أسم الكاتب : نادية إبراهيم سعيد
كان الدكتور القس إبراهيم سعيد أمينًا في إعلانه لإنجيل المسيح؛ فتميز بحياة التقوى، وكان قديرًا ومقنعًا في عظاته، كذلك كان خطيبًا روحيًّا اجتماعيًّا، وأستاذًا في الشرح والتفسير للكتاب المقدس، وواحدًا من أبطال الإيمان. امتاز بأنه راعٍ أمين وحكيم في قيادته للرعية وواعظٌ قدير، كما يُعد أول مذيع ناجح بتقديمه لرسالة الإنجيل في محطة الإذاعة للشعوب العربية.
الحياة الشخصية والعائلية
البناء الحكيم
أثناء التدريس في كلية اللاهوت دُعيَ ليعظ في الجمعية الإنجيلية للسوريين، التي كانت قد سُمِّيت بقرارٍ من السنودس “كنيسة شارع إبراهيم باشا”.
وبعد أن قضى في التدريس بكلية اللاهوت اثنتي عشرة سنة، رأى بعد صلاة وتفكير أن يتفرغ للوعظ والعمل في مطبعة النيل المسيحية في التأليف وكتابة التفاسير. وكان أيضا رئيسًا لتحرير مجلة “رسالة السلام” التي كانت تصدرها المطبعة.
أقيم حفلُ تنصيبه راعيًا على هذه الكنيسة الجديدة في 15 مارس سنة 1940. ولم يكن لهم مبنى خاص للعبادة؛ حيث كانوا يتنقلون من مكان إلى مكان وفي الإجازات الرسمية كانوا يستأجرون قاعه يوورت، وبفضل الله كانت تمتلئ بالمصلِّين. طلب القس إبراهيم منهم أن تُبنَى قاعة في أول دور، وبترتيب إلهي وافقت الإدارة على بناء قاعة في العمارة فاستخدمت للاجتماعات.
كان القس إبراهيم سعيد طوال تلك السنين يعيش حلمًا جميلًا هو بناء بيت الله. وظل سنوات عديدة طويلة يتحدث عن “مشروع العمارة”، حتى قبل أن تظهر بوادر إمكانية إتمام ذلك المشروع إلى أن استجاب الربُّ وحقق اللهُ حلمَ حياته ببناء ذلك المبنى الشاهق والجميل في حي قصر الدوباره، والمعروف بـ”كنيسة قصر الدوباره الإنجيلية”، المكان الذي يسع آلاف المصلِّين.
بفضل الصلاة التي اعتمد عليها القس إبراهيم سعيد، تم بناء الكنيسة، وقد كتب بيده أسماء الذين تبرعوا بالقروش ومئات الجنيهات بدءًا من بائع الفول المدمس إلى الطالب والفلاح وصاحب الأرض، وكذلك السيدات اللاتي كن يتبرَّعن بالخواتم والأساور الذهبية ويخلعونها ويقدمونها في صمت. إلى أن تم جمع المبلغ المطلوب لشراء الأرض.
كان مشروع البناء مليئًا بالصعوبات مثل الحصول على أمر مَلَكي ببناء الكنيسة، وبيع أنقاض المنزل الذي كان قائمًا على الأرض حتى وُضِعَت أساسات المبنى في 1947.
كان القس إبراهيم سعيد الراعي الأول للكنيسة والواعظ فيها منذ تأسيسها حتى انتقاله للمجد في 5 مايو 1970.
في سنة 1955 منحته جامعة سترلنج بكانزس درجة الدكتوراه الفخرية في اللاهوت وطُلِب منه أن يكون المتكلم في حفل التخرج، وموضوع رسالته كان “Are you existing or living?” والجدير بالذكر أن القس الدكتور إبراهيم سعيد تولى رئاسة الطائفة الإنجيلية بجميع مذاهبها في القطر المصري لمده ثمانِ سنوات.
كتاباته
كان أستاذًا في الشرح والتفسير؛ فوضع حجر الأساس في بناء التأليف بالأسلوب العلمي الإيحائي، ومن أشهر كتبه:
كذلك له العديد من المقالات والترجمات؛ فكانت له مقالات تُنشَر سنويًّا في عيد الميلاد وعيد القيامة في قلب جريدة الأهرام اليومية، وكانت الجموع تترقب هذه المقالات بشغف.
كان يتصف بالصبر والتسامح، ويجيد استخدام المفتاح العجيب؛ مفتاح الصلاة. كان معتادًا أن يركع على أرض المنبر قبل بداية خدمة العبادة طالبًا من الرب أن يتكلم على فمه وأن يختبئ هو وراء الصليب.
كان الصليب مركز عظاته، ومن الترانيم المحببة إلى قلبه ترنيمه “خلني قرب الصليب”. وفي نهاية عظاته، كان ينادى بالمجيء إلى المسيح، فكان يختار ترنيمة “حالًا تعالوا إلى المسيح يا من تعبتم بحملكم”.
وله عدة عظات صوتية موجودة على موقعه www.revibrahimsaid.com
من أقواله:
“أنا أؤمن بكل كلمة فيه، مؤمن بكلماته وجزئياته، مؤمن بما أفهمه فيه وبما يستعصي عليَّ فهمه. أؤمن به وأنا أسعى أن يكون إيماني به صداقة، والصداقة له حبًّا، ومن فرط حبي له آكله فيمتزج بعصاره حياتي ولُبِّي”.
من كتابه “لماذا أؤمن؟”
“هذا هو المسيح الذي سمعت به فاستحال سمعي به معرفه. فصارت معرفتي به صداقة فأصبحت صداقتي به إعجابًا فتطور إعجابي به حبًّا فأصبح حبي له عبادة فأمست عبادتي له خدمة حية مستمرة”
من كتابه “لماذا أؤمن؟”
المصادر:
“البناء الحكيم” نبذة عن تاريخ الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوباره وراعيها وبانيها، الدكتور القس إبراهيم سعيد
“إنسان لا يُنسَى”، بقلم نجيب سليمان، نشرت في مجلة “بشير الإنجيل” يونيو 1970.
موقع الدكتور القس ابراهيم سعيد، ويضم العديد من كتاباته، تفاصيل بناء الكنيسة، عظات صوتية له، بالإضافة إلى صور تذكارية www.revibrahimsaid.com.
أسم الكاتب : چورچ إسحق
مِعمَاريٌّ وباحثٌ غير مُتفرغ في
التُراثِ العَربيِّ المَسيحيِّ
استمرارًا في تواصلها مع الشعب الإنجيليّ؛ نَظَّمَت الطائفة الإنجيليّة بمِصر يوم السبت الموافق السابع والعشرون من شهر فبراير الماضي، برئاسة الدكتور القسّ. أندريه زكي، لقاءً روحيًّا تفاعُليًّا عَبرَ وسيط التواصل الإلكترونيّZOOM ، وصفحة رئاسة الطائفة بموقع التواصل الاجتماعيّ Facebook، بعنوان «الصلاة، أسئلة حول الاستجابة والرفض» وذلك بمُشاركة الدكتور. ماهر صموئيل استشاري الطب النفسي، مؤسس خدمة CredoLogos، والشيخ يوسف ناثان، رئيس قسم الدراسات اللاهوتيّة في دار الكتاب المقدس، وأستاذ الكتاب المقدس بكلية اللاهوت الإنجيليّة، وأدار اللقاء الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، وعضو المجلس الإنجيلي العام. وبحضور نحو مِائَةِ مُشاركٍ من القيادات، والخُدَّامِ، والرُعاةِ من مُختَلَفِ المُحافظاتِ.
افتتح اللقاء الدكتور فريدي البياضي مُتحدثًا عن ما ارتبط في أذهاننا بالصلاة، من حيث وجوب استجابتها، وزمان تحققها، وكيفيته، مُشيرًا إلى اهتمام الغالبية بهذا الأمر الهام في الحياة المسيحيّة. قدم بعدها البياضي الدكتور القس. أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيليّة بمصر، تلى ذلك مقدمة ترحيبيّة من رئيس الطائفة جاء فيها، تهنئة للدكتور فريدي البياضي لانتخابه نائبًا بمجلس النواب المصريّ، كما رحب بالضيفين الكريمين. وأشار زكي إلى أن موضوع الندوة هو مولود احتياج فعلي في ظل أزمة جائحة كورونا وما خلّفه من آثار وأحزان وتساؤلات أيضًا، وقد اختبر هو شخصيًا وأسرته هذا الأمر فترة إصابتهم بڨيروس كورونا، كما أوضح زكي ارتباط موضوع النقاش بأبعادٍ لاهوتيّة ونفسيّة مختلفة، وما يُثيره من تحدٍ في النفوسِ بأسئلة كثيرة مطروحة في الأمر، وهذا اللقاء ما هو إلا محاولة لتفكيك هذه الأسئلة التي تُرهق أذهان الجميع.
انتقلت بعدها دفة الحديث إلى د. ماهر صموئيل، الذي استهل حديثه بتقديم الشكر للدكتور أندريه زكي، لأجل اهتمامه بتنظيم هذه اللقاءات للتواصل مع الشعب الإنجيليّ، رغم كثرة مهامه وأعباء موقعه، كما طلب صموئيل لأجل سلامة وشفاء البياضي وناثان وعائلاتهما، ولأجل أن يمنحه الله ما لفائدة الحضور. وافتتح صموئيل حديثه باقتباس من إحدى مقالاته التي كتبها عن الصلاة منذ قرابة العشرين عامًا، قال فيه:
«إنني لا أرى نفسي قط رجل صلاة، لكنني في نفس الوقت لا أقدر أن أتخيل يومًا واحدًا تُمنع فيه عني الصلاة. قد أُهمِلُ -بغباءٍ- إلقاء نفسي في حضن أبي، لكنني لا أتحمل قط فكرة فقدان هذا الحضن، أو غيابه عني، أو انغلاقه في وجهي. هجم عليَّ مرة هذا الكابوس، وتصورت يومًا فيه ستُمنع الصلاة، فرأيته أسود يومٍ في الحياة. كيف سأقضي يومًا تُمنع فيه الصلاة! كيف سأسلك في دروبه المُتشعبة دون صلاة! كيف سأواجه مُفَاجِئَاته السخيفة دون صلاة! كيف سأعبر مُنحنياته الحادة دون صلاة! كيف أُنهيه بلا إعياءٍ دون صلاة! كيف أأمن عواقبه! ألم يُعلّمنا السيّد أن لكل يومٍ شَرّه، فكيف أنجو من شر اليوم دون صلاة! لكنني موقن -كل اليقين- أنه كان مُجرد كابوس، فلن يأتي يوم فيه أحرم من الصلاة، فبعد أن فتح السيّد أمامي الباب، بعد أن شُقَّ الحجاب، بعد أن رُشَّ الدم على الغطاء، وصار العرش لي، عرش نعمة وليس عرش قضاء، فحتى خطاياي وزلاتي، وتقصيراتي، لن تحرمني أبدًا من الارتماء في حضن أبي، واثقًا أنني سأجد دائمًا منه –مهما كان حالي- كل الترحاب. آهٍ على الصلاة! كم أحِنُّ لإتقانها، وكم أشتاق للغرق فيها؛ فيها يذوب ضعفي كمخلوقٍ في قدرة الخالق، وتُبتَلعُ جهالاتي كإنسان في حكمة الإله، فيها تجد روحي راحتها، تشعر أنها في وطنها، وتتخلص من كل شعور بالتيهِ والاغتراب.»
وقد وضع صموئيل حديثه في ثلاثة نقاط وهي:
مواقف فكريّة خاطئة حول الصلاة
أشار صموئيل إلى كون مُفردة الصلاة هي مُفردة غير قاصرةٍ على المسيحيّة والمسيحيين، لكنها مُفردة عامة لها العديد من المعاني المختلفة في قرائن مختلفة، لذا فمن الطبيعي أن نجد أنفسنا متأثرين بأفكار حول الصلاة بعضها خاطئ تمامًا. تعرّض صموئيل بالإشارة لبعض هذه المعتقدات الخاطئة في أربعة إشارات لأربعة مواقف جاءت كالتالي:
وهو ذلك الموقف الذي نشأ في عصر التنوير، والذي يؤمن بوجود خالق، لكنه لا يؤمن بتداخل هذا الخالق في حياة البشر. فهو قد سنّ للكون قوانينه، وتركه دون تدخل منه (Transcendent but not Immanent). هذا الموقف يستبعد الله تمامًا من حياة البشر، وعلى الرغم من أن الكثيرين من المسيحيين يستبعدون هذا الفكر ، إلا أنهم يحيونه عمليًا في حياتهم اليوميّة، مُعلنين أن اللجوء إلى الله في المُشكلات ما هو إلا ضرب من ضروب العبث والخُرافة، ولا سبيل إلّا العلم والتخطيط والعقل، وهذا ما عبَّر عنه كاتب المزمور الثاني عشر،في العدد الرابع إذ قال: «الَّذِينَ قَالُوا: «بِأَلْسِنَتِنَا نَتَجَبَّرُ. شِفَاهُنَا مَعَنَا. مَنْ هُوَ سَيِّدٌ عَلَيْنَا؟»
وهو موقف يؤمن بوجود الإله، ويُصلي إليه، لكن صلاته للإله هي لجلب رضاه، وتجنب أذاه. فما الإله إلّا قوة عظيمة مسيطرة، والصلاة ليست حُبًّا فيه، ولا طلبًا للشركة والتوحد معه، ولا محاولة لفهم فكره، والانفتاح على إعلاناته، إنما طلبًا لرضاه، ودفعًا لغضبه. تجلى هذا الموقف في صلوات أنبياء البعل، إذا كانوا يتضرعون ويتقطعون بالسيوف طلبًا لمعجزة يرجونها. فهل تسرّب هذا الموقف إلى المؤمنين المسيحيين، وبينما هم يعلنون بألسنتهم محبتهم، ورغبتهم في الشركة، يعلنون في صلاتهم وثنيّة فِكرهم؟ يحدث هذا –أحيانًا- بكل أسف.
يُصلي صاحب هذا الموقف إلى الله، لكنه لا ينتظر أي تجاوب منه؛ فالله في هذا الفكر قوة وليس شخصًا مُتفاعلًا، مُتعاطفًا، مُتجاوبًا مع طالبيه. فالصلاة لن تُغير ما قد سطره الله، وسيفعله بغض النظر عن صلاتك. فهل تسرّب هذا الموقف القدري أيضًا إلى مسيحيتنا؟ بكل أسفٍ -أيضًا- الجواب هو: نعم.
وهو موقف يحكمه التفكير السحريّ، وكأن الصلاة تعويذة ما قادرة على فك شفرة من شأنها استجلاب حل مُعجزي عظيم! وهو ما سمَّاه مايكل هورتون «السحر الأبيض». عندما يكون لدينا رغبات معينة، نريد أن نلزم الله بها، فهذا نوع من السحر.
فبينما الربوبيّة تستبعدُ اللهَ، والوثنيّة تشوهُ اللهَ، والقدريّة تُشيُّء اللهَ، والسحريّة تستعملُ اللهَ؛ ما هو الموقف المسيحي الصيح من الصلاة؟
الموقف المسيحي تجاه الصلاة
قبل الدخول إلى تفاصيل الموقف المسيحيّ الصحيح من الصلاة، استعرض صموئيل الموقف اللاهوتيّ الشعبيّ –بحسب تسميته- فأوضح أن هذا الموقف يرى أن الصلاة هي مجرد طِلبَات –وهذا أول خطر- تتحق كما طلبناها بقدر قوة إيماننا، أو مدى استحقاقنا، أو حجم لجاجتنا، أو قيمة وسطائنا؛ وعدم تحقق الاستجابة كما طلبناها يعني إما فقرًا في إحدى هذه الأربعة، أو عدم صلاح في الله، أو سخطه علينا لعدم صلاحنا نحن! وكلها تعاليم تحتاج إلى إعادة نظر، وإعادة تدقيق في التعليم المُقَدَّم.
أما عن الموقف المسيحي الصحيح في الصلاة فأفاد صموئيل أن الصلاة في الفهم المسيحيّ الصحيح هي التوجه الروحيّ الجديد من نحو الله، الذي تصير فيه النفس فورًا بمجرد ولادتها ولادة ثانية. هو موقف يسير بالنفس في اتجاه معاكس تمامًا للاتجاه الذي اتخذته النفس للسقوط. إنها توجه قلب ومنهج حياة كل من دخل ملكوت الله. الصلاة هي الترياق من السقوط الذي فصلنا عن الله. حينما طلب حنانيا من الله ألا يرسله إلى شاول لأنه مُضطهِدُ قديسي الله، أجابه الله: «هوذا يُصلي»، في إشارة إلى أن الصلاة هي علامة التغيير الجوهريّة.
وفي تشبيهٍ تمثيليٍّ رسم صموئيل نصًّا دراميًّا لآدم وحواء وقد افتقدهما الله بنعمة الولادة الثانية فورًا بعد سقوطهما في جنة عدن، وسرد صموئيل –ببلاغة أدبيّة رائقة- صلاتهما إثر هذا الحدث، قائلًا على لسانهما:
«أبانا الذي في السماوات،
أنت الخالق للسماوات والأرض،
وقد أظهرت صلاحك بوضوحٍ في إعداد الأرض لكي تسكن معنا فيها.
لقد أعددت -يا أبانا- الأرض أروع إعدادٍ لتسكن معنا فيها،
لكننا لأجل غبائنا صرت أبانا الذي في السماوات!
ولم تعد ساكنًا معنا في الأرض.
لقد صدقنا الشرير عندما شوه اسمك في أذهاننا،
وشككنا في صلاحك وحكمتك.
أبعدناك عن أرضنا، وقررنا الاستقلال عنك،
فصرت أبانا الذي في السماوات،
بينما كان ينبغي أن تكون أبانا الذي في السماوات،
وفي أرضنا أيضًا!
لذلك يا أبانا نحن نُصلي إليك أن ترحمنا وأن تغفر لنا،
وأن يتقدس ويتنزه اسمك الكريم
عن كل ما ألصقناه به من تشوهات في أذهاننا.
صدقناها بسبب سُم الحيّة التي خدعتنا.
عُد إلينا يا أبانا،
وليأت ملكوتك في أرضنا.
ليأت ملكوتك علينا،
وإلى أن يأت ملكوتك بالتمام،
وتعود فتسود من جديد في السماوات والأرض،
أعِنّا لنفعل مشيئتك في الأرض،
فنكون بالحق أبناءك.
وإلى أن يأت ملكوتك بالتمام،
ويعمّ الشفاء والرخاء،
أعطنا اليوم ما يَسُد احتياجنا.
أرجِعنا إليك يا أبانا،
وأرجِعنا بعضنا لبعض،
فتغفر لنا، ونغفر نحن لكل من يُذنب إلينا.
واحفظنا يا أبانا من السقوط مرة أخرى في التجربة،
ونجنا من المُجرِّب الذي جرّبنا.
وفي النهاية،
نحن -بحب واقتناع- نرفض حماقة استقلالنا عنك،
ونُقر بأن لك المُلك،
والمجد، والقوة إلى الأبد
آمين.»
وفي تلخيص للموقف المسيحيّ من الصلاة قال صموئيل: «في السقوط استقلال عن الله ورفض لملكوته، أما الصلاة فهي العودة للالتصاق بالرب, والاعتماد عليه. في السقوط انسحاب النفس إلى داخلها، لتدور حول احتياجاتها، وآلامها، وأشواقها، أما في الصلاة فتخرج النفس خارج دائرتها، لتتوحد مع الله ومع من حولها. في السقوط فقد الإنسان كهنوته واحتفظ بمُلك زائف، أما في الصلاة فيعود الإنسان كاهنًا مُمثلًا لله، وملكًا يُجري حُكمًا وعدلًا في دائرة كل ما له كلمة عليه.»
كيف نقبل الاستجابات المختلفة للصلاة
لكن المسيحي عليه أن ينظر إلى الصلاة نظرة مختلفة، فيفسر الاستجابات المختلفة لصلاته، استجابة صحيحة، وفي هذا قدم صموئيل أربعة قناعات قد تُساعدنا في قول استجابات الله المخالفة لتوقعاتنا، جاءت كالتالي:
أوضح صموئيل أنه بينما ينصب تركيز إلهنا على الكينونة، ننصرف نحن للتركيز على الامتلاك. في رسالة الرسول بطرس الثانية والأصحاح الأول يشرح بطرس أن الله في بره وفّى، وتمم وعده وأعطانا إيمانًا ثمينًا، والله في قدرته الإلهية وهب لنا كل ما هو للحياة والتقوى. البر الإلهيّ عمل وعد ووفّى، والقدرة الإلهيّة رصدت لحسابنا وتعطي؛ وبهما وهب –الله- لناالمواعيد العظمى والثمينة، لكي نصير بهما شركاء الطبيعة الإلهيّة.
المواعيد العظيمة والثمينة لا لكي نكون أصحاء بلا مرض، أغنياء بلا فقر، في رفاهية دون معاناة، لكن لكي نكون شُركاء الطبيعة الإلهيّة. قصد الله أن نكون مُشابهين صورة ابنه، كل مواعيد الله هي للكينونة، لا للتملك، وهذا لا يعني أن الله يحرمنا من التملك، لكنه يعكس اختلاف أهدافنا والله.
قارن صموئيل بين الإنسان في نظر سليمان الحكيم وبولس الرسول، فينما يرى الأول الإنسان الخارجي، فيصف مثلًا أيام الشيخوخة في الأصحاح الثاني عشر من سفر الجامعة بأنها أيام الشر، إذ يتحلل فيها الجسد؛ يقول الثاني إذ توافق مع نظرة الله للإنسان الداخلي، في الآية الرابعة، من الأصحاح السادس عشر، من رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس: «لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا.»، وثقل المجد الأبديّ ليس أمرًا نملكه، بل نصيره في الكيان الداخليّ؛ فبينما يتحدث العهد الجديد كله عن كيان داخليّ جديد خلق في المسيح، ويتطور لمشابهة صورته، تُركز دائمًا صلواتنا على الإنسان الخارجيّ واحتياجاته!
عاد وأكد صموئيل أن الله ليس غير آبهٍ بالعالم الماديّ، إنما جُلّ تركيزه واهتمامه هو العالم الروحيّ، ففي الأصحاح السادس من إنجيل البشير متى، بينما يذكر الله اهتمامه بكل ما للجسد، يقول أطلبوا أولًا ملكوت الله، وأولًا تعني أن هناك أولويّة واهتمام. الله له حكاية يحكيها، وإن لم نحاول أن ننتقل إلى حكاية الله (ملكوته) فإننا سنحاول أن نستعمل الله لنكتب به حكايتنا الشخصيّة!
«وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ.» قد يرى بعض المُصَلّين –بحسب صموئيل- أن إرادة الله تقف عائقًا أمام تحقيق رغباتهم، بينما -في الأصل- إرادة الله هي احتياجنا الحقيقيّ للاختبار والمعرفة. قال فيودور دوستويڨسكي: «لماذا نُحدث كل هذه الضجة! لماذا نخدع أنفسنا! ماذا نُريد؟! إننا أنفسنا لا نعرف ماذا نُريد! والحقيقة أننا سنكون أسوء لو اُستُجيبت صلواتنا السخيفة.» ينبغي أن نعرف أننا لم نعلم بعد –كما ينبغي أن نعلم- ما هي حاجتنا الحقيقية. حاجتنا الحققية ليست في صلواتنا لأجل رخاء، أو راحة في تلك الأرض، لكن احتياجنا الحقيقي هو أن نختبر إرادة الله، أن نُركز على ما يُركز عليه الله.
وفي الختام قال صموئيل:
«هذا لا يعني قط أن الله لا يهتم بأمورنا الصغيرة، وأن الله لا يهتم بأمورنا الماديّة، لكن دعونا يا أحبائي ألا نحاول أن نوفّق الله على فكرنا، بل نوفّق أنفسنا على فكر الله، فننسجم معه عندما يستجيب لنا طبقًا لتوقعاتنا، أو يستجيب لنا على نقيضها. كانت أحلام إبراهيم أن يحتفظ بإسحق، لكن الرب قال له قدّم إسحق. وكانت أحلام أم موسى أن تحتفظ بموسى، والرب قال لها احتفظي بالولد. إبراهيم قدّم بالإيمان، وأم موسى احتفظت بالإيمان أيضًا. الله ليس دائمًا ضد مشاعرنا ورغباتنا، لكن له مشيئة صالحة قد تتفق مع مشاعرنا، وقد تتعارض، فعلينا أن نوفّق مشاعرنا لتتفق مع إرادة الله، وليس العكس.»
ثم انتقل الحديث إلى الشيخ. يوسف ناثان، والذي بدأ بتقديم الشُكر للدكتور القس أندريه زكي، والدكتور ماهر صموئيل، وأشار أن حديثه سيكون على الناصية المقابلة لحديث صموئيل. فبينما تحدث صموئيل من الزاوية الإلهيّة، وتحت مظلة ماذا يريد الله منا؟ جاء حديث ناثان على الناصية المقابلة له وهي الزاوية الإنسانية، وتحت مظلة الاحتياج والألم الإنساني، والحيرة بين صلاح الله وغياب الاستجابة. افتتح ناثان حديثه بإلقاء الضوء على أهمية الطِلبة، وضرورتها، وتوصية الكتاب برفع الطِلبات، وأيضًا بحاجتنا إليها في وسط هذا الاحتياج العام، والوباء الخطير، فهل من الممكن ألا نُقدِّم طِلباتنا برغم كل هذا؟!
واستهل ناثان حديثه بقراءة كتابيّة من إنجيل البشير لوقا والأصحاح الرابع تقول: «وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «عَلَى كُلِّ حَال تَقُولُونَ لِي هذَا الْمَثَلَ: أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ! كَمْ سَمِعْنَا أَنَّهُ جَرَى فِي كَفْرِنَاحُومَ، فَافْعَلْ ذلِكَ هُنَا أَيْضًا فِي وَطَنِكَ» وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ مَقْبُولًا فِي وَطَنِهِ. وَبِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرَامِلَ كَثِيرَةً كُنَّ فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ إِيلِيَّا حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ مُدَّةَ ثَلاَثِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمَّا كَانَ جُوعٌ عَظِيمٌ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، إِلَى صَرْفَةِ صَيْدَاءَ. وَبُرْصٌ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ أَلِيشَعَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ.» فَامْتَلأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هذَا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. 30 أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى.» (لو 4: 22- 30)
وعلق ناثان على عدة أمور في هذا النصّ، أولها: أن الناس تحتاج إلى تحقيق رغباتها وطِلباتها ع23؛ وثانيها: أن الضيقة إما أن تكون احتياجًا شخصيًّا، أو أزمة عامة على كل المجتمع كالوباء الراهن؛ وثالثها: أننا قد نغضب ونحقد على أولئك الذين استجاب الله طلباتهم، بينما لم يستجب طلباتنا نحن؛ فبينما نتوقع جميعنا أن كل أولئك البُرص والأرامل من شعبه قد ضرعوا إلى الله طالبين نجدته، وقد امتنع الله عن استجابة طلباتهم، نجده قد أجاب طلبة الأمميين، وهو ما قد يدعونا للدهشة، والحيرة والتساؤل، لماذا يارب؟! وربما هو ذات ما نود أن نفعله حالًا ونحن نقرأ النصّ، أو نستعرض الحالة الآنيّة، التي تُرفع فيها الطِلبات لا لأجل رفاهية وغنى وراحة، بل لأجل إنقاذ من احتياج وخطر.
