعني الفشل المُرَكَّب، فأي قوة يقودها إبليس (التنين)، ويشار إليها بالوحشين وبابل الزانية، وتَعْمَلُ ضد الله وملكوته، مآلُها الفشل ثم الفشل ثم الفشل. فالمسيحُ هو صاحبُ السلطان، له الغلبةُ النهائية (رؤ 17: 14). كما يُؤكِّدُ نصرةَ المسيح على الوحشين (رؤ 19: 19- 21). وتقييد المسيح للشيطان (رؤ 20: 1- 3). وقد تم هذا بتجسُّد المسيح (رؤ 12: 9).
مُقيَّد لكن غير مُقضَى عليه: لعل السبب الرئيسي في انتشار الشر في العالم، ومحاولات إبليس أن يشن حربَّ استنزاف خاسرة ضد الكنيسة، يرجع هذا السبب إلى أن المسيحَ لم يَقْض تمامًا على الشيطان. إن الشيطان يحاولُ يائسًا أن يُضِّلَ ولو أمكن المختارين أيضًا، لكنه لا يستطيع أن يُهلِكَ الكنيسة كتنظيم مُرسلي قوي ينادي بالإنجيل لكل الأمم حتى تتم الألف السنة.
لقد حاول الشيطانُ قتل يسوع من خلال الطاغية هيرودس، لكن هيرودس مات ونجى يسوع، لتستمر خطة الله للخلاص. وحاول أن يُبِيدَ الكنيسةَ في القرن الأول من خلال الإمبراطور الشرس دومتيان، لكنه فشل. لقد عاشت الكنيسة ومازالت في صراعٍ عبر الزمن مع إبليس وجنوده، لكن صَمْدَت وتقدّمت وستستمر منتصرة لأن الشيطان مُقيِّد.
وفي الأصحاحين الأخيرين من السفر (رؤ 21، 22)، يُقدِّم لنا صورةً مجيدة للحالة الأبدية للكنيسة في السماء، والأمر المُبهر أننا لا تجد أي ذكر لأعداء المسيح والكنيسة. فالسماءُ حالةٌ مجيدةٌ حيث يسودُ اللهُ بالحبِّ مع أُناسٍ اختاروه بحريتهم ربًّا وملكًا.
خاتمة: يجب أن لا ننجرف ونلهث في البحث عن أحداثٍ نُسقِطُها على السفر، ونَحْسِبَ الأزمنة. بل لنَعش حياتَنَا الحاضرة وقلوبُنا مشتاقة إلى الأبدية، وعيونُنا شاخصة إلى السماء، ونكون في استعداد دائم لمجيء المسيح الحتمي والمفاجيء. فننتظره لا بروحِ اليأس والأنين، بل بشغفٍ ولسانِ حالنا: “يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا:«نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا». آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوع” (رؤ 22: 20).
أسم الكاتب : جيهان عيد وبيتر وديع
حلمي النمنم لـ”النسور”: الغيبيات سلوك إنساني موجود في كل مكان
“عقلية الندابة العربية” إحدى الأدوات الرئيسة في انتشار الفكر الغيبي بمجتمعاتنا
انتشار الفكر الغيبي يزداد في فترات التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي
النص الديني مقدس لكن التفسير البشري محدود
يختلف مفهوم الفكر الغيبي بحسب كل شخص؛ فقد يكون عند البعض رمزًا للفكر الديني عمومًا، وعند البعض الآخر غياب العقلانية في التفكير، وعند البعض الآخر قد يرمز إلى نوع مِن فهم الدين وليس الدين ذاته؛ فمثلًا عندما ظهر كوفيد -19، فوجئنا بالتفسير السائد أنه غضب مِن الله -سبحانه تعالى- وانتقام مِن الكفّار، ثمّ تبيّن أنه أكثر انتشارًا في إيران المُسلمة مثلًا، ثمّ اتضح أن عددًا مِن رجال الدين أصيب به أيضًا، وتعرض له بابا الفاتيكان نفسه. مما جعل الناس بشكل تلقائي تُعيد النظر في هذا التفكير حتى تراجع هذا التفسير.
بالنسبة للمجتمع المصري عندما نقول التفكير الغيبي فإننا نقصد نمط التفكير الذي يرفض التعامل مع مشكلات الواقع الاجتماعي وفقًا لأسبابها ومسبباتها العملية وينسبها إلى ظواهر خارقة. لذلك أنا أعتبر إن مَن يروجون إلى هذا النمط مِن التفكير هم “أعوان الفساد الحقيقي في مصر”؛ لأنهم يقاومن التغيير والإصلاح.
أما بالنسبة للتفكير الديني، فالتفكير الديني دائمًا موجود، وكان قائمًا طوال التاريخ في مختلف المجتمعات، وسيظل موجودًا ودورنا أن نحوله إلى تفكير ديني مستنير، لأنَّ الأديان هدفها الأساسي هو الإنسان كفرد وكمجتمع.
تتحول الميتافيزيقا الآن إلى علم؛ إذ حاول الفيلسوف الألماني العظيم إيمانويل كانط جعلَ الميتافيزيقا علمًا، ومن حسن الحظ أن هذا الكتاب تُرجِم إلى العربية وكان يُدرَّس في أقسام الفلسفة، واهتم به الدكتور عبد الرحمان بدوي وتلاميذه. ويوجد الآن في الغرب اتجاهٌ أن تكون الميتافيزيقا علمًا بالرغم مِن أنه يوجد بالضرورة جزءٌ منها مُتعلقٌ بالروح، وهذا جزء خاص جدًّا بكل إنسان وثقافة كل مجتمع، لكن يوجد جزء آخر يتحول إلى علم يخضع للمنهجيات العلمية.
إذًا فالميتافيزيقا شيءٌ والغيبيات شيءٌ آخر، فمثلًا عندما يُقال “الشافي هو الله”، ونعمَ بالله، ولكن لا بد عندما تمرض أن تذهب إلى الطبيب. مثلًا وأنا طفل كُنت أسمع أصوات عند الجيران ليلًا، فكانوا يقولون لي إن البيت ملبوس. وكانت لي إحدى الجيران تعاني من رعشة في جسمها نتيجة التئام جرح دون تنظيف جيد، وكانوا يقولون إن هذه الرعشة هي بسبب سكنى الفتاة بالجن والعفاريت. هذه هي الغيبيات التي نتكلم عنها ويجب أن نقاومها. إذًا ليست كل الميتافيزيقا غيبيات.
في السياق الذي نتكلم فيه وبالذات في عصر العلم والتكنولوجيا بالطبع يكون المصطلح مصحوبًا بدلالات سلبية محددة ومؤشرات ليست إيجابية.
هذا الميل دائمًا يزداد في مراحل الضعف السياسي والاقتصادي، وذلك مُنذ التاريخ القديم. وأيضًا في أوقات الضعف الاجتماعي، فعندما تكون هناك فئات كثيرة مُهمشة في المجتمع عبر التاريخ، بالطبع سيميلون إلى هذا النمط من التفكير. وهذا ما حدث في تاريخنا المعاصر، فبعد نكسة 67 مباشرةً انتشرت بكثرة بين المسلمين وبين المسيحين، بعض الظواهر التي تقول بأن هناك أحد الأولياء أو القديسين يظهرون في أحلام أو رؤى… إلخ، وذلك لأن في فترات الضعف الشديد جدًّا يحتاج الناس إلى دعم وتمكين لتحقيق متانة نفسية لمواجهة التحديات ورفع الروح المعنوية.
وعندما شُنق طومانباي عند باب زويلة 1517م، أُنشِئَت له بعد ذلك عدة مقامات باسم “المتولي”، ويوجد بوابة باسم بوابة المتولي؛ وذلك لأنهم اعتبروا أن الله تولاه، وتحول “المتولي” إلى أسطورة في مصر كلها، وكانت بمثابة طاقة لرفع الروح المعنوية للشعب المصري آنذاك.
وعندما نُفي سعد زغلول مِن قبّل الإنجليز، كان في نظر المصريين تكرار لتجربة أحمد عرابي، فبعض الصحف نشرت بعض الأخبار مثل أن هناك طفلًا ولد وهو يقول “يحيا سعد” أو أن هُناك غيطًا من الفول مكتوب على قرون الفول فيه “يحيا سعد”. إذًا هذه الأمور هي جزء من التماسك الاجتماعي فهي بمثابة زاد معنوي للشعب في ضوء هذه الفترات الصعبة.
عندما ندرس الثقافة الشعبية مِن خلال الأمثال الشعبية سنجد أن الأمثال الشعبية يتوفر بها الشيء ونقيضه، فمثلًا عندما يكون هناك شخص فقير ونقول له عندما تموت ستذهب إلى الجنة، ويقول لنا هذا الشخص الفقير: “الي ملوش في الدنيا ملوش في الآخرة” فعندما نُحلل هذا المثل نجد أن الآخرة مرتبطة بالدنيا أو انعكاس لها. وتجد أمثال أخرى عكس هذا المفهوم. إذًا يُمكن أن تكون الثقافة الشعبية مُدعمة للتفكير الغيبي ويُمكن ألا تكون. فلا يوجد علاقة مباشرة بالضرورة.
أنا أرى أن الفكر الغيبي ينتشر في كل بلاد العالم، ولا يجوز أن نحصر هذا النمط من التفكير في بلادنا المصرية أو العربية، أو نعتبره صفة في الشرق فقط. فهو موجود في كل الثقافات حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا. فهو يُعتبر ظاهرة إنسانية مرتبطة بوجود الإنسان.
كما ذكرت أنه مرتبط برد فعل الإنسان، أي إنسان، في أوقات الضعف والهزيمة وأمام الصدمات العنيفة. فلقد ظهرت بعد الأفكار الغيبية بعد هزيمة فرنسا أمام ألمانيا النازية. وبالعودة مثلًا لأساطير أثينا القديمة وهزيمتها أمام أسبرطة. وحتى في الحياة الشخصية أيضًا أمام أي صدمة يتجه إلى هذا النمط من التفكير، فهذا النمط يُعتبر بمثابة آلية دفاعية نفسية لمواجهة الصدمة. فكل الأشياء تولد كبيرة ثم تصغر، فالحزن والصدمة يولدان كبيران ثمّ يصغران. وبالطبع يختلف تفاوت المتانة النفسية من شخص إلى آخر.
أحد العوامل التي أعتبرها مكرسة للفكر الغيبي في مصر هي ما أسميه أنا بـ”عقلية الندابة العربية”؛ ففي عام 1967 كان هناك الكثيرون الذين يولولون، وكأنها نهاية مصر والمصرين، مع أن كل دول العالم تمر بفترات هزيمة ففرنسا انهزمت أمام ألمانيا، والولايات المتحدة لم تنتصر في حرب من بعد الحرب العالمية الثانية، فانهزمت في فيتنام وحتى الآن في أفغانستان وحتى في كوريا، باستثناء دونالد ترامب لم يدخل في حرب. وبالتالي لا يوجد مجتمع لم يهزم ولم توجد دولة لم تنهزم.
ولكن المشكلة عندنا هي في الندب والولولة، وهناك مستفيدون من عقلية الندابة هذه، وبالتالي أصبحت هناك أدوات تروج لهذه العقلية وأدبيات كاملة. وبالتالي أصبح هذا الفكر مركز قوة وصاحب هيمنة على الناس، مما يفسح المجال للعقلية الغيبية.
لكن أكون حياديًّا وموضوعيًّا، دعنا لا نظلم النصوص الدينية؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في تأويل النص وليست في النص ذاته، فالنص بشكل عام يُطلق عليه “حبل مطاط” أي يُمكن فهمه بأكثر من طريقة، وبالتالي عندما نأتي للنص الديني لا بد أن نعرف أنه بالفعل مقدس ولكن التفسير بشري محدود، ومن هنا تأتي أهمية تفسير النصوص بأدوات علمية تحترم طبيعة النص وأسباب نزول الآيات حتى تستخرج المعاني المحمودة والسامية من النص.
أعتقد أنه لا توجد علاقة بين مباشرة بين تقدم البلاد والفكر الغيبي؛ فالفكر الغيبي هو ظاهرة إنسانية تنشأ كرد فعل إنساني نفسي أمام الظروف الصعبة والصدمات العنيفة، كما أشرنا، وبالتالي التقدم والتخلف ناتجان من تقدم الدول سياسيًّا واقتصاديًّا، فعندما تُفعِّل الدولة القانون وتهتم بالاقتصاد ستكون دولة متقدمة، كما هو الحال في آسيا، فهناك دول متقدمة كثيرة وهي أيضًا تحتضن لثقافات بها فكر غيبي.
كلمة السر في هذه القضية هو دور الدولة وتوجه الدول، فمنذ حادث الخانكة عام 1972م وحتى عام 2013م لا يكاد يمر شهران أو ثلاثة إلا وتوجد أزمة طائفية، ولكن بعد صدور قانون تنظيم “بناء دور العبادة الموحد” -وهذا من أكثر الأمور التي أشرف بها أنني كنت جزء من الحكومة التي تقدمت بهذا القانون للبرلمان- لم نرَ مشكلة من هذا النوع.
المجتمع لا بد ألا يُترك للثقافة الغيبية والشعبيات، وأن يخضع للقانون، لأن القانون هو حاكم المجتمع. فمثلًا الولايات المتحدة الامريكية تشمل خليطًا رهيبًا من الأديان والثقافات والجنسيات ولكن ما يحكم المجتمع هو القانون، وكذلك إسرائيل يوجد بها يهود من 92 دولة، ومع ذلك يخضع الكل للقانون. فالقانون هو الذي يحدُّ انتشار هذه الثقافة.
أولًا: تفعيل دولة القانون والاهتمام بالتشريعات، فهذا هو الذي يحد من انتشار مثل هذا النمط مِن التفكير. ثانيًا: تعزيز التفكير العقلاني ونزع الأوهام عن الناس مثل وهم ال 100% في نتيجة الثانوية العامة، فهذا وهم لا بد من نبذه حتى تتحرر العقول من الغيبية.
ثالثًا: تعزيز ثقافة الجدية في العمل واحترامه؛ فعندما تكون هناك قوانين مُفعّلة وتفكير عقلاني واحترام للعمل، سيتم تقنين الفكر الغيبي والحد مِن انتشاره.
