اسم الكاتب : د. ق. يوسف سمير
* مقدمة
تمثل عقيدة التجسد ركنًا أساسيًا من أركان الإيمان المسيحي. في جميع قوانين وإقرارات الإيمان المسيحي نجد التنبير واضحًا على هذه الدعامة اللاهوتية. فعلى سبيل المثال يشير قانون الإيمان الرسولي (حوالي 140 م.) إلى عقيدة التجسد بصورة مركزة وفي كلمات قليلة: “أؤمن . . . بربنا يسوع المسيح (ابن الله) الوحيد، الذي حُبل به من الروح القدس ووُلد من مريم العذراء.”[1] وكذلك يشير قانون الإيمان النيقوي (381 م.) إلى هذه العقيدة الهامة بقوله: “الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي.”[2] كما يفصل قانون الإيمان الأثيناسي (نسبة إلى القديس أثناسيوس الرسولي) هذه العقيدة بأكثر استفاضة فيقول: “وأيضًا يلزم له للخلاص الأبدي أن يؤمن كذلك يقينًا بتجسد ربنا يسوع المسيح لأن الإيمان المستقيم هو أنا نؤمن ونعترف بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله هو إله وإنسان. إله من جوهر الآب مولود قبل العالمين وإنسان من جوهر أمه مولود في العالم. إله تام وإنسان تام ذو نفس ناطقة وجسد بشري ذو وجود مساو للآب بحسب لاهوته ودون الآب حسب ناسوته.”[3] ويؤثم مجمع القسطنطينية الثاني (553 م.) كل من ينكر تجسد المسيح في ملء الزمان: “من لا يعترف بوجود ولادتين لله الكلمة، الواحدة قبل الدهور من الآب، بلا زمن ولا جسد، والأخرى في آخر الأيام، للكلمة ذاته، الذي نزل من السماوات وتجسد من أم الله القديسة والدائمة البتولية، وولد منه، فليكن مثل هذا مبسلًا (محرومًا أو ملعونًا- كاتب المقالة).”[4] وفي واحد من أعظم المجامع الكاثوليكية في التاريخ، وهو المجمع اللاتيراني الرابع (1215 م.)، صدرت وثيقته اللاهوتية منبرة بصورة واضحة على حقيقة التجسد حيث نقرأ فيها: “وأخيرًا ابن الله الوحيد، يسوع المسيح، الذي تجسد بتدبير مشترك من الثالوث كله. وحبل به من مريم الدائمة البتولية بمؤازرة الروح القدس، وصار إنسانًا حقيقيًا مركبًا من نفس عاقلة وجسد بشري، شخصًا واحدًا في طبيعتين، بيَّن طريق الحياة بوضوح أشد. وإذ كان في ألوهته غير قابل الموت وغير قابل الألم، جعل نفسه في الجسد قابلًا الألم والموت.”[5] تحمل لنا العبارة الأخيرة شرحًا لمصطلح الإخلاء الذي ندرسه في هذه المقالة يشير إلى أن المسيح تنازل طوعًا عن بعض ملامح الألوهة ليصير قيد الإنسانية الضعيفة حتى يتمم عمل الفداء الذي لأجله تجسد وفي سبيله ترك مجد الألوهية. ونجد نفس التنبير في واحد من إقرارات الإيمان المجهولة لغالبية المسيحيين، وهو إقرار إيمان البطريرك كيرلس الثالث (629 م.) حيث يقول في الفصل السابع: “نؤمن أن يسوع المسيح ربنا أخلى نفسه، واتخذ طبيعة الإنسان في جوهره هو، فحبل به من الروح القدس في رحم دائمة البتولية مريم.”[6] وهكذا نرى أن عقيدة التجسد وحقيقة الإخلاء كانتا مطروحتين بقوة في معظم قوانين وإقرارات الإيمان على مدى تاريخ الإيمان المسيحي منذ القرن الثاني الميلادي.
* ترنيمة الإخلاء
لا شك أن الترنيمة البولسية الواردة في فيلبي 2: 6- 11 تُعتبر من واحدة من أهم النصوص المفتاحية لفهم فكرة الإخلاء لاهوتيًا وعمليًا. تاريخيًا، يقتبس الرسول بولس كلمات هذا النص من ترنيمة كانت ترنمها الكنيسة في القرن الأول في منطقة فلسطين. يقول ديفيد أ. ده. سيلفا إنه “أصبح مألوفًا التكلم في عالم الأبحاث الكتابية عن فيلبي 2: 6- 11 كنشيد مسيحي مبكر أدخله بولس إلى هذه الرسالة.”[7] وكان إرنست لومير أول من طرح هذه النقطة مشيرًا إلى أن هذا النص كان في الأصل إقرار إيمان استخدمته الكنيسة الأولى، وأنه ينتمي إلى الأدب الطقسي ولا يُعد نصًا نثريًا. ويستطرد لومير بقوله إن لغة النص الأصلية كانت الأرامية وكانت الكنيسة في فلسطين تستخدمه في احتفالها بعشاء الرب في القرن الأول.[8] كما أن لغة النص المختلفة عن سياقه وورود بعض الكلمات التي لم يستخدمها الرسول بولس في أي من رسائله الأخرى ووجود بعض التعبيرات اللاهوتية مثل عبارة “صورة عبد” والتي لم يستخدمها الرسول في كتاباته كلها نقاط تدعم فكرة أن النص مقتبس بواسطة الرسول ليؤصل فكرته التي كان يناقشها في الرسالة.[9] يلخص تشارلز كوزار الفكرة بامتياز إذ يكتب: “لا شك أن بولس كان قادرًا على كتابة الشعر المنثور، كما فعل في رومية 8: 31-39 و1كورنثوس 13. لكن بسبب وجود تعبيرات مفتاحية في الترنيمة لا تظهر في أي نص آخر من كتابات بولس أو حتى في العهد الجديد كله . . . وكذلك بسبب إنهاء الترنيمة بتمجيد يسوع دون إشارة إلى النموذج البولسي المعتاد في ذكر القيامة والمجيء الثاني، فإنني أميل لاعتبار الترنيمة سابقة للرسول بولس.”[10] في المقابل يرفض القليل من العلماء، مثل جوردون في، القول بأن هذا النص يقتبسه الرسول ويؤكدون أن الذي كتبه هو بولس. يؤكد في (Gordon Fee) هذه الفكرة بأن الرسول كان قادرًا على نظم الشعر المنثور، كما فعل في قصيدته عن المحبة في 1كورنثوس 13، كما أن تدفق وتنظيم الأفكار في هذا النص يشبه الهيكل الفكري في الكثير من النصوص الواردة في رسائل بولس ويورد في (Fee) بعض النماذج من رسالة كورنثوس الأولى مثل 1: 22- 25، 1: 26- 28، 6: 12-13، 7: 2-4، 9: 19-22.[11] لكن يجب القول إن هذا الرأي يمثل الأقلية من علماء العهد الجديد.
وقد حاول لومير وضع النص في صورة شعرية بأن قام بتقسيمه إلى ست فقرات شعرية تحتوي كل منها على ثلاثة أبيات بالصورة التالية:
الذي إذ كان في صورة الله
لم يحسب خلسة
أن يكون معادلًا لله
لكنه أخلى نفسه
آخذًا صورة عبد
صائرًا في شبه الناس
وإذ وجد في الهيئة كإنسان
وضع نفسه
وأطاع حتى الموت، موت الصليب
لذلك رفعه الله أيضًا
وأعطاه اسمًا
فوق كل اسم
لكي تجثو باسم يسوع
كل ركبة
ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض
ويعترف كل لسان أن
“يسوع المسيح رب”
لمجد الله الآب.[12]
وفي تقسيم آخر، يضع العالم الألماني يواقيم جريمايس الترنيمة في ثلاثة مقاطع شعرية بحيث يحتوي المقطع الأول على وجود المسيح قبل التجسد (ع. 6، 7أ) ويحتوي المقطع الثاني وجود المسيح في الجسد (ع. 7ب، 8) ويحتوي المقطع الثالث على وجود المسيح الممجد كرب على الكل ما بعد تجسده (ع. 9-11).[13]
* الخلفية الفكرية والحضارية لنص فيلبي 2: 5-11
بسبب أهمية هذا النص اجتهد الكثير من علماء العهد الجديد لاكتشاف خلفيته الحضارية والفكرية. فذهب البعض إلى أن خلفية هذا النص يهودية وذهب البعض إلى أنها هللينية غنوسية وربطها آخرون بقصة آدم في سفر التكوين واقترح فريق أخير أنها خلفية يونانية يهودية تميل إلى أدب الحكمة.[14] لكن الرأي الذي يقره الكثير من الاتجاهات الدراسية هو أن خلفية هذا النص الفكرية تتمثل في مصطلح “عبد الرب” الذي ينتشر في كتابات العهد القديم النبوية. فصورة العبد المتضع تذكرنا بالكثير من المقاطع التي يصف بها الأنبياء المسيا الآتي إلى العالم. ولا شك أن أشهر ما يتبادر إلى ذهننا هو نص العبد المتألم في إشعياء 53. يقتبس القس سامح إبراهيم في كتابه القيم “الترانيم المسيحية” المقارنة التي أجراها بعض علماء الكتاب بين نصي فيلبي والعبد المتألم في إشعياء 53:
هناك تشابهات كثيرة بين ترنيمة فيلبي وترنيمة العبد المتألم في إشعياء. من بين التشابهات الواضحة، عبارة ’آخذًا صورة عبد‘ تقابل عبارة ’لا صورة له‘ (إش 53: 2) وعبارة ’كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مفسدًا أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم‘ (إش 52: 14). تشبه عبارة ’صورة عبد‘ (في 2: 7) ما في إشعياء 53: 11 حيث نفس التسمية ’وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين‘ تشبه عبارة ’أخلى نفسه . . . حتى الموت‘ (في 2: 7-8) عبارة ’سكب للموت نفسه‘ (إش 53: 12). أخيرًا، تشبه عبارة ’رفعه الله‘ (في 2: 9) عبارتي ’هوذا عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي ويتسامى جدًا‘ (إش 52: 13)، و’لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة‘ (إش 53: 12).[15]
* معنى الإخلاء
في فيلبي 2: 7 يقول الرسول عن تجسد المسيح: “لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.” والفعل اليوناني الذي يستخدمه الرسول للتعبر عن فكرة الإخلاء هو εκενοσεν (إكينوسن)، ويأتي من هذه الكلمة واحد من أهم المصطلحات في تاريخ الفكر اللاهوتي بشأن المسيح وهو كلمة KENOSIS أي الإخلاء. وقد حظي هذا التعبير “أخلى نفسه” بالكثير من الدراسة المدققة بسبب أهميته للفكر الكريستولوجي ويمكننا أن نجمل الآراء المختلفة حول معنى العبارة في النقاط التالية:
1- يربط البعض العبارة بما قاله الرسول بولس في بداية الإصحاح ذاته في عدد 3 “لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ..” وكلمة عجب هنا يمكن ترجمتها المجد الفارغ. فالرسول هنا يحذر مؤمني فيلبي من الانقياد وراء خطية الكبرياء القاتلة أو المجد المزيف مقدمًا لهم نموذج المسيح صاحب كل المجد الإلهي الذي قرر أن يجعل من نفسه لا شيء.[16] وهكذا، عندما أراد الرسول بولس أن يعلم الكنيسة في فيلبي الاتضاع وإنكار الذات (2: 1-4) فإنه لجأ إلى صورة المسيح الذي عاش هذه القيمة بكل أبعادها.
2- يرى آخرون أن العبارة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعبارة التي يوردها إشعياء في قصيدته الأشهر عن العبد المتألم حيث يقول في إش 53: 13 عن ذلك العبد إنه “سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ،” والكلمة سكب في نص إشعياء تأتي في أصلها العبري ערה بمعنى عرَّى أو سكب أو أخلى. وفي غالب الأمر تحمل الكلمة معنى الخجل بجانب فكرة الإخلاء. ولذلك يقترح بعض الدارسين أن الكلمة في اليونانية تحمل معنى البذل النفسي للطوع بجانب فكرة الاتضاع والتنازل المُخجلين.[17] فيمكن إذن القول بأن معنى الإخلاء هنا هو أن المسيح جعل نفسه هشًا أي عرضة للإهانة والضعف والتعب والذل، بل وللموت نفسه. ولذلك هناك اتجاه للربط[18] بين فكرة الإخلاء وما يقوله الرسول بولس عن المسيح في 2كورنثوس 8: 9 “فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ.”
3- التوجه الثالث يربط عبارة “أخلى نفسه” بالعبارة التالية لها مباشرة وهي “آخذًا صورة عبد” وبصورة أوسع بصورة العبد في ترنيمة العبد المتألم، بمعنى أن الإخلاء في رأي البعض هو التخلي عن ثوب الألوهية وارتداء ثوب العبودية. وهذه الفكرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة وموقف العبيد في الدولة الومانية آنذاك حيث لم يكن العبد متحكمًا في أي شيء يخصه، بما في ذلك حياته نفسها. يصف مول هذه الحالة بقوله: “كانت العبودية في المجتمع آنذاك تعني بصورة أساسية التطرف في الحرمان من الحقوق. فالعبد، كملكية تُباع وتُشترى، كان نادرًا ما يملك نفسه . . . فالعبودية كانت تنكر على العبد أية حقوق- حتى حياته و نفسه.”[19] وبهذه الخلفية يكون معنى الإخلاء هنا مرتبطًا بفكرة الاتضاع التي يتحدث عنها الرسول في بقية العدد السابع والجزء الأول من العدد الثامن: “آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ..” يشرح أليك موتير فكرة الإخلاء في هذا السياق بأن يجري مقارنة بين المسيح في ترنيمة فيلبي والعبد في ترنيمة إشعياء قائلًا بأنه كما أن عبد الرب قد سكب نفسه طواعية للموت، فإن يسوع، في سبيل أن يموت، تنازل بكيانه كله إلى وضع عبد الرب.”[20] إن يسوع، في ظل إرساليته الإلهية لفداء البشرية وخلاص الخطاة ارتضى بأن يتخلى عن كل وأبسط حقوقه ليكون، لا إنسانًا عاديًا، بل عبدًا وضيعًا يحتقره المجتمع، كما نقرأ في إشعياء 53، وكان هذا الأمر جوهر تجسده والمفتاح لفاعلية خدمته على الأرض في ملء الزمان. كما أن الأمر لا يخلو من الإشارة إلى وصف لإنسانية يسوع. فهو، كما يشير رالف مارتن، قد تشارك معنا في طبيعتنا الإنسانية في كل هشاشتها ومحدوديتها (رو 8: 3؛ عب 2: 7، 14)، ودخل إلى حياته الأرضية خاضعًا لكل القيود التي تفرضها هذه الطبيعة بالاستثناء المجيد في أنه كان خلوًا من الخطية.[21]
يقودنا الأمر بالضرورة إلى السؤال الذي طرحه الكثيرون في دراستهم لهذا النص: ما الذي أخلى يسوع نفسه منه؟؟ بمعنى آخر، ما الذي تنازل يسوع المسيح عنه في رحلة إخلائه واتضاعه حبًا وفداء للبشرية الآثمة؟؟ تعددت الإجابات على هذا السؤال بتعدد الرؤى التفسيرية لهذا النص وتعدد الرؤى اللاهوتية لشخصية وعمل يسوع المسيح في تجسده وعمله الكفاري.
للإجابة على هذا السؤال يجب في البداية أن نقرر بوضوح أن فكرة إخلاء المسيح لنفسه من الألوهية غير واردة إطلاقًا في هذا النص أو في غيره من النصوص الكريستولوجية. فجمع يسوع المسيح بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية إنما هو أمر لا غنى عنه حتى يكون مؤهلًا ليفتدي بني الإنسان. والكتاب المقدس في عهديه يؤكد هذه الحقيقة أن يسوع المسيح هو ابن الله وابن الإنسان. وبنفس القوة والحسم ينبغي التأكيد على أن عبارة “أخلى نفسه” لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أن المسيح قد تنازل طواعية عن بعض صفاته أو مزاياه الإلهية. فقد نادى بعض اللاهوتيين الألمان والإنجليز منذ منتصف القرن التاسع عشر بما يُسمى بنظرية الإخلاء (Kenosis Theory) حيث اعتقدوا بأن “المسيح قد تخلى عن بعض صفاته الإلهية لما كان إنسانًا على هذه الأرض . . . وبحسب هذه النظرية أن المسيح أخلى نفسه (فرغ ذاته) من بعض مزاياه الإلهية، مثل العلم بكل شيء والحضور في كل مكان والقدرة على كل شيء، لما كان إنسانًا على الأرض. وقد تم اعتبار هذا من قبيل تحديد الذات طوعًا من جانب المسيح، الأمر الذي قام به في سبيل إكمال عمله المختص بالفداء.”[22]
رفض المسيحيون فكرة الإخلاء بالصورة السابقة، وكانت التوجهات الأساسية للإجابة على السؤال: مما أخلى يسوع نفسه تسير في المسارات التالية:
1- رأى الكثيرون أن المسيح في إخلائه لنفسه لم يفرغ نفسه من مزاياه أو خصائصه الإلهية لكنه قبل طواعية أن يأخذ صورة العبد. بمعنى أن الإخلاء هنا لم يكن إفراغًا من الجوهر أو الصفات أو الخصائص الإلهية، لكنه يشير إلى تغيير الدور والوضع، فإن “أفضل فهم لهذا المقطع هو أنه يتحدث عن يسوع متخليًا عن المركز والامتياز اللذين كانا له في السماء.”[23] وبهذا التوجه ينبغي أن نغير صيغة السؤال، فالسؤال ليس مما أخلى يسوع نفسه بل إلى ماذا أخلى يسوع نفسه؟ فالرسول بولس لا يذكر ما أخلى المسيح نفسه منه. “فهو لا يقول إنه أخلى نفسه من مجده الجوهري، أو من حق ممارسة خصائصه الإلهية المميزة.”[24] فالاتجاه هو اتجاه إلى الخارج وليس من الداخل. يعبر روبرت ويلسون عن هذه النقطة بجلاء إذ يقول إنه بينما التمجيد هو الأسلوب المعتاد الذي تبغي به الألوهة التعبير عن نفسها، فإن هذا النص يخبرنا بأن الألوهة قد اختارت أن تنحي رغبتها جانبًا، وبالتالي يكون الإخلاء هو الإفراغ من الذات.[25]
2- التوجه الثاني اتخذه المصلح السويسري جون كالفن ويرى فيه أن فكرة الإخلاء تشير إلى إخفاء المسيح طواعية لمجد ألوهيته وهو في أيام جسده. فهو يجزم بأن المسيح لم يتنازل بالطبع عن ألوهيته، لكنه أبقاها مخفاة خلال زمن تجسده. وهكذا فإن إخلاءه لنفسه كان من خلال تنحيته لمجده عن نظر الناس، ليس من خلال التقليل من ألوهيته، بل من خلال إخفاءها،[26] كذلك يؤيد كارل بارت نفس التوجه إذ يرى أن المسيح يضع نفسه في موقف يعرف فيه هو فقط نفسه بنفس الطريقة التي يعرفه الآب بها. وفي هذه الحالة التي يدخلها يكون دور الآب هو الإعلان عنه. فهو لم يقدم نفسه في صورته الإلهية الأصلية لكن فقط في صورة الكائن البشري.[27] مرة أخرى نجد هنا أن معنى الإخلاء إنما هو إخفاء صورة ومجد الألوهية عن أعين الناس المعاصرين له.
3- يرى فريق ثالث الأمر من زاوية أخرى وهي أن الإخلاء كان نوعًا من تحديد الذات.[28] فنجد مثلًا جي. إف. كولانج يرى أن الإخلاء كان “امتناعًا طوعيًا عن ممارسة الربوبية.”[29] كما يلخص إم. آر. فينسنت هذا الرأي في المقطع التالي:
إن المعنى العام هي أنه (المسيح) قد حرم نفسه من ذلك المجال الوجودي الذي كان له ومن حقه كواحد مع الآب. لقد نحى جانبًا صورة الله. وهو إذ قام بذلك، فإنه لم ينزع عن نفسه طبيعته الإلهية. لقد كان التغيير هو تغيير في الحالة: صورة العبد بدلًا من صورة الله. لقد ظلت شخصيته كما هي. فإخلاؤه لنفسه لم يكن محوًا للذات، ولم يكن أن الله قد تحول إلى إنسان. في إنسانيته احتفظ يسوع بجوهر الألوهية، وفي حال تجسده حوى العقل الذي سكنه قبل تجسده.”[30]
* التطبيق الأخلاقي لعقيدة الإخلاء
النموذج التطبيقي الذي نرى فيه تجسيدًا لفكرة الإخلاء في أوج وضوحها وجلالها هو حادثة غسل الأرجل في إنجيل يوحنا 13: 1-16. وقد قام بعض العلماء بإجراء مقارنة جميلة توضح المقاربة الفكرية واللاهوتية بين نصي فيلبي ويوحنا:
فيلبي 2: 5-11 يوحنا 13: 1-16
الذي إذ كان في صورة الله (ع. 6) يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجَ وَإِلَى اللَّهِ يَمْضِي (ع. 3)
لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله (ع. 6) وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجَ وَإِلَى اللَّهِ يَمْضِي (ع. 3)
أخلى نفسه (ع. 7) قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ وَخَلَعَ ثِيَابَهُ (ع. 4)
آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ (ع. 7) وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا (ع. 4)
وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ (ع. 8) صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التّلاَمِيذِ (ع. 5)
لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ (ع. 9) فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا (ع. 12)
لْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا (ع. 5) لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا (ع. 15)
إن المقارنة تبين أن نزول المسيح من على مائدة العشاء إلى أرضية العلية ليغسل أرجل تلاميذه إنما كانت مصغرة لنزوله وتنازله الأعظم من السماء إلى الأرض وتضحيته الكبرى ليغسل البشر بدم صليبه من شر الخطية وأمراضها وعبودياتها. وربما تؤكد هذه المقارنة أن الغرض من ترنيمة فيلبي لم يكن لاهوتيًا في المقام الأول، لكنه كان غرضًا أخلاقيًا سلوكيًا أراد الرسول أن يتبينه ويتبناه المؤمنون هناك من خلال نموذج المسيح المتجسد الذي يقدمه لهم في ترنيمته العميقة. نفس الفكرة يقدمها إدموند هيبرت في معرض حديثه عن موقع ترنيمة بولس في سياق رسالة فيلبي حيث يكتب الكلمات التالية: “إن هذا النص يصل إلى قمة دلالته عندما يتذكر قارئه بأنه لا يفهم لاهوتيًا لكن أخلاقيًا. فهو لم يُكتب في خضم نزاع لاهوتي ولم يكن هدفه معالجة انحراف عقائدي. لكن هذا النص كُتب لتقوية فضيلة الاتضاع المسيحية. فهو نموذج واضح لعادة الرسول في تنشيط الممارسات اليومية للحياة المسيحية من خلال دعمها بأعمق الحقائق العقائدية.”[31]
ونتيجة لضيق الوقت والمساحة، فإنني أقصر حديثي هنا على القول بأن خدمة الكنيسة في أي مجتمع، وبصورة خاصة في مجتمعاتنا الشرقية التي تعاني من الكثير من الأمراض المجتمعية والثقافية والأخلاقية والروحية والحضارية، لايمكنها أن تستقيم أو تؤتي ثمارها المرجوة بدون الالتصاق والتمسك الأصيل بفكرة الإخلاء. وفي ظني أن أكثر فئة من الفئات الكنسية احتياجًا لتبني نموذج المسيح في إخلائه لنفسه هي فئة القيادات الكنسية، أيا كان موقعها أو حجمها أو دورها أو مجال تأثيرها. إن نموذج “القيادة الخادمة” لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن قيمة إخلاء النفس من أجل الآخر. والقيمة الكبرى التي بُني عليها وتأسس إخلاء المسيح لنفسه كانت التضحية. فقد ضحى المسيح ليصير في صورة العبد، بل ليصل إلى أدنى مستوى ممكن في بشريته ليموت ميتة الصليب، التي كانت من أسوأ الميتات وأبشعها وأكثرها وضاعة وحقارة. والتضحية أمر لا مفر منه بالنسبة للقائد الحقيقي. يقول بيل روبنسون إنه لكي يصير المرء قائدًا لا يعني بالضرورة خسارته لحياته، لكن أن يكون القائد متشبهًا بالمسيح في قيادته فإن ذلك يعني بالضرورة التضحية.[32] لقد كانت كنيسة فيلبي مصابة بداء الحسد والكبرياء والرغبة في التفوق، فقد كانت لهم “أجنداتهم الخاصة الخفية التي لم تكن تهتم بالاتضاع بقدر الكبرياء والتي لم يكن همها أن تَخدم بل أن تُخدم،”[33] وكان الدواء لهذا المرض المستعصي أن يتأملوا في نموذج المسيح الذي ضحى بوضعه وصورته ليصير عبدًا في سبيل خير البشر وخلاصهم. إن مزود الخشب الذي احتضن المسيح طفلًا، وصليب الخشب الذي رُفع عليه مصلوبًا إنما يشيران إلى نفس القيمة ويعلماننا نفس الدرس، درس التضحية التي تستهدف خير الآخرين. فالتضحية أمر هام جدًا بالنسبة لله وإرساليته للمسيح ولنا. فهي تمثل عمق التجسد وارتفاعه. إنها الثمن الذي دفعه الله ليسترد ما اقتنصه الشيطان.[34] ومجالات التضحية التي يمكن أن يقدمها القائد الحقيقي كثيرة، لكن ربما أهم ما نحتاجه اليوم هم القادة الذين يضحون برغبتهم في المتعة والراحة، في مجتمع أناني لا يبحث إلا عن المتعة والراحة في كل مكان وبأي ثمن. نحن في أشد الحاجة إلى قادة يدركون عمق المشكلة التي يعيشها العالم اليوم إذ أصبح الجميع مُبتلعون في ذواتهم، وأصبح العالم الشخصي لكل واحد قلعة حصينة تمنعه من الخروج للآخر أو الإحساس بمعاناة العالم الذي حوله وتقنعه بأنه هو الأهم والأعظم والأبقى. إننا في أشد الحاجة إلى قادة يكسرون دائرة الإعجاب بالذات والانغلاق على الاحتياجات الشخصية والتمركز حول الملبس والمأكل والسفر والتأنق والتألق ليعيشوا حياة الخدمة الحقيقة وعدم الاهتمام بالمظاهر الكاذبة ملتفتين إلى احتياجات من حولهم.
ربما أفضل خاتمة لفكرة الإخلاء التي دارت حولها هذه الدراسة هي كلمات الأب متى المسكين في كتيبه عن أغنية فيلبي 2: 5- 11 حيث يقول:
والواقع المُختَبَر هو أنه بمجرد أن يبلغ الإنسان إلى فكر إنكار الذات يجد نفسه قائمًا في حالة تواضع في الحال. وهنا نستمد من المسيح معنى وقوة الإخلاء إي إنكار الذات كبداية وقوة دافعة للاتضاع، إذ بمجرد أن أكمل المسيح فكر إخلاء الذات من مجد لاهوته بدأ في الحال فعل التجسد. غير أن هناك عاملًا سريًا في هذه الحركة يُحسب كسرِّ الإخلاء، وهو أن المسيح الابن أخلى ذاته ليس من نفسه بل طاعة للآب. وهنا يأتينا العون والقوة على إنكار الذات الذي يُبلِّغنا الاتضاع، وذلك بطاعة الآب وبترسم خطى الابن.[35]
[1] . عبد المسيح اسطفانوس، قوانين الإيمان وإقراراته: دورها وتأثيرها في الكنيسة (القاهرة: دار الثقافة، 2017)، 42.
[2] . المرجع السابق، 36.
[3] . المرجع السابق، 47.
[4] . المرجع السابق، 60.
[5] . المرجع السابق، 85.
[6] . المرجع السابق، 279.
[8] . يقدم جي. جيرفيل رأيًا مخالفًا ذاهبًا إلى أن تلك الترنيمة كانت تُستخدم في طقس المعمودية الأولى إذ أنه “في المعمودية يتغير المؤمنون إلى صورة ربهم الموصوفة في هذه الترنيمة.”
[9]. Ralph P. Martin, The Epistle of Paul to the Philippians: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries, ed. R. V. G. Tasker (Leicester, England: Inter-Varsity Press, 1977), 106.
كذلك انظر سامح إبراهيم، الترانيم المسيحية: ماذا رنمت الكنيسة الأولى وكيف نرنم اليوم؟ (القاهرة: دار الثقافة، 2017)، 82-88.
[10]. Charles B. Cousar, Philippians and Philemon, The New Testament Library, eds. C. Clifton Black et al. (Louisville, KY: Westminster John Knox Press, 2009), 52-53.
[11]. Gordon D. Fee, “Philippians 2: 5-11: Hymn or Exalted Pauline Prose?” in Bulletin for Biblical Research 2 (1992), 31-32.
[12]. Martin, The Epistle of Paul to the Philippians, 108.
[13]. Martin, The Epistle of Paul to the Philippians, 108.
[14]. Fee, “Philippians 2: 5-11,” 35.
[15] . سامح إبراهيم، الترانيم المسيحية، 87-88.
[16]. Michael F. Bird and Nijay K. Gupta, Philippians (United Kingdom: Cambridge University Press, 2020), 79; John Paul Heil, Philippians: Let Us Rejoice in Being Conformed to Christ (Atlanta, GA: Society of Biblical Literature, 2010), 88; Robert E. Wilson, “He Emptied Himself,” Journal of the Evangelical Theological Society 19:4 (fall 1976), 280.
[17]. Robert B. Strimple, “Philippians 2: 5-11 in Recent Studies: Some Exegetical Conclusions,” Westminster Theological Journal 41: 2 (Spring 1979), 266.
[18]. Jac. J. Müller, The Epistle of Paul to the Philippians, The New International Commentary on the New Testament, ed. F. F. Bruce (Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 1988), 83; Loraine Boettner, Studies in Theology (The Presbyterian and Reformed Publishing Company, 1983), 204; Charles B. Cousar, Philippians and Philemon, 55; Martin, The Epistle of Paul to the Philippians, 96.
[19]. C. F. D. Moule, “Further Reflections on Philippians 2: 5-11,” W. Ward and Ralph P. Martin eds., Apostolic History and the Gospel: Biblical and Historical Essays Presented to F. F. Bruce (Exeter: The Paternoster Press, 1970), 268.
وليم باركلي، الرسائل إلى فيلبي وكولوسي وتسالونيكي، تفسير العهد الجديد، ترجمة جرجس هابيل (القاهرة: دار الثقافة، 1979)، 53.
[20]. Alec Motyer, The Message of Philippians: Jesus Our Joy, ed. John R. W. Stott, The Bible Speaks Today (Downers Grove, IL: Inter-Varsity Press, 1984), 114.
[21]. Martin, The Epistle of Paul to the Philippians, 100.
[22] . واين جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي: رؤية معاصرة في ضوء كلمة الله، المحرر المسئول: رياض قسيس (برنامج التعليم اللاهوتي بالامتداد، مطبوعات إيجلز، 2009)، 104، 105.
[23] . جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون، 105.
[24] . دائرة المعارف الكتابية، “أخلى- إخلاء،” الجزء الثالث ح-ذ، المحرر المسئول: وليم وهبة بباوي (القاهرة: دار الثقافة، 1995)، 351.
[25]. Wilson, “He Emptied Himself,” 281.
[26]. John Calvin, The Epistles of Paul the Apostle to the Galatians, Ephesians, Philippians and Colossians, trans. T. H. L. Parker, Calvin’s New Testament Commentaries, eds. David W. Torrance and Thomas F. Torrance (Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 1988), 248.
[27]. Quoted in John Paul Heil, Philippians, 80.
[28]. J. Randall Wallace, “How the Christ Hymn in Philippians 2: 5-11 Informs the Praxis of Leadership in At-Risk Communities: Two Super-Leaders Operationalizing Kenosis,” Journal of Biblical Perspectives in Leadership 8, no. 1 (Fall 2018), 292.
[29]. Quoted in Motyer, The Message of Philippians, 113.
[30]. Quoted in J. Randall Wallace, “How the Christ Hymn,” 292.
[31]. D. Edmond Hiebert, An Introduction to the Pauline Epistles (Chicago: Moody Press, 1954), 297.
[32]. Bill Robinson, Incarnate Leadership: 5 Leadership Lessons from the Life of Jesus (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2009), 104.
[33]. Mark E. Hardgrove, “The Christ Hymn as a Song for Leaders,” Journal of Biblical Perspectives in Leadership 2, no. 1 (Winter 2008), 28.
[34]. Bill Robinson, Incarnate Leadership, 109.
[35] . متى المسكين، في اللاهوت: أنشودة للتجسد يقدمها بولس الرسول (دير القديس أنبا مقار، 1996)، 6.
اسم الكاتب :عـادل عطيـة
أرنو لنجمك الذي
مازال يضوي في علاه
مازال يُهدي في مداه
وأصغي إلى مجدلة الملائكة
في سماء الرعاة
ترسل لقلبي المضطرب
أهازيج المسرة، والسلام
وأسمع صوتك الجليل
على جبل العظة، ينادي
ملء الحياة
غير اني مازلت تائهاً
أبحث في الفلاة عن النجاة
*** *** ***
يا أبتاه
أنقذ الآن نفسي من الشرود
لأنهض من جديد
إلى الطريق.
إلى الحياة.
وأولد في مذودي
في ذكرى مولدك، الأثيل
على صورة ابنك
كما صوّرتني وخلقتني، إنسان
اسم الكاتب: القس جادالله نجيب
بادئ ذي بدء، علينا أن نعترف أن “تَجَسُدْ الكلمة” حدث تاريخي وحقيقة وجود وواقع معاش. غير أن التجسد أمر لا يخضع للبحث العلمي ولا هو دراسة تُفحص بالمنطق المتعارف عليه، إلا أن هناك منطق لفهم التجسد، كما أن هناك مجال لدراسته وفهم أبعاده. فالتجسد علاقة الخالق بالمخلوق، علاقة تحددها خبرات وتواصل واستنتاجات. فالتجسد في أسمى معانيه هو أن”الكلمة” صار جسدًا، وليس “الكلمة” صار إنسانًا. وبأكثر وضوح، يعلن الوحي أن الله ظهر في الجسد، وليس أن الله صار إنسانًا. هذه الفوارق الجوهرية في الكتابة والاقتراب إلى معرفة الله، تعطي البعد الحقيقي في منطقية كيف تسكن الأبدية الزمان. الله كائن حي خارج الزمن، إلا أنه دخل الزمن بصيرورته جسدًا، واقترب من الإنسان وعاش معه ليدرك الإنسان أن الله ليس عنه ببعيد.
ومن هنا فإن مَنْطَقَة التجسد ما هي إلا محاولة لفهم كيف أن الله في عظمته وكينونته الدائمة خارج الزمن تدخل الزمان المحدود. إنها محاولة لفهم دور الخالق المبدع في حياة البشرية، وتفسير التجلي الإلهي عبر التاريخ الذي وصل إلى نقطة الصفر، فتجسد الكلمة في بطن عذراء فولدت الطفل يسوع الذي تفسيره الله معنا. هذه الولادة قد فهمها معاصروها واختبروا التدخل الإلهي إنه إعلان عن حب الخالق واهتمامه بالإنسان الذي خلقه وأعطاه نسمة حياة من فيه.
الإنسان جزء أصيل من ذاك الخالق العظيم، وسكنى الأبدية للزمن من خلال ولادة يسوع، هو حدث تاريخي، وخبرة حية عاشها الناس في ذلك الزمان بل عايشوها. وهذا الحدث وتلك الخبرة لم تنتهيا بغياب الكلمة عن الجسد، بل مازال ولايزال هذا الحدث في قلب الزمن والتاريخ خبرة حية.
يحاول البعض تقريب فهم طبيعة إتحاد الله بالبشر من خلال النظريات العلمية، متخذين طبيعة الضوء كطبيعة مزدوجة بين الموجيّة والجسميّة كمثال. كان نيوتن يُعرّف طبيعة الضوء على أنها موجات أي لها طبيعة واحدة. إلا أن ألبرت أينشتاين غيّر هذه النظرية باكتشافه الحديث بأن الضوء يمتلك طبيعة مزدوجة، لها خاصيتان متمايزتان في طبيعة واحدة.[1] وبعض آخر يحاول تفسير هذه الطبيعة التي تحمل الجانب الإهي والجانب الإنساني في ذات الوقت، بأن الله هو كلي العلم وكلي القدرة وكلي الوجود، وبالتالي فهو غير المحدود يقدر أن يصير جسم بشري محدود ( الإلهي في جسد إنساني) دون أن يتخلى عن اللامحدودية التي له، ولا يغيّر من محدودية الإنسان ليصبح لا محدود. كل تلك المحاولات جادة ومخلصة جدًا، لتقرب مفهوم إتحاد الله بالإنسان.
في هذه الدراسة نبحث عن هُوِيّة الله كما أعلنها هو بنفسه في العهدين القديم والجديد. وما هي طبيعة هذه الهُوِيّة وكيفية تدخل الله في الزمان وتعامله مع البشرية بهوية واضحة عبر تاريخ كلمة الله.
هُوِيّة الله
عُرِفَ الله عند إبراهيم أبو الأباء قديمًا بأنه الله القدير، “وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ٱبْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ ٱلرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: “أَنَا ٱللهُ ٱلْقَدِيرُ” إيل شّدْآي אֲנִי-אֵל שַׁדַּי. ( تكوين 17: 1). يعتبر الأب متى المسكين أن هذا الظهور هو بداية تاريخ معرفة هُوِيّة الله واستعلان نفسه للبشرية.
كما عرّف الله نفسه لموسى وقت أن هرب من غضب فرعون إلى الصحراء، وقضى أربعين سنة في الصحراء هاربًا، وقبل نهاية المدة ظهر الله له وعرّفه بنفسه “….. ٱلْآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ”. في تلك اللحظة، رأى موسى أنه غير كفء لهذه المهمه، محاولاً التنصل من المسؤولية، إلا أن يهوة بادره بأنه سيكون معه. فسأله موسى سؤالاً: “هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلَهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا ٱسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ فَقَالَ ٱللهُ لِمُوسَى: “أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ”. وَقَالَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَقَالَ ٱللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلَهُ آبَائِكُمْ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ”.(خروج 3: 14 و 15).
من ذلك الوقت عُرِفَ الله عند العبرانيين بأنه يهوه، غير أن الله لم يُقَدّم نفسه لإبراهيم باسم “يهوة” بل بأنه “إيل شداي، “وَأَنَا ظَهَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِأَنِّي ٱلْإِلَهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَأَمَّا بِٱسْمِي «يَهْوَهْ» فَلَمْ أُعْرَفْ عِنْدَهُمْ…… لِذَلِكَ قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَا ٱلرَّبُّ. ” أنا يهوه אֲנִי יְהוָה”( خروج 6: 3 – 6).
يأتي التواصل عن هُوية الله بين العهد القديم والعهد الجديد، فيُعرّف الله نفسه ليوحنا الرائي في العهد الجديد، كما عرّف نفسه لموسى في العهد القديم قائلاً: “أَنَا هُوَ ٱلْأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ…. أَنَا هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْآخِرُ، وَٱلْحَيُّ…وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ!”. ( رؤيا 1: 8 و 17 و 18؛ 22: 13).
وهنا نرى إبداع كلمة الله في تسجيلها في رؤيا يوحنا، بأن هُوِيّة الله هي إنه ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ “إيل شَداي” الذي عرّف نفسه بها لإبراهيم، و ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْء”.
” ὁ ὢν καὶ ὁ ἦν καὶ ὁ ἐρχόμενος, ὁ παντοκράτωρ” ، وأَنَا هُوَ “εγω ειμι” أي أنا “يهوه” الهُوِيّة التي أدركها العبرانيون.
اللفظ أنا “هو” (يهوه) ليس هو ضمير الغائب بل هُوِيّة حاضرة وكيان حي. ومن هنا فاسم الله في العبري “أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ”، وفي اليوناني الذي تُرجم بالعربي” ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي” يُترجم بالإنجليزية “I am the being” أي أنا الكينونة، أنا الوجود. ويترجم الأب متى المسكين العبارة العبرية إلى “أنا هو الذي يقيم الكيان أو الوجود”.[2]
الله هو مجتمع سماوي
واحدة من أكثر الصعوبات التي تواجه السواد الأعظم من الناس هي عدم القدرة على فهم أن الله الواحد ليس مجرد مفرد وحيد في ذاته، بل “هو مبادلة وحوار في وحدة جوهره الإلهي”،[3] فهو كينونة وكيان إلهي حي يتفاعل. ولا نكون قد تجاوزنا الصواب إذا أطلقنا عليه أنه مجتمع إلهي. وصفت (ديين دراموند Deane- Drummond) : “المجتمع الإلهي بأنه مجتمع الحب ومجتمع الصداقة والود”.[4]
في ورقة بحثية في الدراسات العليا التي قدمها الكاتب في الفكر المسيحي كان مفداها إن الله خلق الإنسان على صورته، ولما خلق آدم وهو “فرد وحيد” خلق له حواء كجزء منه حيث أخذ ضلع من أضلاعه، وكان جيد في عيني الخالق أن يصنع مجتمع الإنسان على الأرض كمجتمع الله في السماء. وقد عبر عن هذا ببراعة اللآهوتي والمصلح الألماني”مولتمان” قائلاً: “إن صورة الله على الأرض هي المجتمع البشري الحقيقي”.[5]
يعتبر البعض أن صفة الجمع التي تطلق على اسم الله “ألوهيم” هي للتعظيم، وبعض آخر يعتبر أن الاسم يعكس مجد الله وعظمته، كما يعكس سمو الله وارتفاعه عن خلائقه.[6] إلا أن اسم الله بالجمع والمفرد عبر الكتاب المقدس له دلالات أكثر عمق وأوضح في فهم هُوِيّة الله. فالاسم بالجمع دلالته هو أن “الله مجتمع”، وهذا ما نجده بوضوح عبر صفحات العهد القديم، حيث يسطر الوحي بالتناوب لفظ الرب “يهوه יְהוָה وهو المفرد” ولفظ الله ” ألوهيم אֱלֹהִים وهو الجمع”. في سفر التثنية أي سفر الشريعة وفي أصحاح 4: 35 و 39 يذكر أن الرب (يهوه) هو إله السماء والأرض وليس سواه. “٣٥ إِنَّكَ قَدْ أُرِيتَ لِتَعْلَمَ أَنَّ ٱلرَّبَّ هُوَ ٱلْإِلَهُ. لَيْسَ آخَرَ سِوَاهُ ….. ٣٩ فَٱعْلَمِ ٱلْيَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلْبِكَ أَنَّ ٱلرَّبَّ هُوَ ٱلْإِلَهُ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى ٱلْأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. لَيْسَ سِوَاهُ. ويؤكد على ذلك في أصحاح 6: 4 “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِد.”.
في ملوك الأول 18 يجمع بين اللفظين ” ٩ فَٱعْلَمْ أَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ هُوَ ٱللهُ، …. يهوه יְהוָה إلهك אֱלֹהֶיךָ هو הוּא الله הָאֱלֹהִים“. كما جاءت أيضًا في ملوك الأول 8 : 60 ” ٦٠ لِيَعْلَمَ كُلُّ شُعُوبِ ٱلْأَرْضِ أَنَّ ٱلرَّبَّ هُوَ ٱللهُ وَلَيْسَ آخَرُ .. يهوه יְהוָה, هو הוּא الله הָאֱלֹהִים: وليس אֵין،آخر עוֹד“. ملوك الأول 18: 39 ” ٱلرَّبُّ هُوَ ٱللهُ! ٱلرَّبُّ هُوَ ٱللهُ!…. يهوه יְהוָה هو הוּא الله הָאֱלֹהִים، يهوه יְהוָה هو הוּא الله הָאֱלֹהִים“. سأكتفي بهذه الشواهد حيث هناك ما يصل الى 2500 مرة يذكر فيها يهوه كما يأتي أيضًا ألوهيم. (أخبار الأيام الثاني 33: 13، إشعياء 45: 18، يشوع 22: 34).
مجتمع السماء يزور إبراهيم
يُروي لنا أصحاح 18 من سفر التكوين عن حياة إبراهيم بعد مضي ما يقرب من 30 عامًا لوعد الرب بِنَسْل. كان الوقت عصيب على إبراهيم وسارة زوجته حيث وهما طاعنان في السن، عاشا فاقدا الأمل في تحقيق الوعد بأن يكون لهما ولد. في أثناء جلسوهما في باب خيمة الاجتماع كعادتهما، يلاحظان أن هناك ثلاثة رجال واقفون قريبًا من الخيمة. مع تتبع القصة نرى أن الرب قد ظهر لإبراهيم، وفي نفس الوقت عندما تطلع إبراهيم ليرى فقد رأى ثلاثة رجال. “١وَظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ ٱلْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ ٱلنَّهَارِ، ٢ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لِٱسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ ٱلْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ، ٣ وَقَالَ: “يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلَا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. ٤ لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَٱغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَٱتَّكِئُوا تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ، ٥ فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لِأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ”. فَقَالُوا: “هَكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ”.
في بداية الآية نجد أنه قد “ظَهَرَ لَهُ ٱلرَّبُّ ( أبرام) عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ ٱلْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ ٱلنَّهَارِ …. وعندما رفع عينيه وجد ثلاثة رجال،”رفع عينيه ونظر، فإذا ثلاثة رجال واقفون بالقرب منه. حال أن رآهم إبراهيم جرى لاستقبالهم، لا كمجرد رجال بل كأنه متأكد أن مجتمع السماء يزوره، حضور إلهي قادم لزيارته. ولم يكتف بالاستقبال الحار بل سجد إلى الأرض مؤكدًا للقارئ أنهم رجال مقدسون فهم رجال فوق العادة.
ورغم أنهم ثلاثة رجال، إلا أن إبراهيم يخاطبهم بالمفرد وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلَا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. ٤ لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَٱغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَٱتَّكِئُوا تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ، ٥ فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لِأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ”. فَقَالُوا: «هَكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ”. الملاحظة القوية هنا، هي أن إبراهيم يتناوب في خطابه بين المفرد والجمع، وكأنه يتكلم مع الرب ومع رجال بشر. وتستمر هذه الملاحظة بعد الانتهاء من كرم الضيافة حيث دار الحوار بينهم فسؤل عن سارة، وكان السؤال بالجمع” ٩ وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ سَارَةُ ٱمْرَأَتُكَ؟» فَقَالَ: «هَا هِيَ فِي ٱلْخَيْمَةِ. أما الإجابة كانت بالمفرد، تحمل وعدًا أو بالأحرى تحقيق وعد الرب لإبراهيم ” ١٠ فَقَالَ: إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ ٱلْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ٱمْرَأَتِكَ ٱبْنٌ”. وكالعادة الشرقية فإن سارة كانت خلف باب الخيمة وكانت تسمع الوعد. شعرت سارة أن الوعد غير منطقي، فضحكت معبرة بكلمات واقعية جدًا، “فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: “أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟”. ورغم أنها لم تكن ظاهرة في المشهد، إلا أن الرب سأل إبراهيم “لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِٱلْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ ١٤ هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى ٱلرَّبِّ شَيْءٌ؟ ” وأكد الرب هذه المرة أن “فِي ٱلْمِيعَادِ أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ ٱلْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ٱبْنٌ”. يوَدِعُ إبراهيم ضيوفه الثلاثة وكعادة الشرق يخرج معهم ليضمن خروجهم مع التمني لهم سلامة الطريق. ثم يستمر الحوار بين الرب وإبراهيم في طريق الوداع والذي هز قلب إبراهيم حيث كان الحوار عن دينونة سدوم وعمورة “١٦ثُمَّ قَامَ ٱلرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِيًا مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. ١٧ فَقَالَ ٱلرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، ١٨ وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلْأَرْضِ؟ .. ٢٠ وَقَالَ ٱلرَّبُّ…..”٢٢ وَٱنْصَرَفَ ٱلرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ ٱلرَّبِّ….. ٣٣ وَذَهَبَ ٱلرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلَامِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ”. ( تكوين 18: 1- 33) انصرف الرجال إلى سدوم وعمورة (ع 22) وَذَهَبَ ٱلرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلَامِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ (ع 33). من بداية الزيارة حتى نهاية اللقاء نرى أن تناوب الخطاب بين المفرد والجمع له دلالاته العميقة التاريخية في فهم من هو الله وطبيعة هُوِيّته. هل هو فرد أم مجتمع؟!
يُعْتَبَرُ تكوين 18 من أكثر النصوص الكتابية وضوحًا في فهم مجتمع الله في السماء الذي زار أبا الأباء إبراهيم، وكان الحوار بين الرب وإبراهيم يصف هذا المجتمع بلغة الفرد تارة ولغة الجمع تارة أخرى. بالإضافة إلى أنها قصة معبرة بوضوح عن تواصل مجتمع السماء بمجتمع الأرض. الأبدية تتعامل مع الزمان، مجتمع السماء يهتم بالبشر.
يرى الراهب الإيطالي ديفو بارزوتي في حادثة ظهور الرب لأبراهيم في بلوطة ممرا، أن “الله عاد ليسكن أرض الإنسان، وعادت الأرض لتكون فردوس الله. ويضيف أن النص لا يتحدث فقط عن حميمية إبراهيم مع الله، بل يشكل إلى حد ما نبوءة عما سيكون سر التجسد الإلهي المستقبلي”.[7]
في حادثة فريدة من نوعها، أثناء عودة يعقوب أبو الأسباط من عند خاله لابان إلى بيت أبيه، كان مرعوبًا من عيسو أخيه، فبعد أن عَبَرَ “مَخَاضَةَ يَبُّوقَ” أرسل أولاده وزوجاته وخَدَمَه وكل ماله، أمامه ليختلى بنفسه ويصلي، في أثنا صلاته صارعه إنسان طوال الليل الحالك حتى الفجر، يقول الوحي:” فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ ٱلْفَجْرِ. ٢٥ وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَٱنْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. ٢٦ وَقَالَ: “أَطْلِقْنِي، لِأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ ٱلْفَجْرُ”. فَقَالَ: “لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي”. ٢٧ فَقَالَ لَهُ: “مَا ٱسْمُكَ؟” فَقَالَ: يَعْقُوبُ ٢٨ فَقَالَ: “لَا يُدْعَى ٱسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ ٱللهِ وَٱلنَّاسِ وَقَدَرْتَ”. وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: “أَخْبِرْنِي بِٱسْمِكَ”. فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ ٱسْمِي؟». وَبَارَكَهُ هُنَاكَ٣٠ فَدَعَا يَعْقُوبُ ٱسْمَ ٱلْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلًا: “لِأَنِّي نَظَرْتُ ٱللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي”. (تكوين 32: -24- 29). لم تَظهر هُوِيّة الإنسان الذي صارعه، حتى جاءت شهادة يعقوب نفسه أنه رأى الله وجه لوجه.[8] وفي موضع أخر، أخبرنا يعقوب عن حلمه وأن هوية ملاك الرب ظهرت كالرب نفسه، “وَقَالَ لِي مَلَاكُ ٱللهِ فِي ٱلْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ. ….. ١٣ أَنَا إِلَهُ بَيْتِ إِيلَ”.
تؤكد نبوة هوشع التي سُجِلْت بعد مئات السنين من كتابة التكوين، أن الإنسان الذي صارع يعقوب، هو الله.[9] “ ….بِقُوَّتِهِ جَاهَدَ مَعَ ٱللهِ. ٤ جَاهَدَ مَعَ ٱلْمَلَاكِ وَغَلَبَ.. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا. ٥ وَٱلرَّبُّ إِلَهُ ٱلْجُنُودِ يَهْوَهُ ٱسْمُهُ”. (هوشع 12: 3- 5)
مجتمع الله الذي التقى بإبراهيم أبو الأنبياء، وملاك الله( الإنسان الذي صارع يعقوب)، يقدمان لنا فهمًا عميقًا أن الأبدية تتواصل مع الزمان، وأن الله يسكن مع البشر، ويتعامل معهم حيث هم، فإن فرحة الله وشبع قلبه مع الإنسان “لَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ“ ( أمثال 8: 31)
طبيعة المجتمع السماوي
الله -المجتمع السماوي- محبة وهذه المحبة ليست مجرد شعور يمتلكه الله ولا إحدى صفاته، بل هي جوهر الله وطبيعته. فالله كائن حي، والكائن الحي يتدفق من داخله الحب والعطاء.
المحبة ليست طبيعة ساكنة وجامدة، بل طبيعة ديناميكية مفعمة بالحيوية والحركة والفاعلية. فالمحبة تستدعي أطرافًا متفاعلين معًا. فهي علائقية، أي حيويتها في العلاقات، وبالتالي فمحبة الله في ذاته، في كيانه وفي داخله. فالله في كيانه واحد أحد، يتميز في وحدانيته بأنه غير منعزل وليس وحيد بل في علاقة، وأن هذا الكيان في داخله ديناميكي متفاعل يتبادل الحب.
قد لا نتجاوز الحقيقة إذا أطلقنا على هذا الكيان الإلهي بأنه مجتمع المحبة (Community). ونجد هذا المفهوم واضح في العبارة المبدعة التي قالها الله:”نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تكوين 1: 26 – 27). الإنسان الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس المقصود به هو الرجل والمرأة معًا، خَلَقَه الله على صورته ومثاله. وبالتالي فإن الله خلق الإنسان مجتمع (أسرة) وليس فرد، خلقه مجتمعًا يشبه مجتمع السماء. ومرة أخرى نرى الله الفرد ( الواحد الأحد وليس سواه) والله المجتمع. نلاحظ هذا في الفعل الذي تكلم به الله عن نفسه فقال: “نعمل في صيغة الجمع، وكلمات التشبيه صورتنا وكشبهنا أيضًا بصيغة الجمع. في عدد 27 يقدم الكاتب الله الواحد “فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ”، وعلى صورته خَلَقَهُ (مجتمع) “صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ”، هذا المجتمع رجل وإمرأة “ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ وَبَارَكَهُمُ ٱللهُ وَقَالَ لَهُمْ: “أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا”. الصياغة هنا للمجتمع البشري ليس بالمثنى(خلقهما، باركهما، أثمرا، وأكثرا) بل صيغة الجمع أي خلقهم، باركهم، أثمروا وأكثروا. تتضح أكثر في الترجمة العربية المبسطة أن الله خلق آدم وحواء تترجم إلى “الناس” بدلًا من “إنسان”، قالَ اللهُ: “لِنَخلِقِ النّاسَ عَلَى صُورَتِنا وَكَمِثالِنا….. فَخَلَقَ اللهُ النّاسَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَتِهِ خَلَقَهُمْ ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَبارَكَهُمُ اللهُ.
يمكننا أن ندرك بعمق مفهوم الإنسان كمجتمع – في خَلْقِه – إذا دراسنا الإنسان نفسه الذي خلقه الله على صورته وكشبهه. فإن قمة الكائن البشرى تكمن لا فى أن يكون واحد وحيد، بل فى أن يكون في علاقه مع الآخر. فذاتية الشخص أو هويته تتكون وتنمو عن طريق الغَيْرية، أى بالتبادل مع الغير، فليس الشخص شخصًا إلا بقدر ما هو ” كائن فى علاقة”. نجد في اللغة اللآتينة كلمة شخص هي”Persona”، تتكون من جزئين، Per أي نحو أو تجاه، و” Sona” أي أخرج صوتًا، أي أن الشخص يتكلم ويسمع، وبمعنى أعمق، أي يتحاور مع. ولأن الإنسان خُلق على صورة الله وكشبهه، إذا “فهو كائن في علاقة”. وبالتالي نفهم أن صورة الله على الأرض تعلن عن مجتمع السماء، ففي داخل الله وفي صميم كيانه “التفاعل نحو، والتحاور مع”. قال حأا
أأحدهم: “إن المحبة هي ضيافة، أي إفساح مجال لكيان الآخر بجانبي وفي كياني”. فالله في حبه خلق الإنسان وأفسح للإنسان المجال بحضوره الحي، بالاهتمام به وزيارته عبر التاريخ. فحضور الله معناه منح الإنسان اهتمامه وقلبه وعقله. يقول الأب هنري بولاد أن:”الحضور للآخر بالفكر هو حضور للقلب ولكل الكيان”.[10] وبالتالي فإن حضور الله في العهد القديم عبر الكتاب حدث بصور مختلفة، وتطوّر هذا الحضور في العهد الجديد بحضور كلمة الله في الجسد أي أن كيان الله حضر في البشر. وهذا يمهد لنا الطريق لفهم الكلمة المتجسد، الله زار أرضنا وسكن بيننا.
الكلمة المتجسد
تواصل الله مع البشر عبر التاريخ، فالحضور الإلهي لم يقتصر على التعامل المباشر مع إبراهيم ويعقوب وموسى وآخرين، بل تواصل هذا الحضور باجتماعه مع شعبه في المسكن الأول على الأرض، الذي هو خيمة الاجتماع حيث كانت الخيمة هي مكان اجتماع الله مع الإنسان وواسطة الوصول إليه.”يَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لِأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ”. (خروج 25: 8). عندما أرد داود أن يبني بيتًا لله فكان كلام الله لداود: لَمْ أَسْكُنْ فِي بَيْتٍ مُنْذُ يَوْمِ أَصْعَدْتُ بَنِي إِسْراَئِيلَ مِنْ مِصْرَ إِلى هَذَا اليَوْمِ، بَلْ كُنْتُ أَسِيرُ فِي خَيْمَةٍ وَفِي مَسْكِنٍ”. منذ ذلك الوقت كان يهوة ساكنًا وسط شعبه من خيمة إلى خيمة ومن مكان إلى آخر طوال مدة أربعين سنة في الصحراء واستمر التواصل بعد خروجهم وصولهم إلى أرض الموعد. وأخيرًا وفي ملء الزمان كان جسد الإنسان هو السكن الحقيقي، أي الخيمة الحقيقة التي يسكن فيها لله. عَبّرَ يوحنا في بشارته عن هذه السكنى ببراعة منقطعة النظير،” ١٤ وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا”. (يوحنا 1: 14)، وما كتبه يوحنا كان قد سبق وتنبأ عنه زكريا النبي أن الله سيخيم (يَحُلُ) ويسكن وسط صهيون. ١٠ تَرَنَّمِي وَٱفْرَحِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لِأَنِّي هَأَنَذَا آتِي وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ”. (زكريا 2: 10)
الفعل اليوناني “ἐγένετο” التي تترجم “صار” تأتي في المعنى الإنجليزي ((to come into being، والتي تعني دخل حيز الوجود الملموس، فالصيروة معناها أن الله دخل الزمن. وهنا فعل “صار” لا يفيد التغيير ولا التحول، بل سكنى الكيان في الزمان.