ثم تحوَّل ناثان إلى محاولة لتجسيد إجابة يسوع على هذا السؤال المُحير في عدة نقاط:
وهنا أشار ناثان إلى خلط الأدوار الذي نقع فيه، فأننا ينبغي أن نعلم أننا لا نستعمل الله فنُملي عليه رغباتنا، ونُشير عليه ماذا يفعل، وما هي الأولويّة التي عليه اتباعها.
في هذه النقطة أوضح ناثان الخطأ الشائع الذي يقع فيه أغلبنا، وهو تعميم التجربة الشخصيّة على المجموع، فما جرى مع الأخوة الآخرين من معجزات مثلًا لا يعني بالضرورة أن المعجزات هي الصورة الرسمية لاستجابة الطِلبة، وإلا فإن في الأمر شيء.
إن تعامل الله مع طلباتنا وصلواتنا يخضع في الأساس لمقاييس الله، ومن الخطأ المنطقي محاولة إخضاعه لمقاييسنا الشخصيّة. حكمة الله ترى الأفضل لنا، وتعمل خارج حدود المألوف والمتوقع لنا، هذا يجب أن يكون مضمون ثقتنا وتسليمنا لله، وليس استسلامنا، فنحن نذهب لله عن ثقة، لا عن يأس. وفي هذه النقطة أشار ناثان إلى أن الإشكالية الكبرى لدى المؤمنين هي في تصورنا لله، وليس في عقيدتنا في الله، وبهذا الصدد أشار إلى كتابين وهما «ما أصغر إلهك» ج.ب. فيليبس- منشورات النور 1990م، و«لا أومن بهذا الإله» خوان أرياس- بيروت: دار المشرق؛ إذ قد ساهما مُساهمة بليغة في تفنيد تلك الصور المغلوطة عن الله الذي نؤمن به. وقد تضامن ناثان مع صموئيل في قوله أن التعليم الصحيح هو السبيل الوحيد لتصحيح الصور الخاطئة عن الله؛ كما أشار ناثان إلى مفتاحيّة الطلبة المدرجة في الصلاة الربانيّة «لتكن مشيئتك» إذ ينبغي لنا أن نعي أننا لا نقولها في يأس وقلة حيلة، إنما في ثقة، مُتبعين في هذا مثالنا شخص ربنا يسوع المسيح، الذي في أصعب الأوقات قبل الصليب، كانت صلاته «لتكن مشيئتك». واختتم ناثان حديثه في هذه النقطة مُشيرًا إلى أن قبولنا لمشيئة الله في حياتنا مرهون بتبنينا هذه المشيئة لتُصبح مشيئتنا نحن، فنقبلها ونسعى لتتميمها بفرحٍ.
وفي ختام حديثه قال ناثان: « لو أن ابني في عمر الخامسة، كان يأتيني كل يوم طالبًا لعبته المفضلة، سأكون سعيدًا جدًا أن أهديه لعبته، التي في الأساس قد اشتريتها لأجله، فأنا قد تحملت كل هذا العناء لأجل أن أجيب هذه الطلبة له. لكن إذا ظل ينتظر ابني نفس لعبته في عمر الثانية عشر، فحتمًا لأن أكون سعيدًا بهذا، لأنه لا ينتظرني أنا، بل لعبته. أما عندما يصبح في الثلاثين من عمره ومازال ينتظر اللعبة لا أبيه، فالأمر أصبح مؤلمًا ومؤسفًا.» هل نستطيع أن نقول لله: «نحن لا نُريد شيئًا سِواك؟».
تلى ذلك فترة من الأسئلة، اُستهلت بشكر من أحد الضيوف للدكتور ماهر صموئيل، وإشادة بتجربة اللقاء، ثم وجهت ثلاثة أسئلة للدكتور ماهر صموئيل دارت جميعها في إطار واحد هو:
س: هل شرط استجابة الصلاة هو توافقها مع توقيت الله؟
أجاب صموئيل: أعتقد أن السؤال عن أزمنة استجابة الصلاة من الممكن أن يندرج تحت تعليم الرسول بولس في الأصحاح الثامن، من رسالة رومية إذ يقول: «لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي.» إذ يُشير الرسول هنا إلى محدودية إدراكنا للطلبة التي ينبغي أن نطلبها، وهو بالقياس ما يجعلنا نقر بمحدوديتنا في إدراك الزمن الصحيح لاستجابة الصلاة. مزمور 102: 13 يقول: «أَنْتَ تَقُومُ وَتَرْحَمُ صِهْيَوْنَ، لأَنَّهُ وَقْتُ الرَّأْفَةِ، لأَنَّهُ جَاءَ الْمِيعَادُ.» فهناك ميعاد لاستجابة الله لصلواتنا. الرب احترم رغبة موسى في خلاص شعبه، ويذكر لنا كاتب العبرانيين: «بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ» (عب 11: 24-25) هذا الحجم الضخم من التكريس الذي دفعه للتضحية بالقصر ليُذل مع شعب الله، لم يكن يكفي ليكون مُخلصًا لشعبه، لأن الميعاد لم يكن قد جاء، لكن بعد أربعين عامًا، وحينما كان موسى لا يشعر أنه أهل لهذه المهمة جاء ميعاد الله؛ لذا أقول أنه نعم مواقيت تختلف عن مواقيتنا، وهو دائمًا يرى الأفضل، وإلى أن يأتي ميعاد الله علينا أن نقبل معاملات الله التي تؤهلنا لزمان ميعاد الله.
وقد طلب صموئيل الثبات والتعزية لسائلة قد حكت عن تعرضها للإصابة بڨيروس كورونا لمرتين متتاليتين، إلى جانب تعرضها لتعليقات موجعة من بعض الأصدقاء تعليقًا على هذا الأمر، وذكّرها صموئيل بأصدقاء أيوب، وبثبات رجائه. وعن مداخلة ثالثة شبّهت الصمت الحالي بصمت السماء قديمًا لأربعمائة عام، أفاد صموئيل أن التشبيه غير دقيق، فالصمت قديمًا كان صمتًا عن الوحي وليس عن التعامل مع الإنسان، ففي ملاخي 3: 13-16 يخبرنا الوحي أن الناس تكلموا إلى الله، بالباطل وبالحسن، والله سمع وأصغى وكتب، وهو ما يؤكد إيجابيّة الرب الدائمة.
وفي سؤالين آخرين للشيخ يوسف ناثان، أفاد الأخير:
س: هل معنى كلامك أن الإنسان في انتظاره عمل الله –حسب ما يريده الله- أنه مُصَيّرٌ، دون إرادة؟
أجاب: إن افترضت أننا أمام خيارين، أن نصنع مشيئة الله، أو أن نصنع مشيئتنا، فهل سأجد مؤمنين لا يصنعون مشيئة الله؟ بكل تأكيد نعم، والعكس صحيح. المؤمنين الذين لا يلجأون إلى الله، ولا يتمتعون بعلاقة يوميّة معه، هم أفقر الفقراء، حتى وإن كان لهم أعظم النجاحات الزمنيّة، لأن مقاييس العالم تقريبًا عكس مقاييس الله؛ لذلك فنحن نرى مدى ابتعاد البعض داخل الكنائس عن مقاييس الله في التكريس. الله لن يُجبرنا على شيء، فلنا كل الصلاحيّة في اختيار أن نعيش لله أو لا، لكننا أيضًا لن نُجبره على تغيير مشيئته لتوافقنا. كيف يضع المسيح نفسه تحت الإلزام «ينبغي» بينما تكون طلبتنا أن نحرر أنفسنا من تكريسنا!
س: هل الصلاة حالة، أم موقف؟
الصلاة هي حالة علاقة حيّة، أرفع فيها قلبي إلى الله في أي مكان، دون شرط لهذا المكان؛ تمامًا كما فعل نحميا وهو أمام الملك. لا تحتاج الصلاة أن أكون في الكنيسة أو المخدع، فالصلاة قلب مشتاق أن يسمع الله، وأن يسمعه الله. الصلاة كما أعرفها هي ذلك الحوار المتبادل بيني وبين الله.
س: هل الصلاة تُغير طُرُق الله، كما حدث في قصة الملك حزقيا؟
أجاب صموئيل: لا إجابات قاطعة لدي حول هذا الأمر، لكنني أتسائل هل كان الله يجهل صلاة حزقيا قبل أن تكون؟ بالطبع كان يعرف، وهل كان لزامًا عليه أن يُطيل عمره؟ أعتقد هذا، إذا أن الخمسة عشرة عامًا التي زادها الله في عُمر حزقيا هي ذاتها التي ولد فيها منسى، وتسنى استكمال النسل الملكيّ، الذي جاء منه المسيح في النهاية. قال أحدهم: «إن الله الذي رتب التاريخ، أعطى المؤمنين أن يصلوا صلوات تصنع التاريخ.» فالصلاة مُهمة جدًا، والله عمل في إرادتهم ليعملوا معه في صناعة التاريخ. أما بخصوص تغيير الله لخطته، فلا أستطيع أن أجيب على هذا التساؤل إجابة حاسمة، لكن في حالة حزقيا يمكنني أن أعتبر ما جرى معه نوعًا من المعاملات الروحيّة التي دفعه الله من خلالها للصلاة. في دراسة أجريتها على حياة حزقيا من جهة التأريخ، وجدت أن التدوين لم يجري بترتيب تاريخيّ منضبط، لكن الترتيب الروحي جرى كالتالي: وصل حزقيا إلى مرحلة رائعة من الاتكال على الله، حتى سطر عنه الوحي أنه لم يكن مثله –من قبل أو بعد- اتكل على الرب، فَاغتنى جدًا، لكن لما جاء عليه ملك آشور حاول أن يُنهي القضية برشوته بالذهب مرات عديدة، وفي هذا كله لم يُصَلِّ حزقيا، لكن حينما سمح الله له بالمرض والألم، تغير حزقيا تغيرًا رهيبًا من خلال تدريب الرب له؛ لذا فاعتقادي أنه ربما تكون هناك مجموعة من التدريبات الروحية،لكن لا يمكن اعتبارها تغييرًا في طرق الله.
س: هل يجب علينا حينما نُصلي آملين في أمرٍ ما، ألا نشجع الآخرين على المشاركة، إذ لا نضمن استجابة الله؟
أجاب صموئيل: إن كنا سنشجع الآخرين على الصلاة طمعًا في تحقيق الاستجابة التي نرجوها، فهذا أمر خاطيء تمامًا. التشجيع أن نقترب إلى الرب، أن ننتقل من حكايتنا إلى حكاية الرب، أن نختبر التعلّق بالرب.
س: ماهي معايير قبول وتأثير اللجاجة في الصلاة؟
أجاب ناثان: لنا أن نراجع قصة قاضي الظلم، وهو المثل الوحيد الذي ترد فيه لفظة اللجاجة في العهد الجديد. اللجاجة هنا تعلمنا عن التصميم، وعدم الفشل؛ فإن كان هذا هو الحال مع قاضي الظلم، فكم بالحري مع الله السامع لمختاريه الصارخين إليه. إنجيل لوقا هو أكثر الأناجيل التي تعلمنا عن منهاج صلاة المسيح، لذا فأنا أنصح من يريد أن يتعلم الصلاة بدراسة إنجيل لوقا وسفر أعمال الرُسل. اللجاجة مطلوبة، وتأكد أن الأمر هام وخاص ولا يمكن التنازل عنه، إلى أن يستجيب الله حسب إرادته.
س: لماذا نطلب من الآخرين مشاركتنا في الطلبة، هل العدد يصنع فارقًا؟
أجاب ناثان: سفر الأعمال يسجل لنا اثنتي عشرة حالة من الصلاة الجماعيّة، ومثلها من الصلوات الفرديّة، وخمس صلوات ثنائيّة؛ الأصحاح الثاني عشر من سفر أعمال الرسل يشرح لنا الصلاة الجماعيّة، وكيف أنها فرصة لتوحيد الجماعة وللتعلّم أيضًا، الأمر أعمق من المزايدة العدديّة.
س: كيف أفرق بين تأخر الاستجابة والرفض؟
أجاب صموئيل: لا أتوقع أبدًا أن الله يرفض صلاة تتوافق مع كلمته ومشيئته، لذا دعونا لا نفترض أبدًا أن الصلاة مرفوضة إلى أن يثبت العكس، فلا داعي للقفز إلى نتيجة أن الله رفض الطلبة. منتظرو الرب يجددون قوة، وربما في انتظاري يقنعني الرب بعكس ما كنت أطلبه. الانتظار هو فترة عظيمة لامتحان النفس. رجل الله ليس هو من يُجبر الله على شيء ما، لكنه هو الذي يطور نفسه في الانتظار ليُدرك مشيئة الله.
وفي الختام شكر البياضي الرب لأجل الفرصة، كما شكر د.ق أندريه زكي، والدكتور ماهر صموئيل، والشيخ يوسف ناثان، وفريق العمل بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات. واختتم د.ق أندريه زكي الفرصة بالصلاة، وشكر المتكلمين والحضور.
أسم الكاتب : سامية قدري
في البدء كان العمل، عمل الله من أجل الخليقة، فنقرأ في سفر التكوين الإصحاح الأول عن الله العامل أنه عمل ستة أيام وأبدع فيما صنعه وعندما انتهى من عمله نظر إلى صنعة يديه وقال: “حسن جدًا” ثم استراح في اليوم السابع، إذًا، فالله هو أول عامل في التاريخ، وأول من وضع وطبق قيم العمل وأكد على أهمية جودته، ولأن الله صالح فلابد أن يكون العمل صالح، إذًا فقد قيم الله جودة عمله وفرح بنتيجته ووضع لنا شروطه المتمثلة في أن يكون العمل مثمرًا، وأن يتم بكفاءة حتى يعطي أفضل نتيجة لكي يشعر الإنسان بالفخر، والرضا والسعادة، والحرية وغيرها من المنافع، كما حدد لنا أهمية أن نستريح بعد أن ننتهي من أداء العمل، وهو ما أكده عليه الله عندما قال لآدم وحواء: “أثمروا وأكثروا وأملأوا الأرض.” (تك ١: ٢٨).
إذًا، إن الله لم يعلن عن ذاته من خلال عمله فحسب، بل أظهر لنا منافع العمل لمن يقوم به، فهو يكشف عن دوافعه، وشخصيته، ومهاراته، وقدراته، وسماته. لذلك خلق الله الإنسان على صورته ومثاله لكي يعمل معه على الأرض ويسود عليها، أي أن الله كلف آدم وحواء بالعمل وأكد عليهما إتقانه: فدعوته “أثمروا وأكثروا”، هي دعوة للإتقان والإثمار، دعوة للعمل والحفظ، كما أنها دعوة لا للعمل الفردي فحسب بل العمل الجماعي القائم على التعاون والحب والمشاركة، وقال الرب الآله: “ليس جيدًا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينًا نظيره”. لذلك، عندما نهضت المجتمعات وقامت الحضارات، كان ذلك على أكتاف الرجال والنساء وكان العمل التشاركي هو أول صورة من العمل عرفته البشرية وأن تقسيم العمل الذي عرفته البشرية فيما بعد هو الذي أحدث التمييز بين البشر عامة وبين الرجال والنساء خاصة.
هكذا، أصبح العمل هو الذي يخلق التاريخ البشري، ويحول العالم الطبيعي إلى عالم يمكن أن يسكنه الإنسان، أي أنه حجر الزاوية في أي بناء اجتماعي وعلى ذلك فإن أي تغيرات تطرأ عليه وعلى طرق تأديته، لابد أنها تمثل عند حدوثها محطات أو نقاط تحول جديدة في هذا التاريخ. ولهذا تغيرت أنماطه فلم يعد مقتصرًا على المهنة أو الحرفة أو الإنتاج بل قد يمتد إلى الخدمة أو القيام بالمسئوليات التي توجب على شاغلها التزامات معينة، فالمرأة في قيامها بأعمالها المنزلية هي امرأة عاملة والخادم الذي يقوم بدور في الكنيسة هو عامل أيضًا حتى وإن كان يتقاضى كلاهما أجرًا عن عملهما. ومثلما تغيرت أنماط العمل، تغيرت القيم المرتبطة به فلم تعد قاصرة على الجودة والكفاءة والإتقان كشروط لتقدم المجتمعات ورقيها ورفعتها، بل تعداها لأن يكون مرتبطًا بالحب والسعادة والمرونة وأن يكون لائقًا أي يحفظ كرامة البشر وحريتهم.
وعلى الرغم من التطورات فى عالم العمل وفي تغير القيم المرتبطة به عبر العصور، إلا أن عصر الحداثة في أوروبا قد أحدث نقلة نوعية في عالم العمل، فقد شاهدنا كيف حلت الآلة مكان الإنسان وكيف تحول الإنسان من كائن متكيف ومحتمي ومتضامن مع غيره من خلال عمله، إلى إنسان مغترب نتيجة العزلة التي فرضتها طبيعة العمل في المجتمعات الصناعية الحديثة والتي تتطلب تقسيمًا للعمل أطلق عليه علماء الاجتماع “تقسيم العمل الآنومي” أي تقسيم العمل الذي يفتقر إلى القيم والمعايير التي تجعل الإنسان متضامنًا مع غيره ويشعره بقيمة ما يفعله لذاته وللآخرين، خاصة وأن العمل هو القيمة المؤسسة لكل القيم (السعادة، ومزاولة باقي الحقوق، وتحقيق المكانة، والتحرر من التبعية، واللحمة الاجتماعية) .
جاءت العولمة أو ما يطلق عليها أحيانًا “الحداثة المتأخرة” ومعها رياح التغيير الراديكالي العنيف وغير المسبوق الذي جعل العمل وأنماطه وأسواقه يعتمد على التكنولوجيا المتطورة واعتماد الإنسان على الماء والهواء، والأكثر من ذلك تغيرت مفاهيم العمل وأصبح هناك مفاهيم جديدة كالعمل المرن، وهو العمل الذي يعرف أحيانًا بالعمل الجزئي أو العمل عن بعد لبعض الوقت أو من خلال الوجود بالمنزل أو السيارة، والعمل اللائق، الذي يناسب كل من الرجال والنساء في ظروف يسودها الحرية والإنصاف والكرامة، وأخيرًا، العمل السعيد أو ريادة الأعمال، وهو ذلك النمط الذي يجلب لشاغله السعادة والبهجة ويحقق له الشغف الذي يتطلع إليه وهو ما نلحظه من توجه الجيل الحالي للقيام بأعمال تناطح ما حصلوا عليه من تعليم وما راكموه من خبرات.
والجدير بالذكر، أن هذه المفاهيم الجديدة لم تقتصر على دول بعينها، بل انسحبت على كافة الدول الغنية والفقيرة، والتي تقع بينهما إلى درجة ظهور مصطلحات جديدة مثل: “عولمة عالم العمل”، والذي يشير إلى أن العمل وأنماطه ستصبح عالمية أي منتشرة في كافة أنحاء الكرة الأرضية، أو مصطلح “مكدونالية العمل”، والذي يعني العملية التي بمقتضاها تنسحب المبادئ الخاصة بمطاعم الواجبات السريعة “ماكدونالدز” إلى عالم العمل وتتمثل هذه المبادئ في: الكفاءة، والحسابية، والقدرة على التنبؤ، والضبط والسيطرة، والثقافة، حيث تشير الكفاءة إلى الوصول إلى النتيجة المرغوبة بسرعة، بينما تعني الحسابية التركيز على الأشياء التي تحسب كمًا وعدًا، أما القدرة على التنبوء فتشير إلى التطابق في تقديم الخدمة مما يجعل العمل متكررًا بحيث يمكن توسيع الخدمة المقدمة، أما الضبط والسيطرة فيؤديان إلى إحكام إجراء العمليات بفعل التكنولوجيا، وتشير الثقافة أخيرًا إلى التوحيد القياسي في تقديم الواجبات، فالوجبة التي تتناولها في الولايات المتحدة الأمريكية هي نفسها التي يمكن أن تتناولها في أي بقعة من بقاع الأرض. وبهذه المبادئ الخمسة صدرت أمريكا إلى العالم نموذجًا للعمل من خلال ما عرف بإضفاء الطابع الماكدونالي على العمل .
وفي خضم عمليات العولمة وتصاعدها وتداعياتها الانعكاسية على العالم أجمع، ونتاج للسباق والتنافس العالمي على سيادة العالم، ولا سيما في مجال الاقتصاد، الذي يعد العمل عماده، تأتي جائحة كورونا لتقلب الموازين وتقود عالم العمل إلى مآلات غير مسبوقة تفوق ما حدث في أكبر ركود شهده مجال العمل حين حدث الركود الكبير في النصف الأول من القرن العشرين والذي نجم عنه فقدان ملايين البشر لوظائفهم. وعلى الرغم من أنه قبل الجائحة تنبأ البعض “بنهاية العمل” كنتيجة للاعتماد الكامل على التكنولوجيا وإلغاء وجود العمل تدريجيًا وانتشار البطالة والعوز إلا أن إجراءات الإغلاق التي فرضتها غالبية الدول لتلافي انتشار الوباء أدت إلى فقدان قطاعات كبيرة من العمال لوظائفهم، الأمر الذي أدى بدوره إلى فقدان الدخل وعدم توافر الأمن، فقد قدرت منظمة العمل الدولية عدد الذين أصبحوا عاطلين جراء سياسة الإغلاق بـ ٢٥ مليون شخص نتيجة حجم العمل المفقود أو الوظائف التي ألغيت والتي يمكن أن تلغى، إلى جانب التسريح المؤقت للعمال والإجازات غير المدفوعة وتقليص ساعات العمل. وإلى جانب هؤلاء هناك ١٫٦ مليار عامل وعاملة بالاقتصاد غير الرسمي، أي نصف القوى العاملة العالمية، مصيرهم مهدد ومنهم فئات هشة وتواجه صور عدة من العنف المضاعف الذي يهدد وجودهم.
وهنا، أصبح العمل عن بعد أو العمل من المنزل هو الآلية الأكثر انتشارًا كرد فعل لحالة البطالة من ناحية، وفي التقليل من انتشار الوباء من ناحية أخرى. إلا أن ذلك، بطبيعة الحال، سيترك تداعيات سلبية على حياة الناس الطبيعية (الاجتماعية والنفسية)، خاصة مدمني العمل من الأجيال التي عرفت بتقديس العمل وبكونه مصدر للسعادة والتعاون، واللحمة الاجتماعية وغيرها من المنافع المرتبطة بممارسة العمل في صورته الطبيعية.
ويبقى سؤال، هل ستؤدي أساليب العمل عن بعد والتباعد الاجتماعي إلى تحول يصل تأثيره إلى ما حدث نتيجة الاختراعات الكبرى: التلغراف، والطباعة، والإنترنت؟ هذا ما سيجيب عليه المستقبل.
أسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي
أهنئكم جميعًا، القراء الأعزاء، بعيد القيامة المجيد، الذي نحتفل فيه بقيامة السيد المسيح من الموت بعد صلبه بثلاثة أيام. ولكن دعوني أسألكم: هل من معنى للعيد وسط كل ما يحدث في العالم؟ نحن نحتفل بالعيد وسط أجواء مبهجة، ولكن الأحداث التي أدى لها فيروس كورونا تصيبنا بالإحباط. فما القيمة والجدوى من الاحتفال بالعيد؟
للعام الثاني على التوالي نحتفل بعيد القيامة وسط الإجراءات الاحترازية التي تهدف لتحجيم فيروس كورونا الذي انتشر بشراسة في العالم كله. شهدنا العام الماضي موجتين للفيروس أدَّيَتا إلى نتائج كارثية، ليس في مصر والعالم العربي فقط بل في كل بلدان العالم. وهذا العام نشهد الموجة الثالثة التي تعتبر أشرس وأقوى موجة لكورونا حتى الآن، سواء من ناحية سرعة انتشارها أو من ناحية تأثيراتها المرضية على جميع الفئات العمرية.
رأينا جميعًا من حولنا كيف فقدت أسر كثيرة أحباء لها. بل وتزايدت أعداد الحالات الحرجة في مستشفيات العزل وحتى بداخل البيوت. ودعوني أركز على هذه النقطة لأن اقتصاديات العالم كلها تزعزعت بسبب فيروس كورونا. أسواق العمل العالمية أصابها الركود الاقتصادي وحركة التجارة العالمية توقفت. كل هذا الانهيار بسبب إغلاق الحدود وتوقف حركة الطيران والإجراءات الشديدة التي اتخذتها أغلب الدول. كما أن آثار التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي السلبية عديدة، والتي أدت لتزايد أعداد حالات نفسية كثيرة، وتصاعد موجة العنف المنزلي، وإغلاق أماكن العبادة، وتأثر العملية التعليمية على مستويات التعليم الأساسي والجامعي.
لقد أصبح الخوف من الغد المجهول هو السمة الأساسية لحياة الكثيرين، سواء من يخافون من تهديد حياتهم بسبب الإصابة بكورونا، أو الخوف من فقدان العمل أو الخوف من فقدان أحباء قريبين. باختصار، أصبح الخوف من المستقبل المجهول هو سيد الموقف.
وسط هذا الوباء المدمر، يجاهد الإنسان في كل مكان ضد الفيروس لكي تستمر الحياة. ولقد رأينا جميعًا جهود وزارة الصحة المصرية في نشر الوعي الصحي بين المصريين للحد من انتشار الجائحة، والكفاءة العالية التي استقبلت بها المصابين وتجهيز مستشفيات العزل في كل محافظات مصر. كما رأينا كيف أن العلماء اتحدوا معًا حول العالم لتطوير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، وأصبح هناك اليوم بارقة أمل وسط كل الإحباط الذي يحيط بنا بسبب الموت والمرض والخوف.