أسم الكاتب : الدكتور القسّ غبريال رزق الله
إنَّ كتاب “من هو إسرائيل؟” للوالد الدكتور القسّ غبريال رزق الله([1]) رغم صغر حجمه إلا أنَّ له أهمية خاصة جدًا؛ تعود إلى تاريخ نشره الأول: في عام 1970م، حيث لم يكن هناك اتجاه تفسيريّ ولاهوتيّ واضح في الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر حول الاسخاتولوجيّ-الفكر االلاهوتيّ حول الأخرويّات-وخصوصًا المتعلق بوضع شعب إسرائيل في المجئ الثاني للمسيح. إلا أنَّ الكاتب قدَّم طرحًا مهمًا في الفكر االلاهوتيّ الكتابيّ آنذاك حول هذا الموضوع؛ وقد كان كتابه هذا بمثابة الجزء الأول من سلسلة كان ينوي أن يستكملها-حيث وضع بقية مباحث هذه السلسلة على الغلاف الخلفيّ للكتاب في طبعته الأولى-فالجزء الأول-المنشور بين يديك الآن عزيزي القارئ-عنوانه: لقب إسرائيل، أما بقية الأجزاء فعناوينها تباعًا: مملكة إسرائيل، ثم سقوط إسرائيل، ثم ملك إسرائيل. غير أنَّ الكاتب لم يكمل خطته البحثيّة. ولو تتبعنا منهجيّة الكاتب في هذا المبحث الأول من دراسته فسنجده قد ركَّز بحثه حول إسرائيل كلقب كتابيّ-وإنْ كان الكتاب كلّه عبارة عن مقال مطول بلا فواصل ولا عناوين فرعيّة-فتكلم عن الصيغة اللفظيّة للقب في أصله العبريّ، ثم تكلم عن الصيغة الرمزيّة للقب في الشريعة والنبوات، ويمكننا أن نضع عناوين فصلية للكتاب، كما قام محرِّر النصّ، كالتالي:
وفي تتبعنا لهذه المحطات الكتابيّة التي اختارها الكاتب من التاريخ المقدّس نلاحظ أنه يتدرج بنا من الكلام عن إسرائيل كشخص إلى الكلام عن إسرائيل كشعب ليصل في النهاية إلى الكلام عن إسرائيل بمعنى كل من يؤمن، كما يظهر شرح تلك المحطة الأخيرة بوضوح عند الرسول بولس في الرسالة إلى كنيسة رومية: “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.” (رو 2: 28، 29). فالفكر االلاهوتيّ الإنجيليّ المصلَح يتكلم عن إسرائيل الروحيّ المتحقق في الكنيسة؛ التي تتكون من كل شعوب العالم وليس من شعبٍ واحدٍ معينٍ؛ وهذا التعليم ينقلنا من الحصرية الإثنيّة إلى رحابة التعدديّة الإنسانيّة.
ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ كتاب “مَنْ هو إسرائيل؟” قد تمَّ ترجمته إلى اللغة الإنجليزيّة عام 2000م على يد الدكتور إسحق بولس، الذي قام بنشر الكتاب على نفقته الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، كما قام بإيداع الكتاب في مكتبة الكونجرس الأمريكيّ. ونحن إذ نعيد نشر هذا الكتاب نهدف إلى استلهام منهجه في مواجهة الواقع الذي نعيشه في منطقتنا العربيّة اليوم، حتى يمكننا أن نطور من رؤيتنا في التعامل مع الحاضر والمستقبل أيضًا.
مَنْ هو إسرائيل؟
نلتقي بهذا الاسم “إسرائيل” لأول مرَّةٍ في التَّاريخ المقدّس، عند مَخَاضةِ، تُدعى “مخاضة يَبُّوق”، في نهر يُسَمَّى اليوم بوادي الزَّرقاء أو النهر الأزرق، في مناسبةٍ عجيبةٍ، لمظهرٍ فائق الطبيعة.
في ذلك المكان، كان يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، منفردًا، جزعًا يخشى ملاقاة أخيه عيسو، حاسبًا إيَّاه عدوًا لدودًا، مستعدًّا أنْ يقضى عليه. وعلى كلِّ مَنْ له ومَالهُ. وإذا بإنسان يبغته مفاجئًا إياه “وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ” (اقرأ تك 32: 22- 24).
في هذه المصارعة، استخدم يعقوب مع هذا الإنسان المصارع كلَّ ما فيه من قوى بَدنيَّةِ، وجهادٍ عضليٍّ، فلم يُذعن له ولم يخضع لإرادته: ولما رأى (ذلك الإنسان)، “وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي».” (تك 32: 25، 26).
وقد علَّق الوحْيُ الإلهيُّ، بفم هوشع النبيّ، على موقف يعقوب هذا بقوله: “بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ” (هو 12: 4). وهو تعبيرٌ، يُبَيِّن لنا الحال، التي كان عليها يعقوب، إزاء إدراكه قوة ذلك الإنسان التي لا يستطيعها. وكأَنَّه أدرك أنَّه إنسان فوق العادة ولعلَّهُ وصل، في إدراكه إلى كونه، شخصًا إلهيًّا، فتمسَّك به باكيًا مسترحمًا قائلاً: “لاَ أُطْلِقُكَ؛ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي”.
هنا انتهت المصارعة، بالخضوع التَّام لهذا الإنسان المصارع. ونتج، عن هذا الخضوع إعداد الفرصة لإعطاءِ البركة، التي قصدها ذلك الإنسان من تلك المصارعة، إجابةٍ لطلبِ يعقوب الملِحِّ. وإتمامًا لقصد “يهوه” فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: يَعْقُوبُ، فَقَالَ: لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ.” (تك 32: 27، 28) انظر (هو 12: 3، 4).
في هذا القول، بالتأمل الروحيِّ الدقيق. وبكشف روح الرَّبِّ، يمكننا أن نُمسك بمفتاح المعرفة، لمعرفة مَنْ هو “إسرائيل” وسر هذه المعرفة ينكشف من:
أولاً: الصيغة اللفظيّة لهذا اللقب.
ثانيًا: الصفة الرمزيّة النبويّة لهذا اللقب.
أولاً: الصيغة اللفظيَّة للقب
هذه الصيغة، يَتبيَّن مدلولها في ذلك السبب المقترن بهذا الَّلقب، وهو قوله: “لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ” (تك 32: 28). وهو تفسير فيه نتبيَّن أنَّ هذا الاسم، ليس عَلَمًا من الأعلام؛ لذاتٍ من الذَّوات، أو لشخصٍ معيَّن بالذَّات، بل بالحري هو لقبٌ، أُعطِيَ ليعقوب، سوى اسمه. به يُسَمَّىَ، بمراعاة المعنى بخلاف الأَعلام، وهذا يدعونا إلى فحص هذا الَّلقب؛ لمعرفة حقيقته.
إسرائيل: صيغةٌ تتركب من كلمتين عبريَّتين إحداهما “يسْرَا” وثانيتهما: “إِيْل”. الكلمة الأولى فعلٌ. والكلمة الثانية اسم الجلالة “إِيْل” أي “الله”. أما الفعل؛ فقد صدر من يعقوب ولفظة “سَارِيتَ”. وهو في العربيَّة مِن أصل سَرَا يَسْرُو. وسَرُوَ يَسْرو: وسَرِىَ يَسْرى (واويُّ) سَرْوَا وَسَرَاوَةً وسَرًا وسَرَاءً: كان سَرِيًا أي صاحب مرَؤةٍ في شرفٍ أو صاحب سخاء في مرؤَة. وهو السَّيّد الشريف السخيُّ: وسَرَوات القوم سادتهم ورؤساُؤَهم. وفي هذا المعنى، يدخل اسم “ساراى” زوجة إبراهيم (أميرتي) الذي تغيَّر إلى “سارة” (أميرة). وهو لفظ منه يتَّضح أنَّ “يهوه” اعتبر فعل يعقوب في جهاده عملاً شريفًا، يرفعه إلى درجة سَرَوَات القوم. ويعطيه حق الرِّياسة والسِّيادة، جاعلاً خضوعه لسيادة العزَّة الإلهيّة ولإرادة الجلال السماويّ أساسًا لرفعته، متَّخذًا من بكائهِ واسترحامهِ ولجاجتهِ في نيل البركة سلَّمًا لصعودهِ إلى درجة الشرف عند الله، وإلى سموِّ القدرة في الجهاد مع الله وجهًا لوجهٍ.
وهذا يثبته لقب آخر هو لقب جديد أعطاء يعقوب نفسهُ لمكان هذه المصارعة حيث قيل: “فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ “فَنِيئِيلَ” قَائِلًا: “لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي» (تك 32: 30، 31). وهنا نجد تغييرًا مزدوجًا:
أولاً: تغيير في اسم “يعقوب” إلى “إسرائيل”
هذان لقبان لشخصٍ واحد وما أوسع البعد بينهما! كالبعد بين أطراف الأرض. وبالحريِّ: كالبعد بين الأرض والسماء: فلقب “يعقوب” يرينا شخصًا خارجًا من بطن أمه “وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو؛ فَدُعِيَ اسْمُهُ يَعْقُوبَ” (تك 25: 26 انظر هو12: 3). ويثبت لنا الوحي أيضًا علَّة هذا القبض موضحًا ذلك، بتقريره أمرًا عجيبًا، حدث في بطن رفقة، وهي حبلى؛ عبَّر عنه بالقول: “وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا” (تك 25: 22) الأمر الذي يَدُلُّ على أنَّ هذا القبض كان نتيجة عملية تزاحمٍ أو مصارعةٍ بين الولدين.
وإذ كبر الوالدان، أثبت يعقوب هذا التعقب لأخيه كما يتبيَّن جليًا في صرخةٍ عظيمةٍ ومرّةٍ جدًا، من قلب عيسو، عبَّر عنها بالقول: “أَلاَ إِنَّ اسْمَهُ دُعِيَ يَعْقُوبَ، فَقَدْ تَعَقَّبَنِي الآنَ مَرَّتَيْنِ! أَخَذَ بَكُورِيَّتِي، وَهُوَذَا الآنَ قَدْ أَخَذَ بَرَكَتِي.” (تك27: 34- 36 اقرأ ص 25: 27- 34، ص 27). وقد تحوَّلت هذه الصرخة المُرَّة إلى حقدٍ، تمكَّن مِن قلب عيسو وأصبح نيَّة مبيَّتة لقتل يعقوب، فقال في قلبه: “قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي” (تك27: 41).
وانتهى الأمر بهروب يعقوب إلى فدَّان أرام في أرض حاران (تك 27: 42- 46؛ 28: 1- 5) وطالت الأيام في تلك الأرض إلى عشرين سنةٍ عاد بعدها، ليتقابل مع عيسو، وقد كان يعمل لتلك المقابلة، ألف حسابٍ، خوفًا ورعبًا لئَّلا يبطش به ويسحقه ويبيد كل مَن له ومَاله (اقرأ تك 28: 23- 32). وهنا يصل، بنا المجال إلى ميدان المصارعة، عند مخاضة يبوق، الذي فيه تغيَّر اسم “يعقوب” إلى “إسرائيل” كما سبق فرأينا وفيه نرى تغيير لاسم المكان من “يبوق” إلى “بنيئيل” (تك32: 30).
ثانيًا: تغيير لاسم المكان من “يبوق” إلى “بنيئيل” (تك32: 30)
وما أوسَعَ البعد يين البقبقة واللقلقة في تلك المخاضة! وما يتلوث به الناس، في خوضها، مشاةً وركبانًا، ذهابًا وإيابًا! وبين رؤيا الجلال الإلهيِّ، في “بنيئيل”: رؤيا البهاء والمجد السماويّين، أما أبعد الشُقة بين يعقوب منطلقًا عَبَر تلك المخاضة نحو أرض سَعير، بلاد أدوم، نحو أخيه عيسو، والخوف يملأ قلبهُ. ويهزُّ كل أعصابه. والرُّكب تصطك، والبدن يرتجف. والنفس معذبة: ما أعظمم الفرق بينه في هذه الحال! وبين “إسرائيل” وجهًا لوجهٍ أمام “إِيْل” ونور المحبة يسطع ووجه الرضى الإلهيِّ يلمع.
عاملان يتنازعان “الخوف” في يعقوب، و”المحبُّة” في إسرائيل. وهما ضدَّان لا يجتمعان. وعدوَّان لا يتصالحان كما يتبيَّن من قول الوحي المقدّس: “لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ. نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا.” (1 يو 4: 18، 19).
وإن كان الله قد أحبَّ يعقوب، كما أعلن صريحًا في قوله الصادق: “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ” (قابل ملا 1: 2؛ مع رو9: 13) فمن أين هذا الخوف، الذي له عذاب في قلبه، ألا يعتبر ذلك دليلاً على أنَّه “فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ” لا في محبة الله ولا في محبة الأخوة كما قيل: “إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا” (1 يو4: 20، 21).
إذًا لم يكن يعقوب الذي لم يتكمَّل في المحبة هو إسرائيل بالرغم من إعلانات تلك المحبة الفائقة وبالرَّغم من تجلِّياتها، في تلك الرؤْيا وبالرَّغم من سموِّ البركة التي شملت يعقوب؛ بتغيير اسمه إلى إسرائيل بالرَّغم من كلِّ ذلك، لم يتغيَّر يعقوب فلم يصر “إسرائيل” ولم يكن “إِسْرَائِيلِيًّا حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ” (يو1: 47). بل ولَّى ظهرهُ “لفنيئيل” (أي وجه الله) وخرَّ صريعًا أمام الخوف من عيسو. ودنَّس الَّلقب الإسرائيلي، لقب السيادة والشرف. وألقى به في أقذار المخاضَّة حين رفع عينيه وَرَفَعَ يَعْقُوبُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا عِيسُو مُقْبِلٌ وَمَعَهُ أَرْبَعُ مِئَةِ رَجُل، فَقَسَمَ الأَوْلاَدَ عَلَى لَيْئَةَ وَعَلَى رَاحِيلَ وَعَلَى الْجَارِيَتَيْنِ. وَوَضَعَ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَوْلاَدَهُمَا أَوَّلًا، وَلَيْئَةَ وَأَوْلاَدَهَا وَرَاءَهُمْ، وَرَاحِيلَ وَيُوسُفَ أَخِيرًا. وَأَمَّا هُوَ فَاجْتَازَ قُدَّامَهُمْ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ. فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا. ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ وَقَالَ: مَا هؤُلاَءِ مِنْكَ؟ فَقَالَ: الأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ بِهِمْ عَلَى عَبْدِكَ. فَاقْتَرَبَتِ الْجَارِيَتَانِ هُمَا وَأَوْلاَدُهُمَا وَسَجَدَتَا. ثُمَّ اقْتَرَبَتْ لَيْئَةُ أَيْضًا وَأَوْلاَدُهَا وَسَجَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ اقْتَرَبَ يُوسُفُ وَرَاحِيلُ وَسَجَدَا. فَقَالَ: مَاذَا مِنْكَ كُلُّ هذَا الْجَيْشِ الَّذِي صَادَفْتُهُ؟ فَقَالَ: لأَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ سَيِّدِي. (اقرأ تك 33: 1- 8 مع 32: 13- 21) وهل يطلب “إسرائيل” المبارك من الله “نعمة” من “عيسو” الزاني المستبيح الذي باع باكوريته لأجل أكله واحدة من طبيخ عدس؟ (راجع شرح عب 12: 16ـ 17).
أين شرف السَّيادة، الذي يحملهُ لقب “إسرائيل”؟ لقب القدرة في الجهاد مع الله والاستظهار على الناس والسموِّ عليهم هل ينطبق هذا الاستعباد على قصد الله الذي أعلنه لرفقة أمه في قوله: “كبير يستعبد لصغير”؟ (تك 25: 23 مع رو 9: 12) وأوحى به إلى أسحق أبيه وهو يباركه قائلاً: “لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ.” (تك 27: 29، 33، 37).