يوضح الأب متى المسكين لماذا اختار الوحي فِعْل “صار جسدًا” بدلاً من فِعْل “أخذ جسدًا” أو ” حل في جسدٍ” لأن من أخذ شيئًا يمكن أن يتركه، ومن حل على يمكن أن يفارق، لكن “صار” يصعب أن يتراجع فيما صار إليه لأن الصيروة شملت كل الكيان.[11] والفعل الثاني “حَلَ بيننا”يأني بنفس معنى الكلمة العبرية “شكينة” أي سَكَنَ في خيمة الاجتماع في العهد القديم. والفعل اليوناني”ἐσκήνωσεν” الذي تُرجم (حَلَ) يعني نَصَبَ خيمة أو أقام إقامة مؤقتة،[12] أو غير مكان إقامته.[13]
ويتضح لنا أن سكنى الله في الجسد، بدأ كما سجل لوقا البشير في بشارة الملاك للسيدة العذراء مريم”اَلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ ٱلْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ” ( لوقا 1: 35). والفعل اليوناني “ἐπισκιάσει، تُظَلِّلُكِ”، يحمل معنى القدوس، حضور الله القوي، كما كان يُوصف به السحاب الذي يغطي ( يسكن) خيمة الاجتماع ومجد الرب يملأ الخيمة. “ ٣٤ثُمَّ غَطَّتِ ٱلسَّحَابَةُ خَيْمَةَ ٱلِٱجْتِمَاعِ وَمَلَأَ بَهَاءُ ٱلرَّبِّ ٱلْمَسْكَنَ. ٣٥ فَلَمْ يَقْدِرْ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ خَيْمَةَ ٱلِٱجْتِمَاعِ، لِأَنَّ ٱلسَّحَابَةَ حَلَّتْ عَلَيْهَا وَبَهَاءُ ٱلرَّبِّ مَلَأَ ٱلْمَسْكَن”(خروج 40: 34 و 35). ونفس الكلمة استُخدِمت في حادثة التجلي وصار صوت من السحابة، كما أيضا الصوت الذي صار من السحابة أثناء معمودية يسوع،[14]( متى 17: 5، مرقص 9: 7، لوقا 9: 34).
فالكلمة الذي صار جسدًا، هو الذي كان في البدء قبل الخلق وقبل الزمن وقبل التاريخ، إنه يهوه العهد القديم، “فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللهَ. ٢ هَذَا كَانَ فِي ٱلْبَدْءِ عِنْدَ ٱللهِ. ٣ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. ٤ فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ، وَٱلْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ ٱلنَّاسِ، ٥ وَٱلنُّورُ يُضِيءُ فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَٱلظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ”. ( يوحنا 1: 1- 5)
والجدير بالملاحظة أن الفعل”كان” الذي تكرر خمس مرات لا يدل على فعل زمني بل على “الكينونة الدائمة التي تخص الوجود الآزمني”.[15] إنه الكلمة الذي شهد عنه يوحنا في بشارته، والذي سمع صوته وهو يكلمه في جزيرة بطمس قائلاً: “أَنَا هُوَ ٱلْأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ…. أَنَا هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْآخِرُ، وَٱلْحَيُّ…وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ!”.
عندما نذكر الكينونة الذي من البدء يذكرنا بإله موسى الذي عَرّفَ نفسه”أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ”، إنه يهوة العهد القديم الذي أتخذ من الأرض فردوسًا له بزيارته لإبراهيم وصراعه مع يعقوب في ليلة حالكة حتى طلوع الفجر وباركه، وباجتماعه بشعبه في خيمة الاجتماع. إنه هو “يهوه” وليس آخر الذي سكن في جسد البشر. لقد أَعْلَنَ بوضوح عن نفسه قائلاً “أنا هو،I am being ” أي الكينونه والوجود.
في الختام، أي امتياز للبشر أفضل من سكنى الله معهم، وأي قوة يكتسبها الإنسان أكثر من أن يكون مخلوقًا على صورة الله القدير الأزلي الأبدي، المحب الذي جعل من الأرض فردوسًا له. وهل هناك منطق يُقنع العقل ويُلهم الوجدان بواقع وواقعية تجسد الكلمة أعظم من أن يكون الله متناسقًا مع نفسهConsistent) )، فبصلاحه خلق مجتمع الأرض كمجتمع السماء، وبحبه اهتم به، وبفكره حَضَرَ بين الناس وحضوره جَلِيٌ في القديم والجديد. وما أعذب الصوت المدوي في كل الأرجاء الذي يأتي من الكلمات التي كتبها الرسول بولس الفيلسوف والمفكر والمثقف وصاحب المنطق الذي لا يضاهيه منطق لتلميذه تيموثاوس معلنًا، “بِٱلْإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ”. (تيموثاوس الأولى 3: 16).
[1] المصدر:https://nasainarabic.net/main/articles/view/the-first-ever-photograph-of-ight-as-both-particle-and-wave
[2]- متى المسكين، المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، دراسة تحليلية، وادي النطرون: مطبعة القديس الأنبا مقار، 1989م، ص 221.
[3] – الأب هنري بولاد، الإنسان سر الزمن، ترجمة لويس نصري وسامي حلاَق اليسوعيّ، بيروت: دار الشروق، 2007م، ص63.
[4] Celia E. Deane- Drummond, the Ethics of Nature (Oxford: Blackwell Publishing, 2004), p.94
[5] Gadalla N Tiab, Wisdom Ethic for the Environment, unpublished, presented to Dr Joshua T. Searle, Spugean’s College, 2019, p. 12.
[6] الدكتور القس أشرف عزمي، في البدء، تفسير لغوي ولآهوتي وتاريخي لسفر التكوين 1- 11، القاهرة: مطبعة رؤية، 2017، ص 72.
[7] https://agoraleaks.com. Cited 11 November 2018 حدثني عن المحبة. …..حضور الله في الزمان والمعنى الروحي للإلحاد.
[8] ستيورت أليوت، شخص المسيح في طبيعية الربانية والبشرية، سلسة التراث الإنجيلي، ترجمة د. نبيلة حنا، مراجعة د. فيكتور صموئيل بدروس. القاهرة: الرابطة الإنجيلية بالشرق الأوسط، 2003م، ص57.
[9] متى هنري، تفسير هوشع، ترجمة القمص مرقص داود، القاهرة: دار الثقافة، 1980م، ص 308.
[10] الأب هنري بولاد، الإنسان سر الزمن، ص 57.
[11]– الأب متى المسكين، شرح إنجيل يوحنا الجزء الأول، ص 84.
[12] – Merrill C. Tenney, The Expositor’s Bible Commentary, John and Acts, Volume 9 (Grand Rapids: Zondervan, 1981), p. 33.
[13] Bruce Milne, The Bible Speaks Today, The Message of John (England: inter- Varsity Pres, 1993), p.46.
[14] D. A. Carson, The Expositor’s Bible Commentary, Matthew, Mark, Luke, Volume 8 (Grand Rapids: Zondervan, 1984), p. 832.
اسم الكاتب: القس سهيل سعود
في مقالته بعنوان: “التجسّد هو فعل تكيّف بامتياز. مفهوم جان كلفن للتكيّف”، “The Accommodating Act Par Excellence: An Inquiry into The Incarnation ,and Calvin’s Understanding of Accommodation” يذكر جان بالسراك، أن الكاتب فورد لويس باتلس، قدّم في مقالته المعروفة “في التجسّد، كان يكيّف الله نفسه مع الامكانيات الإنسانية”، مفهوم كلفن للتكيّف “Accommodation” يذكر الكاتب، أن التنازل أو الانحناء أو التكيّف، هي سمة بارزة في مفهوم كلفن عن الله. تحدّث باتلس عن ثلاث صور استخدمها كلفن في كتاباته، تعكس تكيّف الله مع حاجات البشر، هي صورة: الأب، والمعلم، والطبيب، وكيف أن تلك الصور، عكست اهتمام الله المتكيّف مع حاجات شعبه. إلاّ أنه رأى أن التجسّد، هو النموذج، وفعل تكيّف الله بامتياز، مع حاجات الانسان. يذكر باتلس: “في يسوع المسيح، اتّخذ الله شكلاً بشريُا”، كما يقول الرسول بولس، “اذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس” (فيلبي6:2-7). وفي هذا الفعل، نرى التنازل والانحناء الالهي نحو حاجات البشر بامتياز.
ميّز كلفن، أثناء دراسته لموضوع التاريخ الكتابي وأدب الحكمة، العديد من تعاملات الله مع البشر، على أنها تكيّف لله مع ضعفات شعبه وهشاشتهم، اذ يظهر هذا التكيّف حينا من خلال التخفيف من أحمالهم وجعل الحياة أكثر سهولة لهم. وأحيانا أخرى، يظهر من خلال السماح لأولاده باجتياز فترات من الضيق، كيما يوجّه أنظارهم الى السماء ويتوقوا للحياة الابدية. يظهر تكيّف الله مع شعبه تحت عدة عناوين. في تفسيره لشرائع العهد القديم، ناقش كلفن، تكيّف الله وتنازله من خلال الشريعة، كيما يكيّف نفسه مع حالات شعبه ويخاطب قساوة قلوبهم. كما ظهر تكيّف الله من خلال عدة صور، منها: الأب والطبيب والمعلم.
في تعليقه على قول سفر التثنية “أنظر قد علّمتكم فرائض وأحكامًا كما أمرني الرب إلهي، لكي تعملوا هكذا في الأرض التي أنتم داخلون اليها لكي تمتلكوها. فاحفظوا واعملوا، لأن ذلك حكمتكم وفطنتكم أمام أعين الشعب الذين يسمعون كل هذه الفرائض، فيقولون هذا الشعب العظيم، انما هو شعب حكيم وفطن”(تثنية 4: 6-5). يسأل كلفن، “لماذا يربك الله نفسه بأن يأخذ مركز ومكانة معلّم كيما يعلّمنا”؟ يجيب، “في هذه الخطوة، تنازل كبير لله من عليائه، لكي يمنحنا الفرصة الذهبية، لنفهم امورًا تتجاوز قدرة استيعابنا. أيضًا اعتقد كلفن، أن الله استخدام الملائكة في نفس سياق التكيّف مع حاجات الناس. قال كلفن، “مع ان الله لا يحتاج للملائكة، إلاّ انه استخدم الملائكة كخدّامه، لكي يسعفنا في ضعفاتنا من خلال الرسائل التي أوصلتها للبشر.
أصرّ المصلح جان كلفن، على أن كل معرفتنا عن الله يجب أن تأتي من خلال يسوع المسيح وحده. وعليه، آمن أن التجسّد هو المحور، والتتويج للإعلان الالهي. اعتقد أن مفهوم التكيّف، يتعلّق بشكل أساسي بإعلان الله عن نفسه للبشرية. آمن أن اعلان معرفة الله، هو فعل خلاصي. نظر كلفن الى حدث التجسّد على أنه جزء أساسي من العناية الالهية. استخدم لغة مشوّقة لوصف هذا التكيّف الذي حصل في التجسّد. مما ذكره، “ليس هناك وقت تنازل فيه الله وانخفض أكثر من وقت إخلاء نفسه في يسوع المسيح”.
ان نفس فكرة كلفن، حول تكيّف الله مع حاجات البشر، ذكرها مجموعة من اللاهوتيين، منهم: اللاهوتي أنتوني باكستر، الذي أكّد أنه “بالنسبة لكلفن، فإن النموذج الأسمى للتكيّف الالهي حصل في تجسّد المسيح”. وسوزان سيلنغر، التي ذكرت أن “التجسّد والصليب، هما التكيّف الأقصى لله، وخلاصة إنزال وتخفيض الله لنفسه”. واللاهوتي ادوار دوري، الذي قال إن “التجسّد هو التكيّف النهائي من الله، نحو الحالة الانسانية الخاطئة”.
في كتابه “أسس الايمان المسيحي” يصف كلفن، بطريقة خلاّقة وسحر لا مثيل له، السبب الذي لأجله تجسّد الله وصار إنسانًا في المسيح. قال “لم يكن المسيح متفرّجًا على حالتنا البشرية، بل كان مشاركًا فيها. في عظة ألقاها في كنيسة جينيف، عام 1558، قال كلفن “لا شيء فينا، سوى الفساد والبرص الروحي. فماذا نفعل؟ والى اين نذهب؟ وممن نطلب المساعدة؟ فهل نطلبها من الملائكة؟ كلا. إنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا من أجلنا. لهذا، يجب أن نسرع الى ربنا يسوع المسيح الذي أظهر استعداده، لأن يخسر جمال صورته، من رأسه الى أخمص قدميه. كان مستعدًا أن يجرح، ويجلد، ويتوّج بالشوك، ويسمّر على الصليب، ويطعن بحربة في جنبه. فإننا بجلدته شفينا. في المسيح دواءنا الحقيقي، لهذا يجب أن نحتضنه بكل ما أوتينا من قوة، لأننا بدونه لن نعيش بسلام داخلي. وانما في المسيح، لدينا كل سبب كيما نعيش له، ونمجّده كل أيام حياتنا.
تحدّث كلفن عن التجسّد، تحت ثلاثة عناوين رئيسية: أولا، ضرورة التجسد. ثانيا، طبيعة التجسد. ثالثا، العلاقة بين التجسد والفداء.
ضرورة التجسّد
يقول كلفن، “حيث أن الانسان قد أخطأ الآن وسقط من النعمة الالهية، أصبح هناك ضرورة ماسة للتجسد. ومع أن الله لم يكن مجبرًا على فعل ذلك، الاّ أنه صمّم أن يخلّص الانسان الساقط. فالتجسد هو عمل حرية محبة الله. لقد أخلى الله نفسه، في جسد بشريتنا في المسيح، كيما يسد احتياجاتنا. علّق كلفن، على قول الرسول بولس، “لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح” (1تيموثاوس2: 5)، قائلا، “كان يمكن للرسول بولس أن يستبدل كلمة “الانسان”، عندما كتب “الإنسان يسوع المسيح”، بكلمة “الله”، لكن الروح القدس الذي كلّمه، أدرك أهمية ملائمة كلمة “الانسان”، لأنها العلاج المناسب لحالتنا الخاطئة. فاستخدام بولس لكلمة “الانسان”، هو كيما يعلّمنا الروح القدس، أن الله قريب منّا، بل يلمسنا، كونه من حقيقة نسيج جسد بشريتنا. فقد تجسّد ابن الله بيننا وصار كواحد منا، كي لا يرتبك أحد حول سبيل الوصول اليه”. وأكمل قائلا، “إن لم ندرك معنى انسانية المسيح، فإننا مثل اليهود، سوف نجدها حجر عثرة كبير”. في تفسيره لقول البشير يوحنا، “والكلمة صار جسدًا” (يوحنا1: 2)، قال كلفن، “تحمل كلمة “جسدا”، “Sarks” “ساركس” باللغة اليونانية معنى قويًا جدا، فهي ترينا الى أية حالة وضيعة نزل ابن الله من أعالي مجده السماوي، وتجسّد من أجلنا. تصف الكلمة “ساركس”، المسافة الكبيرة الفاصلة بين المجد الروحي للكلمة التي صار جسدا، وقذارة جسد بشريتنا. لكن، بالرغم من ذلك، انحنى ابن الانسان انحناء كبيرًا نحونا، كيما يتّخذ جسد بشريتنا المعتاد على الشرور الكثيرة، وضمّ في جسده: مجد الله غير المحدود، بجسدنا الملوّث بالخطية، كيما يخلّصنا ويفدينا على الصليب”.
قال كلفن، “اقتضت الضرورة القصوى، على الذي سيكون وسيطنا، أن يكون إلهًا حقيقيًا وإنسانًا حقيقيا. فآثامنا فصلت كالغيم بيننا وبين الله، وأبعدتنا بشكل كامل عن ملكوته. فالحالة البشرية الخاطئة التي تسكن الانسان، لن تمكّنه من الوصول الى الله دون وسيط إلهي إنساني. فالإنسان مجبول بالخطية، ومغموس بفسادها القاتل، وهي لن تعده إلاّ بالموت والجحيم. فمَنْ من أولاد آدم، يمكنه الوصول الى الله؟ فإنهم، مثل أبيهم، يرتعبون من رؤية الله أو الملائكة؟ فلا يمكن لأي كان أن يكون قادرًا أن يتوسّط ويعيد السلام بيننا، إن لم ينتمي لله؟ لكن، حيث أنه ليس بمقدورنا أن نصعد الى الله في السماء، فقد كان من الضروري ان ينزل الله بنفسه إلينا الى الأرض في شخص ابنه يسوع المسيح، وأن يصبح واحدًا منّا، يصبح عمانوئيل الله معنا، كيما بهذه الطريقة، تتصل بشكل متبادل ألوهيته بإنسانيتنا. لأنه لو لم يفعل الله هكذا، فإن قربه لن يكون كافيًا، لنرجو أن يسكن هو بنفسه معنا، وذلك لأن الفرق كبير جدا، بين كثرة نجاستنا ودنسنا، ونقاء وقداسة الله الكاملة. فالمسيح المتجسّد لمس طبيعتنا الفاسدة، بقداسته المعدية.
قال كلفن، “ان خدمة يسوع في الاناجيل، تظهر لنا حقيقة انسانيته، لأنه يفهم انسانيتنا. إن معظم ما قام به على الارض، هدف الى اظهار كم هو قريب منا”. شدّد، على أن الفداء الذي أتمّه على الصليب، قد حقّقه لنا بواسطة انسانيته. قال، “نحن نعلم أن طبيعتي المسيح الالهية والانسانية، تشكّلتا في شخص واحد. وكل طبيعة حافظت على سماتها. فقد كانت الطبيعة الالهية صامتة، عندما كان على الطبيعة الانسانية أن تعمل لوحدها، كيما تحقق ما يتطلبه عمل الوسيط”. في تعليقه على حياة وعمل المخلّص، قال كلفن “لم يحتج المسيح أن يختبر ما نختبره، ليقنعنا أنه يعرفنا ويهمنا ويتعاطف مع ضعفاتنا، لكنه قام بذلك لنتيقّن أنه يشجعنا في أوقات ظلمتنا. لم يكن يحتج ابن الله أن يعتاد على المشاعر الانسانية، الاّ أنه لن يتمكّن من اقناعنا إن لم يكن مستعدًا لذلك، حتى عندما تضغط الآلام علينا، فإنه سيكون عزاؤنا المباشر، لأنه قد اختبر هذه الآلام قبلنا. وهكذا، يمكنه أن يتعاطف معنا وسط آلامنا وكأنه يتألّم معنا. لقد ذاق المسيح اختبارنا الانساني من الداخل، وبادلنا قوته وثقته، بمخاوفنا وضعفاتنا. لقد تحمّل المسيح حالتنا الانسانية الملعونة، كما هي في داخلنا. وبالتالي، فكل ما ينقصنا نجده في المسيح، وخلاصنا بكامل أجزاءه نفهمه في المسيح. لا يمكن أن نحصل على خلاصنا خارجًا عنه، فخلاصنا هو فقط في المسيح، كما قال الرسول بولس “ومنه أنتم بالمسيح يسوع، الذي صار لنا حكمة من الله، وبرًّا وقداسة وفداء” (1كورنثوس1: 30). إذا ما أردنا قوة، فهي ضمن سلطانه. وإذا ما فتشنا عن نقاء، نجده في طريقة حبل أمه مريم العذراء به بالروح القدس. وإذا ما سعينا وراء لطف، نجده في ميلاده. لأنه في ولادته، صار شبيهًا لنا في كل شيء، كما يذكر كاتب الرسالة الى العبرانيين، “من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا، ورئيس كهنة أمينًا في ما لله، حتى يكفّر عن خطايا الشعب. لأنه في ما هو قد تألّم مجرّبًا، يقدر أن يعين المجرّبين” (عبرانيين2: 17-18).
طبيعة التجسّد
تعكس عقيدة المصلح جان كلفن، حول التجسد، لاهوتًا شرقيًا يشدّد على شفاء انسانيتنا بالمسيح. شارك كلفن، القديس أنسلم وآباء آخرين، في اعتقادهم أن تصحيح حالة الانسان الخاطئة، يجب أن تتمّ من قبل من يملك هذه الانسانية. الاّ أن الانسانية تفتقر لهذه الامكانية لتقوم بذلك، “لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رومية 3: 23). لكن هذه المعضلة التي لا حل لها، قد حلّت بشكل إلهي من خلال التجسد. فالابن أتى من الأعالي الى انسانيتنا، ليقوم لنا بما لا نستطيع نحن أن نقوم به بأنفسنا. أيضا شارك كلفن، القديس أثناسيوس اعتقاده، أن عقيدة التجسد يجب أن تُصاغ بشكل خلاصي. فقد ظهر المسيح في اسم وشخص الخطاة، كيما يحقق ما لم نستطع أن نحققه. قدّم نفسه كذبيحة، ليس فقط كيما يهدئ غضب الله أبيه، وإنما أيضًا، كيما نصير حقيقة أولاده. لم يكتف المسيح بتقديم جسده ودمه على الصليب، لكنه أظهر استعداده، ليقف امام عرش دينونة الله باسم كل الخطاة، وأن يدان لأجلهم. فقد حمل المسيح ثقل آثامنا وخطايانا، لأنه يحمل اسمنا وطبيعتنا. فحتى أضعف المؤمنين، يمكنه أن ينظر الى المسيح ويجد فيه يقين النعمة والخلاص.
يأخذنا المصلح جان كلفن، بشكل مدهش في عمق أعماق سرّ التجسّد، ليقول، “أصبح الله واحدًا منّا. أصبح جسدنا ولحمنا وعظامنا، فلا حاجة لنا لأن نسعى لهذا الوسيط، لأنه هو الذي سعى نحونا ووجدنا. لم يأت إلينا الله، بطريقة خارجة عنّا، بل من داخلنا، من جسد بشريتنا. يقول كلفن، “إن ما حققه المسيح لنا، ليس أمرًا عاديًا يستطيع أن يحققه آخرون. فقد كانت غاية المسيح، أن يعيدنا الى نعمة الله، وأن يجعل من أولاد البشر اولادًا لله، ومن ورثة الجحيم، ورثة لملكوته السماوي. فمن يستطع القيام بهذا، إن لم يكن، نفس شخص ابن الله هو ابن الانسان؟ فيأخذ ما لنا وينقله إليه، ويعطنا ما له وينقله إلينا، يجعل بنعمته ما هو من طبيعته، جزءًا من طبيعتنا. فيسوع ابن الله، اتّخذ لنفسه جسدا من جسدنا، ولحمًا من لحمنا، وعظامًا من عظامنا، ليصبح واحدًا منا. أخذ طبيعتنا لينقل الينا طبيعته، كيما نصبح بالمسيح أولاد الله وأولاد الانسان. فلا يمكن لله أن يكون أكثر قربًا من ذلك منا، أن يلبس جسد بشريتنا. لقد اتخذ المسيح على عاتقه، مهمة أن يبتلع الموت. فمن غيره الذي هو الحياة، يمكنه أن يقوم بذلك؟ فمن غير البِرّ نفسه، يمكنه أن ينتصر على الخطية وقوات العالم والهواء؟ فأية قوة تستطيع أن تفعل هذا، إن لم تكن أقوى من قوة العالم والهواء؟ فلا وجود للحياة والبِرّ والسيادة والسلطان في السماء، إلاّ في الله وحده”.
قال كلفن، “لم تكن مريم العذراء، مجرّد وسيلة لإنسانية كانت قد صنعت قبلاً في السماء، كما قال أحد الراديكاليين الأناببتست. لم يصبح المسيح انسانًا من رحم العذراء، وانما في رحم العذراء. وهذا تضمن اختباره كل المشاعر التي يشعر بها البشر مع بعضهم البعض”. علّق كلفن، على بكاء يسوع على لعازر عند القبر، قائلاً “عندما لبس ابن الله جسد بشريتنا، فإنه ارتضى أيضًا أن يلبس مشاعرنا الانسانية. فهو لم يختلف شيئًا عن إخوته، ما عدا الخطية. تصبح مشاعرنا خاطئة، عندما تتدفّق منا في بعض الاوقات دون حدود، لكن مشاعر المسيح لم تخطئ”.
في تعليقه، على الصراع المرير الذي اختبره المسيح في بستان جثسيماني، في ليلة القبض عليه (متى 26: 38-46)، قال كلفن “إن الذين آمنوا بألوهية المسيح المطلقة، كان لديهم مشكلة مع اختبار المسيح في بستان جثماني. بدى لهم أن ما ذكره المسيح، “نفسي حزينة جدا حتى الموت” (متى 26: 38)، انتقاصًا من مجد ألوهيته. لم يتقبّلوا تأثّره بهذا الشكل الكبير، بالخوف والحزن أمام الموت. لهذا، فإنهم يحاولون ايجاد طريقة ما، للخروج بتفسير مقنع لما حدث”. لكن اجابة كلفن لهم، إن محاولاتهم هي غير مجدية وغير ذكية. قال كلفن، “لقد جرّب المسيح بالخوف والقلق والحزن، فتنقّل في صلواته من صلاة الى اخرى، بين ارادة الله وارادته. صلّى أن يعبر كأس الموت عنه، إلاّ أنه عاد وامتحن نفسه وخضع لإرادة الله. فغالبًا ما يخلق الحزن والخوف الشديد ضبابًا على عيوننا، فلا نرى الأمور دفعة واحدة. لكن صحّح المسيح موقفه وتراجع عن رغبته، أن يعبر هذا الكأس عنه، وخضع لإرادة الله”. اعتقد كلفن، أنه لم يكن خوف ورعب الموت الذي شعر فيه المسيح بقوة في بستان جثسيماني، وإنما الخوف والرعب من هول الوقوف أمام محكمة الله الحقيقية. لهذا، لا عجب أن يشعر بما شعر به المسيح من الخوف الشديد والحزن، لأنه ليس هناك أمرًا مخيفًا أكثر من الوقوع تحت غضب الله القاضي العادل، الذي غضبه هو أشد وطأة، من كل أنواع الموت. قال كلفن، “لم يتدرّب المسيح على تلك الصلوات، لكن قوة الحزن والخوف أطلقت فيه هذه الصلاة، بأن تعبر عنه هذه الكأس. إلاّ أنه عاد وصحّحها مباشرة، قائلا، “يا أبتاه، ان لم يكن أن تعبر عني هذه الكأس الاّ أن أشربها، فلتكن مشيئتك” (متى 26: 42). قال كلفن، “إذا ما كنا نخجل من خوف وحزن المسيح الذي شعر به، فإننا سوف نفقد فداءنا وخلاصنا. فالذين يدّعون أن ابن الله كان مجرّد من المشاعر الانسانية، فإنهم لا يعتبرونه انسانًا بشكل جدي”. في حين أنه في بعض الاوقات، تتمايز الارادتان الالهية والانسانية في المسيح عن بعضهما، لكن دون حصول تناقض او صراع بينهما. الاّ أنهما تعودان لتتناغما مع بعضهما، لتشكّلا سيمفونية الهية متناسقة.
العلاقة بين التجسّد والفداء
أن يتّخذ ابن الله جسد طبيعتنا البشرية، كيما يفدينا، هو أمر محوري بالنسبة للمصلح جان كلفن. سأل كلفن: “ماذا يعني أن الكلمة صار جسدًا؟”. ثم أجاب، “إن الدافع وراء ابن الله لاتّخاذ جسد بشريتنا، هو كيما يخلّصنا ويفدينا”. في كتابه “أسس الايمان المسيحي”، ذكر كلفن، أن المسيح صالحنا مع الله بمسيرة طاعته. فانه منذ أن، اتّخذ صورة عبد، وصار في شبه الناس (فيلبي2: 7) ابتدأ يدفع كلفة تحريرنا وفداءنا من الخطية، بقبوله أن يتعرّض لضعف الانسان وتجاربه. فمع ان المسيح، كان بلا خطية ولم يوجد في فمه غش، الاّ أنه أخذ ارادتنا المتمردة ثانية الى الله، وتحمّل نتائج قول آدم “سوف أحقق ارادتي” بإرادته الطائعة لله، وقوله له “لتكن ارادتك يا الله”. فالإنسان الساقط غير مؤهل أن يقوم بالفداء. فقط الله المتجسد الذي وحده لم يعرف خطية، قادر أن يقدم نفسه ذبيحة فداء لأجلنا. لقد حمل المسيح كل ما هو خاطئ فينا. حمل كل الدينونة التي نستحقها، بموته على الصليب.
قال كلفن، “اتّخذ الابن اسمنا ومكاننا، وصار لعنة لأجلنا، كما قال الرسول بولس “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا” (غلاطية3: 13). خضع المسيح للّعنة، ليس في نفسه وانما فينا، على الصليب. حمل المسيح دينونة لعنة الموت، لأن أجرة الخطية هي موت”. قدّم كلفن قصة آلام وموت المسيح، كدراما لاهوتية وتاريخية. قال، “حمل المسيح جريمة خطيتين: الأولى، التجديف، لأنه جعل نفسه معادلاً لله. والثانية، الخيانة: لأنه تمرّد على السلطات الشرعية. الاّ أن حقيقة الأمر أن المسيح لم يجدّف ولم يخن. تحمّل المسيح قصاص الله العادل على خطايانا، بالرغم من أنه أعلن بريئًا أمام المحكمة الانسانية، وهو كذلك أمام كل محكمة في السماء وعلى الار ض. حوكم وكأنه الانسان الخاطئ تحت شريعة الله. فمهما كانت غاية بيلاطس أثناء محاكمة المسيح، أراد الله أن تظهر براءته بهذه الطريقة، ليتّضح لنا بشكل جلي، أن خطايانا قد دينت فيه”. تحدّث كلفن، عن مدى الخزي الكبير، الذي تعرّض له المسيح أثناء آلامه وصلبه. قال “لكم، وبصق على وجهه، كيما يعيد الينا صورة الله التي أفسدتها بل دمّرتها الخطية. اعتبر أشدُ سوءًا من اللصوص، كيما يأتي بنا الى صحبة الملائكة. جرّد من ملابسه كيما نظهر مع الملائكة متسربلين بلباس برّه وملء صلاحه. صمت ولم يتفوه بكلمة، عندما كانت تدفعه الكهنة ورؤساء الشعب من كل صوب وناحية، وذلك كيما بصمته، يفتح أفواهنا حتى نستطيع أن نصرخ بملء أصواتنا “يا أبّا الآب”. قبل بصمت دينونة المحكمة السماوية التي أعلنت أنه مذنبًا، كيما يخلّصنا من ذنوبنا ويحمل دينونة الخطية عنّا. احتمل البشاعة على الأرض، كيما يقودنا بنعمته الى السماء، ويشرق لنا رحمته اللامتناهية. قال كلفن “على هذا الاساس الصلب يستند خلاصنا. هنا تظهر قمة، بل منتهى محبة المسيح لنا، “أحبّ خاصته الى المنتهى” (يوحنا13: 1) إنها أوضح شهادة عن محبة الله لنا، إذ أنه لم يشفق على ابنه الحبيب، بل بذله على الصليب لأجلنا أجمعين. فالمسيح قدّم لنا كل ما هو ضروري لخلاصنا.
قال كلفن “لا أحد يستطيع أن يقرأ قصة الآلام في الأناجيل، دون أن يرى التبعات الخلاصية لهذه الآلام على الانسان. فعلى مسرح التاريخ، حصل التبادل بين ألوهية المسيح وإنسانيتنا. لأنه لو لم يفعل الله هكذا، فإن قربه لن يكون كافيًا، لنرجو أن يسكن هو بنفسه معنا، وذلك لأن الفرق كبير جدا، بين كثرة نجاستنا ودنسنا، ونقاء وقداسة الله الكاملة. فالمسيح المتجسّد لمس طبيعتنا الفاسدة، بقداسته المعدية.
بعد تقديمه عقيدة التجسّد، يقول كلفن، “الايمان الصحيح، يستقى من ينابيع نعمة التجسّد. الايمان الصحيح، يوحّدنا بشكل مباشر بالمسيح الذي يعلن الانجيل تجسّده لأجل خلاصنا. لا يستطيع الانسان أن يسعى وراء يقين خلاصه، بشكل منفصل عن هذا الايمان الصحيح. الايمان الصحيح، لا يرى أن المسيح فقط مؤهل بشكل كامل ليكون مخلّص العالم، بل ليكون مخلّصيّ أنا”. آمين.
اسم الكاتب : ق. حنا مجلي
يستعرض هذا المقال نصوص إقرارات وقوانين الإيمان التي تخص التجسُّد التي يؤمن بها الإنجيليون بدءً من إيمان الكنائس المصلحة في أوروبا في القرن السادس عشر، وانتهاءً بإيمان الكنيسة الإنجيلية المصرية في القرن العشرين. وسنقوم بإظهار ما يخص التجسُّد في نصوص أي قانون إيماني بخط بولد. وسنقوم بتحليل نصوص إقرارات الإيمان الإنجيلية التي أتت بجديد. أما إذا عرضناها دون تعليق فهذا معناه، إنها لم تضف شيئًا، هي فقط تؤكد ما تَمَّ التأكيد عليه سابقًا.
وبما أنَّ الكنائس الإنجيلية عمومًا تؤمن بما صاغته الكنيسة في عصورها الأولى عن التجسُّد، لذا سيحتوي المقال على التي الإقرارات تخص التجسُّد ما قبل عصر الإصلاح الديني الأوروبي، وخصوصًا من قانون إيمان الرسل حتى مجمع خلقيدونية.
وسينتهي المقال بخلاصة وتحليل عام على قوانين الإيمان الإنجيلية عمومًا.
قانون الإيمان الرسولي
“وبيسوع المسيح، ابنه الوحيد، ربنا، الذي حُبِلَ به من الروح القدس ووُلِدَ من مريم العذراء، وتألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلِبَ، وماتَ، ودُفِنَ، ونزلَ إلى الهاوية، وقامَ أيضًا في اليوم الثالث، من بين الأموات، وصَعِدَ إلى السماء، وهو جالس عن يمن الله الآب، الضابط الكل، وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات”.[1]
قانون الإيمان النيقاوي
“وبربٍ واحدٍ، يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، المولود الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كانَ كل شيء، في السماء وعلى الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزلَ وتجسد وصارً إنسانًا وتألمَ وقامَ أيضًا في اليوم الثالث وصعدَ إلى السماء، وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات.”[2]
قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني
“وبرب واحد، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كل شيء كانَ، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزلَ من السماء وتجسَّدَ من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصارَ إنسانًا، وصُلِبَ عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقُبِرَ وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصَعِدَ إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وأيضًا يأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه.”[3]
قانون الإيمان الخلقيدوني
وقد أجمع المجمع الخلقيدوني بحضور ستمائة وثلاثين أسقفًا بالإضافة التالية لقانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني للرد على هرطقتي أفيتخوس ونسطور بالعبارة:
“فلهذا نحن تابعون الآباء القديسين. كلنا بصوت واحد نعلم البشر أنْ يقروا بالابن الوحيد ربنا يسوع المسيح الكامل في اللاهوت والكامل أيضًا في الناسوت، إله حق وإنسان حق ذو نفس ناطقة وجسد، جوهر واحد مع الآب بحسب لاهوته، وجوهر واحد معنا بحسب ناسوته، في كل شيء مثلنا ماعدا الخطية. مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته. وفي هذه الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلِدَ من مريم العذراء، والدة الإله، بحسب ناسوته. وهو مسيح واحد وابن واحد ورب واحد، المولود الوحيد، كاهن بطبيعتين غير ممتزجتين، ولا متغيرتين، ولا منقسمتين ولا منفصلتين. والفرق بين الطبيعتين لم يتلاشَ باتحادهما؛ بل خواص كل نهما الخاصة باقية ومجتمع في شخص واحد وكائن واحد، غير منفصل ولا منقسم إلى شخصين؛ بل الابن الوحيد، الله الكلمة، الرب يسوع المسيح، كما تنبأت عنه الأنبياء منذ البدء. وكما علَّمَنا الرب يسوع نفسه وكما سلمنا قانون إيمان الآباء القديسين.”[4]
إقرار الإيمان للكنيسة المصلحة في فرنسا سنة 1559م
في سنة 1959م، أُلقي القبض على 35 عضوًا من الكنيسة المصلحة في فرنسا، وأُعدم سبعة منهم على الفور. فأرسل المؤمنون الإنجيليون رسائل إلى إخوانهم في سويسرا يحثونهم على التدخل لدى ملك فرنسا ليرفع عنهم الاضطهاد. كما أرسلوا إلى جون كالفن بيانًا موجزًا مصاغًا في 18 بندًا يصيغون فيه إيمانهم مع مقدمة إلى ملك فرنسا. والمرجح أن ما صدر عنه كان عملًا مشتركًا ضمه جون كالفن وتيودور بيزا Th Bezaوبيار فيريه P. Viret. وقد صاغ هؤلاء 35 بندًا أو فصلًا وضموا إليها ما كان قد أرسله إليهم الإنجيليون الفرنسيون سنة 1557م.[5]
وما يخص التجسُّد جاء في ثلاثة بنود هم: البند 14 – التجسُّد؛ والبند 15 – طبيعتان في شخص واحد؛ والبند 16 – هدف التجسُّد.
بند 14: التجسُّد
نؤمن أنَّ يسوع المسيح، حكمة الله وابنه الأزلي، اتخذَ جسدنا ليكون إلهًا وإنسانًا في شخص واحد. فهو إنسان مثلنا خاضع لمعاناة الجسد والروح ولكنه منزه عن لطخة الخطيئة. وهو إنسان من نسل إبراهيم وداود مع إنه حُبِلَ به بقوة الروح القدس السرية. وفي هذا نمقت كل الهرطقات التي أثارت الاضطراب في الكنيسة قديمًا، وخصوصا أوهام سرفيتوس الشيطانية الذي ينسب إلى الرب يسوع ألوهية عجيبة غريبة داعيًا إياه فكرة كل الأشياء ومثالها وابن الله الشخصي أو المجازي، ناسبًا إليه أيضا جسدًا مكونًا من ثلاثة عناصر غير مخلوقة، وبذلك يخلط الطبيعتين ويزيلهما.
بند 15: طبيعتان في شخص واحد
نؤمن إنه بشخص واحد، أي في يسوع المسيح، تجتمع الطبيعتان وتتحدان فعلًا وبدون انفصال، ومع ذلك تبقى لكل طبيعة خصائصها المميزة، فتحافظ الطبيعة الإلهية في هذا الاتحاد على صفاتها: غير مخلوقة وغير متناهية وتعم على كل شيء. وكذلك الطبيعة البشرية تبقى محدودة، لها صورتها وقياسها وصفاتها. ومع أنَّ يسوع المسيح في قيامته من الأموات وهب صفة الخلود لجسده فانه لم يحرمه طبيعته الحقيقية، لذا فإننا نعتبر ان ألوهيته لا تنتقص من إنسانيته.
بند 16: هدف التجسُّد
نؤمن أنَّ الله بإرساله ابنه قصد إظهار محبته وجوده الفائق لنا، باذلًا إياه للموت لإكمال كل بر ومقيمًا إياه من الأموات ليؤمّن لنا الحياة السماوية.
إقرار الإيمان الإسكتلندي سنة 1560م[6]
الفصل السادس: تجسُّد المسيح يسوع
“لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه، حكمته الأزلية، وجوهر مجده إلى العالم، الذي اتخذ الطبيعة البشرية من جوهر امرأة عذراء بواسطة الروح القدس. وهكذا ولد نسل داود البار، ملاك مشورة الله العظيمة، المسيح الموعود ذاته، الذي نقر ونعترف بأنه عمانوئيل، إله حق وإنسان حق، طبيعتان كاملتان متحدتان ومجتمعتان في شخص واحد. وهكذا فإننا اعترفنا هذا ندين بدع آريوس ومارسيون وأوطيخا ونسطور وغيرها من البدع الملعونة والمفسدة التي تنكر ألوهية المسيح أو حقيقة إنسانيته أو تخلطهما أو تفصلهما.”
الفصل السابع: في وجوب كون الوسيط إلهًا وإنسانًا حقًا
“نقر ونعترف بأن هذا الاتحاد المدهش بين الألوهية والإنسانية في المسيح يسوع نشأ من قضاء الله الأزلي الثابت الذي منه ينبع خلاصنا وعليه يعتمد.”
الفصل الثامن: الاختيار الإلهي
” … وأيضا قد تعيَّن على المسيح والفادي أنْ يكون إلهًا حقًا وإنسانًا حقا لأنه استطاع أنْ يحتمل عقاب تعدينا ويقدم نفسه أمام قضاء أبيه بدلًا عنا ليتألم عن تعدياتنا وعصياننا، وبالموت يغلب الذي كان موجود الموت. وبما أنَّ الألوهية وحدها لا يمكنها أن تموت والإنسانية لا تستطيع التغلب على الموت، فقد جمع الاثنين في شخص واحد [أي الإنسانية والألوهية]، لكي يتألم ضعف الواحد ويخضع للموت الذي استحققناه وتنتصر الأخرى، أي الألوهية، في قدرتها اللامتناهية التي لا تقهر، فاقتنى لنا حياة وحرية ونصرًا دائما. هكذا نعترف ويقينًا نؤمن.”
لم يأتِ هذا الإقرار بجديد يخص التجسُّد، بل أكد على طبيعتي المسيح، الإلهية والإنسانية، وفسَّرَ فداء المسيح الذي هو هدف التجسُّد في إطاره القضائي باعتبار الخطية دينًا وإثمًا وجُرمًا لم يستطع الإنسان أن يسدده فسددها المسيح بدلًا عنه. فكان المسيح هو بديل الإنسان احتملَ عقوبة عصيانه أمام الله. وفي هذا الإقرار يظهر بوضوح الفهم المبتور الناقص لتجسُّد الله: معناه وشرحه، وهدفه؛ وبالتالي، نتجَ عنه فهمًا مبتورًا ناقصًا لفداء المسيح. لأن المعطيات الناقصة تؤول بالطبيعة إلى نتائج ناقصة.
إقرار الإيمان البجليكي سنة 1561م
إقرار الإيمان البجليكي كتبه جيدو دي بريه Guide de Brés الذي كانَ تلميذًا لكلفن في عام 1561م، وظهر هذا الإقرار بشكله الحالي أثناء انعقاد سنودس دورت في عام 1618-1619م، حيث تمت مراجعة النص والموافقة عليه رسميًّا.[7]
وتناول هذا الإقرار عقيدة التجسد في ثلاثة بنود هم البند 17 – إصلاح الإنسان الساقط، والبند 18 – عن تجسُّد يسوع المسيح ، والبند 19 – عن اتحاد الطبيعتين في شخص المسيح وتمايزهما؛ ونصهم كالتالي:
البند 17: إصلاح الإنسان الساقط
“نؤمن بأنَّ إلهنا كلي الرأفة، إذْ رأى أنَّ الإنسان قد ألقى بنفسه في الموت الجسدي، والروحي، وتسبَّبَ لنفسه في الشقاء التام؛ سُرَّ، في حكمته وصلاحه المذهلين، بأن يطلبه ويعزيه، في الوقت الذي فيه قد هرب هو في رعدة من محضره، واعدًا إيَّاه بأنه سيبذل ابنه، الذي لا بد أنْ يأتي من امرأة، كي يسحق رأي الحيّة، ويجلب الفرح.[8]
البند 18: عن تجسُّد يسوع المسيح
نعترف، إذن، بأنَّ الله قد حقَّق هذا الوعد الذي قطعه للآباء بفم أنبياءه القديسين حين أرسلَ إلى العالم، في الوقت الذي عيَّنه، ابنه الأزلي وحيده، الذي أخذ صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، متخذًا بالحقيقة الطبيعة البشريَّة، بكل ضعفاتها، ما خلا الخطيّة؛ إذْ حُبلَ به في رحم العذراء المُطوَّبة مريم، بقوة الروح القدس، دون تدخُّل رجل. وهو لم يتَّخذ طبيعة بشريَّة من جهة الجسد فحسب، بل اتخذ أيضًا نفسًا بشريَّة حقيقية، حتى يكون إنسانًا حقيقيًّا. فبما أن النفس قد هلكت وضلَّت كالجسد، كانَ يلزمه أنْ يتَّخذ كليهما، حتى يخلِّصهما كليهما. لذلك نحن نعترف (خلافًا لهرطقة معيدو المعمودية، الذين ينكرون اتخاذ المسيح جسدًا بشريًّا من والدته) بأن المسيح قد اشتركَ في لحم ودم الأولاد، وأنه مِنْ ثمرة صُلب داود حسبَ الجسد، وأنه صارَ من نسل دواد من جهة الجسد، وأنه ثمرة بطن العذراء مريم، مَوْلودًا من امرأةٍ، وإنه غصن من داود، وقضيبٌ من جذع يسَّى؛ وأنه قد خرج من سبط يهوذا؛ وتحدَّر [ص. 11] من اليهود من جهة الجسد: من نسل إبراهيم، لأنه أمسك نسل إبراهيم، وشابه إخْوَتَهُ في كُلِّ شيءٍ، ما خلا الخطيّة، بحيث يكون هو بالحقيقة عمانوئيل، الذي تفسيرُهُ: الله معنا.[9]
البند 19: اتحاد الطبيعتين في شخص المسيح وتمايزهما
“نؤمن بأنه وفقًا لهذا المفهوم، يُعَد أقنوم الابن متحدًا ومتصلًا بالطبيعة البشريَّة دون انفصام، بحيث لا يكون هناك ابنان لله، أو شخصان؛ بل طبيعتان متحدتان في شخص واحد. ومع ذلك، تظل كل طبيعة محتفظة بخواصها المميزة. وبذلك ظلَّتْ الطبيعة الإلهيَّة دائمًا غير مخلوقة، لا بداءة أيام أو نهاية حياة لها، تملأ السماوات والأرض. كما لم تفقد الطبيعة البشريَّة خواصها، بل ظلَّتْ كائنًا مخلوقًا، لها بداءة أيام، ومحدودة، وتحتفظ بجميع خواص الجسد الحقيقي. ومع أنه بقيامته قد منح الخلود لهذه الطبيعة نفسها، لكنه مع ذلك لم يُغيّر من حقيقة طبيعته البشريَّة، لأنَّ خلاصنا وقيامتنا معتمدان أيضًا على حقيقة جسده.
لكن هاتين الطبيعتين متحدتين بشدةٍ في شخص واحد لدرجة أنهما لم ينفصلا حتى عند موته. ومن ثَمَّ، كانَ ما استودعه الابن، عند موته، في يدي أبيه هي روح بشريَّة حقيقية، غادرت جسده. لكن في الوقت ذاته، ظلَّتْ الطبيعة الإلهيَّة على اتحاد دائم بالطبيعة البشريَّة، حتى حين كانَ راقدًا داخل القبر؛ فإنَّ اللاهوت لم يتوقَّف عن أن يكون فيه، كما كانَ الحال تمامًا حين كانَ رضيعًا، مع أنه لم يظهر بوضوح لبعض الوقت. لذلك نحن نعترف بأنه إله كامل وإنسان كامل: إله كامل بقدرته على هزيمة الموت، وإنسان كامل حتى يموت من أجلنا بحسب ضعف جسده.”[10]
في إقرار الإيمان البلجيكي، يشرح التجسُّد على أنه الحل لإرجاع وإصلاح الإنسان الخاطئ. وفي الحقيقة، إنَّ هذا الإقرار شرحَ التجسُّد مؤكدًا على أن المسيح أخذَ نفس الطبيعة الإنسانة جسدًا ونفسًا، وإلا لكان خلاص الإنسان ناقصًا. ونبَّرَ على طبيعة إنسانية المسيح التي هي إنسانيتنا التي تحمل نفس ضعفاتنا ما خلا الخطيّة. وهذه خطوة للإمام تُحسب لهذا الإقرار.
فلا يستطيع المسيح أن يفدينا إلا بفداء طبيعتنا أولًا. وبالتالي يخرج هذا الإقرار عن الحيز الضيق لتفسير الفداء في إطاره القضائي، ليمس كياننا وضعفاتنا، ويُقدِّم التجسُّد على إنه تجسُّد في صالحنا، لأنَّ اتخاذ الله لنفس الإنسانية الساقطة لحمًا ودمًا وميولًا ورغبات، وإماتة هذه الطبيعة الإنسانية بحكم الله في الصليب كانَ فداءً وعتقًا من عبودية فسادها؛ لتحرر طبيعتنا من قيود وأشواك الموت التي انغرست في أدق دقائق الوجود والكيان البشري إلى رحب الفداء في إطاره الأنطولوجي الوجودي.
وبالتالي فالتجسُّد هو خَلقٌ جديدٌ لوجودٍ جديدٍ بدأ من الإنسانية الجديدة التي يمثلها إنسانية المسيح المقامة من الأموات والمفداة بموت الموت الذي تسرَّبَ إليها لعتق وانفلاج الحياة بكل مكنوناتها في الكيان الإنساني والخليقة معًا.
شكرًا لهذا الإقرار. لأن المعطيات الجيدة تقود إلى نتائج جيدة، والأساس الجيد هو الذي يحدِّد صلابة البناء اللاهوتي.
اعتراف إيمان الهلفيتي الثاني أو السويسري الثاني[11]
الذي صاغ هذا الإقرار هو هينريخ بولينغر 1504-1575م H. Bullingerفي سنة 1561م. وقيل عن هذا الاعتراف إنه يجمع بين لاهوت كالفن وحرارة لوثر وشمولية ملانكثون. ولم يكتب هذا الإقرار ليكون إقرار إيمان تؤمن به كنائس سويسرا الإنجيلية؛ بل كتبه صاحبه من أجل أن يتلى عند موته على الكنيسة. إلا أنَّ هذا الإقرار لقى نجاحًا وقبولا في كل سويسرا؛ فأصبح وثيقة الإيمان التي تعبر عن الشعب الإنجيلي هناك في ذلك الوقت. وهذا هو الإقرار الأشمل في جميع إقرارات الإيمان الإنجيلية برمتها شرقًا وغربا.
الفصل الحادي عشر: في يسوع المسيح، إله حق وإنسان حق، مخلص العالم الوحيد
المسيح هو إله حق: نؤمن أيضًا ونعلّم بان ابن الله ربنا يسوع المسيح قد أُعد مسبقًا أو عين مسبقا منذ الأزل من الآب ليكون مخلص العالم. ونؤمن انه وُلد ليس فقط عندما اتخذ جسدًا من العذراء مريم أو قبل تأسيس العالم ولد من الآب قبل كل الدهور بطريقة لا توصف. لأن اشعياء قال: “وفي جيله من كان يظن؟” (8:53). ويقول ميخا: “مخارجه منذ القدم منذ أيام الأزل”. (2:5). وقال يوحنا في إنجيله: في البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”(1:1). فبالنظر إلى لاهوته ان الابن مساو للآب وله الجوهر ذاته معه، انه إله حق (فيلبي 11:2) ليس فقط بالاسم أو بالتبني أو عن استحقاق بل في الجوهر والطبيعة كما قال الرسول يوحنا مرارًا: “هذا هو الإله الحق والحيوة الأبدية” (1يوحنا 2.0:5). ويقول بولس أيضًا: “جعله وارثًا لكل شيء الذي به أيضًا عمل العالمين، الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته”: (عبرانيين 2:1-3). فقد قال الرب ذاته في الإنجيل: “مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم”. (يوحنا 5:17). وفي موضوع آخر من الإنجيل نقرأ: “فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه.. قال أيضًا أن الله أبوه معادلًا نفسه بالله”. (يوحنا 18:5).
الشيع: لذا نمقت تعاليم آريوس والآريوسيين الجاحدة ضد ابن الله وبالأخص تجديف ميخائيل سرفيتوس الأسباني وكل اتباعه، التي أخرجها الشيطان بواسطتهم من الجحيم ونشرها بكل وقاحة وكفر في العالم كله.
المسيح إنسان حق ذو جسد حقيقي: وأيضا نؤمن ونعلم بأن الابن الأزلي للإله الأزلي صار إنسانًا من ذرية إبراهيم وداود فليس بالجماع البشري كما قال الأبيونيون Ebionites، بل حبل به بكل عفة من الروح القدس وولد من الدائمة البتولية مريم كما يخبرنا التاريخ الإنجيلي بكل دقة (متى 1). وبولس يقول: “ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم” وأيضًا يقول الرسول يوحنا أن كل من لا يؤمن بأن يسوع المسيح جاء في الجسد ليس من الله. لذا فإن جسد المسيح لم يكن خياليا ولا منزلا من السماء كما تصور خطأ فالنتينوس ومارسيون.
في المسيح نفس عاقلة: كما أنه لم تكن نفس المسيح محرومة من الحس والعقل كما ظن أبوليناروس ولم يكن جسدا دون نفس كما علم يونوميوس Eunomius وإنما كان نفسًا عاقلة وجسدًا ذا حواس، وقد عانى في آلامه آلامًا جسدية حقة كما قال هو بذاته: “نفسي حزينة جدًّا حتى الموت” (متى 38:26). وأيضًا: “الآن نفسي قد اضطربت” (يوحنا 27:12).
في المسيح طبيعتان: إننا نعترف بطبيعتين، إلهية وبشرية، أو جوهرين، في ربنا الواحد ذاته يسوع المسيح (عبرانيين 2). نقول بأنهما مرتبطتان ومتحدتان الواحدة مع الأخرى دون امتصاص أو اختلاط أو امتزاج بينهما، بل تتحدان وتجتمعان في شخص واحد وتبقى خصائص كل منهما ثابتة وغير معطلة.
مسيح واحد لا اثنان: لذا فنحن نعبد مسيحًا واحدًا -الرب- وليس اثنين. نكرر: إله حق وإنسان حق واحد. بالنظر إلى ألوهيته له الجوهر ذاته مع الآب، وبالنظر إلى إنسانيته له الجوهر ذاته الذي للإنسان، “وفي كل شيء مثلنا بلا خطية” (عبرانيين 4: 15).
الشيع: نستنكر حقا عقيدة النساطرة الذين يجعلون من المسيح الواحد اثنين ويذيبون وحدة الشخص. وكذلك نرذل كليًّا جنون أوطيخا وذوي المشيئة الواحدة أو الطبيعة الواحدة الذين يمحقون خصائص الطبيعة البشرية.
طبيعة المسيح الإلهية غير قابلة للألم والطبيعة البشرية ليست في كل مكان: لذلك فلا نعلم أبدًا بأن الطبيعة الإلهية في المسيح قد تألمت أو أن المسيح بحسب طبيعته البشرية مازال موجودًا في العالم وفي كل مكان. لأننا لا نعتقد ولا نعلّم بأن جسد المسيح لم يعد جسدًا حقيقيًّا بعد التمجيد أو أنه تأله بشكل أنه وضع جانبًا خصائص الجسد والنفس وتحول كليًّا إلى طبيعة إلهية وصار جوهرًا واحدًا فقط.
الشيع: لذا فلا نوافق أبدا أو نقبل نزعة شوينكفلد Schwenkfeldt المتطرفة والمشوشة والغامضة وحجج أمثاله من السفسطائيين التي تناقض ذاتها. ولسنا اتباعه.
تألم ربنا حقا: نؤمن أيضًا أن ربنا يسوع المسيح تألم ومات حقًّا عنا في الجسد كما يقول بطرس (1بطرس 1:4). نمقت جنون اليعاقبة الجاحد وكل الأتراك الذين يرذلون آلام الرب. ولا ننكر أبدًا في الوقت ذاته أن رب المجد صلب من أجلنا بحسب كلام بولس (1كورنثوس 2: 8).
تبادل الخصائص: نقبل بكل وقار واحترام مبدأ تبادل الخصائص ونستعمله كما يستمد من الكتاب وكما استعمل منذ القدم في تفسير المقاطع التي تبدو متناقصة وللتوفيق بينها.
المسيح قام حقًّا من الأموات: نؤمن ونعلّم بأن يسوع المسيح ذاته، ربنا، قام أيضًا من بين الأموات في جسده الذي صلب ومات، وأنه لم يقم جسد آخر غير الذي دفن، ولم تقم روح بدل الجسد ولكنه حافظ على جسده الحق. لذا فإنه عندما ظن تلاميذه أنهم رأوا روح الرب أراهم يديه ورجليه وآثار المسامير والجروح وقال: “انظروا يدي ورجلي. إني أنا هو. جسوني وانظروا فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون في”. (لوقا 39:24).
