مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

موسى بين الاغتراب والرسالة

Watch Now

Download

موسى بين الاغتراب والرسالة

إذا اقتربنا لدراسة شخصية موسى، فعادةً ندرس الجانب الإيجابي، وهو القيادي والفريد في علاقته بالله، وعلاقته بشعب الله. وبالتأكيد فهو كليم الله وقد قدم أفضل ما لديه من مهارات إنسانية واجتماعية وروحية عبر رحلة حياته. 

إلا أن هذا القائد العظيم عاش حياةً بين الثراء الاجتماعي في قصر فرعون، أعلى طبقة في المجتمع، إلا أنه عاش حياة مضطربة وقلقة داخلية؛ حيث وُلِد في ظروفٍ سياسيةٍ قاسيةٍ، تحتَّم أن يموت قبل أن يُولَد، لأنه فعليًّا كان ينتمي بالجسد إلى أقلية مهضومة الحقوق مسلوبة الإرادة ومستَغلَّة من السلطة السياسية في ذلك الوقت. 

عاش موسى بين نارين؛ نار الوضع الاجتماعي، الانتماء الوطني، وبين المعتقد الديني في عمقه واهتمامه بجنسه. فقضى أولى فترات عمره وهي الأربعين سنة الأولى، في حياة غير هانئة، واتجاه غير مستقر، وقلب ملتهب لم يكن قد نضج بعد لحمل المسؤولية والرسالة

هذا المقال هو قراءة لحياة موسى في السنوات الأربعين الأولى من عمره من جهة والتي تعبر عن حالة عدم استقرار نفسي واغتراب، والأربعين الأخرى وهي رحلة صياغة الشخصية وبنائها وإعدادها للرسالة المدعو إليها.

فالعنوان له شقان؛ الأول هو الاغتراب في حياة موسى، والثاني هو صياغة شخصيته والرسالة التي دُعِي لها.

إذا ما هو الاغتراب؟  

هو إحساس داخلي عميق يتملَّك الفرد بأنه وحيدٌ، لا يوجد من يفهمه، وغمره شعورٌ بأنه وحيد بين الناس.  هذا الشعور يؤدي إلى فقدان الإحساس بالذات، أي فقدان الهوية.  وفقدان الإحساس بالوجود الفعال، فلا يجد نفسه، فيدفع الفرد إلى رفض الواقع، ويطلق على هذا النوع من الاغتراب، أزمة وجود. وبالتالي إذا امتلك الفردَ شعورُ الغربة والاغتراب فإنه يفقد الإحساس:

  • بالانتماء: مما يتسبب في التمرد -بلا اتزان- على معايير المجتمع وقِيَمِه وعاداتِه وتقاليدِه.
  • يصيبه العجزُ الشخصيُّ: في مساعيه والوصول إلى النتائج التي يسعى لتحقيقِها.
  • يفقد الهدفَ والمعنى: أي عدم قدرته على فهم الواقع المحيط به، فلا يدرك معنى الحياة ولا ضرورة لوجوده، ولا يجد ما يعيش لأجله فتكون لديه عدم الرغبة في الحياة.

في هذه الأزمة قد يستنكر الفردُ أعمالَه وإنتاجيتَه، وقد يفقد شخصيته، وفي ذلك ما يدفعه إلى الثورة لكي يستعيد كيانه ووجوده.

ويُعدُّ موسى أحد النماذج التي جسدت الاغتراب بصورة واضحة، ورغم أن الكثيرين يتجاوزون الأربعين سنة الأولى في حياة موسى، إلا أننا نركز في هذه الدراسة على سنوات الاغتراب، فهي التي ترسم لنا ملامح حياته، وسر دعوته. فموسى واحد من الذين صنعوا تاريخًا مجيدًا في رحلة الخلاص في العهد القديم، والذين عاشوا فترة ليست قصيرة من العمر، في الشعور بالاغتراب، مما أثر على أداء الرسالة في سن الشباب، أو لنقل احتاج إلى حالة تصحيح داخلي، وبناء نفسي أولًا، وروحي ثانيًا، لكي يُعَد أداة حية في يد الله لاستخدامه بقوة لم يشهدها التاريخ من مثيل.

سنوات الاغتراب

عاش موسى مئةً وعشرين عامًا.  اجتازها في ثلاث مراحل بالتساوي، وكل مرحلة عمرية كانت أربعين سنة. وكل مرحلة كان فيها تشكيل متميز، وخبرات لا يمكن تجاوزها، فبها يستمر التشكيل وبدونها تكون رحلته مبتورة، ورسالته بلا معنى.