أين سيادتك يا إسرائيل التي أعطيتها في لقبك هذا؟ أين إكليل فخرك، لقد دنَّسته في التُّراب؛ وأنت تقيس الأرض بطولك سجودًا، سبع مرَّات، وتلقي بنفسك عند رجلي عيسو، الذي أبغضه “يهوه” وتضع ذاتك عبدًا أمامه كسيّد، متعبدًا عند قدميه كإله؟ لقد أضعت الشرف وأهنت السّيادة ونقضت العهد الإلهيِّ يا للعار يا إسرائيل!
وهل يُنقض الوعد؟ وهل تسقط كلمة الله؟ وهل يضيع شرف إسرائيل؟ حاشا: “أَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلاَدٌ. بَلْ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلًا.” (رو 9: 6- 8 اقرأ ع1- 16) فإسرائيل حسب الجسد ليس هو إسرائيل. وأولاد الجسد ليسوا هم أولاد الله، فإسرائيل الحقيقي، إذًا، هم أولاد الموعد المختارون من كلِّ أمَّةٍ وقبيلةٍ ولسانٍ وشعبٍ، في أربع رياح الأرض المحافظون على قلب تلك السيادة والشرف (قابل رؤ 5: 9، 10؛ 7: 1- 3، 9 مع مت 24: 30، 31).
إذا أضفنا إلى ما فعلهُ يعقوب من إهانة لقب إسرائيل وضيع شرفه في سجوده لأخيه؟ إذا أضفنا إلى ذلك ما فعله يوم أن سكن في سُكُّوتَ، حيث “بَنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا، وَصَنَعَ لِمَوَاشِيهِ مِظَلاَّتٍ.. وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ «إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ». (اقرأ تك33: 17- 20). وقد نسى عهدهُ مع الله الذي ظهر لهُ يوم أن هرب من وجه عيسو واستجاب له في ضيقته، وسار معهُ في الطريق الذي ذهب إليه، والتقى به عند رجوعه في مَخَاضة يَبّوق، حيث رآه وجهًا لوجه وباركهُ ودعى اسمه إسرائيل. فقد نسى بيت إيْل، مبتعدًا عن وجه الله، واستقر في الأرض بين الأرضيات، وملأ بيته بالآلهة الغريبة وباقراط الذهب، واختطَّ لنفسه عبادة حسب شهوة قلبهِ، واختراع عقله، ليعبد الله والمال، غير مفرّقٍ، بين عبادة الإله الحقِّ وبين الأباطيل الكاذبة، وابتعد عن البساطة في الحق الإلهيِّ فانطبق عليه قول السيد: “وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ” (قابل مت 6: 22- 24 مع 2 كو11: 1- 3).
إذا أضفنا ذلك أيضًا نرى صورةً بارزة تُحقِّق لنا، أن يعقوب لم يحقِّق لقب إسرائيل في شرف السِّيادة مع الله والتغلب على شهوة نفسه، الأمر الذي يحقق ما قاله رسول الأمم: “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.” (رو 2: 28، 29 اقرأ ع 25- 29).
ولكن الله لا ينسى وعده ولا ينقض عهده، فهو “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (قابل عد 23: 19 مع 1 صم 15: 39 مع مز 110: 4) “فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟ حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلاَمِكَ، وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ.” (رو3: 3، 4 اقرأ ع1- 4)، “أَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ” (رو11: 29 اقرأ ع 27- 29).
فلأجل كلمتهم المصفَّاة النقيّة الممحوصة سبع مرات (مز 12: 6) وإتمامًا لمقاصده التي لا بدّ أن تتم، قال ليعقوب: “ثُمَّ قَالَ اللهُ لِيَعْقُوبَ: قُمِ اصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ وَأَقِمْ هُنَاكَ، وَاصْنَعْ هُنَاكَ مَذْبَحًا للهِ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ حِينَ هَرَبْتَ مِنْ وَجْهِ عِيسُو أَخِيكَ، فَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَيْتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ: اعْزِلُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَتَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ. وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا، وَدَعَا الْمَكَانَ إِيلَ بَيْتِ إِيلَ لأَنَّهُ هُنَاكَ ظَهَرَ لَهُ اللهُ حِينَ هَرَبَ مِنْ وَجْهِ أَخِيهِ.. وَقَالَ لَهُ اللهُ: اسْمُكَ يَعْقُوبُ. لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِسْرَائِيلَ. فَدَعَا اسْمَهُ إِسْرَائِيلَ. هناك ظهر له الله وجدد له لقب إسرائيل وهو ذلك اللقب الذي سبق أن رأينا أن يعقوب دنسه. وفي هذا التجديد إعلان بأنه لقب لا يليق إلا بحافظي العهد المقدّس الذين يرون الله وجهًا لوجه في عبادة طاهرة نقية وعلاقة مقدَّسة مجيدةٍ وجهادٍ شريفٍ من جلاله” (اقرأ تك 35: 1- 10).
الآن! وقد رأينا “إسرائيل الحقيقيَّ” بارزًا في معنى اسمه، بحسب الصِّيغة اللفظيِّة الأصليَّة، في اللغة العبريّة، حيث رأيناه لقبًا، يرتفع به إلى مرتبة الشرف العليا، بين سَرَوَات القوم هي مرتبة الجهادح مع الله للاستظهار والسموّ على الناس: مرتبة الجهاد ضدَّ الخطيَّة، التي أشار إليها الرسول في قوله: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب 12: 4): “جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ” (1 تي 6: 12) وهي تلك المرتبة التي وصل إليها رسول الأمم، وعبَّر عنها بالقول: “قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2 تي 4: 7، 8) وهي تلك المرتبة التي رآها الرَّب بعلمه الإلهي في “نثنائيل” وهو تحت التينة، مجاهدًا في الصلاة مع الله فقال “هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ” (يو 1: 47 اقرأ 45- 50).
إلى مرتبة “إسرائيل” العليا: وإلى أسمى درجات شرفها وصل “ابن الإنسان” العجيب: “ابن الله الوحيد” فإنَّه “وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لو 22: 44 اقرأ ع 39- 46 مع عب 5: 7- 10؛ 12: 1، 2) هذا هو إسرائيل الحقيقي: مع الخليقة الجديدة: المعينين ليكونوا مشابهين له المدعوين “إسرائيل الله”. الذين عبر عنهم رسول الأمم بالقول: “وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ، أَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ الْجَدِيدَةُ، فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ.” (قابل رو 8: 29، 30 مع 2 كو 5: 17 مع أف 1: 3- 6 مع غل 6: 14- 16). وهذا هو ما نرجو أن ينكشف لنا أكثر فأكثر عند تأملاتنا في الآتي: الصفة الرمزيّة النبويّة في هذا اللقب إسرائيل.
ثانيًا: الصفة الرمزيّة النبويّة في هذا اللقب إسرائيل
ويمكن أنْ نتبيَّن هذه الصفة على الأقل في ثلاث كلمات نبويّة جوهريّة، نطق بها “الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ” (أش 57: 15): وهذه الكلمات الثلاث هي: الكلمة الأولى: قوله تعالى اسمه “إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ” (خر 4: 22)، الكلمة الثانية قولهُ جلَّ جلالهُ: “نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي” (إش 41: 8)، الكلمة الثالثة: قولهُ له المجد: “أَنْتَ عَبْدِي إِسْرَائِيلُ الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ” (إش 49: 3).
الكلمة الأولى: قوله تعالى اسمه “إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ” (خر 4: 22)
وهي كلمة نطق بها العلى المرتفع بفم “موسى” كليمه مخاطبًا فرعون ملك مصر، يوم دعوته لهذا الابن البكر من مصر تلك الدعوة التي عبر عنها النبيّ هوشع بقولهِ عن فمِ الرَّبِّ نفسه: “لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي” (هو 11: 1) مشيرًا إلى تلك الدّعوة الموسويّة التاريخيّة السابقة، بكلمةٍ نبويَّةٍ فسَّرها الرَّوح القدس في إعلانات العهد الجديد، يوم تمت في دعوة الابن البكر، الوحيد، من مصر كما يتضح من القول: وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ، “فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ: وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنبيّ الْقَائِل: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني” (اقرأ مت 2: 13- 15؛ مع هو11: 1 مع خر 4: 22، 23؛ 12: 29- 34 اقرأ ع 29- 51). حيث نرى أنفسنا أمام موسى والأنبياء في تفسير الإنجيل بوحي الروح القدس ونتبيَّن من ذلك التفسير، بوضوح تام شخصية إسرائيل الحقيقيِّ “الابْنِ الْبِكْرُ”.
مع موسى، نقف أمام دعوة تاريخيَّة واقعيَّة فيها يرسم لنا الوحي المقدّس صورة تمثيليَّة رمزيَّة نبويَّة لذلك “الابن البكر”، “اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ” وهو متجسد في “ملء الزمان، في أرض ظلمة”. وفي “كورة الموت وظلاله” (قابل يو 1: 18 مع غل 4: 4 مع مت 4: 16؛ مع إش 9: 1- 7 مع أف 5: 8)، حيث تتمثل قوة الشيطان في ذلك التنين الفرعونيّ لوياثان، الحيَّة الهاربة لوياثان، الحيَّة المتحويَّه، التنين الذي في البحر “التِّمْسَاحُ الْكَبِيرُ الرَّابِضُ فِي وَسْطِ أَنْهَارِهِ، الَّذِي قَالَ: نَهْرِي لِي، وَأَنَا عَمِلْتُهُ لِنَفْسِي” (قابل إش 27: 1؛ 51: 9 مع مز 74: 13، 14 مع حز 29: 3؛ 32: 2 اقرأ حز ص 29- 32).
هذه القوة الفرعونيَّة الغاشمة “الحيَّة المتحويَّة ضد إسرائيل الجسديِّ، تمثل كلَّ قوى الأرض الوحشيَّة، السياسيَّة والدينيَّة، التي تريد تحت سيطرة التَّنين الأحمر العظيم الحيَّة القديمة المدعو إبليس والشيطان” (رؤ 12: 9 اقرأ كل الأصحاح) أنْ تستعبد “إسرائيل”، “الابن البكر الوحيد” وأنْ تذلّه ولكن هيهات؛ كما قال الرسل: “أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا لْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ: لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ. أَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ.” (اقرأ أع 4: 24- 28 مع مز 2: 1- 3؛ 41: 5- 9؛ 55: 12- 14، 120 مع يو 1: 13؛ 2: 21- 3 مع أي 19: 19؛ إر 20: 10 اقرأ مت 2: 26، 31- 35 وص 27 مع رؤ 19: 11- 21).
أما صيغة الدعوة من مصر، ففيها نستمع إلى نغمة موسيقيّة عالية جدًا، صادرة من قلب الآب السماويّ قائلاً: “ابْنِي الْبِكْرُ” (خر 4: 22) وهي نغمة من مقطعين شجويين عظيمين المقطع الأول “ابني”، المقطع الثاني “البكر”.
المقطع الأول: “ابني”
وهنا نحس إحساسًا عميقًا بمحبة أبويَّة فائقة عبَّر عنها الله، بفم نبيه هوشع قائلاً: “لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ” وبفم نبيه ملاخي قائلاً: “أَحْبَبْتُكُمْ.. وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ” (قابل هوشع 11: 1 مع ملا 1: 1، 2 مع رو 9: 10- 13). وهي المحبة التي تكلم عنها موسى مع إسرائيل قائلاً: “إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ “يهوه” بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ “يهوه” إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ “يهوه” بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ” (تث 7: 6- 8 اقرأ تك 15: 7- 21؛ خر 3: 1-10؛ 19: 1- 6 مع تث 7: 1- 8؛ 18: 9- 19).
بنعمة هذه المحبة الأبويَّة يخاطب “يهوه” فرعون ملك مصر عن ابنه إسرائيل قائلاً “ابني” كأنَّه يقول: إنَّه ليس ابنك يا فرعون! لتستعبده، فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ” (خر 4: 22، 23) وما هذه المحبة، سوى صورة تمثيليّة ومظهر رمزيِّ للمحبة الأبويَّة الأزليّة، في قلب الآب نحو ابنه الحبيب “الوحيد” الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ (يو 1: 18) تلك المحبة التي يرن صداها، في كل أرجاء العالم، محذرًا من كل النتائج الوخيمة والعواقب الأليمة التي تصيب جميع أمم الأرض الذين يرتجون ضد هذا “الابن الوحيد” ويتفكرون عليه بالباطل “ليقطعوا القيود ويطرحوا الرَّبط كما عبر داود في قوله: لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا، اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، حِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ، وَيَرْجُفُهُمْ بِغَيْظِهِ” (مز 2: 4، 5 اقرأ كل المزمور).
هذا هو ” ابْنِ مَحَبَّتِهِ” (كو 1: 13) “اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18) “ابن الآب” (2 يو 3) “ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت 3: 17؛ 17: 5؛ مر 9: 7؛ لو3: 22؛ 9: 35؛ 2 بط 1: 18) “أَنتَ هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مر 1: 17)، هذا هو الابن الوحيد “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السماويّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ” (أف1: 3- 6) حتى أنَّه قيل: “اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ” (رو 8: 32).
هذا هو الابن الذي “فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ” (كو 1: 19) إعلانًا لجوهر لاهوته من جوهر الآب؛ لذلك يقول: “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو 10: 30) “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ”، “صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ” (اقرأ يو 14: 9-11) بل هو الابن الوحيد الذي “فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” إشارة إلى تجسده فهو الكلمة الذي قيل عنه: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ الله…وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يو 1: 1، 2، 14) فهو ابن الله وقد صار “ابن الإنسان” إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا لذلك يقول الرسول: “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (اقرأ غل 4: 4- 7).
ومَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ؟ كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا” (1 يو 2: 22، 23 مع مت 11: 25- 27) لذلك يحذر الرسول بشدة من هذه الضلالة قائلاً: “وَهذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ: أَنْ نَسْلُكَ بِحَسَبِ وَصَايَاهُ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ: كَمَا سَمِعْتُمْ مِنَ الْبَدْءِ أَنْ تَسْلُكُوا فِيهَا. لأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِيًا فِي الْجَسَدِ. هذَا هُوَ الْمُضِلُّ، وَالضِّدُّ لِلْمَسِيحِ. انْظُرُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ نُضَيِّعَ مَا عَمِلْنَاهُ، بَلْ نَنَالَ أَجْرًا تَامًّا. كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ. (2 يو 6- 11).
هذا هو الابن الوحيد الذي ينطبق عليه دون سواه قول الله “ابني” “ابن الله” الذي وحده دون سواه يخاطب الآب أو يتكلم عنه قائلاً: “أبي” فلا تسوغ لغيره هذه النسبة فإذا قيل عن الملائكة أنهم: “بَنو الله” (أي 1: 6؛ 28: 6) فهو قول لا يصح إلا بوصف كونهم جماعة لا أفرادًا لمن من الملائكة قال قط: “أنت ابني” (انظر شرح عب 1: 5). وهكذا إذا قيل عن القديسين أنَّهم: “أبناء الله” أو “أولاد الله” فيصح القول بوصف كونهم جماعة لا أفرادًا، فلا يسوغ لقديس أن يقول: “أنا ابن الله” مهما بلغت درجة قداسته فهو ليس إلا ابنًا لله مع سائر الأبناء. لذلك علَّمنا السيد أنْ نقول: “أبانا” (مت 6: 9؛ لو11: 2) وأعطانا روحه لنقول: “يَا أَبَا الآبُ” (رو 8: 15؛ غل 4: 6؛ انظر مر 14: 36) وقال لتلاميذه: “أبي وأبيكم” (يو 20: 17).