يسوع المسيح مخلص العالم الوحيد والمسيح المنتظر الحقيقي: اننا نعلّم ونؤمن بأن يسوع المسيح ربنا هذا هو المخلص الأوحد والأبدي للجنس البشري وللعالم كله. فيه خلص بالإيمان أولئك الذين كانوا قبل الشريعة والذين خضعوا لها، والذين كانوا في زمن الإنجيل: “الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص… إني أنا باب الخراف”. (يوحنا 10: 1 و7). وفي موضع آخر من الإنجيل ذاته يقول: “إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح”. (8: 56). ويقول الرسول بطرس أيضًا: “ليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي ان نخلص.” لذلك نؤمن أننا سنخلص بواسطة نعمة ربنا يسوع المسيح كما كان آباؤنا (أعمال 12:4 و43:10 و11:15). وبولس أيضا يقول: “وجميعهم (أي آباؤنا) أكلوا طعامًا واحدًا روحيًّا وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًّا لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح”. (1كورنثوس 3:10-4). وهكذا نقرأ في رؤيا يوحنا أن المسيح هو الخروف الذي ذبح منذ تأسيس العالم (رؤيا 8:13)، ويشهد يوحنا المعمدان أن المسيح “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 29:1). فلذلك نصرح ونكرز علنا بأن يسوع المسيح هو فادي العالم والمخلص الوحيد والملك ورئيس الكهنة والمسيح الحق المنتظر والمبارك القدوس الموعود والسابق التمثيل في كل رموز الشريعة ونبوءات الأنبياء، وأن الله سبق فعيّنه وأرسله لنا فليس لنا أن نتطلع إلى آخر. فلا يبقى لنا جميعًا سوى أن نعطي المجد للمسيح ونؤمن به ونرتاح فيه وحده، ونحتقر ونرفض كل عون آخر في الحياة. فإن جميع أولئك الذين ينشدون الخلاص في غير المسيح وحده قد سقطوا من نعمة الله وتبطلوا عن المسيح. (غلاطية 4:5).
القبول بعقائد المجامع الأربعة: باختصار، إننا نؤمن بقلب صادق ونعترف بفم يجهر بكل الأشياء التي يحددها الكتاب المقدس فيما يختص بسر تجسد ربنا يسوع المسيح والتي جُمعت بشكل ملخص في عقائد المجامع الأربعة الأولى الفاضلة وقراراتها المعقودة في نيقية والقسطنطينية وأفسس وخلقدونية، فضلًا عن اعترافنا أيضًا بعقيدة الإيمان للقديس أثناسيوس وكل قوانين الإيمان المشابهة وندين كل ما يخالف هذه العقائد.
دستور الكنيسة الإنجيلية بالجمهوريّة العربية المتحدة سنة 1967م
قررَ السنودس في اجتماعه بالمنيا في جلسته رقم 75 بتاريخ 5 إبريل 1967م اعتماد هذا الدستور للعمل به دستورًا مؤقتًا للكنيسة. وجاء في تذييل القرار الآتي: “ويظل هذا الدستور قائمًا إلى أنْ يقر سنودس النيل الإنجيليّ صيغته النهائية. وذلك بعد أنْ تتلقى لجنة الدستور اقتراحات وملاحظات المجامع، وتُعرَض على السنودس في جلساته القادمة لإقرار التعديلات المقترحة.”[12]
ما يخص التجسد في هذا الإقرار هو المادة 9 – في الخلاص؛ والمادة 12 – في الرب يسوع؛ والمادة 14 – في الكفارة؛ والمادة 16 – في التجديد. وهذه هي نصوص المواد المشار إليها.
مادة 9- في الخلاص
“نؤمن بأنّ الله هي غني في الرحمة من أجل محبته الغير المحدودة للعالم، قطعَ قبل الدهور مع ابنه الوحيد عهد نعمة، فيها صار الابن نائبًا عن الخطاة ووسيطًا لهم لدى الله راضيًّا فضلًا بأنْ يضمن لهم خلاصًا كاملًا باتخاذه طبيعتهم البشرية، وبعيشته عيشة الطاعة الكاملة، وبموته النيابي، ليوفي الناموس الإلهي حقه برًّا ويعد برًّا كاملا لكن من يؤمن به. وبأنه بسبب هذا العهد قدَّمَ حالًا بعد السقوط وعد بالفداء. وإتمامًا لهذا الوعد جاء المسيح في ملء الزمان إلى العالم وصنعَ خلاصًا كافيًا للجميع ومناسبًا لهم. وإنَّ الذين يقبلون هذا الخلاص إذْ يولدون ولادة جديدة، يُعادون إلى شركة الله ويُمنحون رغبة في ترك الخطية والعيشة ويصيرون ورثة للحياة الأبديّة.”[13]
مادة 12 – في الرب يسوع
نؤمن بأنَّ الرب يسوع هو ابن الله الأزلي ببنوة طبيعيّة ضروريّة كائنة في جوهر اللاهوت، وإنَّهُ بمحض اختياره أخلى نفسه من مجده وجلاله الإلهيين وصارَ إنسانًا باتخاذه لذاته جسدًا حقيقيًّا بلا خطيّة. إذْ حُبِلَ به بقوة الروح القدس ووُلِدَ من مريم العذراء. وإنه لذلك إله حق وإنسان ذو طبيعتين كاملتين متميزتين – اللاهوت والناسوت – متحدين في أقنومه الواحد لا تفترقان البتة. وأنُّ بصفته الإله المتأنس هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، الذي به وحده ينبغي أنْ نخلص. ونؤمن بأنَّ الرب يسوع المسيح مُسِحَ بالروح القدس ليكون لنا نبيًّا وكاهنًا وملكًا كاملًا أبديًّا. وإنَّهُ أعلَّنَ إرادة الله ومشورته في قوله وفعله وحياته. وأنه لأجل فدائنا أكمل كُلّ برّ بطاعته المقدسة وبذبيحته الكفاريّة لأجل خطيّة العالم. وإنَّهُ بعد موته على الصليب ودفنه، قامَ من الأموات بجسده وصعد إلى السماء حيث يشفع في شعبه على الدوام. وإنَّهُ حالٌ في المؤمنين ساكن في قلوبهم مانح لهم الحياة الأبديّة والقوة جاعلًا إياهم شركاء فيه وفي ماله. وإنَّهُ جالسٌ عن يمين الله، رأسًا لكنيسته وملكوته، وله سلطان على جميع المخلوقات العاقلة وغير العاقلة. وأنَّه سيأتي ثانيةً في مجد ليبطل الشر ويرد كل شيء.”[14]
المادة 14 – في الكفارة
“نؤمن بأنَّ ربنا يسوع المسيح بعمل نعمته الاختياري بمقتضى تعيين الآب بذلَ نفسه فدية لأجل الجميع. وإنَّهُ بصفة كَوْنهِ نائبًا عن الإنسان الخاطئ كان موت ذبيحة كفاريّة ذات قيمة غير محدودة، أوفت حق عدل الله وقداسته وكرسَّت طريقًا للقدوم إلى الله لنوال الغفران والتجديد. وإنَّ هذه الكفارة هي مُقَدَّمة لأجل خطيّة العالم لا تصير فعَّالة إلا لأولئك الذين ينقادون بالروح القدس إلى الإيمان بالمسيح كمخلص لهم.”[15]
مادة 16 – في التجديد
“نؤمن بضرورة التجديد الذي به نحن الأموات روحيًّا بالطبيعة نصير خليقة جديدة مثبَّتين في الاتحاد بالمسيح، معتَقين من عبوديّة الخطية أحياء لله. وإنَّ هذا هو عمل الروح القدس المباشر الذي يُغيِّر الميل السائد في النفس بعمل قوته السري المباشر.”[16]
يُقدِّم هذا الإيمان تجسُّد المسيح بكونه حلًا لخطية الإنسان الذي هو في حال السقوط. وركز على أنْ المسيح أخذ نفس الطبيعة البشرية التي تخصنا، وقدَّم شرحًا لفداء المسيح في إطاره القضائي بأن الخطية دين وجُرم وإثم وأن المسيح هو الذي دفع ثمن هذا الجرم. وكان هذا غرض التجسد. إلا أن هذه البنود الدستوريّة أضافَت بُعدًا آخر يخص التجسد وهو منح المؤمنين بالمسيح الخليقة الجديدة. إلا إنّ جميعهم، أي جميع البنود الدستوريّة السابقة، لم تشرح ذلك بكون هذه الخليقة الجديدة الممنوحة للمؤمنين بالمسيح هي نفس جسد المسيح المقام من الأموات. وبالتالي، يغيب التجسد في مفهومه الأنطولوجي الكياني في الفكر الإنجيلي ويسود شرح الفداء بمفهومه القضائي، الأمر الذي يبتر التجسُّد من أخص معانيه وجل هدفه.
إقرار الإيمان الإنجيلي وعهود الرسامات سنة 1977م
قررَ سنودس النيل الإنجيلي في دورته 87 لعام 1977م، أنْ يطبع في كتابٍ مستقل إقرار الإيمان الإنجيلي ونظام العبادة. وقد تكلفت لجنة هذا الغرض لتكون هذه الإقرارات في كتاب مستقل عن “دستور الكنيسة الإنجيلية“. وإنه يُسر دار الثقافة المسيحيّة أنْ تُقدِّم هذا الكتاب شاملًا لإقرار الإيمان الإنجيلي ونظام العبادة، وعود الرسامة في الكنيسة الإنجيلية.[17]
ما يخص التجسُّد في هذا الإقرار هو المادة 9 – في الخلاص؛ والمادة 12 – في الرب يسوع؛ والمادة 14 – في الكفارة؛ والمادة 16 – في التجديد. وهم نفس المواد نصًّا التي سبق وأن أُقرَّتْ في دستور الكنيسة الإنجيلية بالجمهوريّة العربية المتحدة سنة 1967م.[18]
دستور الكنيسة الإنجيلية بمصر سنة 1986م
ما يخص التجسُّد في هذا الإقرار هو المادة 9 – في الخلاص؛ والمادة 12 – في الرب يسوع؛ والمادة 14 – في الكفارة؛ والمادة 16 – في التجديد. وهم نفس المواد نصًّا التي سبق وأن أُقرَّتْ في دستور الكنيسة الإنجيلية بالجمهوريّة العربية المتحدة سنة 1967م.[19]
إقرار الإيمان الإنجيلي للكنيسة الإنجيلية بمصر سنة 2006م
يرجع الفضل لجناب الوالد الراحل القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس في وضع حجر الأساس وإعداد المشروع برمته وصياغة هذا الإقرار عندما كانَ رئيسًا لمجلس العمل الرعوي والكرازي. وفي عام 2003م، استعرض سنودس النيل الإنجيلي، المجلس الأعلى للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر مشروع إقرار إيمان إنجيليّ معاصر، وأشادَ بما وصلَ إليه المجلس من انجاز يستحق كل التقدير والثناء وسجلَ لطيب الذكر الشكر العميق، وقررَ السنودس تجديد تفويضه للمجلس للانتهاء من هذا المشروع “مشروع صياغة إقرار إيمان إنجيلي معاصر”، وإقراره. وتَمَّ إقرار المشروع بالفعل بعد مراجعته من قبل مجموعة من اللاهوتيين. فتَمَّ إقراره واعتماده في نوفمبر 2006م.[20]
ما يخص التجسُّد في هذا الإقرار جاء في البنود: بند رقم 23 – التجسد، وبند رقم 24 – اللاهوت والناسوت.
بند 23 – التجسُّد[21]
“نؤمن أنَّ الله في سيادته ومحبته لم يسمح للخطيّة ولقوات الشر أنْ تُفسد خطته المباركة لأنْ يحيا الإنسان في شركه معه. ويتحدث المسيح عن نفسه أنَّهُ “ابن الإنسان” تعبيرًا عن اتحاده بالجنس البشري، وفي نفس الوقت عن سموهُ عن سائر البشر، كالشخص السماوي الذي يتحدث عن سفر دانيآل. ففي المسيح نرى الأزل والزمن مجتمعين. وكممثل للإنسانية كلها يحدثنا عنه الكتاب المقدس باعتباره “آدم الأخير” و “الإنسان الثاني”، البداية الجديدة للإنسانية، بل فيه تحققت الإنسانية الجديدة والمجتمع الجديد. ولكنه في نفس الوقت تعيَّنَ، أي تبيَّنَ وأُعلِّنَ أنَّهُ “ابن الله”. ونؤمن أننا في الإنسان يسوع المسيح نرى الإنسانية كما يجب أن تكون، وكما أرادَ الله لها أنْ تكون. لذلك فهو المثال والنموذج والمقياس لعلاقتنا بالله وعلاقتنا مع البشر وفي المجتمع.
الشواهد: “(متى 16: 13؛ 17: 9)؛ (دانيآل 7: 13)؛ (1كورنثوس 15: 45)؛ (أفسس 1: 10؛ 3: 9-11)؛ (1كورنثوس 15: 47)؛ (رومية 1: 4)؛ (أفسس 5: 1؛ كولوسي 2: 6-7؛ 3: 10؛ 1بطرس 1: 15؛ 1يوحنا 2: 6).
بند 24 – اللاهوت والناسوت[22]
“وإيماننا أن “الله ظهرَ في الجسد” وأنَّ “الكلمة صارَ جسدًا” يعني التنبير على طبيعة الرب يسوع المزدوجة: الإلهيّة والإنسانية، دون خلط بين الطبيعتين أو مزج لهما لتصبح طبيعة واحدة عند التجسُّد، أو تغيُّر إحدى الطبيعتين إلى الأخرى، أو الفصل بين الطبيعيتين، أو وجود انقسام بينهما. فيسوع المسيح شخص واحد له طبيعة وإرادة إلهية كاملة تامة، كما أنَّ له طبيعة وإرادة إنسانية تامة. فلو لم تكن للمسيح يسوع الطبيعة الإلهية الكاملة لِما كان خلاص البشريّة كاملًا. ولو لم تكن له الطبيعة البشريّة الكاملة لِما انتفعت الإنسانية بالخلاص. وإذْ نؤكد إيماننا بالألوهية الكاملة والإنسانية الكاملة للرب يسوع؛ فإننا نُقر أنَّ هذا يفوق إدراك البشر الذي لا يتجاوز حدود خبراتهم الخاصة. ونؤمن أنَّهُ بميلاد المسيح وبالتجسد تحقق للبشرية أن يكون الله معنا، عمانوئيل؛ بل أن يكون واحدًا منا، مولودًا تحت أحكام الشريعة، حتى أنَّهُ يرث الابن ديون والديه، ورثَ يسوع ديوننا نحن البشر. وحققَ الله ما لم تستطع الشريعة أن تحققه بسبب ضعف الطبيعة البشريّة، فأرسلَ الله ابنه في جسد يشابه جسدنا المثقَّل بالخطيئة، ليتعامل مع الخطيئة ويدينها عن طريق هذا الجسد.
الشواهد: (1 تيموثاوس 3: 16) ؛ (يوحنا 1: 14) ؛ (1تيموثاوس 2: 5) ؛ (إشعياء 7: 14؛ متى 1: 23) ؛ (غلاطيّة 4: 4) ؛ (رومية 8: 3).
هذا الإقرار هو أفضل إقرار للكنيسة الإنجيلية بمصر فيما يخص التجسُّد. فنؤمن بأنَّ يسوع المسيح، هو البداية الجديدة للإنسانية. بمعنى، في المسيح يسوع، الإنسان، تَمَّ خلق الإنسانية خلقًا جديدًا. وهذا هو المعنى الأشمل للفداء، وليس مجرد رفع العقوبة التي أقرها الله على البشرية الساقطة في أوحال الآثام. في الإنسانية الجديدة التي صارَ يسوع المسيح، الإله المتجسِّد، رأسها، أعادَ الله خلق الإنسان الذي فسدت طبيعته، خلقًا جديدًا. وليس هذا فقط؛ بل امتدَ الفداء ليشمل الخليقة بأسرها. لأن الإقرار يضيف أنَّ في يسوع المسيح تحققت الإنسانية الجديدة والمجتمع الجديد. أي أنَّ الإنسانية المفداة يجب أن تحيا في أرض تَمَّ فداؤها، الأرض الجديد والسماء الجديدة، الذي هو المجتمع الجديد. فلا يوجد مجتمع بلا مكان، ليتم التحقيق الكامل لوعد الله لإبراهيم بنسل، يكون المسيح رأسه، الإنسانية الجديدة، وبركة تتحقق من خلال تجسُّد المسيح الذي يفدي كل من يؤمن بهذا السر العظيم ويحيا بمقتضاه من جميع الأمم والقبائل وشعوب الأرض لتتخطى الإنسانية الجديدة حدود العرق والقومية وحدود الأرض التي تفصل بني الإنسان، إلى رحب الإنسانية الجديدة التي تحيا في أرض جديدة لا يفصلها حدود ولا يميز مواطنيها عرق أو لون. فكل من آمن بالمسيح، تجسُّد الله، ابن الإنسان، رأس الإنسانية الجديدة المفداة، وُلِدَ من الله الآب بالروح القدس بالإيمان بالمسيح صارَ خليقة جديدة، إنسانية جديدة، تحل محل الإنسانية الساقطة. والمجتمع الجديد هو ملكوت الله الذي أسسه بخلقنا في يسوع المسيح. ونحيا على هذا الرجاء بنشر ملكوت الله وبره في أي أرض تقبل بذار هذا الملكوت الجديد، فنصبح مشاركين لله في نشر الفداء وتقليص مملكة الشر ونثر بذور هذا الملكوت في قلوب البشر لتغير طبيعتهم لينالوا الطبيعة الجديدة، الإنسانية الجديدة، التي رأسها المسيح.
الخلاصة وتحليل عام
نشأ الإصلاح الإنجيلي من رحم عيوب البابوبية الرومانية في بيئة مسيحية صرفة، بعكس المسيحية الشرقية التي صاغت لاهوتها كلاهوت حواري مع الفلسفة اليونانية في ذلك الوقت. وأخذت عملية صياغة الإيمان حوالي ثلاث قرون. وبعد ذلك، في القرن السابع الميلادي، دخلت المسيحية الشرقية في حقبة جديدة تتطلب صياغات إيمانية جديدة، فأخذت مما تَمَّ صياغته سابقًا بالإضافة إلى صياغات جديدة تجاوبًا مع التحدي الجديد الذي يطعن في الإيمان المسيحي برمته، وبخاصة عقيدتي التجسد والثالوث.
وبسبب عدم وجود تحدي أمام الكنيسة في الغرب لترسيخ عقيدة التجسُّد التي ترسخت طوال ستة عشر قرن، لم ترَ الكنائس الإنجيلية المصلحة بُدًّا من إعادة صياغات جديدة؛ بل اكتفت بما كتبه الآباء. فلم يجد المصلحون دافعًا لإثبات من تَمَّ إثباته وما يؤمنون به، الذي هو ركن أساسي من أركان الإيمان المسيحي. كانَ تركيز المصلحين وجل اهتمامهم حول الخلاص ومفهومه، والكنيسة ومعناها وسلطتها. لذا استفاضوا في شرح قضية خلاص المؤمن منبرين على حقيقتين أنَّ الخلاص “بالإيمان وحد، وبالنعمة وحدها”، ورفضوا التقليد كمصدر من مصادر بناء العقيدة، رافعين شعار “الكتاب المقدس وحده”.
فيضعون الكتاب المقدس كالمصدر الأول لتحديد عقيدة التجسد، ثم يقرون بأنَّ ما سبق وحدده الكتاب المقدس جاء في صورة ملخصة في عقائد المجامع الأربعة الأولى. أي لو وجد المصلحون والكنائس المصلحة أن ما جاء في إقرارات المجامع الأربعة يخالف الكتاب المقدس لرفضوه. فهم يضعون الكتاب المُقدَّس كمصدر أساسي وأول لتحديد أي عقيدة، ولا يرفضون ما كتبه الآباء، بشرط ألا يتعارض مع فحوى النص المُقدَّس.
وباختصار، فإنَّ إقرار الإيمان الهليفتي الثاني هو الإقرار الأشمل والأوفى الذي تناول عقيدة التجسُّد باستفاضة، وذلك بالنسبة لإقرارات الإيمان الغربية في زمن الإصلاح الديني.
أمَّا إقرارات الكنيسة الإنجيلية المصرية فإنها مست التجسُّد مسًا خفيفًا. إلا إقرار إيمان الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر سنة 2006م هو الأفضل في جميع إقرارات الإيمان الإنجيلية في تاريخ الكنيسة المصرية بمصر فيما يخص التجسُّد. لأنَّه شرحَ التجسُّد شرحًا صحيحًا، وفهمه فهمًا مضبوطًا، وبناء عليه يُفهم الفداء فهمًا صحيحًا. لأنَّ التجسُّد لا يفهم إلا في إطار الإنسانية الجديدة والمجتمع الجديد، أي في التجسُّد أعاد الله خلق كل شيء، وهذا هو الفداء.
أما موقفنا ككنيسة إنجيلية تحيا في الشرق أمام تحدي مازال قائمًا يطعن في معقولية الإيمان المسيحي بخصوص تجسُّد الله في إنسان من إنسانيتنا، في يسوع المسيح، الإله المتجسُّد، فيحتاج إلى مزيد من الاهتمام لإحياء ما تَمَّ صياغته طوال أربعة عشر قرن. وتحتاج الكنيسة الإنجيلية أنْ تبنى لاهوتها على أساس الكتاب المقدس وأيضا اللاهوت النابع من قرينتنا. لتكسر الكنيسة عزلتها في المكان والزمان، وتعود من غربتها إلى وطنها لتجذِّر جذور لاهوتها في أرضها التي نبتت فيها.
وأرى أنَّ ما تَمَّ صياغته في إقرارات الإيمان الإنجيلية المصلحة في أوربا وإلى الآن غير كافٍ لقرينتنا. تحتاج الكنيسة أن تعيد فهم سر التجسد بعيدًا على الإطار الغربي المصلح، الذي فسَّرَ الخلاص بإطاره القضائي، ورأي في الخطية دين وعقوبة سددها المسيح عنا في الصليب. وهذا صحيح، لكنه مفهومًا ناقص عن الخلاص، والسبب هو إهمال الكنيسة لأنْ تفهم سر التجسُّد في إطاره الإنطولوجي [الكياني] كما فسَّرهُ آباء القرنين الثالث والرابع الميلادي. وأيضًا لا ننسى القرينة المعادية لهذا المفهوم الذي يعتبره جموع محيطنا ضربًا من الجموح والانحراف الإيماني وإنقاصًا من الجلال والمجد الإلهي.
إنَّ لم تخاطب الكنيسة قرينتها بلغة مفهومة ومعقولة، وإن لم تصيغ لاهوتها تجاوبًا مع تحديَّات مَنْ يطعنون في معقولية إيماننا؛ تصبح كنيسة رخوة هلامية البناء ومبنية على هشاشة، تعيش في الظل، وترسم كل أفعالها وأقوالها في الهامش.
[1] إميل زكي، فايز فارس، ومنيس عبد النور، إيماني الإنجيلي: دروس لراغبي الانضمام للكنيسة (القاهرة: دار الثقافة المسيحية، 1977)، 31.
[2] نفس المرجع، 32.
[3] نفس المرجع، 33.
[4] نفس المرجع، 33-34.
[5] الإقرار متاح على موقع https://epc-egypt.org/our-belief-laws/2021-04-01-23-44-44/2021-04-01-23-48-57.html وتم الإطلاع عليه في 7 ديسمبر 2021م
[6] الإقرار متاح على موقع https://epcear.com/2021/02/%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%83%D8%AA%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%8A-1560%D9%85/
تم الاطلاع عليه في 7 ديسمبر 2021م
[7] إقرار الإيمان البجليكي، خدمات ليوجنير، 2019م، ص 1
[8] نفس المرجع، 11.
[9] نفس المرجع، 12.
[10] نفس المرجع، 12.
[11] الإقرار متاح على موقع https://epc-egypt.org/our-belief-laws/2021-04-01-23-44-44/2021-04-01-23-49-37.html
تم الاطلاع عليه في 7 ديسمبر 2021م
[12] دساتير الكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر: نصوص ووثائق 1879-2015م، تحرير القس عيد صلاح (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، 163.
[13] نفس المرجع، 166.
[14] نفس المرجع، 167.
[15] نفس المرجع.
[16] نفس المرجع، 168.
[17] دساتير الكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر: نصوص ووثائق 1879-2015م، تحرير القس عيد صلاح (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، 219.
[18] نفس المرجع، 220-221.
[19] نفس المرجع، 244-245.
[20] دساتير الكنيسة الإنجيليّة المشيخية بمصر: نصوص ووثائق 1879-2015م، تحرير القس عيد صلاح (القاهرة: دار الثقافة، 2016)، 205.
[21] نفس المرجع، 314.
[22] نفس المرجع.
اسم الكاتب: القس هاني ظريف
طُرح فيلم ريش للمخرج عمر الزهيري في أكتوبر 2021 بمهرجان الجونة السينمائي في دروته الخامسة، ونال جائزة أفضل فيلم عربي، ولم تكُن هي الجائزة الأولى، فقد تمَّ ايضًا حصول الفيلم على الجائزة الكبرى للنقاد بمهرجان كان السينمائي الدولي. وحصل الفيلم أيضًا على جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في دورته الثانية والثلاثين. ورغم حصول هذا الفيلم على هذه الجوائز إلا أنَّه لم يجد القبول عند قطاع عريض مِن الشعب المصري، وذلك بسبب أنَّه يسيء إلى سمعة مصر بسبب تسليط الضوء على الحياة غير الأدمية التي لأبطال الفيلم. وأبطال هذا الفيلم الذين اختارهم الممثل مِن البسطاء خارج الوسط الفني، ليُضفي واقعية أكثر لأحداث الفيلم. لكنَّهم تعرَّضوا لظُلمًا كبيرًا مرتين، الأولى بسببِ حياة الفقر التي يعيشون فيها، والثانية بسبب التنَّمر الذي تعرَّضوا له مِن قِبل الكثيرين في الوسط الفني. وحين نتوقف أمام قصة الرعاة في أحداث ميلاد المسيح نكتشف أنَّ هؤلاء الرعاة تعرَّضوا أيضًا للظلم مثل أبطال ريش مرتين، الأولى في أيامهم بسبب المجتمع الديني اليهودي الذي ساهم بقوة في تهميشهم، والثانية في أيامنا لأنَّنا لا نسلط الضوء عليهم. فقلَّما نتوقف أمامهم أمام بريق الشخصيات الميلادية الأخرى التي أحاطت بالرب يسوع.
لذلك في السطور القادمة سوف ندخل الى المشهد الخالد الذي حدث في هذه الليلة العجيبة، والتي صارت بأحداثها العظيمة أهم ما حدث في حياة أولئك الرعاة البُسطاء، والتي صارت بكل تفاصيلها إلهامًا ودعمًا لكل مَن يتعرض للظلم والتهميش.
فمَن هُم؟ ولماذا هُم؟ وما الذي حدث أمامهم ومعهم ولهم في هذه الليلة العجيبة؟ وما هو رد فعلهم؟ وما هي الدروس التي نتعلمها مِن أحداث هذه الليلة العجيبة؟
أولًا: من هم؟ لماذا هم؟
هناك آراء متضاربة على هوية هؤلاء الرعاة ومكانتهم، وخاصَّةً أنَّنا لم نستمع عنهم خارج (لو 2: 8- 20). واختلفت الآراء حول هويتهم كالتالي:
الرأي التقليدي: والذي يرى أنَّ هؤلاء الرعاة كانوا مِن الفُقراء والمهمَّشين بل والمنبوذين غير الطاهرين (وارين وايرزبي، كًن شفوقًا، مطبوعات إيجلز، 1999، 21). ويقول جون كالفن عنهم، “على الرغم مِن أنَّ الله كان يمكنه اختيار العديد مِن الشهود الموقرين والمتميزين، لكنَّه اختارهم رغم أنَّهم أشخاصًا متواضعين، وليس لهم مكانة اجتماعية كسائر رجال عصرهم.”
الرأي الثاني: يرى هؤلاء الرعاء يبيتون في البرية وليس لهم بيوتًا داخل النطاق السكاني، وذلك لأنَّهم يعيشون هُم وحيواناتهم في البرية، وهم بعيدون جدًا عَن حضارة البشر ومنطقهم. ولم ينالوا الاحترام الواجب مِن بقيَّة طبقات المجتمع، ولم يعتبرهم الناس طاهرين مِن الناحية الدينية. (باسمة جوزف الخوري. التفسير العربي المعاصر، 2018، ص 1821).
الرأي الثالث: كانوا ميسوري الحال، ربما كان يُنظر إليهم على أنَّهم غير طاهرين طقسيًا، لكنَّهم ليسوا فقراء.
الرأي الرابع: كانوا كهنة أو مُعينين مِن قبل السلطة الدينية اليهودية لإعداد الذبائح السنوية التي يقدِّمونها في الهيكل سنويًا (إبراهيم سعيد، تفسير لوقا، 1986، 44).
أما للإجابة على سؤال لماذا هُم؟ فثمة إجابات عديدة:
يبدو أنَّ الرَّبَّ قد اختار هؤلاء الرعاة تحديدًا، فلا شكَّ أنَّه كان هناك الكثير مِن الرعاة غيرهم، وذلك بسبب تقواهم، فلا يوجد أي سبب يدعو إلى الاعتقاد بغير ذلك (ليون موريس، التفسير الحديث للكتاب المقدس، 1991، 82)، بل على العكس ما حدث في قصة الميلاد بشكلٍ عام، وفي هذه الليلة بشكلٍ خاص يُخبرنا أنَّهم كانوا أتقياء ورعين، كبقية الشخصيات التي أحاطت بيسوع في ميلاده مِن اليهود (مثل: مريم ويوسف وأليصابات وزكريا، وسمعان الشيخ وحنة النبية).
وكونهم رعاة فهذا أمرًا له وزنه في الكتاب المقَّدس، ولا يُقلل أبدًا مِن قيمة مَن يقوم بهذه المهنة، قد قام بمهمة رعاية الأغنام مجموعة مِن أشهر الشخصيات الكتابية (مثل: إبراهيم، ويعقوب، أبناء يعقوب الذين صاروا المكَّون الرئيسي للأمَّة اليهودية، وموسى، وداود). كما استخدم كتَّاب الوحي مهنة الرعاية مِن الناحية الرمزية للإشارة إلى ملوك إسرائيل وقادتها الدينيين الفاسدين، والذين اهتموا بأنفسهم ولم يقدِّموا الرعاية الصحيحة للشعب، فأدانهم الله (حز 34: 2- 8). وكذلك استخدمت مهمَّة الرعاية كرمز للراعي الصالح الذي يسترد الخراف مرة أخرى بعدما ضلت بسبب إهمال الرعاة الأشرار (حز 34: 9- 19)، وهو ما تحقق في الرب يسوع (يو 10: 11).
لذا فاختيار الله للرعاة له مغزى روحي ولاهوتي وكتابي، فقد كانوا على موعد مع الإعلان عن مجيء الراعي الصالح الذي سيُقدِّم نفسه عن الخراف. فتَمَّ اختيارهم ليكونوا شهودًا لمجيء حمل الله الذي يرفع خطية العالم، والذي بتقدمة نفسه ستبطُل كُل الذبائح الحيوانية التي كانوا ساهرون لحمايتها.
ثانيًا: الليلة العجيبة
حظي هؤلاء الرعاة بليلة عجيبة لم يسبقهم أحد مِن البشر مرَّ بها. نعم سبق ليعقوب أنْ رأى ملائكة الله نازلة مِن السماء للأرض (تك 28: 12). لكن لم يكن المشهد بنفس الروعة والمجد الذي لمسه الرعاة بشكل واضح في الليلة التي أعلنت عن تجسد الله في صورة انسان. ففي ليلة بدت عادية كغيرها مِن الليالي السابقة واللاحقة، وفي الوقت الذي اعتاد فيه هؤلاء الرعاة على ملامسة ظلام الليل يحاكونه عن معاناة رغم اعتيادها إلا أنَّها لازالت ثقيلة بسبب الترَّدي الروحي والاجتماعي والسياسي للأمَّة اليهودية. وفي الوقت الذي غابت فيه القيادة الدينية أو الشعبية أو السياسية، فلم يحظَ يسوع بالاستقبال المناسب أبَت الملائكة أنْ تمر الليلة مِن دون احتفال، فتحوَلت المنطقة التي كساها الظلام إلى نور عجيب، بعدما اضاء مجد الرَّبِّ حولهم (لو 9)، فحدث خوفٌ، وإعلانٌ، وتجاوب، وتحقق، وبشارة.
أما الخوف العظيم (يو 2: 9) فكان بسبب اختراق السماء للأرض بشكل غير متوقع لأولئك الذين لم يتخيلوا أنْ يحدث ذلك معهم، فمن لا يرى مجد الرب ولا يرتعب بسبب خطاياه، ألم يحدث ذلك مع اشعياء النبي العظيم (اش 6: 5)، ألم يخف زكريا برؤية الملاك الذي بشَّرهُ بميلاد يوحنا؟ (لو 1: 12). ألم تخف مريم مِن رؤية جبرائيل يُعلن لها عن اختيار الرَّبِّ ليتجسد مِن خلالها (لو 1: 29)؟ ألم يرتعب شاول وهو في الطريق الى دمشق حين أبرق حوله نور مِن السماء (أع 9: 3- 6)؟
وأما الإعلان فكان عَن أعظم بشارة في الوجود بمجيء المسيح الذي وضع حدًا للخطية والموت وابليس، وصنع سلامًا حقيقيًا دائمًا مع الله، فهتفت جوقة السماء مُعلنة عن أعظم بشارة. فهتفت: “الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ” (لو 2: 14). ويا لها مِن مفاجأة مدهشة أخبر بها الملاك الرعاة، لم تقل عن دهشة المشهد بكل تفاصيله الفريدة والعجيبة حيث أخبرهم بأنَّ تجَسد المخلص كان لأجلهم، حيث قال الملاك: “أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ” (لو 2: 11). فهؤلاء المحرومين بسبب عملهم وبسبب مكانتهم الاجتماعية لهم نصيبًا في خطة الخلاص. مجدًا للرَّبِّ.
تجاوب الرعاة مثلما تجاوب البُرَّص الذين أسمعهم الرب مع الأراميين الى صوت مركبات وصوت خيل كصوت جيش عظيم، فـ “قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لَسْنَا عَامِلِينَ حَسَنًا. هذَا الْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ بِشَارَةٍ وَنَحْنُ سَاكِتُونَ، فَإِنِ انْتَظَرْنَا إِلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ يُصَادِفُنَا شَرٌّ. فَهَلُمَّ الآنَ نَدْخُلْ وَنُخْبِرْ بَيْتَ الْمَلِكِ” (2مل 7: 6- 9). لكن بينما ذهب البُرَّص ليخبروا الملك الأرضي ذهب الرعاة مباشرة ليروا الملك السماوي ينام في مزودٍ للبقر (لو 2: 16). وكان الملاك قد كشف لهم العلامة التي تميَّز يسوع عن أي طفل رضيع آخر في بيت لحم، حيث قال لهم: “وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ”. (لو 2: 12). وذهبوا تحققوا بأنفسهم مِن أنهم ليسوا في حُلمٍ فلما رأوا يسوع الطفل كما قال الملاك أدركوا أنَّ كل ما رأوه واستمعوا اليه في هذا الليلة لم يكن محض خيال أو هذيان، وإنَّما هو واحدة مِن أجمل وأروع حقائق التاريخ والوجود، فـ “رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ” (لو 2: 20). وأتخيَّل قدر الفرح العميق الذي ملأ قلوبهم ليس فقط تلك الليلة، وإنما بقيَّة حياتهم، فبعدَّما انتهت هذه الليلة لم تنتهِ ذكراها ولم يخفت الشغف والحماس الذي امتلكهم وهم يخبرون ذويهم وزوجاتهم وأولادهم بما حدث في هذه الليلة العجيبة.
ثالثًا: دروسٌ عملية مُعاصرة
اسم الكاتب: القس الدكتور يوحنا كتناشو
يتكرّر اسمُ إبراهيم، خليل الله (أش 41: 8)، في أيامنا وفي مشرقنا لعدة أسباب.[1] وتشمل هذه الأسباب صفقة القرن والاتفاقيات الإبراهيمية وهو اسم يُطلق على مجموعة من اتفاقيات السَّلام التي وُقّعت بين إسرائيل ودولٍ عربيةٍ برعاية الولايات المتحدة في فتـرة حُكم الرئيس ترامب سنة 2020. ويصف موقع ويكيبديا اتفاقيات إبراهيم وكأنها اتفاقية بين نسل إسماعيل جد العرب ونسل إسحاق جد اليهود فيزيد الطين بلة بسبب لاهوت يتبنى منظور عرقي لتعريف اليهودية أو لحصر العرب بنسل إسماعيل.[2] وقبل عدة أيام تحدى شيخ الأزهر “الإبراهيمية” ووصفها بالدّين الإبراهيمي الجديد. فظهر إبراهيمُ مرةً أخرى على الصَّفحات الأولى للأخبار.[3] وجادل شيخُ الأزهر أنَّ الإبراهيمية أو الدّين الإبراهيمي الجديد يُنادي باجتماع النَّاس على دينٍ واحدٍ وهذا أمرٌ مستحيلٌ، فاحترام عقائد الدّين الآخر لا يعني الموافقة عليها. ويعتقد سعيدُ الخولي، أحد الصَّحفيين المصريين، أنَّ الإبراهيمية بجناحيها الدّيني والسّياسي هي الطَّريقُ إلى تحقيق حُلم إسرائيلَ الكُبـرى.[4] وهكذا تطور النّقاش المتعلق بالإبراهيمية بين نقاشٍ سياسي حول التَّطبيع مع إسرائيل ونقاشٍ ديني حول علاقة المسيحية واليهودية والإسلام مع بعضهما بعضا. وتكرّر اسمُ إبراهيم في الجرائد وفي أروقة ودهاليز السّياسيين وفي المساجد والكنائس والكُنس والمؤتمرات الدينية. وفي ضوء هذا الأمر وأهمية إبراهيم في الإيمان المسيح نريد أن نُبـرز بإيجاز مكانة ودور إبراهيم.
لا شكّ أن إبراهيم شخصية مهمة في الكتاب المقدَّس. يقول وليمسون أنَّ إبراهيم هو واحد من أهمّ الأشخاص في أسفار موسى الخمسة وهو نموذجُ الإيمان لجماعة العهد.[5] ويقول جون ولفورد أن قصةَ إبراهيم هي مفتاحُ فهم العهد القديم بأكمله.[6] ويقول عالمٌ لاهوتي آخر أن تفسيرنا لقصة إبراهيم يحدد منظورنا اللاهوتي.[7] ولكن للأسف، يعتقد الكثيـرون أن قصة إبراهيم تبدأ في تكوين 12 فيفصلوها عن بداية سفر التكوين. ويعزلها البعضُ الآخر عن ارتباطها بالمسيح. ولهذا سندرس النَّص بطريقة مختلفة وسنبرز ثلاث نقاط وهي: خلفيات ضرورية، متطلبات عهدوية، ونظرة مستقبلية.
خلفيات ضرورية
يجب أن نبدأ قراءة القصة من بدايتها.[8] وتبدأ قصة الله مع إبراهيم في الإصحاح الأول من سفر التَّكوين. الله هو خالقُ الكون وهو الَّذي خلق الإنسانَ على صورته وكمثاله وباركه وأوكله أن يعتني بخليقته. ووضع الرَّبُ الإله آدمَ وحواءَ في جنة عدن وهناك بدأت قصة السُّقوط والتهاوي وابتعاد البشرية عن الله. وتسود هذه القصة على القسم الأول من سفر التكوين (تكوين 1 – 11). لقد فشل آدم وحواء في طاعة الرب فداس العارُ والذَّنبُ والموتُ واللعنةُ على رقاب البشر (تكوين 3). وطردهما الله من جنة عدن. وفشل الإنسان في علاقته مع الله وفي زواجه. ثم نشأ الجيل الثاني من البشر. فقتل الأخ أخاه. وذبح قايينُ هابيلَ (تكوين 4). ثم خرج من لدن الرب (تك 4: 16). واستمر تهاوي البشر فاتّخذ لامك لنفسه امرأتين ناقضاً وصية الله وناشراً العنف إذ قتل رجلاً وشدخ فتىً. وانتشر الاستبدادُ والطُغيان وكثُـرَ الشَّرُ مع تكاثر البشر. فجاء الطُّوفانُ ليعلن نهايةَ البشر (تك 6: 13). لكنَّ الرب بنعمته أبقى نوحَ وعائلته. وتعاهد اللهُ مع نوحَ. ورغم دمار البشرية لم تتدمر الخطيةُ. فسكر نوحُ وتعرّى داخل خبائه وأبصرَ حامُ أبو كنعان عورةَ أبيه فلعنه أبوه وباركَ أخاه سام. وجاء نمرودُ من نسل حام الذي لُعن وبنى مملكةً في أرضِ شنعارَ. وهناك اجتمع البشرُ أثناء ارتحالهم شرقا (تك 3: 24، 4: 16، 11: 2) وابتعادهم عن الرب ولدنه. وبنوا برجَ بابل في أرضِ شنعارَ لئلا يتبددوا على وجه كل الأرض. لكن الرَّب بددهم فكفوا عن بنيان مدينة الشَّر.
في ضوء هذه القصة من الضروري التأكيد على ما يلي: (1) علاقة البشر مع الله غيـر جيدة. فهناك نزاع بينهما. (2) علاقة البشر مع بعضهم بعضا غيـر جيدة بسبب العنف العائلي والطُغيان المجتمعي وسيادة الشر على الفكر البشري وتحدي الله علناً. (3) وبسبب العلاقة السيئة والمنكسرة دخل الموت واللعنة على البشرية. حوّلَ الموتُ عدن إلى تاريخ لن يعود. فلقد دخل الموت الجسدي فنـرى مقبـرة البشرية في الإصحاح الخامس حيث يموت الجميع. ودخل الموتُ الأخلاقي فنـرى انتشار القتل والطُغيان والظلم. ودخل الموت الروحي فانفصل الإنسان عن مصدر الحياة وابتعد عن لدن الرب. ودخل الموت الأبدي فصار الإنسان تحت الدّينونة. واستشرى الفسادُ وأُعلن غضب الله على فجور الناس. وإن شئنا أن نُلّخص مشاكل البشرية نستطيع أن نوجزها بأمرين: اللعنة والموت. الأمر الأول هو اللعنةُ الـتي دخلت من خلال عصيان الإنسان إلى الأرض وإلى الطبيعة، وتفاقمت اللعنةُ بالعنف والطُغيان وفساد أهل شنعار. والأمر الثاني هو الموت بكل أشكاله. وحرم الموتُ الإنسانَ من اختبار ملء الحياة. وبركة الله هي منبع الحياة.
لا شكَّ أن الخالق له كامل الحق أن يحاسب البشر على شر أفعالهم. في ذات الوقت هذا الخالق هو محب البشر وكلي الحكمة والمعرفة والقدرة. هو صانع المعجزات وسيد البركات. لم يتـرك البشر دون رجاء أو دعوة للتوبة وللرجوع إليه. ولقد أنبأنا بمجيء طفل سيسحق رأس الحية (تك 3: 15).[9] أهو هابيل أم قايين أم شيث أم هو أحد الأحفاد، ربما متوشالح أو نوح؟ ووجد نوح نعمة في عيني الرب فأمره أن يبني فُلكا فلا ينقرض البشر. والآن سيعالج الله كل مشاكل البشرية من حروب نووية وقتل وسفك دماء وطلاق وظلم جندري واستبداد دولي ومشاكل الكورونا والأمراض واللعنات والآفات الزراعية عن طريق اختيار إبراهيم. فهل هذا معقول؟ بعد أن تحدثنا عن الخلفيات الضرورية آن الأوان أن نتأمل في النقطة الثانية وهي متطلبات عهدوية.
متطلبات عهدوية
نستطيع تفسير معنى “عهد” بأكثر من طريقة. يجادل Burger أن مفهوم العهد في الكتاب المقدس قد يشمل ما يلي: الالتـزام، الاتفاق، الوعد، الميثاق، الإعلان، أو الاتحاد.[10] وليس العهد هو بالضرورة ميلاد علاقة جديدة بل قد يولد كتشكيل لعلاقة قائمة. وقد يأتي العهد ليُجدد أو يُعمّق عهداً سبقه وليس بالضرورة ليكون بداية العلاقة. فقد نفسر الكلمة من ناحية تاريخية. ويتحدث الكتاب المقدس عن قطع العهود بين الملوك والرؤساء أو الشعوب. فمثلا، قطع يشوع عهداً مع الجبعونيين (يش 9: 15 – 16). وقطع الأصدقاء داود ويوناثان عهداً (1 صم 18: 3). وطلب موسى من يشوع ألا يقطع عهدا مع آلهة الشعوب الوثنية في أرض كنعان (خر 23: 32). ووصف الكتاب المقدس علاقة الزواج بعلاقة عهد (ملا 2: 14). وهكذا نجد أن العهد مفهوم واسع يصف التوقعات من العلاقة ويشمل المسؤوليات والالتزامات والخيارات.
ويتطور الحديث عن العهد الإبراهيمي في أربع محطات تظهر في تكوين 12، 15، 17، و22. ومهما يكن فهمنا للعهد الإبراهيمي يجب ألا نتجاهل سياق الإصحاحات 1 – 11. فإبراهيم هو جواب الله لمشكلتين كبيـرتين وهما الموت واللعنة. ويكمن الجوابُ بكلمتين: البركة والنسل. البركة الإلهية هي نبع الحياة والترياق المطلوب لمرض الموت. وطريق وصول هذه البركة هو بالنسل. فمنذ حديث الله مع الحية انتظر الراجون مجيء الطفل الذي يسحق رأس الحية. ولهذا نرى أن حساب عمر الإنسان لم يرتبط بعدد السَّنين التي عاشها فحسب بل ارتبط أيضا بالجيل الذي ولد فيه ابنه البكر كما هو الحال في الإصحاح الخامس من سفر التكوين.
على أي حال، من الضروري النَّظر إلى حديث الله مع إبراهيم في تكوين 12. لقد طلب الله من إبراهيم أن يترك ما يربطه بالخلفية والثقافة الوثنية التي عاش فيها. يقول الكتاب المقدس على لسان يشوع: “هكذا قال الرب إله إسرائيل: آباؤكم سكنوا في عبـر النهر منذ الدهر. تارح أبو إبراهيم وأبو ناحور، وعبدوا آلهة أخرى” (يش 24: 2). طلب الله من إبراهيم أن يتـرك أرضه وعشيرته وبيت أبيه. وبهذا يتـرك إبراهيم مصدر الأمان ويتخلى عن التقليد والعلاقات ويتخلى عن كل ما مألوف ليصبح غريبا مغامرا رائداً في سبيل ملكوت الله. كانت الخطوة الأولى والطلب الإلهي الأول هو ترك بيت الوثنية وشعبها. فمن لا يتـرك من أجل الله لن يستطيع أن يجد الله. وإن كانت عينك تعثـرك فأقلعها. وهل من الممكن أن يكون الوطن والثقافة عثـرة في طاعة الله. إن كانت ثقافة الوطن تروّج الكراهية وعدم الغفران والإقصائية والدولة الدينية أو الإبراهيمية فعندئذ يكون الجواب إيجابيا. اترك ما يعيق تقدمك نحو مشيئة الله. ولا ضير من حب الوطن بل هذه هي مشيئة الله. وليس السؤال هو أنحب الوطن أم لا بل أي نوع من الحب! فليس الحب مقدسا عندما يتناقض مع حق الله ووصيته.
وعندما يطيع الإنسان الله يباركه الله. ومن يباركه الله هو الذي يستطيع أن يكون بركة. إن العلاقة العهدوية تشمل طاعة الرب وطلب بركته. وفي ضوء بركة الرب وطاعته يتحول الإنسان إلى قناة للبركة. وهذا يقودني إلى الأمر الثاني في حديث الله مع إبراهيم. للأسف لم تقدم الترجمات العربية أفضل ترجمة للنص الموجود في تكوين 12: 2. فبدلا من القول “وتكون بركة” كان من الأدق أن نقول “كن بركة”.[11] والبركة هي كلمة كتابية مدلولها مرتبط بانتقال قوة الله ونعمته وحياته وحضوره إلى حياة ودائرة الخليقة. فعندما يبارك الرب يتحقق الخيـر. فيحيا الأموات ويُشفى المريض وينتهي عذاب النفس وتحصل الروح على الغفران. البركة هي قدوم الحياة الإلهية إلى دائرة الموت البشري. ولا نستطيع أن نكون بركة فعلية دون أن يباركنا الله، مصدر كل بركة. لقد فشل العالم في تكوين 1 – 11 وهو في أشد الحاجة إلى بركة الله. دعا الله إبراهيم أن يكون بركةً لكل شعوب العالم. فكيف سيقدر أن يحقق هذا المطلب الإلهي. لم يستطع إبراهيم أن يكون بركة لهاجر التي عاشت في أرض البركة وفي بيت العائلة المباركة. وعانى ابنه إسماعيل بسبب قراراته. وكاد أن يذبح ابنه اسحق لولا تدخل الرب. فكيف يكون إبراهيم بركة. وكيف تصل البركة الإبراهيمية إلى كل شعوب الأرض؟ في ضوء هذه الأمور آن الأوان أن نتحدث عن النظرة المستقبلية.
نظرة مستقبلية
كان الحلم الإلهي أن يختبـر كلُّ شعوب العالم بركة الله من خلال نسل إبراهيم. وهذا هو ذات الحلم الداودي (مزمور 2) والإشعيائي (إشعياء 2) والنبوي. لكن إبراهيم عقيم (تكوين 15) وبعد أن نال طفلاً بمعجزة سماوية يطلب منه الله أن يقدم ابنه ذبيحة (تكوين 22). لا نستطيع أن نفهم قصة إبراهيم دون ربطها مع طفل الرجاء الذي ارتبط به الخلاص منذ آدم وحواء (تك 3: 15). وتظهر قصة إبراهيم في أربع مراحل (تك 12، 15، 17، و22). وموضوع النسل الإبراهيمي المستقبلي هو في مركز هذه الإصحاحات وفي جوهر العلاقة العهدوية. والطفل هو البركة لكل الشعوب (تك 12) ومفتاح الإيمان والبـر الإبراهيمي (تك 15) وعلامة أمانة الله العهدوية (تك 17) وقاهر الأعداء (تك 22: 17). فهذا الطفل يسترد بركة البشرية وعلاقتها مع الله. فكيف سيكون ذلك؟ يحدد النص إن إبراهيم الذي ترك أور الكلدانيين وصل إلى جبل في أرض المُريا (تك 22: 2) وهي نفس الأرض التي بنى عليها سليمان الهيكل (2 أخ 3: 1). ففي هذه الأرض سيُبنى بيت الله وستُقدم الذبائح لتفتح الباب إلى الدخول إلى أقداس الله. فلا عجب أن يزود الله الذبيحة البدلية عن اسحق. هل رأى إبراهيم من خلال هذا الأمر يوم المسيح (يوحنا 8: 56).
هذا الطفل الموعود هو ابن المرأة. إنه ابن الإنسان. ارتبط به كلام الله لآدم وحواء وتعلّق به البشر لخلاص البشرية. وارتبط الطفلُ بالعهد مع نوح لأن الإنسان مؤتمنٌ على الخليقة وهو سيد الخليقة الجديدة. وارتبط الطفل مع البركة فمن خلاله ستتبارك جميع قبائل الأرض. وارتبط لاحقاً مع الشريعة إذ قال عنه موسى أنّ الله سيقيم لبني إسرائيل نبياً مثله ويجب أن يسمعوا له (تث 18: 18). هو الذي يقدم كلمة الله. وتوضحت الصورة فيما بعد عندما عرفنا أن طفل الرجاء سيكون من نسل داود وهو الملك الذي سيحكم المملكة الداودية وينشر العدل والسلام. وأثناء السبي تعلمنا أن طفل الرجاء هو الشخص الذي قيل عنه: يولد لنا ولد وتكون الرئاسة على كتفه ويُدعى مشيرا عجيبا إلها قديرا (أش 9: 6). هو الطفل الذي سينهي سبي إسرائيل بل سبي البشرية فيقيم مملكة العدل والمحبة والسلام.
والآن وبعد مجيء العهد الجديد أعلن الرسل أن هذا الطفل هو يسوع المسيح وأن مملكة الله قد بزغ فجرها. ونحن اليوم أهل البركة الإبراهيمية. نحن اليوم نسل إبراهيم (غل 3: 29). فكن بركة لأن الله باركك. كن بركة لكل من حولك ولكل الشعوب. لقد امتدت البركة الإبراهيمية إلى كل الحدود فتجاوزت الحدود الجغرافية وامتدت إلى كل الشعوب فتجاوزت الحدود العرقية. وتجاوزت الحدود الجندرية إذ لا رجل ولا امرأة بل جميعنا واحد في المسيح. ورأينا هذا البركة في شخص ربنا يسوع المسيح عندما كلّم السامرية وعندما شفى الأبرص وعندما تحدى الفريسية وعندما نشر المحبة والسلام. كان نوراً زمن الظلام. وجسّد المحبة زمن الكراهية. كان الملجأ زمن القسوة. وهو الحضن الدافئ رغم برودة القلوب.
إن رجاء البشرية مرتبط بطفل الرجاء. لقد جاء نسل إبراهيم لكن مجيئه متعدد الأوجه. فقد جاء طفلا في التاريخ وجاء لبطرس ليسترده بالتوبة وجاء لتوما ليقعنه بالحق وجاء ليقرع على باب كنيسة لاودكية ليتعاهد مع كل من يسمعه. جاء اليوم ليباركك ويخلصك ويملأك بالعزم والقداسة والتصميم أن تنضج وأن تحب وأن تضحي وأن تستعد لموسم ميلادي بالعطاء والقداسة والمودة والتوبة والتـرنيم. فتحب وتغفر وتعطي وتخدم وتفعل كل هذا في سبيل تعظيم ربنا يسوع المسيح. له كل المجد.
[1] إن مدلول خليل الله في النص العبري القديم هو المحبوب من الله أو الشخص الذي يحبه الله.
[2]ويكيبديا، “اتفاقيات إبراهيم،” موجود على الرابط التالي: shorturl.at/rxBI5.
For further information see Yohanna Katanacho, The Land of Christ: A Palestinian Cry (Bethlehem: Bethlehem Bible College, 2012), 39-57. See also Yohanna Katanacho, “Introduction to the Church of the Arabs.” Pages 100-113 in The Many Faces of Global Pentecostalism. Edited by Harold Hunter and Neil Ormerod. CPT Press: Cleveland, 2013.
[3]محمد عبد الله، “دفاعا عن الدين أم رفضا للتطبيع . . . لماذا هاجم شيخ الأزهر “الإبراهيمية”؟،” جريدة الجزيرة في 9/11/2021. انتزنت: shorturl.at/jGHL4.
[4] راجع أيضا سعيد الخولي، “إنهم يدعون لدين جديد،” جريدة أخبار اليوم في 21 / 9 / 2021. انترنت: shorturl.at/istGW.
[5]P. R. Williamson, “Abraham,” Dictionary of the Old Testament Pentateuch: 8.
[6]JohnF. Walvoord, The Millennial Kingdom (Grand Rapids: Dunham, 1959) 139.
[7]Keith Essex, “The Abrahamic Covenant,” The Master’s Seminary Journal 10 (1999): 191-212, 192.
[8]I am assuming that the Bible is a coherent metanarrative. For further discussion see J.M. Burger, “The Story of God’s Covenants,” Calvin Theological Journal 54 (2019): 267-299.
[9]For further study about the Proto Evangelium see Jared August, “The Messianic Hope of Genesis: The Protoevangelium and Patriarchal Promises,” Themelios 42 (2017): 46-62.
[10]Burger 273. See also Gordon McConville, “ברית,” New International Dictionary of the Old Testament Theology and Exegesis 1: 746-755.
[11] حنا كتناشو، أرض المسيح: صرخة فلسطينية (بيت لحم: كلية بيت للكتاب المقدس، 2016)، 67.
اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
سعدت بزيارة كريمة من قيادات دار الكتاب المقدس، وسر سعادتي بالزيارة هو السبب من ورائها، ألا وهو إهدائي نسخة من الإصدار الجديد للدار: “الكتاب المقدس بالخلفيات التوضيحية”. وبمجرد نظرة أولية يمكن لأي شخص أن يدرك كم العناء والجهد اللذين بذلا في هذا العمل الضخم، والمتميز، والذي لا مثيل له في المكتبة العربية.
إلا أن النظرة الأدق أدركت أن الكتاب لم يتطرق إلى التفسير؛ أي أنه تُرك التفسير للكنائس. فالكتاب اهتم باللغات الأصلية التي كُتب بها العهدين القديم والجديد، ويشرح كيف تعامل ڨاندايك كمترجم مع هذه اللغات الأصلية، مؤكدا أن الكتاب المقدس كتاب الكنيسة المصرية بكل طوائفها ومذاهبها.
بجانب هذا فإن الخلفيات التوضيحية التي وردت في الكتاب، تغطى العديد من المجالات الهامة لفهم الكتاب المقدس، لذا اهتم الكتاب بالخلفيات اللغوية، والتاريخية، والجغرافية، والقانونية، والدينية، والاجتماعية، والسياسية، والكتابية، وغيرها.
وحول المدة التي أستغرقها الكتاب المقدس فأن العهد الجديد استغرق 7 سنوات والعهد القديم استغرق 14 عامًا، مما يعنى الكتاب المقدس بالخلفيات التوضيحية استغرق حوالي 21 عامًا.
وقال صديقي الشيخ يوسف ناثان رئيس قسم الأبحاث والدراسات الكتابية في دار الكتاب المقدس وهو الشخص الذي كان على عاتقه هذا المشروع الضخم، إن أهم ما يميز الكتاب المقدس بالخلفيات التوضيحية، إنه أول كتاب مقدس دراسي مصري أي أنه غير مترجم، كما أنه أول كتاب دراسي مبنى على ترجمة ڨاندايك، موضحًا أن مهمة دار الكتاب المقدس طباعة وتوزيع الكتاب بمختلف الأشكال والأحجام لمختلف الأعمار والكنائس.
أن هذا العمل هو ثمرة تعاون جاد من فريق عمل كبير، وإن الكتاب يتناول بالدراسة والبحث الخلفيات التاريخية واللغوية واللاهوتية والجغرافية، وغيرها، بهدف إعداد دراسة شاملة عن الكتاب المقدس، مما يساعد الباحثين والقراء على قراءة الكتاب المقدس وتفسيره”.