المرحلة الأولى: نتتبع ولادة موسى وتربيته

وُلِد من أسرة يهودية، أنقذه اللهُ من موتٍ محتومٍ بسبب قرار فرعون، وهو التخلص من كل أبكار اليهود الساكنين في مصر. وتربَّى في بيت أبيه حتى كَبِرَ “فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: “اذْهَبِي بِهَذَا الْوَلَدِ وَأَرْضِعِيهِ لِي وَأَنَا أُعْطِي أُجْرَتَكِ”. فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ وَأَرْضَعَتْهُ. وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ “مُوسَى” وَقَالَتْ: إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ”. (خروج 2: 8 – 10).  

إن السنوات الأولى في حياة أي إنسان تشكِّل مستقبله، وتحدد اتجاهاته.  فالسنتان الأوْليَان هما الأهم في حياة كل مولود. أرضعت أمُّ موسى ابنَها، ليس لبن ثدييها وحده، لكن أرضعته الإيمان الذي تربت هي عليه. كما سقته أحداث الشعب العبراني وتاريخه؛ فمنذ نعومة أظفاره، عرف قصة الشعب ومأساة الأمة، وآلام العائلة، وأنه في مرحلة انتقالية بين التربية وبين المستقبل المُنتَظَر في قصر فرعون، ليكون في كنف ابنة فرعون.

وما أصعب أن يترك الطفلُ بيتَ أبيه حتى وإن كان بيتًا فقيرًا! فعندما يبدأ الطفل يتكلم ويُصغي، تترسخ في نفسه انطباعاتٌ أخرى إذا سمع من أهله كلامًا دافئًا مشجعًا ومُحِبًّا، فإنه يشعر أنه محبوب وأنه يتمتع بقيمة خاصة في نفسه.[1]  فماذا عن موسى الذي سيُحرم من دفء حنان والدته وشركة أسرته كلها، وينتقل لعالم جديد، فيفقد اتزانه النفسي ويُخزّن خبرة السنتين في اللاوعي.

لكل فرد أسرار ماضٍ عاشها، حتى خبرات الطفولة غير المُعبَّر عنها. إن خبرة السنين كوّنت شخصية موسى.

  • عاش وتربى في القصر الملكي لفرعون كأمير وكابن لابنة فرعونالتي انتشلته من نهر النيل وهو طفل رضيع.
  • كَبُر وتثقف بعلوم عصره؛ ففي عصره كانت هناك جامعة في مصر في “صا الحجر”[2] وكانت الجامعة تعلّم التاريخ، والطب واللاهوت والحساب والجبر والهندسة والعلوم الحربية.[3] لقد تشكل عقله المنظم العبقري كما وصفه القس إلياس مقار. “فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ” (أع 7: 22).
  • كان موسى حلقة الوصل بين القصر الفرعوني؛ حيث يتربى، والشارع المصري، وهم: مريم، وأمه، وقد يكون بعض أصدقاء الدراسة من المصريين والعبرانيين المقربين.
  • كان موسى شابًّا يافعًا صاحب رؤية وحلم، وقول القس إلياس مقار: “إن أمه فتحت عينيه على رؤيا قيادة شعب الله وإنقاذه، بل غذّت فيه الإحساس بالمسؤولية تجاه شعب أمته المظلوم”. وربما عززت فيه الإحساس بعدم الرضى، والإحساس بالظلم من حكام مصر. ورغم التعليم والمكانة والموقع، إلا أن هذا لم يملأ فجوة ما تربى عليه موسى، من إحساس بالظلم والاغتراب، وإحساسه بالشارع العبراني ومأساته مع فرعون الجديد رغم النمو العددي للعبرانيين. “… كَانَ يَنْمُو الشَّعْبُ وَيَكْثُرُ فِي مِصْرَ، إِلَى أَنْ قَامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. فَاحْتَالَ هَذَا عَلَى جِنْسِنَا وَأَسَاءَ إِلَى آبَائِنَا، حَتَّى جَعَلُوا أَطْفَالَهُمْ مَنْبُوذِينَ لِكَيْ لَا يَعِيشُوا.” (أع 7: 17-19).
  • كان الانتماء الروحي والولاء[4]، والتراث الديني الذي كوَّن شخصية موسى، قد تغلب على الانتماء الاجتماعي، وتجاوز الحكمة والعلوم والثقافة التي تسلح بها في أرقى مدارس عصره. فالشعور بالاغتراب كان يملك كيانه، رغم أنه بالبنوة ابن ابنة فرعون.
  • زاد صراخ الشعب وأنينه، وتراكمت في قلب موسى كل الخبرات التي قصّتها عليه أمه وقت الرضاعة حتى كَبُرَ، فخرج ليتفقد أبناء أمَّتِه العبرانية، ويتفقد أحوالهم “وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ، فَرَأَى رَجُلًا مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلًا عِبْرَانِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ، فَقَتَلَ الْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ. ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَإِذَا رَجُلَانِ عِبْرَانِيَّانِ يَتَخَاصَمَانِ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: “لِمَاذَا تَضْرِبُ صَاحِبَكَ؟” فَقَالَ: “مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟ أَمُفْتَكِرٌ أَنْتَ بِقَتْلِي كَمَا قَتَلْتَ الْمِصْرِيَّ؟”. فَخَافَ مُوسَى وَقَالَ: «حَقًّا قَدْ عُرِفَ الْأَمْرُ». فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذَا الْأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ…” (خر 2: 11-15).