المقطع الثاني: “البكر”
البكر لفظ يُعبَّر عنه في قول الرَّب: “قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ” (خر 13: 2) حيث نتبين أن البكر المقصود هو “أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ.” (لو 2: 23). غير أنَّ قصد الله الأزليّ، في اختياره القضائيّ قد تبيَّن لنا على غير هذه الطريقة الشرعيَّة بحسب الجسد. فإنَّه جلَّ اسمه، جعل إسرائيل بكرًا وهو يعقوب الذي خرج من البطن “وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو” (قابل تك 25: 26 مع هو 12: 3). أي أنَّه خرج من البطن بعده، فلم يكن والحالة هذه فاتح رحم وبالتالي لم يكن بكرًا ولا قدوسًا للرب بمقتضى هذا الشرع الجسديِّ.
أما في قصد الله الأزليّ، واختياره القضائيِّ، فقد كان بكرًا وصار قدوسًا للرب كما تبيَّن من قول الله لأمه: “فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ” (تك 25: 23). لذلك باركه الرَّب وقال له: “لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ “يَعْقُوبَ” بَلْ “إِسْرَائِيلَ” حيث أعطاه لقب الشرف مع الله والاستظهار على الناس “لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ” (قابل تك 22: 28 مع 27: 29) هكذا جعله الله بكرًا لا بحسب الجسد والأعمال، بل بمقتضى اختيار النعمة في المحبة الأزليّة، وتمَّ القول: “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ” (اقرأ رو 9: 10- 13 مع ملا 1: 1- 5).
هكذا تبين أيضًا في اختيار البكر بين أسباط يعقوب “بني إسرائيل” لا بحسب الشريعة الجسديَّة، بل بمُقتضى القصد الأزليّ والاختيار الإلهيِّ كما يتضح من التاريخ المقدّس في القول: بنو رأوبين “بكر إسرائيل، لأنَّه هو البكر” ولأجل تدنيسه فراش أبيه أعطيت بكوريته لبني “يوسف” بن إسرائيل فلم ينسب “بكرًا” لأنَّ “يهوذا” اعتز على إخوته ومنه الرئيس وأما البكوريَّة فليوسف (1 أي 5: 1، 2) في نصّ هذا التاريخ المقدّس نرى:
أولًا: البكورية قد نزعت من رأوبين
إنَّ رأوبين هو أول فاتح رحم من بني إسرائيل ليكون بكرًا حسب الشريعة، ولكنه حُرم من هذا الامتياز لأنه دنَّس فراش أبيه (اقرأ تك 35: 22) وأعطيت البكورية ليوسف الذي لم يكن ممكنًا أن يكون بكرًا ولو أنه كان هو أيضًا فاتح رحم لامرأة أخرى لإسرائيل هي راحيل، وقد كانت هي المرأة المحبوبة، لأن نصّ الشريعة يقول: “إِذَا كَانَ لِرَجُل امْرَأَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ، فَوَلَدَتَا لَهُ بَنِينَ، الْمَحْبُوبَةُ وَالْمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الابْنُ الْبِكْرُ لِلْمَكْرُوهَةِ، فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لَهُ، لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ الْمَحْبُوبَةِ بِكْرًا عَلَى ابْنِ الْمَكْرُوهَةِ الْبِكْرِ بَلْ يَعْرِفُ ابْنَ الْمَكْرُوهَةِ بِكْرًا لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ، لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لَهُ حَقُّ الْبَكُورِيَّةِ.” (تث 21: 15- 17).
لكن إسرائيل (يعقوب) حَرَمَ رأوبين من حق البكوريَّة بسبب التدنيس المشار إليه (قابل تك 35: 22 مع 49: 3، 4 مع 1 أي 5: 1) فأعطيت البكوريَّة ليوسف بنصيب اثنين هما ولداه أفرايم ومنسَّا، اللذين اتخذهما يعقوب ولدين له قائلاً: “الْمَلاَكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرّ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ. وَلْيُدْعَ عَلَيْهِمَا اسْمِي وَاسْمُ أَبَوَيَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ” (تك 48: 16 اقرأ ع 8- 20) وهكذا تمم إسرائيل (يعقوب) بروح النبوة قصد الله الأزليّ في إقامة “يوسف” بكرًا لا باعتبار كونه فاتح رحم لأنَّه صار بكرًا في ابنه أفرايم، الذي لم يكن فاتح رحم لأمه، لأنَّ منسًّا كان هو البكر الطبيعيِّ، فاتح الرَحِم بل إتمامًا لقصد الله، ذلك القصد الذي أعلن في حلمين ليوسف، وفي سجود إخوته له وهو في سيادته على عرش مصر (اقرأ تك 37: 5- 11 مع 42: 6؛ 43: 26، 28).
وإذا ذكرنا ما كان ليوسف في تلك البكوريَّة من رفعة مع الله، في لقب الشرف الأعلى، ومن سموِّ واستظهار على الناس فوق كل الرؤساء ومشايخ البلاد وعظماء الأرض (قارن مز105: 17- 22 مع تك 41: 39-44) نراه رمزًا ليس إلا، لذلك البكر المرتفع إلى الدرجة العليا في سماء المجد “الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب” (يو 1: 18) “الَّذِي إِذْ أَقَامَهُ (الآب) مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السماويّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.” (أف 1: 20- 23 مع في 2: 6- 11).
ثانيَا: الرئاسة والسيادة وشرف اللقب الملكيّ قد أُعطى لبني يهوذا
لنا أيضًا نصّ آخر في التاريخ المقدّس “أَنَّ يَهُوذَا اعْتَزَّ عَلَى إِخْوَتِهِ“ (1 أخ 5: 2) بالرغم من كونه الابن الرابع من بني إسرائيل، وقد جاء هذا الاعتزاز بصيغة واضحة في بركة إسرائيل لأسباطه الأثنى عشر في روح النبوة حيث قال عن يهوذا بشأن هذا الاعتزاز: “يَهُوذَا، إِيَّاكَ يَحْمَدُ إِخْوَتُكَ، يَدُكَ عَلَى قَفَا أَعْدَائِكَ، يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ” (تك 49: 8) وهو لقب الشرف والسيادة على الناس وعلى إخوته وهو ذات اللقب الذي أعطاه إسحق لابنه “يعقوب” (تك 27: 29).
وفي نبوة يعقوب عن هذه الرئاسة يصل بنا إلى البكر الحقيقي الرئيس الأعلى، رئيس ملوك الأرض، أعلى من جميع الملوك، وذلك في قوله: “لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ” (تك 49: 10 قابل مز 89: 27 مع رؤ 1: 5) هذا هو النصيب (الصولجان) الخارج من جذع يسى (إش 11: 1) هذا هو ابن داود من جهة الجسد وابن الله البكر الوحيد من جهة روح القداسة (رو 1: 3، 4 مع مت 1: 1) هذا هو الابن الذي سيأتي عنه الكلام في مقال تال، بوصف كونه ملك إسرائيل.
قد رأينا من التاريخ المقدّس ومن النصّ المشار إليه (1 أي 5: 1، 2).
1- أن البكورية قد نزعت من رأوبين.
2- أن الرئاسة والسيادة وشرف اللقب الملكيّ قد أُعطى لبني يهوذا.
ويمكن أنْ نضيف إلى هذين الأمرين هنا أنَّ سبط لاوي قد تميز عن سائر الأسباط، إذا تطَّهر، وتكرَّس موهوبًا لخدمة الرَّب، تعالى اسمه، لبيت هارون، هبة من بني إسرائيل، بدلاً من كل بكر، فاتح رحم كما نرى في نصّ آخر حيث يقول لموسى: “خُذِ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَطَهِّرْهُمْ… لأَنَّهُمْ مَوْهُوبُونَ لِي هِبَةً مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. بَدَلَ كُلِّ فَاتِحِ رَحِمٍ، بِكْرِ كُلّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اتَّخَذْتُهُمْ لِي.. أَنَّ لِي كُلَّ بِكْرٍ. يَوْمَ ضَرَبْتُ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَدَّسْتُهم لِي.. وَوَهَبْتُ اللاَّوِيِّينَ هِبَةً لِهَارُونَ وَبَنِيهِ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِيَخْدِمُوا خِدْمَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.” (عد 8: 6، 16- 19 اقرأ كل الإصحاح مع خر 4: 22، 23؛ 11: 4، 5؛ 12: 13، 29، 30).
في كل ما قيل يرتفع الوحي المقدّس بأفكارنا، في موضوع البكر عن الأرحام الجسديَّة إلى القصد الأزليّ في الولادة من فوق، الولادة الثانية، الولادة من الروح القدس وبخاصة في قوله: “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ. شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ”” (يع 1: 17، 18) كما يقول الرسول بطرس: “مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ” (1 بط 1: 23) لأنَّ “الْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3: 6 اقرأ ع1- 6) فالأبكار الحقيقيون هم المولودون من فوق بالروح القدس، بكلمة الحق، باكورة من جميع الخلائق لذلك دعيت الكنيسة “كَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 12: 23) وهم الذين سبق الآب فعرفهم معرفة المحبة في اختيار نعمته، فسبق فعينهم “لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ” (رو 8: 29، 30).
هذا هو البكر، “بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.” (كو 1: 15)، “بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ” (رؤ 3: 14) بالمعنى الذي بيَّنه الرسول بولس في قوله: “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ” (كو 1: 16، 17) معبَّرًا عن ذات المعنى الذي ذكره البشير يوحنا في ذات الشأن حيث قال: “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ” (يو 1: 3، 4) هذا هو الابن البكر الوحيد، الذي جعله الآب وارثًا لكل شيء “الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب 1: 2) كما أنَّه أيضًا “بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو 1: 18) “الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ” (رؤ 1: 5) بالمعنى الذي أوضحه الرسول بولس قائلاً: “وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ” (1 كو 15: 20- 23) فقد قام المسيح “وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا” (رو 1: 4) وفي ذلك تقترن البكورية بالبنوية في المسيح بالقيامة من الأموات وصار رأسًا لكنيسة الأبكار لذلك ينصح الرسول تلميذه تيموثاوس، تشجيعًا له في آلام الاضطهاد قائلاً: “اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ بِحَسَبِ إِنْجِيلِي” (2 تي 2: 8).
الآن قد انتهينا من الكلمة الأولى “إسرائيل ابني البكر” حيث تعرفنا على البكر الحقيقي “الابن الوحيد الذي في حضن الآب” رأسًا لكنيسة الأبكار، بكرًا بين إخوته المولودين ثانية: الخليقة الجديدة–إسرائيل الله، وها نحن سننتقل إلى الكلمة الثانية قوله جلَّ جلاله: “نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي”.
الكلمة الثانية: قوله جلَّ جلالهُ: “نسل إبراهيم خليلي”
وقد وردت في قول الرَّب بفم النبيّ إشعياء: “وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي” (إش 41: 8). في هذا اللقب نجد أنفسنا أمام مقطعين آخرين المقطع الأول: “إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي”، المقطع الثاني: “نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ”.
المقطع الأول: “إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي”
الرسول يعقوب في هذا الصدد بمناسبة تقديم إسحق محرقة يقول: “أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ، فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا وَدُعِيَ خَلِيلَ اللهِ” (اقرأ يع 2: 21- 23 مع تك 15: 1- 6).
على أنَّ موسى في التاريخ المقدّس قديمًا لم يذكر أية علاقة بين حسبان الإيمان برًا لإبراهيم وبين تقديمه إسحق محرقة وبالتالي لم يذكر أية علاقة بين هذين الأمرين، وبين دعوة إبراهيم “خليل الله” كما يتضح مما هو مدون في (تك 15: 1- 6) عن حسبان الإيمان برًا وفي (تك 17: 15- 17؛ 18: 9- 15) عن تأكيد الوعد وفي (تك 21: 1- 3) عن إتمام الوعد بولادة إسحق وفي (تك 22: 1- 14) عن تقديم إسحق محرقة فإن في كل هذا التاريخ لم يشر بشيء إلى القول “دُعِيَ (إبراهيم) خليل الله”.
على أنَّ العهد الجديد يُفسّر لنا بالوحي الإلهيِّ هذا الموضوع محققًا لنا أنْ ذلك الإيمان بالوعد، الذي حسب لإبراهيم برًا، هو أيضًا تلك القوة التي أعطته قدرة على تقديم ابنه الوحيد الذي أحبه بإطاعته للأمر الإلهيِّ فدعي خليل الله. ولعلَّ هذا اللقب بُني على قول الرَّب له: “فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي” (اقرأ تك 22: 1، 2، 15، 16) حيث نرى محبة الله في قلب إبراهيم نارًا مشتعلة فاق لهيبها لهيب محبته لابنه، فصار خليلاً حميمًا لله.
وفي تفسير الوحى المقدّس، يظهر أن إبراهيم “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال.” (عب 11: 17- 19). هذا هو الإيمان الذي سُر الله فسَّر بإبراهيم وقال، بقلب المحبة الصادقة: “إبراهيم خليلي” وهذا يدعونا إلى الدخول في المقطع الثاني: “نسل إبراهيم”.
المقطع الثاني: “نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ”
هو ذلك النسل الذي قيل فيه “بإسحق يدعى لك نسل” (تك 21: 12) وهو ذات النسل الذي وعد له أن يكون وارثًا للعالم كما قيل “فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ” (رو 4: 13).
أعطى هذا الوعد أولاً لإبراهيم ذاتيًا وصيغته “تَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (تك 12: 3) وتأكد له بأكثر وضوح في قول الرَّب له: “نْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا وَقَالَ لَهُ: هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ” (تك 15: 5) وقد ثبت هذا الوعد، بعهد قطعه الله معه قائلاً: “فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ… وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ.” (تك 17: 4، 5، 15، 16) وهي صيغة تحصر هذا النسل الموعود به في ابن يعطى لإبراهيم من سارة. وهذا يخرج جميع أولاد إبراهيم من غير سارة.
وعندما أقترب الموعد أكد الرَّب وعده في قوله: “إِنِّي أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ” (تك 18: 10 اقرأ ع 9- 14) حيث تحدد الزمان لإتمام ذلك الوعد وهكذا تم الوعد (اقرأ تك 21: 1- 8) وفي هذا الصدد يقول الرسول: “بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْل، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا لِذلِكَ وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ، وَذلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ.” (عب 11: 11، 12).
ويقول رسول الأمم في هذا الشأن: “أَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلاَدٌ. بَلْ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلًا.” (رو 9: 6- 8 اقرأ ع1- 9 مع تك 21: 9- 13) وهو قول يحدد نسل إبراهيم الموعود به، باعتبار كونهم جميع المؤمنين، الذين يحسب لهم الإيمان برًا، كما حسب لإبراهيم “فَكَيْفَ حُسِبَ؟ أَوَ هُوَ فِي الْخِتَانِ أَمْ فِي الْغُرْلَةِ؟ لَيْسَ فِي الْخِتَانِ، بَلْ فِي الْغُرْلَةِ! وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ، لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ، كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا الْبِرُّ. وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي الْغُرْلَةِ.” (رو 4: 10- 12).