وأنا من جهتي أؤكد أننا نفتخر بهذا العمل الدراسي العظيم، ونثمن الجهود الكبيرة التي تقوم بها دار الكتاب المقدس في إثراء المكتبة العربية بمثل هذه الإصدارات القيمة، كما أننا نقدر الدور الهام الذي قام به الشيخ يوسف ناثان والعمل الجاد لعدة سنوات لإصدار هذا العمل التاريخي المتميز. ونصلي أن تستمر هذه المسيرة في نشر كلمة الله والعمل على إصدار كل ما يتعلق بدراستها، من أجل زيادة الوعي بالكتاب المقدس ودراسته”. وانا اعتبر هذا العمل العظيم مرجعا لى فهو بمثابة معونه كبيرة في فهم كلمة الله
ولا أريد أن أنسى أيضًا جهود كانت السبب بشكل غير مباشر في خروج هذا المرجع الضخم والهام للنور، إنها جهود مدير دار الكتاب المقدس السابق الفاضل أ. رامز عطالله، ومدير الدار الحالي أ. أمير إلهامي.
أصلي أن يكون هذا المرجع الضخم سبب نهضة للكنيسة العربية وليس المصرية فقط. وأثق أن الله ساهر على كلمته ليجريها.
اسم الكاتب: دينا صبحي
مقدمة:
تتناول معظم التفسيرات الكثير عن مريم العذراء لتميز دعوتها من الله، فلقد اختارها الله من دون نساء البشر لتكون والدة المسيا، وكان حملها مُعجزي بواسطة الروح القدس مع أنها كانت مخطوبة ولم تعرف رجلًا. يُعطي الكتاب المقدس مكانة كبيرة لها وسرد لآلام محبتها والسيف الذي جاز نفسها وهي تنظر آلام الصليب. ولكن من النادر والقليل ان نقرأ عن شخصية أليصابات وهذا بسبب قلة ما ذكر عنها وعن مواقفها مع زكريا النبي ومريم العذراء. لكن الوحي المقدس لا يذكر تلك الشخصيات دون ان يكون له غرض من ذلك. شخصية أليصابات تبعث بالكثير من الدروس والعِبَر التي نحتاجها اليوم في مسيرنا مع الرب وفي الطريقة التي نفكر بها نحو الكثير من الأمور. ولكن قبل أن نقترب إلى شخصية أليصابات دعونا نتأمل في القصة التالية أولًا.
زيارة ملكية
في يوم من الأيام، ذاع خبر أن أحد ملوك دولة شهيرة قد زار حيًّا فقيرًا. وفور إعلان ذلك الخبر بدأت الجموع هناك بالاستعداد للقاء ذلك الملك. تأكد الجميع من موعد وصول تلك الشخصية المرموقة وتم توزيع الأدوار للترحيب بها. وأخيرًا جاء ذلك اليوم المنشود وتهافت الجمع للقائه، كان ذلك اليوم مبهجًا بحق ومليئًا بالفعاليات والأحداث وغدا الكل سعيدًا. بعد مرور ذلك اليوم المزدحم والمليء بالأحداث كانت ردود الفعل صادمة، كان من المتوقع ان يكون موضوع حديث الناس هو شخصية الملك، الذي قاله، الذي فعله … الخ. لكن كانت كل الأحاديث والحوارات تدور حول أهل ذلك الحي نفسهم، كانوا يتجادلون ويتنافسون فيما بينهم: من الذي كان له الدور الأكبر في الترحيب بالضيف، من الذي استطاع ان يتحدث معه، ومن الذي استطاع أن يحصل منه على توقيع الخ. وأدى ذلك الى شجار عنيف واختفى ذكر الملك وعلى صوت الضجيج والاعتراك. ومن هنا كان شهود العيان هم محور الحدث، يتسابقون ويتهافتون لإثبات من فيهم الأعظم والأحق بالتقدير والتصفيق.
قام الله أيضًا بزيارة إلهية مقدسة لقلب امرأتين، بمقاييس العالم هم أفقر الفقراء. كانت مريم فتاة بسيطة مخطوبة ليوسف النجار وزارها الملاك حاملًا لها بشارة عظيمة أنها ستكون والدة المسيح ابن الله ومخلص العالم. أما أليصابات كانت امرأةً عجوزًا وعاقرًا تتلقى هي الأخرى دعوة من الله أنها ستكون أم يوحنا المعمدان الذي سيُمهد الطريق أمام مخلص العالم في وقت متزامن لدعوة مريم. ولكن هل تأخذ هذه القصة نفس مسار القصة السابقة ونفس نهايتها؟
أيهما أفضل؟
نرى في المشهد امرأتين تمت دعوتهما من قِبَل الرب لعمل محدد في قصة الخلاص العظمى، ودعوتهما تشترك في قصة ميلاد الرب يسوع. هما لم يكنَّ شهود عيان فقط لكنهما كانتا شركاء مع الله في الحدث العظيم ألا وهو المسيح وتجسده في أرضنا. هذا الحدث العظيم الذي اشتاق أي شخص أن ينتسب إليه، وأن يكون له أي دور فيه. فإذا اقتربنا الى أليصابات، نرى أنه بالرغم من أنها كانت ابنة وزوجة كاهن، وكانت معروفة ببرّها وتقواها إلا أنها مع الأسف كانت تشعر بالعار والخزي لعدم إنجابها حتى أصبحت عجوزًا وعاقرًا، خاصةً أن إحدى وظائف المرأة اليهودية الأساسية في هذا الوقت كانت إنجاب الأولاد، وكانت بمثابة علامة البركة من الرب. فبعد نوال أليصابات هذا الموعد العظيم كان لابد ان اسأل نفسي: ألم تنظر أليصابات أبدًا بعين الغيرة لمريم ولو للحظة واحدة؟ الم تفكر بداخلها وتقارن دعوتها بدعوة قريبتها الصغيرة بالعمر؟ ألم يراودها ذلك التساؤل: أي دعوة هي الأعلى قيمة؟ دعوة مريم والدة المخلص شخصيًا أم دعوة أليصابات والدة شخص آخر ينادي بعظمة المخلص ويخدمه، وهدف حياته الوحيد هو إنكار نفسه، والمناداة بأن المسيح يجب أن يزيد وأنه هو ينبغي أن ينقص؟ من الطبيعي ان تشعر كل أم بالفخر بذريتها وكلما ارتفعت الذرية بالقامة، زاد فخر الأم وقيمتها في عين نفسها وعين الآخرين. يضرب لنا الكتاب المقدس مثالًا قويًا بأن القصة يمكن ان تأخذ منحى آخر عندما يكون الله هو سيد المشهد وسيد القلوب.
تواضع أليصابات المُتفرِد
يذكر لنا الوحي رد فعل أليصابات الذي يخالف كل التوقعات البشرية. كانت أليصابات نقية في دوافعها، مليئة بالابتهاج والامتنان لعمل الله من خلالها ومن خلال مريم: فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أليصابات. «فَلَمَّا سَمِعَتْ أليصابات سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أليصابات مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ».
هل لنا أن نتخيل فارق السن بين أليصابات ومريم؟ هل لنا أن نتخيل أن أليصابات، كونها ابنة كاهن وزوجة كاهن تقي، وحياة تقواها ونذرها للرب طوال أيام عمرها كانت تجعلها ربما في عين نفسها أحق بدعوة مريم؟ لكن رد فعل أليصابات كان مليئًا بالتواضع، تقول لمريم بكل تواضع وخشوع إنها مُباركة بين النساء، كانت خاضعة ومُسَّلِمة بدعوة الله ومشيئته. قَبِلَت الدعوة لأن المحور لم يكن حول دورها أو مكانتها بين النساء ولكن كان المحور هو الله نفسه. كانت أليصابات تقبل من يد الرب بطاعة كاملة ما عيَّنه الله لها ودعاها إليه. لم تفكر في لحظة أن الله وضعها في مرتبة أقل أو أنه بخس حقها أو لم يعطها التقدير اللائق كما أعطى لقريبتها مريم. بل على العكس كانت تشعر بفيض نعمة الله وعطيته الغنية لها.
من السهل جدًا أن ننخدع من قلوبنا حين ننظر الى الدعوة التي اعطانا الله إياها، فنبدأ في تقييم الدعوة ومقارنتها بدعوة شخص آخر. ويحدث هذا كثيرًا في مجال الخدمة وخاصة إذا كانت دعوة الله غير منظورة ولا يُلقى عليها الضوء كدعوة شخص آخر. وهنا تأتي غواية إبليس، نبدأ في الشك، ونَصغُر في عين أنفسنا ونسعى أن نشابه من حولنا، وأحيانًا نُشَتِت أنفُسنا ونُضيع من وقتنا في محاولتنا أن نكون شخصًا آخر غير ما دعانا الله ان نكونه. فتصير الدعوة أهم من صاحب الدعوة، وتصير قيمة الشخص فيما يفعله وليست فيمن يفعله لأجله. ولأجل ذلك أحيانًا نرى التنافس والغيرة، الحسد، التحزب، والشقاق داخل أسوار الكنيسة وفي حقل الخدمة.
أليصابات المُلهِمة
في الحقيقة إن نظرنا بالتدقيق لقصة أليصابات نرى أن دورها ليس قليلًا أو مهمَّشًا، بل على العكس تمامًا! فبالإضافة لكونها أم يوحنا، فلقد ميَّزَها الله وأعطاها عطية العطايا، عطية الامتلاء من الروح القدس! نرى أنه مكتوب عنها أنها امتلأت بالروح القدس وأنها أول من أعلنت بصوت نبوي عن المسيح أنه رب! فصرخت بابتهاج “من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي؟” فبينما كان زوجها زكريا في فترة من الصمت بعد ما انتابه الخوف، نالت زوجته صوتًا نبويًا قامت من خلاله بتأييد دعوة مريم وتشجيعها. نرى أيضًا علاقة صداقة وأُلفة جميلة بين مريم وأليصابات. فحالما علمت مريم أن أليصابات أيضًا حُبلى بيوحنا ذهبت سريعًا للقائها في اتضاع عظيم من ناحيتها هي أيضًا ومكثت معها ثلاثة أشهر. ونلاحظ كيف عظّمت مريم الله وابتهجت به، واستقبلت إعلان الله لها بأن جميع الأجيال سُتطُوِبها وكلمات الحكمة والاعلان التي نطقت بها في ترنيمتها الشهيرة: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ». والتي نطقت بها جميعا بعد امتلاء أليصابات المُتضِعة من الروح القدس، وإعلانها لربوبية المسيح بصوت نبوي والتي فيها تؤيد وتؤكد دعوة مريم العظمى.
وأنا أظن ان الملاك ربما قد أخبر مريم عن خبر حمل أليصابات لعلمِهِ باحتياج مريم كشابة صغيرة لصديقة تقيَّة وحكيمة، تستطيع أن تفهم دعوتها وتؤيدها. الحقيقة هي أن أليصابات قامت بدورِ نبويِ عظيم مع مريم، فها مريم تركض للقاء أليصابات بعد أن استقبلت الخبر من الملاك، الخبر الذي يستحيل تصديقه والذي يهدد سمعتها كفتاة لم تتزوج بعد. وأتوقع أن مريم بالرغم من إيمانها الحقيقي واتكالها على الرب، كانت في احتياج حقيقي للاحتواء والتشجيع. كان صوت الروح القدس من خلال أليصابات هو المسدد العظيم لاحتياج مريم في هذا الوقت الفارق في رحلة إيمانها مع الرب. وكم نحتاج نحن أيضًا إلى ذلك الصوت الداعم لنا في مسيرنا مع الهنا. فهو يتكلم لنا ايضًا من خلال شركة المؤمنين الحقيقية الداعمة، فلا يستطيع المؤمن أن يسير بمفرده في رحلة الحياة دون أن يحتاج للجسد الذي رأسه المسيح. حقًا، ما أعظمها هي البركات التي ذخَّرها الله لنا في شركتنا معًا كمؤمنين.
فجر جديد
إذن نحن نرى أن شهود العيان لميلاد المخلص لم يكونوا فقط شهود للحدث ولكنهم كانوا شركاء مع الله في قصة خلاص الانسان. رجاء الميلاد الذي لم يغير العالم فقط، بل غير حياة كل من عاين هذا الحدث بشكل شخصي. فمُعاينة تلك الشخصيات للمسيح أنارت لهم الحياة وأشبعت لهم عمق الاحتياج. هذا هو الرب يسوع! لا يمكن أن نتقابل معه ونخرج كما كنَّا. فعنده الخير، الشبع، الفرح الحقيقي، والحياة بأكملها. فحتى وهو جنين في بطن أمه كان يُشرِق بنوره ورحمته وفيض عطاياه لكل من اشترك في قصته. نشكرك أيها الرب يسوع لأن ميلادك هو ميلاد الأمل والفجر الجديد ليس فقط لأليصابات أو لمريم، بل لكل من تمسك بك واتخذك مخلصًا، ملكًا، وربًا لحياته. آمين.
اسم الكاتب : ق. حمدى سعد
“وكان كل شيء حسنًا جدًا”. يمكن أن تكون هذه الكلمات عنوانًا لافتتاحية سفر التكوين (تك 1، 2). ولا يسعنا ونحن نتطلع إلى الخليقة بعد اليوم السادس، إلا وتفيض قلوبنا بقول المرنم: “ما أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ” (مز 104: 24). فخليقة الله البكر، بجمالها وروعتها ودقتها، قبل أن تتأثر بعوامل التعرية، أو تلوث البيئة المحيطة، أو يلوثها الإنسان بيديه – كما يحدث الآن – فلم يكن للتلوث والنجاسة والشر والفساد مكان بعد.
وتزداد الصورة جمالًا بالنسبة للإنسان تاج الخليقة، وهو يمارس سلطانه المعُطى له من الله: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ» (تك 1: 28). لقد خلق آدم على صورة الله، في البر والمعرفة والقداسة، وكانت الخليقة خاضعة له، إنه السيد والملك.
وأجمل ما في الصورة التواصل الدائم بين الله الخالق المحب مع آدم وحواء. ترى هذا التواصل وهذه الشركة، عندما يقول الله لهم: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ” (تك 1: 28)، ومرة أخرى يخاطبهم «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل» (تك 1: 29). ثم يوصيه الرب قائلًا: “«مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا…” (تك 2: 16). ويتدخل الرب بنفسه لكي لا يظل آدم وحيدًا، فيصنع له حواء (تك 2: 18)، ويعينه الرب في ممارسة سلطانه على الخليقة، فيُحضر له كل حيوانات البرية ليدعوها بأسماء (2: 19). وتصل الشركة إلى الحد الذي فيه يستطيع آدم وحواء تمييز صوت الرب بدون رؤيته (تك 3: 8).
وهكذا كان كل شيء حسنًا، حتى دخل الله في علاقة عهد مع آدم: “وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ» (تك 2: 16، 17). هذه الكلمات، دعاها البعض عهد الخليقة، عهد الأعمال، العهد مع آدم، وأخيرًا عهد الحياة، باعتبار أن الوعد بالحياة كان مُقدمًا لآدم في حالة طاعته لوصية الله. فإذا كان كسر الوصية يؤدي إلى الموت، فهذا يعني أن حفظها يقود إلى الحياة الممتلئة ببركات جديدة. وأرجو أن نلاحظ أن الرب قبل أن يأمره أن لا يأكل من “شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ”، قال له: “مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا”. لقد وفر الله لآدم كل ما يحتاجه للحياة في جنة عدن، الماء والأكل والعمل والزوجة والسلطان على الخلائق الأخرى. لم يكن الأمر إلا اختبارًا لطاعة آدم، وهل يكتفي بالخيرات الكثيرة التي أعطاه الرب إياها؟ أم يحتقرها ويشتهي الشجرة الوحيدة المحرمة؟
السقوط
اشتهى آدم وحواء الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وأكلا فعلًا منها. ومن هنا حدثت تغيرات كثيرة، فلم يعد “كل شيء حسنًا” كما كان، بل تحول كل شيء إلى الأسوأ، علاقتهما معًا، وعلاقتهما بالخليقة، وعلاقتهما مع الله، والذي كان لا بد أن ينفذ وعيده بالموت، ليس فقط الجسدي، بل الموت الروحي المفاجئ، أي الانفصال عن الله، والصورة التي خُلق عليها الإنسان تشوهت. كنا نتوقع أن يعيش آدم ومعه حواء، وهما على صورة الله، تحت سيادة الله وسلطانه، ويرفضا دعوة الحية للأكل من الشجرة. كنا نتوقع أن يخضعا بالكامل لربوبية الله على أفكارهما واختياراتهما، ولكن لم يحدث. نعم سقط آدم من الجولة الأولى، وكان سقوطه عظيمًا. بسقوطه كنائب عن البشر، سقط معه كل الجنس البشري، وفقد آدم كل الامتيازات التي كانت له. فقد شركته مع الله ومع زوجته، ووجه الاتهام لهما معًا: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ» (تك 3: 12).
ولم تكن سقطة آدم فقط أنه أكل من الشجرة المنهي عنها، بل أكثر من هذا بكثير. عبر عن ذلك الرسول بولس ودعاها: ” تَعَدِّي… خَطِيَّةِ… مَعْصِيَةِ” (رو 5: 14، 17، 19). وكانت النتيجة المرة، الموت والدينونة. ولهذا قال هوشع النبي: “وَلكِنَّهُمْ كَآدَمَ تَعَدَّوْا الْعَهْدَ. هُنَاكَ غَدَرُوا بِي” (هو 6: 7). وبهذا كان آدم هو الإنسان الواحد الذي به “دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ” (رو 5: 12). لقد أصبح كل كيان الإنسان – جسدًا و نفسًا و روحًا – فاسدًا، وليس الإنسان وحده، بل كل الخليقة والتي “أُخْضِعَتِ لِلْبُطْلِ و الْفَسَادِ”، وصارت “تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا” (رو 8: 20، 21). ولعل أقرب الأدلة لهذه النتائج، ما حدث في الأصحاح التالي لأصحاح السقوط (تك 3)، حيث قام قايين على هابيل أخيه وقتله (تك 4). ثم في (تك 5) ما عُرف بكتاب مواليد آدم، ولكنه في الحقيقة هو سجل أموات وليس أحياء. وبرغم السنين الطويلة التي عاشوها، لكن حياة هؤلاء الأباء التسعة (باستثناء أخنوخ)، انتهت بالموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس. وبعد ذلك تبدأ أيام نوح، وفي أيامه: “َرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ” (تك 6: 5).
فما هو الحل؟ وكيف الخروج من هذه الأزمة الرهيبة؟
الوعد الأول للإنجيل
من المراحم الإلهية بعد السقوط، أن الله لم يكتفِ بالتعامل مع آدم وحواء وحاضرهما، لكنه نظر لنا شيئًا أفضل. فمن رحم قصة السقوط المؤلمة، يأتي الإعلان النبوي والوعد المبارك: ” وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ»” (تك 3: 15). ومن ذلك الوقت يئن العالم ويتمخض بسبب خطية آدم، ونتائجها الرهيبة في خطاياهم الفعلية اليومية. وفي نفس الوقت يترقب ذلك “النسل”، نسل المرأة، الذي سيسحق رأس الحية. ويبدو أن حواء كانت ترجو أن يكون أول مولود لها هو هذا النسل. فعندما ولدت قايين، قالت: «اقْتَنَيْتُ رَجُلًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ» (تك 4: 1). وربما أمهات كثيرات اشتهين أن يأتي منهن هذا النسل.
وفي الحقيقة، فإن هذا الوعد (تك 3: 15)، لا يتعامل مباشرة مع آدم وحواء، بل مع نسلهما. فإن كان آدم وحواء لا يستحقان رحمة بسبب كسرهما للوصية، لكن نعمة الله أقوى، وفيها نرى نصرة أكيدة من نسل المرأة على الحية ونسلها. وتحقق هذا فعليًا بحسب البرنامج الإلهي: “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غل 4: 4، 5). ففي هذا – في يسوع المسيح – تم القول: وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا” (رو 16: 20). إن السقوط الذي بدأه آدم ومعه حواء، وكلنا سقطنا فيه، وما تبع ذلك من نتائج مرة، كالخطية والموت والدينونة، لم يكن نهاية القصة. فالإله المحب أعد خلاصًا، بل مخلصًا، “لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو 19: 10).
ومن هنا كان تجسد المسيح لأجل حل مشكلة السقوط (تك 3)، وبكلمات أخرى، أخرجنا من الورطة التي أدخلنا فيها آدم. ثم كان التجسد لأجل التعامل مع نسل الحية، إبليس. في هذا قال الرسول يوحنا: “مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ” (1يو 3: 8).
التجسد: آدم الأول وآدم الأخير
اهتم كتاب العهد الجديد –والرسول بولس بصفة خاصة– أن يؤكد على نيابة آدم الأول عن الجنس البشري في السقوط وتوابعه، وكذلك نيابة يسوع المسيح –آدم الأخير– عن المؤمنين به في القيامة، وما سبقها وما لحقها. ونكتفي بالإشارة في هذا إلى نصين:
رو 5: 12-21
ومع أن القرينة لهذا النص هي رسالة الإنجيل، إلا أن الهدف هو الكشف عن جرم آدم الشديد وعصيانه وكيف سقط، وسقط نسله معه إلى العار والبؤس. يتكلم الرسول بولس عن “إِنْسَان وَاحِد….الذي هو آدم” (رو 5: 12، 15، 17، 19)، وعن “خطية واحدة، لهذا الإنسان الواحد (رو 5: 14، 16، 18). فالكلام هنا لا يقدم حياة آدم بصفة عامة، بل عن خطية واحدة محددة، وهي الأكل من الشجرة التي قال عنها الله: “فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا”. على أن تأثير هذه الخطية تخطت آدم إلى كل نسله، “جَمِيعِ النَّاسِ” (رو 5: 12، 18)، “الْكَثِيرُونَ” (رو 5: 15، 19). هذه كانت الأزمة.
أما يسوع، وقد حُسب أنه “ابْنِ آدَمَ” (لو 3: 38)، لكنه ليس “في آدم”، بل هو “الإِنْسَانُ الثَّانِي.. آدَمُ الأَخِيرُ” (1كو 15: 45، 47). وفي رسالة رومية قال الرسول بولس عن آدم أنه “مِثَالُ الآتِي” (رو 5: 14). فكما كان لآدم تأثيره الفعال كنائب عن البشر، أتى إليهم بالخطية والموت، هكذا “الآتِي”، يسوع المسيح، وتأثيره الفعال الإيجابي لكل من يؤمن به، ليحصل على البر والحياة.
ثم إن التنبير في (رو 5: 12-21) بالنسبة لآدم والمسيح، هو على فعلهما والمقارنة بينهما. فما فعله آدم هو “التَعَدِّي” (14)، “الخَطِيَّةَ” (15، 17، 18)، “المَعْصِيَةِ” (19). في المقابل “الطَاعَة” للمسيح (19)، بكل ما تحمل الطاعة من تجسد وألم حتى الموت، موت الصليب. ولم تكن هذه الطاعة ممكنة لآدم ولنسله، لكن آدم الأخير أطاع طاعة كاملة، ولهذا أتى بالحياة لكل شعبه، حيث إن هناك نتائج مباركة لتجسده وموته. ولهذا استخدم الرسول مصطلحات مثل “الْهِبَةُ” (15، 16، 18)، “النِّعْمَة” (15، 16، 17، 20، 21)، “الْعَطِيَّةُ” (17)، وكلها تشير إلى عمل المسيح الكفاري لتحقيق وعد الإنجيل وتبريره للخطاة.
1كو 15: 20-23، 42-49
في هذا الأصحاح الشهير، يرد الرسول بولس على الذين يدَّعون أن ليس قيامة أموات، ويقدم العديد من الأدلة على قيامة المسيح، وبالتالي قيامة المؤمنين. ثم يصل في حديثه عن القيامة إلى المقارنة بين آدم والمسيح. وكان واضحًا في (20-23) أن كليهما يقوم بدور نيابي عن الآخرين. آدم هو “الإِنْسَانُ الأَوَّلُ” (45، 47)، والمسيح هو “آدَمُ الأَخِيرُ، الإِنْسَانُ الثَّانِي” (45، 47).
ولا يقدم آدم في رسالة كورنثوس الأولى باعتبار من بسببه ومن خلاله دخلت الخطية إلى العالم كما في رسالة رومية، بل هو الشخص الذي خلقه الله في حالة الإستقامة والطهارة. ولهذا إقتبس الرسول بولس (تك 2: 17) في (1كو 15: 45) «صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً»، ليشير إليه قبل السقوط. لكنه يعود بعد ذلك ويشير إلى ما إنتقل إلينا من آدم من خطية، وبصفة خاصة فساد وفناء الجسد (44-49). فإن كان آدم الأول نفسًا حية، فآدم الأخير روحًا محييًا. فالاختلاف بين آدم والمسيح، هو اختلاف “الحيواني” (الطبيعي) عن “الروحاني” (44، 46).
والخلاصة أن قيامة المسيح كانت بداية لعصر قادم يحل محل العصر الذي ينتمي إليه آدم، والسمة التي تميز هذا العصر القادم، هي عمل الروح القدس في قيامة المسيح وتمجيده، وهى نفسها القوة التي ستعمل في قيامة المؤمنين، حيث في “جسد الموت” – والذي ينتمي إلى لآدم الأول – “لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ” (1كو 15: 50)، بل من خلال عمل المسيح وقوته، آدم الأخير الذي صار روحًا محييًا، يحصل الإنسان على جسد جديد، ليس كالترابي الذي ينتمي لآدم، بل السماوي الذي ينتمي إلى المسيح.
فالمسيح بتجسده يتيح للإنسان – الذي يؤمن به – الانتقال من آدم الأول إلى آدم الأخير، من عالم الخطية واللعنة والموت، إلى عالم البر والبركة والحياة. وبالتجسد أيضًا يتحرر في القيامة من جسد الموت، ليحصل على جسد جديد، به يشارك المسيح في مجده.
اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح
وصف البشير لوقا حنة النبيَّة بالقول: “وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ، حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ، وَهِيَ مُتَقدِّمَةٌ فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ عَاشَتْ مَعَ زَوْجٍ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ بُكُورِيَّتِهَا. وَهِيَ أَرْمَلَةٌ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، لاَ تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ، عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطَلِبَاتٍ لَيْلاً وَنَهَارًا. فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ” (لوقا 2: 36- 38)
قصة الميلاد بكافة تفاصيلها هي غاية في التكامل والانسجام، وكل جزئية فيها تكمّل الأخرى، وليس في القصة ما يُسَمّى بالصدفة، ولكن كل حدث له معنى ومغزى. نحاول أن نقترب من شخصية حنة النبيّة التي ظهرت في قصة الميلاد، وخاصة في إنجيل لوقا، وسوف نركِّز أربعة مواقف، ونلاحظ أن البشير لوقا في إنجيله يركِّز على ذكر المرأة بصورة طيبة وإيجابية. وحسب إنجيل لوقا نجد نساءً ظهرن في قصة الميلاد بقوة مثل: مريم، إليصابات، حنة النبيّة. بل نجد أيضًا 43 إشارة عن النساء في إنجيل لوقا.
ويقول أحد الدارسين إن لوقا يذكر في إنجيله حوالي 13 امرأة لم تذكر في الأناجيل الأخرى ولعله كأممي يعرف المستوى الوضيع الذي انحدرت إليه المرأة في الوثنيّة. ولذلك فقد أراد أن يذكر كم قدّسها الإنجيل، وقدّسها الرب يسوع فهو يذكر أرملة نايين، والمرأة الخاطئة، واللاتي كن يبكين عليه عند الصليب، وفي قصة الميلاد وقيامته تظهر المرأة في مواقف مجدية (23: 49؛ 23: 50؛ 24: 11). (فهيم عزيز، مدخل العهد الجديد، 279-280). ولعل المتأمل فيما قاله الكتاب المقدّس عن حنة النبيّة نجده في أربعة مواقف:
والدعوة لنا أنْ نتأمل الأربعة جوانب ونحاول تطبيقها في حياتنا المعاصرة، وبالتالي تكون قصة الميلاد ليست حدثًا وانتهى ولكنها قصة تبعث وتُقدِّم لنا المبادئ الروحية في مسيرة الحياة المسيحيّة.
أولاً: حنة النبيّة وقضية المساواة
هي أرملة قارب سنها من المائة عام، قال عنها أحد الدارسين إنَّها كوكب متميز مثلها مثل سمعان الشيخ. ومن أروع الأوصاف التي وصفها بها الكتاب هي “نبيَّة” والنبي في العهد القديم هو من يعلن رسالة الله للبشر. وقد سجَّل الكتاب المقدّس مجموعة من النبيات مثل: مريم “فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ النبيّة أُخْتُ هَارُونَ الدُّفَّ بِيَدِهَا، وَخَرَجَتْ جَمِيعُ النِّسَاءِ وَرَاءَهَا بِدُفُوفٍ وَرَقْصٍ“ (خروج 15: 20)؛ دبورة “وَدَبُورَةُ امْرَأَةٌ نَبِيَّةٌ زَوْجَةُ لَفِيدُوتَ، هِيَ قَاضِيَةُ إِسْرَائِيلَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ” (قض 4: 4)؛ خَلدة: “فَذَهَبَ حِلْقِيَّا الْكَاهِنُ وَأَخِيقَامُ وَعَكْبُورُ وَشَافَانُ وَعَسَايَا إِلَى خَلْدَةَ النبيّة”، (2 مل 22: 14)؛ نوعدية: “اذْكُرْ يَا إِلهِي طُوبِيَّا وَسَنْبَلَّطَ حَسَبَ أَعْمَالِهِمَا هذِهِ، وَنُوعَدْيَةَ النبيّة وَبَاقِيَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُخِيفُونَنِي” (نح 6: 14)؛ زوجة إشعياء: فَاقْتَرَبْتُ إِلَى النبيّة فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا. فَقَالَ لِي الرَّبُّ: ادْعُ اسْمَهُ مَهَيْرَ شَلاَلَ حَاشَ بَزَ”. (إش 8: 3)، وبنات فيلبس أربع عذارى كن يتنبأن: ثُمَّ خَرَجْنَا فِي الْغَدِ نَحْنُ رُفَقَاءَ بُولُسَ وَجِئْنَا إِلَى قَيْصَرِيَّةَ، فَدَخَلْنَا بَيْتَ فِيلُبُّسَ الْمُبَشِّرِ، إِذْ كَانَ وَاحِدًا مِنَ السَّبْعَةِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ. وَكَانَ لِهذَا أَرْبَعُ بَنَاتٍ عَذَارَى كُنَّ يَتَنَبَّأْنَ. (أع 21: 8- 9). بالإضافة إلى حنة النبيّة (لوقا 2: 36- 38) يكون هناك سبع إشارات عن السيدات كنبيّات في الكتاب المقدّس. وحنة النبيّة كيوحنا المعمدان تصل العهد القديم بالجيد والماضي بالحاضر بالمستقبل.
قصة الميلاد أعطت للمرأة قيمة فقد تجسَّد المسيح من امرأة، وهناك نبيّة في قصة الميلاد، كذلك إليصابات تظهر بصورة قوية في مشهد الميلاد، وهذا يقودنا إلى مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ومن خلال السياق الكتابيّ نعرف أنَّ الرجل والمرأة متساويان في الخلق والمسؤولية الحضارية، والخطية، والفداء “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ.” (1 كو 15: 22). وضمان الحياة الأبدية.
الجميع واحد في المسيح، هكذا عبر الرسول بولس، بالقول: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” (غل 3: 28). إذًا، لا فرق بين رجل وامرأة، قد تفرّق الثقافات والحضارات بين الرجل والمرأة، وتضع الحواجز والفواصل، وما أكثرها! ولكن المسيح يوحِّد الجميع، فنرى سمعان الشيخ وحنة النبيّة يتكلمان في الهيكل. كل له رسالة، كلاهما تحدث عن المسيح، وقد أشارا إليه بالمدلول الخلاصيّ.
ثانيًا: متعبدة، وقضية الانتماء
هي موجودة في الهيكل ليلاً ونهارًا، تتعبد لله، هذا دليل على الدوام والاستمرارية. وهي صورة ونموذج لمن يتعبد لله في الكنيسة بمواظبة واهتمام، فنحن نعبد الله في الكنيسة، ولنا انتماء وولاء لله وللمكان الذي نتعبد له فيه. حنة النبيّة متعبدة ليلا ونهارًا وهي موجودة بالهيكل، قلبها وكيانها في الهيكل، هي لا تتعامل مع الهيكل مجرد مكان للراحة أو الترفيه، أو نادي اجتماعي، ولكن مكان للعبادة؛ فقد تعلَّمت أنَّه ببيت الله تليق القداسة: “بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ” (مزمور 93: 5).
ولعل موقف حنة يضع أمامنا هذا السؤال: كيف نتعامل مع بيت الله الكنيسة؟ هل ندرك أن الكنيسة هي بيت الله (1تي3: 15)؟ هل نشعر بأنَّ هذا المكان مميز؟ أم التعود عليه أفقد قيمته فبات لا تأثير له؟
الانتماء لله والولاء الحقيقي له يقود بالطبع إلى الولاء والانتماء الحقيقي لبيت الله. “فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ” (مزمور 122: 1). لأَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ. اخْتَرْتُ الْوُقُوفَ عَلَى الْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلهِي عَلَى السَّكَنِ فِي خِيَامِ الأَشْرَارِ (مزمور 84: 10).
من أروع المفاهيم عن الكنيسة أنها كنيسة الله وليس كنيسة شخص مهما سمت مكانته، وهذا يجعلنا دائما أن نكون للمسيح وللكنيسة: “وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ، فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تي 3: 15).
ثالثًا: مسبحة، أولويّة التسبيح
كانت موجودة في الهيكل تسبح الرب، هي أرملة، يبدو أن لا معيل لها، وليس لها أقارب، لها احتياجات، وفي ظروف خاصة من ناحية السن، ولكنها لم تركّز على الظروف الخاصة والصعبة في حياتها ولكنها ركَّزت على الرب في رحمته وغفرانه، ف صلاحه وكماله، في جوده وإحسانه. في كل الظروف والأحوال الرب صالح وإلى الأبد رحمته، وهذه هي الأغنية التي كان يرددها الشعب دائمًا في العبادة: “هَلِّلُويَا. اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ” (مزمور 106: 1).
ذكر حنة في إنجيل لوقا يعود بنا في قراءة انعكاسيّة إلى شخصية سميت بهذا الاسم، وفي موقف مختلف كان لها تسبيحة مشهورة، لتعلن عن مرحلة جديدة مع شعب الله، وبالمثل حنة النبيّة في العهد الجديد تعلن عن مرحلة جديدة في المسيح، ونجد هذه التسبيحة في صموئيل الأول الإصحاح الثاني:
“فَصَلَّتْ حَنَّةُ وَقَالَتْ: «فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ. اتَّسَعَ فَمِي عَلَى أَعْدَائِي، لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلاَصِكَ. لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلهِنَا. لاَ تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ. قِسِيُّ الْجَبَابِرَةِ انْحَطَمَتْ، وَالضُّعَفَاءُ تَمَنْطَقُوا بِالْبَأْسِ. الشَّبَاعَى آجَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْخُبْزِ، وَالْجِيَاعُ كَفُّوا. حَتَّى أَنَّ الْعَاقِرَ وَلَدَتْ سَبْعَةً، وَكَثِيرَةَ الْبَنِينَ ذَبُلَتْ. الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ. الرَّبُّ يُفْقِرُ وَيُغْنِي. يَضَعُ وَيَرْفَعُ. يُقِيمُ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ. يَرْفَعُ الْفَقِيرَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الشُّرَفَاءِ وَيُمَلِّكُهُمْ كُرْسِيَّ الْمَجْدِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا الْمَسْكُونَة. أَرْجُلَ أَتْقِيَائِهِ يَحْرُسُ، وَالأَشْرَارُ فِي الظَّلاَمِ يَصْمُتُونَ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ يَغْلِبُ إِنْسَانٌ مُخَاصِمُو الرَّبِّ يَنْكَسِرُونَ. مِنَ السَّمَاءِ يُرْعِدُ عَلَيْهِمْ. الرَّبُّ يَدِينُ أَقَاصِيَ الأَرْضِ، وَيُعْطِي عِزًّا لِمَلِكِهِ، وَيَرْفَعُ قَرْنَ مَسِيحِهِ.” (1 صم 2: 1- 10)
يطلب عادة من الشباب التسبيح، ولكن التسبيح هنا هو من سيدة عجوز، تخطت كل الظروف والأمور الصعبة في حياتها، ووقفت تسبح الله في حياتها، وقد برهنت أن التسبيح أسلوب حياة، وليس فقرة في عبادة.
بعد حنة جاءت مرحلة صموئيل بنهضة روحية حقيقة وهي نموذج أن بعد حنة النبيَّة في العهد الجديدة نهضة روحية ف بالمسيح. وكلاهما سبحا الله على عمله العظيم وتدخله في التاريخ بصورة ملموسة.
رابعًا: شاهدة، يسوع محور الحياة
“وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ” (لوقا 2: 38)، تكلَّمت عن المسيح، مع المنتظرين فداءً في أورشليم، هذه نتيجة طبيعية لأسلوب حياتها وللطريقة التي عاشت بها، تسبح، تصلي، تصوم، ثم تتكلم عنه أي عن المسيح مع كل المنتظرين فداءً.
مبدأ ومحور الشهادة هو المسيح. نلاحظ أن كل ما يأتي عن المسيح في الميلاد يرتبط بالخلاص والفداء. الوجود في الهيكل يقود للكلام عن المسيح، بالمثل وجود الشخص في الكنيسة يقوده إلى الكلام عن شخص المسيح.
حياة الشهادة هي نتيجة للعلاقة مع الله، والوجود في الهيكل نعمة كبيرة، والتسبيح له بركة عظيمة، والإعلان عنه مسؤولية جمة. ليساعدنا الرب أن نشهد عن المسيح بصورة رائعة في أيامنا الحالية.
رأينا في حنَّة النبيَّة بأنها نبيّة، والنبوة قاسم مشترك بين الرجل والمرأة ومن هنا نركز على قضية المساواة بين الرجل والمرأة. ثم متعبدة، للتأكيد على الولاء والانتماء لله، بالإضافة إلى أنها مسبحة: أولوية التسبيح في حياتها كأسلوب حياة، وأخيرًا شاهدة للتأكيد على أنَّ يسوع المسيح هو محور الحياة
اسم الكاتب : سلفانا جورج
فى كتاب “تجسد الكلمة” للقديس البابا أثناسيوس الرسول يقول:
“إن فسد الرسم وجبت إعادته من الصورة الأصلية، وهكذا أتى أبن الآب لكي يطلب ويخلص ويجدد الحياة ولم تكن هنالك طريقة أخرى ممكنة لأن الإنسان إذ طمس بصيرته بنفسه، لم يستطع أن يبصر لكي يشفي وشهادة الخليقة فشلت عن تحفظه أو ترده عن ضلاله أما الكلمة فهو وحده الذي استطاع أن يتمم هذا ولكن كيف؟ ليس إلا بإعلان نفسه كإنسان..”
كانت عقيدة الخلاص والتجسد الإلهي هي الركيزة الأساسية للإيمان المسيحي والمحور الذى حاول الفنان المسيحي تجسيده من كتابة غير مرئية في الكتاب المقدس إلى كتابة مرئية في التصوير المقدس بالجداريات والأيقونات والخامات المختلفة؛ لينشر تعليمه اللاهوتي والإيماني بين الشعوب وذلك منذ القرون الميلادية المبكرة، ومن خلال فهمه ودراسته لآيات الكتاب المقدس كتب لنا رحلة التجسد في موضوعات متعددة بالفن، وكان أولى بدايات هذا رمزية السمكة التي تعني باليونانية ἰχθύς وهى تحوى الحروف الأولى لكلمات خمسة تمثل ركيزة الإيمان المسيحي وهى Ἰησοῦς Χριστός, Θεοῦ Υἱός, Σωτήρ)) أى يسوع المسيح بن الله المخلص، والتي انتشرت في القرون الأولى للتعارف بين المسيحيين في ظل الاضطهاد الروماني ثم انتشرت كرمزية لاهوتية للتجسد والخلاص في موضوعات أخرى بالقرون التالية وخاصة مع الصليب (صورة رقم 1).
قطعة من الحجر من أرمنت ترجع للقرن الرابع- محفوظة بمتحف اللوفر بباريس
ثم وجدنا المشاهد التصويرية الأولى لعيد الميلاد المجيد وذلك بعد انتشار واستقرار المسيحية في العالم الروماني، بدأت الكنيسة في الاحتفال بأعياد الميلاد المجيد وعيد الإبيفانيا Epiphany (أي عيد الظهور الإلهي) فكان العالم المسيحي الشرقي في القرون الميلادية الأولى يحتفل بعيد الإبيفانيا قبل أن يعرف عيد الميلاد كعيد مستقل بذاته، وكان أول إشارة في مصر للاحتفال بعيد الظهور الإلهي من القرن الثالث الميلادي حيث ذكر العلامة كليمندس السكندرى (150-215 م) Clement of Alexandria أن واحدة من الشيع الغنوسية قد احتفلت بعماد الرب، ومنذ القرن الرابع الميلادي كانت الكنيسة المصرية القبطية تعد هذا العيد من أهم ثلاثة أعياد مسيحية وهم: الفصح والعنصرة والإبيفانيا.
أما الكنيسة في الغرب فكان عيد الميلاد من أهم الأعياد المسيحية التي تحتفل بها منذ القرون المبكرة، ويعد من أكبر الاحتفالات للأطفال بشكل خاص حيث تكثر العطايا والهدايا لهم، لأن ميلاد الطفل يسوع المسيح في المزود هو عطية ومحبة الله لنا، ولأهمية هذا العيد يقول يوحنا ذهبي الفم: “بدون هذا العيد سوف لا تكون معمودية أو قيامة أو صعود ولا حلول الروح القدس، لذلك يعتبره أصل جميع الأعياد”.
من هنا بدأ الفنان بتصوير أحداث ميلاد السيد المسيح في الغرب أولًا ولكن ليس بشكل مباشر، ففي البداية وجدوا في تقدمة المجوس للطفل يسوع من الهدايا والعطايا بداية تجسيد هذا الحدث وهو ما عكسه أيضًا الطقس الغربي في الاحتفال بعيد الميلاد حيث احتلت زيارة المجوس في قداس هذا العيد المركز الرئيسي في الاحتفال. لذا نجد أقدم تصوير للمجوس على تابوت الرخامى موجود حاليًا بمتحف الفاتيكان بروما من القرن الثالث الميلادي يقدمون الهدايا للطفل يسوع الذي يجلس على رجل أمه ويمد يده ليمسك بأولى الهدايا الثلاثة (صورة رقم 2).
ويأتى المشهد الثانى من سراديب روما من كتاكومب بريسكلا حيث نجد جدارية تعود إلى أواخر القرن الثالث الميلادي – أوائل الرابع الميلادي تصور فيها المجوس الثلاثة حاملين الهدايا يقدمونها للطفل الجالس على رجل أمه (صورة رقم 3).
فطبقًا للكتاب المقدس فإن زيارة المجوس تمت بعدما ولد الطفل كما جاء في إنجيل متى الأصحاح الثاني:
“وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ:«أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» فَقَالُوا لَهُ:«فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيل”. حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ: «اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا.” (مت 2: 1-11).
على أية حال، كان تصوير المجوس مرتبطًا بميلاد السيد المسيح وله دلالة مهمة حيث يعد هؤلاء المجوس شهود على هذا الميلاد الإعجازى وتحقيق لنبوات أنبياء العهد القديم.
ومنذ أوائل القرن الرابع الميلادي بدأ الفنان المسيحي في تجسيد الحدث الفعلي لميلاد الطفل يسوع وقد اتخذ عدة مراحل للوصول إلى مشهد الميلاد الكامل، ففى بادئ الأمر اهتم الفنان بتجسيد الطفل المولود دون وجود أى بشر معه أو حتى أبويه، ويرافقه فقط الثور والحمار ولأول مرة يظهر المزود الذى ولد فيه ويتضح ذلك من حجر رخامى موجود بالمتحف البيزنطى بروما من أوائل القرن الرابع (صورة رقم 4)، حيث أراد الفنان تسليط الضوء على ولادة ابن الله المتجسد في الصورة البشرية في المزود وحوله الثور والحمار والطبيعة ليطبق ما جاء بنبوءة إشعياء النبى: “عرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه، أما شعبي فلم يعرف إسرائيل ولم يفهم” (إش 1: 3).
ثم يبدأ الفنان يضيف إلى المشهد أحد الرعاة كما في التابوت الحجري الذى يعود إلى منتصف القرن الرابع (330-335م) بروما (صورة رقم 5) وكذلك السيدة العذراء كما ظهر في تابوت آخر من القرن الرابع ومحفوظ بمتحف الفاتيكان (صورة رقم 6).
ومنذ القرن أواخر القرن السادس واوائل القرن السابع بدأ الاهتمام بتفاصيل أيقونة الميلاد من خلال إضافة عدة أحداث ارتبطت بميلاد السيد المسيح من خلال تجسيد لأيات وأحداث الكتاب المقدس حول الميلاد بالإضافة إلى الإبوكريفا المسيحية، فكان لمشهد البشارة مكانًا مهمًا في إيقونة الميلاد حيث بشارة الملاك جبرائيل للسيدة العذراء بالحبل وميلاد السيد المسيح، ثم مشهد الميلاد في المزود ومرافقة يوسف النجار والسيدة العذراء للطفل مع وجود الثور والحمار، وزيارة كلٍّ من المجوس والرعاة لطفل المزود، وفى النهاية أضاف الفنان من خلال الأبوكريفا مشهد سالومى القابلة وهى تحمم الطفل الصغير ويمكننا متابعة ذلك من عدة جداريات وأيقونات في الفن القبطي بالأديرة والكنائس القبطية، سنتناول بعضها في هذا المقال لنقف على أهم معالم ورموز أيقونة الميلاد.
فنجد جدارية البشارة الفريدة للسيدة العذراء وسط نبؤات أربعة من أنبياء العهد القديم بدير السريان بوادى النطرون وهى تعود للقرن السابع الميلادي (صورة رقم 7) حيث صُوِّر أربعة من الأنبياء في تلك الجدارية حول السيدة العذراء والملاك وهم بالترتيب من اليمين إلى الشمال: دانيآل حيث صور شابًا بملابس شرقية من سروال وتونيك قصير ورأس غطاء فارسى دلالة على أسره ببابل ويمسك بيديه درجًا مفتوحًا؛ لتشير إلى سفره، وكتب بها نبوءته باللغة القبطية: “رأيت أن حجرًا انفصل عن الجبل، لا بقوة اليدين، فسحق الحديد والنحاس والفضة والذهب” (دا 2: 45)، وحزقيال صور بملامح رجل ناضج ويشير بيده اليمنى في اتجاه السيدة العذراء، في حين يحمل بيده الأخرى درجًا مفتوحًا كتب فيه نبوءته باللغة القبطية: ” فقال لى الرب: إن هذا الباب يكون مغلقًا لا يفتح، ولا يدخل منه إنسان؛ لأن الرب، إله إسرائيل قد دخل منه” (حز 44: 2)، وإشعياء صور شيخًا وقورًا ويشير بيده اليمنى إلى العذراء، وبيده اليسرى يمسك درجًا مفتوحًا كتبت به نبوءته عن حبل السيدة العذراء: “ها أن الصبية تحمل فتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل…..” (أش 7: 14). وأخيرًا موسى الذي صور رجلًا ناضجًا ويمسك بيده اليسرى درجًا مفتوحًا كتبت به نبوءته: “رأيت العليقة المشتعلة بالنار ولم تحترق” (خر 3: 3) ، وفى منتصف هؤلاء الأنبياء السيدة العذراء وملاك البشارة جبرائيل بجوارها. وقد استطاع الفنان أن يقدم رسالة معقدة عن فكرة الفداء من خلال تلك الجدارية، عن طريق نبؤات تجسد السيد المسيح من السيدة العذراء وتحقق تلك النبؤات بمشهد بشارة الملاك بولادة المخلص، وهنا يتضح التأثير البيزنطى جليًا في ذلك التصوير، من حيث استطالة الأجسام وأشكال اللحى والشعر، بل يرى Ground أن فكرة هذه الجدارية تعود إلى الفكر البيزنطى؛ لتأكيد تجسد السيد المسيح من “الثيؤطوكوس أي والدة الإله” من أجل الفداء.
نصف قبة بكنيسة السيدة العذراء الأثرية بدير السريان- وادي النطرون
هناك مشهد آخر (صورة رقم 8) بنفس الدير بالخورس الأول ليجسد الفنان الطبيعة الناسوتية الكاملة للطفل يسوع المولود حيث صور الطفل وهو يرضع من أمه السيدة العذراء وهى جالسة على كرسى ذي زخارف، هنا ليؤكد الفنان أن المولود من العذراء هو الله المتجسد، الذي شابهنا في كل شئ ما خلا الخطيئة وحدها، وأنه وُلد بجسد حقيقي وليس خيالي كطفل ترضعه أمه وقد تكرر هذا المشهد بالأديرة القبطية بدير الأنبا أرميا بسقارة والدير الأحمر بسوهاج؛ ليدحض البدعة الأوطاخية والتى رفضتها الكنيسة القبطية وأكدت على إيمان الآباء الرسل والصيغة الإيمانية للقديس أثناسيوس الرسول(296 أو 298- 373م) عن تجسد الكلمة.
جدارية بدير الأنبا أرميا- سقارة جدارية بالكنيسة الأثرية- دير السريان تصوير بمخطوط الحامولي
حوالي القرن السادس الميلادي حوالي القرن الثامن الميلادي القرن التاسع الميلادي
ورغم إظهار الفنان للطبيعة الناسوتية للطفل يسوع لكنه في ذات الوقت أظهر لاهوته فإذا دقق المشاهد في تصوير الطفل فلا يصور بشكل طفل بل بصورة رجل ناضج ليطبق قول الكتاب في إنجيل يوحنا: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله” (يو 1: 1)، وأعطاه الهالة المصلبة المميزة للسيد المسيح المخلص، ونجد في جدارية سقارة ارتدى الطفل التونيك ذهبى اللون ومن المعروف أن اللون الذهبى لون المُلك الأبدي الذى لا يفنى وكان يعطى للملوك والأباطرة في الحضارات السابقة، كما أن الفنان في مخطوط الحامولي صور الطفل ماسكًا درجًا مطويًّا وهى إشارة لتحقيق نبوءات العهد القديم بمجيء المسيح المخلص، كل تلك الرمزيات أعطت تجسيد الطبيعة اللاهوتية بجانب الطبيعة الناسوتية كطفل يرضع من أمه.
في مرحلة تالية بدأ الفنان بتصوير أحداث مختلفة لحدث الميلاد وتعد جدارية دير السريان من أهم تلك المشاهد، وهي نصف القبة الغربية بالكنيسة الأثرية. تنقسم الجدارية إلى جزأين الأول بشارة الملاك للسيدة العذراء والثاني يمثل مشهد ميلاد السيد المسيح وهى تعود إلى القرن العاشر الميلادي، ويظهر مشهد البشارة الملاك جبرائيل يرسل سلامه إلى السيدة العذراء الجالسة في الهيكل حيث رسم العقد خلف السيدة العذراء ويعنى الهيكل بحسب التقليد (أحيانًا يصور الملاك يبشر العذراء عند بئر مياه كما في كتاكومب روما، أو داخل منزل كما في الكثير من أيقونات عصر النهضة)، وهى مرتدية ملابس عبارة عن تونيك أزرق طويل حيث يرمز اللون الأزرق إلى السماء فكما هو مكتوب عن السيدة العذراء بالكتاب المقدس هي السماء الثانيه التي حوت في أحشائها الله الكلمة وتتحقق فيها النبوءة التي في المزمور: “أعمال مجيدة قيلت عنك يا مدينة الله” (مز 86) أو يقال عنها: “مدينة الملك العظيم” أو تحقق فيها نبوءات معينة قد قيلت عن أورشليم… أو صهيون كما قيل في المزمور: “صهيون الأم تقول إن إنسانا وإنسانا صار فيها وهو العلي الذي أسسها..” (مز 87)، ثم ارتدت فوق التونك عباءة الباليوم باللون الأحمر لأنها حملت المخلص في أحشائها فاللون الأحمر هو رمز الفداء والخلاص.
بينما نشهد في الجزء الثاني السيدة العذراء مضطجعة بنفس الملابس وبجوارها الطفل مقمطًا ووضع ليس بمزود وأنما يرى المشاهد كأنه قبر وذلك لأنه معروف منذ الأزل خطة خلاص الرب للبشرية وتجسد ابنه الوحيد جاء وفق الخطة الإلهية لإنقاذ بنى أدم وحدد الفنان باللون الأسود حول الطفل والسيدة العذراء ويظهر بهما الثور والحمار ينظران للطفل وبهذا يرمز الفنان إلى العالم من العبرانيين والأمم الذى في ظلمة بسبب خطية أدم وحواء الأولى ومن خلال تجسد الكلمة سيتم الخلاص والصلح مع السماء ويبدد هذا الظلام، ثم نجد في أسفل الجدارية يوسف النجار والرعاة الثلاثة والمجوس وفى أعلاها الملائكة فرحين ومهللين لميلاد الطفل وهذا ترجمة مرئية لإنجيل لوقا البشير الأصحاح الثاني. (صورة رقم 9).
جدارية دير السريان- القرن العاشر
ومن أجمل أيقونات الميلاد إيقونة أندريه روبلبيف Andrei Rublev من القرن الخامس عشر بروسيا؛ لتجسيدها أحداث الميلاد بمنتهى الدقة والعمق اللاهوتي والروحى، فتظهر الإيقونة باللون الذهبى للدلالة على المجد والقداسة والألوهية لميلاد القدوس الذى فرح الشعوب وكل الأرض وأضاء المسكونه بنوره والإيقونة كأنها على صخر متدرجة لأعلى حتى تلامس السماء حيث أراد الفنان تجسيد فرح الأرض بميلاد المخلص من خلال تشقق صخورها فرحًا بميلاد خالقها، وتظهر السيدة العذراء في منتصف الأيقونة بلباس أحمر قاتم وبغطاء رأس به ثلاث نجوم لبتوليتها الدائمة مضطجعة على وشاح باللون الأحمر وحول رأسها الهالة الذهبية ويظهر الوشاح على شكل حبة الحنطة ويرمز لونه إلى المجد والقداسة لأنها حبلت بالقدوس وتنظر إلى يوسف بنظرات حزينة لإدراكها ما يعصف به من أفكار حول حبلها وهى عذراء، وبجوارها الطفل حول رأسه الهالة المصلبة مقمط بقماش أبيض وموضوع في مزود ويبدو أنه خارجًا من الكهف الأسود، وكأن الفنان يريد القول هذا الطفل المولود الذى يبدو أنه خارجًا من جوف الأرض يدرك أنه جاء لخلاص البشرية وسيقمط بالأكفان ويوضع جسده في القبر ثم يقوم من الأموات، ويظهر بجوار الطفل مغارة مظلمة ترمز إلى الجحيم حيث أن منذ الأزل مخطط لخلاص العالم بموت السيد المسيح ونزوله إلى الجحيم لخلاص المؤمنين ونصرته على الشر بقيامته فالميلاد جزء لا يتجزأ من خطة الخلاص في العقيدة المسيحية، ويطل من المغارة الثور الذى هو في عقيدة العهد القديم “حيوان طاهر” وهو أراد بذلك يرمز إلى بنى إسرائيل والحمار وهو “حيوان دنس” ليرمز به إلى الأمم، فالسيد المسيح جاء لخلاص البشرية بأكملها وميلاده تهلل به جميع الأمم ولم يقتصر على بنى إسرائيل فقط، بل وقوف ذلك الحيوانين بجانب بعضهما البعض لدليل على اختلاط اليهود بالأمم، أو الطاهر بغير الطاهر وهو في رمزيته يرمز إلى التجسد فقد أخذ السيد المسيح بميلاده الطبيعة الإنسانية واتحدت مع الطبيعة الإلهية بدون اختلاط أو امتزاج او تغيير في شخصه طبقًا للعقيدة الأرثوذكسية.
ثم نجد على يسار الطفل المجوس أو الحكماء الثلاث بملابس ملوكية حاملين الهدايا وهم يعبرون بملامحهم عن أطوار حياة الإنسان ويقدمون الهدايا للطفل الذهب الذى يرمز إلى انه ملك الملوك، والبخور يرمز إلى ألوهيته، والمر يرمز إلى إنسانيته، وعلى الجانب الأيمن راع ينفخ مزماره وفى أعلى الإيقونة نجد الملائكة مهللين وفى المنتصف نصف دائرة ترمز إلى السماء مرسلة شعاع الروح القدس في شكل شعاع ثلاثى ليرمز إلى الثالوث القدوس، أما أسفل الإيقونة نجد مشهدين الأول القابلة سالومى وهى تحمم الطفل ومساعديها وذلك يرمز إلى معمودية الطفل ومعموديتنا أيضًا، والجانب الآخر يوسف النجار مضطرب الملامح جالسًا مفكرًا وأمامه الشيطان متجسدًا في شكل إنسان يوسوس له حول ميلاد العذراء لطفل دون زواجها (صورة رقم 10).