ولقد وجدت في حالة تلميذي عمواس الذين التقى بهما السيد المسيح بعد قيامته رسالة قوية لنا اليوم. إنها حالة تلميذين من تلاميذ السيد المسيح، كان لديهم آمال كبيرة في السيد المسيح، وفجأة، وجدوا أنفسهم مشتتين، تائهين، متخبطين في العالم، لا يعرفون إلى أين يتجهون بحياتهم. يقول لوقا البشير وهو يعرض حالة التلميذين: “وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً، اسْمُهَا «عِمْوَاسُ»” (لو 24: 13). فعمواس هي قرية صغيرة تقع على مسافة ما يوازي 11 كم من العاصمة أورشليم – القدس (الغلوة وحدة قياس تساوي 187 مترًا). لذا، دعوني أقدم لكم هنا تحليلًا دراسيًّا لحالة تلميذي عمواس كما يعرضها لوقا البشير.
أولاً، إن التلميذين عائدان إلى بلدتهما الصغيرة: فبعدما عاشا مع السيد المسيح لسنوات، وقضيا كل أوقاتهما معه، فجأة انهار كل شيء بالنسبة لهم. فجأة وجدوا أنفسهم ضائعين، تائهين، لا يعرفون إلى أين يذهبون. أدعوكم أن تحاولوا تخيل حالتهما وهما عائدين منهزمين إلى بلدتهما الصغيرة.
ثانيًا، يذكر لوقا أنهما “كَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هذِهِ الْحَوَادِثِ” (لو 24: 14). كان هذا الحوار بين التلميذين حوارًا ساخنًا، وربما تحاورا بشأن الأمل الذي حطمه موت السيد المسيح غير المُتوقَّع. كانا يتحاكيان بما حدث وما يحدث لأنه لا يوجد بيديهما أي شيء يفعلانه غير الحوار، لعلهما يقدران أن يعزيا بعضهما البعض. بل إن أحد التلاميذ قال: “وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ” (لو 24: 21). إنه يقولها صريحةً: وضع هذا التلميذ رجاءه في السيد المسيح، ومرة واحدة: مات المسيح! مات بطله الذي عاش لأجل قضيته! ليس هذا فقط، بل التلميذ يلمح إلى أن وعود السيد المسيح بأنه سيقوم ثانيةً بعد ثلاثة أيام لم تتحقق، إذ يقول: “وَلكِنْ، مَعَ هذَا كُلِّهِ، الْيَوْمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذلِكَ” (لو 24: 21). وكأن التلميذ يقول بأنه ها قد جاء اليوم الثالث ولم يتحقق الوعد. باختصار، كان الموت أقوى من الرجاء في عيون تلميذي عمواس.
ثالثًا، وصل الأمر مع تلميذي عمواس إلى حد أن السيد المسيح بنفسه ظهر إليهما بينما لم يستطيعا أن يرياه: “وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. وَلكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ.” (لو 24: 15 – 16). كان السيد المسيح بنفسه بجوارهم، بل كان يمشي معهما وإلى جوارهما في رحلة الرجوع للصفر وهما لم يدركا ذلك! تُرى، كم منَّا اليوم فقد الأمل، ويرى أن الظروف قهرته، لدرجة أنه لا يستطيع أن يرى آثار وخطوات السيد المسيح إلى جواره مرةً ثانيةً؟
الغريب، والمثير للدهشة في مثال تلميذي عمواس، هو أنهما استمعا لرواية القيامة بدل المرة مرتين. فبحسب رواية النساء الشاهدات على القيامة: “بَلْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَّا حَيَّرْنَنَا إِذْ كُنَّ بَاكِرًا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ أَتَيْنَ قَائِلاَتٍ: إِنَّهُنَّ رَأَيْنَ مَنْظَرَ مَلاَئِكَةٍ قَالُوا إِنَّهُ حَيٌّ.” (لو 24: 22 – 23). أي أن تلميذي عمواس استمعا لرواية التلميذات النساء، والغريب أنهما لم يصدقا أن السيد المسيح حقق وعده، بل ازدادا في حيرتهما أكثر! كذلك استمع كلا التلميذين إلى رواية بقية التلاميذ الرجال الذين لم يجدوا جسد السيد المسيح في القبر: “وَمَضَى قَوْمٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَنَا إِلَى الْقَبْرِ، فَوَجَدُوا هكَذَا كَمَا قَالَتْ أَيْضًا النِّسَاءُ، وَأَمَّا هُوَ فَلَمْ يَرَوْهُ” (لو 24: 24). أي أن هذه شهادة ثانية أن السيد المسيح لم يكن في القبر! ومع ذلك، لم يصدق هذان التلميذين أن السيد المسيح قام من الموت. رغم الدلائل التي تشير إلى أن رجاء القيامة انتصر على الموت، استسلم تلميذا عمواس لحالة الحزن والكآبة. لقد سمح هذان التلميذان للموت أن يميت الرجاء الذي لا يموت حقًّا!
حينما ظهر السيد المسيح للتلميذين، لم يعرفاه، وسألهما سؤالاً عاديًّا للغاية: “مَا هذَا الْكَلاَمُ الَّذِي تَتَطَارَحَانِ بِهِ وَأَنْتُمَا مَاشِيَانِ عَابِسَيْنِ؟” (لو 24: 17). كان سؤال السيد المسيح بسيطًا حول الموضوع الذي يتحدثان بشأنه أثناء رحلتهما. ولكن رد كليوباس أحد تلميذي عمواس يظهر شعورهما العميق باغتراب المسيح عنهما: “هَلْ أَنْتَ مُتَغَرِّبٌ وَحْدَكَ فِي أُورُشَلِيمَ وَلَمْ تَعْلَمِ الأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ؟” (لو 24: 18). وكأنه يقول للسيد المسيح هل أنت آخر من يعلم ما الذي حدث؟ هل أنت الوحيد “الغريب” في هذا العالم؟ ظن تلميذي عمواس بذلك أن السيد المسيح هو أحد الحُجّاج القادمين إلى مدينة أورشليم – القدس لكي يحتفل بعيد الفصح مع عموم الشعب، ولهذا لم يعرف ما جرى في المدينة المقدسة. لا يدرك كليوباس وهو يقول هذه الكلمات أنه يكلم الشخص ذاته الذي حدثت هذه الأحداث له…
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يفهم التلاميذ كلمات الرجاء حقًّا؟ رد عليهما السيد المسيح له المجد قائلًا: “أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ!” (لو 24: 25). وكأنه يقول لهما، لا، المشكلة ليست في أنني لا أعرف ما حدث. بل ربما أنا أكثر شخص يعرف ما حدث بالتفصيل، أعرف ذلك وآثار الأحداث مازالت باقية على جسدي. كأن السيد المسيح يقول لهم: “السؤال الحقيقي هو: هل تفهمون أنتم حقًّا؟”
لكن وبالرغم من أن تلميذي عمواس لم يدركا أن الذي يخاطبهما هو السيد المسيح القائم من الموت، إلا أن السيد المسيح كان معهما طوال الرحلة. إنه حي، بجانب تلاميذه، يشجعهم وقت الشدة، ومازال مستمرًّا في تعليمهم وتشكيل قلوبهم وأذهانهم. لقد تظاهر السيد المسيح بأنه سيرحل ويبتعد عن التلميذين، تظاهر أنه ذاهبٌ في طريق آخر لئلا يفرض نفسه عليهم. ولكن يقول البشير لوقا إنهما حينما طلباه أن يمكث معهما، لبى النداء في الحال وتوجه معهما لمنزلهما (لو 24: 28 – 29). لا يتأخر السيد المسيح عن تلميذه المحتاج إليه، فقط إذا استطاع التلميذ أن يرفع عينيه ليرى السيد المسيح القائم من الموت.
لقد استمر السيد المسيح يشرح للتلميذين كيف أن الرجاء حقيقي وأنه أقوى من الموت من خلال أسفار العهد القديم (لو 24: 27). هذا هو الملجأ الأول الذي ذهب له السيد المسيح ليشرح التعليم الصحيح والحقيقي لكي لا يفقد التلاميذ رجاءهم الحقيقي. بالنسبة للسيد المسيح، تبقى كلمة الله هي الأساس الصلب الذي عليه يقوم الرجاء الحقيقي القادر أن يقف في مواجهة العواصف والصعاب.
ثم أن السيد المسيح أعلن عن نفسه في الوقت المناسب، حينما كسر الخبز مع التلاميذ. ويستخدم لوقا نفس الكلمات التي استخدمها السيد المسيح أثناء تأسيس سر الشكر (كسر الخبز) الذي نحتفل به يوم خميس العهد: “أخذ خبزًا.. بارك.. كسر.. ناول” (لو 24: 30). يكتب لوقا هذه الأفعال وهو يعرف كيف أن الكنيسة المسيحية تكسر الخبز في وقت العبادة الأسبوعي. وما يريد أن يقوله لوقا هو أن السيد المسيح حاضر وسط شعبه العابد له. قصة تلميذي عمواس بأكملها تجسد عبادة الكنيسة: قراءة الكتب المقدسة، شرح ووعظ يدور حول السيد المسيح، ثم التناول من مائدة الرب، وهكذا يُستعلن المسيحُ للمؤمنين العابدين. ببساطة: السيد المسيح حاضر في قلب التلميذ العابد. وما تقوله لنا قصة تلميذي عمواس هي أنه حتى حينما لا يستطيع التلميذ أن يعبد، فإن السيد المسيح يزوره ليقويه ويشدده ليعبد مرةً أخرى.
ونصل للحظة الذروة في القصة حينما أعلن السيد المسيح عن حضوره للتلاميذ في مدينة عمواس، فتركوا البلدة في الحال وعادوا للعاصمة أورشليم – القدس وهم يشاركون رفقاءهم التلاميذ بكلمة واحدة فقط: “إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ” (لو 24: 34). لقد استردوا رجاءهم الأقوى من الموت.
إن تلميذي عمواس هما نموذج ملهم لنا اليوم وسط التحديات العاصفة التي سبَّبها فيروس كورونا؛ فالسيد المسيح بجوارنا في اللحظة الراهنة، حتى وإن كنّا لا نراه، وهذا هو معنى احتفالنا بالعيد، فحتى لو كانت الظروف تحني رؤوسنا، فلا تستطيع عيوننا أن تراه وسط الأزمة، لكن السيد المسيح حاضرٌ معنا، بل إنه يسير إلى جوارنا في كل تحديات اللحظة الراهنة. فمسيرة السيد المسيح مع تلميذي عمواس تشبه مسيرته مع كل المؤمنين: في البداية لا يعرفانه، وقد لا يفهمانه، غير أنهما سيدركانه إذا انفتحت أعينُهما. وكيف تنفتح أعينهما؟ من خلال الرجاء الحقيقي المبني على كلمة الله. وسط صعوبات الحياة دعونا نجري إلى كلمة الله، فنجد فيها قوة ودعمًا وسط اضطرابات الحياة. وأذكركم بما قاله النبي إشعياء للشعب قديمًا: “إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” (إش 8: 20). نعم، لن يكون هناك فجر جديد، ولا أمل جديد، إن لم يكن الكتاب المقدس مركزيًّا في حياتنا وعبادتنا المسيحية كل يوم. ليكن هذا شعارنا: حينما يتكلم الكتاب المقدس فإن الله يتكلم. لم يُحسِن تلميذي عمواس الاستماع لكلمة الله، فهل نحسن نحن الانتباه والاستماع لها اليوم؟
كما أن السيد المسيح يعلن عن حضوره لنا في الوقت المناسب. وهنا نتذكر قول النبي حبقوق حينما كان وسط الأزمات قال لشعبه: “لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلاَ تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَتَأَخَّرُ.” (حب 2: 3). فحتى لو أننا شعرنا بأن حضور السيد المسيح تأخر، ولو ظننا بأن حضوره لم يظهر لنا بعد، فلنثق أنه سيأتي إتيانًا إلينا ولا يتأخر. فلنثق أنه لا يكذب في وعوده.
كما أن قصة تلميذي عمواس تعلمنا أن الرجاء يُولد في رحم العبادة. يجب أن نستمر في عبادتنا، ولا نطرح ثقتنا، خصوصًا في أوقات الأزمة. لأن الرجاء يُولد في رحم العبادة. كما استمرت الكنيسة المسيحية الأولى التي كتب لها لوقا، وهكذا استردت ثقتها وسط الأزمة. حتى وسط أزمات كورونا، وكل ما تسبب فيه الوباء، يمكننا أن نظل عابدين وسوف تلتهب قلوبنا بحضور الله وسط عبادتنا. وحتى إن لم تقوَ قلوبنا على العبادة، فلنثق أن السيد المسيح يسرع إلينا حينما يرى أن إيماننا يصارع على كافة الجبهات…
وفي الختام: أدعوك عزيزي القارئ أن تتمسك بالرجاء الحقيقي لأنه أقوى من الموت، ومبني على كلمة الله الثابتة التي لا تتغير. لأن السيد المسيح إلى جوارنا، حتى إن عجزت عيوننا عن رؤيته…
إخوتي: لا تطرحوا ثقتكم.
آمين.
أسم الكاتب : ق. بيتر وديع
القيامة حجر زاوية الإيمان المسيحي، أنه لا يُمكن أن يكون الشخص مسيحيًا دون أن يؤمن بالقيامة. فمركز المسيحيّة الأساسي هو الرّب يسوع المسيح، والرّب يسوع في تجسده وحياته صُلبَ وماتَ وقامَ مِن بين الأموات، وأكدَّ بقيامتهِ على قيامة جميع المؤمنين به حيثُ أصبح لا سلطان للموت على المؤمنين. إذًا فالقيامة مركزيّة جدًا في إيماننا المسيحي.
والقيامة حقيقة تاريخيّة يُمكن إثباتها بعديد مِن الأدلة، ولقد اجتهد الكثيرون في هذا المضمار. لكنها أيضًا حقيقة روحيّة اختباريّة نختبرها عندما نتوب عَن حياة البُعد عَن الله، ونعود إليه في علاقة حيّة وفعّالة. وهي أيضًا حقيقة وجوديّة، فالقيامة نوع وجود يُمكن للإنسان أن يكونه عندما يُحضر الأمل وسط الألم، ويرى الرجاء في وسط التحديات، ويُقاوم السلبيّة بالإيجابيّة.
والسؤال الذي نريد أن نناقشه الآن، هل نجد القيامة في العهد الجديد فقط؟ والإجابة بكل تأكيد هي لا، وذلك لأنه كما ذكرنا هي حقيقة روحيّة ووجوديّة فهي بصمّة كونيّة نرها في كل الوجود وكل التاريخ بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة. وعندما نأتي إلى الكتاب المقدّس نرى أن القيامة حقيقة تملأ كُل الكتاب بعهديه القديم والجديد. فالعهد القديم مليء بالرموز والإشارات والأحدّاث التي تؤكد حقيقة القيامة، وبالطبع هذه دراسة تحتاج أن نفرد لها مساحة كبيرة، ولكننا في هذا المقال سوف نُلقي الضوء على حادثة في العهد القديم نرى فيها القيامة بصورة رمزيّة.
يسرد لنا الكتاب المقدّس في سفر التكوين والاصحاح الثاني العشرون أن الله طلب مِن إبراهيم أن يُقدّم ابنه إسحاق مُحرقة “وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».” (تك 22: 1، 2)
والعجيب أننا نجد إبراهيم بكَّر “فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا …” (تك 22: 3) لكي يُقدم ابنه إسحاق الذي انتظره لمدة خمسة وعشرين سنة، وكأن الأمر طبيعي لديه. وبالفعل عندما نرجع للخلفيّة الحضاريّة لزمان ومكان إبراهيم نعرف أنه كان هُناك العديد مِن الديانات الوثنيّة التي تُحيط به، وكان جزءًا مِن العبادة في هذه الديانات هي تقديم الأطفال كالذبائح للآلهة الكنعانيّة قديمًا. فلقد كان مألوفًا -بكيفيّة ما- تقديم الأطفال كذبائح ومحرقات في ذلك العصر، ولكن يظل السؤال مطروح كيف قدّم إبراهيم إسحاق مُحرقة؟
بالطبع يُمكن أن نقول إن إبراهيم كان مُحبًا للرّب وقلبه ممتلئًا بالإيمان لذلك استطاع أن يُقدّم إسحاق، ولكن لكي نجد إجابة شافية أكثر عَن السؤال علينا أن نذهب إلى العهد الجديد في رسالة العبرانيين، حيث إننا نجد الإجابة في الأصحاح الحادي عشر والأعداد من 17 إلى 19 “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَه«: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْل إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال.”
فهذه الآيات تُبيّن أن إبراهيم كان مؤمنًا بالقيامة، فلقد كان لديه ثقة وإيمان في قدرة الله على القيامة، وربما قد تكوّنت لديه هذه القناعة بسبب خبرته في إنجاب إسحاق، حيث كانت سارة مُتقدمة في السن ولا يُمكن لها أن تُنجب، فلقد أختبر القيامة في إنجاب إسحاق. وهذا هو السبب الذي إبراهيم يُبكّر ويذهب ليُقدّم إسحاق مُحرقة، لأنه حسب أن الله قادرٌ على الإقامة مِن الأموات.
إذًا عزيزي القارئ نحن نرى بوضوح رمزيّة، ومثالًا واضحًا للقيامة في إيمان إبراهيم أثناء تقديم إسحاق، مما يؤكد لنا أن القيامة ليست فقط حقيقة تاريخية في العهد الجديد لكنها حقيقة روحيّة اختبارية وحقيقة وجوديّة يُمكن أن نرها بطرق كثيرة، ولاسيما في العهد القديم الذي أشار ورمّز في عديد من أحداثة ونصوصه للقيامة، كما رأينا في تكوين 22. ولعل مِن أشهر النصوص التي تنبأت عَن قيامة الرّب يسوع في العهد القديم هو مزمور السادس عشر عندما قال داود: “لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا.” (مز 16: 10) مما يُوضح أن كان هُناك ظلال لحقيقة القيامة التي يختبرها روحيًا المؤمنون، ولكننا رأينا في الرّب يسوع الذي هو كمال الإعلان الإلهي تحقيق وكمال ووضوح لفكرة القيامة بشكل مادي وتاريخي، عندما قام الرّب يسوع في اليوم الثالث مِن بين الأموات ظافرًا قاهرًا وناقضًا لأوجاع الموت، وصعد إلى السماء حي لكي يشفع فينا عَن يمين الآب ويؤكد لنا رجاء القيامة الذي به نتوقع فداء أجسادنا في مجيئه الثاني له كُل المجد آمين.
أسم الكاتب : رجائي محي
لقد شغلت العلاقةُ بين الإيمان والعمل قلبَ الكنيسة وذهنها منذ القرون الأولى للمسيحية. ويمكن للقارئ الدارس لكلمة الله أن يستخلص عدم وجود أي تصريح كتابي في العهد الجديد يعلِّم بترك المسيحيين لأعمالهم اليومية، أو التقليل من شأن حياتهم العادية لاختبار تبعية المسيح. ورغم أن المسيح والرسل الأوائل باركوا الأعمال العادية بمختَلَف أشكالها، إلا أن المسيحيين، مع مرور الزمن، تأثروا بمناهج فكرية وثقافية عديدة أخلَّت بمفهومهم السليم لعقيدة العمل في حياتهم الطبيعية. وخلال هذه المقالة القصيرة، سأعرض طرحًا موجزًا عن تاريخ الفهم المسيحي لعقيدة العمل خلال ثلاث حقب رئيسية هي: الكنيسة الأولى وعصر الآباء (100- 500م)، حقبة العصور الوسطى (500- 1500م)، وعصر الإصلاح (1500- 1800م). وخلال هذا الشرح المختصر، سنركز على عصر الإصلاح، وبشكل خاص على اثنين من قادته، لوثر وكالڤن. وفي النهاية سيتم طرح محاولة تحليلية لفهم عقيدة العمل في ثقافتنا المصرية، متبوعة بمبادئ مستوحاة من التراث المُصلَح، لإبراز قيمة العمل في اللاهوت الإنجيلي.
وُلِدَت كنيسةُ العهدِ الجديد في بيئةٍ يهوديةٍ من ناحية، وخلال وقتٍ كانت فيه الثقافة الهيلينية مهيمنةً على العالم من ناحية أخرى. ومن الواضح أن الثقافة اليهودية، وقت الكنيسة الأولى، كانت تقدِّر قيمةَ العمل والمِهَن بمختَلَف أشكالها؛ فنرى المعلم، الطبيب، النجار، الصياد، والتاجر… إلخ. وقد أعطى العهدُ القديمُ قيمةً عاليةً للعمل، حتى العمل البسيط؛ إذ كان من العادات المتَّبعة عند الأسر اليهودية تدريب أطفالهم الذكور على الأعمال الحرفية، حتى يقدِّروا قيمة العمل بأيديهم.[1] ورأى اليهود العمل كجزء من مقاصد الله في خليقته. في الواقع، كان من الملاحظ أن المعلمين اليهود، على عكس اليونانيين في زمانهم، لم يكن من المتوقع أن يعيشوا على مساهمات تلاميذهم، ولكن كان معلومًا للجميع أن لديهم عملًا أو حرفةً يمكنهم به إعالة أنفسهم وأسرهم. ربما ترجع جذور هذا الاهتمام بقيمة العمل للعهد القديم وتعليمه عن عقيدة الخلق، وعن رؤيتهم اليهودية لمفهوم ملكوت الله ومجيء المسيا كملك أرضي.
واتسمتِ الفلسفةُ اليونانيةُ بالنظرةِ الثنائية للحياة؛ حيث قسَّمت الحياةَ لما هو ماديّ وما هو غير ماديّ. فبالنسبة لأفلاطون كانت الآلهة تنتمي للعالم غير المادي، ويحتاج الإنسان أن يترفَّع ويسمو عن هذا العالم المادي ليصير كالآلهة، ويشارك في حالة الوجود التأملي الدائم.[2] ولقد وضعت الفلسفةُ اليونانيةُ العملَ الحِرَفيَّ، بكل أنواعه، في مكانةٍ أقل من الاتجاه التأمُّلي الفلسفي. فنجد أرسطو يرى أن الأشخاص الذين لا يعملون يتمتعون بحظ أوفر من غيرهم، لأن لديهم من الوقت ما يسمح لهم بالانشغال بحياة التأمل. فهو يعتقد أن الحياة التأملية تحقق للبشر أعلى مستويات السعادة. وقد تجلى هذا المنهج الفكري خلال الترتيب الاجتماعي الطبقي في الثقافة اليونانية؛ فكانت الطبقة الأرستقراطية تنال قسطًا كبيرًا من الوقت للراحة والتأمل، في حين أن الذين يعملون بالحِرَف المختلفة كانوا من الطبقة الكادحة الأقل مجتمعيًّا، أو العبيد. وبذلك قللت الثقافةُ الهيلينيةُ من شأنِ العمل اليومي؛ إذ كانوا يعتبرونه سمةً من سمات الاندماج في العالم المادي الذي كان يأتي في مستوى متدنٍّ لرؤيتهم الحياتية.[3]
وتأثر الفكرُ المسيحيُّ في بداياته بكلا المنهجين، اليهودي واليوناني؛ فخلال القرن المسيحي الأول لم يكن هناك أيُّ تقليل أو تهميش لقيمة العمل المهني، إذ كان يسوع كإنسان معروف بين اليهود بـ”النجار” (مرقس 6: 3)، وقد كان من بين أتباعه الصياد، الطبيب، جابي الضرائب… وغيرهم. كان بولس أيضًا يعمل في مهنة صناعة الخيام (أعمال 18: 3)، وكان يعول نفسه من خلال عمله. كان العمل، بالنسبة لخدام الكنيسة الأولى، وسيلة مساعدة للاهتمام بالخدمة، وفتح أبواب جديدة لها في أماكن مختلفة. وقد حذر بولس أهل كنيسة تسالونيكي من الكسل، وحثَّهم على العمل، معطيًا نفسه والرسل مثالًا (2تس 3: 6-15). وهكذا اندمج المسيحيون الأُوَّل في العمل اليومي بكافةِ أشكاله، ولكن من منطلق إيمانهم المسيحي وأخلاقياتهم المختلفة عن العالم الوثني آنذاك. إلا أنه مع نهاية القرن الثاني و بداية القرن الثالث، ظهرت بعض التوجهات اللاهوتية المسيحية المتأثرة بالفلسفة اليونانية. فنرى يوسابيوس يكتب عن إيمانه في وجود “نمطين للحياة” يمكن أن يعاشا؛ “الحياة الكاملة” و”الحياة العادية.” والحياة الكاملة، في رأيه، هي تلك النوعية من الحياة التي تتجلى في بعض الوظائف المقدسة والتي تدعو لحياة التأمل وتكرِّس لها، وهي تخص في المقام الأول الكهنة والرهبان والراهبات. وهو يضع هذه النوعية من الحياة في مقابل “الحياة العادية” والتي تتجلى في كل الوظائف الدنيوية الأخرى التي تكرس للعمل “action” في المجال العام، مثل الزراعة، الصناعة، التجارة، السياسة… إلخ.[4] ويقارن أوغسطينوس، أيضًا، بين “الحياة العاملة” و”الحياة التأملية.” ورغم إثناء أوغسطينوس على المهن الحِرَفية بكافة أشكالها، إلا أن حياة التأمل والتفكر لديه كانت تأتي في مقام أسمى. وتأثره بالفلسفة الأفلاطونية انعكس بوضوح على تصوره للمدينة الفاضلة التي كتب عنها من منظور مسيحي متأثرًا بالفلسفة اليونانية.[5]
وهكذا كرست هذه التوجهات لثنائيةٍ دينيةٍ بين الحياة الأرضية ومجالها، وبين المملكة السماوية وقِيَمِها المُثلَى. لذا تضررت أيضًا النظرةُ المسيحيةُ للعمل الأرضي بكونه جزءًا من ملكوت الله، وبرزت على ساحة الإيمان المسيحي بعضُ التوجهات التي تجنح لعزلة العالم والاتجاه إلى العيش في الصحاري والبراري، طالبين حياة التأمل والانشغال بالصلوات والعبادة. وقد أوجد هذا التعليم تربةً خصبةً للنهج اللاهوتي الثنائي الذي تبنته فيما بعد كنيسة العصور الوسطى Roman Catholic Church، والذي يضع الكنيسة والإكليروس في مقام أسمى من باقي مجالات الحياة.
مع اعتلاء قسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، وإعلان المسيحية الديانة الرسمية للبلاد، تغيرت الأوضاع كثيرًا. فتدريجيًّا، صار هناك تمييزٌ واضحٌ بين رجال الدين والعلمانيين. وصار لوظيفة الإكليروس موقعٌ فوقيٌّ على كل المهن الأخرى. ونادت كنيسة العصور الوسطى بأن أي عمل في المجال العام يظل عرضةً لأن يكون وسيلة للشر، وتحت سلطان الخطية مالم تكرِّسه الكنيسة وتعتمده بخضوعه لها. وهكذا صار يُنظر للعلمانيين وأصحاب المِهَن والحِرَف المختلفة، إما داخل الكنيسة في درجة أقل من أصحاب الوظائف الكنسية، أو خارج سلطان الكنيسة بكونهم ملامين ومعرضين ليكونوا أدوات للشر وآنية للإثم. وصار الوجه الآخر من تبجيل حياة الرهبنة والإكليروس هو التقليل من شأن الأعمال الدنيوية العادية.[6] وصار للكهنوت الطقسي شأن ومكانة وسلطان على البشر في كل مجالات الحياة.[7] ولذا تسبب المنهج الكاثوليكي في العصور الوسطى في ازدواجية قاسية، بين ما هو روحي وما هو مادي، ما هو كنسي وما هو عالمي.