إذًا نسل إبراهيم هم جميع الذين يسلكون في خطوات إيمان إبراهيم سواء أكانوا أممًا أم يهودًا لا فرق أما خطوات إيمان إبراهيم المقصودة فقد أوضحها الرسول أيضًا في قوله عن إبراهيم: “إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ». أَمَامَ اللهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ، الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ: «هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُوَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍوَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا للهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا. لِذلِكَ أَيْضًا: حُسِبَ لَهُ بِرًّا». (رو 4: 17- 22).
هذا يبين لنا جليًا أن إيمان إبراهيم كان إيمانًا بالله القادر أن يُحيي الموتى، فقد أقام من الأموات أبنًا في جسد ممات من مماتيّة مستودع سارة فهو إذًا إيمان بالقيامة من الأموات، لذلك يقول: “وَلكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ (برًا)، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا (الإيمان برًا)، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رو 4: 23- 25). لذلك يقول أيضًا: “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ.” (رو 10: 9، 10).
على أنَّ الرسول يرتفع في هذه النغمة الموسيقيّة، الخاصة بنسل إبراهيم، إلى أعلى درجات السمو، فيصل بنا إلى السيد المسيح باعتبار كونه ذاك النسل المبارك: “النسل الذي وعد له” كما قيل: “وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي “نَسْلِهِ”. لاَ يَقُولُ: «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ. (انظر غل 3: 16، 19). على أنَّه وهو في هذا السموِّ العجيب، لم ينس الذين للمسيح باعتبار كونهم هم أيضًا نسل إبراهيم، كما سبقت الإشارة فأوضح هذه الحقيقة قائلاً: “أَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ أَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ.”
هكذا تمَّت الكلمة النبويّة القائلة عن المسيح: “إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى “نَسْلًا” تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا.” (اقرأ إش 53: 10- 12).
الآن وقد انتهينا من الكلمة الثانية وهي “نسل إبراهيم” ورأينا هذا النسل المبارك أنه المسيح ونسله سنتقدم إلى فحص الكلمة الثالثة من الصفة الرمزية النبويّة هي قوله له المجد: “أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد” (إش 49: 3 اقرأ كل الأصحاح)
ثالثًا: الصفة الرمزيّة النبويّة هي قوله له المجد: “أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد”
الصفة الرمزيّة النبويّة هي قوله له المجد: “أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد”، في هذه الكلمة أيضًا نرى مقطعين: أولهما: أنت عبدي إسرائيل. ثانيهما: الذي به أتمجد.
المقطع الأول: “أنت عبدي إسرائيل”
وهل يتفق اللقب “عبدي” مع اللقب “ابني”؟ هل يصح أن يُقال “عبدي إسرائيل” بعد أن قيل: “إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ”؟ (خر 4: 22) ومن العجيب أن يكرر إشعياء النبيّ الملقب بالإنجيليّ هذا اللقب: “عبدي” حيث يقول: “هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ” ولكنه يلحقه بالقول: “هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ.” (إش 42: 1- 4) نجد جوابًا لهذا السؤال فيما ورد في (مت 12: 15- 20) حيث نجد أن هذا العبد المختار هو “يسوع” الذي يخرج الحق إلى النصرة، وعلى أسمه يكون رجاء الأمم.
وإذا رجعنا إلى تعبير أخر حيث نسمع القول: “هوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا. كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. هكَذَا يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ، لأَنَّهُمْ قَدْ أَبْصَرُوا مَا لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ.” (إش 52: 13- 15).
أي عبد هذا؟ الذي عليه تنطبق هذه الأوصاف العجيبة الفائقة جدًا ويزداد التساؤل في عجب أشد معبرًا عنه بالقول: مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. (اقرأ هذا التساؤل كما ورد في إش 53: 1- 3 وانظر الجواب كما ورد في يو 12: 35- 41 مع إش 6: 9، 10مع مت 13: 13- 15، مر4: 12؛ أع 28: 25- 27).
في هذه الشواهد نتحقق أن هذا العبد الملقب “عبدي إسرائيل هو “المسيح يسوع” الذي قال فيه رسول الأمم ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي “الْمَسِيحِ يَسُوعَ” أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ” (في 2: 5- 7) وهو ذلك العبد الذي عبر عنه “ابن الله” ذاته عن نفسه بلغة الكلمة النبويّة في خطابه لأبيه قائلاً: “أذني فتحت” هأَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي” (مز 40: 6- 8).
وهو قول ورد مُفَسَّرًا في العهد الجديد على النحو التالي لذلك عند دخوله إلى العالم، يقول: “ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا.. هنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ” فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً. (انظر شرح عب 10: 1- 5).
الإشارة في كل ذلك تتضح وضوحًا جاليًا من الشريعة الموسويّة الخاصة بثقب أذن العبد الحر الذي يحب سيده، فيخدمه إلى الأبد وهي الشريعة المنوء عنها في قول المرنم: “أذني فتحت” (اقرأ خر 21: 2- 6 مع مز 40: 6- 8 مع عب 10: 5- 10 مع في 2: 6- 8 اقرأ أيضًا يو 4: 31- 34؛ 6: 38- 40؛ 8: 29؛ 14: 30، 31).
هذا هو “عبد الرَّب” الذي قيل في صدده، “أَيُّهَا الصُّمُّ اسْمَعُوا. أَيُّهَا الْعُمْيُ انْظُرُوا لِتُبْصِرُوا. مَنْ هُوَ أَعْمَى إِلاَّ عَبْدِي، وَأَصَمُّ كَرَسُولِي الَّذِي أُرْسِلُهُ؟ مَنْ هُوَ أَعْمَى كَالْكَامِلِ، وَأَعْمَى كَعَبْدِ الرَّبِّ؟ نَاظِرٌ كَثِيرًا وَلاَ تُلاَحِظُ. مَفْتُوحُ الأُذُنَيْنِ وَلاَ يَسْمَعُ. الرَّبُّ قَدْ سُرَّ مِنْ أَجْلِ بِرِّهِ. يُعَظِّمُ الشَّرِيعَةَ وَيُكْرِمُهَا” (قابل إش 42: 18- 23؛ 50: 7- 9 مع 1 بط 2: 21- 25).
المقطع الثاني: “الذي به أتمجد”
هذا قول الآب عن ابنه الذي يلقب هنا بلقب: “عبدي إسرائيل” وهذا أمر يحققه لنا هذا الابن ذاته في صلاته ليلة صلبه وهو يقول: “أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.” (يو 17: 1، 4، 5).
وهو ترديد لما سبق أن نطق به وهو متكئ على العشاء بعد خروج يهوذا لإتمام ما ألقاه الشيطان في قلبه ليسلم سيده (يو 13: 3) حيث قال: “لآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللهُ فِيهِ. إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ، وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعًا.” (يو 13: 31، 32).
هذا هو التمجيد الذي يتضح في لغة النبوة ما رواه النبيّ إشعياء بروح هذا الآن وعن لسانه قائلاً: “اِسْمَعِي لِي أَيَّتُهَا الْجَزَائِرُ، وَاصْغَوْا أَيُّهَا الأُمَمُ مِنْ بَعِيدٍ: الرَّبُّ مِنَ الْبَطْنِ دَعَانِي. مِنْ أَحْشَاءِ أُمِّي ذَكَرَ اسْمِي، وَجَعَلَ فَمِي كَسَيْفٍ حَادٍّ. فِي ظِلِّ يَدِهِ خَبَّأَنِي وَجَعَلَنِي سَهْمًا مَبْرِيًّا. فِي كِنَانَتِهِ أَخْفَانِي. وَقَالَ لِي: «أَنْتَ عَبْدِي إِسْرَائِيلُ الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ.” (إش 49: 1- 3 مع غل 1: 15 مع عب 4: 12، 13 مع رؤ 1: 16؛ 2: 12؛ 19: 15 مع إر 23: 28، 29 مع مت 3: 10- 12) حيث نتبين قصد الآب في أرسال ابنه عبدًا متجسدًا كما سبقت الإشارة في لقب “عبدي إسرائيل” وهذا القصد منحصر في تمجيد الآب في الابن وفي نور قرينة الكلام هذا، وبخاصة في قوله: “وَالآنَ قَالَ الرَّبُّ جَابِلِي مِنَ الْبَطْنِ عَبْدًا لَهُ، لإِرْجَاعِ يَعْقُوبَ إِلَيْهِ، فَيَنْضَمُّ إِلَيْهِ إِسْرَائِيلُ فَأَتَمَجَّدُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَإِلهِي يَصِيرُ قُوَّتِي” (إش 49: 5) يتضح لنا أن الآب أرسل ابنه الحبيب عبدًا متجسدًا إلى بيت إسرائيل، في مأمورية خاصة مبينة في قول الوحي: “فَإِذْ كَانَ لَهُ أَيْضًا ابْنٌ وَاحِدٌ حَبِيبٌ إِلَيْهِ، أَرْسَلَهُ أَيْضًا إِلَيْهِمْ أَخِيرًا، قَائِلًا: إِنَّهُمْ يَهَابُونَ ابْنِي” (مر 12: 6 انظر مت 21: 27؛ 20: 13).
وقد وضع هذا الابن الواحد الحبيب هذه المأمورية الخاصة على قلبه إطاعة لأمر الآب السماويّ وإتمامًا لقصده الأزليّ لذلك “إلى خاصته جاء” (يو 1: 11). جاء خصيصًا لبيت إسرائيل كما صرح بذلك أأثناء تلك الإرساليّة في قوله لتلاميذه “لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة مؤكدًا ذلك المرأة الكنعانية في صرختها إليه لشفاء ابنتها في قوله لها: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين (بيت إسرائيل) ويطرح للكلاب (الأمم) (اقرأ مت 15: 21- 28) وهكذا أوصى تلاميذه باحترام هذه الإرساليّة الخاصة عندما أرسلهم قائلاً: “إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا، بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ” (مت 10: 5، 6).
على أنَّه بالرغم من إعداد الابن الوحيد “عبدي إسرائيل” لهذه المأمورية إعدادًا خاصًا، وبالرغم مما تسلح به ذلك العبد من السهام النارية الفعالة سهام الكلمة الإلهيّة الحية وبالرغم من محافظته على قصد الآب باختصاص هذه الإرساليّة ببيت إسرائيل لم تثمر إرساليته إليهم ولم يتم انتظار صاحب ذلك الكرم حيث “انتظر أن يصنع عنبًا فصنع عنبًا رديئًا” (إش 5: 2، 4) لأن الكرامين حالما رأوا ذلك الابن آتيًا إليهم يطلب ثمرًا من ذلك الكرم قالوا: “هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ فَيَكُونَ لَنَا الْمِيرَاثُ” (مر 12: 7 انظر مت 21: 38 ولو 30: 14 مع أع 4: 10) وذلك بعد أن قتلوا جميع الذين أرسلوا إليهم قبله (اقرأ مت 21: 33- 38 مع مر 12: 1- 7 مع لو 30: 9- 14) فلم يقف عنادهم إلى حد أنَّهم أبغضوه بلا سبب وأبغضوا أباه أيضًا (يو 15: 24، 25 مع مز 69: 4) بل تعدى الأمر إلى أنَّهم قتلوه معلقين إياه على خشبه (أع 5: 20؛ 10: 29 انظر مت 27: 15- 26 اقرأ ص 26: 63- 66 مع ص 27).
على أنَّه بالرغم من عدم قبولهم إيَّاه وبالرغم من كونهم احتقروه ورفضوه وأبغضوه هو والآب فإنَّه بقى محافظًا على هذه المأموريَّة الخاصة بالطريقة المبينة في مثل العرس أي في إرسال الدعوة إلى وليمة العرس أولاً المدعوين الذين هم بيت إسرائيل يوصف كونهم إسرائيليين ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد” (رو 9: 4، 5) حيث قيل في المثل المشار إليه إنَّ الملك الذي صنع العرس لابنه أرسل عبيده ليدعوا أولئك المدعوين (وهم اليهود) إلى العرس… ثم عاد أيضًا فأرسل عبيدًا آخرين قائلاً: “قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ!” (اقرأ مت 22: 1- 4)
وقد تمت هذه الدعوة فعلاً بمقتضى قصد الآب في كون الابن الوحيد الحبيب العريس المبارك بعد قيامته من الأموات وعند صعوده إلى السموات أوصى تلاميذه بالروح القدس ليكونوا شهودًا له قائلاً: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ ” (أع 1: 8). إتمامًا للكلمة النبويّة المكتوبة القائل: “سيخرج من صهيون” “المنقذ” ويرد الفجور عن يعقوب” (قابل رو11: 26 مع مز14: 7 مع إش 59: 20) فإنَّه من صهيون أي من أورشليم لابد أن تخرج الدعوة الإنجيليّة بيد هؤلاء الرسل إلى أولئك الإسرائيليين لردهم عن فجورهم المبين في مثل الكرم (مت 21: 23- 46) والذي وصل إلى حد لا يطاق في قتل هذا الوارث الحقيقي.
هكذا فعل الرسل كما أوصاهم سيدهم مقدمين الدعوة أولاً إلى أولئك المدعوين الإسرائيليين كما يتبين من قول بطرس رسول الختان: “أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلًا لإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (أع 3: 25، 26 اقرأ أع 14- 26). ومن قول بولس رسول الأمم: “كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلًا بِكَلِمَةِ اللهِ” (أع 13: 46) ولكنهم بالرغم من كل ذلك لم يرعوا عن غيهم ولم يرتدوا عن فجورهم بل زادوا وملئوا مكيال أبائهم كما تنبأ لهم السيد، له المجد، قبل موته قائلاً: “فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ” (مت 23: 29- 36).
هكذا حمَّ القضاء على تلك الأمة اليهوديَّة وتمَّ خرابها كما أنبأ السَّيِّد نفسه وكما أعلن في مثل العرس حيث قيل: “فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولئِكَ الْقَاتِلِينَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ” (مت 22: 7) فقد كان جنود غضبه في تلك المناسبة جنود النسور الرومانيَّة التي عبر عنها بقوله: “حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ” (قابل مت 24: 28 مع لو 17: 27) فقد أصبحت هذه الأمة بعد أنشقاق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل (مت 27: 51) وزوال المجد من إسرائيل وإبطال العبادة الطقسيَّة الخاصة بذلك النظام، أصبحت تلك الأمة جثة هامدة لا حياة فيها في شرها وعنادها فأرسل الملك النسور الرومانيَّة لإتمام الخراب فأحاطوا بالمدينة وهدموها وبنيها فيها وأحرق الهيكل وقتل الشعب وتشتت وحرثت الأرض وتمَّ قول السيد: “يَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ” (لو 19: 44 مع مت 24: 2 اقرأ لو 19: 41- 44 مع مت 23: 37؛ 38 مع دا 9: 23- 27؛ 12: 11؛ مت 24: 15- 28؛ مر 13: 14؛ لو 21: 20- 24؛ مت 34: 10- 28؛ مر 12: 9- 12؛ يو 13: 31- 35؛ 21: 5- 32). أأ أأأ
فقد كان أولئك الجنود الذين أرسلهم “الملك رب الجنود في غضبه، هم جنود النسور الرومانيَّة” بقيادة القائد تيطس حيث أحرق الهيكل وحرثت المدينة وتشتت الشعب في سنة 70 ميلاديّة.