أيقونة روبلبيف للميلاد- القرن 15
ويوجد بالمتحف القبطى إيقونة مشابهة لإيقونة روبليف تحت رقم 3848 لتجسد الميلاد بأحداثه المتعددة بنفس التفاصيل (صورة رقم 11) وتجسد الفرح الذى ملأ الكون بميلاد الطفل يسوع المسيح ليتحقق قول الكتاب:
“المجد لله في الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” لو 2: 14
أيقونة الميلاد بالمتحف القبطي – حوالي القرن 18
لهذا ومن خلال تلك الدراسة لأيقونة الميلاد نجد أن اختلف التصوير في الفن المسيحي في مفهومه ورسالته عن الفنون السابقة له، فبالإضافة إلى كونه تدوينًا لتاريخ وحضارة العالم المسيحي بالمفهوم المحدود، فهو له دلالة روحية غير منظورة أعمق من المفهوم المحدود للتصوير؛ لأنه جسد الدين الجديد ومفاهيمه الإيمانية وغرس القيم المسيحية التي وردت في الكتاب المقدس، وبهذا يخضع الفنان لتقاليد خاصة لابد أن يتقيد بها، فلا يخضع التصوير المسيحي خاصة لفكر أو خيال الفنان، إذ كان التصوير الجدارى حالة خاصة، فهو إيضاح لعقيدة ومفاهيم دينية تجسد حقيقة إلهية محسوسة تاريخية تشع فيها نور النعمة، وتباركها الكنيسة، وتكسبها صفة مقدسة، فقد نشرت الكنيسة منذ بدايتها بشارة الانجيل ليس بالكلام فقط، بل بالتصوير أيضًا.
ومن منطلق ذلك الفكر الكتابي كان التصوير المسيحي في القرون الميلادية الأولى وحتى يومنا هذا؛ لتجسيد الإله غير المنظور في شكل الإله المنظور الذى تجسد من العذراء؛ لذا فإن التصوير -على حسب الفكر الأرثوذكسى- متصل بالحديث عن العلاقة الكيانية بين الله (غير المنظور) والإنسان (المنظور) في سياق خلقه الأخير، إذ إنه بدون تجسد السيد المسيح لا يمكن التعرف على الأيقونة الإلهية في كيان الإنسان.
مراجع الدراسة:
اسم الكاتب: عادل زكري
كانت ولا تزال عقيدة التَّجسُّد عُرضة للانتقادات والاعتراضات التي تطعن في مِصداقيَّتها أو إمكانيَّة حُدوثها بالأساس أو في تفاصيلها الدقيقة. فالنقادُ يسألون على سبيل المثال لا الحصر: هل اللهُ الكلمةُ أثناء فترة تجِّسده كان محتفظًا بوجوده الكلي أم صار مُقيدًا بحدود المكان؟ هل تنازلَ عن أزليَّته وعن سرمديَّته أم صار مُقيدًا بحدود الزمان؟ هل كان يمارس عنايته وسيادته على الخليقة في هذه الفترة؟ هل جَرىَ أيُّ نوعٍ من التغيُّر على الله الذي يُفترض أن يكون غير متغيِّر immutable؟ وهل تألم فعلاً والمفترض أنه غير قابل للتألم impassable؟ وهل مات فعلاً وهو غير قابل للفساد immortal؟ هل تجرَّب فعلاً وكان عُرضةً للإذعان للتجربة، أم هذا الافتراض غير متصوَّر عن الله المتجسِّد غير القابل للسقوط impeccable؟ دعوني أصطحبكم في الرد هذه الأسئلة بإجابات خَطَّها آباء الكنيسة في القرون الأولى من تاريخ المسيحية، ونحاول أن نستشف من إجاباتهم كيف كانت نظرتهم لهذا السِّر العجيب.
1- سر التجسُّد وعدم تغيُّر الله
دافع الآباء عن عدم تغيُّر الله، وعدم تغيُّر الابن الكلمة، وذلك في سياق مُعارضتهم للأريوسيَّة التي تبَّنت ابنًا مخلوقًا، مجبولاً ومصنوعًا من العدم، فيقول ق أثناسيوس (ت 373م) في مقالاته ”ضد الأريوسيين“: ”إنَّ الأشياء المخلوقة بما أنها نشأت مِن العدم، ولكونها لم تكن كائنة قبل أن تُخلق، لذلك فإنَّ لها طبيعة متغيِّرة حيث إنها عمومًا قد خُلقت من العدم. أمّا الابن فإنه كائنٌ في الآب، وهو مِن ذات جوهر الآب، لذلك فهو غير متغيِّر أو متبدِّل مثل الآبِ نفسه“.[1] وشدَّد أثناسيوس أن المولود من الآب غير المتغيّر لابد أن يكون هو أيضًا غير متغيِّر، وقد قالَ المسيحُ عن نفسه ”أنا هو الحقُ“ فكيف يكون المتحوِّل والمتغيِّر وغير الثابت حقيقيًا؟![2] نفس الشيء قال به ق إيريناؤس (+200م) عندما أشار إلى الفجوة الأنطولوجية بين الخالق والمخلوق؛ قائلاً ”إنَّ اللهَ يختلفُ عن الإنسان؛ إذ إن الله يخلق، أمّا الإنسانُ فهو مخلوقٌ.. والذي يخلق هو دائمًا كما هو، أمَّا المخلوق فإنه يقبل بدايةً ووسطًا وإضافةً وزيادةً… لكن الله هو كاملٌ في كلِّ شيء، وهو بقدر ذاته“.[3] هذه حُجة كلٍّ مِن ق أثناسيوس وإيريناؤس وغيرهم من الآباء في الإقرار بعدم تغيُّر الله، فماذا عن ابن الله في حدث التجسُّد تحديدًا؟
إن الكلام عن عدم تغيُّر الله الكلمة اشتعل مع تفسير الهراطقة لكلمة ”صَارَ“ في آية ”الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا“ (يو 1: 14)؛ إذ أصرَّ هؤلاء أن كلمة ”صَارَ“ تعني التحول والتغيُّر. وهنا انبرى الآباء ومنهم ق كيرلس السكندري (ت 444م) في الرد عليهم متسلحًا بنص فيلبي 2: 5- 8 عن أن الذي كان في صورة الله ”صار إنسانًا دون أن يتحوَّل إلى جسد، ولا خضع للامتزاج أو الاختلاط“، لكنه أخلى ذاته ”ولم يزدرِ فقرَ الطبيعة الإنسانيَّة. فهو كإله أراد أن يجعلَ هذا الجسد المُمسَك به في قبضة الخطية والموت في وضعٍ أسمى من الموت ومن الخطية، وأعاده مرة أخرى إلى الحالة الأولى جاعلاً هذا الجسد خاصًا به“.[4] يظهر في الاقتباس السابق فكرة عدم الاختلاط والامتزاج بين الطبيعتين، وكذلك فكرة أخرى في منتهى الأهمية هي ”الاستملاك“appropriation ، أي أن الابن أتخذ جَسدًا بَشريًا أصبح خاصًا به، يجوز بعد ذلك أن نقول عن هذا الجسد ”جسد الله“، ويصح أن نقول هنا إنَّ اللهَ أو ابن الله صَار مرئيًا، وصَار إنسانًا وغير ذلك، والمبرر أن هذا الجسدَ صار مِلكًا له، وليس مِلكًا لآخر.
مرة أخرى ق كيرلس السكندري يقول إذا تأملنا كيفية تأنسه، ماذا سنرى؟ سنرى ”طبيعتين اجتمعتا إحداهما مع الأخرى، في اتحادٍ لا يقبل الانفصام، وبدون اختلاطٍ، وبدون تغييرٍ، لأن جَسده هو جَسدٌ وليس لاهوتًا، رغم أنَّ جَسده قد صَار جَسدَ الله. وبالمثل الكلمةُ هو اللهُ وليس جَسدًا، رغم أنه جَعل الجسدَ خاصًا به بحسب التدبير“.[5] في هذا الاقتباس تظهر مع فكرة الاستملاك فكرة ”الاتحاد“ union؛ إذ رفض الآباءُ أن يكون هذا الاجتماع بين اللاهوت والناسوت أقل من المستوى الكياني حتى يتم شفاء البشريَّة مِن فسادها الناتج عن السقوط. فرفضوا المصطلحات التي تعبِّر عن مجرد المصاحبة association بين الطبيعتين كما ادعى نسطور؛ إذ رأوا أنَّ لغة المصاحبة لا تعبِّر عن الفوائد التي ضَخَّها الابنُ في صَميم كياننا البشري في حالته المزرية التي وصل إليها.[6]
الفكرة الثالثة التي شدَّد عليها الآباء ومنهم ق كيرلس هي ”وحدة“ unity شخص المسيح بعد الاتحاد. فنحن عندما نقول إنه كان من طبيعتين فنحن ”لا نجرح الوحدةَ، ولكن بعد الاتحاد لا نفصل الطبيعتيّن… كما قال الآباء: طبيعة واحدة متجسدة لكلمة الله (μία φύσις τοῦ θεοῦ λόγου σεσαρκωμένη)“.[7] في هذا الاقتباس تظهر الصيغةُ الخريستولوجية الشهيّرة للقديس كيرلس السكندري، والتي يقول إنَّه استلمها بالتقليد من الآباء: ”ميا فيسيس تو ثيؤ لوجو سيساركوميني“، ولا يعني تعبير ”طبيعة واحدة“ أن إحدى الطبيعتين قد تلاشت، بل إنَّ الأفعالَ الصادرةَ عن الابن المتجسِّد هي أفعالٌ تُنسب إلى شخصٍ واحد one subject، وهو ما ينفي عن كنيستنا القبطيّة التهمة التاريخية بالمنوفيزية. يظهرُ إصرار آباء الكنيسة على ”وحدة“ شخص المسيح حتى يكون هناك فعلٌ إلهيٌّ/ إنسانيٌّ واحدٌ one theandric activity، كما يقول ديونسيوس الأريوباغي ”ليس بكونه إلهًا فعلَ الأمورَ الإلهيَّة، وليس بكونه إنسانًا فعلَ الأمورَ الإنسانيَّة، لكن بالأحرى يكون اللهَ الذي صارَ إنسانًا حقق شيئًا واحدًا في وسطنا: الفعل الإلهي/ الإنساني“.[8]
المفهومُ الآخر الذي يحفظ لله عدم تغيُّره في حَدث التجسُّد، هو ما يُسمى بـ ”تبادل الصفات“ communicatio idiomatum، وربما يظن البعضُ أنَّ تبادل الصفات بين الطبيعتيّن، اللاهوتيّة والناسوتيّة، قد سبَّب تغيُّرًا في اللاهوت، لكنَّا نجد يوحنا الدمشقي (ت 749م) يقول ”الاختراقُ واقعٌ من قِبل الطبيعة الإلهيَّة؛ لأنها تملك أن تنفذَ وتخترقَ الكل كما تشاء. بينما لا يمكن لشيء أن ينفذَ فيها. بل هي تمنح الجسدَ أمجادها الخاصة وتبقى هي بلا تأثُّر“.[9] ويقدِّم الدمشقي تشبيهًا لهذا الأمر بالشمس التي تقدر أن تعطي مِن طاقتها، لكنها تبقى غير متأثرة، ”فكم بالحري صانع الشمس وربها“.[10] ومِن ثَم من خلال المفاهيم الأربعة السابقة ندركُ أنَّ اللهَ لم يفقد خاصية عدم قابليته للتغيُّر في حدث التجسُّد.
2- سر التجسُّد وعدم تحيُّز الله
أقرَّ الآباءُ أيضًا بالحضور الكلي لله omnipresence وعدم تحيُّزه بمكان. فالقديس أغسطينوس (ت 430م) في كتابه ”مدينة الله“ يقول عن الله ”هو الحاضرُ في كل مكانٍ، وغير المُحتوى في مكانٍ، والحرُ من كل قيدٍ، غير المنظور وغير القابل للتغيُّر، المالئ السموات والأرض لا بكيانه اللامحدود بل بحضوره الكلي القدرة“.[11] فماذا عن حدث التجسُّد؟ نجد هذا الاعتراض منذ بدايات المسيحية. فلدينا كلسوس، وهو أحد المثقفين اليونانيين، الذي افترض أنَّ نزول الله إلى البشرِ يعني تخليه عن عرشه.
فإذا بالعلامة أوريجانوس (ت +253م) يتصدى للرد عليه كالتالي: ”بعد ذلك قدَّم المحترم جدًا كلسوس لسببٍ غير معروف اعتراضًا ضدنا يقول بإننا ننادي بأنَّ اللهَ ينزلُ إلى البشرِ. وهو يظنُ أنَّ هذا يتبَعه أنه يترك عرشه. وهو لا يفهم قوةَ الله، وأنَّ ’روح الله يملأ الكونَ وبالأشياء كلها يحيط‘ (حك 1: 7)، ويعجز عن فهم كلام (النبي) ’أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟‘ (إر 23: 24). ولا يرى أنه بحسب العقيدة المسيحية أننا جميعًا ’بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ‘ (أع 17: 28) مثلما يعلِّم بولس في خطبته العَلنيَّة أمام الأثينيين. وبالتالي حتى إذا نزل إله الكون مع يسوع إلى الحياة البشرية بقدرته… فهو لم يبتعد عما كان قبلاً، وكذلك لم يترك عرشه، كما لو كان هناك مكانٌ محرومٌ منه، ومكانٌ آخر لم يكن فيه قبلاً قد امتلأ به. إنَّ قوةَ الله ولاهوته يأتيان ليسكنا بين البشر من خلال الإنسان الذي يريد الله أن يختاره، والذي فيه يجد مساحةً بدون انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر، أو ترك مكانه السابق فارغًا، وملء مكان آخر“.[12] كما نرى أوريجانوس يفهم أن الله لم يترك مكانًا، لأنه فوق المكان، وكذلك ليس غريبًا عن كوننا هذا؛ لأنه حاضر فيه دائمًا بقدرته.
مرة أخرى ق أثناسيوس في الفصل السابع عشر من كتابه العمدة ”تجسُّد الكلمة“ يقول: ”لأنه لم يكن محصورًا في الجسد كما يتوهم البعض، أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كلُّ مكان آخر خاليًا منه، أو أنه بينما كان يحرِّك الجسد كان العالم محرومًا من أفعال قدرته وعنايته. غير أن الأمر العجيب والمدهش جدًا هو أنه مع كونه هو الكلمة الذي لا يحويه شيء، فإنه هو نفسه يحوي كلَّ الأشياء. وبينما هو موجود في كل الخليقة، فإنه بحسب جوهره متميزٌ عن كل الخليقة. فهو حاضرٌ في كل الأشياء بقدرته فقط وليس بجوهره… ومع أنه يحوي كل الأشياء ولا يحتويه شيء، إلا أنه كائن كليةً في أبيه وحده. وحتى مع وجوده في جسد بشري معطيًا الحياة له، فقد كان من الطبيعي أن يمنح الحياة للكون كله في الوقت نفسه، ومع كونه حاضرًا في كل جزء (من الخليقة بقدرته) فهو خارج كل شيء بقدرته“.[13]
لا يمكننا إغفال إسهام اللاهوتي الاسكوتلاندي، توماس إف تورانس (ت 2007م)، في هذه النقطة؛ فلقد استطاع أن يستخرج من إيمان نيقية ما يؤكد نظرة آباء الكنيسة للكون بأبعاده، ومخالفتهم للعُرف العلمي السائد في وقتهم، والقائل بأن الكون أشبه بوعاء مغلق يحوي ما بداخله، لصالح عنصر نسبي للمكان. وهذا جعل تورانس يقول بجرأة كبيرة فيما معناه أنَّ نيوتن وفيزياء نيوتن متسقةٌ مع لاهوت أريوس، بينما أينشتين وفيزياء أينشتين متسقة مع لاهوت آباء نيقية.[14]
3- سر التجسُّد وعدم تزمُّن الله
أقرَّ الآباء أيضًا بسرمديَّة الله، فأغسطينوس يقول في اعترافاته مناجيًا الله: ”الأزمنة ُمنك تستمدُ وجودها… الوقتُ هو أيضًا من صُنعك، وما أمكن أن يكون وقتٌ قبل أن تصنعَ أنتَ الزمنَ!.. سنوك لا تروح ولا تجيء… يومك لا يتجدد كل يوم، أنه ’اليوم‘… يومك هو الأزلُ… أنتَ صنعتَ كلَّ الأزمنة، وأنتَ فوق الأزمنة“.[15] ويقول عن الله في كتابه ”عن الثالوث“: ”سرمديٌّ خارج نطاق الزمن، يخلقُ الأشياءَ المتغيِّرة دون تغيُّر في ذاته“،[16] فماذا عن حَدث التجسُّد؟
تظهر إشكالية الزمن في التعبير الكتابي عن الطفل يسوع الذي كان ”ينمو“ و”يتقدَّم“ في الحكمة والقامة والنعمة أمام الله والناس (لو 2: 52). هذا التقدُّم يحتاجُ إلى زمن، إلى تدرُّج، فكيف نفهم ذلك في ضوء لاهوت المسيح؟ ق كيرلس السكندري في شرحه على هذا النص في إنجيل لوقا يقول إنَّ هذا الكلام ينطبقُ على الطبيعة البشرية بالتأكيد ”فالكلمة تحمَّل وقَبِل أن يُولد في صورة بشريّة، برغم أنه في طبيعته الإلهيَّة ليس له بداية وليس خاضعًا للزمن“.[17] ويقول هنا نجد أعجوبة التجسُّد في أنَّ الكاملَ مِن كل ناحية ”يخضع للنمو الجسدي، وغير الجسدي صارت له أطراف تنمو مع نمو بشريته، والذي هو نفسه الحكمة كلها نجده يمتلئ بالحكمة“.[18] ثم يتساءل ق كيرلس ماذا نقول عن هذا؟ ”الذي كان في صورة الآب قد صَارَ مثلنا، والغنيُّ أخذ صورةَ الفقير، والعاليُّ أخذ صورةَ الاتضاع، والذي له الملء يُقال عنه إنه ينال ويأخذ“. ثم يقول كان باستطاعته أن يخرج من بطن العذراء رجلاً ناضجًا دفعة واحدة، لكنه ”جعلَ جَسده يخضع لعادات وقوانين الطبيعة البشريَّة“.لاحظ هنا كيف يحافظ أثناسيوس على عدم تغيُّر الله، ونسب التغيُّر للجسد الذي استملكه.
ق كيرلس في كل هذا يسير على درب ق أثناسيوس، في كتابه ”ضد الأريوسيين“؛ إذ يؤكد أثناسيوس أنَّ المسيح ثابتٌ في الآب إلى الأبد، ”إذن التقدُّم هو خاص بالبشر“، ويواصل قوله بإن الإنجيلي (لوقا) يتكلم ”بدقة وحذر؛ فقد ذكر القامة عندما تحدث عن التقدُّم، ولكن لكونه هو الكلمة وهو الله فهو لا يُقاس بالقامة التي تخص الأجساد. إذن فالتقدُّم هو للجسد. لهذا في تقدمه كان يزداد ظهور اللاهوت لأولئك الذين رأوه“.[19]
4- سر التجسُّد وعدم تألم الله
يؤكد ق أثناسيوس في كتابه ”ضد أبوليناريوس“ أنَّ اللهَ لا يتألم، فهو بطبيعته اللاهوتيَّة غير قابلٍ للألم impassible فيقول: ”إذا تألم لاهوت الكلمة، فقد تألم معه الآب والروح، بل قد مات الآب والروح القدس أيضًا. وهذا يجعلكم أكثر كفرًا من جميع الهراطقة… في نفس الوقت نؤمن بأن الكلمة نفسه غير متألم ولا متحول. وإنما هو تألم دون أن يتألم، لأنه غير المتغير وغير المتألم كإله، ولكنه ’تألم في الجسد‘ (1بط 4: 1)، وأراد أن يذوق الموت، لأنه صار وسيطًا“.[20] لاحظ أن ق أثناسيوس يقول أنه ”تألم دون أن يتألم“ ويستعين بذلك بآية 1بط 4: 1، ليؤكد أنه تألم في الجسد، جسده الخاص، فكرة الاستملاك مرة أخرى، ولأنه ”عندما تألم الجسد، لم يكن الكلمة خارجًا عنه، ولهذا السبب يُقال إن الآلام خاصة بالكلمة“.[21] وهنا تظهر فكرة تبادل الصفات مرة أخرى.
سيشرح ق كيرلس في كتابه ”شرح تجسد الابن الوحيد“ هذا الأمر أكثر وهو يعتمد أيضًا على نفس الآية 1بط4: 1 ”فإذ قد تألم المسيح بالجسد لأجلنا“. ثم يتساءل ”كيف ننسب إليه الآلام، وفي نفس الوقت، كإله، لا يتألم؟“. ثم يجيب قائلاً: ”الآلام تخص التدبير. واالله الكلمة جعل ما يخص جسده، يخصه هـو نفسه بسبب الاتحاد الفائق الوصف. لكنه ظل فوق الآلام حسب مقتضى طبيعتـه؛ لأنَّ اللهَ لا يتألم. ولا غرابة َفيما نقول؛ لأن نفس الإنسان تظل فوق الآلام عندما يتألم جسدها. ونحن لا نعتبر النفسَ بعيدةً عن الآلام، أو أنَّ الآلام عندما تحدث للجسد لا تخص النفس.. لأن الجسدَ الذي يتألم هو جسدها، وعنـدما يتألم الجسدُ، فـالنفسُ المتَّحدة به، وهـي مِن طبيعـة بسيطة لا تُلمس، لا تظل بعيدةً عن الألم“.[22] في هذا الاقتباس نجد كيرلس يوظف أفكار الاستملاك، والاتحاد، وعدم الاختلاط من خلال تشبيه النفس والجسد، الجوهرين المتحدين دون اختلاط، بالطبيعتين الناسوتية واللاهوتية.
ولذلك نستطيع أن نفهم أنه من الخطأ أن نقول إنَّ اللهَ تألم من جهة لاهوته، لأن هذا أسوأ من جميع الهرطقات كما قال أثناسيوس، وكذلك من الخطأ أن نقول إنَّ الجسد فقط هو الذي تألم، وهذا موقف نسطور، وإلا بهذا نكون قد فرَّغنا التجسُّد من فاعليته الخلاصية. لكن ق كيرلس وآباء آخرين من خلال توظيف مفاهيم الاستملاك والاتحاد الأقنومي وتبادل الصفات، استطاعوا ببساطة أن يقولوا إنَّ غير المتألم قد تألم.
أمَّا قابلية الابن المتجسد للتأثر، والأهواء والانفعالات التي ورد ذكرها في العهد الجديد، من حزن، واكتئاب، ودهش، واضطراب. فماذا يقول الآباء بشأنها؟ يقول ق كيرلس السكندري ”كما أنَّ إبادة الموت لم تتم بطريقة أخرى غير موت المخلص، هكذا أيضًا مِن جهة كل ألم من آلام الجسد؛ فلو لم يشعر بالخوف، لما أمكن للطبيعة البشرية أن تتحرر من الخوف، ولو لم يكن قد اختبر الحزنَ، لما كان هناك تحرُّر مِن الحزن على الإطلاق؛ ولو لم يكن قد اضطرب وانزعج، لما وجد أي مهرب من المشاعر. ومن جهة كل انفعال من الانفعالات التي تتعرض لها الطبيعة البشرية، فإنك ستجد المقابل لها بالضبط في المسيح. فانفعالات الجسد كانت تتحرك، لا لكي تكون لها السيطرة كما يحدث في حالتنا نحن، بل لكي حينما تتحرك، فإنها يتم إخضاعها كليةً بقوة الكلمة الساكن في الجسد، وهكذا فإنَّ طبيعةَ الإنسان تجتاز تغيرًا نحو الأفضل“.[23] ق كيرلس في موضع آخر يقول ”إن لم يخف … لما تحررت الطبيعة البشرية من الخوف. وإذا لم يحزن لما تحررت أبدًا من الحزن“.[24] وعن بكائه على قبر لعازر، فكيرلس يقول إن المسيح ”بكى رغم أن الطبيعة الإلهية عديمة البكاء.. إنه بكى، وذلك لكي يجعلنا نحن لا نبكي.. سمح لجسده أن يبكي، رغم أنه بطبيعته الإلهية لا يخضع لأية انفعالات حزينة“.[25] كما نرى هنا، لقد قَبِل الابن المتجسِّد كلَّ أوجاع الإنسان، دون خطية، ودون أن تسود أو تطغى عليه. وكان الغرض من ذلك أن ينتصر هو على هذه الأوجاع لصالح البشرية جمعاء.
5- سر التجسُّد وعدم قابلية الله للموت
ق كيرلس يقول كما تحدث سابقًا عن تألم ابن الله يقول: ”بنفس النسق نفكِّر أيضًا في موته. إن كلمة الله حسب الطبيعة غير مائت وغير فاسد لكونه هو الحياة ومعطي الحياة. ولكن بسبب أنَّ جسده الخاص ذاقَ بنعمة الله الموتَ لأجل الجميع كما قال بولس، لذلك يُقال إنَّه هو نفسه قد عانى الموت“.[26] أعتقد أننا الآن أصبحنا على دراية بفكر الآباء واستراتيجياتهم في فهم ما حدث في التجسُّد تحديدًا.
من الشخصيات المهمة أيضًا ق إسحق الأنطاكي الأول (ت 491م)، والذي حارب النساطرة. واجه الأنطاكي سخرية البعض من فكرة أن يقول المسيحيُّون إنَّ الله مات. لذا نجده في إحدى قصائده يقول: ”سمعتُ الناسَ يتساءلون: أمات الله أم لم يمت؟ يا للجهل! .. فلولا أنه إله فكيف أظلمت الشمس؟ .. ولولا أنه إنسان فمَن الذي احتمل السياط..؟ حقًا لم يكن الجسدُ وحده مُعلقًا على خشبة الصليب بدون الله، ولم يكن الله يتألم في الجلجلة بدون الجسد. فافتخار البيعة العظيم هو أن ربنا له لاهوت وناسوت معًا، ليس في فرصوفين (شخصين) أو طبيعتين. فهو ابن واحد كامل.. فافتخار الكنيسة هو أن الله مات على الصليب لا بطبع أزليته بل بجسد ناسوتنا“.[27]
يواجه أيضًا مار فليكسينوس المنبجي (ت 523م) سخريةً في محيطه تقول ”كيف مات إن كان غير مائت؟“، ”مَن الذي كان يدبِّر العالمَ خلال الأيام الثلاثة..؟“، ”حتى الشياطين نفسها لا تموت، فكيف تنسبون الموت إلى الله“. فيشرح المنبجي أنَّ إنكارنا بأنَّ اللهَ قد صُلب، سيقودنا إلى الاعتراف بأن الذي صُلب هو إنسان. ”وكيف يقدر موت إنسان أن يحيي العالم؟ بل كيف كان يقدر أن يغلبَ الموتَ مَن كان خاضعًا للموت“.[28] ثم ينتقل إلى الكلام حول أنه مات جسدانيًا وهو حي بلاهوته. وينتهي إلى القول بإن”الصليبُ هو الكاروزُ بموت الله وبعدم مماته في آنٍ واحد. إنَّه أبطلَ الموتَ بموته، ومن المحال أن يَبطُل سلطان الموت بمائت. إنَّ عدم ممات الله لا يمنعنا من الإيمان بموته، كما أنَّ موته لا يضطرنا إلى أنكار عدم مماته.. لا نضع طبع الإله الكلمة تحت الألم، ولا نقول بموت إنسان غريب عنه“.[29]
6– سر التجسُّد وتجربة ابن الله
ننتقل لقضية أخرى كثيرًا ما أثارت الجدل، وهي أنَّ البعضَ يعتقد أنه لكيما يشابهنا الابن المتجسد في كل شيء، فلابد أن يخوض صراعاتنا بشكل حقيقي، وهذا صحيح، ولكن لا يكتفي البعض بهذا، بل يريدون أن يكون المسيح عُرضة للسقوط في الخطية أيضًا. والحقيقة أن الله يدرك عمق صراعاتنا بعلمه الكلي حتى قبل أن يتجسَّد. لكن يبقى السؤال، هل كان ممكنًا أن يسقط المسيح في الخطية؟ وهل تجربته من إبليس كانت حقيقية أم مسرحية؟
في واقع الأمر، واجه الآباء هذا الاعتراض مع الهرطقة الأريوسيَّة؛ إذ احتج الأريوسيون بآية مز 45: 7 ”أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ“، وقالوا إن الابن أخذ مكافأة الارتقاء لمرتبة ابن الله نتيجة اختياره البر، ومن ثم من وجهة نظرهم له طبيعة متغيرة، تنتقل من بغضة الإثم إلى محبة البر. يدحض ق أثناسيوس هذه الفكرة قائلاً ”فهي (الآية) ليست مثلما تفهمونها أنتم أنها تبيِّن أنَّ طبيعة اللوغوس متغيِّرة، بل بالأحرى فإنها تعني أنَّ اللوغوس غير متغير. لأنه بما أنَّ طبيعة المخلوقات متغيِّرة والبعض تعدوا الوصية والبعض الآخر قد تمردوا… كان هناك احتياجٌ إلى واحدٍ غير متغيِّر، لكي يحصل البشر على عدم تغيُّر بر اللوغوس“،[30] ويقول أيضًا ”وجب أن يكون آدم الثاني غير متغيِّر… فلكونه غير متغيِّر وثابت، تصير الحية عاجزة عن مساعيها ضد الجميع“. وبالتالي تنتقل هذه القوة إلى البشر. وبالتالي بينما رأى الآباء أنَّ البشرية تحتاج إلى الثابت في البر وغير المتقلقل في الصلاح، فإن احتمالية سقوط المسيح في الخطية لم تكن واردة أبدًا على ذهن الآباء.
كما أننا نجد بعض التأكيدات على هذا من خلال شروحات الآباء على آية رومية 8: 3 ”شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّة“. أغسطينوس يقول ”جاء في الجسد، أي في في جسد شبه الخطية، لكنه ليس في جسد خاطئ“.[31] وأمبروسيوس نفس الشيء ”أخذ جسدنا لكن ليس له سقطات الجسد“.[32] كذلك ق باسليوس الكبير (ت 379م) تعرَّض لنفس الآية في معرض رده على أناسٍ قالوا بأنَّ الأهواء الشريرة مُررت إلى شخص الكلمة في تجسُّده. فقسَّم باسليوس الأهواء إلى نوعين: أهواء طبيعية ضرورية Natural Pathe وأهواء شريرة Evil Pathe ناتجة عن الإرادة المنحرفة. وقال إن المسيح اتخذ النوع الأول دليلاً على حقيقة ناسوته، ولكنه لم يأخذ النوع الثاني الذي لا يليق بألوهيته. ثم يقول ”لقد اتخذ جسدنا بانفعالاته الطبيعية، لكنه لم يخطئ. ومع ذلك كما أنَّ موتَ الجسد الذي انتقل إلينا من خلال آدم قد ابتُلع باللاهوت، كذلك الخطية أيضًا دُمرت تمامًا بالبر الذي في المسيح يسوع، بحيث نستعيد في القيامة جسدنا غير قابل للموت وغير خاضع للخطية“.[33]
ق كيرلس في شرحه لتجربة المسيح من إبليس يتحدث على أن المسيح كان ”ذاهبًا ليحارب لحسابنا“،[34] حتى تنتصر فيه -باعتباره آدم الثاني- طبيعتنا التي هُزمت في آدم الأول. كما صُعق ق كيرلس ممَن قالوا باحتمالية سقوط المسيح في الخطية، مطالبًا إياهم أن يبحثوا فيه عن أي مظاهر للضعف البشري. وأكَّد أنَّ المسيح كان لابد أن يدخل التجربة منتصرًا ليداوي آثار سقوط آدم، لكيما يسد ”فوهة الخطية، ويبطل معها قوة الموت كما لو كان قد يبس مِن جذره“.[35]
جدير بالذكر أن هذا الموقف الرافض لاحتمالية سقوط المسيح في الخطية يتبناه صاحب ”اللاهوت النظامي“ واين جرودم الذي يقول ”لو كانت طبيعة يسوع البشرية قائمة بذاتها (لوحدها) لتواجدت الإمكانية النظرية المجردة بأنه كان ممكنًا أن يخطئ… لكن طبيعة المسيح البشرية ما وجدت قط بمعزل عن الاتحاد بطبيعته الإلهية“.[36] ماذا يعني هذا؟ جرودم يقول إنَّ أفعالاً مثل الجوع والعطش تخص ناسوته فقط، لكنَّ السقوط في الخطية يخص شخص المسيح بالكامل، وبالتالي مِن غير المتصور أن يسقط المسيحُ في الخطية؛ لأن الخطية فعلٌ أدبيٌّ يخص الشخص بأكمله. وكانت طبيعته الإلهية بمثابة ”مصد خلفي“ تمنعه من أن يخطئ، برغم من حقيقة التجربة التي دخلها وانتصر فيها.
خاتمة
هكذا فهمَ الآباءُ ما يمكن أن يُفهم مِن سِر التجسُّد العجيب، واستطاعوا بوعي وإيمان ثابتٍ وبلا تردد أن يقولوا: إنَّ غير المنظور صَار منظورًا، غير المحسوس صَار محسوسًا، غير المحوي صار جنينًا في البطن ومشي على الأرض، غير الزمني صار زمنيًا، غير المتألم تألم، غير المائت ومنبع الحياة مات على الصليب. كل هذا بجسده الخاص، ناسوته الذي استملكه، واتحد به أقنوميًا، بلا انفصام، وبلا اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فعلٌ إلهي/ إنساني واحدٌ، ناتجٌ عن شخصٍ واحدٍ، هو المسيح يسوع، ابن الله الكلمة المتجسِّد. له حمدنا وشكرنا وتمجيدنا وعبادتنا، إلى الأبد آمين.
[1] ق أثناسيوس، ضد الأريوسيين، المقالة الأولى، الفصل العاشر، فقرة 36. حسب ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، طبعة ثانية 2017، ص 100.
[2] نفس المرجع السابق، ص 101.
[3] ق إيريناؤس، ضد الهرطقات 4: 11: 2.
[4] ق كيرلس السكندري، المسيح واحد، ترجمة د جورج عوض، ص 65.
[5] رسائل القديس كيرلس السكندري، الرسالة رقم 45، فقرة 6. حسب ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020، ص 183- 184.
[6] Christopher A. Hall, Learning Theology with the Church Fathers, IVP, p. 90.
[7] مرجع سابق، الرسالة رقم 45، فقرة 6.
[8] بطرس كرم صادق، التعاليم الخريستولوجية عند ديونسيوس الأريوباغي المنتحل، دورية مدرسة الأسكندرية عدد 26، ص 44.
[9] John of Damascus, De Fide Orth. III, 7.
[10] Ibid.
[11] ق أغسطينوس، مدينة الله، الكتاب 7: 29.
[12] أوريجانوس، ضد كلسوس، الكتاب 4: 5، كما ورد في ترجمة هنري شادويك (Contra Celsum) ص 187، 188. بنفس المعنى يقول يوستين الشهيد نفس الفكرة تعليقًا على آيات في سفر التكوين يُقال فيها أن الله ”نزل“، فيقول ”لا ينبغي أن تظنوا أن الله الآب ذاته هو الذي نزل وصعد… رب الكل لا يأتي إلى أي مكان… بل يظل على الدوام في مكانه أينما كان.. وهو أيضًا لا يتحرك؛ إذ لا يحويه مكان“ (الحوار مع تريفو اليهودي، فصل 127).
[13] ق أثناسيوس، تجسد الكلمة، الفصل 17، ترجمة د جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي، 2017، ص 52، 53.
[14] يمكننا التعرف على هذه الدراسة الشيقة لتوماس تورانس في كتابه (Space, Time and Incarnation) والذي تم ترجمته تحت عنوان ”حدث التجسد: قراءة فلسفية لحدث التجسد من منظور الزمان والمكان“ بمعرفة مدرسة الأسكندرية للدراسات المسيحية.
[15] ق أغسطينوس، الاعترافات، الكتاب 11: 13.
[16] ق أغسطينوس، عن الثالوث، الكتاب 5: 1: 2.
[17] ق كيرلس السكندري، تفسير إنجيل لوقا، عظة 5، ترجمة المركز الأرثوذكسي، ص 51، 52.
[18] نفس المرجع السابق.
[19] ق اثناسيوس، ضد الأريوسيين، مقالة 3: 28: 52.
[20] ق أثناسيوس، ضد أبوليناريوس، ترجمة د جورج بباوي، 2016، ص 36، 37.
[21] ق أثناسيوس، ضد الأريوسيين، مقالة 3: 26: 32.
[22] ق كيرلس، شرح تجسد الابن الوحيد، فصل 36، ترجمة د جورج حبيب بباوي، ص 50.
[23] ق كيرلس، شرح إنجيل يوحنا، على يو 12: 28، ترجمة المركز الأرثوذكسي، ج2، ص 78.
[24] ق كيرلس، الكنوز في الثالوث، ترجمة المركز الأرثوذكسي، ص 367.
[25] مرجع سابق، شرح إنجيل يوحنا، ج 2، ص 50.
[26] ق كيرلس، الرسالة إلى نسطور 4: 5.
[27] تادرس يعقوب ملطي، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي، ص 183.
[28] الراهب روجيه أخرس، الرسائل العقائدية لمار فليكسينوس المنبجي، ج1، 2007، ص 101.
[29] أغناطيوس يعقوب الثالث، الأحاجي في جهاد مارفليكسينوس المنبجي، ص 38.
[30] أثناسيوس، ضد الأريوسيين، مقالة 1: 51.
[31] تادرس يعقوب ملطي، تفسير رومية، ص 152.
[32] نفس المرجع السابق، ص 153.
[33] St Basil, Letter 261.
[34] مرجع سابق، ق كيرلس، تفسير إنجيل لوقا، ص 75.
[35] ق كيرلس، ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية، فصل 23، ترجمة د جورج عوض، 2013، ص 103.
[36] واين جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، ج2، دار نشر إيجيلز جروب، ص 95- 96.
اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
بداية عامٍ جديدٍ، واحتفال بفرحة ميلاد السيد المسيح، تحمل لنا الأمل والرجاء، حتى ونحن نحتفل وسط الجائحة، التي تنهي عامها الثاني. عامان شهد خلالهما العالم بأسره تطورات كثيرة وعديدة جراء متحورات فيروس كورونا. لكن نشكر الله، من أجل ما أنتجه العقلُ البشري من تقنيات ساعدت في التوصل إلى اللقاحات المضادة للفيروس التي ساهمت في إنقاذ الكثيرين، وأن اللقاح المصري أيضًا دخل في مرحلة التجارب السريرية. ونشكر الله أيضًا على القيادة السياسية الحكيمة لبلادنا والتي تعاملت مع أزمة كورونا بحكمة، واستطاعت أن تجنب الكثيرين المخاطر الصحية والاقتصادية للجائحة.
حياة وسط المخاطر
لا شك أن هذه المتغيرات قد ألقت بظلالها على الجميع، وتسببت لنا جميعًا في الشعور بالمخاطر؛ خطر فقد الأحباء والقريبين، والذي تألم به كثيرون. خطر التقلبات الاقتصادية التي جعلت الكثيرين غير قادرين على مواجهة تحديات الحياة اليومية. شعور دائم لدى البعض بخوف مبالغ فيه وتوجس مستمر. خوف من المجهول، وتشوش بين المخاوف الحقيقية وغير الحقيقية.
هذه المخاطر غيرت نمط الحياة على المستوى العالمي حتى أننا اعتدنا الحياة وسط المخاطر اليومية. صحيح أن العاصفة هدأت إلى حدٍّ ما، ولكن مازالت المخاطر المفاجئة تظهر للسطح كل يوم. لكن رغم هذه المخاطر أتأمل في ميلاد السيد المسيح، الذي يمثل رسالة أمان وسلام وراحة؛ فالمخاطر التي أحاطت بقصة الميلاد لا تقل عن المخاطر التي نواجهها اليوم في حياتنا اليومية.
حضور الخطر وحضور الله في رحلة الميلاد
يصور لنا إنجيلا متى ولوقا عن أحداث ميلاد السيد المسيح منذُ البداية، ويصور لنا البشير متى الأحداث والمطاردات التي أحاطت بميلاد السيد المسيح. وسأذكر في هذا المقال أربعة مخاطر أحاطت بميلاد السيد المسيح.
الخطر الأول: انفصال يوسف النجار عن القديسة العذراء مريم (إنجيل متى 1: 18 – 19)
كان يوسف رجلاً بارًّا كما يصفه إنجيل متى وفوجئ أن خطيبته مريم، التي أوشك على الزواج منها، حامل في طفل! وفقًا للشريعة اليهودية، كان يوسف أمام قرار واحد، هو كشف الأمر لإنزال العقاب بالشريكة الخائنة والذي كان يصل إلى الموت رجمًا كما جاء في (سفر التثنية 22: 23 – 24). لكنَّ يوسف قرر أن ينفصل عن العذراء مريم دون فضحها “أراد تخليتها سرًّا”.
لكن في اللحظة المناسبة يتدخل الله، ويرسل ملاكًا يشرح الأمر ليوسف النجار: مريم عذراء ولم تخطئ، بل هي حبلت بشكل معجزي فائق للطبيعة؛ لأن هذه هي إرادة الله. تدخل الله لينقذ القديسة العذراء مريم ويحمي يوسف النجار من مخاوف غير حقيقية. وبالتالي كان هذا إنقاذًا لأسرة السيد المسيح من مخاطر عديدة قد تحدث بسبب هذا الخوف.
الخطر الثاني: خطر الموت على يد هيرودس الملك (إنجيل متى 2: 7 – 12)
حينما رأى هيرودس الملك أن المجوس قد جاءوا ليبحثوا عن الطفل المولود “ملك اليهود” خاف جدًّا، ودبر مؤامرة لقتل الطفل يسوع. وحتى يعرف مكان السيد المسيح، أوهم هيرودس المجوس بأنه يريد أن يذهب ويسجد له، حتى يخبروه عن مكان الطفل عندما يجدونه. نحن إذًا أمام مكيدةٍ هدفها قتل الطفل يسوع بمجرد ولادته، ويدبر هذه المكيدة “هيرودس”، صاحب أكبر قوة في البلاد ضد طفل صغير.
لكن الأكيد هو أن الحياة بحسب خطة الله لا تفشل أبدًا. لذا يتدخل الله في الوقت المناسب أيضًا، ليحقق خطته وقصده ومشيئته، ويكشف مؤامرة هيرودس ويطلب من المجوس ألا يرجعوا إليه، وبالتالي لم يعرف هيرودس مكان الطفل يسوع. يخبرنا التاريخ أن هيرودس هذا كان قاسيًا مجردًا من المشاعر الإنسانية حتى أنه قتل اثنين من أولاده، لكن رغم هذا يتدخل الله ليحمي الطفل يسوع وأسرته من بطش هيرودس.
الخطر الثالث: خطر قتل أطفال بيت لحم على يد هيرودس الملك (إنجيل متى 2: 16 – 17)
يخبرنا الكتاب المقدس عن غضب هيرودس من تصرف المجوس الذين استجابوا للملاك ومضوا إلى بلادهم دون أن يرشدوه لمكان الطفل. وامتزج غضب هيرودس بالخوف من الطفل يسوع باعتباره المسيا “الملك”. فأمر هيرودس بقتل كل أطفال بيت لحم دون السنتين، لكي يضمن بذلك أن يسوع قد مات. الغضب والخوف قادران أن يفقدا الإنسان عقله، فيصير هو نفسه خطرًا على المحيطين به بسبب مخاوفه غير الحقيقية.
مرةً أخرى نرى الله يتدخل وسط الخطر؛ فيظهر الملاك في حلم، ويأمر يوسف أن يأخذ الصبي وأمه ويهرب إلى مصر، لتتحقق نبوءةُ هوشع النبي “من مصر دعوت ابني” (سفر هوشع 11: 1).
بوركت بلادُنا مصر بأن تكون مأوى آمنًا للسيد المسيح، كما كانت دائمًا لأنبياء كثيرين لجأوا إليها بدايةً من إبراهيم أبي الآباء. وحمى اللهُ العائلةَ المقدسة في مصر، وبقيت فيها لسنوات، ولا تزال آثارهم باقية إلى الآن في أماكن عديدة تفتخر بها بلادنا الحبيبة.
الخطر الرابع: أرخيلاوس ابن هيرودس (متى 2: 19 – 23)
حينما مات هيرودس الملك، أخذ يوسف العذراء مريم والطفل يسوع وعادا إلى أراضي اليهودية. ولكن ما أن همُّوا بالدخول للأرض حتى رأى كيف أن أرخيلاوس، ابن هيرودس، أصبح ملكًا خلفًا لوالده. وكان معروفًا عن آرخيلاوس أثناء فترة حكم أبيه أنه شخص قاسٍ ومتسلطٌ، فخاف يوسف النجار أن يبطش بهم أرخيلاوس.
وهنا، لا يقول الكتاب المقدس بأن الله كلم يوسف من خلال ملاك كما في المرات السابقة، بل أن الله أنذر يوسف بطريقة غير مُعلنة. فحوّل يوسف مسار العائلة المقدسة من العودة لأراضي اليهودية إلى الشمال قاصدًا مدينة الناصرة. ولاحقًا، نعرف من التاريخ كيف قام الإمبراطور الروماني بنفي وعزل أرخيلاوس حتى موته. وهكذا، يتدخل الله بطرق غير معلنة لينقذ العائلة المقدسة من شرور عديدة أحاطت بهم.
حضور الخطر وحضور الله في رحلتنا
ربما لا تختلف المخاطر التي نواجهها حاليًا عن تلك التي أحاطت بميلاد السيد المسيح، وتسببت هذه المخاطر المفاجئة في تغيرات عديدة لكل خطوة من خطوات العائلة المقدسة، وكذلك تسببت مخاطر جائحة كورونا في تغيرات مفاجئة وسريعة. لكننا رأينا أيضًا كيف كان الله حاضرًا في وسط كل هذه المخاطر، وكيف كان يتدخل في اللحظة المناسبة، بطرق متعددة ليرشد يوسف النجار ويقوده نحو السلام والأمان.
يتدخل الله وسط المخاطر ليحقق مقاصده الصالحة دائمًا نحو شعبه. الله لا يتدخل بشكل عشوائي، ولا بشكل غير مفهوم بل دائمًا لديه خطة، ومقاصده الصالحة دائمًا نحو خليقته لا تسقط أبدًا. تعلمنا هذا من كلمة الله فهي الملجأ الآمن، إذ تعلن لنا عن طرق الله من نحونا، وعن الخير الذي يريده الله لنا نحن البشر.
إن حياتنا اليوم هي نموذج مصغرٌ لرحلة الميلاد، التي كانت مليئة بالمخاطر وبالتحديات؛ بعض هذه المخاطر كان حقيقيًّا، ولكن حتى المخاوف المُبالغ فيها التي تبناها هيرودس كنت تمثل خطرًا محدقًا بالسيد المسيح. وكما رأينا حضور الله في كل تفاصيل قصة الميلاد، ندرب حواسنا على إدراك حضور الله في وسط المخاطر في رحلة حياتنا. هذا الإدراك كفيلٌ بأن يهدئ من روعنا ومخاوفنا. لأن الله أعظم من الظروف، والمخاطر، والمخاوف.
إذا كنا نؤمن أن الله كليُّ السلطان على الظروف، فلن نخاف. وفي نفس الوقت، لأن الله -العظيم هذا- يحبنا! وبالتالي، كل ما يحدث لنا هو لخيرنا في نهاية الأمر. حينما نرى الصورة كاملة، سندرك معية الله، ونرى آثار أقدامه تسير بجانبنا طوال الرحلة والمسيرة. فقط علينا أن نميز مشيئة الله لحياتكنا، والأذن المصغية لصوت الله، والملتصقة بكلمته، ستدرك مشيئته. ومن يميز مشيئة الله لحياته يعيش في سلام داخلي وراحة داخلية؛ لأنه يعلم أنه يفعل ما يجب أن يفعله. فلا يوجد سلام يفوق هذا السلام الذي يمنحه الله، خصوصًا، وسط مخاطر الحياة”.
اسم الكاتب : ش. أسامة رشدي
في قلب الحدث
يتقسى قلبُ فرعون أكثر أمام عيني موسى،
تتناقص أعداد المحاربين أمام عيني جدعــون،
يجف نهر كريث تدريجيًا أمام عيني إيلـيا،
تنتهي حياة الابن الغالي أمام عيني الشونمية،
لم تصطد الشِباك شيئًا أمام عيني بطرس،
تتحطم سفينة رحلة روما أمام عيني بولس،
أمام كل هذه المشاهد الصعبة والمؤلمة.. إلهي وإلهك دائمًا فيها،
فيتمجد بفرعون وبمركباته، ويعبرُ الشعب في البحرِ،
يتمجد بالأعداد القليلة مع جدعون، ويصنع خلاصًا من المديانيين، يفتح بابًا جديدًا لإعالة إيليا مع امرأة أرملة صرفه صيدون، يسمع صلاة أليشع في العُلية وتحمل الشونمية ابنها حيًا،
تتخرق شبكة بطرس من السمك الكثير،
يٌنجي بولس ومن معه بقطعٍ وألواحٍ من السفينة المكسورة.
فلا ترتبك ولا تفشل، فالرب سيتمجد بقوة في وقته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (خروج4: 21)، (قضاه 7: 3)، (ملوك الأول 17: 7)، (ملوك الثاني 4: 21)، (لوقا 5: 5)، (أعمال 27: 41).
له رأيٌ آخر…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظن يوسف أن البركة لمنسي ابنه البكر، لكنها كانت لإفرايم.
ظن صموئيل أن آلياب هو الملك، لكن المسَحَة كانت لداود.
ظن داود أنه يبنى بيتًا لاسم الرب ،لكن التكليف كان لسليمان.
نعم، هناك مقاصد إلهيه حكيمةٌ جدًا،
مقاصد تفوق أفكارك المحدودة، ونظرتك القصيرة،
فدع الرب يغلق بابًا ويفتح آخر،
دعه ينير على خطوتك، ويرشدك للقرار والطريق التي تسلكها،
قد لا تفهم الآن، لكنك ستفهم فيما بعد،
ستفهم فيما بعد صدق اختياره، وروعة طرقه، وعلو أفكاره،
ستفهم أنه دائمًا في حياتك يوجد إله عظيم، وأمين، وصالح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 48: 17)، (صموئيل الأول 16: 6)،
(أخبار الأيام الأول 17: 4، 11، 12).
من الجافي حلاوة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تتعجب
فمن جوفِ الحوت، خرجت من يونان أعمق صلاة،
ووقت حراسات الليلِ، جاءت للرعاة أمجد بشارة،
وفى سفينةُ بطرس الفقير، كان أغنى تعليم،
وأمام قبرِ لعازرِ، سمعت مرثا أعظم إعلان،
وفى سجن فيلبي، خرج من بولس وسيلا أروع تسبيح،
وفى جزيرة بطمس، رأى يوحنا الحبيب أمجد رؤيا،
فلا تنزعج من ضيقتك بأي شكلٍ كانت،
فوراءها خيرٌ ورحمةٌ وإحسانٌ، وأيضًا تعليم ورؤيا وإعلان،
ولن يترك الرب أبدًا المشهد ظلام، فإنه يقينًا سيشرق لك بنور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (يونان 2: 1)، (لوقا 2: 10)، (لوقا 5: 3)،
(يوحنا 11: 25)، (أعمال 16: 25)، (رؤيا 1: 17).
خط النهاية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشوار موسى الصعب في البرّية، انتهى أخيرًا برؤية أرض الموعد، مشوار داود الصعب في البرّية، انتهى أخيرًا بتتويجه مَلكًا عظيمًا،
ومشوار فيلبس الصعب في البرّية، انتهى أخيرًا ببشارة فرح لوزير.
لكل مشوار طويل اجتزته نهاية، لكل برّية مؤلمة في حياتك وقت مُحدد، بعد كل ضيقةٍ ومشقةٍ أصابتك؛ هناك بركة وتعويض، بعد كل صبر وانتظار؛ هناك مواعيد عظيمة تتحقق، وبعد كل أنّات ودموع في عينيك؛ لك من الرب بشارة مُفرحة.
فأطمئن … فأنت لست عابر في البرية الصعبة وحدك، الرب عابرٌ معك، قائلٌ لك «قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تثنية 34: 1)، (صموئيل الثاني 5: 3)،
(أعمال 8: 39)، (تثنية 9: 3)، (إشعياء 41: 10).
باب مفتوح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سأل الرب إبراهيم وهو عاجزٌ في شيخوخته وسارة امرأته تَفنَى،
«هل يستحيل على الرب شيء؟»،
وسأل الرب موسى وهو حائرٌ أمام شعبٍ غفيرٍ جائعٌ جدًا في البرية، «هل تقصر يد الرب؟»،
وسأل الرب حزقيال وهو مندهش أمام رؤيا لبقعة أرض ملآنة عظام يابسة كثيرة جدًا. «أتحيا هذه العظام؟»،
هي أسئلة عجيبة فتح بها الرب بابًا عظيمًا لرجاءٍ ثمين، وتحقق هذا الرجاء والإيمان بالوعد والكلمة، فجاء اسحق ابن الموعد، وفاض الرب بالخير على الشعب الجائع، وأحيا العظام اليابسة، فصارت جيشًا عظيمًا جدًاجدًا…. والرسالة واضحة لك!
أمام كل تحدي ومستحيل، لا تفقد رجاءك،
إلهك يستطيع كل شيءٍ ولا يعسر عليه أمر،
ولن تقصر يده عن خلاصك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 18: 14)، (عدد 11: 23)،
(حزقيال 37: 3).
إله المستحيلات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمهما كان نهر الأردن ممتلئًا إلى جمـــــــيع شطــوطه،
ومهما كانت مدينة أريحـــــــا الحصينة مُغلّقــــــــــة مُقفــــــــــــلة،
ومهما كان آتــــــــون نبوخذ نصّر مُحمّــى ســــــبعة أضعــــاف،
ومهما كان لـــــعازر الميت أنتن داخــــل مغــارة عليها حجر،
ومهما كان بطرس مُقيّد بسلاسـل في سجن وباب حديد.
فبكلمته تقف المياه، تسقط الأسـوار، تفقد النار قوتها،
يقوم الميت حالًا، تُفتح الأبـواب الحـديدية،
لا يستحيل عليه شيء ولا يعسر عليه أمر.
فثق أنه قادر أن يتمّجد في أزماتك أيضًا….
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (يشوع 3: 15)، (يشوع 6: 1)، (دانيآل 3: 19)، (يوحنا 11: 39)، (أعمال 12: 10).
شعاع من نور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال موسى «لا أقدر أنا وحدي أن أحمل جميع هذا الشعب»،
وقال إرميا «فقلت لا أذكرهُ ولا أنطق بعد باسمه»،
وقال بولس «أننا تثقلنا جدًا فوق الطاقة حتى أيسنا من الحياة».
إننا نتعجب من حالة الخوارِ والإحباطِ واليأسِ التي كانت لأعظم أبطال الكتاب المقدس، لكننا نتعجب أيضًا كيف عبر الرب بهم، ومسك بيمينهم إلى الرجاءِ والنورِ والأملِ!
كيف منحهم قوة ومعونة وسنده!
فيهتف موسي «الإله القديمُ ملجأ والأذرع الأبدية من تحت»،
ويهتف إرميا «ولكن الرب معي كجبار قدير»،
ويهتف بولس «الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي»،
فتأكد أنك مسنود ومرفوع، إلهك معه أمرك،
لا تفشل، ولا تكتئب، ولا تطرح ثقتك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (عدد 11: 14)، (إرميا 20: 9)،
(كورنثوس الثانية 1: 8)، (تثنية 33: 27)، (إرميا 20: 11)،
(كورنثوس الثانية 1: 10).
عند قدميه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في وقتِ هدوءٍ، جلست مريم عند قدمي الرب يسوع عندما زارها؛
(لتسمع كلامه)،
وفى وقتِ ألمٍ، خرّت مريم عند قدمي الرب يسوع عندما مات لعازر؛
(لتبكي أمامه)،
وفى وقتِ فرحٍ، دهنت مريم قدمي الرب يسوع بالطيب، بعد قيامة لعازر؛ (لتمجيده وإكرامه)،
وهذه هي أوقات تعبر أيضًا بحياتك!
ربما أوقاتُ هدوءٍ، تجلس أمام الرب لتسمع كلامه، وتتلذذ به، وربما أوقاتُ ألمٍ، تسكب أمامه دموعك، وتُلقي همومك عليه، لكن أشجعك اليوم أنه ستأتي أوقات فيها تسجد عند قدميه، تمجده وتكرمه، وأنت شاكرًا، وفرحًا، بل وستقدم له كل غالٍ وثمين يستحقه، عندما يكافئ إيمانك، ويرى دموعك، ويستجيب لصلاتك، ويجُبر خاطر نفسك، ويصنع لك عجبًا …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (لوقا 10: 39)، (يوحنا 11: 32، 33)،
(يوحنا 12: 3).
جاري البحث…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما أروع محبة الرب!
فهي تبحث عن النفس البشرية أينما وجدت، تبحث عن آدم الخائف وراء أشجار «الجنة»، تبحث عن إيليا المحُبط في قلب «المغارة»، تبحث عن السامرية الخاطئة عند «البئر»، تبحث عن مريض بيت حسدا المُهمَل عند «الِبركة»، تبحث عن زكا العشّار فوق «الجُميزة»، تبحث عن أعرج الهيكل العاجز على «الباب»،
تبحث عن وزير ملكة الحبشة المسافر في «البرّية»، تبحث عن شاول مُضطهد الكنيسة في «الطريق»، محبة لا تكل، ولا تتوقف، محبة قوية وملتهبة محبة أزلية وأبدية، محبة غنية وفائضة، محبة تبحث عنك حتى ولو في أطراف الأرض، وأقاصي البحر، تناجيك دائمًا «إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ. أُعْطِي أُنَاسًا عِوَضَكَ وَشُعُوبًا عِوَضَ نَفْسِكَ.».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 3: 8، 9)، (ملوك الأول 19: 13)،
(يوحنا 4: 6، 7)، (يوحنا 5: 5، 6)، (لوقا 19: 4، 5)، (أعمال 3: 2، 6)، (أعمال 8: 26، 27)، (أعمال 9: 3، 4)، (إشعياء 43: 4).
جواهر ثمينة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترك إبراهيم “أرضه”، ترك موسى “خزائن مصر”، تركت راعوث “شعبها”، ترك أليشع “أبقاره”، ترك بطرس “شبكته”، ترك متى “وظيفته”، تركت السامرية “جرّتها”، ترك بارتيماوس “رداءه”، وزّع زكا “نصف أمواله”، كسرت مريم “قارورة الطيب”، باع برنابا “حقله”، خسر بولس “كل شيء”.