بعدما أشعل لوثر بدايةَ ثورة الإصلاح في القرن السادس عشر، عادت الكنيسةُ لتفكر في عقيدة العمل من منظور مسيحي كتابي أصيل. وفي ضوء الصياغة الإيمانية الكتابية لعقيدة “كهنوت جميع المؤمنين” التي نادى لوثر بها، تغيرت النظرة المسيحية للأعمال والمِهَن المختلفة التي يشغلها الناس، ليراها المصلحون فيما بعد على أنها دعوة للمشاركة في العمل في ملكوت الله. وفيما يتعلق بالعمل اليومي، تأثر لاهوت لوثر عن العمل بخلفيته كراهب أوغسطيني. وقد تجلت رؤية لوثر للعمل من خلال مساواة العمل العادي في القيمة مع العمل الكنسي والخدمة، والتأكيد على أهمية ممارسة بر الناموس في فهم عقيدة العمل الأرضي كجزء أصيل فيها.
اتضح في لاهوت لوثر حرصه على تأكيد قيمة العمل الدنيوي، وقدسيته، كالعمل في المجال الديني أو الكنسي تمامًا. فقد كان يعتبر أن قيمة العمل اليومي، عند الله، لا تقل بأي حال من الأحوال عن قيمة الحياة التي تُقضى في عبادة الله وخدمته داخل الكنيسة. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه كنيسة روما أن أعمال الخير هي كل ما يتم داخل أو تحت إشراف المؤسسة الكنسية، رأى لوثر الخير في الأعمال العادية اليومية في أي مجال خارج أو داخل الكنيسة، وفي نقده لفهم الكنيسة الكاثوليكية آنذاك لقيمة العمل، كتب لوثر:
“إذا سألت أكثر، هل يعتبرونه أيضًا عملًا جيدًا عندما يعملون في تجارتهم، ويمشون، ويقفون، ويأكلون، ويشربون، وينامون، ويقومون بجميع أنواع الأعمال من أجل قوت الجسد أو من أجل الرفاهية العامة، وما إذا كانوا يؤمنون أن الله يسر بهم بسبب مثل هذه الأعمال، ستجدهم يجيبون “لا”؛ وهم يعرّفون الأعمال الصالحة بشكل ضيق، لدرجة أنها صممت لتشمل فقط الصلاة في الكنيسة والصوم، والصدقة. والأعمال الأخرى يعتبرونها عبثية، ويعتقدون أن الله لا يهتم بها. لذلك من خلال عدم إيمانهم المقيت يحدون ويقللون من شان خدمة الله، الذي تكون خدمته في كل ما يتم فعله أو التحدث به أو التفكير به بإيمان.”[8]
متأثرًا بالفكر الأوغسطيني، بنى لوثر منهجه اللاهوتي في الاعتقاد أن الإنسان المسيحي يعيش صراعًا مستمرًّا في الحياة بين مملكتين Two-Kingdom approach، مملكة الأرض ومملكة السماء، واحدة يرأسها إبليس، والأخرى يسود عليها الله، واحدة الخليقة العتيقة، والأخرى الخليقة الجديدة؛ فالمسيحي هو مواطن ينتمي للمملكتين. والمسيح يحكم في المملكة السماوية بالإنجيل، وفي الأرضية بالناموس.[9] ولذا يتوجب على المسيحي، من وجهة نظر لوثر، ألا يعتزل هذه الحياة، فعليه أن يعيش حياته العادية كمواطن أرضي دون الحاجة إلى معاداة هذا العالم أو الهروب منه. واتفق لوثر مع أغسطينوس في التأكيد على ضرورة أن يعيش المسيحي حياته كسائح أو زائر غريب، ناظرًا ومنتظرًا للبيت السماوي، مما انعكس على رؤيته للعمل لكونه مرحلة انتقالية تحتاج أن نحياها بإيمان وأمانة. لذلك ركز لوثر على أهمية البر والتقوى في التعامل مع عقيدة العمل، أي الالتزام ببر الناموس في مجال العمل، لكونها جزءًا من الحياة الأرضية.[10] وهنا يمكن فهم رؤية لوثر للعمل بكونه تطبيقًا للمبدأ الكتابي المتعلق بمحبة الله والقريب.
بعد لوثر جاء جون كالڤن ليقدم فهمًا مصلحًا لعقيدة العمل، مكملًا لما قدمه لوثر. وفي مقالته الشهيرة حول مفهوم العمل عند لوثر وكالڤن،[11] وضع إيان هارت[12]Ian Hart ستة محاور رئيسة لفهم رؤية كالڤن لعقيدة العمل، سنسردها بإيجاز:
أولًا: نقطة انطلاق رئيسة
كانت نقطة ارتكاز مهمة عند كالڤن في فهمه لعقيدة الحياة المسيحية هي، كما وصفها في كتابه أسس الدين المسيحي، “إنكار الذات.”[13] ويرتبط هذا المبدأ عند كالڤن ببعدين رئيسين؛ يصف الأول علاقة الإنسان بالله، فإنكار الذات يعني أولًا العيش لمجد الله. ويصف الثاني علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، والتي تمثل محبة القريب، وطلب الخير له وتقديمه على النفس.[14] وخلال هذين البعدين، رسم كالڤن رؤيته التفصيلية حول مفهوم العمل.
ثانيًا: التفويض الوارد في سفر التكوين واللعنة
يرى كالڤن، كما كان يكرر دائمًا، أن الإنسان خُلِقَ ليعمل. ومع أن العمل كان مبهجًا وملذًّا لآدم في بداية الخلق، إلا أنه صار مرهقًا ومتعبًا له بعد السقوط. وقد صارت لهذه اللعنة التي أصابت العمل قيمةً تربويةً؛ إذ ساعدت الإنسان على إدراك حقيقي لحالته وشره، ودفعته إلى التوبة.[15] ومع ذلك، يؤمن كالڤن أن اللعنة المرتبطة بالعمل قد رُفعت جزئيًّا خلال عمل المسيح، مقتبسًا في ذلك ما جاء في مزمور 127: 2 شارحًا:
“ومع ذلك، غالبًا ما يرفع الله جزءًا من هذه اللعنة عن أبنائه، لئلا ينحنوا تحت هذا الحمل. هذا هو معنى النص، “تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ، مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ، آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْمًا.”، لأن ما أفسده آدم قد أصلحته نعمة المسيح … وخففت رحمة الله من مرارة ذلك العقاب، بحيث يكون هناك شيء من البهجة في العمل الذي يقوم به الإنسان.”[16]
فمن خلال عمل المسيح، كما يرى كالڤن، عادت للإنسان سيطرتُه على الطبيعة، بعد أن كان قد فقدها في السقوط. ولهذا السبب يعتقد أن العمل هو واجبٌ مسيحيٌّ منبعه التفويض الإلهي الذي تم استرداده وتأكيده في المسيح.
ثالثًا: مفهوم الدعوة
اشترك كالڤن ولوثر في وصف عمل الإنسان اليومي بكونه دعوة من الله. وارتبط شرح كالڤن لمفهوم العمل بكونه دعوة من الله بعدة مجالات لاهوتية، أهمها:
رابعًا: يعتمد النجاح في العمل على بركة الرب
يرى كالڤن أن النجاح الحقيقي في العمل يقوم على مباركةِ الله له؛ فيعتقد أننا ينبغي أن نفهم تثنية 8: 3/ متى 4: 4 بطريقةٍ حرفيةٍ وليس فقط روحية؛ فكلُّ كلمةٍ تخرج من فم الله هنا تعني بركة الله للأمر. وقد ظهر ذلك جليًّا في شرحه لمزمور 127: 1 “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ، فَبَاطِلًا يَسْهَرُ الْحَارِسُ.” إذ يرى كالڤن أن كاتب المزمور يعلم أن أي إمكانيات وأعمال ولو بسيطة هي قيّمَة لأن الله يباركها، فقيمة ما نعمل هنا مشروطة بمباركة الرب له.[21]
خامسًا: الأمانة في العمل
رأى كالڤن أن عدم الأمانة في العمل هو انتهاك لمبدأ حب القريب. فكتب عن غير الأمناء قائلًا:
“لا يقتصر الأمر على هؤلاء اللصوص الذين يسرقون حق الآخرين سرًّا، بل أولئك الذين يسعون أيضًا إلى الربح من خسارة الآخرين، ويكومون الثروة بطرق غير مشروعة، وهم أكثر تفضيلًا لمصلحتهم الخاصة من تحقيق العدالة … ولكي لا يديننا الله بدعوى أننا لصوص، يجب أن نسعى قدر الإمكان إلى أن يحتفظ كلُّ شخص بما يمتلكه بدون خسارة، وأن يتم تعزيز مصلحة غيرنا “القريب” مثل مصلحتنا تمامًا.”[22]
سادسًا: الأعمال، التجارة، الفائدة، والمال
على خلاف لوثر، شجع كالڤن التجارة والاستثمار، وتحقيق الربح. وفي السؤال عن الفوائد في الاستثمارات المالية، لم يرفض كالڤن الفائدة، لكنه أدان الفوائد المبالغ فيها من ناحية، أو التي تُفرَض على فقير أو محتاج من ناحية أخرى. وعندما طبق نظام الفائدة في جينيڤ، أوضح كالڤن أن هذا النظام يختلف تمامًا عمَّا يرفضه العهد القديم مما يتعلَّق بالربا. ففي العهد القديم كان الفقير يقترض عن مضض لاحتياجه الشديد إلى المال، أما في جينيڤا فكانوا يدفعون الفائدة بفرح، لأن القرض مكَّنهم من عمل استثمار ناجح فاقت قيمته قيمة الفائدة بكثير. ولذا يرى كالڤن أننا ينبغي أن لا نقضي على أمر بكونه رِبَا بناءً على تصريح أو بيانٍ كتابيٍّ في موقف محدَّد، ولكن وفقًا لمبادئ العدالة.[23]
الإيمان المسيحي ومفهوم العمل في واقعنا المصري المعاصر: (التأصيل اللاهوتي المصلح، ومردوده على الكنيسة والمجتمع):
مرت سنون طويلة على ثورة الإصلاح الديني، فالزمان غير الزمان، والسياق الثقافي والحضاري مختلف، فكيف يمكن للكنيسة أن ترى في الإنجيل قوة مغيرة لكل العصور وكل الثقافات؟ فمجتمعنا العربي بوجه عام، والمصري على وجه الخصوص لديه العديد من التحديات في الفهم والممارسة الخاصة بقيمة العمل. ولا شك أن فهم مجتمع الكنيسة لعقيدة العمل تأثر سواء بعوامل الثقافة الخارجية، أو داخليًّا بأنماط تعليم لاهوتي بعينها. ولإيماني برسالة الكنيسة ودورها في تغيير المجتمعات، سأعطي تركيزًا خاصًّا في السطور التالية على العوامل الثقافية واللاهوتية التي ساهمت في فهم غير متزن لقيمة العمل داخل الكنيسة. وسأختم ببعض المبادئ اللاهوتية المصلحة التي يمكن أن تساهم في دفع الكنيسة لفهم أعمق لعقيدة العمل.
لا شك أن الكنيسة كمكوِّن مجتمعيّ تتأثر في السياقات المختلفة بالمحتوى الثقافي والحضاري السائد، سواء على المستوى الفكري أو العملي. ففي الوقت الذي تكرِّس فيه الثقافةُ المحيطةُ للتمييز الفئوي بين مهنة وأخرى، ينعكس الوضع على الكنيسة أيضًا؛ حيث إنها تعزز أحيانًا هذا الحس الجمعي بالتمييز الفئوي سواء في العبادة أو في النظم الإدارية. وليس المقصود هنا اعتراف الكنيسة بالتنوع الطبيعي بين الفئات العاملة أو بين أنواع الأعمال المختلفة، لكن التصنيف التراتبي داخل الجماعة، وأحيانًا التفرقة في التعامل بين فئة وغيرها. وخير مثال لذلك ما انتشر في الآونة الأخيرة تحت مسميات تحمل رسائل عنصرية مثل، اجتماع إخوة الرب، أو اجتماع العمال… وغيرها.
وعلى الصعيد الفكري واللاهوتي المصري، تأثرت الرؤية المسيحية للعمل بعدد من التيارات اللاهوتية التي خلقت أنماطًا عقائدية تحتاج إلى مراجعةٍ مستمرةٍ. وصارت الكنيسة تنظر إلى قضية العمل بمستويات مختلفة. ولعلنا نجد في كتاب H. Richard Niebuhr “المسيح والحضارة” (Christ and Culture)[24]، منهجًا تحليليًّا متكاملًا حول وجهات النظر المختلفة التي يتبناها المسيحيون تجاه الحضارة. سنبني على موازاته الكيفية التي ينظر بها المسيحيون أحيانًا للعمل في الحياة اليومية. ولأن بعض المفاهيم التي صاغها Niebuhr تتطابق مع المناهج المسيحية المتبعة في فهم العمل، سأرتكز في هذا التحليل على ثلاث من هذه الرؤى التحليلية التي يمكن تطبيقها على قضية العمل في المجال المسيحي المصري. من الرؤى التي طرحها Niebuhr، “المسيح فوق (أسمى من) الثقافة،” “المسيح والحضارة متفارقان،” “المسيح يحول الثقافة.” وهكذا في الأوساط الإيمانية هناك من يرى “الحياة المسيحية فوق العمل الأرضي،” “الحياة المسحية والعمل متفارقان،” أو “الحياة المسيحية تصنع تحولًا في مفهوم العمل.”
أولًا: الحياة المسيحية فوق العمل الأرضي
ينبع هذا التوجه اللاهوتي أساسًا من الازدواجية الفكرية التراتبية التي تصنف حياة المسيحيين إلى سماوي وأرضي، ديني ودنيوي، أو روحي ومادي، ودائمًا الجانب الأول أكثر سموًّا من الأخير. فيقدم هذا النهج اللاهوتي العملَ في هذه الحياة الأرضية بكونه دورًا وظيفيًّا أقل سموًّا من العبادة والحياة الروحية، لأن حياة المسيحي تركيزها الأساسي هو انتظار الوجود في البيت السماوي. لذا يعاني أصحاب هذا التوجه من أزمة الاغتراب التي أصابت الكثيرين من مسيحيي مصر. وهناك عدة أسباب تعزز تجذير هذا المنهج الفكري، وتدفع الجماعة المسيحية المصرية للسلوك بمقتضاه. أول هذه الأسباب هو أزمة الأقلية[25]، بكل ما يعقبها من تحديات ومصاعب تواجهها في مجال العمل، وشعورها بعدم حصولها على كل حقوقها دون تمييز. ثاني هذه العوامل يكمن في النزعة الدينية التي تفضل اعتزال هذا العالم عن الاندماج فيه، والذهاب للصحراء والبراري للتعبد. ورغم أن هذا التوجه الإيماني لعب دورًا هامًّا في تاريخ الكنيسة متجليًا في حركة الرهبنة والأديرة العامرة بالإيمان، إلا أن التطبيق غير المتزن للأمر قد يدعم عند البعض روح العزلة والانسحاب من المجال المجتمعي العام. أخيرًا، ساهم في تعزيز هذا التوجه اللاهوتي أيضًا انتشار التيار الكاريزماتي، الذي ينادي أحيانًا، بعدم الانشغال بما يدور في العالم هنا[26]، والانشغال رأسًا بالعبادة والصلوات، نظرًا للفهم غير المكتمل لمفهوم العالم بكونه مجالًا للخطية والشر وينبغي عدم الارتباط به لأنه زائل.
وقد أثر هذا التوجه بشكل كبير في محتوى العبادة، سواء في فهم بعض النصوص الكتابية، أو في محتوى التراتيل المسيحية التي يتغنى بها المسيحيون في مصر. فصارت هناك نصوص محددة يتم التركيز عليها، خاصة في وقت الأزمة أو الضيق، مثل عبرانيين 11: 13-16؛ رؤيا يوحنا 21: 1-27؛ يوحنا 18: 36؛ و متى 4: 8-10.[27] وكررت الكنيسة أغنيات اغترابها مثل “العالم يبني ويزرع… لكن أنا مش من هنا، ده هنا عالم فاني… لا مال ولا جاه ولا غنى، أنا لي وطن تاني.”[28] أو “غريب أنا غريب… والأرض ما فيها مكاني.”[29] وهكذا أضحت النظرة المسيحية للعمل الأرضي بكونه مستوى أقل من الحياة الإيمانية والعبادة، مما أثر سلبًا على فهم مسيحيي مصر، أحيانًا، لقيمة العمل.
ثانيًا: الحياة المسيحية والعمل الأرضي، نظيران متفارقان
وفي هذه الرؤية الإيمانية تسير الحياة الأرضية والحياة الإيمانية في خطين متوازيين، دون تداخل أو تحارب. وأصحاب هذه النظرة يتبنون تفسيرًا خاصًّا لتعبير الرب يسوع “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ” (مرقس 12: 17)؛ فهم يفهمون أن ما يخص الحياة الأرضية، يختلف عمَّا يخص السماوية، وعلى المسيحي تتميم الاثنين دون أن يقحم إحداهما في الأخرى، فكليهما مهم وضروري للإنسان المسيحي. فيمكن للفرد أن يكون مؤمنًا متعبدًا في الكنيسة، وفي عمله ينبغي أن يسلك بما تقتضيه مبادئ السلوك المجتمعي الخاص بمهنته. والنسخة الأكثر اتزانًا في هذا النهج الفكري، تعتَبِر الإيمان المسيحي هو مجرد منبع أخلاقي للإعانة في تحقيق مستوى أفضل من السلوك في الحياة العامة، ليس أكثر. تتفق هذه الرؤية، بصورة جزئية، مع اللاهوت اللوثري الذي ينادي بفكرة المملكتين، مملكة الله، ومملكة العالم، وبالتالي الوطنين السماوي والأرضي. والتحدي التي ينتجه هذا النموذج هو صراع الازدواجية الذي يصيب عددًا من المسيحيين العاملين في الحقل العام، على سبيل المثال من يعملون في مهنة المحاماة أو جهاز الشرطة. إذ يظل السؤالُ الملازم لهؤلاء بأي المبادئ ينبغي أن نسلك؟ فالمبادئ المسيحية بالنسبة لهم صارت غير متكافئة مع المجال العام الخاصّ بمهنتهم.
أخيرًا، الحياة المسيحية تصنع تحولًا جوهريًّا في مفهومنا للعمل
بخلاف منهجي الاغتراب والازدواجية تجاه نظرتنا للعمل، هناك رؤية كتابية تؤمن أن الإيمان المسيحي يغيِّر مفهومنا للعمل في ضوء فهم أشمل لملكوت الله. وتتماشى هذه الرؤية مع اللاهوت المصلح. تنادي هذه الرؤية الإيمانية بأن عقيدة الخلق تؤكد قدسية هذه الحياة الأرضية، وتدعونا لأن ننشغل بها أيضًا كمستقبلنا الأبدي. تؤكد أيضًا على أن التفويض الإلهي الذي أعطاه الله للإنسان لحفظ الأرض والعمل بها لم ينهار بالسقوط، حتى وإن تغيرت بعض أبعاده، مثل ازدياد المشقة في إتمامه. يتضمن هذا النهج الإيماني مبدأ النعمة العامة، الذي يرى أن المجال العام تحت سيادة ملكوت الله أيضًا، وأن الإيمان المسيحي ينبغي أن يكون فاعلًا خارج الكنيسة كما داخلها أيضًا. وخلال السطور الختامية لهذه المقالة، سأعطي تركيزًا خاصًّا على ثلاثة مبادئ لاهوتية مصلحة يمكن أن تساعد في بناء منظور إيماني مسيحي لعقيدة العمل. هذه المبادئ الثلاثة تمثل ترجمةً لفهم عقيدة العمل في ضوء إيماننا بشمولية ملكوت الله في حياتنا وعالمنا. تصف هذه المبادئ علاقة العمل ببعض العقائد الكتابية مثل عقيدة الخلق، النعمة العامة، والرؤية المسيحية للعالم.
أولًا، العمل بين عقيدة الخلق والتفويض الحضاري في سفر التكوين
تخبرنا عقيدة الخلق أن الله هو العامل الأول، وهنا تكمن الرسالة الأولى لقيمة العمل. وهكذا خلق الله الإنسان على صورته ليعمل معه ويشاركه مهام حفظ الخليقة والاعتناء بها. ويرى ابراهام كايبر، اللاهوتي الكالڤيني الشهير، أن التفويض الحضاري الذي منحه الله للإنسان في الإصحاح الأول من سفر التكوين، بأن يتسلَّط على الخليقة ويحافظ عليها، لم ينهار بعد السقوط.[30] ومن هنا تنبع الجذور الأولى لعقيدة الوكالة المسيحية، التي من خلالها يقف الإنسان مسؤولًا أمام الله عما وهبه من عطايا وهبات وبركات. كما تؤكد لنا عقيدة الخلق خيرية الطبيعة، وقدسية عالمنا المادي، إذ إنه صنعة يدي الخالق؛ فلا يجب أن نعاديه أو نتجاهله أو نحقِّر من شأنه، بل أن نتعامل معه وفيه كبركة من الله. وهنا ندرك قدسية وسمو العمل الأرضي بشكل مختلف.
ثانيًا، العمل في ضوء فهمنا لسيادة الله وعمل النعمة العام
إيماننا بعقيدة الخلق وسيادة الله على عالمنا يجعلنا ندرك عمل نعمة الله خارج الكنيسة كما داخلها أيضًا، أو ما يسمى في اللاهوت المصلح بـ”النعمة العامة Common Grace.” فتصير كل أعمالنا بمختلف أشكالها هي نابعة من عمل الروح القدس العام في الخليقة، ووسيلة لكبح سطوة الخطية والشر، وتحقيق الخير العام في أرضنا. فيرى تيموثي كيلر أن كل أنواع الأعمال أو المهن هي مشاركة في عمل الروح القدس، فكلها موجودة لخدمة الآخرين، وجميعها قائمة على عطايا ومواهب منحها الله.[31] لذا فإن كل إبداع لخير البشر في مجال العمل هو نتاج مشاركة بين الإنسان والروح القدس خلال إرساليته في عالمنا. ويدفع الفهم المتعمق لهذه القضية بالكنيسة لمباركة كل عمل إبداعي للخير العام للبشر، وتشجيع أبنائها لأن يكونوا فاعلين ومؤثرين في كل مجالات الحياة البشرية من فنون وسياسة واقتصاد… إلخ. وهنا تتجلى روحانية العمل البشري بصورة واضحة، معبِّرةً عن تفاعل الإنسان مع عمل نعمة الله من ناحية، ومحبته لأخيه الإنسان من ناحية أخرى. فيجسِّد العملُ محبةَ الله ومحبةَ القريب.
ثالثًا، العمل كمكوِّن رئيس في الرؤية المسيحية للعالم
يحتاج المسيحيون اليوم لإدراكٍ أشمل لكل عناصر الحياة، في كل مجالاتها من خلال منظور مسيحي متكامل. فلم يَعُد من المجدي اختزال الإيمان المسيحي في مجالات بعينها، مثل مجال العبادة أو مجال الحياة الأخلاقية أو غيرها. فقد شوه هذا التوجُّه فهمَ أبعاد الإيمان المسيحي، وأضعف من تأثيره وإرساليته. إن الحياة المسيحية هي دعوة لقبول المسيح، تبعيته، والتشبه به، ومن ثم فإن المسيحي الحقيقي هو من تعكس حياتُه إيمانَه وقناعاتِه المسيحية في كل جوانب حياته، وليس جانبًا واحدًا فقط منها. وهنا يؤكد اللاهوت المصلح أننا في حاجة شديدة كمسيحيين لبناء رؤية شاملة للعالم مبنية على كلمة الله ومعبرة عن إيمان الكنيسة. وبتبنِّي رؤية شاملة للعالم يمكن للمسيحي أن يدرك دعوته في العمل لمشاركة الله في العناية بخليقته وحفظ النظام بها. ومن خلالها أيضًا، يمكن للإنسان المسيحي رؤية سيادة الله وربوبية المسيح في مجال عمله، ومسؤوليته تجاه إلهه كوكيل عما أقامه الله عليه من عمل من ناحية، ومسؤوليته تجاه باقي البشر بدافع الحب والخدمة من ناحية أخرى. في هذه الرؤية للعالم، يعترف المسيحيُّ في دوره داخل ملكوت الله من خلال عمله؛ حيث إن ذلك العمل يكبح انتشارَ الفوضى والشر، ويحافظ على استقرار العالم وتقدمه، كما أنه يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في استرداد ما تشوَّه في واقعنا البشري بسبب فوضى الخطية، ليعود له جمالُه ونظامُه. وهنا يصير العمل أحد مجالات إعلان وتحقيق ملكوت السماوات في أرضنا.
أختتم هذا الطرح المبسط بكلمات اللاهوتي الألماني الشهير يورجان مولتمان Jurgen Moltmann، لاهوتي الرجاء، قائلًا: “إن اللاهوت المسيحي … لن يكون أبدًا مجرد لاهوت للكهنة والقسوس، لكنه أيضًا لاهوت للعلمانيين في أعمالهم “دعوتهم” في العالم. ولن يقتصر دوره على خدمة الله داخل الكنيسة، بل يمتد ليشمل خدمة الله في الحياة اليومية في العالم.”[32]
[1] Hershey H. Friedman, “The Impact of Jewish Values on Marketing and Business Practices,” Journal of Macromarketing 21 (June 2001), 80.
[2] Lee Hardy, The Fabric of This World: Inquiries into Calling, Career Choice, and the Design of Human Work (Grand Rapids, MI: W.B. Eerdmans, 1990), 6-11.
[3] Paul Marshall. A Kind of Life Imposed on Man: Vocation and Social Order from Tyndale to Locke, (Toronto: University of Toronto Press, 1996), 21-22.
[4]Eusebius of Caesarea, “Demonstration of the Gospel 1.8 ET,” in The Proof of the Gospel Being the Demonstratio Evangelica of Eusebius of Caesarea, vol 1, Trans. W.J. Ferrar (London: S.P.C.K, 1920), 48-50.
[5] Brian J. Walsh and Richard Middleton, Transforming Vision: Shaping a Christian World View (Downers Grove, IL: Intervarsity Press, 1984), 99.