هكذا تم القضاء مبرمًا، على بيت إسرائيل ومزقت النسور الرومانيَّة تلك الجثة البالية وانتهت علاقة لك الأمة بالإله العظيم “يهوه” كأمة خاصة بجلاله وأصبحوا كسائر أمم الأرض، كما عبَّر النبيّ إشعياء في تمثيله تلك الأمة بكرم حيث أنشد قائلاً: “كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ، فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ، وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ، وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا. «وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟ فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الْغَيْمَ أَنْ لاَ يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرًا».إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ، وَغَرْسَ لَذَّتِهِ رِجَالُ يَهُوذَا. فَانْتَظَرَ حَقًّا فَإِذَا سَفْكُ دَمٍ، وَعَدْلًا فَإِذَا صُرَاخٌ.” (اقرأ إش 5: 1- 7).
هكذا سقطت “أسباط يعقوب” وكأننا نرى هذا الابن الحبيب “عبدي إسرائيل” والدموع تذرف من عينيه وصوته يتهدج في بكائه على أورشليم وهو يقول بلغة النبوة “إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ… أَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ” (اقرأ لو 19: 40- 41) “عَبَثًا تَعِبْتُ. بَاطِلًا وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي” (إش 49: 4).
على أن هذا الابن المبارك (عبدي إسرائيل) يعود فيقول: ولكن “حَقِّي عِنْدَ الرَّبِّ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلهِي” (إش 49: 4) محققًا أن هذه الإرساليّة لا يمكن أن تفشل لأن كلمة الله لا يمكن أن تسقط ووعده لابد أن يتم وبخاصة بعد أن سمع قول الرَّب له: “قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (إش 49: 6) وهو وعد يحقِّق لهذا الابن المحبوب أن إقامة أسباطج يعقوب تقوم لا برد محفوظي إسرائيل فحسب بل يضم الأمم أيضًا في كل أقاصي الأرض، وأن شعبه سيكون من كل أمة وقد تحقق هذا الوعد فعلاً، بإعلان السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال أخر لم يعرف به بنو البشر كما أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح، هذا السر هو “أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ” (قابل كو 1: 26، 27؛ مع أف 3: 4- 6).
بمقتضى هذا الإعلان أدرك الرسول بولس، رسول الأمم هذا السر ولكنه لم ينس أيضًا أن يقدم كلمة الكرازة أولاً لليهود وهذا ما فعله في أنطاكية بيسيديّة بعد إفرازة في أنطاكية سوريّة رسولاً خاصًا للأمم، حين دخل مجمع اليهود وكرز لهم في يوم السبت: “وَفِي السَّبْتِ التَّالِي اجْتَمَعَتْ كُلُّ الْمَدِينَةِ تَقْرِيبًا لِتَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ وبينهم الأمم، فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودُ الْجُمُوعَ امْتَلأُوا غَيْرَةً، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ.” (أع 14: 43- 44) أَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ” (يع 3: 14- 16).
وفي مرارة هذه الغيرة وفي شدة هذا التحزب “جعلوا (اليهود) يقاومون ما قاله بولس مناقضين ومجدفين (أع 13: 45) كعادتهم ولا عجب فإنَّ هذه هي طبيعتهم كما وصفهم الرسول بقوله: “الَّذِينَ قَتَلُوا الرَّبَّ يَسُوعَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ، وَاضْطَهَدُونَا نَحْنُ. وَهُمْ غَيْرُ مُرْضِينَ للهِ وَأَضْدَادٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ. يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ الأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا، حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَةِ.” (1 تس 2: 15، 16).
وما كان أعجب موقف الرسول أمام تلك الغيرة المرة، مواجهًا إياهم مجاهرًا بالقول: “إنَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلًا بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ. أَنْ هكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلاَصًا إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ. فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ” (أع 13: 46- 48 اقرأ كل الأصحاح). هذه الوصية الخاصة بالأمم (أع 13: 47) هي ذات الوعد النبويّ (إش 49: 6) وكلاهما مقترن بشخص واحد في موضوع واحد أما الشخص الواحد فهو “عبدي إسرائيل” (إش 49: 3) وقد تكلّمنا عنه بوضوح.
أما الموضوع الواحد، فعنوانه بحسب هذه النبوة هو “إقامة أسباط يعقوب” ولعله هو ذات الموضوع الذي تنبأ به عاموس النبيّ عن إقامة “مِظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ” حيث قال: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ مِظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأُحَصِّنُ شُقُوقَهَا، وَأُقِيمُ رَدْمَهَا، وَأَبْنِيهَا كَأَيَّامِ الدَّهْرِ.” يقول الرَّب الصانع هذا (عا 9: 11، 12) وقد فسَّر العهد الجديد هذه الكلمة النبويّة باعتبار كونها نبوة عن دعوة الأمم للدخول في ملكوت الله “بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” قابل (1 تي 3: 15 مع مت 21: 43) ولذلك يقول رسول الأمم المتنصرين في الأمم: “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلًا، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ (الكنيسة) مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ (يهود وأمم) مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ. (أف 2: 19- 22 اقرأ ع 11- 22).
بهذا التفسير، يتضح لنا أن “إقامة أسباط يعقوب” وبالتالي إقامة مِظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ يتم بدخول الأمم مع اليهود في الكنيسة، جنبًا إلى جنب دون تفريق بينهما كما قيل: “وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ” (قابل كل 3: 9- 11 مع غل 3: 26- 29؛ 6: 14-16).
هذه الحقيقة أعلنها الروح القدس صريحًا في قرار المجمع الأورشليميِّ الأول على يد الرسل والمشايخ في قضية بين قوم من متنصري اليهود وبين الرسول بولس رسول الأمم حيث كان أولئك المتنصرون يعلمون الأمم المتنصرين قائلين: “إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا فَلَمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ، رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى الرُّسُلِ وَالْمَشَايخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هذِهِ الْمَسْأَلَةِ (القضية). وبعد أن استمعوا من بولس وبرنابا عن عمل الرَّب بين الأمم وبعد أن تكلم بطرس عن اهتداء الأمم إلى المسيح عن يده بحيث لم يفرق بينهم وبين اليهود قام يعقوب (ولعله كان رئيس المجمع حيئنذ) وأثبت أن ما حدث وما قيل في شأن الأمم توافقه أقوال الأنبياء مشيرًا إلى نبوة عاموس (عا 9: 11، 12).
بشأن إقامة خيمة داود الساقطة محققًا أن تلك النبوة بإقامة تلك الخيمة ثانية وبناء ردمها وتحصين شقوقها إنما هي نبوة بإقامة كنيسة المسيح يهودًا وأممًا من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة، مبرهنًا ذلك من نصّ ذات النبوة حيث يقول: “سَأَرْجعُ بَعْدَ هذَا وَأَبْنِي أَيْضًا خَيْمَةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأَبْنِي أَيْضًا رَدْمَهَا وَأُقِيمُهَا ثَانِيَةً، لِكَيْ يَطْلُبَ الْبَاقُونَ مِنَ النَّاسِ الرَّبَّ، وَجَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ الصَّانِعُ هذَا كُلَّهُ.” (أع 15: 16، 17).
وقد عقَّب يعقوب على هذا الكلام قائلاً معلومة عند الرَّب منذ الأزل جميع أعماله (أع 15: 18). وبهذا التعقيب يرجع بنا إلى بطن الأزل حيث لا تاريخ ولا زمن إلى قصد الآب قبل كل الدهور في ملكوت ابنه، وكنيسته المباركة، عروسه المحبوبة لتضم جميع المختارين من أقاصي الأرض إلى أقاصيها من كل أمة وقبيلة ولسان وشعب مكافأة لابنه الحبيب الملقب في النبوة بلقب “عبدي إسرائيل” في تجسده وذبيحته كقول النبيّ إشعياء أيضًا: “إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ” (إش 53: 10 اقرأ كل الأصحاح) وهذا هو السرور الذي أعطى الابن قوة على احتمال كل المشقات في هذه الإرساليّة كما يتضح من القول: “نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ” (عب 12: 2).
وأي سرور له أعظم من أن يكون بكرًا بين إخوة كثيرين وأي فرح لقلبه أسمى من أن يضع نفسه لأجل كنيسته التي أحبها، وأسلم نفسه لأجلها، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ” (أقرأ أف 5: 25- 33) فإن يشعر بعد بأن تعبه كان باطلاً ولا أن قدرته قد أفنيت عبثًا إذ صار نورًا للأمم وخلاصًا إلى أقصى الأرض (قابل إش 49: 6 مع أع 13: 47).
وقد حقق لنا الرائي االلاهوتيّ يوحنا ذلك حين رأى الأربعة الحيوانات والأربعة والعشرين شيخًا وقد خروا أمامه مترنمين قائلين: “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 5: 9، 10 اقرأ كل الأصحاح مع ص7: 9- 17).
وهل ننسى مجد إسرائيل؟ والكلمة النبويّة تحقق لنا أن تعب هذا الابن الوحيد لم يكن باطلاً إلى أقصى حدوده في إرساليّته إلى إسرائيل وأن “أسباط يعقوب” لم تسقط إلا لتقام ثانية وأن مظلة داود لم تصر ردمًا، إلا لتعود إلى البناء، فلابد أن يتم قصد الله الأزليّ، أيضًا برد محفوظي إسرائيل (إش 49: 6). كجزء من مكافأة أتعاب ذلك الابن الملقب “عبدي إسرائيل” وهذا هو ما نطق به الروح القدس بفم سمعان في قوله عن الصبي يسوع، حين وجده في الهيكل وعمره أربعين يومًا وأخذه على ذراعيه وباركه وقال: “الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ” (لو 2: 29- 32 اقرأ ع 25- 35) الأمر الذي يحقق لنا أن قصد الله الأزليّ كان هو أن تكون كنيسته المباركة بسب اختيار النعمة من جميع أمم الأرض وشعوب المسكونة أفرادًا مكتوبة أسماؤهم منذ تأسّيس العالم في سفر حياة الخروف (رؤ 13: 8 راجع خر 32: 32؛ دا 12: 1؛ في 4: 3؛ رؤ 3: 5؛ 20: 12، 15؛ 21: 27).
كما عقَّب البشير يوحنا على نبوة رئيس الكهنة قيافا بقوله: “بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ” (يو 11: 50- 52 قابل مت 24: 31).
وقد أثبت التاريخ المقدّس قديمًا أزليَّة هذا القصد في إدخال بعض أفراد الأمم إلى جماعة إسرائيل بطرق شتى، حيث نقرأ عن راحاب الزانية وبيتها من شعب أريحا (اقرأ يش 2: 1-19؛ 6: 17، 23 مع مت 1: 5 مع عب 11: 31) وعن راعوث الموآبيَّة (مت 1: 5 اقرأ سفر راعوث 1- 4، 15- 19؛ 4: 13- 17) وأرملة صرفة صيدا التي اختارها الرَّب دون جميع أرامل إسرائيل وأمرها أن تعول إيليا النبيّ فعالته مدة ثلاث سنين وستة أشهر جوع في إسرائيل (1 مل 17: 8- 24 مع لو 4: 25، 26؛ يع 5: 17) ونعمان السريانيِّ الذي اختاره الله دون جميع البرص في إسرائيل لشفائه من برصه (اقرأ 2 مل 5؛ انظر لو 4: 27) والسيد في زمانه شهد شهادة إلهيّة حقًا عن رجل أمميّ وعن امرأة أمميّة بالنسبة إلى إيمانهما فشَهَدَ عن الرجل وهو قائد مئة رومانيّ قائلاً لليهود: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا” (مت 8: 10؛ اقرأ ع 5- 13) كما شَهَدَ للمرأة بقوله لها: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ.” (مت 15: 28؛ اقرأ ع 21- 28).
ويضيف الرسول بولس إلى ما ذكره أن الله “الَّذِي فِي الأَجْيَالِ الْمَاضِيَةِ تَرَكَ جَمِيعَ الأُمَمِ يَسْلُكُونَ فِي طُرُقِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ، وَهُوَ يَفْعَلُ خَيْرًا” لجميع الأمم على السواء (اقرأ أع 14: 15- 18؛ انظر مت 5: 45 مع لو 6: 35، 36) الأمر الذي يؤكِّد لنا أن الله لم يترك الأمم نهائيًا إذ كان في قصده الأزليّ أن يعود بهم إلى كنيسته المباركة ليعطيهم لابنه الحبيب ضمن شعبه المقدّس الذي قدس نفسه لأجله لذلك نسمع الرسول يقول للاثينوبين وهم أمم يونانيّون فلاسفة: “فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (أع 17: 30، 31 اقرأ الخطاب من ع 22-31).
كما أثبت التاريخ المقدّس قديمًا قصد الله الأزليّ من جهة الأمم كما رأيناه هكذا أيضًا أثبت ذلك التاريخ قصد الله بشأن بني إسرائيل، الذين نقضوا عهده وهدموا مذابحه وقتلوا أنبياءه وعبدوا البعل بقيادة إيزابل الشريرة في زمان الملك آخاب، حيث نسمع إيليا يرفع صوته عاليًا مشتكيًا بنفس مرة ذلك الشعب قائلاً للرب: “قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا” (1مل 19: 10) فأجابه الرَّب: “وَقَدْ أَبْقَيْتُ فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ” (1 مل 19: 18؛ اقرأ رو 11: 1- 5 مع 2 مل ص17، 18، 19).
هذه البقية التي أبقاها الرَّب في إسرائيل حسب اختيار النعمة هي المعبَّر عنها في نبوة إشعياء بالقول: “محفوظي إسرائيل” (إش 49: 6) هم المحفوظون أفرادًا في هذا الشعب لينضم إليهم أبناء الله من جميع الأمم لإقامة خيمة داود الساقطة لتكون كنيسة الله الحي عمود الحق وقاعدته (1 تي 3: 14، 15).
أما الباقون من بني إسرائيل الذين تقسوا ولم يؤمنوا ونقضوا عهد الله للهلاك، فسيأتي الكلام عنهم في مقال خاص مُفَصّل، شرحًا لما أورده الرسول بولس في هذا الشأن في الأصحاحات 9، 10، 11 من رسالته إلى أهل رومية تحت عنوان “سقوط إسرائيل”. أأ
[1] يمكن الرجوع إلى دراسة عن “غبريال رزق الله المعلم الأول” للقس أمير ثروت، نُشِرَت في العدد يناير 2021، ص 84- 87.
أسم الكاتب : ق. حمدي سعد
سألني أحدهم مرة: هل أنتم كإنجيليين، تؤمنون بالاختطاف!
أجبته وقتها وها أنا أجيب هنا: بالطبع نحن نؤمن بالاختطاف لأنه حقيقةٌ كتابيةٌ مؤكَّدةٌ، وكلمة الرب تشهد بذلك.
“فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ” (1تس 4: 15-17).
الاختطاف هو جزءٌ من أحداث مجيء الرب ثانيةً. هذا الرجاء الحي الذي تنتظره الكنيسة كعروس المسيح، ولسان حالها: “آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ”. وكل الذين اختبروا نعمة المخلصة، ويعشون “ِبالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ، مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (تي 2: 11-13).