كل هؤلاء خسروا ليربحوا!
نعم،
خسروا وطنًا أرضيًا، وربحوا وطنًا سماويًا،
خسروا ممتلكات شخصية، وربحوا كنوزًا سماوية،
خسروا مجد الأرض، وربحوا مجد السماء،
لقد حسبوا كل شيءٍ نٌفاية من أجل فضل معرفه الرب …
فإن كنت ربحت المسيح في حياتك، وهو نصيبك، وكفايتك.
لا تحزن على خسارة أرضية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 12: 1)، (عبرانيين 11: 26)، (راعوث 1: 16) ، (ملوك الأول 19: 20) ، (لوقا 5: 11) ، (متى 9:9) ، (يوحنا 4: 28) ، (مرقس 10: 50) ، (لوقا 19: 8) ، (مرقس 14: 3) ، (أعمال 4: 37) ، (فيلبي 3: 8)
في الذاكرة الإلهية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلهك لا ينسى
فيُوسف الذي فسّر الحُلم لرئيس السقاة؛ «نسيه!»، وداود الذي كان حارسًا لأغنام نابال ليلًا ونهارًا؛ قال عنه «من هو داود؟»!
ومُردخاي الذي كشف مؤامرة ضد الملك أحشويروش؛ «لم يُفعل له شيئًا».!
فلا تحزن إن كنت لم تسمع كلمة شكرٍ، أو تقديرٍ، أو لم تنل مجازاةٍ عن خيرٍ صنعتهُ بإنسان.
ارفع عينيك فقط على إلهك، لأنه ليس بظالم حتى ينسى عملك، وتعب محبتك، هو سيكافئك في وقته،
فالثلاثة (يوسف، وداود، ومُردخاي)،
أجلسهم الرب جميعًا يومًا ما، على عروش الملوك!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 40: 23)، (صموئيل الأول 25: 10)،
(أستير 6: 3).
من أمور صغيرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يتوقع جدعون أن يأتي خلاص الله من المديانيين،
بجرار فارغه ومصابيح وأبواق،
ولم يتوقع شاول أن ينتصر داود على جُلّيات المبارز،
بحجــرٍ ومقـــــــــــــلاعٍ،
ولم يتوقع التلاميذ أن يُشبع الرب يسوع آلاف الجموع،
بخمس خُـــبزات وسمـــكتين.
فلا تسأل الرب بمن؟ وكيف؟ ومتى يَفُك أزماتك؟
فإلهك له طرقه الحكيمة والعجيبة، وقادر أن يفعل أكثر جدًا مما طلبت أو افتكرت، انتظره … وضع رجاءك فيه،
وتوقع منه كُل إحسانٍ، وخيرٍ، ورحمةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (قضاه 7: 20)، (صموئيل الأول 17: 49)،
(متى 14: 20).
لن يتأخر لحظة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما أمجد الرب!
أمسك بيد حماة بطرس فشفيت،
أمسك بيد ابنة يايرس فقامت،
وضع يديه الاثنتين على المرأة المنحنية فاستقامت،
وأمسك ببطرس كُلهُ فنجا من الغرق،
نعم، لا يتأخر أن يمسك يدك متى ضَعُفت،
ولا يتأخر أن يُمسك يدك متى انتهت كل قوة فيك،
ولا يتأخر أن يضع يديه الاثنتين عليك ليُقيمك متى انحنيت،
ولا يتأخر أن يُمسكك كُلك متى كنت معرضًا لخطرٍ،
إله عظيم!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (مرقس 1: 31)، (مرقس 5: 41)، (متى 14: 31).
بكلمة واحده فقط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان في قانا الجليل، وشفى ابن خادم الملك في كفرناحوم،
وأمام كلمته الشافية، لم تقف أمامه المسافة!
كان على الشاطئ والسفينة في البحر، وأمر أن تُلقى الشبكة،
وأمام كلمته المقتدرة، لم تقف أمامه الطبيعة!
كان أمام قبر لعازر، والميت في القبر، وأمر أن يرفعوا الحجر،
وأمام كلمته المحيية، لم يقف أمامه الموت!
لا يوجد مرض، أو مستحيل، أو قوة، أو زمن،
يستطيع أن يقف، أمام كلمة نطقها الرب يسوع بفمه.
فإن كان في حياتك «كلمة»، أو «وعد» منه،
فثق أنه سيتمجد في وقته ويتممه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (يوحنا 4: 46، 53)، (يوحنا 21: 4، 6)،
(يوحنا 11: 39).
يعين ويرحم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سجدت الكنعانية عند قدمي الرب يسوع، وقالت «يا سيد أعنّي»،
صرخ بارتيماوس الأعمى، وقال «يا يسوع يا بن داود ارحمني»،
لما ابتدأ بطرس يغرق في الماءِ، صرخ للرب يسوع «يا رب نجني»،
وماذا فعل الرب يسوع؟
قال كلمته للكنعانية، وقف لبارتيماوس، مدّ يده في الحال لبطرس،
نالت الابنة الشفاء، وُهب بارتيماوس البصر، نجا بطرس من الغرق،
فثق أنه أيضًا سامع صرخاتك وآهاتك،
لا تيأس ولا تفشل، فهو يُعين ويرحم ويُنجى،
مهما كانت ضيقتك صعبة.. الرب يسوع لا يستحيل عليه شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (متى 15: 25)، (مرقس 10: 47)، (متى 14: 30).
الدرس واضح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمياه الأردن انفتحت أمام أليشع من ضربة الرداء بعد المرة الثانية،
وابن الشونمية قام من الموت لما تمدد عليه أليشــع بعد المرة الثانية،
وابن أرمله صرفه قام من الموت لما تمدّد عليه إيليا بعد المرة الثالثة،
وأسوار أريحا سقطت بعد الهتافِ بالأبواقِ والدوران في المرة السابعة،
والمطر العظيم جاء بعدما رأى غلام إيليـــــا الغيمـــة في المرة السابعة،
والدرس واضح جدًا،
تحقق المستحيل يأتي بعد صبر، واستجابات الصلاة تأتي بعد مثابرة،
وسقوط الأسوار يأتي بعد تحدي، والمطر العظيم يأتي بعد طول أنـــــاة،
فلا تفقد رجاءك، مهما كانت الصعوبات والتحديات،
وثق أن الرب في النهاية، سيكافئ إيمانك وتعبك وصبرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (ملوك الثاني 2: 14)، (ملوك الثاني 4: 35)،
(ملوك الأول 17: 23)، (يشوع 6: 15)، (ملوك الأول 18: 44).
باقة ورد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما أجمل وعود الرب!،
قال لأسحق “أكون معك وأباركك”، وقال ليعقوب “وها أنا معك وأحفظك”، وقال لإرميا “لأني أنا معك لأنقذك”، وقال لبولس “لأني أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك”.
ويقول لك أيضًا “أنا معك”،
“أنا معك” إذا ســـرت في وادي ظـــــل المـــــوت، “أنا معك “إذا اجتزت في المياه والأنهار واللهيب، “أنا معك” لا أهملك وأتركك،
“أنا معك” فلا تخف، ولا تتلفت لأني إلهــــــــك،
“أنا معك” كل الأيام وإلى انقضاء الدهر،
إله رائع!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 26: 3)، (تكوين 28: 15)، (إرميا 1: 8)،
(أعمال 18: 10)، (مزمور 23: 4)، (إشعياء 43: 2)، (يشوع 1: 5)،
(إشعياء 41: 10)، (متى 28: 20).
طرقه حكيمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شق الرب البحر أمام موسى لشقّين،
لكنه أيضًا جعل نهر الأردن يقف أمام تابوت العهد نَدًّا واحدًا.
حفظ الرب نوح في فُلك خشب سليم،
لكنه أيضًا حفظ بولس في سفينة مكسورة.
شفى الرب أبرص واحدًا بلمسة،
لكنه أيضًا شفى عشرة رجال بُرصٍ بكلمة.
بعد ليل طويل، ملأ سفينة بطرس بسمكٍ كثيرٍ،
لكنه أيضًا سدد له الجزية بسمكةٍ واحدة.
هو عجيب وقدير في تعاملاته مع كُلِّ مستحيلٍ أمامك،
كُلِّ خَطرٍ أنت فيه،
كُلِّ مَرض وقَفتَ عَاجزًا أمَامَهُ،
كُلَ احتياجٍ مُفاجئ لم تتوقعه،
قد لا تعلم كيف ومتى يأتي لك بالاستجابة، لكنه بطريقه عجيبة قادر أن يقودك من وجه هذا الضيق، إلى رحبٍ لا حصرَ فيه، كما وعدك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توضيح: (شقين: صفين)، (ندًا واحدًا: صفًا واحدًا)
الشواهد الكتابية (مزمور 136: 13)، (يشوع 3: 16)، (بطرس الثانية 2: 5)، (أعمال 27: 44)، (مرقس 1: 41)، (لوقا 17: 14)، (لوقا 5: 7)، (متى 17: 27)، (أيوب 36: 16).
ماذا لو حدث هذا؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماذا لو سكت بارتيماوس الأعمى عن الصراخ للرب يسوع،
عندما انتهره الناس؟
ماذا لو تراجع يايرس ولم يأخذ الرب يسوع معه،
عندما قالوا له لا تتعب المُعلم؟
ماذا لو فشل حاملو المفلوج من الوصول للرب يسوع،
ولم يكشفوا سقف البيت؟
إن الإيمانُ الرائع وراء كل معجزة، الإيمان الذي لا يتوقف عن الهدف، مهما كانت الصعوبات والموانع، الإيمان الذي لا يفقد الرجاء عندما تحيطه رسائل الفشل وخيبة الأمل، الإيمان الذي يرى ما وراء الباب المغلق ولا ييأس من فرصه عنيدة، نعم، لم يترك بارتيماوس الرب يسوع إلا ونال البصرِ، لم يذهب يايرس لبيته إلا وهو معه، لم يفشل الرجال، وثابروا حتى أتوا بمريضهم أمامه، فلا تفقد تحدياتك، ولا تتراجع، ولا تيأس من بابٍ مغلقٍ. إلهك قدير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية (مرقس 10: 48)، (مرقس 5: 35)، (مرقس 2: 4).
خريطة الطريق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لو الطريق مجهول، وعدُه لك:
«أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ»
لو الطريق شـــاق، وعدُه لك: «وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ».
لو الطريق ظـــلام، وعدُه لك: «عَلَى طُرُقِكَ يُضِيءُ نُورٌ»
لو الطريق خطـير، وعدُه لك: «لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ.»
لو الطريق أحجـار، وعدُه لك: «لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرْقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ»
لو تَعِبت في طريقك، وتحتاج معونة وتشجيع، هو وعد وقال:
«أما أمرتك. تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الشواهد الكتابية: (مزمور 32: 8)، (خروج 32: 14)، (أيوب 22: 27)،
(مزمور 121: 3)، (مزمور 91: 11)، (يشوع 1: 9).
من أول لحظة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل تكوينك في الرحم عرفَك،
«قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ»،
وأثناء تكوينك في الرحم نسَجَك،
«نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي»،
وباكتمال تكوينك في الرحم أخرَجَك،
«أَنْتَ مُخْرِجِي مِنْ أَحْشَاءِ أُمِّي»
ولحظة خروجك من الرحم استقَبلك،
«عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ»
نعم، … هو إله حياتك كلها، بجملتها وبتفاصيلها، أنت محمول عليه من الرحم، ومسنود عليه من البطنِ، اطمئن لن يهملك ولن يتركك، لن يتخل عنك لحظة، ووعده الأمين الصادق لكل أيام حياتك.
«وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ وَأَنَا أَرْفَعُ وَأَنَا أَحْمِلُ وَأُنَجِّي».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابيةــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
: (إرميا 1: 5) (مزمور 139: 13) (مزمور 71: 6)
(مزمور 22: 10) (إشعياء 46: 4).
اسم الكاتب: ق. بيتر وديع
يأتي عيد الميلاد المجيد في مصر في شهر يناير، وتعم الكنائس الاحتفالات بذكرى ميلاد الرّب يسوع المسيح لأرضنا، كمخلِّصٍ وفادٍ للبشريّة جمعاء. وفي إطار الحديث والاحتفال بذكرى الميلاد رأينا أن نعرض لقرّاء النسور كتاب “ألقاب المسيح” للأب متى المسكين، حتى نلقي الضوء على الجوانب المُتعددة لعظمة وروعة الرّب يسوع المسيح، الذي جاء إلينا مُتفرِّدًا وليس له نظير. فهو المُخلِّص والرّب والسيد والراعي والمسيح والله الظاهر في الجسد، وهذه الألقاب الغنية والمُتعددة التي تُعبّر عن هويّة المسيح، ودوره الفدائي الكفاري والشفاعي والرعوي لنا في رحلة الإيمان والحياة، نجدها في ألقابه المختلفة التي قدَّمها وشرحها الفاضل الأب متى المسكين في هذا الكتاب.
وكما هو واضح لكل قرّاء الأب متى أنه بالفعل يتَّسم بأسلوب يُمكن أن نصفه بـ”السهل الممتنع” فهو بسيط في كتابته، ولكن عميق جدًّا في نفس الوقت، هو أيضًا روحي جدًّا وفي نفس الوقت أكاديميٌّ، وهو عملي جدًّا وفي نفس الوقت لا يخلو من التنظير اللاهوتيّ. لذا فهو السهل الممتنع، الذي عندما تقرأه تشعر أنه قريب منك جدًّا، ولكن عندما تتأمله تجده يأخذك إلى أعماق جديدة لا تستطيع الإلمام بها بسهولة.
ويبدأ كتاب “ألقاب المسيح” بمقدمة عَن ماهية المسيح؟ ويستند الكاتب إلى ما جاء في رسالة العبرانيين والإصحاح الأول عَن الرّب يسوع أنه “بهاء مجد الآب ورسم جوهره” ويقول إننا نفهم صفة المسيح طبيعيًّا بالنسبة للآب هكذا: إن المسيح هو إشعاع يعكس بطبيعته مجد الله. وهذا الوصف قائم أساسًا على علاقة طبيعة المسيح بطبيعة الله على أن طبيعة الله هي مجده، ومجده هو نور. وهذا ما اصطلح عليه الآباء الأوائل بمقولة لاهوتيّة صارت جزءًا لا يتجزأ من إيماننا، أن المسيح هو “نور من نور”.
ثمّ يأتي الفصل الأول بعنوان “في لاهوت المسيح الذي حدَّد مصير الإنسان” ويُحاج الأب متى هنا أنه بالرغم مِن أن العهد الجديد لا يُعطي المسيح اسم الله مباشرةً، وهو يعتبر أن هذا مقصود لضرورة حتميّة؛ لأن المسيح هو “ابن الله” والابن لا يمكن أن يكون “الله” إلا مع الآب. ولكن يُمكن من تصريحات عديدة ومن أدلة كثيرة نستنتج أن “الله في العهد القديم” هو “المسيح في العهد الجديد” لذا فهو يختم هذا الفصل بتأكيد أن إعلان المسيح “أنا هو” يعطي للإنجيل كله فهمًا جديدًا فائقًا متعاليًا يليق بالمسيح الذي يقول “أنا والآب واحد” فأنا هو اسم واحد لجوهر الآب والابن وهو اسم الألوهة ببيان ووضوح وتأكيد مُفرح.
وبعد هذا الفصل الافتتاحيّ يأتي الكتاب في فصول متتاليّة صغيرة يحمل كلٌّ منها لقبًا من ألقاب المسيح، وعددهم 21 لقبًا، وبذلك يكون إجمالي فصول الكتاب 22 فصل بعد المقدّمة. وسنقوم الآن بعرض أبرز الألقاب في صورة متتاليّة مع شرح سريع لكل لقب حتى يتضح المعنى منه.
المسيح “ابن الله“
هو اللقب المهيب، كان مترسخًا في التقليد اليهودي عَن شخص المسيَّا الآتي، وفي التقليد المسيحي المُبكِّر كان أول مَن نطق بلقب المسيح كابن الله هو القديس بطرس، حينما نال مِن الآب مباشرةً الإعلان الخاص بالمسيح. ونحن لا نبلغ قمة خلاصنا ومصالحتنا مع الله الآب إلا بتوسُّط الابن، باعتباره واحدًا مع الآب. فمن وحدة الابن مع الآب نستلهم ملء الحب والغفران والخلاص والتبنِّي والمجد، والشركة ودوام الحياة.
“ابن الإنسان” اللقب المحبوب عند المسيح
هذا اللقب اختاره المسيح ليُخفي به لقب المسيا، الذي كان اليهود يستخدمونه في تمنياتهم وانتظارهم باعتباره الملك الآتي. وكان يعطي نفسه هذا اللقب ليعبر عن السلطان على مغفرة الخطايا، وهنا نرى بطلان كل أبحاث العلماء الذين قرروا أن لقب “ابن الإنسان” لا يزيد قط عن لقب إنسان. فالمسيح كان يقصد عن حق ويقين أن هذا اللقب هو اللقب التجسيدي الخاص جدًّا بابن الله.
المسيح والمسيَّا
المسيا بالمفهوم العبري هو الشخص الممسوح من الله، والمسيح هو انتظار اليهود الذي كانوا يترجونه لكي يخلص من عبودية الأمم. وفي الحقيقة تحقق هذا الأمر في يسوع المسيح ولكن اليهود لم يؤمنوا به لأنه جاء مخالفًا لآمالهم. وبعد قيامة الرّب يسوع بدأت الكنيسة الأولى تستخدم هذا اللقب حتى صار لقب “المسيح” هو الطاغي عن شخصية يسوع، فلم يعُد يذكر اسم يسوع إلا تلميحًا بالمسيح تعبيرًا عن الإيمان بحقيقة المسيح ومعيارًا للعبادة.
المسيح “رب“
أول اسم عرفناه عن الله كان يهوه “YHWH”، ويُكتب بحروف لاتينيّة بدون تشكيل، وهو مجهول النطق الصحيح الذي ضاع على مر الزمان بسبب الخوف من المجهول. وبسبب التحذير الوارد في سفر التثنية بنطق اسم الله تمّ استبداله بكلمة “أدوناي”. ومع التطور ظهر اسم “الرب” “Κύριος” أي “السيد” فهو اسم علاقة ومناسبة وذلك لأن الله اقتنى لنفسه شعبًا، وهم له وهو أصبح سيدًا عليهم، وهم عبيده لأنهم يعبدوه كرب أو كسيد أعظم.
المحبوب
ورد هذا اللقب في رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس، بقصد أن ينبِّه أذهاننا إلى صفة للمسيح ترقى إلى طبيعته، لمشاغلة قلوبنا. ففي المحبوب بكل ملء حب الآب وحبه تنازل في طاعة حب الآب ورضي أن يحل بالإيمان في قلوبنا، فإذا آمنا بالمسيح أنه هو “محبوب الآب الوحيد” وتيقنَّا من وجوده، استطاع أن ينقل وجوده داخل قلوبنا، ويُحقق لقب المحبوب بداخلنا.
الفدية والكفَّارة
يُقال في اللاهوت أن المسيح هو الفدية التي قدمها أبوه الكلي المجد والكرامة، ولكن لا يقال إنه الفادي؛ فالآب افتدانا بابنه. فالآب هو الفادي والابن هو الفدية، لذلك لم يأتِ لقب الفادي بالنسبة للمسيح في جميع الأسفار بالعهد الجديد، وذلك من وعي لاهوتي دقيق ومُلفت للنظر. فالله الآب في الأزل أكمل الفداء، والابن أتم الفداء في الزمن. وأما بالنسبة لمصطلح “الكفارة” فلقد أدخله الرسول بولس في علم اللاهوت كوسيلة عملية لشرح مفهوم الصليب والدم المسفوك وقوته في غفران الخطايا.
عمانوئيل
يُنطق هذا اللقب بكسر العين، وترجمته الصحيحة “الله يكون معنا” باعتبار المستقبل. و”عمانوئيل” الله معنا لم يعُد اسمًا ولقبًا للرّب يسوع المسيح المولود من عذراء، ولكنه كيان حقّقه تحقيقًا ثابتًا أبديًّا بأخذه جسدًا لنفسه من العذراء بروح الآب. فبلبسه جسدنا صار معنا بل صار فينا بل صار لنا، وأدخلنا في كيانه فصرنا وكأننا من لحمه وعظامه.
رئيس الحياة
لا يوجد كائن حيٌّ بذاته إلاَّ الله! والحياة الأبدية طبيعة إلهية مطلقة أي أزلية وأبدية معًا. ونحن لم نكن نعرف الحياة التي يحياها الله، وهي المنزّهة عن الموت والتغيير، حتى تجسّد ابن الله؛ ولكنه عاش بيننا بالجسد حياةً بشريةً حتى إلى الصليب والقبر، ولكنه في اليوم الثالث قام من بين الأموات حيًّا بذات الجسد. وهكذا لأول مرة عرف الإنسان وشاهد ولمس الحياة الأبدية في اسم المسيح القائم من بين الأموات بقوة لا تزول ولا يسود عليه الموت بعد. وهكذا أدرك الإنسانُ الحياةَ الأبدية، حياة الله.
العريس
أن يدخل هذا اللقب ضمن ألقاب المسيح اللاهوتيّة، فهذا أمر غريب يَدهش له العقل، خاصةً أنه هو الذي اختاره لنفسه، وقد كرره في الثلاثة الأناجيل. وما التقطناه من فم الرّب يسوع عن وصفه لنفسه أنه عريس، حيث العروس وإن كانت مخفية ضمنًا في كلامه فهي الكنيسة، كما كشفها القديس بولس الرسول في رسالة أهل أفسس على مستواها الزيجي الحقيقي: “من أجل ذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. هذا السرُّ عظيمٌ، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة” (أف5: 31- 32)
وهذا يرينا أصل الزيجة التي تمّت باتحاده أولًا بجسدنا في العذراء الذي أخذ منها عروسه، الذي هو الجسد، فولد متحدًا بها بلاهوته، أي ولدت الكنيسة متحدة بالمسيح يوم وُلد المسيح، وبالتالي وُلد كل فرد منّا في بيت لحم فصارت مسقط رأس البشريّة المفتدية.
حمل الله
يتَّجه هذا اللقب اتجاهًا شديدًا ومباشرًا نحو الصليب؛ فلا وظيفة للحَمَل في تدبير الله إلا أن يكون ذبيحة، وأساس الذبيحة في العهد القديم وبشكل عام هو تغطية الخطية. لذلك حرص المعمدان أن يعطيه صفة تحدِّد قوة عمل الذبيحة في العهد الجديد فقال: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29).
وفي النهاية بعد أن عرضنا أبرز ألقاب المسيح التي ورد في كتاب “ألقاب المسيح” للفاضل طيب الذكر الأب متى المسكين، أقرُّ بأنني تشرفتُ ككاتب في النسور، وعضو لجنة تحريرها، بعرض هذا الكتاب، إليك عزيزي القارئ، طالبًا من الرّب أن يستخدم هذا العرض للتشجيع والحثّ للاقتراب بشكل أعمق من رب المجد يسوع المسيح، والاتحاد به، وتكريس الحياة لشخصه، حتى نكون أواني للكرامة نافعة للسيد، تُقدّم النفع للكنيسة والمجتمع ككل.
اسم الكاتب: سامح إبراهيم
يختلف إنجيل يوحنا عن الأناجيل الإزائية/ المتشابهة (مرقس، متى، لوقا) بالكثير من الاختلافات. واحدة من هذه الاختلافات هي طريقة الكشف أو الإعلان عن هوية يسوع الناصري، بطل الرواية. لنأخذ مرقس كمثال، يتكلم الله مرتين فقط في إنجيل مرقس. المرة الأولى في المعمودية حيث يعلن الله “أنت ابني الحبيب الذي به سُررت” (مرقس 1: 11). المرة الثانية في التجلي حيث أعلن الله مرةً أخرى “هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا” (مرقس 9: 7). يُفصح مرقس عن هوية يسوع للقاريء/المستمع في عنوان إنجيله بالقول “بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله” (مرقس 1: 1). قُرّاءُ الإنجيل فقط يعرفون منذ البداية هوية يسوع المتسامية؛ كالمسيح، وكابن الله. فقط عند منتصف الإنجيل يعترف بطرس باللقب الأول قائلًا: “أنت المسيح” (مرقس 8: 29) وفقط قرب نهاية الإنجيل يعترف قائد المئة الأممي بعد موت يسوع قائلًا: “حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (مرقس 15: 39).
شخوصُ رواية مرقس لا يصلون أبدًا لمعرفة هوية يسوع. هم يندهشون منه ويتساءلون حول شخصه وأعماله بحيرة شديدة (1: 27؛ 2: 12؛ 4: 41؛ 6: 2، 51؛ 7: 37؛ 11: 18؛ 15: 5، 44؛ 16: 5) حتى إنّه يمكن أن نسمي هذا الإنجيل بإنجيل الدهشة. حين تصل الكائنات غير البشرية، الشياطين، لمعرفة هوية يسوع كقدوس الله أو ابن الله فإن يسوع كان يُخرسها (1: 25، 34؛ 3: 12). كذلك كان يوصي يسوع من يشفيهم (1: 44؛ 5: 43؛ 7: 36) ومن يصلون لمعرفته هويته السامية (8: 30؛ 9: 9) بكتمان الخبر وكان يشدد على وصية الصمت هذه، الأمرَ الذي يسميه العلماء المتخصصون في مرقس ب “السر المسياني.”
حين نأتي إلى إنجيل يوحنا، نرى أنَّ تعريف البشير لهوية يسوع لا يأخذ آيةً واحدة مثل مرقس 1: 1 بل آيات طويلة (يوحنا 1: 1-18) ومنذ بداية إنجيل يوحنا تتوالى الاعترافات بشكل مكثف عن يسوع الناصري. يشهد يوحنا المعمدان بأنه “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (1: 29) وأنه “ابن الله” (1: 34) ويهتف أندراوس متحدثًا لأخيه سمعان “قد وجدنا مسيا” (1: 41) ويُقرُّ نثنائيل أمام معرفة يسوع الفاحصة إقرارًا مطولًا “يا معلم، أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” (1: 49). تتوالى الاعترافات لاحقًا، حيث تعترف المرأة السامرية أنه “المسيح” (4: 29) ويعترف أهل السامرة بأنه “مخلص العالم” (4: 42) ويعترف بطرس قائلًا: “أنت قدوس الله” (6: 69)،[1] وتعترف مرثا: “أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم” (11: 27) ونصل إلى ذروة الاعترافات في اعتراف توما “ربي وإلهي” (20: 28). يحرصُ يسوع منذ البداية على إعلان مجده بصراحة للتلاميذ ليؤمنوا به (2: 11). لا ننتظر طويلًا كي نُعاين هذا المجد، كما تفعل الأناجيل الإزائية حين يظهر مجد يسوع في التجلي في منتصف الإنجيل تقريبًا (مرقس 9: 2-8؛ متى 17: 1-8؛ لوقا 9: 28-36). يُعلن يوحنا وكلُّ المؤمنين معه منذ البداية: “رأينا مجده، مجدًا كما لوحيدٍ من الاب” (يوحنا 1: 14).
يوحنا بالتالي عكس الإزائية. ليس به وصيةُ صمت وليس به سرٌّ مسياني. يسوع يكشف عن هويته بوضوح شديد مبكرًا. عبر صفحات الإنجيل يؤكد يسوع هويته ببراهين كثيرة وإشارات واضحة. أبرز هذه الإشارات عبارات “أنا هو” السبع الشهيرة: “أنا هو خبز الحياة” (6: 35)، “أنا هو نور العالم” (8: 12)، “أنا هو الباب” (10: 9)، “أنا هو الراعي الصالح” (10: 11)، “أنا هو القيامة والحياة” (11: 25)، “انا هو الطريق والحق والحياة” (14: 6)، “أنا الكرمة الحقيقية” (15: 1).
لا يعلن يسوع فقط عن نفسه وهويته بل يُعلن ويكشف الله كشفًا تامًا ونهائيًا. لم يجد يوحنا لقبًا مناسبًا يوضح إعلان يسوع عن الله أكثر من اللقب λόγος لوغوس (“كلمة”). بوصف يوحنا للرب يسوع بأنه “الكلمة” هو يُبرز حقيقة أن يسوع هو الإعلان والكشف عن الله كما تُعلن الكلمة عن شخص قائلها. ليؤكد يوحنا الأمرَ، ختم مقدمته بالقول “اللهُ الابنُ الوحيد[2] الذي هو في حضن الآب هو خَبَّرَ” (يوحنا 1: 18). الفعل ἐξηγήσατο “خبّر” هنا يأتي بمعنى “يفسر” أو “يشرح” ومن هذه الكلمة جاءت كلمة Exegesis أو “تفسير،” وهو الاسم الفني لعلم التفسير. ولقد عبر كارسون عن فكرة الآية تعبيرًا جميلًا بقوله “Jesus is the exegesis of God” أو “يسوع هو تفسير الله” (Carson, John, 135). بحسب هذه الكلمة، فإنَّ يسوع “يفسر أو يخبر القصة بأكملها” عن الله الآب–على حد تعبير أندرياس كوستينبرجر Köstenberger, John, 50) ( إنَّ علاقة يسوع الحميمة وقربه من الله الآب، حيث كان في حضنه، جعلته مؤهلًا تمامًا أن يفسر ويعلن الله، كما أهلت علاقةُ التلميذ الحبيب الحميمة حيث كان في حضن يسوع (13: 23) أن يعلن ويشهد عن يسوع بحق (19: 24). هكذا تنتهي المقدمة كما بدأت أنَّ الكلمة في علاقة حميمة بالله، “كان عند الله” (ع 1) وكان “في حضن الآب” (ع 18). بالتالي، يسوع وحده يُمكن أن يكشف الله تمامًا ونهائيًا. بهذا صَدَقَ يسوعُ حين أعلن: “ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلا بي . . .الذي رآني فقد رأى الآبَ” (يوحنا 14: 6، 9).
يرد اللقب “لوجوس” مرتين في مقدمة إنجيل يوحنا (1: 1-18): “في البدء كان الكلمة” و”الكلمة صار جسدًا” (يوحنا 1: 1، 14). لا يظهر اللوجوس مرة أخرى في إنجيل يوحنا كلقبٍ ليسوع. لا يأتي خارج إنجيل يوحنا كلقب ليسوع إلا في رؤيا 19: 13. في كلام يوحنا المزدوج عن الرب يسوع كاللوجوس هو يؤكد حقيقتين: في قوله “في البدء كان الكلمة” (ع 1) يؤكد سموه وتعاليه، وفي قوله الثاني “والكلمة صار جسدًا” (ع 14) يؤكد قربه وتنازله.
أولًا، الكلمة في سموه وتعاليه
يؤكد يوحنا في يوحنا 1: 1-5 على بُعدِ الكلمة وسموه وتعاليه. يبدأ يوحنا ب “في البدء كان الكلمة” وهي كلمات تُشبه مقدمة سفر التكوين “في البدء خلق الله السماوات والأرض” (تك 1: 1) وتتشابه أيضًا مع “البدء” الذي تبدأ به الأناجيل الإزائية (مرقس 1: 1؛ لوقا 1: 2؛ متى 1: 1 وإن كان متى لا يبدأ بكلمة “البدء” لكن عبارة “كتاب ميلاد/تكوين” توحي بنفس فكرة البدء). لكن “بدء” يوحنا يتجاوز بدء التكوين، من جهة وبدء الإزائية، من جهة أخرى. “بدء” التكوين هو بدء عملية خلق الله للكون وتنظيمه للفوضى السائدة في ذلك الماضي البعيد. لكنَّ “بدء” يوحنا يسبق الخلق، فالحديث عن الخلق لا يأتي في يوحنا 1: 1، بل يأتي بعد ذلك، يأتي في الآية الثالثة: “كلُّ شيءٍ به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” وما بعدها. فالبدء الذي يشير إليه يوحنا هو البدأ الأزلي، الذي يسبق الخلق والزمن. ولقد أحسن المترجم العربي الأسعد أبو الفرج هبة الله بن العسّال، في القرن الثالث عشر، حين ترجم يوحنا 1: 2 كالتالي: “هذا كان في الأزل عند الله.” كذلك يتجاوز “بدء” يوحنا بدء الأناجيل الإزائية. بينما بدأ مرقس روايته من معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان، ذهب متى ولوقا إلى الوراء، أي إلى ميلاد يسوع في بيت لحم اليهودية، لكنَّ يوحنا رجع إلى ما قبل المعمودية وقبل الميلاد، كما في الإزائية، ورجع إلى ما قبل خلق الكون، كما في التكوين، رجع إلى الأزلية السحيقة، ومن هناك بدأ روايته عن يسوع.
في العبارات الأولى من المقدمة يؤكد يوحنا على أزلية الكلمة/اللوجوس. يسمو الكلمة على كل شيء زمانيًا ومكانيًا. لقد كان في البدء أو الأزل، من حيث الزمان، وكان عند الله، من حيث المكان. الفكرة اللاهوتية هنا هي أن يسوع الناصري، وهو الشخص التاريخي الزمني، الذي فيه ومن خلاله دخل اللوجوس إلى حيز الزمان والمكان، له أصلٌ أزلي. في تفسيره الرائع ليوحنا، أكد رودلف بولتمان على أنَّ قول يوحنا إنَّ الكلمة الذي كان في البدء صار جسدًا في شخص يسوع الناصري هو تأكيدٌ على اختلاف يسوع وعلى آخريته المطلقة his absolute otherness، حيث “في شخص يسوع وكلماته لا يُقابلُ المرءُ شيئًا له أصلٌ في العالم أو الزمن. إنَّ المقابلة والمواجهة هي مع حقيقة تقع وراء العالم ووراء الزمن” (Bultmann, John, 32).
اللوجوس له وجود سابق على الكون، لكن له دور في وجود الكون. الأمرَ الذي وضحه يوحنا بقوله “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كان” (ع 3). هذا الدور الكوني ركز عليه الفلاسفة اليونانيون في تصورهم للوجوس وتكلم عنه كُتاب العهد القديم، خاصةً أدب الحكمة، وركز عليه الفيلسوف واللاهوتي الكبير فيلو الإسكندري (20 ق. م- 50 م) والذي حاول الربط بين الفلسفة والكتاب المقدس. فالفيلسوف هيراقليطوس في حوالي سنة 500 ق.م والفلاسفة الرواقيون، من بعده، اعتبر اللوجوس هو المبدأ الكوني الذي يتخلل الكون ويحكمه وينظم ظواهره المادية المتناقضة فيحفظه بعيدًا عن الفوضى. بالإضافة لهذا البعد الكوني، اعتبر أفلاطون (429-347 ق.م) “اللوجوس” ضدًا للأسطورة حيث اللوجوس هو العقلانية وكان يرى أفلاطون أنه لا توجد بَليَّةٌ أكثر من أن يكون الإنسان كارهًا للحوار العقلاني. كذلك اعتبر أرسطو (384-322 ق.م) اللوجوس هو المنطق وهو يميز البشر عن بقية الكائنات. كذلك ربطت الرواقية بين البعد الأخلاقي والكوني فاللوجوس يُمكّن الإنسان أن يعيش بحكم المنطق الصحيح الذي يتفق والطبيعة. بنفس الكيفية نجد اللوجوس أو الحكمة في العهد القديم. الله بالكلمة، דבר (دبار) في النص العبري و λόγος (لوغوس) في الترجمة السبعينية LXX، صنع كل شيء. الشواهد الكتابية على ديناميكية كلمة الله وفاعليتها في الخلق كثيرة منها “بكلمة الرب صُنعت السموات، وبنسمة فيه كلُّ جنودها” (مز 33: 6). كانت عبارة “قال الله،” التي ترد قبل كل عمل خلق في تكوين 1، سببًا في الربط بين كلمة الله والخلق. لاحقًا في أدب الحكمة تم ربط دور الكلمة في الخلق بمفهوم الحكمة، خاصةً أمثال 8: 22-31 حيث نقرأ قول الحكمة عن نفسها: “كنتُ عنده [أي عند الله] صانعًا” (أم 8: 30). ترتبط عبارة “قال الله” في العهد القديم ليس فقط بالخلق بل بإعلان الله عن نفسه، خاصة من خلال الأنبياء وكلمة الله التي تأتي إليهم (مثلًا، هو 1: 1؛ يؤ 1: 1). الله يخلق الكون وينظمه بكلمته الخالقة وكذلك ينظم حياة شعبه من خلال كلمته التي يرسلها من خلال الأنبياء والتوراة من قبل.
اهتم الفيلسوف اليهودي الكبير فيلو الإسكندري باللوجوس. في تقديمه للمجلد السابع عشر من The Studia Philonica Annual (2005)، يقول جريجوري سترلينج، وهو من كبار المتخصصين في فيلو، إنَّ اللوجوس مركزي في فكر فيلو الإسكندري ولقد ورد المصطلح في كتاباته أكثر من 1400 مرة. فكرة فيلو عن اللوجوس معقدة جدًا. من قراءة أعمال فيلو عن اللوجوس، يمكن أن نستنتج أنه يقصد به في مراتٍ عقل الله حيث تسكن الأفكار وأن اللوجوس هو النموذج الذي به وعلى مثاله خلق اللهُ العالم والإنسان. في مرات أخرى يعتقد فيلو أن اللوجوس هو المنطق الصحيح في الإنسان الذي يمكنه أن يعيش حياة الفضيلة. في كتابه عن يوسف يرى فيلو أن اللوجوس الكوني تجسد في توراة موسى. في أعمال أخرى يرى أن اللوجوس تجسد في أفراد مثل موسى أو في رئيس الكهنة.
يخطو يوحنا، بل يخطو اللوجوس، خطواتٍ عريضة نحو الأسفل، نحو البشر. اللوجوس الأزلي الإلهي (يوحنا 1: 1-2)، اللوجوس، كحكمة الله وكلمته القادرة الذي كون به الله كلَّ شيء (يوحنا 1: 3)، يقرر أن يمنح الحياة للبشر “فيه كانت الحياة والحياة نور الناس” (يوحنا 1: 4). كان اللوجوس محتكرًا للحياة. كانت الحياة أصيلة فيه. عبّر يسوع عن هذه الفكرة في يوحنا 5: 26 بقوله “كما أنَّ الآب له حياةٌ في ذاته كذلك أعطى الابنَ أيضًا أن تكون له حياة في ذاته.” لكنَّ الكلمة في عملِ نعمةٍ ومنح، اختار أن يُشركَ الناسَ في حياته، وما كان حقًا أصيلًا له، صار للناس شركةٌ فيه. إنَّ حياة الكلمة صارت نورًا للناس. كما أن النور متاح للكل، هكذا حياة الكلمة صارت متاحة لكل الناس. حصول الناس على الحياة من الكلمة هو النور. إن الحياة في إنجيل يوحنا هي المعرفة (يوحنا 17: 3) –تحديدًا معرفة الآب ومعرفة ابنه. هنا الحياة هي النور، أي القدرة على الفهم والتفكير والبصيرة، وهو ما يرغب الكلمة أن يعطيه للناس.
إنَّ منح الكلمة النور للناس يكمن في كونه هو نفسه “النور الحقيقي” وفي رغبته أن “ينيرُ كلَّ إنسان” (يوحنا 1: 9). من الممكن أن يكون يوحنا المعمدان نورًا، لكنه فقط مصباح، “السراج الموقد المنير” (يوحنا 5: 35). أما الكلمة فهو “النور الحقيقي.” تعني الصفة ἀληθινόν آليثنون: الحقيقي، النهائي، وهي صفة تعبر عن كون يسوع كاللوجوس هو المعلن الأسمى والنهائي عن الله. سيصف إنجيل يوحنا لاحقًا يسوع على أنه “الخبز الحقيقي” (6: 32) و”الكرمة الحقيقية” (15: 1). إن النور الحقيقي يختار أن يأتي إلى العالم ويندمج فيه ليعلن له الله الآب إعلانًا حاسمًا.
ثانيًا، الكلمة في قربه وتنازله
أعلن يوحنا في مقدمته عن وجود الكلمة في ثلاثة أماكن –إذا جاز التعبير. كان الكلمة في البدء كالله (يوحنا 1: 1-2)، وفي العالم كالنور الحقيقي (يوحنا 1: 9)، وفيما بيننا كجسد (يوحنا 1: 14). كان الكلمة في الأزل عند الله أما الآن فإننا نقابله في عرض الزمن وفي قلب التاريخ. كان مع الله أما الآن فصار مع البشر، بل صار هو نفسه بشرًا. كان رايموند براون (Brown, John, 30) قد عقد مقابلةً رائعة بين الآيتين 1 و14 في مقدمة يوحنا كالتالي:
هناك تناقض رهيب بين الآيتين 1، و14. الكلمة الذي هو الله θεὸς ثيوس (يوحنا 1: 1) صار σὰρξ ساركس (“جسد”) (يوحنا 1: 14). لم يستخدم يوحنا كلمة ἂνθρωπος (“إنسانًا”) بل σὰρξ (“جسدًا”) والتي تشير إلى الضعف والهشاشة. لقد اختار الكلمة أن يدخل إلى العالم، الذي تكّون بواسطته (يوحنا 1: 10). لم أجد أروع من وصف لايتفوت لشرح هذا الأمر حين قال: “إنَّ ذاك الذي هو أداة الخلق، ومدعم وجود الكون وحامله، يُصبحُ هو نفسه جزءًا من خليقته” (Lightfoot, John, 84).
لقد أعلن الكلمة عن نفسه وعن الله للبشر بأكثر الطرق فاعلية، بأن صار بشرًا. لقد اختار أن يكون بين خلائقه ويسكن وسط شعبه بشكل شخصاني حميم. لقد تشارك مع الأولاد في اللحم والدم (عب 2: 14)، لكي يُشبه إخوته في كل شيء (عب 2: 17). لقد اختار الله أن يعلن عن نفسه بوضوح من خلال الكلمة “كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب 1: 2). هذا الكلمة صار بشرًا وحلَّ بيننا. الفعل ἐσκήνωσεν إسكينوسين “حلَّ بيننا” (يوحنا 1: 14) يعني: “سكن” أو “نصب خيمته.” يعود بنا الفعل إلى خيمة الاجتماع التي كانت تعني حضور الله وسط شعبه في القديم (خر 25: 8؛ 29: 46؛ زك 2: 14). الآن، يصير الإنسان يسوع الناصري هو الخيمة أو المسكن أو الشكينة، الذي يعلن حضور الله وسكناه وسط شعبه. كما كان مجد الله يملأ الخيمة في القديم (خر 40: 34)، هكذا يظهر مجد الله في يسوع المسيح. يربط يوحنا بين المجد والصليب (7: 39؛ 12: 16، 23؛ 13: 31) ليخبرنا أن يسوع أعلن أن جلال الله ومجده يظهر في محبته وبذله. ما كان يختبره الشعب برموز في القديم وعبروا عنه في أكثر من مناسبة بالقول “الله في وسطها فلن تتزعزع” (مز 46: 5) و”الله في قصورها يُعرف ملجأً” (مز 48: 3) و”الرب حول شعبه من الآن وإلى الدهر” (مز 125: 2)، يصبح واقعًا وحقيقة مُجسَّدة في الإنسان يسوع المسيح. لقد صار يسوع هو خيمة الاجتماع (يوحنا 1: 14)، والهيكل (يوحنا 2: 19-21) الذي يعلن حضور الله للعالم –وهو مركز الفكر الكريستولوجي في إنجيل يوحنا.
لم يأتِ الكلمة المتجسد للبشر فارغَ اليدين، بل جاء “مملوءًا نعمةً وحقًا.” إنها المرة الوحيدة في كلِّ إنجيل يوحنا التي نقرأ فيها كلمة “مملوء” (1: 14) و”الملء” (1: 16). إنَّ الكلمة المتجسد مملوءٌ نعمة وحقًا، “النعمة والحق” تشير إلى كينونة الله أو طبيعته لا في ذاتها، بل في انفتاحها على الإنسان وفيضها عليه. ترد كلمة “نعمة” في يوحنا فقط هنا وفي 1: 16–17، هي ليست من المفردات اليوحناوية المميزة، على عكس كتابات بولس، وتعني الكلمة “نعمة،” محبة الله ورحمته. على العكس تمامًا، فإنَّ كلمة “الحق” من الكلمات المميزة ليوحنا، ترد 25 مرة في الإنجيل، وتعني أمانة الله لشعبه وأمانته وصدقه بالنسبة لوعوده. إنَّ الكلمة جاء مملوءًا بالنعمة والرحمة، وجاء مملوءًا بالحق والأمانة. للمؤمنين حق أن يتمتعوا بهذا الملء: “من ملئه نحن جميعًا أخذنا ونعمة فوق نعمة” (يوحنا 1: 16). أنَّ الجماعة المؤمنة قد أخذت “نعمة فوق نعمة،” أيْ محبة ورحمة وخيرًا، متراكمة مُكدسة لا تنتهي وما أن نأخذ نعمة حتى نجد نعمة أخرى تلاحقها وتتصل بها بغير انقطاعٍ ولا توقف.
خلاصة
ترسم مقدمة يوحنا لنا المسيح على أنه الحكمة/الكلمة المتجسد. لقد هضم الرسول يوحنا الثقافة المحيطة به بعمقٍ شديد، فهو يستخدم لقبًا عالميًا، أي اللوجوس، كان معروفًا لدى كلِّ من يسمعه، يهوديًا كان أو هللينيًا. وبالتالي، يمكن لترنيمته أن تخاطب الكلَّ وتتناسب مع الجميع. يستخدم الرسول يوحنا أيضًا لفظًا فلسفيًا عميقًا ويوظفه لخدمة رسالته. يدل هذا على انفتاح وثقافة الرسول يوحنا. إنْ كان المسيح حكمة الله، فعلينا كتابعيه، أن لا نرفض الحكمة أو نتجاهل الفلسفة والمنطق ولنتذكرْ دائمًا كيف صار المسيحُ لنا حكمةً من الله وبرًا وقداسةً وفداءً (1 كو 1: 30).
ترسم المقدمة صورةً شاملة وكونية للمسيح في علاقته بالكون والعالم وكل المخلوقات. المسيح ليس محدودًا بالكنيسة ولا بالمؤمنين ولا بالبشر فقط، لكنه على علاقة بالله، والمخلوقات، والأشياء، وغير المؤمنين –حتى إنْ لم يقبلوه. إنها آيات تدعونا لنرى الكون بكلِّ ما فيه كعملٍ من أعمال الله، اشترك المسيح في تصميمه وخلقه. بل علينا أن نرفض كلَّ نزعات الهروب من العالم والاغتراب عنه وهو ما يمكن أن نسميه بالغنوسية الحديثة. لقد تجسد المسيح في العالم، دخل إليه، ترك السماء ليأتي إلى الأرض وبالتالي علينا أن نرفض كلَّ نزعات الاغتراب عن العالم وكأننا لسنا جزءًا منه، أو كأن مسيحنا لم يدخله. إنَّ المسيح قد تجسد وبالتالي علينا أن نتجسد للعالم.
حين دخل المسيح العالم صار نورًا له، ولقد وهب حياته للناس وأشركهم في حياته. بالتالي فإننا مدعوون أن نكون مثله، أن نعطي العالم نورًا وأن نكون رسالة حياة للعالم المحيط بنا، متذكرين تحديد المسيح لهوية المؤمنين به “أنتم نور العالم” (مت 5: 14) كما قال هو عن نفسه “أنا هو نور العالم” (يو 8: 12) فعلينا أن نسعى لنكون كمسيحنا. كذلك علينا أن تتعلم كيف نُعطي بسخاء كما أعطانا المسيح، ويعطينا دائمًا، دون توقف، من ملء نعمته الفياض. علينا أن نُعطي ونمنح باستمرار ولا نبحث فقط عن الأخذ. علينا أن ندرك أنَّ هذا البذل والعطاء والحب هو المجد الحقيقي والعظمة ما هي إلا المحبة والخدمة وهكذا رأينا مجد المسيح، مجد المحبة والخدمة، وهكذا علمنا: “إذا أراد أحدٌ أن يكون أولًا فيكونُ آخرَ الكلِّ وخادمًا للكلِّ” (مر 9: 35).
[1] هذه القراءة هي الأدق والأقدم. المخطوطات التي نقرأ فيها “أنت المسيح ابن الله الحي” متأخرة.
[2] انظر يوحنا 1: 18 في اليونانية.
اسم الكاتب: د.ق فيكتور عطالله
أرشدَ الروحُ القُدسُ الرسولَ بولس، ليكتُبَ عن ميلادِ الربِ يسوعِ فكتبَ لأهلِ غلاطية:
لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ الشريعةِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ الشريعةِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. (غل 4: 4، 5).
هذا التصريحُ يُوجزُ لنا ليسَ فقط مُجملَ مضمونِ الوحيِ الإلهيِ، عبرَ صفحاتِ الكتابِ المقدس، بل أيضًا وجهةَ التاريخِ البشري، فهو يُوجهُ أنظارَنا لمطلعِ الوحي في الكتاب المُقدَس، حيثُ الحديثُ عن نسلِ المرأة، وفي نفس الوقت تُفتَحُ بصائِرَنا فنعيَ وُجهةَ التاريخِ البشري، فهو يُوَضِّحُ القصدَ أو الهدفَ الإلهي لمجيءِ ووجودِ الأُقنومِ الثاني لعالمِنا البشري، ألا وهو “لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ“. أن ينالَ أعداءٌ خطاةٌ على البنوية الإلهية هو بيت قصيد المخطط الخلاصي في النسل الموعود؟
بدايةُ الوعد
أولُ ذِكرٍ لقدومِ يسوع كالنسلِ الموعودِ جاء موجزًا وغيرَ واضحٍ في مطلعِ الكتابِ المُقدس. وقد وَرَدَ في مضمونِ الوعيد إلإلهي الصارم لعقابِ الشيطانِ بالذات. ذلك الوعيدُ جاءَ في قرينةِ إذعانِ أبوينا الأوليْن لتجربةِ عدو الخير وسقوطهما في مُستنقعِ التشكيكِ في كلمةِ ونوايا الخالقِ القدوسِ والتمرُدِ على وصيتِهِ الحكيمة. وقد رَبَطَ بين العداوةِ التي تأسست بين المرأةِ بالذات وبين إبليس. هذا ما نقرأهُ في العددِ الخامسِ عشَر من الفصلِ الثالثِ في كتابِ التكوينِ التوراتي، وقد قال الربُ لإبليس المُتجَسدِ في الحيَّةِ الماكرةِ: “أَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا.” (تك 3: 15).
معركةُ التاريخ
العداوةُ بين نسلَي الشيطانِ والمرأةِ أسست لمعركةٍ روحيةٍ شرسةٍ تتعلق بالمصيرِ الأبدي للبشرية. وهي تشملُ كافةَ جوانبِ الحياةِ البشرية. معركةٌ روحيةٌ بدأت بالفعلِ في مطلعِ التاريخ البشري بين إبليس ونسلهِ من جهةٍ، والمرأة ونسلهاِ الموعودِ من الجهةِ الأخرى. ساحةُ المعركةِ هي وُجهَةُ التاريخِ البشري، أيُ الطَرَفين تخدُمُ وُجهةُ التاريخ؟
هدفُ إبليسِ هو تعطيلُ قُدومِ النسلِ الموعودِ لإنجازِ مُهمةِ النسلِ الموعودِ الخلاصيةِ لجنسِنا البشري. جهودُ الشيطان كانت ومازالت موجهةً بشكلٍ عنيدٍ وعنيفٍ لإفشالِ المُخططِ الإلهي الذي يتطلبُ تحقيقَ المهمةِ بشكلٍ يتوافق مع مطاليبِ العدالةِ الإلهية. والمخططُ الإلهي يرتكزُ على التعهُدِ المقطوعِ من قبل ابن الله القدوسِ لإنجازِ ذلكَ بنفسِه وفي نفسِه. من هنا كانت ضرورة تجسُدِه العذراوي وحضورِه في هيئةٍ بشرية كاملةٍ كآدمٍ جديدٍ. ذلك يشكلُ قُدومَ النسلِ الموعود. ولكن كيف متى؟ آدمُ وحواءُ سمِعا الوعيدَ الإلهي لعقابِ إبليس عن طريقِ “نسلِ المرأةِ.” والشيطانُ نفسُه أدركَ أنَه يحتاجُ لتعطيلِ ذلكَ الحدثَ.
يخطئ من يَفتَرَضُ أن الشيطانَ فهمَ تفاصيلَ المُخططِ الإلهي. وواضحٌ جدًا هنا أن أُمُنا حواء وثَقَتْ، هذه المرة، بكلامِ الربِ ووعدِه وانتظرت بشغفٍ تحقيقَ الوعيدِ الإلهي، لكن شأنَها كشأنِ الكثيرين، لم تفهَم ما قَصَدَهُ الرب ب “نسلِ المرأةِ”.
الأمر لم يكن واضحًا
الفصلُ الرابع من التكوين يُفيدُ بأن حواءَ اعتقدت، بحماسةٍ ومسرةٍ، أن النسلَ الموعودَ للانتقامِ من الحيَّةِ قد تم حضوره في ابنها البِكر قايين، فهي المرأةُ الوحيدةُ وها هي حصَلَت على ابن. وهي بالطبع لم تنسَ دورَها الأساسي في الإذعان لتجربة العدو لها ولزوجها، وكانت متشوقةً جدًا لواقعةِ هزيمَتِه. قالت: “اقْتَنَيْتُ رَجُلًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ”. (تك4: 1).
بالطبعِ لا هي ولا آدم، ولا مئات أجيال البشرِ بعدَهما، فهِموا تمامًا المعنى المقصودَ بنسلِ المرأةِ. فالاعتقادُ المُعتادُ كان بنسلٍ إنسانيٍ، مولودٍ من امرأة، وهو بالطبعِ نَتَاجُ جماعِها مع ُرَجلِها. أما قايين فبسرعةٍ أثبت النتيجةَ الشنيعَة للسقوطِ في الخطية، في أبشعِ صُوَرِها، ألا وهي كراهيةٍ للخالقِ ولأقربِ الأقربين له، أي لأخيه هابيل. ولا يجبُ أن يفوتَنا هنا أنه كان للشيطانِ دورًا وجَهدًا في إثارةِ حقدِ وتمردِ وجنوحِ قايين لعبادةٍ مرفوضةٍ وعمليةِ قتلٍ رهيبةٍ لأخيه. فشُغلُ الشيطانِ الشاغلِ هو تعطيلُ قُدومِ أيِ نسلٍ للمرأة، وكأنَهُ قضى تمامًا على نسلي المرأةِ حواءِ كليهما.
واقعةُ الطوفانِ أثبتت قُدرةَ الشيطانِ المتواصلةَ على خداعِ جنسِنا البشري وإقناعِ نسلِ آدمِ للتمرُدِ على الربِ ورفضِ وصاياه، هكذا أكد على استحقاق كُلِّ نسلِ آدمٍ لعقابِ الموت. أما استبقاءُ الثمانيةِ أنفس، وهُم نوحٌ وزوجتُه وأولادُه الثلاثةُ وزوجاتُهم، وكذلك ظهورُ قوسِ القُزَحِ، فهي دلَّلت على عدمِ تخلي الربِ عن مخلوقِهِ البشري الخاصِ ومواصلةِ مُخطَطِه الخلاصي في نسلِ المرأةِ الموعودِ لهزيمةِ الشيطان.
أما واقعةُ بُرجِ بابل فقد أكَدَت على تفشي الشرُ في نسلِ آدمٍ إلى درجةٍ كانت ستقودُ البشرَ للقضاءِ على أنفُسِهِم بأنفُسِهِم. هنا بالذات تتضحُ قمةُ احتدام معركةِ التاريخ. هذا وقد لزِمَ التدخلَ الإلهيَ لإنقاذِ البشريةِ من القضاءِ على نفسِها بنِفسِها، فببلبلةُ لسانِ البشريةِ وتشتيتِها دلَّل من جهةٍ على طولِ أناةِ ورحمةِ الرب، ومن الجهةِ الأُخرى أكدَ على الهزيمةِ المحتومةِ لمخططِ إبليسِ التدميري المُفسِد والمُهلكِ للبشرية. هكذا بدأتْ مرحلةٌ محوريةٌ نحوَ تخصيصِ خطٍ واضحٍ لقُدومِ نسلِ المرأةِ الموعود. تلك البدايةُ جاءَت مع الدعوةِ الإبراهيميةِ. جاءَ اختيار الربِ لأبرام العبراني لتأسيس أمةٍ كان وجودُها ضروريًا لضمانِ وضوحِ وسلامة مُخططِ وصولِ نسلِ المرأةِ الموعود.
توضيحُ هويةِ وطبيعةِ النسلِ الموعود
لم تكُن الحاجةُ لنسلٍ آدميٍ قدوسٍ آخرَ واضحةً. اختيار أبراَمِ العبراني قرَبَ وضوحَ الصورة. لكننا لا يجب أن نعتقدَ أن ذلكَ الاختيار الإلهيَ سَبَبَتهُ خاصةٌ شخصيةً تمتعَ بها أبرامُ، مَيَزتهُ عن غيره من جماعةِ الإيمان المُعاصرةِ لهُ. فالاختيار الإلهيُ في المفهومِ اللاهوتي الكتابي لا يُبنى على أي استحقاق بشري، وإيمانُ أبرام لم يكن لا وحيدًا ولا فريدًا. ومع ذلك فإنَ المفهومَ العامَ لكُلِ جماعةِ الإيمانِ الحقيقية، في كُل فترةِ العهدِ القديم، قبلَ وبعدَ إبراهيم، وإن بقي لقرونٍ عدة غيرَ واضحِ المعالم، فإن إيمانَ إبراهيمِ الواثقَ في قدومِ نسلٍ معجزيٍّ موعودٍ، يأتي عن طريقِ أحشاءِهِ هو بالذات، ويتكاثرُ بشكلٍ يَصعُبُ تِعدَادُهُ، ذلك الإيمانُ مَثَّلَ طبيعةَ إيمانِ كُلِ المؤمنين.