[6] Edward Hahnenberg, Awakening Vocation: A Theology of Christian Call. (Collegeville, MN: Liturgical Press.
2010), 21, 22.
[7] Herman Bavinck, “Calvin and Common Grace,” in Princeton, N.J [Princeton Theological Review Association], 1909, 438-440.
[8] Martin Luther, Treatise on Good Works, 2009, 30.
[9] Steven A. Hein, “Luther on Vacation: An Ordinary Life for Ordinary Saints,” In Reformation & Revival: A Quarterly Journal for Church Leadership (Carol Stream, IL: Reformation & Revival Ministries, 1999), 131.
[10] Ibid, 134-140
[11] Ian Hart. “The Teaching of Luther and Calvin About Ordinary Work: 2. John Calvin (1509-1564)”. Evangelical Quarterly. 1995.
[12] مرسل أيرلندي خدم في جنوب شرق آسيا، وقد كتب أطروحة الدكتوراة تحت عنوان ” A Theology of Everyday Life،” وهذا المقال هو جزء من رسالته.
[13] Institutes at the Christian Religion, 3, VII.
[14] Institutes of the Christian Religion,3. VII. 4, 8-10.
[15] Jean Calvin, Genesis: Commentary, (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1979) 2: 15& 3: 19.
[16] Ibid 3: 19
[17] Inst. 3. X. 6
[18] Ibid.
[19] Calvin’s Commentaries on the NT, tr. T. H. L. Parker, Grand Rapids, 1989, ad wc. Mt 25:20.
[20] Inst. 4. XIII. 11, 16.
[21] Calvin: Commentaries, tr. J. Haroutunian, (London: 1958), 340- 342.
[22] Cited by J. H. Leith,john Calvin’s Doctrine qfthe Christian Life, Westminster, 1989,191-192.
[23] John Calvin, Commentary on the Psalms, tr. Arthur Golding, (London, 1571), ad loco Ps. 15.
[24] H. Richard Niebuhr, Christ and Culture (New York: Harper & Brothers, 1951).
[25] أندريه زكي، الأقباط والثورة (القاهرة: دار الثقافة، )، 80—83، 90.
[26] مكرم نجيب، الحركة الكاريزماتية (القاهرة: دار الثقافة، 1987)، 56.
[27] صموئيل حبيب، الكنيسة والدولة (القاهرة: دار الثقافة، 1990)، 21.
[28] ترتيلة شهيرة في العالم الكنسي، وهي ترتيلة جميلة وليس المقصود هنا رفض هذه الروح الجميلة للتشوق للسماء، لكن الفهم غير المكتمل لدى البعض بأن كل ما يشغلنا يجب أن يُختزل في حياة ما بعد الأرض.
[29] ترتيلة كنسية معروفة، وبنفس المنطق، الغرض هنا هو دعوة المجتمع الكنسي أن يهتم بصياغة تراتيله الإيمانية في ظل فهم كتابي شامل ومتزن لملكوت الله الذي هو هنا والآن أيضًا.
[30] Abraham Kuyper, “Common Grace,” In Bratt, J.D. (ed.) Abraham Kuyper: A Centennial Reader (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998), p.165-201), 179.
[31] Timothy Keller, “Vocation: Discerning our Calling,” Valid on, https://churchleaders.com/pastors/pastor-articles/176526-tim-keller-vocation-discerning-your-calling.html, 8/ 4/ 2020.
[32] J. Moltmann, The Experiment Hope, trans. M. Douglas Meeks (London: S. C. M., 1975), 11.
أسم الكاتب : القس سامح إبراهيم
يُعتبر مرقس 15: 33–39 نهايةَ وذروةَ رواية الصلب والألم في إنجيل مرقس. يموت يسوعُ وحيدًا، متروكًا من الجميع. يسوع الذي يظهر طوال رواية مرقس محاطًا بالجماهير، يسوع الذي يظهر طوال الرواية مقتدرًا في الفعل والقول، بل “الأقوى”–على حد وصف يوحنا المعمدان له في مرقس 1: 7–يظهر في نهاية الرواية لا حولَ له ولا قوة. هل يمكن أن نرى قوةً ومجدًا في هذا المشهد الرهيب، الذي يظهر فيه يسوع في أشد مواقفه ضعفًا، وأكثرها خلوًا من السُلطة والبأس؟ هل يمكن أن نقول بثقة مع الشاعر اللبناني أسعد الشدودي في الترنيمة الخالدة “خلني قرب الصليب،”: “قد رأينا في الصليب قوةَ الرحمانِ”؟ هل يمكن أن نقول مع بولس “لأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله” (1 كو 1: 18)؟ هل يمكن أن نتخيل أنَّ ليسوعَ المصلوبِ لسانًا كلسانِ سبارتاكوس، الذي صُلب مع مئات العبيد، بعد فشل تمردهم ضد روما، وتخيله الشاعر المصري الكبير، أمل دنقل، في قصيدته العظيمة “كلمات سبارتاكوس الأخيرة،” يقولُ بفخرٍ وعزةٍ:
مُعَلَّقٌ أنا على مشانقِ الصباحْ،
وجبهتي بالموت مَحنيَّهْ
لأِنني لم أُحْنِها حَيَّهْ!؟
في كتابٍ صغير الحجم، بالغ الأهمية، بعنوان Crucifixion أو “الصلب،” يعرض العلاّمة الألماني مارتن هنجل العديد من الوثائق القديمة التي تؤرخ لعقوبة الصلب عند مختلف الشعوب القديمة. يبحثُ هنجل في هذا الكتاب كيف رأى الوثنيون المسيحيين وعبادتهم لمسيحٍ مصلوبٍ. كان بليني الصغير، حاكم بنتوس وبثينية في آسيا الصغرى، قد وصف في رسائله للإمبراطور تراجان 10. 96. 4–8 المسيحية بأنها “شكل من أشكال الجنون.” وقال عنها الخطيب الشهير كورنليوس فرونتو إنها “خرافة مجنونة بلا معنى،” ووصفها المؤرخ الروماني سويتونيوس بأنها “خرافة جديدة وخبيثة.” كان سبب وصف الوثنيين للمسيحية بهذا هو عبادة المسيحيين لـ “مجرم وصليبه” ولأن إلههم الذين يعبدونه هو “إله ميت” وهو تناقضٌ في حد ذاته. كان الصليب علامة جنون، علامة عار (عب 12: 2). كان للحرف تاو T “دلالة شريرة” حيث يأخذ شكل “الأداة الشريرة” [الصليب] التي شيدها الطغاة لشنق الناس. يذكر هنجل أيضًا أن الكلمة “صليب” كانت تستخدم منذ القرن الثالث قبل الميلاد وصاعدًا بين الفئات المتدنية كالعبيد والساقطات ككلمة مبتذلة وبذيئة. بلغ حدُّ الاشمئزاز من المسيحيين إلى درجة التشهير بهم، الأمر الذي يُعبِّر عنه الرسم الكاريكتوري الساخر الشهير لشخصٍ مصلوبٍ وله رأس حمار مع نقشٍ يقول “ألكسامينوس يعبد الله.” [1]
في كتاب مهم آخر، بعنوان “الصليب في الإسلام،” لحبيب زيات،[2] يبحث فيه زيات عن وجود الصليب في الأدب العربي، عند الشعراء، في الحديث، وفي النقود،. . .إلخ، وكذلك يذكر ممارسات المسيحيين الخاصة بالصليب، مثل اختلاف التصليب/الرسم بين اليعاقبة والملكيين وغيرهما، والوشم،. . .إلخ. يذكر زيات الآتي أن “من الإهانات التي كان المسلمون يتعمدون بها إذلال النصارى والإساءة إليهم، رسم الصلبان على الأرض وإرغام الضعفاء منهم على وطئها بأرجلهم.”[3] ويذكر كيف كان يُكره بعض الحكام، مثل الحاكم بأمر الله الفاطمي، المسيحيين على تعليق الصلبان الثقيلة في رقابهم كنوعٍ من الإذلال، كان طول الواحد منها ذراعًا ووزنه خمسة أرطال.[4]
بعد كلِّ هذا، يبقى السؤالُ: هل يمكن أن يكونَ الصليبُ، رمزُ الضعفِ والعارِ والصَغَارِ، رمزًا للقوة والكرامة والفخر؟ إجابتي في هذه المقالة، هي: نعم. نستطيع أن نرى في صليب يسوع كلَّ دلالات القوة والكرامة. تأكيدًا على هذا، أرصد أربع علاماتٍ لقوة وكرامة يسوع المصلوب في مرقس 15: 33–39، وهي كالتالي: الظلمة، وصرخة الترك، وشق حجاب الهيكل، واعتراف قائد المئة.
صاحب موتَ يسوع في مرقس 15: 33–39 حدثان خارقان للطبيعة؛ الحدث الأول هو الظلمة (15: 33)، بينما الحدث الثاني هو انشقاق حجاب الهيكل (15: 38). لا يبدو أن الظلمة الحادثة هنا ظلمة طبيعية سببها كسوفُ الشمس، الأمر الذي لاحظه المفسرون منذ القديم، مثل أوريجانوس الذي قال “كسوف الشمس مستحيل حين يكون القمر مكتملًا،”[5] واللاهوتي المصري بطرس السدمنتي، من القرن الثالث عشر، في كتابه الشهير “التصحيح في آلام السيد المسيح،” الذي قال فيه: “واعلمْ أن هذا الظلام لم يكن عن كسوف شمس وذلك لأن الكسوف الشمسي لا يلبث ثلاث ساعات.”[6] كسوف الشمس يستمر أقل من ثماني دقائق، بينما مرقس يخبرنا أن الظلمة امتدت ثلاث ساعات، من الساعة السادسة إلى التاسعة من النهار (توازي 12–3 ظهرًا).[7]
يمكن تفسير الظلمة كتابيًا وثقافيًا. أولًا، عدة نصوص كتابية قد تكون خلفية هذه الظلمة. كانت الظلمة تسبق الخلق في تكوين 1: 2–3.[8] هذا الربط مع التكوين ممكن، خاصةً إذا كان مرقس 1: 1 “بدء (Ἀρχὴ) إنجيل يسوع المسيح” يستدعي “البدء Ἀρχὴ” في تكوين 1: 1 (بحسب الترجمة السبعينية LXX). إنَّ صرخة يسوع في نهاية الظلمة (مرقس 15: 34، 37) يمكن تفسيرها في ضوء تكوين 1: 3 “مثل صوت الله في تكوين 1: 3، حيث صرخ مُحضرًا النظام من الفوضى، واضعًا النهاية لحُكم الظلمة ومؤسسًا لحُكم النور، هكذا صرخة يسوع كانت دينونة وانتصارًا على حُكم الظلمة.”[9] مع ذلك، يرى روبرت جوندري أن مرقس لم يقل شيئًا عن عودة النور في الساعة التاسعة.[10]
كذلك ربط كثيرون بين ظلمة الصلب هنا والضربة التاسعة على مصر، ضربة الظلام التي استمرت ثلاثة أيام (خروج 10: 21–23). كما حل الظلام على مصر في الفصح الأول، يحل الظلام هنا على أعداء يسوع، في هذا الفصح. رأى السدمنتي أن الله يعاقب، بالظلمة (وشق حجاب الهيكل)، صالبي يسوع، تمامًا كما عاقب الله فرعون والمصريين.[11] ترى شرين دود أنَّ الظلمة في مرقس 15: 33 تعلن هزيمة إله الشمس ميثرا الذي كان يعبده العسكر الرومان، وهو “الشمس التي لا تُقهر،” وبالتالي، “الشمس التي لا تُقهر،” التي يعبدها العسكر الذين أعدموا يسوع قد هُزمت بالفعل.[12] لم تُشرْ دود لخروج 10: 21–23، لكن فكرة هزيمة إله الشمس المصري رع حاضرة في سفر الخروج (خروج 10: 21–23 مع 12: 12).[13] كذلك لاحظ ريتشارد فرانس تشابهًا واضحًا بين خروج 10: 22 في السبعينية “كان ظلام على كل أرض مصر” ومرقس 15: 33 “كان ظلام على الأرض كلها.”[14] بالرغم من ذلك، يرى جوندري اختلافًا مهمًا بين فترة ظلمة الخروج (3 أيام) وفترة ظلمة الصلب (3 ساعات)، وأنَّ ظلمة الخروج حلت على المصريين المضطهدين بينما عاش الإسرائيليون في النور، بينما في مرقس حلت الظلمة على كلٍّ من يسوع وصالبيه.[15]
يمكن كذلك أن نجد خلفية كتابية لظلمة الصليب في نصوص الآنبياء التي تتكلم عن يوم الرب، الحدث الذي تسود فيه الظلمة (مثلًا، يوئيل 2: 1–2، 10، 31؛ عاموس 5: 20؛ 8: 9–10) ويصفه صفنيا 1: 15 بأنه “يوم ظلام.” كثيرٌ من المفسرين رأوا أن نبوة عاموس 8: 9–10 على جانب عظيم من الأهمية لفهم الظلمة في مرقس 15: 33:[16] “ويكون في ذلك اليوم يقول السيد الرب أني أغيب الشمس في الظهر وأقتم الأرض في يوم نور. وأحول أعيادكم نوحًا وجميع أغانيكم مراثي وأصعد على كل الأحقاء مسحًا وعلى كل رأس قرعة وأجعلها كمناحة الوحيد وآخرها يومًا مُرًا.”
التشابهات بين عاموس 8: 9–10 ومرقس 15: 33 مدهشة. كلا النصين يتكلمان عن الظلمة في وسط النهار، وأثناء الأعياد (يسوع صُلب أثناء الاحتفال بالفصح). أديلا كولينز وجول ماركوس ربطا بين وصف مناحة الابن الوحيد (יָחִיד بالعبرية، ἀγαπητός باليونانية) في عاموس 8: 10 وفكرة يسوع كالابن الحبيب ἀγαπητός)) في إنجيل مرقس (مرقس 1: 11؛ 9: 7).[17] هذا التشابه يعني أن الظلمة رمز لمناحة الله على ابنه الحبيب أو الوحيد، وأنها تكشف التعاطف الإلهي، “الله ينتحب على موت ابنه.”[18] كذلك تدل الظلمة على أهمية موت يسوع القصوى “إن موت يسوع قد جعل الشمس في حالة رثاء.”[19]
أخيرًا، يساعدنا إنجيل مرقس نفسه على فهم مدلول الظلمة هنا. في الخطاب الرؤيوي في مرقس 13 ينطق يسوع بهذه النبوة: “وأما في تلك الأيام، بعد ذلك الضيق، فالشمس تُظلم، والقمر لا يُعطي ضوءه” (مرقس 13: 24). لاحظ فرانك ماتيرا ملاحظة في غاية الأهمية وهي أن هذه هي المرة الوحيدة، إلى جانب مرقس 15: 33، التي يذكر فيها البشير الظلمة في إنجيله.[20] يعتبر ماتيرا أن مرقس 13: 24 له نفس أهمية عاموس 8: 9 لفهم ظلمة الصليب في مرقس 15: 33.[21] في ضوء عاموس 8: 9 وكذلك مرقس 13: 24، يُصر ماتيرا على أنَّ الثلاث الساعات الظلمة في مرقس 15: 33 “تحتوي على ملاحظة خاصة بالدينونة وتعمل كعلامة إسخاتولوجية.”[22] يخلص دال آليسون لنفس النتيجة، لكنه يركز على عاموس 8: 9، ويستنتج أن مرقس 15: 33 هو تحقيق للنبوة عن يوم الرب.[23] يؤكد آليسون أن “بهذه القراءة فإن الصلب في الإنجيل الثاني بمعنى ما هو حدث خاص بالزمن الأخير أو أنه يُقارن بمثل هذا الحدث.”[24] يربط شفايتزر عاموس 8: 9 بمرقس 13: 24، وأيضًا يرى علاقة بين موت يسوع ويوم الرب: “ما حدث هو شبيه بما سوف يُصاحب يوم الدينونة، بحسب 13: 24. بالتالي موت يسوع يُقارن بهذا الحدث.”[25]
إنَّ القرينة الأدبية السابقة في مرقس 15 تقدم لنا ملاحظة أخرى عن الظلمة التي رافقت موت يسوع. يربط براون الظلمة بطلب الساخرين بيسوع لآية أو علامة. لقد طالبوه أن ينزل من على الصليب (15: 30، 32)، لكن العلامة التي حصلوا عليها كانت الظلمة: “بينما طلب أولئك المستهزئون بيسوع على الصيب آيةً. . . فإنَّ الله أعطاهم علامة هي جزء من دينونة العالم، أي أن هذا تحذيرًا أن العقاب قد بدأ حالًا.”[26]
مع ذلك، فإن الاعتبارات الحضارية تساهم في فهمنا للظلمة. في الأدب القديم، عادة ما كانت الظلمة ترتبط بموت الأشخاص العظماء. كثير من العلماء المتخصصين في إنجيل مرقس يؤكدون هذا.[27] سلط مايكل ويتنتون الضوء على أهمية هذا البعد الحضاري في فهم الظلمة في مرقس. على الأرجح فإن المستمعين والقراء لإنجيل مرقس يرون الظلمة في هذا الإطار الواسع الانتشار الخاص بالشهادة الإلهية بالآيات والعجائب التي تقترن بموت الأشخاص المهمين. الظلمة فوق الطبيعية ترتبط بموت أشخاص على جانب عظيم من الأهمية وهو أمر كان منتشرًا في العالم الروماني، مثل الإسكندر الكبير، روميلوس، يوليوس قيصر.[28]
إن أبرز شخصية ارتبط موته بالظلمة كان يوليوس قيصر. لاحظ دي. إي. نينهام تشابهًا مثيرًا بين الظلمة التي رافقت موت يوليوس قيصر والظلمة التي صاحبت موت يسوع، مشيرًا لما سجله الشاعر الروماني فيرجل عن كسوف للشمس قيل إنه حدث في الساعة السادسة من النهار (12 ظهرًا) وحتى المساء.[29] يمكن ملاحظة أيضًا كيف أن إنجيل مرقس يبدأ بالكلمة اليونانية εὐαγγελίον في مرقس 1: 1 وهي كلمة لها دلالات ملكية وإمبريالية.[30] لذلك يمكن القول “إن إنجيل مرقس يضع يسوع كابن الله في مقابل الادعاءات الإمبريالية،”[31] ليس فقط في مقدمته بل أيضًا في ذروته، التي تصف موت يسوع بطريقة مهيبة. موته، الذي رافقته ظاهرة كونية غير طبيعية، يليق بموتِ ملكٍ عظيمٍ.
كلٌّ من المدخل الكتابي والحضاري مهم لفهم الظلمة في مرقس 15: 33. إنَّ موت يسوع كان مهيبًا ومؤثرًا. هناك مجموعة من النصوص الكتابية تمثل خلفية صورة الظلمة في مشهد الصلب، كذلك يُشبه موته موتَ العظماء.
صرخ يسوع مرتين “بصوتٍ عظيم” (15: 34، 37). نسمع محتوى الصرخة الأولى، بلغة يسوع الأصلية، الآرامية، “إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟” (15: 34) والتي يترجمها مرقس إلى “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”، وهي اقتباسٌ من مزمور 22: 1.[32] لم يقدم لنا مرقس محتوى الصرخة الثانية؛ يروي فقط أنَّ يسوع “صرخ بصوتٍ عظيم وأسلم الروح” (مرقس 15: 37).
إنَّ كلمات يسوع الأخيرة مزعجة ومحيرة. هذه هي المرة الوحيدة في كل الأناجيل الأربعة التي فيها لا يخاطب يسوع الله في صلاته باللقب “أبي.”[33] وهي أيضًا المرة الوحيدة في الأناجيل التي فيها يصلي يسوع بكلماتٍ ليست كلماته الشخصية.[34] إن صعوبة كلمات يسوع هذه جعلت لوقا ويوحنا يحذفانها من رواية الصلب في إنجيليهما. السؤال الآن: هل يمكن أن نرى أية ملامح قوة في صلاة الترك الرهيبة هذه؟
من المهم ملاحظة طريقة سرد مرقس. يروي مرقس كيف أن يسوع هنا صلى بلغته الأصلية. في مرات سابقة سجل لنا مرقس عدة أقوال ليسوع بالآرامية (مثلًا، مرقس 5: 41؛ 7: 34؛ 14: 36). يرى ريتشارد هايس وفرانك ماتيرا أن اهتمام مرقس بوضع كلمات يسوع الآرامية يعزز تاريخية وواقعية الحدث.[35] يذهب رايموند براون وهولي كاري أبعد من ذلك، يعتقد كلٌّ منهما أنَّ مرقس يريد التأكيد على أمانة وإخلاص يسوع.[36] لاحظ براون أنَّ في صلاة يسوع في جثسيماني في 14: 36 وكذلك صلاته من فوق الصليب في 15: 34، “كانت بلغة يسوع الأصلية: آبا و إلوي؛ مما يعطي الانطباع أن كلمات يسوع قد خرجت من صميم قلبه، وأنها متميزة عن بقية كلماته المحفوظة بلغة أجنبية (اليونانية).”[37] كذلك تؤكد هولي كاري نفس الرأي “إن الاقتباس الآرامي في 15: 34 يُظهر ببساطة أنَّ يسوعَ يهوديٌّ تقيٌّ يموت وكلمات الكتب المقدسة على شفتيه بلغته الأصلية، وليس بلسان الأمم، تمامًا مثلما خاطب الله في بستان جثسيماني في ليلة القبض عليه (14: 36).”[38]
هناك علامة قوة أخرى في صرخة يسوع هنا وهي الطريقة التي صرخ بها يسوع. يقول مرقس صراحةً إنَّ يسوع صرخ “بصوتٍ عظيم،”φωνῇ μεγάλῃ/ μεγάλην ، وهي عبارة استخدمها مرقس مرتين فقط في إنجيل مرقس قبل أصحاح 15: في 1: 26 و 5: 7.[39] في الحالتين، الأرواح الشريرة (وليس البشر) يصرخون بصوتٍ عالٍ أثناء طرد يسوع لها. حيث أن الأرواح الشريرة ويسوع فقط هم الذين يصرخون بأصواتٍ عظيمة في مرقس، فإن جوندري يعتبر صرخة يسوع هنا بمثابة صرخة فوق بشرية superhuman voice تكشف قوته العظيمة في لحظات حياته الأخيرة. إنها صرخة تدل على شدة يسوع. تعليقًا على ظهور العبارة سابقًا، يقول جوندري “يرسم مرقس هنا كما في السابق الصوت الجهوري ليؤكد على قوة يسوع فوق البشرية حتى أثناء موته.”[40]
ليس عاديًا لشخصٍ مصلوب، في أقصى درجات الإعياء، أن يمتلك القوة ليُطلق صيحة عظيمة هكذا. كما لاحظ كريج إيفانس “لم يمت يسوع بأنينٍ أو بلهاثٍ، لكنه صرخ عاليًا بصوتٍ عظيم غير متوقع.”[41] لا يعني هذا أن يسوع متبلد الشعور أمام الألم والمعاناة، لكنه برهن على قوته على احتمال المعاناة حتى النهاية. يرى روبرت جوندري أنَّ هذه الصرخة كانت عظيمة للدرجة التي تمزق بسببها حجاب الهيكل.[42] علاوة على ذلك، حين جاءت لحظة موت يسوع، فإن مرقس يستخدم الفعل اليوناني ἐξέπνευσεν (“أطلق النفس الأخير”/”أسلم الروح”؛ 15: 37 و39). هذا ليس فعلًا عاديًا. في الأدب الروماني-اليوناني هذا الفعل يصف موت أشخاص عظماء. بالتالي، “إن استخدام هذا الفعل بدلًا من استخدام الفعل الشائع ἀπέθανεν أو ἐτελεύτησεν,، ويعني كلٌّ منهما “مات،” يضفي مزيدًا من الكرامة على موت يسوع.”[43]
لو إننا تحولنا لمحتوى الصلاة نفسها، سوف نكتشف أنها تؤكد على علاقة يسوع بالله. لم يخاطب يسوع الله باللقب “أبا،” كما في صلاة جثسيماني في مرقس 14: 36، لكنه يخاطبه باللقب “إلهي.” إن الحقيقة الأكيدة هنا أنَّ الصلاة في مثل هكذا ظروف، بغض النظر عن أي تفسير لمعناها، هي علامة إيمان وثقة. يرى كينجسبري أنَّ كلمات يسوع “إلهي، إلهي” تكشف كيف يسير يسوع نحو موته بثقة كاملة بالله. في الحقيقة، هذه الثقة استدعت وحفزت اعتراف قائد المئة في 15: 39، حين لاحظها.[44] وصف شفايتزر هذه الثقة بشكلٍ قوي قائلًا: “إن صرخة يسوع تلخص بطريقة غير عادية بُعدين لما يحدث هنا: إنها تعبير جذري عن الوحدة التي اختبرها يسوع. كان عليه أن يحتمل ليس فقط تجربة ترك البشر له، بل أيضًا ترك الله له. في نفس الوقت، هي تعبير جذري عن الإخلاص الشديد لله الذي يحتمل الخبرة السلبية–الإخلاص الذي يستمر في مخاطبة الله على أنه “إلهي” ولن يدعه يذهب رغم أنه يُختبرفقط على أنه “الغائب” الذي يتخلى عن ذاك الذي يترجاه.”[45]
إن السؤال التفسيري الأصعب هنا هو هل كان يسوع يقصد الآية الأولى فقط من مزمور 22؟ إذا كان ذلك كذلك، هل مات يسوع بيأس؟ أم هل كانت صرخة يسوع تستدعي مزمور 22 كله، الذي يتحرك من المعاناة واليأس في بدايته إلى النصرة والثقة في نهايته؟ كثير من المفسرين يرون أن يسوع كان يشير إلى الآية الأولى فقط. يرى هؤلاء المفسرون أن هذه الرؤية تمثل تقديرًا كاملًا لخبرة معاناة وألم يسوع. تايلور، على سبيل المثال، يؤكد قائلًا: “إن التفسير الذي يرى في الصرخة كلمة إيمان نهائية، في ضوء مزمور 22 ككل. . . يفشل في أخذ القول على محمل الجد.”[46] تتفق هوكر على نفس الرأي قائلة: “إن العلماء الذين يصرون على أن يسوع أو مرقس كان في ذهنه بقية مزمور 22 يفشلون في فهم صورة مرقس عن يسوع المهجور والمتروك تمامًا.”[47]
كثيرٌ من علماء مرقس يؤكدون على أن يسوع يستحضر كل مزمور 22 في صرخته.[48] تقتبس كيلي أوبراين أمثلةً لنصوص يهودية حيث يُستخدم الآية الأولى فقط من مزمور 22 (“إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟”، مثل صلاة أسنات، وصلاة أستير، حيث يتوقع المصلون إنقاذ الله.[49] تقول أوبراين “يبدو أن عبارة “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” كانت تعني لقراء مرقس اليهود في القرن الأول طلب رحمة الله وفعله الشفوق. إن صرخة يسوع كانت شكوى حية والتماسًا.”[50]
في مرقس 15، يشير البشير لعدة آيات من مزمور 22 إلى جانب العدد الأول، مما يعني أن مرقس يدفعنا لنسمع صرخة يسوع في ضوء مزمور 22 ككل.[51] يتميز مرقس عامة بأنه حين يقتبس من العهد القديم فإنه يستحضر القرينة الأوسع للنصوص التي يقتبسها.[52]
تقدم لنا هولي كاري دراسة تفصيلية لحالات في ممارسات العبادة في مجتمعات القرن الأول اليهودية والمسيحية، التي فيها يشير العدد الأول المقتبس لبقية النص، مما يعني أن هذه الطريقة كانت شائعة.[53] الملاحظة الأهم، تأتي من ريبيكا إيكلوند التي لاحظتْ أنَّ صرختيْ مرقس يوازيان صرختْيْن في مزمور 22. في مرقس 15: 34 إشارة واضحة للصرخة الأولى في مزمور 22: 1، بينما الصرخة الثانية في مرقس 15: 37 تستدعي صرخة الثقة في مزمور 22: 24 “لأنه [الرب] لم يحتقر ولم يُرذل مسكنة المسكين، ولم يحجب وجهه عنه، بل عند صراخه إليه استمع.”[54]
بالتالي، فإنَّ صرخة يسوع وهو فوق الصليب، مثلها مثل صلاته في جثسيماني في مرقس 14: 32–42، تحركت من الحزن والخوف إلى الثقة. أعتقد أن يسوع وهو على الصليب كان يواجه الموت كشخص قوي متألم يصارع لكي يحتفظ بثقته بالله كاملةً في وسط ألمه ومعاناته الرهيبة.