وكلما مرت الأيام وتوالت السنون، أصبح مجيء الرب قريبًا، وهذا يدفعنا أكثر أن نكون “في سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى، مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ” (2بط 3: 11، 12). والذي سبق وخاطب تلاميذه، يخاطب شعبه في كل زمان: “اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ” (مت 24: 42).
وعند صعود المسيح إلى السماء، كان تلاميذه في حالة من الحيرة والاندهاش: “َلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالاَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ»” (أع 1: 9-11). ومنذ ذلك الحين والكنيسة تتوقع بالصبر والرجاء قرب مجيئه، والذي تبدأ أحداثه الرهيبة باختطاف الكنيسة. سيجيء الرب بمجد محاطًا بالملائكة القديسين، فيُقام الأموات عديمي فساد، ويتغير الأحياء إذ يلبسون أجسادهم الجديدة، “فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1كو 15: 52)، ويخطفون جميعًا -جميع المفديين- لملاقاة الرب في الهواء. وهذا الاختطاف يحدث قبل انسكاب غضب الله على العالم والدينونة الأبدية.
وقد أخذ موضوع الاختطاف حيزًا كبيرًا في تفسير المدرسة التدبيرية لمجيء المسيح ثانيةً. وخلاصة رأيهم:
ونتناول بتركيز شديد هذه الآراء السابقة والمرتبطة بالاختطاف:
هذا المفهوم يعتبر مخالفًا تمامًا لكلمة الله. ألم يقل المسيح: “لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (مت 24: 44). فإن كان الاختطاف سيتم قبل مجيئه، فما الداعي أن يحض المسيح على الاستعداد لمجيء ابن الإنسان؟ ألم يقل أيضًا: “تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ” (لو 19: 13)، فكيف للكنيسة أن تتاجر حتى يجيء، إذا كانت قد اختطفت قبل مجيئه بسبع سنوات؟ ووعد الرب تلاميذه: “آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ” (يو 14: 3). وواضح أن الرب يسوع عندما يأتي سيأخذ تلاميذه إليه. وأخذهم إليه لن يكون قبل مجيئه بسبع سنوات!
وفي اتفاق رائع مع تعاليم الرب يسوع، يقدم الرسلُ النصحَ للمؤمنين: “فتَأَنَّوْا أَيُّهَا الإِخْوَةُ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ. هُوَذَا الْفَلاَحُ يَنْتَظِرُ ثَمَرَ الأَرْضِ الثَّمِينَ، مُتَأَنِّيًا عَلَيْهِ حَتَّى يَنَالَ الْمَطَرَ الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ” (يع 5: 7)، “لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا «سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ” (عب 10: 37). مرة أخرى نتساءل: لماذا تحريض الإخوة على التأني إلى مجيء الرب، إذا كان رجاؤهم الحقيقي هو في الاختطاف السابق لمجيئه؟
ويكتب الرسول بولس إلى المؤمنين في كورنثوس: “وَأَنْتُمْ مُتَوَقِّعُونَ اسْتِعْلاَنَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1كو 1: 7). فإذا كان بولس الرسول يعتقد أن المؤمنين سوف يؤخذون إلى السماء في اختطافٍ سريٍّ قبل المجيء بسبع سنوات، فلماذا تحدث عن “المؤمنين” بأنهم متوقعون ذلك؟ واضح أن بولس الرسول لم يكن يرى أن الاختطاف حدثٌ مستقلٌّ، حتى في الأجزاء الكتابية الخاصة بالاختطاف. فقد عبَّر بوضوح أن اختطاف المؤمنين هو مجيء الرب: “فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” (1تس 4: 15، 17). وعندما نضع هذه الإشارات الكتابية الواضحة، لم نجد أنه من الصعوبة قبول ما يراه البعض من أن الاختطاف هو حدث منفصل عن المجيء الثاني.
ويحاول التدبيريون الرجوع للمصطلحات المختلفة التي استُخدمت للتعبير عن المجيء. ويرون أن الاختطاف يُعبَّر عنه بكلمة “باروسيا” Parousia، أما مجيئه الأخير فيُعبر عنه بكلمتي “أبوكالبسيس” Apocalypses، و”إبيفانيا” Epiphania (هناك دراسة تفصيلية لهذه المصطلحات في كتاب أشهر للنبوات- صفحة 143-148 للكاتب). لكن أقول فقط هنا على سبيل المثال ما جاء في (1تس 4: 15) “نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ (باروسيا)، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ”، ويعتبر البعض أن هذه الكلمة هي مصطلح الاختطاف. إلا أننا نجد نفس الكلمة في (1تس 3: 13) “لكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلاَ لَوْمٍ فِي الْقَدَاسَةِ، أَمَامَ اللهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ (باروسيا) رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ”. ومع أنها نفس الكلمة، لكنهم (التدبيريون) يرون أنها تشير إلى الظهور أو الاستعلان أو مجيء الرب مع قديسيه. ثم أن الرسول في (2تس 2: 8) يضع هذا المصطلح (باروسيا) بعد استعلان الأثيم – وليس قبل: “الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ”
وأمثلة أخرى كثيرة جدًّا تؤكد بشهادة الكتاب نفسه أن التمييز بين أنواع المجيء أو مراحله المتعاقبة بناءً على المصطلحات الكتابية، أمر غير صحيح كتابيًّا.
نحن نؤمن أن المسيح جاء إلى عالمنا قبل ألفى عام، وسيجيء ثانية في ساعة لا يعلمها أحد. وفي كل تاريخ الكنيسة حتى القرن الثامن عشر، الكل يعرف ويُعلِّم بالمجيء الأول (الميلاد)، والمجيء الثاني. لكن ظهر التعليم أن الرب سوف يأتي مرتين، الأول في اختطاف سري، والثاني بعد سبع سنوات يأتي بمجد وقوة عند نهاية الأزمان. فهؤلاء يرون أن المسيح جاء أولًا في الميلاد، ثم في النهاية يحدث المجيء الثاني والمجيء الثالث. ولا بد أن نذكر أن الغالبية لا يستخدمون تعبير “المجيء الثالث”، بل يفضلون القول إن المجيء الثاني سيكون على مرحلتين.
وأساس هذه الفكرة هو فهم خاطئ لكلمة “القديسين” وارتباطها بأحداث المجيء. فبينما يرى التدبيريون أن “القديسين” هم المؤمنون، يؤكد الكتاب المقدس أنهم الملائكة:
“وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ” (مت 25: 31).
“أَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ، فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ” (مر 8: 38)
“وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلًا: هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ” (يه 14)
“فَقَالَ: جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ” (تث 33: 2)
ولهذا قيل إن الناموس أُعطِي بترتيب ملائكة (قارن أع 7: 53، عب 2: 2).
إذن سيجيء الرب ثانيةً -على مرحلة واحدة- يرافقه هؤلاء القديسون، ليصنع دينونة على الجميع (يه 15). وقد أعطى الربُّ هذا الدور للملائكة وليس للمؤمنين: “هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ” (مت 13: 49، 50)، عند “اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (2تس 1: 7، 8).
يرى التدبيريون أن الاختطاف سيكون مجيئًا سريًّا، وسيعرف عنه المؤمنون فقط. سيحدث في صمت وسيكون مفاجئًا مثل خطوات اللص في الليل، وسيعلم العالم أن جمهورًا غفيرًا قد أُخذ فجأة، والرد على هذا يقدمه أشهر نصوص الاختطاف (1تس 4: 15-17). والسؤال: أيه سرية هنا؟ لاحظ كم الأحداث والظواهر: قيامة الراقدين، حضور الرب بنفسه، هتاف صوت رئيس ملائكة، بوق الله، اختطاف الجميع. سيكون كل ذلك علانية، والمسيح نفسه سبق وأخبر بهذا: “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ مِنْ نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ يُضِيءُ إِلَى نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ، كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا ابْنُ الإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ” (لو 17: 24).
لمزيد من البحث في عدم سرية الحديث راجع: (مت 24: 27، 30، 25: 31-46، رؤ 2: 15، 16، 1كو 4: 5، 15: 51، 52، 2كو 5: 10، رؤ 19: 11).
كيف يكون سريًّا؟ سيكون مجيئه في مجد (مت 16: 27)، مع الملائكة على السحاب (مت 24: 30، 31)، وفجائيًّا وغير متوقع (لو 17: 24، مت 24 و39)، وسيكون مجيئه شخصيًّا (أع 1: 9-11)، ومرئيًّا (رؤ 1: 7، تي 2: 11-13).
إن جانب السرية الوحيد، هو توقيت الحدث (مر 13: 32، مت 24: 43، 44).
الجدول الزمني الذي وضعه التدبيريون لأحداث المجيء يشير إلى سبع سنوات من الضيقة التي ستأتي على العالم بعد اختطاف الكنيسة. ونحن نتساءل: إلى متى تظل الكنيسة في العالم؟ هل فقط إلى وقت الاختطاف، ثم تستمر السنون بعد ذلك (سبع سنوات ثم ألف سنة)؟ لقد علم المسيح: “َاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت 28: 20، 21). إذن الكنيسة باقية إلى انقضاء الدهر، وإن قلنا بغير ذلك، فهذا الوعد من المسيح يُصبح بلا معنى!
وفي مَثَل القمح والزوان، تحدث يسوع عن إنسان زرع زرعًا جيدًا في حقله، لكن العدو جاء وزرع زوانًا وسط الحنطة. فلما طلع النبات، واكتشف العبيد ما حدث، فسألوا أن يجمعوا الزوان، إلا أن رب البيت قال لهم: “دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلًا الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني” (مت 13: 30). وفي تفسير الرب للمثل، أوضح معاني كل المفردات المستخدمة (ع 36-43)، وقال: “فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ، حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ” (ع 40، 43). وأوضح أن الفصل بين فاعلي الإثم والأبرار هو النهاية، انقضاء الدهر، ثم إن ما يُجمع أولًا هو الزوان وليس الحنطة.
وقدم يسوع مثلًا آخر، هو مثل الشبكة الجامعة من السمك الجيد والسمك الرديء (مت 13: 47-50). وفي تفسيره للمثل قال: “هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ” (مت 13: 49، 50أ).
كل ما سبق –وغيره كثير– يؤكد لنا أن الكنيسة موجودة في العالم حتى المنتهى، ولن تُؤخذ قبل “الضيقة العظيمة”. أضيف إلى ذلك ما يؤكده الكتاب إلى اجتياز المؤمنين ضيقات كثيرة:
“قدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يو 16: 33)
“لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ” (يو 17: 15)
لاحظ أن المسيح لم يصلِّ لكي يؤخذوا من العالم، ولكن ستبقى الكنيسة في العالم، ولكنها لن تكون من العالم. واعترض البعض على هذا القول الأخير (يو 17: 15)، بأن المسيح كان يصلي من أجل الرسل، والرد على هذا نجده في تكملة صلاة المسيح:
“وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِم” (يو 17: 20)
“لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1: 29)
“يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلاَمِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله” (أع 14: 22)
في الختام، أؤكد أن الهدف من هذا المقال ليس إظهار أخطاء مدرسة تفسيرية محددة، أو القناعة لأننا نحن على صواب كامل. لكن أرجو أن يخلق فينا هذا البحث المختصر، الرغبة لمزيد من الأبحاث المتعمقة في هذا الموضوع، وأن نُكثر الحديث والتعليم عن هذا الرجاء الحي، مجيء المسيح ثانية. ليس في اتجاه الدفاع أمام المفاهيم الأخرى، بل بقصد تعليم شعب الرب لكي يتسلحوا بكلمة الله، فيأتي بهم التفكير والمشغولية في هذه العقيدة، إلى حياة أكثر قداسة وخدمة أكثر أمانة، كما كتب الرسول بطرس: “فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ” (2بط 3: 11، 12).
إن مجيء المسيح ثانية هو بحق أكبر دافع لحياة القداسة والسهر، ولندرك أن الموضوع جزء أصيل من رسالة الإنجيل الذي ننادي به، والذي يشمل النبوات الخاصة بمجيء ربنا يسوع المسيح بالتجسد وحياته وتعاليمه وموته وقيامته وصعوده ومجيئه ثانية في سحاب المجد والبهاء.
أسم الكاتب : القس أمير إسحق
سفر أعمال الرُّسل هو الجُزء الثاني من إنجيل لوقا، وهو سِفر أعمال الرُّوح القدس في الرُّسل وفي الكنيسة. بعد أن بيَّن في (ص1) أمجاد الرَّحيل واختيار البديل، انتقل لوقا إلى (ص2) ليُبيِّن بدء حلول الروح القدس، نتيجة صعود المسيح، ونتائجه الأولى، ثمَّ عظة بطرس الأولى، ونتائجها في حياة الكنيسة الأولى. أمَّا موضوع حلول الروح القدس فإنَّه يشغل تفكير لوقا في كتابَيْه، الإنْجيل والأعمال، إذْ يَعتبر أنَّ هذا الأمر من أولى مُميِّزات العصر المسيحي الأول.
الأربعون
أربعون يومًا، بعد قيامته، قضاها المسيح مع تلاميذه، أراهم فيها نفسه حيًّا ببراهين كثيرة (أعمال 1: 3). هذه الفترة “الأربعينيَّة”، ليست مُجرَّد إشارة زمنيَّة، لكنَّها علامة مسيحيَّة، إذْ تُعتَبر بركة عظيمة لطبيعتنا البشريَّة؛ فالجسد الذي قام به المسيح وظهَر به لتلاميذه طيلة تلك الفترة، وصَعِد به إلى السَّماء، ذلك الجسد، عَبَر الموت والقَبْر وقام حيًّا. بذلك أثبت المسيح إمكانيَّة قيامتنا أيضًا بأجساد مُنزَّهة عن الفساد. الأمر الذي لا يُمكن حدوثه إلاَّ للذين: ماتوا مع المسيح، وقاموا معه، وأخذوا روح قيامته، وسلكوا بأخلاقيَّات القيامة. هذه هي “الأربعينيَّة”، ليست أربعين يومًا حرفيَّة طقسيَّة، لكنَّها:
أ. مرحلة ما بين الموت مع المسيح، والصُّعود إليه للبقاء الأبدي معه. هي مرحلة تشمل الحياة الإيمانيَّة بجُملتها هنا (طويلة/ كلّ الحياة).
ب. مرحلة الاستعداد والتَّمهيد لانطلاقة كُبرى في الشَّهادة بالمسيح المُقام، التي لقَّن فيها تلاميذه بعضًا مِن التَّعاليم التي لم يستطيعوا استيعابها قَبْل تلك المرحلة. هي مرحلة التَّعليم والتَّدريب والتَّخطيط قبل الخروج للخدمة والشَّهادة (قصيرة/ تُناسب المهمَّة). لم تكُن في ظهوراتٍ خاطِفةٍ، بل في أوقاتٍ طويلة قضاها معهم يُعلِّمهم ويُجهِّزهم للانطلاق في الكرازة للعالم كلِّه. وقد اختتمها في جبل الزَّيتون بالوصيَّة: “أنْ لا يَبْرَحوا مِن أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب (الذي سمعتموه منِّي)”، وبالوَعْد: “أمَّا أنتُم فستتعمَّدون بالرُّوح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير”، أي بعد عشرة أيام (أعمال 1: 4-5).