بالطبع هنا يجب أن لا ننسى التعبيرَ الإبراهيمي الإيماني الصادقِ، وثقَةَ إبراهِيم الثابتةَ والواضحةَ في التراتيباتِ الإلهيةِ الخلاصية. جاءت أصعبُ وأشدُ امتحانات ذلكَ الإيمانِ عندما طلبَ الربُ منه تقديمَ إبنِ الموِعد الوحيدِ، إسحقٍ، على المذبح. هنا بالذات تتضحُ قِمةُ هبةِ النعمةِ الإلهيةِ التي انعكست في الإيمانِ الإبراهيمي.
لكن تلكَ الواقعةَ تطلبت تحضيرًا إلهيًا حيويًا مكَنَ أبرامَ من التَعَمُقِ في فهمِ المصدرِ الإلهي للذبيحةِ الخلاصية. في الفصل الخامسِ عشر من كتاب التكوين وردَ مضمونُ المحادثةِ الإلهيةِ الهامةِ جدًا مع أبرامِ العبراني في قرينةِ التصريحِ التاريخي– فآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا. (تك 15: 6).
كان الربُ قد أكدَ لأبرامٍ على أنَ وريثَهُ سيخرُجُ من أحشائِه وأن نسلَه سيتكاثرُ جدًا. وأنَه سيحصلُ على الأرضِ. هنا طلب أبرامُ من الربِ ما يؤكدُ له حُدوثَ ذلكَ قائلًا: “أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، بِمَاذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَرِثُهَا؟” فأجابه الربُ: “خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلاَثِيَّةً، وَعَنْزَةً ثُلاَثِيَّةً، وَكَبْشًا ثُلاَثِيًّا، وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً“. قام أبرامُ بشقِ كلِ واحدة من كبارَ الذبائحِ إلى نصفين، وعمِل على حمايتِها كُلِها من الطيورِ الجارحة. مثلَت تلكَ الذبائحُ رمزًا للتعهدِ الإلهي لأبرامٍ بتحقيقِ ما وُعَدَ به. ولكن لم يكُنْ ممكننًا لأبرامٍ أن يتحملِ الوجودَ في المحضَرِ الإلَهي كُلي الجلالِ والقداسةِ، لذلكَ أوقعَ الربُ المُنعمُ المُحِبُ سُباتًا عليه. يقولُ الوحيُ المبارَكِ:
“وَإِذَا رُعْبَةٌ مُظْلِمَةٌ عَظِيمَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ. فَقَالَ لأَبْرَامَ: اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ. وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلاَمٍ وَتُدْفَنُ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ… ثُمَّ غَابَتِ الشَّمْسُ فَصَارَتِ الْعَتَمَةُ، وَإِذَا تَنُّورُ دُخَانٍ وَمِصْبَاحُ نَارٍ يَجُوزُ بَيْنَ تِلْكَ الْقِطَعِ…”
واضحٌ هنا أن الرب هو الذي تمشى بين نصفي قطعِ الذبائح تأكيدًا على توفيره هو بنَفسِه للكفارةِ الخلاصةِ. وهكذا تحضَر أبرامُ لفهمِ البُعد اللاهوتي لأمرِ الرب له بتقديم ابنه إسحق على المذبح. وكان على أبرامِ العبراني أن يُدركَ أمرَيَن مُهِمَين، الأولُ والأُهم هو أنَ الذبيحةَ الضامنةَ للعهدِ بينه وبينَ الرب، هي الذبيحةُ المُكَلفَةِ للربِ نفسِه. فالربُ هو الذي شَقَّ الطريقَ في وسطِ الحيواناتِ المذبوحةِ تأكيدًا على استعداده هو والتزامه هو بدفعِ ثمنِ العهدِ الخلاصي. أما الأمرُ الثاني فكانَ في الإشارةِ للخطوةِ الهامةِ والضروريةِ التي لعبتَ دورًا مركزيًّا في تحقيقِ وعدِ الربِ لأبرام بالبركةِ والأرضِ والأمةِ، تلكَ الخطوةُ تطلَبت أربعمائةَ سنةً من التكاثُرِ والذُلِ والعبوديةِ في أرضِ مصر.
لم يترددْ أبرامُ في تنفيذ الطلبِ الإلهي وحضَر كُلَ ما يلزمُ لذلك. كان من الطبيعي للابن إسحق أن يسألَ: “هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي». هكذا فهِمَ أبرامُ أن الربَ بالذاتِ هو الذي يرتبُ بنفسِه ذبيحةَ الكفارةَ المقبولةَ عن خطايا الرعيةَ الإلهية.
وكان على أبرامِ نفسِه أن يُدركَ أن البركةَ، التي تتبعُ دعوتَهُ، لا تتمُ أثناءَ فترةِ حياتِه الأرضية. وكان عليه أن ينتظرَ بشوقٍ النسلَ السماوي الموعود، كما وَضَّحَ الربُ يسوع بنفسه لليهود المدعينَ الانتماء بالبنويةِ لإبراهيم، في الوقت الذي فيه سعوا لقتله وهو النسلُ/المسيا الموعود، قال لهم: “َأبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ.” (يو 8: 56).
لكن علينا أن نتذكرَ أن الدعوةَ الإلهيةَ لأبرام، في أساسها، لها هدفٌ أبعدَ جدًّا من نسلِ إبراهيمِ الجسدي، لأن الربَ إذ وعدَهُ بالبركةِ والأرضِ والأمةِ العظيمة، أكدَ له منذ البدايةِ بأن النتيجةَ المقصودةَ هي البركةُ لكلِ البشرية. قال الربُ له: “تَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ.” (تك 12: 3).
ذلك كان بيتَ القصيدِ الإلهي من الدعوةِ الإبراهيمية، فالبركةُ الزمنيةُ والأرضُ والأمةُ كان لها جميعًا هدفٌ أوسعَ جدًّا من مُجَرَدِ بركَةِ نسلٍ جسديٍ واحدٍ قادمٍ عن طريقِ ابنه إسحق.
دعونا نُلاحظُ هنا أن التأكيدَ الإضافيَ الذي حصلَ عليه أبرامُ بنسلٍ من أحشائِهِ في الفصلِ السابعِ عشر من كتابِ التكوين شَمِلَ أمريْن في غاية الأهمية. الأمرُ الأولُ هو القرارُ الإلهي بتغييرِ اسمه من “أبرامِ” الذي عنى أبًا لأمةٍ واحدةٍ، ليصير “إبراهيمَ“، الذي يُعني أبًا لجمعٍ غفيرٍ مِنَ الأممِ. هذا انسجم تمامًا مع الهدفِ ببركةِ جميعِ قبائلِ الأرض. والأمر الثاني له علاقةٌ بالطبيعةِ الأبديةِ للعهدِ الإلهي والمُلك الموعودِ لإبراهيم، فالأرضُ والأمةُ والنسلُ الجسدي هي وسائلُ السماء التي رمَزَت لِمُلكٍ أبديٍ تحتَ رئاسةِ نسلٍ روحيٍّ معصومٍ من رحمِ عذراء، هو أصلًا أبديٌ في لاهوتِه.
والواقعُ أنه لم يأتِ ذِكرٌ في سجلاتِ الكتابِ الُمقدسِ أكثرَ وضوحًا عن الأمر لقرونٍ عديدةٍ، عندما جاءَ أولُ تصريحٍ واضحٍ نوعًا ما، عن وليدِ العذراءِ المُعجزيّ. ورد ذلك عند إقتراب نهايةِ الأمةِ والمملكةِ الأرضيةِ في القرنِ السابعِ قبلَ الميلادِ وسُجِلَ في الفصلِ السابعِ من نبوةِ إشعياء: “… يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ…” (إش 7: 14). “…لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. 7لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا.(إش 9: 6-7)
هذا يأتي بنا من جديدٍ لنسل العذراء في العهد الجديد. هناك سجلانِ للتسلسلِ البشري الذي وُجِهَ لقدومِ النسل، سجلٌ في مطلعِ الفصل الأول من بشارةِ متى وسجلٌ أخر في نهاية الفصلِ الثالثِ من بشارةِ لوقا. سِجِلُ بشارة ِلوقا يُعَرِّف يسوعَ على أنه “كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي” (خطيب العذراء مريم).
يتقدمُ هذا السجلُ تاريخيًّا إلى الوراء وصولًا ل “…أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ…”
أما سجلُ بشارةِ متى فيتقدمُ تاريخيًّا إلى الأمامِ، لكِنَه يبدأُ فقط من الخطِ الإبراهيمي، ويسرِدُ ثلاثَ قوائمَ، كُلُ قائمةٍ منها تشمَلُ أربعةَ عشرة جيلٍ، منقسمةٍ لثلاثةِ أحقابٍ، كُلُها تُؤكدُ على الأساسِ الإبراهيمي يسوعِ. حقبةُ الأربعةِ عشرة جيلٍ الأولى تقودُ التناسلَ من إبراهيم إلى داود (أي حقبةُ تأسيسِ الأمةِ والمملكةِ) والثانيةِ من داود إلى السبيّ البابلي (حقبة بداية ونهاية المملكةِ الأرضية). أما الحقبةُ الثالثةُ فتشملُ التحضيرَ الإلهيَ لولادةِ النسلِ الموعود.
هنا يجب أن نضعَ نُصبَ أَعيُنِنا ثلاثَ حقائقَ مهمةٍ، الأولى هي الخاصةُ بالتأكيدِ على هوية يسوعِ الجسدية الإبراهيمية. فالتسلسلُ التناسُلي، عبرَ إثنين وثلاثينَ جيلٍ، لا يضع مجالًا للشك في أن يسوع هو نسلُ إبراهيم الموعود. والحقيقةُ الثانيةُ تُؤكدُ على أن قدومَ يسوع من الخطِ الإبراهيمي لم يكُنْ عبرانيًّا خالصًا، فكانت ضِمنَهُ ثلاثَ نسوةٍ أجنبياتٍ لعبت كُلُ منهن دورًا هامًا في قُدومِ النسلِ الموعدِ، الأولى كانت كنعانيةً مارست الزنا قبل توبَتِها وإيمانِها، اسمها راحاب. والثانيةُ كانت موآبيةً اسمها راعوث، والثالثةُ كانت أمَ سُليمان، بثشبع التي كانت زوجةَ أوريا الحثي. أما الحقيقةُ الثالثة فتتعلقُ بميراثِ يسوعِ المَلَكي عبرَ خطِ الملكِ داود وابنه سُليمان.
هذه الحقائقُ الثلاث دلَّلت على الطبيعةِ الروحيةِ وغيرِ العِرقيةِ لقُدومِ النسلِ الموعود. ففي العهدِ الجديدِ تتضحُ الصورةُ بشكلٍ جليٍ في تعليمِ الرُسُلِ عن طبيعةِ الإيمانِ الإبراهيمي.
هويّةُ وليدِ العذراءِ التي كانت مُعلَنَةً بوضوحٍ في نبوةِ إشعياء. الاسم “عمانوئيل” أكد على أنه يُمثلُ الوجودَ الإلهيَ بينَ البشرِ بشكلٍ واضحٍ ومفهومٍ –”…يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ…” وبشارةُ متى في فصلها الأول أن النسلَ الذي جاء من الخطِ الإبراهيمي في رحم مريم العذراء يعني اسمهُ “الله معنا.”
هنا تكمنُ أهمية سجل أنساب يسوع الذي تقدم بشكلٍ تراجعي نحو أبينا الأول آدم. فحتى واقعتيّ الطوفان وبرج بابل تواصل الوجود البشري إلى أن جاءت الدعوة الإبراهيمية. هنا بالذات ارتكز المُخطط الإلهي على الدعوة الإبراهيمية لقدوم النسل الموعود.
لكن يجب أن نُلاحظ وصولَ خط نسل البركةِ الموعود إلى وِجهتِهِ النهائيةِ السعيدةِ بميلادِ وليد العذراء فلم يعد هناك ذِكرٌ من أجيالٍ للخط الإبراهيمي عن طريقِ إسحق ويعقوب ويهوذا وداود. أما رجُلُ الله سِمْعَانُ فقد “أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ الشريعة أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، أَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ، نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ…”
وفي العودةِ لرسالةِ غلاطية رفضَ الرسولُ بولس عقيدةَ تهويدِ المؤمنين من أصلٍ غير يهودي. مؤكدًا من جهةٍ على أنَ مجيءَ المسيح “في ملْء الزمان” حقق الوعيد للشيطانِ بقدومِ نسلِ العذراءِ الذي يقهرُهُ. ومن الجهةِ الأخرى حققَ ذلكَ الوعدَ لإبراهيم بنسلٍ واحدٍ “تتباركُ فيهِ جميعُ قبائلِ الأرضِ.” وقد أكدَ بولس ليس فقط أن الوعَدَ بالنسلِ الإبراهيميِ الواحدِ (المسيح) سبق وجودَ الأمة، بل أيضًا أن الانتماء له (وليس للعرق اليهودي) هو الذي يؤهلُ كُلَ المؤمنين ليُصبِحوا “أبناء الله“، هكذا نَنَالُ التَّبَنِّيَ وكنسلَ إبراهيمِ الحقيقي نرِثُ المواعيدَ المقطوعةَ له.
ليسَ ذلكَ فحسب بل إن الرسالة تُختَتَمُ بالتأكيدِ أن جماعةَ الإيمانِ هم الخليقةُ الإلهيةِ الجديدة من كافةِ عشائرِ وقبائلِ البشريةِ التي تُتجمَعُ بانتشار الإنجيلِ في كافةِ جوانبِ المسكونَةِ وهُم يُشَكِلونَ “إسرائيلَ الله” ويتمعتونَ بالسلامِ والرحمةِ الإلهيين، في يسوع، النسلِ المُبارَكِ الموعود.
اسم الكاتب: القس أمير اسحق
مَن هو يسوع؟ السُّؤال الذي أراد متَّى أن يُجيب عليه. فبيَّن، في صدر إنجيله، أنَّ يسوع جاء كإتمامٍ لقصَّة العهد القديم، الأمر الذي بيَّنه في سلسلة النَّسب، وأنَّه جاء أيضًا كتحقيق للنُّبوءات والوعود التي أعلنها الله بأنبيائه في العهد القديم، الأمر الذي بيَّنه في خمسة اقتباسات من العهد القديم، مع تأكيد إتمامها في شخص يسوع المسيح. هذه كانت طريقته في الإجابة على ذلك السُّؤال، إذ بدأ بالجُذور والأصول، مرورًا بالميلاد العذراوي، وصولاً إلى طفولة يسوع المُبكِّرة في نهاية الأصحاح الثاني. وهكذا يتضمَّن إنجيل الطُّفولة المَتَّاوي (ص 1، 2) خمسة أحداث ترتبط بخمسة نصوص من العهد القديم: الحَبَل المُعجزي بالمسيح (إشعياء 7: 14)، سجود المجوس للطِّفل الإلهي (ميخا 5: 1-3)، الهروب إلى مصر (هوشع 11: 1)، مَقتل أطفال بيت لحم (إرميا 31: 15)، العودة إلى النَّاصرة (تُنسَب لعدد من الأنبياء).
مَن هم المجوس؟ آراءٌ كثيرة لمعرفة من هم أولئك الذين أشار إليهم متَّى، هناك مساحة مُشتركة بين أقوال الباحثين، فيها بعضُ التَّبايُن: “مجوس” كلمة فارسيَّة الأصل، مُعرَّبة من اللغة الفارسيَّة القديمة… هم أتباع الدِّيانة المجوسيَّة الذين يزعمون أنَّ هناك إلهًا للخير هو النُّور، وإلهًا للشَّر هو الظَّلام. بينهما حرب مُتواصِلة للسَّيطرة على العالَم، وسوف تنتهي أخيرًا بانتصار إله الخير والنُّور بفَضل مُعاونة حليفٍ هو “الحقيقة المُجَسَّدة” الذي سيولَد من عذراء لم تعرف رجُلاً. واضحٌ أنَّ تلك الفكرة مُتأثِّرة بالآمال والأحلام الدِّينيَّة التي حملها اليهود معهم في سبيهم عن المسيَّا المُنتظَر.
وقد عبدوا العناصر الأربعة: النَّار والماء والتُّراب والهواء، لكن انحصَرت عبادتهم في النُّور والنَّار، فاهتمّوا بمُراقبة الكواكب السَّماويَّة ودراسة عِلم الفلَك.. كانوا يعظِّمون الملوك ويرفعونهم إلى مرتبة الألوهيَّة، فكلُّ ملكٍ لديهم هو إلهٌ.. ويرى بعض العُلماء أنَّهم يتبعون الدِّيانة الزّرادشتيَّة، وأنَّهم كهنة زرادشت في مادي وفارس. أمَّا الزرادشتيَّة ففيها نقاط تشابه كثيرة مع المُعتقدات الموسويَّة. لكن الأرجح أنَّ المجوسيَّة وُجِدت قبل الدِّيانة الزرادشتيَّة، التي وضَعَت عديدًا من التَّغيرات في الدِّيانة المجوسيَّة.
أمَّا إشارة متَّى إلى تلك الجماعة فقد كانت كافية لقرَّائه، لكنَّها فتحت الباب واسعًا أمام التَّقليد المسيحي اللاحق، ليستكمل الرِّواية فيتحدَّث عن البلاد التي أتوا منها، وعددهم، وأسمائهم، ورمزيَّة هداياهم. أمَّا العدد ثلاثة فكان له النَّصيب الأكبر في تلك التَّقاليد، من جانبٍ نظرًا للهدايا الثَّلاث التي قدَّموها ليسوع، ومن جانبٍ آخر اعتبارهم مُمثِّلي الأرض الثلاثة: سام وحام ويافث. وهناك من اعتبروهم ملوكًا على أساس (مزمور 2: 10)، لكن لا أساس كتابي أو تاريخي لذلك.
إذن، لسنا هنا أمام سَحَرة مصر، كما في سِفر الخروج، ولا أمام مُنجِّمي بابل، كما في سِفر دانيآل، لكنَّنا أمام فرقة من الحُكماء الذين أثَّروا كثيرًا على الأشوريين والكلدانيين والمادِيين، لذلك تُرجمَت الكلمة التي استخدمها متَّى (2: 1، 7، 16) في الإنجليزية إلى “حُكماء”، رغم أنَّه لا يمدَّنا إلاَّ بعبارة غامِضة أنَّهم جاءوا “مِن الشَّرق”، تاركًا المجال واسعًا للتَّخمينات. وتلعب زيارة المجوس إلى بيت لحم دورًا هامًّا في إنجيل متَّى، لتُعلن من البداية حقيقة شخصيَّة ذلك المولود، باعتباره المسيَّا الذي طال انتظاره تحقيقًا لكثير من النُّبوءات. لم يكُن في ذهن متَّى إلاَّ نبوءة بلعام: “يبرز كوكبٌ مِن يعقوب” (عدد 24: 17/ إشعياء 60: 1-3). والحوار الذي دار بين هيرودس ورؤساء الكهنة والكتبة اليهود يُعلن أنَّ يسوع جاء تحقيقًا لنبوءة ميخا عن بيت لحم التي سيخرج منها المسيَّا (ميخا 5: 2). كما أنَّ الهدايا تستحضِر إلى الذِّهن الوعود النَّبويَّة في (مزمور 29: 68، 72: 10).
وهكذا تؤكِّد رواية زيارة المجوس على أمرَيْن هامَّين في صدر إنجيل متَّى: الأول أنَّ يسوع هو المسيح الموعود به، وأنَّه لم يأتِ لليهود فقط بل للأمم أيضًا مُمثَّلين في المجوس. الثَّاني هو ذلك الإيمان المُذهِل الذي ظهر عليه المجوس، رغم كافَّة الصُّعوبات التي اعترضَت رحلتهم، لاسيَّما موقف هيرودس، الذي دبَّر مؤامرة قتل الأطفال. وهكذا نجد على صفحات الإنجيل ما يؤكِّد هذه الحقيقة، أنَّ الأمم يؤمنون بينما غالبيَّة اليهود لا يقبلون المسيح (8: 5-13، 15: 21-28، 27: 19، 54).
أين هو المولود ملك اليهود؟ سؤالٌ أوقع اضطرابًا عامًّا، ذلك الذي طرحه المجوس في شوارع أورشليم الضيِّقة، مُستندين في سؤالهم إلى رؤيتهم نجم ذلك الملك في المَشرق. كان الغرض من سؤالهم معرفة المكان لتحقيق الهدف من الزيارة، أن يسجدوا له. إلاَّ أنَّ ذلك السُّؤال أثار مخاوف عظيمة جدًّا في قلب الذين سمعوه، بسبب ما توقَّعوه مِن ردِّ فعل الملك الشِّرير هيرودس عندما يسمع بمولد ملك جديد. وهو ما حدث بالفعل عندما وصل خبر أولئك المجوس إلى القصر، حيث جمع على الفور رؤساء الكهنة والكتبة ليتحقَّق منهم مكان ميلاد ملكهم بحسب كتبهم، ويستدعي أولئك المجوس أيضًا ليتحقَّق منهم مزيدًا من المعلومات عن الملك الجديد.
ماذا كان ردُّ فِعل المجوس عندما لم يجدوا أيَّ اهتمام أو استعداد من قِبَل اليهود بمولد ملكهم ولا علم لأحد من سكَّان القصر بذلك الأمر؟! هل فكَّروا في أنَّ نجمهم قد أضلَّهم فندموا على ما فعلوا؟ هل استأنسوا بقول هيرودس إنَّه يريد أيضًا أن يسجد لذلك المولود، فتجدَّدت آمالهم في الوصول إليه؟ وهل قدَّموا الشُّكر لهيرودس على التَّسهيلات التي قدَّمها لهم؟ وماذا كان ردّ فعل هيرودس نفسه؟ ألم يَعبأ بكلِّ ما حدث، ولم يؤثِّر فيه ما سمعه من أقوال الأنبياء، ولا قصَّة النَّجم العجيب الذي قاد المجوس فأتوا من بلاد بعيدة ليسجدوا لذلك المولود؟ كان موقفه غريبًا، فكيف صدَّق النُّبوءة التي قيلت، ثمَّ عمل أعمالاً ضدَّها؟ ولو أنَّه أنكرها ولم يصدِّق ما فيها، ما توقَّع حدوث ما أنبأت به، فلماذا ذلك الاضطراب؟ وكيف توهَّم أنَّ المجوس سوف يُفضِّلونه على المولود الذي رأوا نجمه، والذي لأجله تحمَّلوا مشاق ذلك السَّفر الطَّويل؟
النَّجم العجيب
ثمَّة حكايات قديمة، وثنيَّة ويهوديَّة، تتحدَّث عن نجوم كانت تُعلِن عن مولد بعض العُظماء. والسُّؤال الذي يطرح نفسه هنا: “أليست هذه علامة تدلُّ على أنَّ التَّنجيم حقيقة؟ فإذا كان خبر ميلاد المسيح قد أُعلِن بهذه الطَّريقة، فلماذا أبطَل الكتاب المقدَّس بعهدَيه التَّنجيم والطَّالع والسِّحر؟ وهل كان ذلك النَّجم أحد النُّجوم الكثيرة؟ أمْ كان غريبًا عنها ومِن طبيعة غير طبيعتها؟ أمْ أنَّ النَّاظر إليه فقط كان يحسبه نجمًا؟”.
بحث العُلماء كثيرًا في أمر ذلك النَّجم العجيب، ودقَّق الفلكيُّون في حساب الظُّهورات الجويَّة النَّادرة، ليروا أيُّها يجوز اتِّخاذه تفسيرًا لظهور ذلك النَّجم. فكانت النَّتيجة أنَّه نحو ذلك التَّاريخ حدث اقتران في النُّجوم السَّيَّارة، الأمر الذي لا يحدث إلاَّ مرَّة بين مئات السِّنين. وظنَّ بعضهم أنَّ هذا الاقتران كان دليل المجوس. وعُلِم أنَّ نَجمًا خارقًا في لمعانه ظهَر في نحو ذلك الزَّمان، وبقي وقتًا وجيزًا ثمَّ اختفى. لكن على كلِّ حالٍ لا يُعرَف على وجه التَّأكيد شيئًا كافيًا عن النَّجم الذي قاد المجوس إلى بيت لحم، ثمَّ إلى حيث كان الصَّبي يسوع.
هذا هو العنصر المُعجزي في الخبر. فإذا أخذنا بتاريخيَّةٍ دقيقةٍ لهذا الخبر المَتَّاويّ مع تفاصيله، نكون على مُستوًى يتجاوز الطَّبيعة كما نعرفها. فالرِّواية التي يذكرها متَّى صحيحة جدًّا من النَّاحية التَّاريخيَّة، فضلاً عن أنَّه من غير المعقول أنَّ الكنيسة في مهدها تقع في خِضمِّ صراعٍ مريرٍ مع التَّنجيم والعرافة، وليس مِن المعقول أيضًا أن تخترع قصَّةً يبدو فيها أنَّها تؤيِّد ما نهَت عنه كلمة الله. فالاعتقاد العام هو أنَّ هذه ظاهرة خارقة فوق الطَّبيعة المألوفة، قصَد الله منها إرشاد المجوس إلى المسيح، تتمَّة لنبوءة بلعام التي كانوا يعرفونها (عدد 24: 17).
هناك رأي شائع أيضًا مؤدَّاه أنَّ تلك الظَّاهرة كانت نورًا خارقًا للعادة، أشبَه بنجمٍ، ظهر في بلاد بعيدة في الشَّرق من أورشليم لرجالٍ كانوا خبيرين بدراسة الظَّواهر الفَلكيَّة، وقد دفعهم ذلك النَّجم للذِّهاب إلى أورشليم لرؤية ملكٍ مولود. ويعتقد آخرون أنَّ “النَّجم” له معنًى آخَر، حيث كان اليهود يعتقدون أنَّ مِثل هذا الاقتران بين الكواكب السَّيَّارة قد حصل يوم مولد موسى، وأنَّه لا بُدّ أن يحدث يوم ميلاد المسيَّا. ويرى أولئك أنَّ المجوس أصلاً من اليهود الذين بقوا في بابل بعد السبي، وكانوا يعرفون نبوءات العهد القديم عن المسيَّا، وأقوال الآباء بشأن مولد العُظماء أمثال موسى والمسيَّا. وقد اشتغلوا بالتَّنجيم ورصْد حركات النُّجوم وعلاقتها بأحداث الأرض، وهم مِن علماء الأمَّة الفارسيَّة الذين يُعلِّمون الفلسفة والفلَك. وأنَّهم ذهبوا من الشَّرق إلى فلسطين في السَّنة الثانية من ميلاد المسيح لزيارته.
رأي آخر أكثر منطقيَّة يقول بأنَّ ذلك النَّجم لم يكُن أحد النُّجوم الكثيرة، لم يكُن نجمًا بالمعنى المعروف، بل قوَّة من القوَّات غير المرئيَّة ظهرت بهذا الشَّكل. وأدلَّة ذلك:
أ. مسيرة النَّجم: لا يوجد نجم يسير بتلك الطَّريقة. فالنُّجوم تتحرَّك مِن الغرب إلى الشَّرق، أمَّا ذلك النَّجم فقد تحرَّك من الشَّرق إلى الغرب، هذا هو الاتِّجاه مِن بلاد فارس إلى فلسطين.
ب. موعد ظهوره: لم يكُن يظهَر في الليل بل في النَّهار عندما تُشرق الشَّمس، ومثل ذلك الظُّهور ليس للنُّجوم ولا للقمر ولا لتلك الكواكب التي تغيب إذا ظهرَت أشعَّة الشَّمس.
ج. يظهر ويختفي: ظهر في البداية مُرشدًا أولئك المجوس إلى طريق فلسطين، ولمَّا وصلوا أورشليم اختفى عنهم. ولمَّا تركوا هيرودس وتوجَّهوا إلى بيت لحم، عاد وظهر لهم ثانية. هذه الحركة بين الظُّهور والاختفاء ليسَت من طبيعة النُّجوم.
طفل أمْ صبيّ؟ أتى المجوس في السَّنة الثانية لميلاد المسيح، حيث كانت العائلة في أحد بيوت بيت لحم، وكان يسوع ابن سنتَيْن. لذلك يقول إنَّ المجوس أتوا إلى “البيت” وليس المذود، وأنَّهم رأوا “الصَّبي” وليس الطِّفل، وأنَّ هيرودس بعد أن تحقَّق منهم زمان النَّجم قال لهم: “اذهبوا وافحصوا بالتَّدقيق عن الصَّبي”، ولما ظهر الملاك ليوسف قال له: “خُذ الصَّبي وأمَّه”، وأن هيرودس قتل “جميع الصِّبيان” من ابن سنتَيْن فما دون. إذًا، عندما زار المجوس يسوع، لم يكُن طفلاً رضيعًا يرقد في مذود، كما يتصوَّر بعضٌ، بل كان صبيًّا ابن سنتَيْن.
ولماذا للمَجوس؟ لم يكُن مُمكنًا لأمثال أولئك المجوس أن يُصغوا إلى نبيٍّ أو رسول من الله، كما حدث مع اليهود. ولم يكن يُناسبهم أيضًا أن يُخاطَبوا بصوت مِن العلاء بإرسال ملائكة، كما حدث مع مريم ومع الرُّعاة. لذلك، فقد دعاهم الله بالوسيلة التي ألِفوها، وخاطبهم بلغتهم، فأراهم نَجمًا عظيمًا عجيبًا، حتى يُذهلهم ويقودهم إلى حيث ملك الملوك. ويرى بعض العُلماء في ظهور ذلك النَّجم للمجوس دون اليهود أنَّه إشارة إلى زوال اختيار اليهود. وهكذا كان المجوس أوَّل مَن آمَن مِن الأمم بالمسيح، وكان الرُّعاة أوَّل مَن آمَن مِن اليهود. فالمجوس أتوا من بعيد، والرُّعاة من قريب، وتقابلا عند حجر الزَّاوية، الذي جعل الاثنَيْن واحدًا فيه (أفسس 2: 14-17).
وهكذا نرى أنَّ النُّجوم وعددها الكثير جدًّا في صفحة الفضاء، كثيرًا ما استَرعت انتباه الإنسان الشَّرقي منذ العصور الغابِرة. مِن هنا تأسَّس عِلم الفلَك الذي ازدهر ازدهارًا عظيمًا في حضارات ما بين النَّهرين، وتأثَّرت به حضارات الشَّرق. وهناك في مكانٍ لا نعرفه بالتَّحديد، وفي زمن لا نعرفه إلاَّ بالتَّقريب، وقف ثلاثةٌ مِن علماء الفلَك ووجوههم مُتَّجهة نحو السَّماء، ووقف كلٌّ منهم خلف جهازٍ بدائيّ يرصدون به حركة النُّجوم، علَّهم يجدون ما يستحقُّ الرُّؤية، وقلوبهم مُتشوِّقة لأمر جديد، إلى شخص غير عادي يزور كوكب الأرض. وفجأةً، ووسط ذلك الكمِّ الهائل من النُّجوم، ظَهَرَ نجمٌ جديد بضوئه الغريب السَّاطع.. حَدَّقوا به فوجدوه هو الآخر يُحَدِّق بهم، ويظهَر وكأنَّه يتحدَّث إليهم ويدعوهم أنْ يتبعوه، إلى حيث ملكٍ ليس ككلِّ الملوك. لعلَّهم تردَّدوا في إطاعته في بداية الأمر، فإلى أين سيقودهم. ومَرَّتِ الأيام وهم مُحدِّقون بهذا النَّجم، ولا يمكن إلاَّ أن يُلبُّوا نداءه. لقد جاءت اللَّحظة المُنتَظرة منذ بدء الزَّمان، كوكبٌ من الشَّرق أتي فبدَّد كلَّ ظلام. فالإنسان إذا أخلَص في البحث عن الحقِّ، هداهُ الله إلى سواء السَّبيل. ولنسمَع مُجدَّدًا نداء ذلك الكوكب:
أنا النَّجْمُ الصَّديقْ ضَوْئي على الكُلِّ يُنِيرْ
مُذَكِّرًا بمِذْوَدٍ كانَ ليَسوعَ سَريرْ
وفي هُدايَ دائمًا نُورٌ لِذِي القَلْبِ الكَسيرْ
هيَّا احمِلوا خَيْرَ خَبَرْ هيَّا انْشُروا بينَ البَشَرْ
ها آيةٌ لِلْغَافِلِين، ولِسُرُورِ العالَمينْ
اسم الكاتب: ق. عماد شوقى
“ولما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودً من امرأة، مولودًا تحت الناموس”. (غلا 4: 4)
يقول العالم اللاهوتي جون موراي: “تجسد المسيح يعني أن الله غير المنظور أصبح منظورًا، وغير المحدود أصبح محدودًا، وغير المدرك أصبح مدركًا”.
ولقد جاء الله في المسيح يسوع في ملء الزمان أي في الوقت المعين والمحدد سابقًا، حيث كانت البشرية مهيئة لهذا الحدث الفريد من حيث انتشار اللغة اليونانية وسيادة القانون الروماني، والوضع الروحي والسياسي المتردين في المجتمع اليهودي والمجتمعات الأخرى، وهذا بإضافة إلى الطرق الممهدة والتي ساعدت على انتشار الخبر السار للحضارة الإنسانية.
ولهذا سوف ندرس مصطلح ملء الزمان وعلاقته:
أولًا: الحالة السياسية ومقاومة الاحتلال.
ثانيًا: الوضع الديني في المجتمع اليهودي.
ثالثًا: الحالة الاجتماعية السائدة وتأثيرها على السلوك اليهودي.
رابعًا: الأفكار الفلسفية وتأثيرها على العقل الإنساني.
خامسًا: صرخة إنقاذ والحاجة إلى مخلص.
وهذه الأفكار سوف ندرسها بشيء من التفصيل على النحو التالي:
أولًا: الحالة السياسية ومقاومة الاحتلال
في سنة 63 ق. م. استولى القائد الروماني بومبي على أورشليم، ليبدأ تاريخ الحكم الروماني لفلسطين، بعد أن كانت تابعة للدولة السلوقية، وحين دخل الرومان فلسطين وجدوا حالة حضارية نادرة؛ وقد كان سكان أورشليم في بداية الفترة الرومانية خليطًا من اليهود واليونان والسوريين والعرب والمصريين، وكانوا يتحدثون بلغات مختلفة. ولأن فلسطين شغلت مكانة خاصة بين ممتلكات روما في الشرق فهي همزة الوصل في الشرق لهذا ألزمت السياسة الرومانية فلسطين بأن تكون هادئة دائمًا حتى لا تصدر أي مشكلات لمصر وسوريا، لذا جعلها بومبي جزءًا من مقاطعة سورية رومانية، لكنه منحها حق الإدارة الذاتية، وعيّن الرومان آنتيبياتر الأدومي حاكمًا لها، وفي سنة 37 ق. م. خلفه ابنه هيرودس الكبير وهو أدومي الأصل وحكم أكثر من 30 عامًا واتخذ لنفسه لقب ملك اليهود، وفي فترة حكمه كان حليفًا وثقًا للرومان.
كان هيرودس ضاغيًا مستبدًا ثريًا وقويًا، ويعاني من جنون العظمة، قمع بقسوة بكل بادرة من بوادر السخط وقتل كل خصم محتمل له، وهو أيضًا منتسب له واقعة قتل كل أطفال بيت لحم الذكور وقت ميلاد المسيح، كما قتل كثيرًا من الناس ومنه زوجته وثلاثة من أبنائه، واستطاع أن يرغم الشعب اليهودي على الإذعان للاحتلال الروماني كما فرض على السكان ضرائب كثيرة.
وعرفت فلسطين في زمن هيرودس حالة من السخط الشديد ضد التبعية لروما، وحدث مرة رفض فيها الناس علانية تنفيذ أوامر هيرودس بعد ما امتنع 6000 من الفريسيين عن تأدية يمين الولاة لهيرودس وأغسطس قيصر فأعدم عددًا كبيرًا منهم، وفي عام 4 ق. م. مات هيرودس وكان موته اذعانًا باشتعال انتفاضة مسلحة في الجليل ثم جنوب فلسطين.
وبسبب احتلال الروماني لفلسطين، ظهرت في القرن الأول قبل الميلاد حركة الغيوريون، وهي حركة ارتجالية هدفت إلى التخلص من الاحتلال الروماني وكان داخل هذه الحركة جناحًا مسلحًا يسمى “السيكاريون” أي حاملي الخناجر، لأنهم لجأوا إلى مقاومة الرومان متبعبين أسلوب الاغتيالات الفردية باستخدام الخناجر وكان هؤلاء الغيوريون ينتمون إلى الشرالهشة من سكان فلسطين.
وعلى النقيض من الغيوريين فكانت جماعة الهيروديسيين شديدة الولاء لهيرودس وكانوا يبذلون جهدًا لاقناع الشعب لولاة الرومان ودفع الجزية لقيصر.
وفي هذا الجو المشحون من العنف والتطرف وغيبة الأمل ولد يسوع في بيت لحم اليهودية حاملًا برسالة السلام والحرية.
ثانيًا: الحياة الدينية في المجتمع اليهودي
وصف يوسيفوس أثناء معارك المكابيين بقيادة يوناثان عام 145 ق. م. قائلًا: “وفي ذلك الحين كانت هناك ثلاثة أحزاب أولها الفريسيون، الصدوقيون، الأسينيون وسوف نتناول هذه الأحزاب بشيء من الإيجاز.
أولًا: الصدوقيون وامتزاج الدين بالسياسة
ربما ترجع جذور الصدوقيون إلى كهنوت الهيكل الصادوقي، ربما ظهورهم كجماعة مميزة كان في أيام المكابيين، وقد أصبح الصدوقيون مرتبطين بشكل متزايد بالطبقة الأرستقراطية الحاكمة.
هناك أمور تميز ملامح بهذا الحزب ولعل أهمها:
1- القسوة المفرطة:
يقول عنهم يوسيفوس: “أنهم قساة وغير مهذبين” وقد ظهرت هذه القسوة في محاكمتهم ليسوع (مت 26) وكذلك في محاكمتهم لبولس الرسول (أع 23: 7) وينسب يوسيفوس أيضًا أنهم هم الذين قتلوا يعقوب أخا الرب.
2- الجشع والطمع:
حيث عمدوا على الخديعة في تجارتهم في ذبائح الهيكل بتغير العملة الأجنبية إلى الشاقل (مر 11: 15-18)
تميز الصدوقيون بالعديد من المعتقدات الإيمانية الخاصة بهم.
1- ركزوا على التقـدمات والذبائح والمحروقات.
2- تمسكوا بعبادة الهيكل.
3- لم يؤمنوا بروح ولا ملاك، ولا قيامة. (أع23: 8).
قال عنهم يوسيفوس: “الروح تموت مع الجسد، وأنكروا العناية الإلهية”.
ثانيًا: الفريسيون وحياة البر الذاتي:
ربما يرجع ظهور هذا الحزب إلى عصر السبي، بسبب عدم وجود الهيكل والذي كان مركزًا أسياسيًا للحياة اليهودية، فأصبح الناموس هو الدليل لهم في أرض السبي، واحتاج هذا الموقف إلى أناس متخصصين في تفسير الناموس وشرحه، فظهر عزرا الكاتب، وحتى بعد الرجوع إلى السبي أصبح الناموس وتفسيره هو المركز الأول لليهود، ولهذا أصبحت الجماعة التي اهتمت بالناموس حفظًا ودراسة ونسخًا وعملًا هي نواة الفريسيين.
أهم ملامح الفريسيين:
من دراستنا للنصوص الكتابية للعهد الجديد نستطيع أن نعرف صفات الفريسيين مثل:
تفسير الأسينيين وأكثر ابتكارًا من تفسير الصدوقين.
2- حفظ تقليدات الآباء: اشتهر الفريسيون بحفظ التقليدات (مت 12: 2)، (مر 7: 3-5)، وبذلك اختلفوا عن الصدوقين الذين اهتموا بالناموس فقط.
1- آمنوا بفكرة سيادة الله على التاريخ والعناية الإلهية.
2- آمنوا في القيامة والحياة الأبدية.
3- آمنوا بالملائكة والأرواح.
ثالثًا: الأسينيون وحياة الزهد:
اختلف العلماء على المصدر الذي جاء منه هذا الاسم، قال البعض أنه مشتق من كلمة “هوسيوس” بمعنى مقدس، وقال البعض الآخر أنه مصدر الاسم “حصيد” بمعنى نقي. يمكننا نرى ملامح حياة هذا الحزب من خلال أسلوب حياتهم المتمثل في:
1- حياة الشركة: كان كل شيء فيهم مشتركًا، الحقول والبيوت والطعام، فضلوا حياة الكفاف عن حياة الشراء وأحبوا بعضهم بعضًا، كان الهدف الذي يجمعهم هو الحرب الأخيرة والتي ينتصر فيها شعب الرب ويظهر المسيا.
2- الزواج: يركز فيلو أن الأسينيين كانوا يعزفون عن الزواج، وأن أقدس عمل عنهم هو الاستعداد للحرب المقدس ضد الشر، ولهذا فضلوا حياة العزوبية، لكنهم في نفس الوقت تبنوا أطفال حتى لا تنقطع الجماعة.
3- الهيكل: كانت هذه الجماعة تشترك في عبادة الهيكل فكانوا يرسلون الذبائح إليه، دون أن يذهبوا منهم خوفًا من النجاسة.
في ضوء دراستنا للحالة الدينية اليهودية من خلال الثلاثة أحزاب الكبرى هناك سؤال يطرح نفسه وهو إلى أي حزب كان يسوع ينتمي إليه؟
يختلف الدارسون حول هذا الموضوع، فقد قال البعض بأن يسوع ليس صدوقيًا، لأنه لم يكن من الطبقة الارستقراطية، ولا كاهنًا، بل بالعكس تمامًا كانت معتقدات المسيح على النقيض تمامًا من معتقدات الصدوقين فإيمانه بوجود قيامه وملائكة عكس معتقدات الصدوقيين.
بعض الدارسين ربط بين تعليم يسوع الإسخاتولوجي وكذلك بوجود ملائكه جعلوا يسوع هو الأقرب إلى الفريسيين والأسينيين.
قال R.E.Brawn: “أن يسوع حصل من الأسينيين على بعض أفكاره”.
يمكن الدارس المدقق للعهد الجديد يدرك أن موقف يسوع من الناموس لا يتناغم مع صرامة الأسينيين المفرطة تجاه الناموس وعلى الأغلب الأعم نجد أن يسوع لم يكن لديه أي انتماءات حزبية أو فكرية، بل كان رجلًا يهوديًا علمانيًا.
ثالثًا: النظام الاجتماعي والهوية اليهودية
يتميز المجتمع اليهودي دون غيره من باقي المجتمعات الاجتماعية بالعديد من السمات الاجتماعية التي تبرز هويته وسوف اتطرق فكرتين أساسيتين للحالة الاجتماعية لليهود:
الفكرة الأولى: هوية المجتمع اليهودي:
تظهر هوية المجتمع اليهودي من خلال العديد من المظاهر الاجتماعية سواء كانت هذه المظاهر تتعلق بنظام التعليم، أو مكانة المرأة أو بشكل ومظهر البيوت وسوف أشير فقط إلى مظهرين فقط من مظاهر الحياة الاجتماعية على سبيل المثال لا الحصر.
أولًا: مكانة المرأة في الفكر اليهودي:
حظيت المرأة بكرامة في المجتمع اليهودي وهذه الكرامة كانت راجعة إلى بعض نصوص كتابية وإلى نماذج من سيدات فضليات، فتكلموا المعلمين اليهود عن سارة كنم حيث ذكر التلمود اليهود عن أم توصي ابنتيها مثل الزواج قائلة: يا ابنتي قفي أمام زوجك وأخدميه فإن سلكت كأمته صار لك عبدًا ويكرمك كسيدته، أما إذا قمت بنفسك ضدًا له سوف سيكون سيدك وتكونين شريرة في عينيه كإحدى خادماته”.
وتكلموا أيضًا عن دور ديبورة في خلاص شعب الرب، وعن حكمة أبيجايل في إنقاذ زوجها بالحمق وشجاعة أستير لنجاة اليهود. ولم ينتفص المجتمع اليهودي من حق المرأة في أن تقول رأيها حرًا صريحًا في موضوع زواجها وبدون رضاها لا يكون الاتحاد سليمًا، وعبر التلمود اليهودي عن علاقة المرأة بزوجها وذلك من خلال قصة الخلق فقال: “إن الله لم يخلق المرأة من رأس الرجل لئلًا تتكبر عليه، ولم يخلقها من عينيه لئلًا تشتهيه، ولم يخلقها من أذنه لئلًا تشتد اشتياقها لمعرفته، ولا من فمه لئلًا تكون ثرثارة، ولا من قلبه لئلًا تكون غيورة، ولا من يده لئلًا تكون جشعة، ولا من قدمه لئلًا تكون فضولية، لكن خلقها الله من ضلع لتكون دائمًا مغطاه بالوداعة”.
ويرى الرابانيون أن الزواج هو أمر ديني ملزم، وإن تعدد الزوجات كانت بسبب غلاظة الشعب اليهودي، فقد أصدر الحاخام جرشومة بين يهوذا مرسومًا يحظر فيه تعدد الزوجات، وأكد موسى بن سيحون على حق المرأة في طلب الطلاق إذا كان زوجها بغيضًا، حيث كان يرى أن المرأة ليست أسيرة كي تجبر على ممارسة علاقات حميمة من شخص تكرهه، وشدد الحاخامات على على موضوع العنف الأسري فيقول الحاخام مائير: “إن ضرب الزوجات من تصرفات الوثنيين، ولكن الله يمنعنا من فعل ذلك ومن يفعل ذلك يعاقب بالطرد من المجتمع اليهودي”. وحكم نفس الحاخام بحق الزوجة التي يسيء زوجها معاملتها ويضربها في اللجوء إلى المحكمة الحاخامية لإجبار الزوج على تطليقها ودفع غرامة مالية.
نالت المرأة اليهودية أيضًا قدرًا من تعليم القراءة والكتابة، وكانت تتلقى بعض التعاليم الشريعة اليهودية.
ثانيًا: نظام التعليم في المجتمع اليهودي:
لم يكن لدى اليهودي التقي إلا معرفة شريعة الرب ولم يسعَ للحصول على غيرها، وكان الإعداد لهذه المعرف وإعطاؤها للغير هو هدفه الأوحد وعقيدة اليهودي كانت تتكون من معرفة الله وأيضًا خدمته، أي محبة الله ومحبة القريب. ولظروف الأزمنة المتعاقبة أراد اليهود أن يتعلموا اللغة اليونانية وفي بعض الأحيان تعلموا اللغة اللاتينية بقدر ما احتاجته المعاملات، واضطروا الي التسامح مع الترجمة السبعينية، وإلى استعمال أي لغة في الصلاة اليومية، وفي الثمانية عشرة بركة، وفي الشكر بعد الاكل.
وعندما سأل أحد المعلمين الصغار عمه أيسمح له بالدراسة للحكمة اليونانية بعد أن عرف التوراة؟ أجابه عمه قائلًا: تذكر كلمات يشوع “لا يبرح هذه الشريعة من فمك”… (يش 1: 9) ثم قال له: اذهب وابحث عن الساعة التي ليست من ساعات النهار أو من ساعات الليل فإن وجدتها فأدرس فيها حكمة اليونان”.
كان من حق كل يهودي أن يتعلم حرفة معينة أو مزاولة عمل تجاري، ولكن ما كان هذا ليصرفه عن الدراسة، بل على النقيض تمامًا كان يعتبر نجاسة أن يستعمل الفرد ما تعلمه لأغراض دينوية علمانية سواء كان للكسب أو للمجد. ولقد عبر هلليل بقوله: “من يخدم نفسه بالتاج (التوراه) سوف يهلك”. وأضاف الراباي صادوق قائلًا: لا تجعل دراستك تاجًا تلمع أدفاسًا تحفر به”. خلاصة القول نقول المجتمع اليهودي يرى أن كل العلوم لابد أن توصل إلى اللاهوت وبعضها لم يكن سوى وسائل لكسب القوت كالطب، والعلوم الأخرى لم تكن سوى جوار لعلم اللاهوت فعلم القانون البشري ليس في الواقع إلا نوعًا من دراسة الشريعة، وعلم الرياضة والفلك ما هي إلا وسائل لعمل التقويم اليهودي.
رابعًا: الأفكار الفلسفية السائدة والوعي المحتمعي
المدارس الفلسفة اليونانية – الرومانية
بادئ ذي بدء حاول الفلاسفة أن يستمدوا المبادئ الأخلاقية من الآلهة، طالبين من الناس أن يتشبهوا بالآلهة. كان الفيلسوف سينيكا مثلًا يطلب من أولئك الذين يعطون صدقة للآخرين بأن يتشبهوا بالآلهة، الذين يعطون عطايا صالحة للصالحين وللطالحين لأن الكرم في طبيعتهم، وبالتالي لا يجب أن ينظر إلى الفلسفة اليونانية – الرومانية كأنها مميزة عن الدين. ومن هذا المنطلق نرى أربع خصائص للفكر الفلسفي اليوناني – الروماني على النحو التالي:
وفي ضوء هذه الخصائص الأربع يمكننا دراسة بإيجاز شديد بعض المدارس وقت مجيء المسيح.
لقد علم أفلاطون -وهو تلميذ- سقراط بأن كل الأشياء المادية المنظورة كانت ظلالًا ونسخًا من الأشكال النقية المثالية غير المنظورة. ولكي يحقق الناس مصيرهم عليهم الهروب من العالم المادي ليذهبوا إلى موطنهم الحقيقي في ذلك العالم الآخر، ووجد البعض تأثيرًا أفلاطونيًّا في مقارنة يوحنا بين العالم الذي تحت والعالم الذي فوق، بالإضافة إلى وصفة الذي جاء من فوق لكي يقدم الحق الصادق. (يو 3: 31، يو 1: 9، يو 4: 23)
وهذه المدرسة تعود جذورها إلى إبيقور (342 – 270 ق. م.) والإبيقوري في اللغة الإنجليزية هو الشخص الذي يكرس حياته للمتع الجسدية وعلى وجه الخصوص للطعام والخبز. بالرغم أن أبيقور كان نفسه رجلًا فاضلًا مهذبًا وقد قلل من شأن الأساطير والأفكار التجريدية. وقد علم أبيقور بأن الواقع هو مادي بالتمام وأن الآلهة هادئة تمامًا لا تهتم بشؤون البشر، ولا بالثواب ولا بالعقاب، لأنها لا تتأثر بتاتًا بنشاطات الكائنات القابلة للموت. فالموت في مفهوم أبيقور هو مجرد تحلل الذرات التي تُوكف كياننا الكاملة. ولا يوجد جزء في الكائن البشري يبقى بعد الموت وبالتالي لا يوجد مبرر للقلق حيال مرحلة ما بعد الموت، ولقد قام الفكر الفلسفي لهذه المدرسة على تحرير الناس من الخوف من الآلهة والموت جاعلة الناس أن يركزوا على الواقع الحقيقي – حياة سعيدة في هذا العالم خالية من الألم والقلق والقهر.
سعى أبيقور بجعل الناس أن يختبروا اللذة يذهب معاناتهم من الألم الضروري. ولكن أيّ لذة كان يقصدها أبيقورس، وهكذا كان الاعتدال كان علامة الإنسان الحكيم، واللذة العقلية أسمى من اللذة الحسية، وأسمى لذة نادى بها أبيقور كانت لذة الصداقة والتي جعلتهم أن ينسحبوا من الحياة العامة التي تعتبر مصدر الكثير من الاضطراب، وبالتالي عاشوا في حالة وجود جماعي، جاعلين كل شيء مشتركًا.
لخص أحدهم الفلسفة الإبيقورية على هذا النمو:
“لا شيء نخافه في الله
لا شيء يُجسه في الموت
يسهل التمتع بالخير
ويسهل تحمل الألم”.
وهي مدرسة فكرية أسسها (زينون) (335 – 263 ق. م.) من قبرص وعاش حياته في أثينا، حيث إنه أسس مدرسته الخاصة يسمى Stoapoikile في القرن الخامس ق. م. والذي منه اشتق منه اسم (رواقي) Stoa وقد نادت هذه المدرسة بأن اللوجوس أو العقل الإلهي هو الذي يوجد كل الأشياء، ولا يوجد عالم منفصل من الأفكار، وإذا عاش البشر يحب العقل الموجه، أو الناموس الطبيعي، يمكنهم البقاء مطمئنين في مواجهة المحن، وكانت هذه المدرسة تعتبر العواطف والمشاعر هي حالات مرضية يمكن تحرير الناس منها.
خلاصة ما تقدم لقد ولد المسيح وفي وقت كانت هذه المدارس الفلاسفية متغلغلة في حياة الناس، ولقد حاولت هذه المدارس تقدم حلولًا لمشكلات حياتية من خلال واقع البشر مثل مشكلة الألم، ما هية الخير، حاولت أيضًا تقدم تفسير لمشكلات فكرية متعلقة بالكون ونشأته، وكانت إجابة الله عن كل هذه القضايا من خلال الإعلان الكامل والنهائي في المسيح.
خامسًا: صرخة إنقاذ والحاجة إلى مخلص
لقد مهدت الثقافة اليونانية بفلسفتها ولغتها لمجيء المسيح، نجد أيضًا الحالة الدينية آنذاك كانت عاملًا قويًا بمجيء المسيح، حيث كانت الأرض ممهدة لهذا الحدث الفريد. وفي ذلك الوقت حدث دمج للآلهة اليونانية مع الآلهة الرومانية وأدى ذلك الدمج إلى عدم وضوح الاتجاه المختلف للديانتين فصارت الآلهة اليونانية زيوس (إله السلطة) وهيرا وهرمس مقترنة بالآلهة الرومانية جوبيتر ومنرڤا وعطارد. ونتيجة الجمع بين هرمس – عطارد تطورت شخصية هرمس ثلاثية العظمة، في حين أصبح رسول الآلهة تجسيدًا كل الحكمة للكلمة الآلهة (اللوغس). وانتشرت هياكل وكهنوت وأعياد مكرسة للإله، كما كانت هناك تماثيل لها في الساحات العامة للمدن، وعزز ذلك أوغسطس تكريمًا للآلهة، بمرور الوقت انتشرت عبادة الأمبراطور وتم وضع تماثيل له في الهيكل المكرس للآلهة، وطلب الأمبراطور كاليجولا وضع تماثيل له كإله وتكريمًا له وكان نيرون يعتبر إلهًا، وأصر بيثان على أن يحظى بالتكريم كإله وربما يفسر وضعه لنفسه “كرب وإله” الكراهية في سفر الرؤيا للقوى الرومانية باعتبار أنها تغتصب ما هو حق لله فقط وانتشرت أيضًا ما يسمى بالديانات السرية. كانت تتضمن دراما وطقوسًا يمكن بواسطتها أن يسمح للمنضمين بالمشاركة في الحياة الخالدة للآلهة وكان أعضاء هذه الديانات السرية مرتبطون بشركة أبدية، ومن أكثر العبادات السرية هي أسرار إليوسيس كانت الكرم ليمتد باعتبارها حامية الزراعة، وانتشرت أيضًا عبادة ميثرا حيث كانت قاصرة على الرجال، ووصلت إلى أماكن بعيدة على أيدي الجنود الفرس والرومان، حيث تعود عبادة ميثرا إلى الزرادشتية الفارسية، وقد كانت تتضمن وسيطًا بين البشر وإله النور (أهورا مازدا) وكان مكان العبادة عادةً مقدسًا يوضع في وسطه تمثال لميثرا وهو يقتل ثورًا، ومن جراح هذا النور تخرج سيقان النبات، والرمزية الكلية هي التغلب على الشر وجلب الحياة عن طريق هذه العبادة للمؤمنين الجدد الذين يأخذون صمامًا في الدم.
هذه الحالة الدينية التي انتشرت في الشرق والغرب تطلع إلى وجود المخلص، حيث نسجت هذه الديانات مخلصًا لها، فكان أول من نادى بفكرة المنقذ هو زاردشت، وكان عند الفراعنة الإله آمون.
قائمة المراجع
أولًا: المراجع باللغة العربية:
1- برون، رايموند. مدخل العهد الجديد، تعريب نكلس نسيم. القاهرة: دار الاكويني 2021م.
2- سيلينيا، ديفيد. مقدمة للعهد الجديد، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس. لبنان: دار منهل الحياة، 2014م.
3- درين، جون. مدخل العهد الجديد. ترجمة: د. إيهاب جوزيف. القاهرة: دار الثقافة 2015م.
4- عزيز، فهيم. المدخل للعهد الجديد. القاهرة: دار الثقافة.
ثانيًا: المراجع باللغة الإنجليزية:
اسم الكاتب : القس جوهر عزمي
هي فتاة يهودية من بلدة الناصرة (لو 1: 26) وهي بلدة صغيرة مكتظة بالسكان ويقال إن سكانها تراوح عددهم وقتئذٍ ما بين 15-20 ألف نسمة، هذه القرية منعزلة تقع في القسم الجنوبي من مقاطعة الجليل ولا ذكر لها مطلقًا لا في العهد القديم ولا الجديد ولا التلمود ولا الأسفار الأبوكريفية ولا في كتابات المؤرخين اليهود أمثال يوسيفوس، وأيضًا ليس لها ذكر في الوثائق الأشورية أو البابلية أو المصرية القديمة. أي أنها بلدة بلا أهمية تاريخية أو نبوية.
ويبدو أنها كانت بلدة سيئة السمعة ومُحتَقَرة للدرجة التي جعلت نثنائيل يقول: “أمن الناصرة يمكن ان يكون شيء صالح” (يو1: 46) مع أن نثنائل نفسه من قانا الجليل (يو 21: 2)، والناصرة جليلية أيضًا، إلا أن الجليليين أنفسهم كانوا يحتقرون أهل الناصرة مع أنهم (الجليليون) كانوا مُحتَقرين من أهل اليهودية. وفي سفر الأعمال يشير بعضهم بازدراء إلى المسيحيين بالقول إنهم “شيعة الناصريين” (أع 24: 5). ويُعتَبَر سكانها خليطًا من الأمم واليهود ولهم لهجتهم الخاصة (متى 26: 72) مثلما قيل عن لهجة بطرس الجليلية “لغتك تظهرك”.