يُعتبر انشقاق حجاب الهيكل هو الحدث الثاني الخارق للطبيعة في مرقس 15: 33–39. الحدث الأول، الظلمة الكونية، جاء قبل موت يسوع، بينما الثاني، انشقاق حجاب الهيكل، جاء بعد موته. أعتقد أنَّ هذا الحدث يُظهر قوة يسوع المصلوب بثلاث طرق.
أولًا، يؤكد انشقاقُ الحجاب صدقَ نبوةِ يسوع ضد الهيكل. تنبأ يسوع بخراب الهيكل (13: 2). أدانه السنهدريم لادعائه أنَّه سوف يُدمر الهيكل (14: 57). سخر منه أعداؤه وهو على الصليب بالقول، “آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام” (15: 29). الآن، عند موت يسوع، تبدأ نبوته في التحقق.[55] لذا، فتمزيق حجاب الهيكل يؤكد مصداقية يسوع. إنه يبرهن على قوة كلماته، وتعاليمه، ونبواته.
ثانيًا، يكشف انشقاق حجاب الهيكل عن عظمة يسوع. تعطي شرين دود أمثلة كثيرة للعلاقة بين موت الملوك وأماكن العبادة. على سبيل المثال، يُقال إن تمثال جوبيتر قد ضُرب ببرق قبل موت الإمبراطور دومتيان.[56] في رأيي، يتشابه موت يسوع مع موت بطلٍ من أبطال العهد القديم؛ شمشون. بالطبع، هناك اختلافات وفروق شاسعة بين شخص شمشون وشخص الرب يسوع. لكني أجد عدة تشابهات بين رواية شمشون في سفر القضاة 13–16 ومرقس 15. كلٌّ من شمشون ويسوع تم تسليمهما إلى أيدي أعدائهما الأمم بواسطة شعبهما، رجال يهوذا (قضاة 15: 9–13؛ مرقس 15: 1–15). في قضاة 15: 12–13، بحسب الترجمة السبعينية LXX نجد الأفعال اليونانيةδῆσαί (“يوثق”) وπαραδώσομέν (“يسلم”) هي نفسها التي تظهر في مرقس 15: 1 حين “أوثق”ήσαντες) ) قادة يهوذا يسوعَ و”أسلموه” παρέδωκαν) ) إلى بيلاطس. كذلك أثناء اللحظات الأخيرة، عانى شمشون ويسوع من إذلال وسخرية الأعداء لهما (قضاة 16: 19–25 مع مرقس 15: 16–32)؛ كلٌّ من شمشون ويسوع صلى في آخر لحظات الحياة (قضاة 16: 28 ومرقس 15: 34)؛ كانت هناك علامة دمار لهيكلٍ رافقت موتهما (قضاة 16: 29–30 ومرقس 15: 38)؛ كذلك كلٌّ منهما قد دُفن بيد شعبه (قضاة 16: 31؛ مرقس 15: 42–47). في هذا المثل الكتابي، كما في المثل الذي من الأدب الروماني، يبدو واضحًا أن موت الأشخاص العظماء كان يصاحبه دمارُ هيكلٍ.
ثالثًا، إن انشقاق حجاب الهيكل يعني أن الهيكل ونظامه الطقسي قد انتهيا. عند موت يسوع، تغيرت العلاقة بين الله والإنسان. يرى دايل آليسون أنَّ العبارة “انشق حجاب الهيكل، من فوق إلى أسفل” (15: 38) تكشف أن العمل هنا هو عملُ دمار، يرمز إلى نهاية الهيكل.[57] يصف مرقس هذا الدمار وصفًا عنيفًا. الفعل ἐσχίσθη (“انشق”) والعبارة كلها (“انشق إلى اثنين، من فوق إلى أسفل”) توحي بعملٍ عنيفٍ. يصفه براون بهذه الطريقة: “إن الحجاب قد تمزق “من فوق إلى أسفل” و”إلى اثنين” وبذلك لن يكون قابلًا للإصلاح.”[58] يعتبر براون عمل التمزيق العنيف هذا عملًا يعبر عن غضبٍ وحزن: “بهذا التمزيق العنيف فإن الله يجاوب بقوة. . .ليعبر عن غضبه على رؤساء الكهنة والسنهدريم الذي حكموا بموت ابن الله هكذا.”[59] أكد تيموثي جراي نفس الفكرة من خلال ربطه دمار الهيكل بمثل الكرامين في مرقس 12: 1–12، حيث يعاقب صاحب الكرم الكرامين الذين قتلوا ابنه (12: 9).[60] الله يرثي ابنه. يقدم لنا براون وماركوس توازيًا مدهشًا بين عمل رئيس الكهنة في مرقس 14: 61–63 حين مزق (“διαρρήξας”) رئيس الكهنة ثيابه كعلامة غضب وحزن.[61] “الله نفسه الآن يدحض اتهام رئيس الكهنة بتمزيق ثوبه عند موت الشخص الذي سيمدحه قائد المئة على أنه ابن الله.”[62]
مزّق اللهُ حجاب الهيكل عند موت يسوع، وبالتالي علاقته بالعالم قد تغيرت بشكل جذري. هناك علاقة جديدة بين الله والناس قد بدأت. كثير من العلماء يرون أن الفكرة هنا هي أن الله قد غادر الهيكل الذي صار مدنسًا نتيجةَ تمزيق حجابه.[63] عند موت يسوع، تحرك الله للخارج “لقد تمزق الحجاب تمامًا، إن مجد الله المخفي بدأ يشع خارجًا، في العالم.”[64]
إن الفعل اليوناني σχίζω (“شق” أو “مزق”) لم يظهر إلا مرتين في إنجيل مرقس: في 1: 10 و15: 38. في بدايتها ونهايتها، تُعتبر قصة يسوع قصة تمزق. كلٌّ من السماوات، عند معموديته، وحجاب الهيكل، عند موته، قد تمزقت وانشقت. يعني هذا أن الله ترك السماوات والهيكل. يرى بورينج أن “الحضور الإلهي لم يعد محدودًا، سواء في مكان أرضي مقدس، أو في السماوات.”[65] يؤكد براين بلانت هذه الفكرة: “إن إنجيل مرقس هو إنجيلٌ عن تجاوز الحدود. . .في خدمة يسوع، الله الذي كان مخفيًا خلف حجاب السماوات في بداية الإنجيل وكان بعيدًا وراء حجاب الهيكل في نهاية الإنجيل، قد تواصل بحرية وانفتاح مع شخصيات القصة ومع القارئ الذي كُتبت له القصة.”[66]
بإيجاز، إن انشقاق حجاب الهيكل يكشف قوة كلمات يسوع، ويوضح أن الطريقة التي مات بها طريقة موت العظماء، وأنَّ بموته قد تغيرت العلاقة بين الله والناس بشكلٍ حاسم.
في اللحظة التي مات فيها يسوع، تكلم قائد مئة روماني قائلًا: “حقًا، كان هذا الإنسان ابن الله” (مرقس 15: 39). يرى كثيرون أنَّ قائد المئة هنا يسخر من يسوع. المشهد بأكمله في مرقس 15 هو مشهد سخرية من يسوع المصلوب. ليس بالعبارة υἱὸς θεοῦ (“ابن الله”) أداة تعريف؛ في حين كل المرات السابقة التي يأتي فيها اللقب “ابن الله” في مرقس يرتبط بأداة التعريف (مثلًا، 1: 11؛ 9: 7). بحسب هذا الرأي، كلمات قائد المئة ليست اعتراف إيمان، ولغويًا الفعل ἦν (“كان”) في زمن الماضي المتصل/الناقص Imperfect لا يتناسب مع اعتراف إيمان أصيل، حيث تتميز اعترافات الإيمان بالفعل المضارع (مثلًا، 3: 11). العلماء الذين يتمسكون بهذا الرأي يرون أنه من الغريب أن شخصًا مثل قائد المئة الأممي هذا يعترف بإيمانه فجأة مستخدمًا لقبًا كريستولوجيًا ساميًا ومهمًا مثل “ابن الله.”[67]
شيد مايرز، على سبيل المثال، يعتقد أن قائد المئة لم ينطق باعتراف إيمان أصيل، ونسبة الإيمان له هي بمثابة منحه تقديرًا أكثر مما يستحق وهو “أمر يكشف بوضوح تحيزًا إمبرياليًا.”[68] علاوة على ذلك، يرى مايرز أنَّ وصف قائد المئة ب “الواقف مُقابله” (مرقس 15: 39) تشير للعداوة، لا للإيمان، حيث تأتي الصفة اليونانية ἐναντίας (“مقابل”) في إنجيل مرقس لتصف المعارضة، مثلما في 6: 48. كذلك تؤكد الرواية أن قائد المئة ظل على ولائه لبيلاطس، الأمر الذي يتضح في استدعاء بيلاطس له (15: 44–45). بالإضافة لذلك، فإن كلمات قائد المئة تبدأ بالظرف Ἀληθῶς, (“حقًا”) الذي جاء سابقًا في مرقس على لسان المقاومين ليسوع (12: 14؛ 14: 70). إلى جانب الاعتراف السماوي أن يسوع هو ابن الله في 1: 11 و9: 7 (كذلك 1: 1)، فإن اللقب “ابن الله” لم يُستخدم طوال الرواية إلا من الشياطين أو الأعداء السياسيين (3: 11؛ 5: 7؛ 14: 61).[69]
لكن هناك وجهة نظر ثانية: إن كلمات قائد المئة هنا تُعبر عن اعترافٍ مُخْلِصٍ بيسوع على أنه ابن الله. إذا كان مرقس يريد أن يضع قائد المئة إلى جانب الذين يسخرون من يسوع المصلوب، لماذا فصله عن مشهد سخرية الجنود الرومان في 15: 16–20؟ يبدو أن مرقس يريد أن يعطي لقائد المئة دورًا مختلفًا في الرواية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مشهد السخرية يركز على ادعاء يسوع أنه المسيا أو أنه الملك. في الواقع، إن اللقب الذي يسود المشهد بالكامل في مرقس 15 هو لقب “المسيا” أو “ملك اليهود/إسرائيل.” لو إنَّ قائد المئة يقف في صف الساخرين، فإن القراء/المستمعين لإنجيل مرقس سيتوقعون منه أن يستخدم هذين اللقبين، وليس لقب “ابن الله.” في وجهة نظري، إن التحول من الألقاب الملكية (المسيا، والملك) التي يطلقها الساخرون إلى لقب “ابن الله” في حالة قائد المئة، يعني أن دور قائد المئة في الرواية يختلف عن بقية أشخاص الرواية. كذلك من الطبيعي أن يستخدم قائد المئة الفعل الماضي “كان،” لأنه شَاهَدَ موت يسوع، لا سخريةً منه.
لاحظ براين جامل، في كتابٍ كرّسه بالكامل لشرح مرقس 15: 39، أنَّ مرقس يقدم تلميحات صريحة حين يكون المشهد ساخرًا. في 15: 20 يقول مرقس صراحة إنَّ الجنود كانوا قد “استهزأوا” (ἐνέπαιξαν) بيسوع، وأن المجتازين كانوا “يجدفون” ἐβλασφήμουν)) عليه في 15: 29، وأن القادة اليهود كانوا “مستهزئون” ἐμπαίζοντες) ) به في 15: 31.[70] يؤكد جامل أن “كلام قائد المئة ليس به أية علامات، صريحة أو ضمنية، تضعه إلى جانب عدم الإخلاص أو الازدراء.”[71] على عكس رأي مايرز، يؤكد جامل أن الظرف Ἀληθῶς (“حقًا”) في مرات وروده الأخرى في مرقس يوحي بواقع أو حقيقة (12: 32؛ 14: 70) وحين يأتي على فم أعداء يسوع، كما في 12: 14، فإن مرقس يحدد القصد منه (“لكي يصطادوه”؛ 12: 13) أو أنّه يوضح كشف يسوع لهم “علم رياءهم” (12: 15).[72]
ماذا عن غياب أداة التعريف في عبارة “υἱὸς θεοῦ ἦν, (“كان ابن الله”)؟ يتبع كثيرون من العلماء ما يُعرف بقاعدة كولويل Colwell’s Rule وهذه القاعدة ببساطة تحكم بأنه حين يأتي الخبر في حالة الرفع (في هذه الحالة “ابن الله”) قبل فعل الربط (في هذه الحالة “كان”)، فإنه يأتي بدون أداة تعريف.[73] علاوة على ذلك، فقد لاحظ كورنيليس بينيما أنَّ العبارة (ὁ ἄνθρωπος υἱὸς θεοῦ ἦν) كلها بها اسمان في حالة الرفع ἄνθρωπος (“إنسان”) و υἱὸς (“ابن”) (υἱὸς θεοῦ عبارة تكميلية)؛ بالتالي فإنه من الطبيعي أن يكون الاسم الثاني بدون أداة تعريف. “حين يكون هناك اسمان في حالة الرفع مرتبطان بفعل الكينونة، فإن الاسم التكميلي عادة تسقط منه أداة التعريف ليتميز عن الاسم (هنا ὁ ἄνθρωπος). هكذا، فإن الترجمة الصحيحة سوف تكون “هذا الإنسان ابن الله.”[74]
أرى أن الأدلة أن كلمات قائد المئة هي اعتراف إيمان أصيل، أدلة مقنعة. بالتالي، فالخطوة التالية هي تحديد العلاقة بين هذا الاعتراف وموت يسوع. هل هذا الاعتراف يوضح قوة موت يسوع؟ في مرقس 15: 39 واضح أن الكيفية التي مات بها يسوع أيقظت وشجعت هذا الاعتراف. يقول مرقس إن قائد المئة اعترف أن يسوع هو ابن الله، لأنه رأى “كيف” οὕτως (“هكذا” أو “بهذه الطريقة”) أسلم الروح.”[75] السؤال الآن، كيف حثت طريقة موت يسوع قائد المئة ليصدر هذا الاعتراف؟
هناك عدة أسباب. أولًا، إن الصرخة فوق البشرية التي أطلقها يسوع كانت أحد أسباب هذا الاعتراف. يرى توماس بوميرشاين أن موت يسوع استحث اعتراف قائد المئة لأنه لاحظ شجاعة وقوة يسوع المنعكسة في صرخته الهائلة وكذلك في رفضه شرب الخمر المعروض عليه. إن قراء ومستمعي إنجيل مرقس سوف يتذكرون العشاء الأخير ووعد يسوع أنه لن يشرب من الخمر بل سيشربه جديدًا في ملكوت الله (14: 25). حضاريًا، إن رفض الشرب والأكل يرتبط بالشجاعة والقوة التي يمتلكها المحاربون أثناء المعارك (مثلًا، 2 صم 11: 6–13 وكذلك قصص الشهداء المكابيين في الكتابات اليهودية غير القانونية).[76]
ثانيًا، واضح أن قائد المئة اعترف أن يسوع ابن الله لأنه رأى كيف مات. أولًا، لاحظنا، الظلمة التي صاحبت موت يسوع وكيف كشفت أنه شخص عظيم، شخص ملكي. يرى هانس ليندر ويتنتون أن هذا المشهد يُشبه جُزئيًا مشاهد موت الحكام الرومان كما تصورها الأدبيات الرومانية. مثلًا، رافق موت روميلوس ظلمة فوق طبيعية وكانت هذه الظلمة تجهز لتحوله الوشيك من كونه ملكًا إلى إلهٍ.[77]
هناك سبب ثالث مهم. كثير من العلماء اعتبروا أنه بموت يسوع، فإن نبوة يسوع عن مجيء ابن الإنسان الملكي قد تحققت. بروان يربط بين غضب الله على رؤساء الكهنة والسنهدريم والتي عبر عنها انشقاق حجاب الهيكل مع قول يسوع في 14: 62: “فسأله رئيس الكهنة وقال له: أأنت هو المسيح ابن المبارك؟ فقال له يسوع، “أنا هو، وسوف تُبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب السماء.” يصف بروان هذا المشهد على أنه مجيء ابن الإنسان للدينونة الأمر الذي بدأ عند الصليب.[78] آليسون يربط مرقس 13 برواية الألم في مرقس 14–15،[79] وهو يرى أن موت يسوع يقدم لنا فهمًا للإسخاتولوجي بحسب مرقس. إن الظلمة في 15: 33 وشق حجاب الهيكل في 15: 38 يحققان نبوة الظلمة والتي هي المحنة الأخيرة في الخطاب الرؤيوي في 13: 24 وكذلك نبوة دمار الهيكل الأمر الذي يسبق النهاية بحسب 13: 2.[80] يؤكد مايرز هذا بربطه مرقس 9: 1 بموت يسوع، مقترحًا أننا هنا أمام مجيء ابن الإنسان.[81] يرى مايرز كذلك أن الظلمة وشق حجاب الهيكل هما علامتان للنهاية توضحان أن “نظام العالم قد سقط وأن القوى قد انهارت.”[82] يشدد أيضًا على لغة “الرؤية” التي تسود كلًا من مرقس 9: 1 ومرقس 15: “نتذكر الآن المرات الثلاث التي فيها تنبأ يسوع أن مستمعيه سوف “يبصرون” مجيء ابن الإنسان: مرة لتلاميذه (9: 1)، ومرة يشير إلى السلطات نفسها (13: 26)، ومرة يخاطب السنهدريم (14: 62). الآن ندرك أن رواية إعدام يسوع تحقق بالفعل كلمته: عند الصليب “البعض” من التلاميذ (تمثلهم النساء اللاتي “كن ينظرن” في 15: 40)، وكل القوى السياسية (بما في ذلك أعضاء السنهدريم) كانوا كلهم حاضرين. الكل “رأى” مجيء ابن الإنسان على الصليب.”[83]
بالإضافة لذلك، أرى أن مرقس 8: 27–9: 1 يوازي مرقس 15: 33–39، بشكل خاص. إن لقبي يسوع الأساسيين في 1: 1 (المسيح، وابن الله) يعلنهما إنسانٌ فقط في هذيْن المشهدين؛ الأول “المسيح” بواسطة بطرس في 8: 29، والثاني “ابن الله” بواسطة قائد المئة في 15: 39. يظهر إيليا في المشهدين في 8: 28 و15: 35. بعد مرقس 8: 34، لا تأتي كلمة “صليب” في مرقس إلا في أصحاح 15. بالتالي، مرقس 8: 34 يتوقع مرقس 15. كلا النصان به لغة “الوقوف.” تظهر هذه اللغة في مرقس 15: 33–39 في عدد 35 (τινες τῶν παρεστηκότων) ) والأهم في عدد 39 (ὁ κεντυρίων ὁ παρεστηκὼς). في مرقس 8: 27–9: 1، تظهر هذه اللغة في 9: 1 (ἑστηκότων).). في كل الحالات، الفعل اليوناني ἳστημι/παρίστημι (“يقف”) يأتي في صيغة اسم الفاعل التام. يشدد النص على جماعتين مختلفتين في النصين: أولئك الذين يستحون بيسوع ويسخرون منه (8: 38؛ 15: 35–36، 16–32)، وأولئك الذي يحترمونه (8: 34 وما يلي؛ 15: 39–41). بسبب كل هذا، أرى أن الصلب في مرقس هو بمثابة تحقيق نبوة مجيء ابن الله بمجد (9: 1؛ 15: 39)، ولحظة الصلب هي لمحة عن ملكوت الله، وتمثل مجد ابن الإنسان (10: 38–40).
خاتمة
يقدم لنا مرقس في نهاية إنجيله يسوع المصلوب وهو في قوةٍ وكرامة. كما بدأ الإنجيل بوصف يسوع بأنه “الأقوى” (مرقس 1: 7)، الذي أعلن اقتحام ملكوت الله للعالم (مرقس 1: 14–15) والذي ظهرت في معجزاته وحياته قوة الله المخلصة، ينتهي الإنجيل بوصف موت يسوع على أنه موتٌ مهيبٌ يليقُ بشخص عظيمٍ. من خلال أربع دلالات، تظهر عظمة وكرامة يسوع في مرقس 15: 33–39: الظلمة، وصرخة الترك، وشق حجاب الهيكل، واعتراف قائد المئة. بالتالي، نستطيع بكل ثقة أن نضم صوتنا مع كاتب الرسالة إلى العبرانيين، حين قال عن الرب يسوع، “نراه مكللًا بالمجد والكرامة، من أجل ألم الموت” (عب 2: 9)، ونظلَّ مرنمين:
في الصليب في الصليب راحتي بل فخري
في حياتي وكذا بعد دفنِ القبرِ
(أسعد الشدودي، 1826–1906 م).
[1] Martin Hengel, Crucifixion in the Ancient World and the Folly of the Message of the Cross (trans. John Bowden; Philadelphia: Fortress, 1977), 1–20.
[2] حبيب زيات، الصليب في الإسلام: درسٌ أدبي مذهبي تاريخي مقتبس من الأصول الإسلامية (حريصا: مطبعة القديس بولس، 1935).
[3] المرجع السابق، 80.
[4] المرجع السابق، 77–79.
[5] مقتبسة في:
Vincent Taylor, The Gospel According to St. Mark: The Greek Text with Introduction, Notes, and Indexes (London: Macmillan, 1953), 593.
[6] بطرس السدمنتي، التصحيح في الآم السيد المسيح (القاهرة:––––––––، 1926)، 150.
[7]Joel Marcus, Mark 8–16: A New Translation with Introduction and Commentary (The Anchor Yale Bible; New Haven: Yale University Press, 2009), 1054.
[8] M. Eugene Boring, Mark: A Commentary (The New Testament Library; Louisville: Westminster John Knox, 2006), 430.
[9] Theodore J. Weeden, Mark–Traditions in Conflict (Philadelphia: Fortress, 1971), 146.
[10] Robert H. Gundry, Mark: A Commentary on His Apology for the Cross (Grand Rapids: Eerdmans, 1993), 965.
[11] السدمنتي، المرجع السابق.
[12] Sharyn Dowd, Reading Mark: A Literary and Theological Commentary on the Second Gospel (Macon: Smyth & Helwys, 2000), 161.
[13] Iain Provan, V. Philips Long, and Tremper Longman III. A Biblical History of Israel (Louisville: Westminster John Knox, 2003), 128–29.
[14] R. T. France, The Gospel of Mark: A Commentary on the Greek Text (The New International Greek Testament Commentary; Grand Rapids: Eerdmans, 2002, 651
[15] Gundry, Mark, 964.
[16] على سبيل المثال،
Taylor, Mark, 593; William L. Lane, The Gospel according to Mark (The New International Commentary on the New Testament; Grand Rapids: Eerdmans, 1974),571; Eduard Schweizer, The Good News according to Mark (trans. Donald H. Madvig; Atlanta: John Knox, 1976), 352–53;Adela Yarbro Collins, Mark: A Commentary (Hermeneia–A Critical and Historical Commentary on the Bible; Augsburg: Fortress, 2007), 751–52.
[17] Collins, Mark, 752; Marcus, Mark, 2:1062.
[18] Michael R. Whitenton, Hearing Kyriotic Sonship: A Cognitive and Rhetorical Approach to the Characterization of Mark’s Jesus (Leiden: Brill, 2017), 277.
[19] Dale C. Allison, The End of the Ages Has Come: An Early Interpretation of the Passion and Resurrection of Jesus (Philadelphia: Fortress, 1985), 29.
[20] Frank J. Matera, The Kingship of Jesus: Composition and Theology in Mark 15 (Chico: Scholars Press, 1982), 132.
[21] Ibid.
[22] Ibid., 133.
[23] Allison, The End of the Ages, 29–30.
[24] Ibid., 29.
[25] Schweizer, Mark, 353.
[26] Brown, The Death, 2:1035.
[27] Taylor, Mark, 593; Lane, Mark, 571; Boring, Mark, 430; Evans, Mark, 506.
[28] Whitenton, Hearing, 276–78.
[29] D. E. Nineham, The Gospel of St. Mark (Pelican New Testament Commentaries; London: Black, 1968), 427.
[30]Boring, Mark, 30; Marcus, Mark, 1:146.
[31] Boring, Mark, 30.
[32] كلٌّ من مرقس 15: 34 ومتى 27: 46 العبارة الآرامية بشكل مختلف عن الآخر. هناك قراءة آرامية ثالثة تأتي في مخطوطة بيزا Codex Bezae. لمناقشة الاختلافات بين هذه القراءات الثلاث، يمكن الرجوع ل
Brown, The Death, 2:1051–53 . يناقش براون أيضًا القراءات اليونانية لمزمور 22: 1 في السبعينية، ومرقس، ومتى، ومخطوط بيزا، وفي إنجيل مرقس (Brown, The Death, 2:1054–56).
[33] France, Mark, 652.
[34] Ibid.
[35] Matera, Kingship, 134; Richard B. Hays, Echoes of the Scriptures in the Gospels (Waco: Baylor University Press, 2016), 83.
[36] Brown, The Death, 2:1046–47; Holly J. Carey, Jesus’ Cry From the Cross: Towards a First-Century Understanding of the Intertextual Relationship between Psalm 22 and the Narrative of Mark’s Gospel (Library of New Testament Studies 398; London: T & T Clark, 2009), 154.