العَشرة
كان المسيح معهم بجسده خلال الأربعين يومًا، أمَّا في العشرة الأيام التَّالية فقد فارقهم بالجسد، لكنَّه معهم بروحه. كانت أورشليم المسرح الإلهي المُعَدّ لمَنْحهم ومَنْح الكنيسة الرُّوح القدس، بحسب الوعد. فالمكان الذي تمَّ فيه رَفْض يسوع وصَلْبه ومَوْته، هو المكان نَفْسه الذي سيكون مَرْكز انْطلاق الشَّهادة إلى كلِّ مكان في العالم. وكانت فترة العشرة الأيام، التي تَفْصِل بَيْن الأربعين يَوْمًا، وبَيْن يوم الخَمْسين، هي:
أ. فَتْرة انتظار الشَّرارة الأولى
لتَبْدأ انْطلاقة الكرازة والشَّهادة. فكيف قضاها الرُّسل؟ نقرأ (1: 12-14، 26): “صَعِدوا إلى العِليَّة”، ربَّما هي بيت مريم أمّ يوحنا مرقس. لكن الأرْجَح أنَّها التي رَسَم فيها المسيح فريضة العشَاء الرَّباني، وألْقى فيها خطبة الوداع. فذلك المكان سوف يُؤمِّن لهم الخُصوصيَّة اللازمة، مِن جانب. ومِن جانب آخَر، مُلائم لفَتْرة العشرة الأيَّام، حيث الصَّلاة والانتظار. وخلالها أيضًا اختاروا “متِّياس” بديلًا للإسخريوطي.
ب. فترة الشَّركة في الصَّلاة
كانوا يصرفون مُعظم نهارهم في الهيكل، ثمَّ يعودون ليسهروا جميعًا للصَّلاة في تلك العِليَّة. كان عددهم “نحو مئة وعشرين”، منهم الرُّسل، ماعدا الإسخريوطي، والنِّساء اللواتي تَبِعْن يسوع، ومَرْيم أمّ يسوع وإخْوَته (1: 14-15). هؤلاء هم الجماعة التي شكَّلت قلب الكنيسة الأولى. “هؤلاء كانوا يواظبون بنَفْسٍ واحِدَةٍ على الصَّلاة والطِّلْبَة”، كأنَّهم شَخْصٌ واحدٌ. لقد اشْتَركوا في حُزْن واحدٍ، ومَحبَّة واحدة لسيِّدهم، ورَجاءٍ واحدٍ، الذي ينتظرونه مِن الآب. تلك الجماعة القليلة العَدَد، الضَّعيفَة الإمْكانيَّات، المُحْتقَرَة في نَظَر السياسيِّين ورجال الدِّين آنذاك، كانوا أداةَ الله لرَدِّ العالَم إلَيْه بواسطة الإيمان بيسوع المسيح، الرَّبِّ المُقام المنْتَصِر. ورُغْم قلَّة عددهم، إلاَّ أنَّهم اسْتطاعوا أنْ يَغْزوا العالم كُلَّه. كان سكَّان فلسطين وقتئذٍ حوالي 4 مليون نسمة. أي أنَّ نسبة المسيحيِّين إلى نسبة اليهود كانت 1: 33000 ومع ذلك نشروا البشارة وانْتَصَرت الرِّسالة.
الأمر الذي يُعلِّمنا الانتظار حتى يأتي موعِد الآب. عندما تُواجهنا مهمَّةٌ أو مسؤوليَّةٌ كبيرةٌ، لتكُن أولى خطواتنا هي انْتظار القوَّة الإلهيَّة والإرْشاد السَّماوي. لننتظر هذه “العَشرة الأيام”، ليس بمعناها الحَرْفي، في علِّيَّتنا التي تُمثِّل نقطة الانْطلاق. فيها نُفَكِّر ونُخطِّط ونَنْتظر الشَّرارة الأولى، بعد التَّعليم الذي نتلقَّاه في فترة “الأربعينيَّة”. وعندها نَنْطلِق ونتَّخِذ القرارات الهامَّة والخطوات الحاسِمة.
فكيف نعيش روح القيامة، ونَتعلَّم في “الأربعينيَّة”، ونَنْتَظِر “العشَرَة”؟ عندما قام المسيح من الموت برهن لتلاميذه حقيقة قيامته، وهُم بدورهم رأوه وسمعوه ولمسوه، وصدَّقوا وآمَنوا أنَّه حقًّا قام. لكن هذا غَيْر كافٍ لينالوا قوَّة قيامته، فكان لا بُدَّ مِنْ هِبَةٍ روحيَّة جديدة. لذلك، فإنَّه قُبيل صعدوه، نَفَخ وأعْطاهم تِلْك الهِبَة، ووَعَدَهم بانْسكاب روحه بعد صعوده: “ولما قال هذا نَفَخَ وقال اقْبَلوا الروح القدس” (يوحنا 20: 22). هذا هو رأسمال الخُدَّام، وضَمانَة نجاح خدمتهم. فكما أنَّ القيامة مع المسيح عربون الصُّعود معه، كذلك قبول نَفْخَة الرُّوح القدس هو عربون حلوله ومِلئه الدَّائم المُستَمرِّ المُسْتقرِّ فينا. أمَّا تلك “النَّفْخَة” فتُذكِّرنا بما ورد في (تكوين 2: 7)، حين نَفَخَ الله في أنْفِ آدَم نَسْمَةَ حياةٍ. فعِنْدما هيَّأ الله هَيْكل الإنْسان الأوَّل، نَفَخ في أنْفِه نسمة الحياة الطَّبيعيَّة. وعندما هيَّأ المسيح رجال كنيسته المجيدة، نفَخَ فيهم نَسْمة روحه القدُّوس، عُربونًا لحُلول وسُكْنى واستقرار الرُّوح القدس فيهم وفي الكنيسة. هذا ما حَدَث في يَوْم الخمسين.
الخمسون
كان اليهود يَحْتفلون بثلاثَة أعياد رئيسيَّة (الفِصْح، المَظَال، الخَمْسين). ولكُلِّ عيد دلالة تاريخيَّة ونَبويَّة وتَطبيقيَّة. أمَّا الخلفيَّة التَّاريخيَّة لعيد الخمسين فنَجدها في (لاويين 23: 15-17)، حيث كان على كلِّ يهودي أنْ يُعَيِّد تلك الأعياد الثّلاثة في أورشليم، وكان أكثرها حضورًا عيد الخمسين. وتأتي تسميته لأنَّه يأتي بَعْد عيد الفِصْح بسَبْعَة أسابيع، أي بَعْد 49 يومًا. ويُسَمَّى أيْضًا عيد الأسابيع، عيد الحَصاد، عيد الشُّكْر، عيد البَاكورَة. هو يَوم بهجة وفرَح بالحَصاد، تُقدَّم فيه تقدمات جديدة للرَّبِّ، فيَشْكرونه على عطاياه الكثيرة ومَراحمه الغنيَّة. فكان لهذا العيد مَعْنيان أساسيَّان: الأول، معنًى تاريخي، حَيْث كانوا يَعْتقدون أنَّه يوافِق يوم إعْطاء الله الشَّريعة لموسى على جَبل سيناء وتَكَلُّمِه مَعه. الثَّاني، معنًى زراعي، حيث كان على كلِّ يهودي أنْ يُقدِّم لبيت الرَّب أوَّل حُزْمة شَعِير يحصدها، شُكرًا للرَّب على المَحْصول الذي يَجْمَعه. كما يُطلق على ذلك العيد الاسم العبري “عَنْصَرَة” أي المحفل العام. أمَّا الكلمة العربية فإنَّها تشير في علم الاجتماع إلى هيمنة مجموعة على مجموعة لتُعطيها هوية جديدة وتصنيفًا جديدًا.
أمَّا العهد الجديد فقَد أعْطى معنًى جديدًا عَميقًا لذلك العيد. وكما أصْبَح عيد الفِصْح عيدًا للقيامَة، أصْبَح عيد الخَمْسين عيد ميلاد الكنيسة وتأسيسها، بحلول واستِقرار الرُّوح القدس، وتَقْديم باكورات الإيْمان المسيحي، وإعطاء الروح القدس هويةً جديدةً للمؤمنين بالمسيح المُخلِّص. وقد اختار المسيح ذلك اليوم بكلِّ دقَّة وحِكْمة، فلماذا اخْتاره لتَحقيق وعده بالرُّوح القدس؟ ذلك لثلاثة أسباب:
ج. إثبات أقنوميَّة الرُّوح القدس أمام ذلك الحَشْد الكبير وبتلك الكيفيَّة المُعجزيَّة. فالحدث اللاهوتي الأول العظيم في العهد الجديد هو مجيء الأقنوم الثَّاني في اللاهوت، المسيح الابن. والحدث الثَّاني هو مجيء الأقنوم الثَّالث، الرُّوح القدس. ذلك المجيء لا يعني أنَّهما لم يكُن لهما وجودٌ سابقٌ، بل يعني ظهورهما بوضوح للبشر في زمن مُعيَّن، لأنَّهما أزليَّان.
ماذا حدث يوم الخمسين؟
(ع 1) كان ذلك في يوم الأحَد من الأسبوع السَّابع بعد القيامة، حيث اتَّحدَت أشْواق المؤمنين، وهو الشَّرط الأساس ليَحلّ الرُّوح القدس على المُجتمعين، فيتمتَّعون بمِلْئه وبقوَّته. إنَّه اتِّحادهم في طِلْبةٍ واحِدة، ورَجاءٍ واحِد هو حُلول الرُّوح القدس.
(ع 2) لما كان الرُّوح القدس مُشبَّهًا بالرِّيح، فلا عَجَب أنْ يكون مَجِيئه مَصْحوبًا بضَجَّة كأنَّها هبوب ريح، كما حَدَث يوم نَزَل الرَّبُّ على جَبَل سيناء، دلالة الحُضور الإلهي المَهوب (خروج 19: 16، 19). “صار بَغْتَةً” أي حَدَث فَجْأة، لأنَّ أحَدًا لَمْ يتوقَّع تحقيق الوَعْد بتلك الكيفيَّة في ذلك التَّوقيت، لأنَّ المسيح لَمْ يُعَيِّن الوَقْت ولا الكيفيَّة. أمَّا لوقا، فإنَّه يَصِف الحَدَث بطريقة مَجازيَّة تشبيهيَّة “كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ.. كأنَّها مِنْ نَارٍ”. لأنَّنا نتَعامل هنا مع حَدث فَوْق طبيعي، ونُحاول وَصْفَه بتعبيرات مَحْسوسة مَجازيَّة لنُدْرك مَعناه. فاسْتَخدم لوقا كلمتَيْن لوَصْف الرُّوح القدس هنا: ريح، ونار. وهي رموز تذكِّرنا برموز العهد القديم للدَّلالة على الحُضور الإلهي الخاص.
فالرِّيح شديدة وغير منظورة، كذلك عمل الرُّوح القدس شديدٌ وغير مَنْظور “الرِّيحُ تَهُبّ حَيْثُ تَشاء، وتَسْمَعُ صَوْتها، لكِنَّكَ لا تَعْلَم مِنْ أيْنَ تأتي ولا إلى أيْنَ تَذْهَب، هكذا كُلُّ مَن وُلِدَ مِن الروح” (يوحنا 3: 8). “والنَّار مَنْظورَة، وهي تُطهِّر وتُنقِّي، وتَحْرق وتُدَمِّر. قال عَنْها المعمدان: هُوَ سَيُعَمِّدَكُم بالرُّوح القدس ونَار” (لوقا 3: 16). أمَّا قوله: “ألْسِنَةٌ مِنْ نار”، فاللسان يُرادِف الُّلغَة التي يَتَكلَّم بها الإنسان، و”ألْسِنَةٌ مُنْقَسِمَة” أي لُغَات مُتَعَدِّدة. لقد أعْطاهم الله أنْ يتكلَّموا بلُغاتٍ أجْنبيَّة لَمْ يَعرفوها مِنْ قَبْل، لتكون علامَة مُعْجزيَّة تأييدًا إلهيًّا لصِحَّة كلامِهم. فخَرجوا إلى الشَّوارع بكُلِّ نشاط وحَماسَة وشَجاعة، يُكلِّمون الناس بلُغاتهم ولهَجاتهم، والذين سَمِعوهم فهموا وتَعجَّبوا.
(ع 4) كان الجميع بنَفْس واحدة، فامْتلأ الجميع من الرُّوح القدس. لقد وعَدهم المسيح أنْ ينتظروا قوَّة مِن الأعالي تَجْعلهم شُهودًا في كلِّ مكان، بكُلِّ مُجاهرة ومِن دون أيِّ خوف، وهو ما حَدث هُنا. لقد نالوا قوَّة لشهادة ناريَّة، تَهْدي وتُنَقِّي تارَةً، وتَحْرق وتُدَمِّر تارةً أخرى. مُميِّزة بَيْن واحِدٍ وآخَر، وبَيْن فَتْرة وأخرى في حياة الفَرْد الواحد. فتُطهِّر قَلْبه من الفَساد، وتُلْهِبَه بالغَيْرة للشَّهادة للمسيح. هذا ما اخْتَبره جميعُ الحاضرين مِن المِئة والعِشْرين الذين اجْتَمعوا في العِليَّة. كانوا مِن الأُمِّيِّين الذين لَمْ يتعلَّموا لُغات أجنبيَّة، وكانوا خائفين ومُتقوقعين، لكنَّهم كانوا مُنْتظرين مُصْلِّين مُشتاقين، فاخْتَبروا ما لَمْ يَخْتَبره بشَر قَبْلَهم، ولا بَعْدهُم.
كيف نعيش “الخمسينيَّة” اليوم؟
هناك مَن أساؤوا فَهْم وتطبيق أحْداث ذلك اليَوْم، فنادوا بإمْكانيَّة تِكْرارها حرفيًّا. لكنَّنا نقول:
ج. لا نتوقَّع اليَوم أحْداثًا مُعجزيَّة تُبَرْهِن صِحَّة الرِّسالة، لكنَّنا نتوقَّع ظُهور المسيح في أخْلاقنا وأفْعالنا وردود أفْعالنا، فنَسْمع صوت الكلمة المُتجسِّد مِن خلال الكلمة المكتوبة، ونُميِّزه ونُطيعه. ونَتَخاطب مَعًا بمُفْردات وألسِنة جديدة، فنكون بَرَكَة لبَعْضنا بَعْضًا، وبركة للخارجين أيضًا. وسَتَبقى المُعجزة الكُبرى هي وجود كلمة الله كاملة وحيَّة وفعَّالة بَيْن أيدينا. فبَيْنما أُعْطي النَّاموس بلُغةٍ واحدةٍ لشَعْبٍ واحدٍ، أُعطِيَت رسالة الإنْجيل لجميع الشُّعوب بحسَب لُغاتهم وجِنْسيَّاتهم ولهجاتهم المُختَلِفَة.
فلنُجدِّد صلاتنا اليوم مُترنِّمين:
يا رُوحَ قُدْسِ الله أشْرِقْ عَلَى القَلْبِ
جَدِّدْ بِهِ رُوحَ الحَياةْ والطُّهْرِ والحُبِّ