وذُكرت الناصرة للمرة الأولى في العهد الجديد في (لو 1: 26)؛ حيث كان يعيش يوسف ومريم. وبسبب الاكتتاب الذي أمر به أوغسطس قيصر، ذهب يوسف ومريم إلى موطنهما الأصلي في بيت لحم؛ حيث وضعت وليدَها (لو 2: 1-7). وبعد عودتهما من مصر، ذهب يوسفُ ومريمُ والربُّ يسوع إلى الناصرة ليسكنوا هناك وفي الناصرة قضى الرب يسوع صباه (لو 2: 39، 40، 51، 4: 16، ومتى 2: 23).
وبعد أن أُسلِم يوحنا المعمدان، ترك الربُّ يسوعُ الناصرةَ وأتى وسكن في كفر ناحوم (متى 4: 13) ومع أن الرب يسوع كان يُدعَى ناصريًّا، إلا أنه لم يذهب للناصرة بعد أن غادرها إلى كفر ناحوم إلا مرة واحدة حين دخل المجمع في يوم السبت وقرأ من نبوة إشعياء (لو4: 16-30).
الأصل والنسب والعائلة
يعتقد الكثيرون أن مريم العذراء هي أحد المصادر التي اعتمد عليها لوقا الطبيب في كتابة إنجيله، ومن جهة أخرى، يُعتَبَر لوقا أكثر البشيرين تدوينًا لأحداث ومواقف تخص مريم؛ فالفرق بين سلسلتي النسب المذكورتين في متى 1 ولوقا 3: 23-38 هو أن سلسلة النسب الأولى تخص يوسف، بينما الأخيرة تخص مريم، وبوضع السلسلتين بجانب بعضهما نجد أن النسب الملوكي للمسيح قد مرَّ من خلال أبي يسوع من منظور القانون، أما انتماؤه الجسدي إلى داود فقد حصل من خلال نسب مريم، مع ملاحظة أن لوقا بخلاف متى لا تحتوي سلسلةُ نسب المسيح التي ذكرها على أية امرأة حتى مريم نفسها.
ولا يذكر العهد الجديد شيئًا عن أبيها أو أمها ولا أقربائها سوى أليصابات نسيبتها أمّ يوحنا المعمدان (لو 1: 36)، بالإضافة إلى أختها “وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم المجدلية” (يو19: 25)، ويشير هذا النص إلى أن أختها اسمها مريم، ولكن تأتي هذه الآية في ترجمة الحياة كالتالي: “وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه وأخت أمه، مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية”.
وبمقارنة (يو 19: 25، مر 15: 40، مت 27: 56) يمكن أن نستنتج أن أختها هي سالومة أم ابني زبدي وليست مريم أخرى، أي أن يعقوب ويوحنا ابنا خالة الرب يسوع (مر 15: 40) “وكانت أيضًا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة” (متى 27: 56) “وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم ابني زبدي”. أي أن البعض يظن أن سالومة زوجة زبدي أم يعقوب ويوحنا أخت مريم العذراء والبعض الآخر يرى أن أختها هي مريم زوجة كلوبا ولكنه أمر مُستَبعد أن تسمى أختان باسم واحد.
ولأن نسيبتها أليصابات كانت من بنات هارون (لو 1: 5) مما جعل البعض يقول إن مريم أيضًا كانت من سبط لاوي، ولكنَّ هناك اتفاقًا على أنها من نسل داود؛ لأن مريم ويوسف كانا من بيت داوود (لو 2: 4).
ويذكر بعض المؤرخين مثل أبيفانوس وكذلك إنجيل يعقوب (كتاب أبوكريفي) أن والديهما (مريم ويوسف) هما يواقيم من الناصرة، وحنة من بيت لحم. ولكن الملفت للنظر أنه عند الصليب أوصى المسيح يوحنا لكي يهتم بأمه ويرعاها من بعده، هل لأنه لم يكن لها عائل يهتم بها؟ أم لأنه استأمن يوحنا أكثر من غيره؟
وآخر موقف نتقابل فيه مع العذراء مريم هو في اجتماع العلية وسط التلاميذ بعد صعود المسيح مباشرةً “ولما دخلوا صعدوا إلى العلية التي كانوا يقيمون فيها بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس… هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته” (أع1: 13- 14)
وإجمالا، تنتمي العذراء مريم لأسرة متواضعة، لم تستطِع أن تقدم إلا تقدمة الفقراء وهي فرخي/ زوج حمام (لو 2: 22- 24)، وهي ذبيحة الفقراء الذين لا يملكون تقديم شاه (اللاويين 12: 2- 8). وهي أيضًا فتاة ريفية تحمل ملامح شرقية خالصة، نشأت في بيئة زراعية، تحمل عقلًا فطنًا وذهنًا صاحيًا؛ فالكتاب يذكر مرتين في إنجيل لوقا دلالة هذا الوعي “وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها” (لو 2: 19)، وفي (لو 2: 51) “ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما. وكانت أمه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها”. يبدو أن لديها إلمامًا جيدًا بكتابات العهد القديم؛ حيث أتت تسبيحتها في (لو 1: 46-56) وكأنها خلاصة كثير من المزامير واقتباسات من ترنيمة حنة أم صموئيل (1 صم 2: 1-10).
خطبتها من يوسف
في كتاب قديم من القرن الرابع اسمه “تاريخ يوسف النجار” يقال إنها خُطِبت ليوسف الذي كان أرمل في التسعين من العمر وصاحب عائلة كبيرة، وهي كانت ابنة اثنتي عشرة سنة، لكني أرى أن القصة الكتابية تفترض أنه كان رجلًا قادرًا على الحركة والسفر والترحال وتحمل أعباء رحلة طويلة وشاقة من اليهودية إلى مصر ذهابًا وإيابًا. وعلى الأرجح أنها كانت في العقد الثاني من عمرها عندما خُطِبت ليوسف، وتقول بعض التقاليد إن عمرها كان نحو 17 سنةً.
وكانت الخطبة في العادات اليهودية تكاد تُعتَبَر زواجًا، وقد تُسجَّل في وثيقة مكتوبة، ومنذ تلك اللحظة تُعتَبَر الفتاة “زوجةً”، لذلك يقول الكتاب ليوسف: “لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك” ولو مات خاطب المرأة في أثناء الخطبة فإنها تُعتَبَر أرملةً خاضعةً لشريعة الزواج من أخي الزوج (تث 25: 5- 10).
ولم يكن في إمكان المرأة المخطوبة أن تتخلص من خاطبها إلا بوثيقة طلاق، ومع ذلك كان أي اتصال جنسي بين الخطيبين قبل أن يشهر الزواج ويتم الزفاف يُعتَبَر زنا.
معنى اسم مريم
يرى هربرت لوكير في كتابه “كل نساء الكتاب المقدس” أن الاسم أعطيَ 70 تفسيرًا مختلفًا في محاولة للابتعاد عن المعنى الكتابي للاسم وهو “مرارة”.
إلا أن القواميس والمعاجم المختلفة تذكر معاني محددة للاسم، وعلى سبيل المثال يذكر معجم اللاهوت الكتابي أن الاسم مريم جاء من العبري مريام أي المرام أو المطلوبة، ومن الآرامية بمعنى أميرة أو سيدة. وتذكر دائرة المعارف الكتابية أن “مريام” العبرية مشتقة من “مريامون” الهيروغليفية ويعني “محبة لآمون”، أو قد تكون من كلمة عبرية معناها “مر” أو “عنيد”، ويذكر قاموس الكتاب المقدس أن مريم اسم عبري معناه “عصيان”.
واسم مريم كان معروفًا ومشهورًا ومُتدَاوَلًا منذ زمن بعيد منذ مريم أخت موسى (خر 15: 2). وفي أيام المسيح نقرأ عن العديد من المريمات؛ إذ يرد اسم مريم في العهد الجديد 51 مرةً.
ولكن أليصابات أعطتها لقب “أم الرب” “فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ” (لو 1: 43)، وفي ظني أن هذا اللقب الفريد قد فتح بابًا كبيرًا لكثير من الهرطقات عند محاولة تفسيره.
مكانتها في التقليد
يذكر الدكتور القس إلياس مقار أنه حتى القرن الخامس كانت الصور والتماثيل تقدم العذراء مريم كسيدة عادية وسط التلاميذ والمسيح هو المتوَّج فقط. وبعد ذلك وتحديدًا في اوائل القرن الخامس أخذت مكانة العذراء شكلًا مختلفًا تمثَّل في الاعتقاد في عذراويتها المستمرة، وعقيدة الحبل بلا دنس، والاعتقاد في صعودها إلى السماء حيَّةً؛ إذ يؤمن الكاثوليك بأن العذراء بعد وفاتها بثلاثة أيام عادت روحها للجسد وحملتها ملائكة الله للسماء. وترتب على ذلك أنها أصبحت تمثل المرأة التي تسحق رأس الحيَّة، وأنها العروس في نشيد الأنشاد، وأنها الحكمة في سفر الأمثال، وتمثل المرأة التي يضطهدها التنين في سفر الرؤيا، وأنها أمٌّ لكل أبناء الكنيسة وليست ليوحنا فقط انطلاقًا من قول المسيح لها “هوذا ابنكِ”. بل وصل الأمر لاعتبارها شريكة في الفداء والشفاعة مع أن الكتاب المقدس لم يذكر لا صريحًا ولا تلميحًا شيئًا عن ولادتها ولا موتها ولا صعودها الى السماء، فيوحنا الذي أخذها إلى خاصته (بيته) (يوحنا 19: 26- 27) عاش عدة سنوات بعد موت باقي التلاميذ حتى أوائل التسعينات من القرن الميلادي الاول، لم يذكر البتة أي شيء عن اختطاف مريم إلى السماء، مع وجود بعض التقديرات بأن مريم كانت تكبر يوحنا بنحو 25-30 سنة، لذلك فمن المحتمل أن تكون توفيت قبله، فلماذا لم يسجل يوحنا أي شيء عن صعودها؟ ولا يذكر مطلقًا دورًا مميزًا لمريم في قصة الخلاص ولم يعلم الكتاب أن مريم “دائمة البتولية” بل يقول إن المسيح كان له إخوة (متى 12: 46، مرقس 6: 3، لوقا 2: 7، يوحنا 7: 5) مع الوضع في الاعتبار بالتفسيرات الكثيرة لمعنى “إخوة يسوع “والتي منها أنها قد تعني أبناء العم أو الخالة، أو يكونوا أبناء يوسف النجار من زوجة سابقة.
وهناك عدة أمور جعلت مريم العذراء تأخذ هذه المكانة؛ الأول: في أوائل القرن الخامس الميلادي أخذت عبارة “والدة الإله” تنتشر في الأوساط الكنسيَّة، الأمر الذي لم يسترح له أحد اللاهوتيين في هذه الحقبة وهو نسطورس (بطريرك القسطنطينية) وعارض الفكرة وقال إن العذراء ليست أمًّا للمسيح كابن لله بل أمه كإنسان، ولكن الأمر حُسِم في مجمع أفسس المسكوني سنة 431م بقيادة البابا كيرلس عمود الدين، الذي كان بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، وحكم المجمع ضد نسطور وأتباعه وأطلقوا عليهم هراطقة. وتم التشديد على لقب “والدة الإله” كأحد ألقاب العذراء مريم. وإمعانًا في تحقير نسطورس وأتباعه، أخذ عامة الناس يجمعون المسيح والعذراء في كل شيء حتى في الصور والأيقونات. الأمر الثاني: ألقى الجدال الدائر وقتئذٍ حول طبيعة المسيح وشخصيته ومركزه في الثالوث، بظلاله على مخاوف الناس من الاقتراب بغير مهابة من شخص المخلص المسيح والبحث عن شخصية وسيطة تقربهم إليه، فوجدوا في شخصية مريم أمه هذا الوسيط، ومن هنا تولدت فكرة الاقتراب منها فيما يشبه العبادة. الأمر الثالث: يذكره الدكتور القس مكرم نجيب نقلًا عن المؤرخة إيريس حبيب المصري في كتابها “ظل الخيرات العتيدة”؛ إذ تقول: “إن تأليه العذراء مريم، وبالتالي عبادتها، هو النتيجة الحتمية لتلقيبها “والدة الإله”؛ لأن هذا اللقب كان يرتبط في أذهان القدماء بالألوهية، فإيزيس والدة الإله حورس كانت إلهةً تُعبَد مثل ابنها، لذلك عندما دخل المصريون القدماء للمسيحية استبدلوا صورة إيزيس وهي تحمل ابنها حورس بصورة مريم العذراء وهي تحمل ابنها يسوع.
العذراء والمسيح
في كل المواقف التي ذكرت في الأناجيل -والتي جمعت بين مريم والمسيح- تبدو هذه العلاقة “متوترةً”، ليس بمعنى أن هناك خلافًا أو شجارًا أو توترًا في العلاقة بين المسيح ومريم، بل بمعنى أن مريم لم تكن قادرة على تحديد مشاعرها تجاه المسيح، فهي علاقة ومشاعر مرتبكة غير محددة الملامح ولا توجد بها خطوط عريضة فاصلة. فمريم -من ناحية- تريد أن تعامله بغريزة الأمومة وأنه ابنها الجسدي فعلًا، ومن ناحيةٍ أخرى، تدرك في أعماقها أنه ليس إنسانًا عاديًّا بل ينتمي إلى السماء. من جهةٍ تراه ابنَ بطنها، ومن جهةٍ أخرى تدرك أنه ابن الله. من جهةٍ، تعامله كصغيرها ومن جهة أخرى تعرف أنه مسيح الرب، تريد أن تعامله وكأنها مسئولة عن سلامته ومن جهة أخرى تعترف أنه مخلصها.
ولكن يمكن أن نلخص هذه العلاقة في أمرين؛ فهي علاقة مزدوجة، أولًا: علاقة الألم، ثانيًا: علاقة المسؤولية والرعاية
قال سمعان الشيخ عندما أمسك بالطفل يسوع في الهيكل لمريم العذراء “وأنتٍ أيضًا يجوز في نفسك سيف…” (لو 2: 35)
عندما أخذت مريم بشارة الملاك جبرائيل وقال لها: “وهوذا أليصابات نسيبتكِ… فمضى من عندها الملاك فقامت مريم في تلك الأيام وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا ودخلت بيت زكريا وسلمت على أليصابات… فمكثت مريم عندها نحو ثلاثة أشهر ثم رجعت إلى بيتها.” (لو 1: 24- 56) ولا نعلم الوقت الذي مضى ما بين تلقي مريم بشارة الميلاد وبين ذهابها إلى أليصابات مع العلم بأن الرحلة استغرقت من الناصرة إلى مدينة يهوذا، ذهابًا فقط نحو 4-5 أيام (100 كم)، ولكن هناك اعتقادًا أنه كان قد مر عليها شهر أو شهران ومكثت عند أليصابات 3 شهور، وهذا معناه أنها عادت إلى الناصرة وهي حبلى في شهرها الخامس والسادس أو أكثر قليلًا من ذلك، وهنا كانت علامات الحمل قد ظهرت، بل يذهب القس إبراهيم سعيد في تفسيره لإنجيل لوقا إلى أن مريم مكثت عند أليصابات حتى ولادة المعمدان حسب العادات والتقاليد الشرقية ويشاركه الرأي وارين ويزربي في تفسيره “كن شغوفًا”، ووفق كل الاحتمالات تكون علامة الحمل قد ظهرت على مريم عند عودتها إلى الناصرة. وهذا أول سيف يجوز في نفس مريم.
سيف آخر ألا وهو سيف نظرات الناس إليها لدرجة أنه كان هناك اعتقاد أن المسيح قد وُلِد من زنا، إذ في أحد المواقف المتصادمة بين المسيح والفريسيين قالوا له “إننا لم نولد من زنا” (يو 8: 40- 41) في تمليح منهم إلى ما كان يُشاع عنه.
ثم بعد الرحلة إلى مصر ذهابًا وعودةً بسنوات قليلة وتحديدًا عند سن الثانية عشرة بدا الابن مبكرًا في إعلان استقلاليته عن والديه، الأمر الذي تأثرت به أمه بأكثر إيلامًا بالرغم من حرصها على تحمل مسئولية الرعاية والتربية (لو 2: 39- 52).
ويتضح هذا التوتر من عدة مواقف أخرى فمثلًا في (متى 12: 46- 50) “وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلموه. فقال له واحد: «هوذا أمك وإخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلموك». فأجابه: «من هي أمي ومن هم إخوتي؟» ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: «ها أمي وإخوتي. لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي»”. وفي مرة أخرى كان المسيح يتكلم للجموع فصاحت امرأة من الجمع “طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما” (لو 11: 27) فكانت إجابة المسيح: “بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه” (لو 11: 28). وهذا يرينا اتساع المسافة بين يسوع ومريم العذراء التي تشعر باختراق السيوف لنفسها ولاسيما أن المسيح نفسه يبدو أنه كان حريصًا على بقاء هذه المسافة بينه وبين مريم كما اتضح مما سبق.
وما يوكد على هذه العلاقة ” المتوترة” بين مريم وابنها أو بين المسيح وأمه، هو ما نلاحظه بوضوح أن المسيح لم يقل لها أو يناديها ولا مرة واحدة بلفظة “أمي”. ففي عرس قانا الجليل يقول لها “مالي ولكِ يا امرأة” (يوحنا 2: 4) وحتى لو أجمع المفسرون على أن اللفظ “امرأة” كان نوعًا من التبجيل والاحترام والإكرام، إلا أنه يظل لفظًا لا يحمل صريحًا معنى الأمومة، الأمر الذي يسبب أذى في نفس الأم مريم. ويعلق أوغسطينوس على هذا الموقف بقوله “إن المسيح لا يعترف برحم بشري عندما يكون على وشك أن يجري أعمالًا إلهية”. وعاد يوحنا في المشهد الثاني والأخير اللذين ذكرهما عن مريم (مشهد عرس قانا الجليل ومشهد الصلب) ليكرر قول المسيح لمريم “يا امرأة” (يو 17: 26).
والسيف الأعظم هو رؤية وليدها وثمرة بطنها يتألم ويعذب ويموت على الصليب، وما أقساه سيف.
وعند الصليب لم يقل ليوحنا “هوذا أمي” بل قال “هوذا أمك”. وحتى بعد القيامة لم يظهر المسيح أولًا لمريم أمه بل لمريم المجدلية. وهذا كله يفسر العلاقة المتوترة بين المسيح ومريم العذراء.
خاتمة
ما من شك أن مريم العذراء من أعظم الشخصية النسائية في كل الكتاب، بل على مر التاريخ فهي “مباركة في النساء” (لو 1: 42)، وترجع عظمتها لا لشيء في ذاتها فهي “أمة الرب”، ولكن عظمتها من عظمة من حملته في أحشائها وما تحملته من الآم مختلفة عبر رحلة حياتها جراء هذا الامتياز. ولا شك أنها تمثل يد الله الممتدة في التاريخ الإنساني والتي استخدمها الله في إتمام خطته لخلاص العالم بواسطة الابن المتجسد يسوع المسيح. والكنيسة الإنجيلية تطوبها وتكرمها “هوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني” (لو 1: 48)، بعيدًا عن الانزلاق إلى عبادتها أو تأليهها.
اسم الكاتب: ق. مايكل ملاك
الأدب هو أحد أشكال التعبير الإنساني، والتي فيها يعبر الإنسان عن نفسه أو عن الآخرين أو عن العوالم المحيطة. الخ، من خلال استخدام قدراته الفكرية والعاطفية على التخيل والتصور والإبداع، ومشاركة الآخرين بذلك من خلال صور متعددة ككتابة الرواية والقصة والشعر والنثر..، ومما لا شك فيه أن شخصية السيد المسيح في مجملها (ميلاده- حياته- معجزاته – تعاليمه- موته – قيامته) كان لها التأثير الكبير والواضح على الشعراء والأدباء والفنانين، كشخصية مُلمهة لهم، فعبر كلٌّ منهم من خلال رؤيته وقدرته في كلمات مكتوبة عنه.
ومع ذكرى الاحتفال بميلاد السيد المسيح سنلقي ضوءًا ولمحات سريعة عن كيف تناول بعض الأدباء قصة الميلاد؟ وسوف نتطرق إلى أشهر الأعمال التي تناولت القصة من جوانب متعددة والتي ربما أضفت بُعدًا جديدًا لمنظور النص المقدس، والذي قد يعطي ثراءً ومجالًا للتفكير والبحث وتوسيع افق الرؤية، ومنها بعض الأعمال التي أثارت جدلًا في الوسط الكنسي ليس لاختلاف تناول القصة عن الإنجيل فقط ولكن لتوجه كاتب العمل أيضًا، ولسنا هنا بصدد تأييد هذا أو معارضة ذاك، لكننا نقدم عرضًا عن الكيفية التي تناول بها الأُدباء والشعراء ميلاد المسيح، لذا سنتطرق إلى ظلال القصة في: التجسيد عند تولستوي، وابن الإنسان عند جبران، والسيرة الذاتية عند ميلر والبحث التاريخي عند العقاد، وكريسماس أمل دنقل.
أولًا التجسيد في قصة “عيد الميلاد الخاص لبابا بانوف” للكاتب الروسي المعروف “ليو تولستوي” وهنا برع الكاتب في استخدام القصة القديمة المعروفة وإسقاطها بطريقة معاصرة في زمن مختلف كما فعل الكاتب اليوناني “نيكوس كازنتزاكيس” في روايته “المسيح يصلب من جديد” في تجسيد قصة صلب المسيح في زمن آخر غير زمن الحدث الأصلي في حياة أشخاص آخرين.
تبدأ قصة “تولستوي” في ليلة عيد الميلاد في إحدى القرى الروسية مع العجوز بابا بانوف صانع الأحذية، الذي يعود بذاكرته إلى أيام احتفاله مع زوجته وأطفاله بذلك الحدث العظيم، لكنهم الآن غير موجودين، ليدخل بيته ويفتح كتابه المقدس ويقرأ قصة الميلاد، ويتوقف ليتساءل كيف أن يوسف ومريم لم يجدا مكانًا حتى يولد طفلهما في حظيرة بقر؟ لو كانا قد أتيا إلى هنا فقط! لكنت أعطيتهم سريري وقمت بتغطية الطفل بلحاف لإبقائه دافئًا! ويستكمل القصة مع المجوس الحاملين للهدايا ليقول بحزن: ليس لديّ هدية يمكنني تقديمها للطفل يسوع! ثم يطوي كتابه المقدس، ويتناول صندوق محفوظ فيه حذاء كان قد صنعه بنفسه بمهارة مقررًا إعطاءه كهدية ليسوع، ثم داعبه النوم فاستغرق فيه، ليحلم بيسوع يقول له: كنت تتمنى أن تتمكن من رؤيتي! ابحث عني غدًا سيكون يوم عيد الميلاد، وسأزورك لكن انظر بعناية لأنني لن أخبرك من أنا؟
يستيقظ العجوز على صوت أجراس عيد الميلاد، ويتأهب منتظرًا يسوع، ففتح بابه ليرى أحد عمال النظافة البائسين الذي يعمل في طقس شديد البرودة، فيدعوه ليتناول القهوة الساخنة لتدفئته، ليسعد ذلك العامل بهذه الدعوة ويخرج داعيًا للعجوز بتحقيق حلمه الذي ينتظره فهو يستحقه!
بعدها يتطلع العجوز إلى الشارع مترقبًا مجيء يسوع، لكنه يرى أم تحمل طفل بين ذراعيها قد أنهكها الإعياء، فيدعوها لتلتقط انفاسها ويرى أن الطفل بحاجة إلى حذاء لكن الأم تعلل ذلك بعدم امتلاكها للمال، حينئذ يقدم العجوز الحذاء الذي كان يرغب في تقديمه ليسوع إلى ذلك الطفل، لتغادر الأم قائلة للعجوز: لقد كنت لطيفًا معنا أتمنى ان تتحقق رغباتك في عيد الميلاد!
وظل العجوز منتظرًا مترقبًا مجيء يسوع، لكنه ينشغل بدعوة متسولين رآهم امام بيته ويقدم لهم الحساء والخبز، لينتهي يومه وهو في حالة من الأرق والتعب ليجلس ويقول لنفسه: لقد كان مجرد حلم! مسترجعًا أحداث اليوم ليسمع همس: ألم تراني يا بابا بانوف؟ من أنت؟ فيسمع صوت يسوع قائلًا: كنت جائعًا وأنت أطعمتني! كنت عاريًا! وقمت بكسائي! كنت أشعر بالبرد وقمت بتدفئتي! لقد أتيت إليك اليوم في كل من ساعدتهم واستقبلتهم.
فبدأت السعادة والسلام يفيضان في قلب بابا بانوف، وأراد أن ينفجر في الغناء والضحك والرقص بفرح قائلًا: لقد جاء بعد كل شيء!
ثانيًا ابن الانسان في رائعة جبران خليل جبران “يسوع ابن الإنسان” هذا العنوان في الترجمة الأقدم الصادرة عن دار صادر بيروت والذي نقله الارشمندريت أنطونيوس بشير، والعنوان “عيسى ابن الانسان” في الترجمة الأحدث الصادرة عن دار الشروق مصر والذي نقلها الدكتور ثروت عكاشة).
مصطلح ابن الإنسان هو أحد القاب المسيح التي قاله عن نفسه، فنجد في إنجيل البشير لوقا (19: 10) يقول: “لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك” وقد ذُكر هذا اللقب بصورة كبيرة في العهد الجديد فنراه أكثر من 30 مرة في انجيل متي، 15 مرة في إنجيل مرقس، 25 مرة في إنجيل لوقا، 12 مرة في إنجيل يوحنا، وذكره استفانوس شهيد المسيحية الأول في سفر الأعمال (7: 56) ومرتين في أخر اسفار العهد الجديد رؤيا يوحنا، وقد أحب المسيح هذا اللقب الذي يعبر عن انه ممثل لكل البشر.
أراد جبران في هذا العمل أن يصوغ أفكاره وأراءه عن المسيح في قالب أدبي مفعم بخيال شاعر مرهف الحس، مستخدمًا شخصيات متنوعة مختلفة الآراء ليتردد بين النقيضين ليبرز روعة شخصية المسيح، ما بين التلميذ والتابع وبين المتربص والعدو، شخصيات البعض منها كانت مرجعيته النص المقدس، والبعض الآخر ابتدعتها مُخيلته لخدمة ما يرنو إلى توصيله عبر قنواته الشعرية والنثرية.
فيتطرق جبران إلى قصة الميلاد عبر شخصية تُدعى “حنة أم مريم” والتي تقول بأن يسوع حفيدها ولد في شهر كانون الثاني (يناير) وفي تلك اللية التي ولد فيها، جاء رجال من المشرق زائرين وكانوا من الفرس (المجوس) قاصدين مصر ومروا بفلسطين، وحيث إنهم لم يجدوا مكانًا للمبيت استضافتهم “حنة” في بيتها، مستعفية من التقصير في ترتيب شؤنهم، حيث ان ابنتها قد وضعت مولودها الليلة، لذلك بعد العشاء طلبوا أن يروا الوليد، وحينئذ اخرجوا من حقائبهم شيئًا من الذهب والفضة والمر والبخور، وركعوا وصلوا ثم في الصباح مضوا في طريقهم إلى مصر تاركين خلفهم تلك الكلمات “إن الصبي لم يتجاوز بعد من العمر يومًا واحدًا ولكننا مع ذلك رأينا نور إلهنا في عينه وابتسامة الرب فوق شفتيه ونحن طالبون إليك أن تحوطيه برعاية حتى يبلغ أن يرعاكم أجمعين” تلك الكلمات كان لها أثر من التعجب والدهشة أكثر من فرحتها بالطفل نفسه.
وتقول أيضًا حنة: وشب الطفل يكبر جسمه وتقوى روحه على نحو لم نعهده في الأطفال كان يميل إلى الوحدة صعب المراس لا يسلم القيادة لأحد وما قدرت يومًا أن أمسه بيدي مع هذا فقد أجمع اهل الناصرة كلهم على حبه ولم يكن سر ذلك ليخفى على أحد.
ثم يتطرق جبران إلى ألقاب المسيح في تناوله لشخصية “يوحنا بن زبدي” اذ يقول على لسانه: إنكم ترون أن نفرًا منا يدعو عيسى: المسيح، أن آخرين يسمونه الكلمة، ونفرًا ثالثًا يقولون له: الناصري، وغيرهم ينادونه بابن الإنسان، وسأجهد في أن ألقي على هذه الأسماء من النور الذي فاض عليّ لأتبين.
ثم يسترسل جبران بأسلوبه البديع متقمصًا شخصية يوحنا ذلك التلميذ الذي قيل عنه الذي كان يسوع يحبه بحسب نص الإنجيل فيقول: فالمسيح الذي وجد من قديم الازمان هو قبس من نور الله حل في روح الإنسان وهو نسمة الحياة التي تحل فينا ثم نتخذ لها جسدًا كأجسادنا تسكنه في أذاننا لعلنا نعيها ونتدبرها، وإن كلمة الله ربنا قد بنت لها بيتًا من لحم وعظم واستوت بشرًا مثلي ومثلك… هذا هو المسيح العميق النفس البعيد السمو الذي يخطو مع الانسان نحو الأبدية، لقد ولد يسوع الناصري ونشأ كما ننشأ كان انسانًا
ثم يختتم جبران حديث يوحنا بن زبدي عن يسوع ابن الإنسان بهذه الأقوال:
المسيح الكلمة الذي كان في البداية، والروح التي تريد لنا ان نعيش حياة كاملة، فقد جاء يسوع واتحد معه، والروح كانت يد الله الخبيرة، ويسوع كان القيثارة، الروح كانت الأنشودة، وكان يسوع اللحن الذي رددها، ولسانه الناطق الذي كان يسير معنا في الشمس ويدعونا أصدقاء… ولعلكم أدركتم الآن لم كان البعض منا يدعوه ابن الإنسان وكان نفسه يحب أن يدعى بهذا الاسم لأنه عرف جوع الإنسان وعطشه وشاهد الإنسان وهو يجد في أثر ذاته الكبرى، كان ابن الانسان هو المسيح الرحيم الذي أراد أن يكون لنا جميعًا.
ثالثًا السيرة الذاتية عند الكاتب الأمريكي نورمان ميلر في رواية “إنجيل الأبن” والتي فيها تقمص الكاتب شخصية المسيح وذهب بخياله بعيدًا ليجيب عن سؤال لماذا لم يكتب المسيح إنجيله “سيرته الذاتية”؟ ليفتتح إنجيله بهذه الكلمات: أنا من يقول مرقس إنني جئت في تلك الأيام من الناصرة لأعتمد من يوحنا المعمدان في نهر الأردن. وإن السماوات قد انشقت وأنا صاعد من الماء.. ثم أخرجني الروح إلى البرية وكنت هناك اُجرب من الشيطان. وإنجيل مرقس ليس بالكاذب لكن فيه مبالغة كثيرة وأكثر منها في أناجيل متى ولوقا ويوحنا، إذا وضعوا على فمي كلمات لم أنطق بها يومًا ووصفوني إنني وديع ولطيف فيما كنت غضوبًا مغتاظًا، ذلك إنهم كتبوا ما كتبوه بعد سنوات عديدة من رحيلي وليس فيما كتبوه سوى تكرار لما أخبرهم به المتقدمون في السن، بل العجائز.. ولهذا فإني أطلع بروايتي.. ورجائي أن أكون أقرب إلى الحق من مرقس ومتى ولوقا ويوحنا.. ويبقى أن ما أرويه هنا ليس بالقصة البسيطة ولا هو بالبعيد عن الغريب المدهش لكنه حق في كل ما أستعيده على الأقل.
بهذه البداية افتتح ميلر روايته مثله مثل الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو الذي كتب أيضًا روايته المثيرة للجدل “الإنجيل يرويه المسيح” والتي قال فيها: إن إنجيلي يحاول ملئ المساحات الخالية بين الحوادث المختلفة التي حدثت في حياة المسيح كما رويت في بعض الأناجيل الأخرى مع بعض التأويلات الشخصية من قبلي “
أما عن قصة الميلاد كما تناولها ميلر في روايته فقد دون على لسان المسيح الذي يكتب سيرته الذاتية في هذا العمل فيقول:
كان يوسف أرمل. وكان أكبر من أمي بسنوات عديدة، لكنه تزوج منها. ولأنه إيسيني (طائفة يهودية في ذلك الوقت) فقد أعلن أنه سيحترم فارق السن بينهما وأنه سيكون في البداية حارس لها، يحفظها ويحيمها، ومن ثم يتزوجان. ووافقت. وانتظر يوسف، وفي ليلة دخل جبرائيل الملاك حجرة نومها وأخبرت مريم يوسف أن هذا الملاك قال لها: الرب معك. مباركة انت في النساء.
وأمي كانت إيسينية مثل يوسف، وابنة إيسينية وقد ضربت الفضيلة سياجًا حول السياج الأول المكرس لحمايتها. لكن جبرائيل الملاك كان يتألق بهاء، وبياض ثوبه كان مثل ضوء القمر. وفي ذلك الضوء ارتعشت وشعرت بإعجاب كبير. كما شعرت أيضًا أنها ضعيفة، وأن كل ما سبق لها أن عرفته قد تركها.
قال الملاك: يا مريم لقد وجدت نعمة عند الله وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا، وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيمًا وابن العلي يدعى. هذا الكلام من إنجيل لوقا، أما بحسب أمي فإن الملاك لم يقل سوى القليل. لكن مريم رأت مجد الرب (ولو للحظة وحسب) وحين علم يوسف أنها حبلى، ارتمى وأجهش بالبكاء وراح يتساءل: لمن أصلي، لي أم لها؟ كانت عذراء ولم أصنها.
وبعد ذلك راح الغضب يتنامى في صدره، وقال لها: لماذا جلبت هذا العار على نفسك؟
وطفقت مريم تبكي، وقالت: أنا بريئة، لم أعرف رجلًا قط
ووقع يوسف في حيرة من أمره. فإخفاء خطيئتها انتهاك للناموس، أما إخبار كهنة الإيسينين فيعني أن ترجم حتى الموت. وقال يوسف لنفسه: أبعدها عني.
وهكذا قرر يوسف أن يخفيها عند أقرباء له يعيشون في الجبال الشرقية لتزور نسيبتها أليصابات الحبلى منذ ستة أشهر. وفي هذه الأثناء، جاء يوسف صوت هاتف في نومه: خذ الصبية امراتك. لأن الذي حبل به فيها ليس من رجل وابنها مبارك. واستيقظ يوسف مقتنعًا قناعة راسخة ينبغي أن يتزوجا. وما إن عادت مريم إلى الناصرة حتى تزوجها، لكنه ظل على ما عرف به من تدقيق واحتراس. فهو لم يعرفها من قبل، ولم يرغب في أن يعرفها إلى أن ولدت. وقد سمياني يسوع.
وعن مكان الميلاد يذكر “ميلر” بأن سبب ولادة يسوع في بيت لحم أن يوسف كان فخورًا بأسلافه فهو من ذرية الملك داود، فكانت رغبته في أن تلد زوجته في بيت لحم مدينة داود، ولم تمانع مريم ذلك لنفس السبب أيضّا، وبالفعل ولد المسيح في بيت لحم في مذود، وهناك جاء الرعاة الذين كانوا يحرسون قطعانهم بعد بشارة الملاك لهم وهم من قد أشاعوا الخبر الذي وصل إلى قصر هيرودس ذلك العجوز، والذي يقول عنه ميلر أنه بمجرد سماعه ذلك الخبر أرسل ثلاثة من الحكماء ليجدوا الصبي الذي يهدد عرشه، هؤلاء الحكماء قادهم نجم جاء من المشرق ليوصلهم لمكان الصبي، وبعدما وصلوا قدموا هدية واحدة ثمينة ولم يقدموا ذهبًا ولبانًا ومرًا كما ذكر متى، وقاموا بتحذير يوسف ألا يبقى يومًا واحدًا، وهرب يوسف إلى مصر، ولما لم يعد الحكماء إلى هيرودس قرر الانتقام وأمر بقتل الأطفال الذين ولدوا في زمن المسيح. وما أن مات هيرودس حتى عاد يوسف إلى الناصرة.
رابعًا: البحث التاريخي عند عباس محمود العقاد في كتاب “حياة المسيح ” أو ” عبقرية المسيح في التاريخ وكشوف العصر الحديث”
في هذا الكتاب يتبع عباس محمود العقاد الكاتب والأديب والفيلسوف دور المؤرخ الباحث عن الحقيقة في محراب التاريخ كما كتب أن هذا الكتاب مقصور على غرض واحد وهو جلاء العبقرية المسيحية في صور عصرية، نفهمها الآن كما نفهم العبقريات على أقدارها وأسرارها وقد قل فيها نظير هذه العبقرية العالية في تواريخ الأزمان قاطبة.. ويتبع القول بأنه قامت للضمير الإنساني دعوة حية تبسط نورها كما ينبسط نور الشمس لكل ناظر ومتطلع ولحكمة ما ألهم داعيها أن يتسمى كلما تكلم عن نفسه بابن الإنسان.
بدأ بحثه التاريخي منطلقًا من كشوف وادي قمران متناولًا تفسيرات من فلسفة التاريخ، ثم تتطرق إلى المسيح في التاريخ من خلال عرض للحالة السياسة والدينية والفكرية لبني إسرائيل، وفيما يخص حديثنا عن ميلاد المسيح عرض في الفصل الثالث المعنون “تاريخ الميلاد” ثلاث موضوعات (أرض الجليل – متى ولد المسيح – صورة وصفية).
يقول العقاد: ولد السيد المسيح بأرض الجليل أو جليل الأمم كما كان يسميها الإسرائيليون، لأنها كانت إقليمًا مفتوحًا لجميع الأمم الشرقية والغربية، ومعنى الجليل بالعبرية الدائرة، يعنون بها الإحاطة، لأنها اتسعت لكثيرين ممن يحال بينهم وبين الإقامة في بلاد أخرى من فلسطين ولا سيما الجنوب.
وعن تاريخ ميلاد المسيح يقول: يُفهم من رقم التقويم الميلادي أن السيد المسيح ولد في السنة الأولى للميلاد، وعلى هذا الحساب يجرى العمل بين الأمم الأوربية منذ سنة 532 للميلاد وهي السنة التي دعا فيها الراهب دينوسيس الصغير إلى تأريخ الأيام من السنة الأولى للميلاد وصحح الحساب على تقديره ثم جرى العمل على حسابه إلى الآن.
ثم يستعرض العقاد مشكلة الخطأ الحسابي لزمن الميلاد عن دينوسيس بالقول: بالرغم ما قد حققه في بحوثه ومراجعاته ما استطاع في زمانه لكنه لم يسلم من الخطأ في حساب بعض سنوات، ثم تعذر إصلاح هذا الخطأ عند ثبوته فتقرر استدراكه بإضافة أربع سنوات إلى التقويم القديم الذي يحسبه أصحابه منذ بدء الخليقة، واعتبروا أن السيد المسيح ولد في سنة أربعة آلاف وأربع سنوات بحسب ذلك التقويم. ويستكمل توضيحه على زمن الميلاد مستشهدًا برواية الانجيل بحسب البشير متى ولوقا اذ يقول: في إنجيل متى انه عليه السلام قد ولد قبل موت هيرودس الكبير، وقد مات هيرودس قبل السنة الأولى للميلاد بأربع سنوات، وقد جاء في إنجيل لوقا ان السيد المسيح قام بالدعوة في الخامسة عشرة من حكم القيصر طيبريوس وهو يناهز الثلاثين وقد حكم طيبريوس الدولة الرومانية بالاشتراك مع القيصر أوغسطس سنة 765 من تأسيس مدينة رومة ومعنى هذا أن السيد المسيح قد بلغ الثلاثين حوالي سنة 779 رومانية، وأنه ولد سنة 749 رومانية أي قبل السنة الأولى للميلاد بأربع سنوات.
أما عن زيارة المجوس فيذكر العقاد أن من القرائن التي لا يريد أن نهملها قرينة الكوكب الذي قيل أن كهان المجوس تتبعوه من المشرق ليهتدوا به إلى المكان الذي ولد فيه السيد المسيح، فمن المعروف أن خبراء فينيقية وفارس كانوا يشتغلون بالفلك والتنجيم، وانهم كانوا في عصر الميلاد يرقبون حادثًا جللًا في التاريخ البشري حوالي سنة الميلاد، وكانوا يرصدون النجوم ليعرفوا طوالعها بشائر ذلك الحدث الجلل المرتقب من حين إلى حين، وكان قران المشترى وزحل من الطوالع الهامة عند سكان المشرق على البحر حيث ترصد الكواكب للملاحة والتفاؤل.
وبهذا الصدد يسترشد العقاد بفردريك فرار الذي كتب ايضًا كتاب بعنوان “حياة المسيح” أن الفلكي الكبير كبلر حقق وقوع القران بين المشترى وزحل حوالي سنة 747 رومانية ويظهر من هذا الحساب أن تاريخ الميلاد يضاهي التاريخ الذي يستخلص من التقديرات الخرى على وجه التقريب وأن السيد المسيح ولد نحو السنة الخامسة أو السادسة قبل الميلاد.
خامسًا: قصيدة كريسماس للشاعر الكبير أمل دنقل، في هذه القصيدة بالرغم من عنوانها الاحتفالي لكنها لحن حزين مفعم بالدموع، صرخة يقظة في عالم غارق في سُكر المظاهر الخادعة، وإذا كان سؤال هيرودس قديمًا وقت الميلاد أين يولد المسيح؟ كان سؤال دنقل وقت الاحتفال أين المسيح؟ وفي النهاية يترجى أن تفتح الأبواب للمسيح، فيا ترى أي أبواب مغلقة أمام المسيح؟
” كريسماس “
اثنان لم يحتفلا بعيد ميلاد المسيح |
أنا والمسيح |
غرفتنا لم تنطفئ أنوارها عند انتصاف الليل |
لأنها لا تعرف الأنوار |
غرفتنا لا تعرف الليل من النهار |
عين المسيح في دُجاها قمر حزين |
في الصمت ينزف الدموع |
يسوعنا في حاجه الى يسوع |
يمسح عن جبينه كآبة الأحزان |
لأنه في عيده السجين |
مد يديه لم تصافحا سوى القضبان….. والقضبان |
النور ميت بلا شواهد…… الذكرى بلا ضريح |
أين المسيح؟ |
أين؟ يا من تجرعون باسمه الأنخاب |
يا أيها الذين يرقصون في ذكرى القتيل |
استمتعوا بالرقص… والأنغام……. والشراب |
فالناس يرقصون دونما أسباب |
لكن في صفوفهم من يقرع الطبول |
لحنًا بدائيًا |
الناس يرقصون في مدينتي |
لأن غيرهم يصفقون |
ومن يصفقون قد لا يعرفون |
من أجل من يصفقون |
لا تسألوا أين يسوع وابتسامه الوديع |
فمن رثاه ميتًا…. لم يرثه حيًا |
يموت في زنزانة بلا عيون |
وضجه الميدان تنتهي الى آذانه وتضمحل |
صمتًا خرافيًا |
أنا انتظرت أن يموت الموت أن يموت |
أسكت في لساني الحروف حتى يورق السكوت |
هل تتكون الحروف في فم مازال يمضغ اللجام |
أنا تركت طفلتي تجول في شوارع المدينة |
تسألكم أن تبسموا مجرد ابتسام |
لكنكم رددتم دونها نوافذ البيوت |
لو كنت… ريحًا لاختنقتم حين لا تهب |
لو كنت نوحًا فوق لجة الطوفان |
طردتكم من السفينة |
لو كنت نيرون لطهرت قلوبكم…. على ألسنه اللهب |
لكنني أحبكم…. |
أعرف أنكم تقاتلون من يحبكم |
لكنني…..أحمل نعش الحب فوق كاهلي الصغير |
أمشي به….لعل هذا الجسد الهامد يومًا ما يسير |
باسم الذين يولدون ميتين |
ومن يضاحكون وجه الشمس في الحقول |
ومن يقاتلون دون سيف |
ومن يضاجعون هذا الخوف |
ينجبون منه كل صيف |
أسألكم أن تفتحوا الأبواب للمسيح |
لكي تباركوا زمانكم به تباركوا أطفالكم في دمعه المنهل |
أخشى إذا مر الربيع |
وانفض رقصكم…. وخيم الصقيع |
يكون قد مات يسوع |
اسم الكاتب: ق. باسم عدلي
لم تكن الدعوة الإلهية لمريم فقط بل كانت دعوه لأسرة تتكون من رجل وفتاة مخطوبين، لذلك فالتكليف الذي ليوسف لم يكن أقل من نظيره الذي كان لمريم، فكيف يقبل رجل شرقي أن يتحمل تبعات حمل وولاده طفل ليس من صلبه؟ وكيف يقبل على نفسه العار الذي سيلحق به وبأسرته؟ لذا كان التحدي صعبًا جدًا واحتاج الأمر إلى مجيء ملاك الله له في حلم لكي يطمئنه ويشرح له الأمر كما جاء جبرائيل لمريم ليقدم لها هذا التكليف. ولأن الرجال خلقت المواقف فكان يوسف رجل موقف أثبت بما لا يدعو لأدنى شك أنه رجل المهام الإلهية الخطيرة حتى آخر مدى وقام بما كلف به على أكمل صوره رغم كل التبعات لقد حمل يوسف الصليب مبكرًا جدًا دون تخاذل أو تقصير.
يوسف هو ذلك الرجل الفقير الذي هو سليل داود الملك من سبط يهوذا ويسكن في منزل متواضع في الناصرة ويظهر فقره في حرفته المتواضعة وأيضًا في التقدمة التي قدمتها مريم للهيكل بعد ولادة الطفل يسوع إذ أنها تقدمه الفقراء. وقد حرص ذلك النجار على تعليم حرفته المتواضعة أيضًا للصبي يسوع ومن الواضح أن يوسف لا ذكر له بعد أن أكمل يسوع 12 عامًا ويبدو أنه قد مات قبل صلب يسوع وذلك يتضح من الوصية التى أوصاها يسوع ليوحنا برعاية أمه مريم ويعتقد البعض بحسب تقليد تاريخ يوسف النجار ويرجع للقرن الرابع عشر أنه كان أرمل له أولاد عندما خطب مريم.
يوسف وصراع الدعوة
بالرغم من أن يوسف كان قد أكمل دعوته بأفضل صورة إلا أن الأمر بدأ معه بصراع طبيعي فلم يكن الأمر هينًا، فلم يكن يخطر ببال إنسان أن مجيء المسيا سيكون بهذه الطريقة، فالمتوقع هو أن يأتي كما يأتي البشر من رجل وامرأة بزواج طبيعي، ولكن أن يأتي بهذه الطريقة فهذا ضرب من ضروب الخيال لذا كانت الصدمه بالنسبة له قوية وعاش فترة من أصعب الفترات وهو يري من أحبها واختارها ورسم مستقبله بالشراكة معها تأتى له بخبر حملها فمن يمكن أن يقبل هذا؟
هل تصل الثقه أن يقبل الأمر دون شك؟ لذا بعد تفكير عميق قرر فض الارتباط بينهما ولكن بطريقه سرية أي بوجود شاهدين فقط دون أن يفضح أمرها. كان هذا التصرف من رجل شرقي في مثل هذا الموقف هو موقف رحيم جدًّا ومتسامح إلى أبعد الحدود، ولكنه لم يتسرع في هذا القرار بل أخذ يفكر فيه، ولأنه رجل بار وتقي كان يعيد حساباته بلا تهور لئلا يكون هناك ما لا يدركه يغير المسار، وبالفعل وهو متفكر في هذه الأمور إذ ملاك الرب يظهر له في حلم ليطمئنه ويؤكد له الدعوة والتكليف الخطير الذي سيكون هو ومريم شركاء فيه. وبكل ثقة وإيمان يقبل يوسف الدعوه وغيرها كان يخطط له ليشارك في تكليف غير التاريخ بما فيه تحديات وأوجاع.
تكليفات في أحلام
جاءت التكليفات الإلهية ليوسف عن طريق ظهور ملاك الرب له في أربعة أحلام:
الأول الحلم الأول في متى ١: ٢٠ ويوصيه بأن يتخذ خطيبته لتكون معه كزوجة تنضم إليه ويعيش معها وله سلطان تسميه الابن الذي سيولد، وبالتالي ينتسب إليه هذا الطفل ليكون يوسف زوجًا لمريم وأبًا شرعيًّا للطفل يسوع.
والحلم الثاني كان في متى 2: 13 وبنفس الطريقة ولكن بتكليف آخر وهو أن يأخذ الصبي وأمه ويهربوا إلى مصر، ويستمر هناك حتى يعلن له ملاك الرب موعد العوده لأن هيرودس يطلب نفس الصبي ليهلكه.
والحلم الثالث في متى 2: 19 بعد موت هيرودس الملك وكان بالعودة إلى أرض إسرائيل لإنه قد مات الذين يطلبون نفس الصبي.
والحلم الرابع في متى 2: 22 وهو أن يتوجه ليس إلى اليهودية بل ينصرف إلى نواحي الجليل إلى الناصرة.
ونلاحظ عدة أمور اشتركت فيها هذه التكليفات التي أتت في أحلام:
كلها كانت من خلال ملاك الرب وتحمل توجيهات خاصة بالصبي يقوم بها يوسف رب الأسرة وكل حلم كان يقدم التكليف وأيضًا السبب من وراء ذلك التكليف.
كانت الطاعة التامة والفورية هي رد فعل يوسف في كل مرة دون تردد أو تقاعس أو عناد بل بخضوع تام لتكليف الرب له.
كل تكليف كان يحمل العديد من الأسئلة التى كان يمكن أن تكون محل شك بل وعثره ليوسف وكفيلة بأن تعطل الاستجابة ولكنه اختار أن يسير مع الله متكلًا عليه دون أن يعطل المهمة الإلهية. ففي الحلم الأول كيف يكون زوجًا لامرأة حبلى؟ وأب لطفل ليس من صلبه؟ وفي الحلم الثاني كيف يهرب بالطفل الذي قيل له إن هو من سيخلص العالم؟ وكيف لمن سيخلص العالم أن يهلكه هيرودس؟ وفى الحلم الثالث لماذا هذا الرجوع بعد الغربة والاستقرار بعيدًا عن المخاوف والتهديدات وهل كان الله يخشى من هيرودس وعندما مات قرر أن يكمل الخطة؟ وفي الحلم الرابع كيف لله أن يغير له وطنه لمرة أخرى خوفًا من أرخيلاوس الذي لا يعرف هل له نفس توجهات أبيه تجاه الصبي؟ كانت كلها أسئلة شائكة في ذهن ذلك الرجل الذي كان يفكر جيدًا في الأمور لكن يبدو أن دعوة الله كانت واضحة جدًّا بما لا يدع مجالًا للشك واختار أن يطيع ويكون جزءًا هامًا في تلك الخطة الإلهية للخلاص.
كل هذه الأحلام كانت لتحقيق نبوات يجب أن تتم في ذلك الوقت، فالميلاد والدعوه من مصر وأن يكون ناصريًّا كلها نبوات تحققت من خلال تكليفات الله ليوسف وطاعة يوسف لله.
سمات شخصية يوسف
لقد تميزت شخصية يوسف بعدة قيم وأخلاقيات قلما تتوفر في رجل واحد وأذكر منها ليس على سبيل الحصر ..
١- التروي والتفكير الهادئ دون التسرع في القرارات وخصوصًا القرارات الهامة فقد فكر جيدًا في قراره تجاه مريم بعد أن سمع منها أمر الطفل وفي هذا التفكير الهادئ في محضر الله الذي لم يكن مجرد حيره بل صلاة. فالصلاة كانت ذلك الحوار والتفكير العميق والإيجابي في محضر الرب وكان له صوت الرب في وسط هذا التفكير.
2- قبول المهمات الصعبة فكل ما طلب منه لم يكن يسيرًا. فقد قبل خطيبة تحمل طفلًا ليس منه، وقبل عارًا يمكن أن يلصقه به من لا يعرفون أمر الله. وقبل أن يأخذ الطفل وأمه ويهرب إلى مصر خوفًا من بطش هيرودس وأيضًا أن يعيش حياة الغريب في مصر ويظل حتى يسمع بخبر الرجوع بعد أن مات من كان يطلب نفس الصبي. لقد أثبت أنه شخص مسؤول ويتحمل المسؤولية دون هروب أو تملص من المهام الخطيرة.
3- أظهر الطاعة التامة الرب والسير وفق توجيهاته فقد شهد عنه أنه رجل بار وهذه الكلمة تعني مطيع الوصية الله ومستقيمًا وإنسانًا ذا أخلاق. فقد أظهر طاعة لصوت الرب دون تردد وبمجرد أن تأكد أن هذه المهمة من الرب قبلها بكل تفصيلاتها وتحدياتها لقد حمل يوسف ومريم الصليب مبكرًا جدًا.
4- تحلى بتصرف النبلاء وقت المحن. فحتى عندما لم يقبل أمر مريم لم يرد أن يشهرها أي يفضح أمرها على الملأ مع أن هذا كان يحق له كخطيب خانته خطيبته، ولم تتقدس له، لكن أراد تخليتها سرًّا وهو أن يعطيها كتاب طلاق أمام شاهدين لفض هذه العلاقة، لأن الخطبة كانت بمثابة عقد كالزاوج دون أن يكون هناك علاقة جسدية ولكن هي علاقة لها التزامات من الطرفين.
5- التواضع وإنكار الذات لمجد المسيح .فقد كان شخصًا متضعًا لم يصارع لأجل الظهور أو محاولة خطف الأضواء ولم يبحث عن مكانة أو اهتمام .فكان التركيز على مريم العذراء وعلى الطفل يسوع وهو قبل أن يكون في الظل ولم يسجل له الكتاب أية كلمه قالها، ولكن حياته وأفعاله قالت الكثير جدًا لدرجة أن البعض أعتقد أنه لم يكن يتكلم ولا يسمع لذلك كان كلام الله له دائمًا في أحلام، ولم يتفوه بكلمه سجلت له في الأناجيل.
6- حسن التربية والتنشئة فقد علم الصبي حرفة النجارة واهتم به وكان يعلمه أن يذهب للمجمع وفى الأعياد إلى اورشليم وكان الطفل يسوع خاضعًا له. وقد ظهر هذا الاهتمام عندما اعتقد يوسف أن يسوع تاه في الطريق رجوعًا من أورشليم وكيف كان مع مريم يطلبانه معذبين .أنها مهمه شاقه أن تكون المسؤول عن تنشئة المسيا روحيًّا واجتماعيًّا وعمليًّا ولكنه أجاد هذا الدور.
7- الحياة الروحية الناضجة …فلم يكن يوسف مجرد يهودي متدين يذهب للمجمع او للهيكل في الأعياد أو يقدم الفرائض والذبائح، لكنه كان لديه عمق روحي ظهر الحوار المفتوح لملاك الرب له وذلك في أجواء الصلاة والتعبد، وأيضًا في الطاعة لهذه التوجيهات الصعبة والمكلفة، فلم يكن السفر في ذلك الوقت من دولة إلى أخرى أمر هين إلا أنه سافر بالطفل وأمه من قارة إلى قارة وكان للغربة ثمن كبير بجانب التحديات الأخرى.
8- مرونة قبول خطة الله كبديل عن الخطة الشخصية فبعد أن كان يفكر في أن يؤسس بيتًا يكون فيه زوجًا لفتاة رائعة وينجبا أطفالًا فقد قبل بالخطة الأخرى، وأن ينتهى الأمر بالخطبة التي لا تكتمل بالزواج ويكون أبًا لطفل ليس من صلبه ويعيش مع مريم حياة الخطيب ويتحمل عناء التكليف الخطير، وأب لابن مهدد بالقتل من هيرودس، ورب لأسرة متغربة في مصر ثم ما تبع ذلك من شائعات لصقت به وبمريم وبالطفل يسوع لكن لأنه تأكد من دعوة الرب له لم يتردد في أن يتمتم العمل على أكمل وجه.
9- القدرة على التمييز ففي وسط الصراع الفكري الذي عاشه استطاع أن يميز بين الأحلام العادية والاحلام التى تحمل رسالة إلهية إليه ولم يختلط عليه الأمر بل استطاع أن يميزها ويطيعها. إن تمييز صوت الله وسط زحمة الأصوات وتشابك المصالح والتوجهات الشخصية والأصوات المعادية والمشككة أمر في غاية الصعوبة ولكنه ممكن الحدوث ببذل الجهد والتفكير والصلاة الواعية.
10- برهن يوسف على أنه شخص معطاء يعطي ولا يبخل عن الرب بشيء حتى في فقره وضيق الحال لقد قدم الرب كل شيء أحلامه وأسرته ومستقبله وأمنه واستقراره وكل شيء قبل أن يعول طفل ويربيه ويهتم به أعطى له حرفته وأوفى كل ما عليه دينيًّا واجتماعيًّا.
إن شخصية يوسف تلمع في عيوننا كيف يمكن أن تلبي دعوة جادة ومهمة وتصنع فارقا في حياة الناس دون أن تصوت أمامك بالبوق ودون أن تصيح لكي تعلن للناس كيف أن دورك محوريًّا ولكن بهدوء وعمل بتواضع واجتهاد بطاعة وقبول التكلفة بحب وصبر وثقة في الرب حتى إن لم يكن لديك إجابات لكل الأسئلة لكن يكفيك أن تتأكد من صوت الرب لك ودورك في هذه الحياة يمكنك أن تكون صاحب دور وتأثير جاد في حياة الآخرين ويثق بك الله فيعطيك المهام الجادة ويحقق مقاصده بك ومن خلالك.