[37] Brown, The Death, 2:1046–47.
[38] Carey, Jesus’ Cry, 154.
[39] Gundry, Mark, 947–48.
[40] Ibid, 947.
[41] Evans, Mark, 507.
[42] Gundry, Mark, 948.
[43] Ibid, 949.
[44] Jack Dean Kingsbury, The Christology of Mark’s Gospel (Philadelphia: Fortress, 1983),130–31.
[45] Schweizer, Mark, 353.
[46] Taylor, Mark, 594.
[47] Morna D. Hooker, The Gospel According to St Mark (Black’s New Testament Commentaries: London: A & C Black, 1991), 375.
[48] For example, Evans, Mark, 507; Nineham, Mark, 428; Matera, The Kingship, 134; Douglas J. Moo, The Old Testament in the Gospel Passion Narratives (Sheffield: The Almond, 1983), 275.
[49] Kelli S. O’Brien, The Use of Scripture in the Markan Passion Narrative (Library of New Testament Studies 384; London: T & T Clark, 2010), 153.
[50] Ibid.
[51] تأكيدًا على أن مزمور 22 كله في ذهن مرقس، يقدم فرانك ماتيرا قائمة لاستخدام مرقس 15 لمزمور 22: اقتسام الثياب (مر 15: 24 ومز 22: 18)، لصان يحيطان بيسوع (مرقس 15: 27 ومز 22: 12، 13، 16)، هز الرؤوس بسخرية (مر 15: 29 ومز 22: 7)، لا يقدر أن يخلص نفسه (مر 15: 31 ومز 22: 8)، التعيير (مر 15: 32 ومز 22: 6)، الصرخة العظيمة (مرقس 15: 34 ومز 22: 1)، الخلاص الكوني (مرقس 15: 39 ومز 22: 27–31).
(Frank J. Matera, Passion Narratives and Gospel Theologies: Interpreting the Synoptics Through Their Passion Stories (New York: Paulist Press, 1986), 40).
[52] Joel Marcus, The Way of the Lord: Christological Exegesis of the Old Testament in the Gospel of Mark (Louisville: Westminster John Knox, 1992), 180.
[53] Carey, Jesus’ Cry, 106–25.
[54] Rebekah Eklund, Jesus Wept: The Significance of Jesus’ Laments in the New Testament (Library of New Testament Studies 515; London: Bloomsbury T & T Clark, 2015), 40.
[55] كثير من العلماء يرون هذه العلاقة بين انشقاق الحجاب وصدق يسوع، مثل:
Brown, The Death, 2:1100; France, Mark, 657; Ohajuobodo I. Oko, “Who Then Is This”: A Narrative Study of the Role of the Question of the Identity of Jesus in the Plot of Mark’ Gospel (Berlin: Philo, 2004), 394.
[56] Dowd, Reading Mark, 162.
[57] Allison, The End of the Ages, 31.
[58] Brown, The Death, 2:1102.
[59] Ibid, 1100.
[60] Gray, The Temple, 187.
[61] Brown, The Death, 2:1101; Marcus, Mark, 2:1066.
[62] Marcus, Mark, 2:1066.
[63] Brown, The Death, 2:1101; Boring, Mark, 432
[64] Marcus, Mark, 2:1067.
[65] Boring, Mark, 432.
[66] Brian K. Blount, “Is the Joke on Us? Mark’s Irony, Mark’s God, and Mark’s Ending,” pages 15–32 in The End of Mark and the Ends of God: Essays in Memory of Donald Harrisville Juel (ed. Beverly R. Gaventa and Patrick D. Miller; Louisville: Westminster John Knox, 2005), 25.
[67] لقراءة الاعتراضات على كون هذه الكلمات اعتراف إيمان، يمكن الرجوع ل:
Brown, The Death, 2:1146–52; Whiitenton, Hearing, 290–91.
[68] Myers, Binding, 393
[69] Ibid, 393–94.
[70] Brian K. Gamel, Mark 15:39 As A Markan Theology of Revelation: The Centurion’s Confession as Apocalyptic Unveiling (Library of New Testament Studies 574; London: Bloomsbury T & T Clark, 2017), 28
[71] Ibid, 36.
[72] Ibid, 36–38.
[73] تبع هذه القاعدة كثيرون مثل،
Brown, The Death, 2:1147; Gamel, Mark 15:39, 11; Marcus, Mark, 2:1058.
[74] Cornelis Bennema, “Gentile Characters and Motif of Proclamation in the Gospel of Mark,” pages 215–31 in Character Studies and the Gospel of Mark (Library of New Testament Studies 483; ed. Christopher W. Skinner and Matthew Ryan Hauge; London: Bloomsbury T & T Clark, 2014), 228
[75] في ترجمة سميث/فاندايك/البستاني، نقرأ “ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح.” اسم الفاعل κράξας (“صرخ”) موجود في مخطوطاتٍ متأخرة، لكنه يغيب عن كثيرٍ من المخطوطات الأقدم والأدق. بروس ميتزجر يرى أنه وُضع في المخطوطات المتأخرة تحت تأثر النساخ بمتى 27: 50.
(Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament (New York: United Bible Societies, 1971), 121.)
[76] Thomas E. Boomershine, The Messiah of Peace: A Performance-Criticism Commentary on Mark’s Passion-Resurrection Narrative (Oregon: Cascade, 2015), 312.
[77] Hans Leander, Discourses of Empire: The Gospel of Mark from a Postcolonial Prespective (Atlanta: SBL, 2013), 288–91; Whitenton , Hearing, 276–77.
[78] Brown, The Death, 1100–1101.
[79] Allison, The End of the Ages, 36–39
[80] Ibid, 37
[81] Myers, Binding, 391.
[82] Ibid, 392
[83] Ibid, 391–2.
أسم الكاتب : القس جان إميل
يُعدُّ كتاب (صليب المسيح) لكاتبه الدكتور القس جون ستوت من أكثر المراجع العالميّة المعاصرة تميزًا والتي تختص بجوهر إيماننا المسيحيّ، وقد نُشر بالإنجليزية عام 1986 من خلال دار(Inter-Varsity Press) للنشر. وظهر بلغتنا العربية، إذ نشرته دار الثقافة عام 1995 وترجمه نجيب جرجور، ليصير المرجع الأهم في مكتبتنا العربية في هذا الشأن. يقع الكتاب في أكثر من 400 صفحة.
يتكون هذا الكتاب من تمهيد وأربعة أجزاء رئيسية تحوي داخلها 13 فصلًا وخاتمة. ليس هذا فقط بل يتميز هذا الكتاب بدليلٍ دراسيٍ في نهايته ليُعين الكنيسة على استخدامه من خلال المجموعات الصغيرة في 14 جلسة.
يدعونا الدكتور ستوت في تمهيده لهذا الكتاب أن نقترب إلى الصليب اقتراب المتورطين في القضية، لأنَّ “خطايانا وضعت المسيح هناك”، فلذلك ينبغي “أن نقف أمامه برأسٍ منكسٍ وروحٍ منكسرةٍ”، ولهذا أدعو القارئ العزيز لقراءة هذا الكتاب القيم، فهذا الكتاب لا يصحُّ أن يظل حبيسًا لمكتباتنا الخشبيّة، ولا أن يُدرس دون أن يُفجِّر فينا روح التواضع والخشوع. وأقدِّم الآن للقارئ عرضًا سريعًا لما جاء فيه:
الجزء الأول: اقتراب من الصليب
يرى ستوت أنَّ الصليب احتل مركز تفكير الكنيسة الأولى، إذ إنها مع بداية القرن الثاني لم تتخذ المذود، المنشفة، أو حتّى الحجر المدحرج رمزًا لها رغم دلالة كل هذه الرموز عن حقائق مجيدة خاصة بالمسيح، بل رأت في الصليب وموت المسيح فقط رمزًا ومركزًا لها، رغم سخرية الثقافات المعادية لها من يهود ووثنيين من حدث الصليب.
يُرجع الكاتب هذه المكانة الخاصة للصليب عند الكنيسة الأولى لمركزية الصليب لدى المسيح نفسه الذي تحدث منذ بداية خدمته عن “ساعته” التي كانت لم تأتِ بعد ولكنه أكد أنَّها ستأتي. وبالرغم من إصرار المسيح مرات عديدة على الاحتفاظ بكون مسيانيته سرًا، إلَّا أنَّه أعلن عن ضرورة تألمه وموته علانية وأنَّه لابد أن يُسلَّم ويتألم ويموت ثم يقوم في اليوم الثالث.
تعددت الأسباب ولكن الموت واحد، هذه هي الحقيقة التي يُظهِرُها جون ستوت إذ يعتبر أنَّ المسيح مات شهيدًا جرّاء محاكمة غير عادلة تجمَّع فيها جبن بيلاطس وخوفه على زوال منصبه مع كراهية قادة اليهود وغيرتهم من المسيح بالإضافة إلى طمع وجشع يهوذا الإسخريوطي. هذه الخطايا كانت فيهم وهي بالتأكيد موجودة فينا أيضًا، وبذلك نكون نحن وخطايانا السبب في موت المسيح.
لكنَّ الكاتب يُحذِّر أيضًا من الاكتفاء بهذه الأسباب، فالمسيح لم يكن مجرد شهيدٍ بل كان فاديًا، فمحبته لنا هي التي جعلته يذهب طوعًا إلى الصليب. فعند الصليب نجد خطايانا، وعند الصليب نجد محبته أيضًا.
يتناول ستوت ساعات اليوم الأخير في حياة الرب يسوع قبل الصليب ويقف أمام ثلاثة مواقف هي: العشاء الأخير، الكرب في جثسيماني، وصرخة الكرب على الصليب. ومن خلال هذا التناول العميق والمُعزِّي (الذي سيختبره القارئ بنفسه عند قراءة هذا الفصل) يَخلُص بأنَّ الصليب كان فعلًا خالصًا من المحبة؛ محبة اتجهت للبشر داعيةً إياهم أن يشتركوا في أكل جسده وشرب دمه أي أنْ يأخذوا بركات موته لهم شخصيًا، ومحبة كانت طائعة للآب أنْ تشرب كأس الغضب الإلهي والترك الموحش جرّاء حمل خطايا العالم كله على نفسه.
الجزء الثاني: قلب الصليب
يؤكد الكاتب أنَّ الغفران هو أبسط الأمور لمَن ينظر إلى الأمور بسطحيّة وهو أكثر الأمور غموضًا لمَن ينظر بعمق. فلا نستطيع أنْ نفهم فاعلية صليب المسيح في غفران الخطايا دون أنْ نحصل على الإدراك العميق للحقائق الأربعة التي يقدمها هذا الفصل بشرحٍ مستفيض وهي: جسامة الخطية، مسؤولية الإنسان الأخلاقية، شعور الإنسان الحقيقي بالذنب حيال الخطية، قداسة الله وغضبه.
استعرض ستوت حقيقة التكفير والإرضاء في كلمة الله، وكيف فهمت الكنيسة عبر العصور هذا المفهوم، لكنه استبعد مفهوم الآباء عن إرضاء الشيطان لأنَّ ليس ثمة حقوق للشيطان عند الله أو صفقة بين الله والشيطان.
وبالرغم من موافقته لحقيقة أنَّ الصليب كان إرضاءً للناموس، عدالة الله، كرامة الله، أو نظامه الأخلاقي، لكنَّه حذَّر من أنْ نعتبر هذه جميعها أشياءً منفصلةً عن الله ونظن أنَّ الله بات مضطرًا بأن يُرضي صفاته. بل لأنَّ الله متسقًا في صفاته ولأنَّه لا يقدر أنْ يُنكر نفسه، نرى في محبته غاية القداسة وفي قداسته غاية المحبة، وهذا ما كان في الصليب.
يطرح الكاتب نماذج عديدة (كالذبائح والفصح وتيس عزازيل وعبد الرب المتألم في إشعياء 53) ليؤكد من خلالها مشروعية الاعتقاد في الكفارة البدليّة.
ينفي ستوت من خلال هذا الفصل كل الأفكار المشوهة عن الكفارة؛ فالمسيح لم يكن ضحية إبدال الله الآب لنا به لحسابنا، والمسيح لم يكن شفيعًا لحسابنا أمام إله ممتنع رافضًا للمصالحة. كما أنَّه لا يصح القول بأنَّ الله الآب مات منكرين فهمنا الثالوثيّ لله غير مميزين الأقانيم، وفي نفس الوقت لا نستطيع أن ننكر أنَّ الله في المسيح مات عنّا. بل نخلص إلى أن الله الأزلي نفسه بذل نفسه في ابنه ليصير إنسانًا وليحمل على عاتقه كإنسان هذه الآلام البشرية التي انتهت بالموت، الموت بدلًا منّا.
الجزء الثالث: إنجاز الصليب
يُقدِّم الكاتب 4 صور توضح أبعاد خلاص المسيح للبشر، وهي:
أعلن الله الآب، وكذلك الابن عن مجده في الصليب من خلال إعلان صفاته. لم يكن صليب المسيح فقط لتبرير الخطاة لكنَّه كان ليعلن عن بر (عدالة) الله، إذ إنَّ الله لم يقتص من الخطايا عبر التاريخ فور حدوثها لكنَّه تهمل، ولم يكن تمهله تصالحًا مع الخطية لأنه استوفى عدالته في الصليب. كذلك أعلن الله عن محبته في حمل دينونة البشر عليه التي لم يكن العالم ليعرفها بدون الصليب، كما أنَّه أعلن عن حكمته التي جمعت العدالة والمحبة معًا، وقوته في تخليص الذين يؤمنون. تجلى مجد الله في الصليب بإظهار كل صفاته مجتمعة.
يختتم ستوت إنجاز الصليب بالانتصار على قوى الشر، إذ يقتبس من مايكل جرين ست مراحل للنصرة على الشر:
فالصليب إذًا هو قمة وذروة النصرة، إذ فيه انتصر المسيح للإنسان على أعدائه (الخطية، العالم، الجسد، إبليس).
الجزء الرابع: العيش تحت الصليب
يرى ستوت الكنيسة بأنَّها جماعة تكونت بفعل الصليب، فهي جماعة المفديين وبؤرتها الصليب. ويدعوها كجماعة إفخارستية إذ اجتمعت لتحتفل بعمل فاديها هنا وهكذا طوال الأبدية حيث تلتف لتُكرِم الخروف المذبوح. مؤكدًا أنَّ ذبيحة الشكر التي نقدمها لا تقوم بأي عمل كفاريّ لأجلنا بل هي فقط تمتعنا بمنافع وامتيازات ذبيحة المسيح على الصليب وتغذينا عليه.
إنَّ الصليب خلق توجهًا آخر للحياة بدلًا من توكيد الذات والرغبة المحمومة للتسلط والكبرياء، فصبغة المسيح على الصليب هي التي تحدت أبني الرعد الذي يرغبون في الجلوس عن اليمين واليسار، لينطلقوا في خدمة أمينة يقدمون ذواتهم في خدمة السيد.
يعرض الكاتب أربعة مواقف واجبة تجاه الشر هي: أن نبغضه، ألَّا نقابله بالمثل، أن نغلبه، وأن يُعاقب. ويرى أنَّ الله قد عهد للكنيسة بغلبة الشر من خلال الكرازة بالإنجيل، في حين أنَّه عهد للدولة بمعاقبة الشر، وكلاهما يظهر محبة الله وعدله اللذين ظهرا في الصليب.
يُنهي جون ستوت مرجعه القيّم بالمجد الذي يعدنا به الصليب رغم الألم، وكيف ينشأ صليب المسيح فينا الاحتمال الصابر والقداسة الناضجة والخدمة المتألمة. هذا، وأنَّه في ضوء الصليب يتفعل الإيمان والرجاء والمحبة في حياة المؤمنين.
أخيرًا: ما يُميِّز هذا الكتاب؟
في النهاية، أقول إنَّني اجتزت في خبرة قيّمة جدًا بسبب محاولة عرض هذا الكتاب، ولا أعرف كيف كنتُ أعظ عن الصليب وأتأمل فيه بدون هذا التأصيل الرصين. لذا أُشجع كل الخُدَّام أن يدرسوا هذا المرجع القيم، بل وأشجع كل المؤمنين، لأنَّ هذا الكتاب يولِّد في الأعماق مشاعر الامتنان والعرفان للرب، ويُنشئ في العقل قاعدة فكريّة متينة تجعلنا نفتخر بإلهنا الحيّ.
أسم الكاتب : القس محسن منير
أعتقد عزيزي القارئ -أنه ربما- أعثرتك الدهشة من العنوان “كهنوت جميع المؤمنين” مقارنة بواقع معاش في كنائسنا، ويتصاعد إلى ذهنك العديد من علامات الاستفهام والتعجب؛ إذا كان جميع المؤمنين كهنة، فمن يخدم من؟ وهل هذا النوع من المساواة يعني عدم ضرورة وجود سلطان كنسي؟ وإذا كان موجودًا فمن أين يستمده الذين يمارسونه؟ وهل هذا يعني عدم وجود ضرورة لمن يتفرغ للخدمة الدينية؟ وكيف إذن تتم الخدمة في الكنائس؟ ومن الذي يقوم بكل الأدوار المطلوبة لإتمام رسالة الإنجيل؟ وكيف تسير الأمور في الكنائس لوجود قادة للخدمة الكنسية؟ وهل المساواة “كلنا ملوك وكهنة” تغلق الباب أمام الفروق الفردية والاجتهاد الشخصي؟
كل ما سبق وغيرها أسئلة طبيعية ومنطقية ومشروعة. وسأجتهد عزيزي القارئ في محاولة تناول هذا المفهوم بصورة شاملة يمكن أن تجيب على تلك الأسئلة بصورة تغطي -بقدر الإمكان- كل الأبعاد المرتبطة بهذا الشأن، وذلك من خلال الاجتهاد في الإجابة على سؤالين:
(١) ما المقصود بمفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” وفق كلمة الله؟
(٢) متى لا تكون المساواة، والتميز نقيضين؟
أولاً: ما المقصود بمفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” وفق كلمة الله؟
كلمة “كاهن” وإن كان لا يُعرف مصدرها على وجه اليقين، إلا أن البعض يرى أنها مشتقة من كلمة “كُن” بمعنى “يقف” في إشارة إلى وقوف الكاهن أمام الله خادمًا له أو ممثلاً أمام الشعب، فهكذا توصف خدمة الكاهن في العهد القديم (عد ١٦: ٩؛ تث ١٨: ٥؛ تث ١٠: ٨؛ تث ١٧: ١٢). وآخرون يرون أن كلمة “كاهن” باللغة اللاتينية تعني “باني القنطرة” فالكاهن يعمل كقنطرة عبور.. إذ يعبر الشعب إلى الله من خلال تقديمه لذبائحهم الحيوانية والمحرقات والقرابين، وتعبر استجابات الله وإرادته للشعب من خلال الكاهن. ولقد كانت فكرة الكهنوت ووظيفة الكاهن موجودة في ديانات كثيرة قديمة وحديثة (قدماء المصريين، الإغريق، البوذيون.. إلخ). ولم تكن هناك رتبة كهنوتية خاصة في بني إسرائيل قبل موسى، فقد كان رب الأسرة هو كاهنها (يقدم بنفسه تقدماته عن نفسه وعن أهل بيته) فهكذا قدم هابيل، نوح، إبراهيم، أيوب، يعقوب. لكن الشريعة الموسوية نظمت الكهنوت وحصرته في هارون ونسله من بعده ووضعت لذلك طقوسًا معينة.
تتكرر كلمة “كَهَنَ” ومشتقاتها نحو ٧٧٥ مرة في العهد القديم، كما تتكرر كلمة “لاوي” وهو السبط الذي كان الكهنة منه ٢٨٠ مرة، ويوجد أكثر من ثلثي هذا العدد من الإشارات إلى الكهنة في أسفار موسى الخمسة، منها ١٨٥ مرة في سفر اللاويين وحده. وتتردد الكلمة ومشتقاتها في سفري أخبار الأيام أكثر مما في سفري الملوك، ولا يتفوق على سفر أخبار الأيام الثاني في ذكر الكلمة ومشتقاتها إلا سفر اللاويين. وترد الكلمة ومشتقاتها في العهد الجديد نحو ١٦٥ مرة، منها نحو ٣٠ مرة “كاهن”. و١٢٥ مرة “رئيس كهنة”. مما يدل على أهمية رئيس الكهنة في الأناجيل، إذا يكاد يقتصر ذكر “الكهنة” و”رئيس الكهنة” في العهد الجديد على الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل، والرسالة إلى العبرانيين.
لقد كان الكهنوت العبري يشكل أحد المعالم البارزة في الديانة اليهودية في العهد القديم ويبدو هذا واضحًا ليس فقط من الإشارات الكثيرة إليه، ولكن أيضًا من محتوى العبادة في العهد القديم وضرورة وجود الكهنة بصفتهم ممثلين عن الشعب، وأهمية خدماتهم وعلاقتهم بكل جوانب حياة الشعب. فلقد كانت النظرة العبرانية للعالم وللحياة في العالم تسيطر عليها الغيبية. مما خلق ضرورة شديدة لتوفر علاقات صحيحة مع الله ومقبولة منه، الأمر الذي جعل لوجود الكهنة وخدمتهم أولوية قصوى. فكان الإسرائيلي يرتبط بالله بعهد قومي فريد، وكان هذا العهد يستلزم وجود الكهنوت لضرورة وحيوية خدمته الشفاعية، كممثلين للشعب أمام الله، فعمل الكهنة وسطاء بين الله والشعب لحفظ علاقة العهد.
هل استمر الأمر على ذلك النسق في العهد الجديد بعد إتمام المسيح عمله الكفاري؟ وسأصحبك، عزيزي القارئ، في جولة في نصوص العهد الجديد الحاكمة لهذا الأمر من خلال ما تناوله المصلحين الأوائل من فهم وتحليل لهذه النصوص.
إن “كهنوت جميع المؤمنين” هو أحد المبادئ الرئيسية للإصلاح الإنجيلي. وما نادى به “مارتن لوثر” مرارًا، أن كهنوت جميع المؤمنين يعني أننا جميعًا كهنة.. فالكهنوت هو هوية جماعية. وبالرغم من أن لوثر لم يستخدم تعبير “كهنوت جميع المؤمنين” بنصه هكذا إلا أنه استند في قناعته بهذه العقيدة على فهمه للكتاب المقدس. كذلك أيضًا شجع المصلح “چون كالڤن” على استخدام لقب “كاهن” لكل مسيحي مؤمن وبشكل دائم، حيث قال “يجب أن تصبح كلمة “كاهن” شائعة الاستخدام، كما كلمة مسيحي (مؤمن)”.. لقد كان هذا المفهوم حقًا وصدقًا هو الإعلان الأكيد في عصر الإصلاح لتحرير الشعب حينذاك من العبودية الرهيبة التي سادت على حياة وفكر الملوك والعامة على السواء حينذاك. فلقد كانت هناك فوارق شاسعة انتشرت بين رجال الدين وبقية الشعب.
فوظيفة الكاهن ترتبط أولاً بالكفارة، وثانيًا بالشفاعة، والكتاب المقدس في العهد الجديد يعلن أن المسيح توسط بين الله والناس (يو ١٤: ٦؛ ١تي ٢: ٥؛ عب ٨: ٦؛ عب ١٢: ٢٤) وأنه قدم نفسه ذبيحة كفارية (أف ٥: ٢؛ عب ٩: ٢٦؛ عب ١٠: ١٢؛ ١يو ٢: ٢) وأنه شفع في الشعب ولايزال يشفع فيهم (رو ٨: ٣٤؛ عب ٧: ٢٥؛ ١يو ٢: ١). ولا شك أن المسيح قد أجرى هذه الأعمال الكهنوتية حقيقة لا مجازًا؛ لأنه كان المرموز إليه برموز العهد القديم. والرمز إشارة إلى ما هو حقيقي ولا يكون الرمز إشارة إلى رمز آخر (عب ٩: ١٠- ١٢؛ عب ١٠: ١؛ كو ٢: ١٧). ولقد تمم المسيح هذه الوظيفة العظيمة جزئيًا على الأرض (عب ٥: ٧- ٩؛ عب ٩: ٢٦- ٢٨؛ رو ٥: ١٩) وكليًا في السماء حيث قدم ذبيحة في قدس الأقداس السماوية وهو حي إلى الأبد يشفع فينا (عب ٧: ٢٤، ٢٥؛ عب ٩: ١٢، ٢٤)، وبذلك نتيقن أن المسيح قد تمم فعلاً وظيفة الكاهن.
ولقد كان الكلام في الكتاب المقدس عن كهنوت المسيح مؤسسًا على الإصطلحات والفرائض المختصة بالذبائح والخدمة الكهنوتية في النظام الموسوي، غير أنه ورد فيه أن المسيح كاهن وذبيحة معًا، أي أنه قدم الذبيحة باعتباره كاهنًا وأن الذبيحة التي قدمها كانت نفسه، ولكونه ذبيحة بلا عيب كان كافيًا ومقبولاً وكاملاً لأنه حمل الله المذبوح لأجل خطية العالم وكان باعتبار كهنوته، كاهنًا تمت فيه جميع شروط تلك الوظيفة وما تستلزمه بل ارتفع شأن كهنوته على الكهنوت اللاوي فكان كاهنًا على رتبة ملكي صادق (تك ١٤: ١٨؛ مز ١١٠: ٤؛ عب ٧: ١- ٣).
ومن ذلك يتضح أن المسيح هو كاهننا الوحيد لأنه ليس لأحد من البشر غير الرب يسوع المسيح في تجسده حق القدوم إلى الله لأنهم خطاة ويحتاجون إلى من يقترب إلى الله عنهم ولأنه لا تقدر ذبيحة غير ذبيحته أن تنزع الخطية حيث أن الله يرحم الخطاة بواسطته وحده فقط ولأن كل البركات التي ينالها شعب الرب من خلال رضى وقبول الرب لهم إنما ينالها –فقط– بواسطة المسيح.
ومن المعروف والثابت أنه عند ظهور المرموز إليه ينتهي دور الرمز. ولاسيما إذا تم الرمز أكمل تمام في المرموز إليه. ومن المعلوم أن الكهنوت الرمزي (وفق الشريعة الموسوية) تم في كهنوت المسيح إتمامًا كاملاً أبديًا وبذلك انتهى في المسيح الكهنوت البشري الذي كان قبلاً رمزًا إليه (عب ١٠: ١، ٩، ١٨). ولقد أكمل المسيح مطاليب الوظيفة الكهنوتية حتى لم يبقَ أدنى احتياج إلى الكهنوت البشري (عب ١٠: ١٤؛ كو ٢: ١٠). ولقد علمنا الكتاب المقدس، ودعانا بكل الوضوح أن نأتي إلى المسيح بصورة مباشرة حيث إنه كاهننا العظيم الوحيد (مت ١١: ٢٨؛ يو ٥: ٤٠؛ يو ٧: ٣٧؛ رؤ ٣: ٢٠؛ رؤ ٢٢: ١٧؛ كل الرسالة إلى العبرانيين).