عندما ظنّ موسى أنه يستطيع بقوته وذراعه أن يخلّص شعبه، ارتكب جريمة قتل. قد يكون الشعور بالاغتراب في قصر فرعون، هو الدافع الخفي الذي دفعه لاتخاذ القرار بالنزول كأمير ليتفقد إخوته ويخفف عنهم أثقال الظلم، ومعاناة التسخير. أو قد يكون نوعًا من الكبرياء والإحساس بالذات العالي كما هو متداول عند كثير من الشراح. لكنه استعجل زمان الإرسالية وتوقيتها “فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا” (أعمال 7: 25).

لم تكن النتيجة التي وصل إليها متوقعة، أولًا، من المنظور السياسي فهو تمرد على سياسة الدولة، ومحاولة تكوين جبهة معارضة. ثانيًا، الأمر يتعلق بالاقتصاد المصري؛ حيث إن تسخير الأعداد الكبيرة من العبرانيين، كان من شأنه أن يوفر العمالة والثروة الطائلة. ثالثًا، التسخير هو أداة للتسيُّد والتحكُّم في الشعب الذي زاد عدده بكثرة وخوفًا على أن يقوموا بثورة في يوم من الأيام.

أما من جهة موسى، فلم يفهم العبرانيون دوره كمرسل من الله لإنقاذهم، وبالتالي قُوبل بالرفض “مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟” (خروج 2: 14، أعمال 7: 27). 

لم يكن الرفض فقط وقت تفقُّده لإخوته، بل خبرة التربية التي شكَّلت شخصيتَه، ونجدها بوضوح في عظة استفانوس أمام مجمع اليهود في أعمال 7 “وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا” (أعمال 7: 21).

لم يكن له مكان لا في بيت فرعون ولا حتى في مصر كلها؛ لأن فرعون علم بما حدث “فَخَافَ مُوسَى وَقَالَ: “حَقًّا قَدْ عُرِفَ الْأَمْرُ”. فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذَا الْأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ” (خروج 2: 14- 15). “فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَصَارَ غَرِيبًا فِي أَرْضِ مَدْيَانَ” (أعمال 7: 29).

المديانيون رأوه مصريًّا وليس عبرانيًّا؛ أي رأوه غريبًا “فَقُلْنَ: رَجُلٌ مِصْرِيٌّ أَنْقَذَنَا مِنْ أَيْدِي الرُّعَاةِ”. وموسى نفسه، لقب اسم ابنه “جَرْشُومَ”، لِأَنَّهُ قَالَ: “كُنْتُ نَزِيلًا فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ”. عاش موسى منفيًّا بعيدًا عن وطن الولادة والتربية لمدة أربعين عامًا.

[1]– الأب باول اليسوعي، سر البقاء في الحب، طبعة سادسة، 2013م. ص 21 – 23   

[2]  صا الحجر، إحدى قرى مركز بسيون التابع لمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية

[3]القس إلياس مقار، رجال الكتاب المقدس، الجزء الأول، القاهرة: دار الثقافة، 1979م، ص 135.

[4]الولاء جزء من طبيعة الإنسان وكيانه، وحاجة من حاجاته. فالولاء هو الذي يمنح الإنسان الإحساس بالارتباط بالزمان والمكان والمعاني من حوله. الولاء هو جوهر الالتزام حيث يدعم هوية الفرد الذاتية.  الولاء هو صدق الانتماء.