وبما أن المسيحي المؤمن يتحد بالمسيح اتحادًا روحيًا فهو يشترك في بركات موته وفي أمجاد نصرته على الموت بالقيامة، وله حقوق خاصة بنعمة الله مبنية على ذلك الاتحاد وتلك الشركة ومنها حق القدوم رأسًا إلى الله بالمسيح، وحق الدخول إلى الأقداس بدم يسوع (عب ١٠: ١٩- ٢٢)، وإذا نقدم على هذا الأساس بقلب صادق وبنفس مقدسة فله أن يقدم ذبائح روحية -لا كفارية- كالتسبيح والشكر والتضرع باسم يسوع المسيح وأن يشفع في غيره من الأحياء (عب ١٣: ١٥؛ ١تي ٢: ١، ٢؛ ١بط ٢: ٥، ٩).
يوصف كهنوت المؤمنين الحقيقيين بأنه كهنوت مقدس، ليس فقط بسبب ما يقومون به من أعمال مقدسة، بل -وقبل كل شيء- بسبب دعوة الله إياهم للشركة معه؛ لأن هذه الدعوة هي التي بدلت وضعهم من خطاة إلى قديسين في المسيح يسوع (رو ١: ٧) وذلك -كما هو معلوم- بفضل تقديم المسيح نفسه كفارة عن خطايا البشر مرة واحدة على الصليب (عب ١٠: ١٠). فضلاً عن ذلك فإن القداسة العملية والتي يجب توافرها فيهم تنشأ أولاً وأخيرًا بواسطة إنقيادهم بالروح القدس الساكن فيهم. أما محاولة إصلاح الطبيعة البشرية بطرق بشرية مختلفة ومتنوعة فهو غير مُجد على الإطلاق.
يوصف كهنوت المؤمنين الحقيقين أيضًا بأنه كهنوت ملوكي، وذلك لاقترابهم بالمسيح الذي هو الملك والكاهن معًا (رؤ ١٩: ١٦؛ عب ١٠: ٢١) ومن هنا فإن جعل الله إياهم ملوكًا وكهنة لا يراد أبدًا به [كما يرى البعض] أن الله جعل فريقًا من المؤمنين كهنة بالمعنى الحرفي، وجعل الباقين ملوكًا بنفس هذا المعنى الحرفي. حيث أن المقصود بجعلهم ملوكًا وكهنة، هو جعلهم “مملكة كهنة” أي مملكة كل أفرادها كهنة، وذلك وفق معنى الكلمات في أصلها اليوناني.
وبالطبع لا يعنى هذا- بأي حال من الأحوال أنه ليس هناك أدوارًا قيادية في الكنيسة، أو أن السلطة الكنسية يمكن المساومة عليها. بل بالأحرى هذا يعني أن كل مؤمن في جماعة الرب (الكنيسة) هو خادم للإنجيل، البعض مفرز لخدمة متفرغة مقرها الكنيسة كقادة أو معلمين أو مرشدين. أما الباقون فهم مفرزون للخدمة -بدون تفرغ- فمقرها هو مكان العمل والعيش في العالم خارج الكنيسة ليحملوا رسالة الإنجيل إلى الأماكن التي يتواجدون فيها مع الناس. أما بالنسبة للتمييز بين مرتبة الكاهن الذي يخدم الرعية، ومرتبة باقي المؤمنين الذين يشتركون معًا في الكهنوت العام فهو إن خدام الكنيسة (القسوس)، يحملون كهنوت الخدمة ليس بمعنى أن لهم سلطة روحية أعلى من باقي المؤمنين، الذين لديهم أدوار ووظائف أخرى. بل كونهم متفرغين ليكون هذا هو الدور الأول والأساسي في حياتهم.
وأرى أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى كتب التاريخ الكنسي في تعرضها لهذا الموضوع، حيث نجد إقرارًا بأن كل المؤمنين الحقيقين بالرب يسوع كانوا يعتبرون كهنة لله. فعلى سبيل المثال نجد ما جاء في الدسقولية في ص. ١٤٤ ما يلي “ولا نأمر كل الكهنة أن يعمدوا بل يعمد الأسقف والقس، ويخدم معهما الشماس” وواضح أن أشخاص يتم الطلب منهم عدم القيام بالمعمودية وحدهم وفي نفس الوقت يدعوهم كهنة، هم ولا شك، المؤمنون الحقيقيون العاديون.
وأيضًا ما ذكره كاتب كتاب “الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة” في الجزء الأول ص ١٤٨ من كتابه “إن الكاهن لم يكن يراد به [في أول الأمر] واحدًا من الإكليروس فقط بل كان يراد به أيضًا الواعظ وخادم الكلمة والقارئ والمرتل والبواب”.
وبصفة عامة -في مثل هذه الموضوعات- إذا كنا نعتقد أن الكنيسة هي مجرد (مؤسسة) فعندئذ سيكون من الطبيعي الاكتفاء بفكر لاهوتي جامد، غير أنه إذا كنا ندرك تمامًا أن الكنيسة هي كائن حي، يحركه الرب يسوع، رأس هذا الكائن الحي باستمرار للإنخراط في هذا العالم المتغير لتوصيل رسالة الإنجيل، حينئذ -بالتأكيد- نحتاج إلى فكر لاهوتي كنسي حي ومتجدد وقادر على الاستجابة لما يريده الله منا في هذا العالم.
ثانيًا: متى لا تكون المساواة، والتميز نقيضين:
أعتقد أننا قد توصلنا لفهم واضح لمفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” بصورة شاملة، مما يقودنا إلى إدراك حقيقة المساواة الكاملة أمام الله في حق الاقتراب إليه والتشفع به لكل من قَبِل عمل المسيح الكفاري على الصليب وأُتخذ المسيح مخلصنا شخصيًا لحياته وسيدًا وملكًا عليها، لكن هل يلغي هذا حقيقة التميز بين مؤمن وآخر-ليست تميزًا نابعًا من رتبة كهنوتية- لكن في حياته وعطائه وثماره في الخدمة؟ وما الذي يصنع التميز وفي نفس الوقت لا يلغي المساواة بمعناها كما تشرحه الكلمة المقدسة وفق ما سبق شرحه؟ ونحو الاجتهاد في محاولة إجابة السؤال المطروح “متى لا تكون المساواة، التميز نقيضين؟” سأطرح -عزيزي القارئ- بعض الأفكار والمفاهيم التي تمنح من يعيشها التميز المطلوب والمستهدف والذي لا يخدش المساواة أو يصطدم معها، بل على العكس تخلق رغبة صادقة في قلب وفكر كل مخلص في أن ينمو في حياته وخدمته.
(١) بما أن ربنا يسوع المسيح يمارس خدمته الكهنوتية الآن في الأقداس السماوية (عب ٨: ٢) وبما أنه رئيسنا في خدماتنا الكهنوتية الروحية [كما في كل شيء آخر] لذلك تكون الدائرة التي نقوم منها بهذه الخدمات هي هذه الأقداس عينها. لذا علينا أن نتمم ما يقوله كاتب الرسالة إلى العبرانيين لنا (عب ١٠: ١٩- ٢٤) “فإذا لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس [السماوية] بدم يسوع… لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي. لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًا لأن الذي وعد هو أمين. ولنلاحظ بعضنا بعضًا للتحريض على المحبة والأعمال الحسنة” وأيضًا ما يقوله لنا في عبرانيين ٤: ١٦ “لنتقدم بثقة إلى عرش النعمة، لكي ننال رحمة ونجد نعمة عونًا في حينه”.
(٢) الحرص والاهتمام بالإقامة -بالإيمان- الدائمة في الأقداس السماوية، السابق الإشارة إليها. أي الوجود المتجدد في محضر الله باتضاع والقراءة والتأمل العميق في كلمته المقدسة بروح الطاعة، هذا يمنحنا فرحًا لا ينطق به ومجيد، كما ينمي علاقتنا الروحية مع إلهنا ومن ثم ننمو في النعمة وإدراك وإتمام مشيئته في كل مناحي حياتنا، واكتشاف متجدد لغنى الكلمة المقدسة وكنوزها التي يعلنها لنا بروحه القدوس الأمر الذي ينمي فينا روح الطاعة والقوة والغلبة. والنصرة على كل المصاعب والمعوقات.
(٣) نجد أيضًا في تلك الأقداس السماوية [كما سبق شرح معناها أعلاه] حياة الرجاء إذا هاجمنا اليأس، التعزية إذا صادفنا ما يسبب الحزن، وفي هذه الأقداس أيضًا ندرك مقدار محبة الله للخطاة ورغبته الصادقة في خلاصهم فتستنير أذهاننا لإدراك هذه المسؤولية وتشتعل عواطفنا فينا محبة لهم وتتشدد إرادتنا للذهاب إليهم وتوصيل الخبر السار إلى أسماعهم والصلاة لأجل عمل الله بروحه فيهم للتجاوب الصحيح مع بشارة الخبر السار.
(٤) (١كو ١٢: ٤- ٧، ١١). لكي تقوم الكنيسة بدورها الذي أوجدها الله في العالم لأجله، وهب أعضاءها تنوعًا في الوزنات والمواهب، ليست تلك المواهب أو المهارات أو القدرات الطبيعية كتلك التي يمكن أن يملكها المؤمنون وغير المؤمنين على حد سواء، لكن هي المواهب التي يمنحها الروح القدس لجميع المؤمنين بطريقة مطلقة السيادة (ع. ٧، ١١) ليمكنهم من أن يبنوا بعضهم بعض روحيًا وهكذا يمجدون الرب. وتتبلور مجموعة المواهب هذه في نوعين أساسييين هما مواهب الكلام، ومواهب الخدمة (راجع ع. ٤- ١٠ مع رو ١٢؛ ١بط ٤: ١٠، ١١). المواهب الكلامية مثل النبوة، العلم، الحكمة، التعليم، التشجيع. ومواهب الخدمة -غير الكلامية- مثل القيادة، العطاء، الرحمة، التمييز، الإيمان، وأي أن كان نوع الموهبة فالغرض منها دائمًا هو بنيان الكنيسة وتمجيد الله. والروح القدس يعطي كل مؤمن موهبة أو مزيج من المواهب فقط وفق مشيئته (ع. ١١). ويقينًا استقبال وتفاعل شعب الكنيسة مع هذه العطية يختلف من شخص لآخر، وكما ندرك أنه – أمام هذه المواهب على كل مؤمن أن: أ) يجتهد أمام الله ليكتشف موهبته أو مواهبه الممنوحة له ثم، ب) يجتهد في استخدامها أفضل استخدام لمجد الرب وليس لتمجيد ذاته ثم، ج) السعي الدؤوب لتنمية وتطوير هذه الموهبة. وواضح أنه مع الاتفاق على المساواة في الرتبة والمكانة لكل مؤمن، إلا أنه سيكون -كنتيجة طبيعية- هناك تميز لمن يجتهد مخلصًا في إتمام الثلاثية السابقة باستمرار.
(٥) عامل آخر من العوامل الهامة للتميز هو الاجتهاد والمثابرة والجدية، فالرخاوة لا تمسك صيدًا ولا تحقق هدفًا. في أمثال ١٣: ٤ “نفس الكسلان تشتهي، ولا شيء بها، نفس المجتهدين تسمن” وواضح المعنى أنه لا مجال للحديث عن نتائج إيجابية فعلية إلا بالاجتهاد والابتعاد عن الكسل. وفي أمثال ١٥: ١٩ “طريق الكسلان كسياج من شوك” أي أن الكسل يحول دون أن يتمكن صاحبه من إزالة المعوقات من الطريق ويؤكد نفس المعنى (أم ٢٢: ١٣) حيث يبرر تكاسله عن الخروج لإنجاز مهامه بوجود الأسد في الخارج وهو يخشى أن يُقتل في الشارع. ولابد أن يتردد صدى كلمات سيد الكرم الذي ترك وزنات مع عبيده (مت ٢٥: ٢٦) للمتاجرة بها في مواجهة موقف العبد صاحب الوزنة الواحدة في وصفه له الشرير والكسلان. والوصية الواضحة في ٢بطرس ١: ٥- ٨. “ولهذا عينه -وأنتم باذلون كل اجتهاد– قدموا في إيمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعففًا وفي التعفف صبرًا وفي الصبر تقوى وفي التقوى مودة أخوية وفي المودة الأخوية محبة. لأن هذه إذا كانت فيكم وكثُرت، تصيركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح. وأختم هذا الجزء بما جاء في ١تيموثاوس ٥: ١٧ “أما الشيوخ المديرون حسنًا فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولاسيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم” والكلمة “يتعبون” هنا تعني “الذين يشتغلون حتى حد التعب أو الإعياء” وتركز الكلمة في اليونانية على الجهد المبذول وراء العمل أكثر مما تُركز على كمية العمل.
(٦) عامل آخر شديد الأهمية في صناعة وتحقيق التميز بما لا يناقض المساواة. نجده بوضوح في مناشدة الرسول بولس لتلميذه تيطس (تي ١: ٩) “ملازمًا للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم لكي يكون قادرًا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين” في شرحه للسمات الواجب توافرها في الشيوخ الذين يقيمهم. سمة هامة ولازمة وضرورية ومحورية هي الالتصاق بالكلمة المقدسة في صدقها، بمعنى وجوب عدم الاكتفاء بتعليم العقيدة الصحيحة الموافقة للكتاب المقدس بل يجب أيضًا التمسك بها دائمًا باقتناع تام. والمعنى بصفة عامة هو ضرورة الالتصاق الدائم بالكلمة المقدسة كموجه دائم لحياة وخدمة كل عضو خادم في شعب الرب. وفي نفس السياق نجد كلمات الرسول بطرس في ٢بطرس ١: ١٩ “وعندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها، كما إلى سراج منير في موضع مظلم” وهنا ينبه الرسول بطرس المؤمنين إلى أن عليهم أن يعطوا الكلمة المقدسة انتباهًا واعيًا. ويدرك كل من اختبر هذا الأمر كيف يمكن للالتصاق بالكلمة المقدسة في دراسة واعية وطاعة كاملة أن يصنع فرقًا كبيرًا في حياة أي خادم.
(٧) معروف ومؤكد وثابت حياتيًا ومعلن بوضوح في الكلمة المقدسة أن تضخم ومركزية الذات في حياة أي خادم وما تقود إليه من تداعيات أخرى من كبرياء وتعال ورفض أي تصحيح في حياته ودائمًا يرى في نفسه أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. مما يمكن أن يحطم أي وكل شيء إيجابي كان في حياته، لذا رأيت أن أختم حديثي في العوامل التي يمكن أن تمنح التميز بما لا يناقض المساواة في الكهنوت هو فضيلة التواضع. أدعوك عزيزي القارئ لتراجع معي حديث الرسول بولس لقسوس كنيسة أفسس في أعمال ٢٠: ١٧- ٣٥ وأتوقف أمام ما جاء في عدد ١٩ “أخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة وبتجارب أصابتني بمكايد اليهود”. ولأنه اختبر قيمة هذه الصفة نجده في رسالته إلى كنيسة أفسس (أف ٤: ٢) يوصي شعب الكنيسة أن يسلكوا “بكل تواضع، ووداعة، وبطول أناة محتملين بعضكم بعضًا في المحبة”. و”التواضع” لفظة غير موجودة في القاموس اللاتيني أو اليوناني في زمان بولس الرسول، والظاهر أن الكلمة اليونانية قد ابتكرها المسيحيون للتعبير عن صفة لم تتوافر أية كلمة أخرى حينذاك للتعبير عنها. فالتواضع، الفضيلة المسيحية الأكثر أساسية (يع ٤: ٦) “يقاوم الله المستكبرين. وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة” وهي الصفة الأخلاقية البارزة في التطويبة الأولى (مت ٥: ٣)، وهي السبب الذي يبرزه الرب يسوع في دعوته للتلاميذ للتعلم منه (مت ١١: ٢٩) “احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم”.
إن عقيدة “كهنوت جميع المؤمنين” كما تعلنها كلمة الله تؤكد المساواة أمام الله في اقترابنا منه كأبناء مولودين ثانية والمساواة في مسؤوليتنا أمامه لنعيش جميعًا كمؤمنين دورنا الكهنوتي سواء كمتفرغين للخدمة بتنويعاتها المختلفة أو غير متفرغين للخدمة لكن نعيشها حيث نوجد في أعمالنا وحياتنا اليومية. وبذلك لا يكون التميز من خلال رتبة كهنوتية بل من خلال نوع الحياة المطيعة للرب والمحققة لمشيئته الصالحة في حياتنا وخدمتنا جميعًا كشعب الرب وكنيسته سواء كنا متفرغين أم غير متفرغين.
المراجع المستخدمة:
(١) متى، بخيت. إيماننا الإنجيلي. القاهرة: مجلس شؤون القسوس بسنودس النيل الإنجيلي، ٢٠٠٥. ص. ٧٣.
(٢) لوكير، هربرت، كل تعاليم الكتاب المقدس. ترجمة إدوارد وديع عبد المسيح. القاهرة: دار الثقافة، ٢٠٠٩. ص. ٤٣٣.
(٣) مسعود، سهيل. العقائد الإنجيلية من أفواه المصلحين. القاهرة: دار الثقافة، ٢٠١٩. ص. ٨٧- ٩٠.
(٤) علم اللاهوت النظامي. القاهرة: دار الثقافة، 2000. ص. ٨١١- ٨١٤، ٨١٧.
(٥) دائرة المعارف الكتابية: جزء (٦). القاهرة: دار الثقافة، 19٩٧. ص. ٤٠٢- ٤٠٤.
المراجع الإليكترونية:
(1) https://www.kalimataLhayaT.com/dortrine/98-priesThood-of-believers.hTml.
(2) abTslebanon.org.20/8/07/26 إيلي حداد
أسم الكاتب : القس مارك منير سُليمان
لا يُمكن لنا تجاهُل دور التنمية في حياة المُجتمع، سواء لرُقيِّهِ الاجتماعي أو الثقافي أو المجالات المُختلفة في حياة البشرية عامة والمُجتمع بصورة خاصة. التنمية مسؤولية لا تقتصر فقط على الجهات الحكومية، لكن كُل فرد له مسؤوليته تجاه المنظومة البشرية التي ينتمي لها، والكنيسة كإحدى المؤسسات لها دورها التنموي لمُجتمعها المُحيط بها، وعليها ألا تُراعي استغلال هذه المسؤولية لأهداف أخرى سوى تنمية المُجتمع، هذا ليس إنكارًا لدورها في الكرازة، بل بالعكس تمامًا هذه هي الكرازة بأعمق معانيها والتي تُقدَّم مِن خلال التنمية، فتُعبِّر عن رؤيتها ورسالتها في أوضح صورها.
إذا كُنا نُدرك ما سبق عرضه، فعلينا إذًا إدراك البُعد اللاهوتي، الذي بمقتضاه نستطيع التعرُّف على كيفية تغيير المُجتمع، والانتقال به من حالة إلى أُخرى أفضل مما عليه المُجتمع، وفي وجهة نظر الباحث، أنّ هذا البُعد اللاهوتي يَكمُن في لاهوت الجماعة ولاهوت العطاء، وسيُحاوِل الباحث إثبات هذا من خلال ورقتِهِ البحثية.
أولًا: المُجتمع والجماعة
إذا كُنا نتحدَّث عن الأساس اللاهوتي لتغيير المُجتمع ونُريد معرفته، فعلينا مُراعاة ولفت انتباهنا إلى المُسمى لنتمكن من معرفة الأساس اللاهوتي، فإذا كُنا نتحدَّث عن المُجتمع، فما هو المُجتمع إذًا؟ وبطرح هذا التساؤل والإجابة عليه يُمكننا التوصُّل إلى البُعد اللاهوتي. إذًا فما هو المُجتمع؟ في مُعجم المعاني الجامع نجد تعريف المُجتمع بأنَّهُ “جماعة من النَّاس تربطها روابط ومصالح مشتركة وعادات وتقاليد وقوانين واحدة.”[1] كذلك المُجتمع هو “تجمُّع بشري، مُنظَّم، يجِد كفايته الذاتية في مجالات مُعينة، تشترك في استمراريته عَبر الأجيال.”[2] فالمُجتمع عبارة عن جماعة، ويُمكن تقسيم الاحتياجات والمصالح وفقًا لأمرين، الأول احتياجات فردية، والثاني احتياجات جماعية، لكن مِن وجهة نظر الباحث أن الاحتياجات الجماعية أقوى، فنتوصَّل إذًا إلى لاهوت الجماعة وأنَّهُ المُحرِّك الأساسي وراء التنمية، فيتفق المُجتمع على احتياج مُلحّ يُحقق إشباعًا لرغباتهم، ومنها السّعي لتحقيقه. والدُّعامة الرئيسية التي يقوم عليها المُجتمع هي العلاقات الإنسانية التي تربط أفراده ببعضهم البعض.[3]
الرسالة بين المسؤولية والعمل الجماعي
خلق الله العالم ثمَّ كلَّف الإنسان برسالة فيه، فوضع الإنسان كسيّد للخليقة ودعاه للسيطرة عليه، ولو عَصْرَنَّا هذه الكلمات فتُفهم بأنَّهُ يُشيِّد المُجتمع البشري مِن خلال نشاطه الإنساني، ويتم هذا الفكر مِن خلال نشاط الإنسان في تشييد المُجتمع والحضارة والتاريخ، وبالتالي فهو يُحقِّق ذاته، ويكوِّن نفسه، وبالتالي فهدف النشاط البشري كُلّه هو سعادة الأشخاص وفرحهم في مُجتمع يسعى نحو الأفضلية والكمال،[4] وهذا هو الدور الفردي في عملية التنمية، وهي مسؤولية كُل فَرد تجاه العمل المُخصص له، حتى يُحقَّق بنهاية الأمر إشباع الاحتياج والمصلحة العامة للجماعة. وتأكيدًا لدور الجماعة؛ ففي كُل خطوة نخطوها في المُجتمع نجد أنفُسنا أمام علاقات إنسانية تربط بيننا وآخرين، وبين الآخرين وأنفُسهم.[5]
الكنيسة باعتبارها جماعة ولها احتياج وتُريد تحقيقه، لكن بسبب دورها المُرسلي، فهي تعمل على تحقيق وتسديد احتياج الجماعة المُحيطة “الكنيسة مسؤولة باعتبارها مؤسسة إلهية، لكن الكنيسة مع ذلك مؤسسة داخل المُجتمع ومرتبطة بالمُجتمع ومسؤولة عن المُجتمع”[6] وليس معنى أنّ الكنيسة مؤسسة إلهية فعليها الانعزال عن المُجتمع، لكنَّها مؤسسة داخله فهي مسؤولة إذًا عن المُجتمع وتغييره. الكنيسة أيضًا هي امتداد لرسالة يسوع المسيح ويسوع كان له رسالتان “الأولى رسالة الكرازة، والنقطة الرئيسية لهذه الرسالة كانت أن يعرف الناس يسوع المسيح كَربّ ومُخلِّص- والثانية كانت مُساعدة الشعب ليصبح أكثر إنسانية كما خلقهم الله مُنذ الخليقة.”[7] وبذلك فعلينا أن نحمل لواء الرسالة ومشعَل القيادة، ونستكمل هذه المسيرة، ونضع نصب أعيُنِنا هاتين النُّقطتين الأساسيتين، سواء أكانت الكرازة أو مُساعدة الشعب. يذكر أيضًا في كتاب لچون ستوت كلمات قوية عن دور الكنيسة وإرساليتها وخروجها للعالم ودعوتها لأن تكون لآخرين، ومركزها يكون خارجها، وحياتها لا لذاتها بل للعالم، وأن تكون مُبادرة بالذهاب ورؤية الاحتياج، بدلًا من أن تكون مُنتظرة لمجيء الأفراد لها، بذلك يزداد ويتقوى دورها المرسلي.[8]
ويتحدَّث الدكتور القس صموئيل حبيب عن الكنيسة ومسؤوليتها نحو الفُقراء في مُحاضرة له، فتساءل عما إذا تم إحصاء وحصر للآيات التي قالها المسيح عن قضيتين الأولى الخطية والثانية الفقر، ليس عن الأقوال فقط، لكن أيضًا الأعمال التي قام بها تجاه الخطية أو الفقر، فكانت إجابته “نجد أنَّهُ كان يواجه مُشكلتين كبيرتين هُما الخطية والفقر، ونجد أنّ الآيات التي تُعالج مُشكلة الفقر عدديًّا أكثر من الآيات التي تُعالج مُشكلة الخطية.”[9]
وفي كتاب العقائد المشيخية يتحدَّث الكاتب عن الكنيسة المنظورة فيقول إن من خلالها “تتشكل إرسالية الله وخدمته في هذا العالم… وهي تشهد عن محبة الله ونعمته في يسوع المسيح. الكنيسة هي المكان الذي منه تخرُج الخدمة والإرسالية بعمل الروح القُدُس… فنخدم باسم المسيح بكُل ما نفعله بكوننا تلاميذًا لمُعلمنا.”[10]
وإذا كُنا قد قُلنا سابقًا إنّ الكنيسة هي امتداد لوجود المسيح، فيُطرح إذًا نفس تساؤُل الدكتور صموئيل حبيب وهو “لو كان السيد المسيح هُنا؟ ماذا كان يفعل؟” كان المسيح يواجِه مُشكلتين خطية البشر والفقر.[11] مِن ثَمّ فدور الكنيسة لا يقتصر فقط على الكرازة بالكلمة وحسب، إنَّما رؤية الاحتياج ومحاولة استخدام كُل الإمكانيات لتحقيق الإشباع، مع الوضع في الاعتبار جميع فئات المُجتمع، والتعدُّدية، وعدم الانحصار في فئة بعينها على حساب الأخرى، فنحنُ نرى في يسوع مثال ذلك، فكان لا يُفرِّق بين الأديان والأوطان، كُل اهتمامه هو تقديم الرعاية للمنبوذين، فقلب المسيح يسَع الجميع.[12]
تناول المجمع الفاتيكاني الثاني حديثًا عن الكنيسة في العالم اليوم، واختتم بكلمات قوية جدًّا وهي:
“إن الإيمان المسيحي رائعٌ في نظرته إلى الله: إذ نؤمن بأن الكلمة الإلهي أخلى ذاته وأخذ طبيعتنا وأدخلنا إلى حياته. رائعٌ في مسيرة حياة البشر وتطور الحضارة: فالإيمان المسيحي لا يستند إلى طقوس أو مذاهب وإن كان يستخدمها، فقد جاء المسيح ليقيم الإنسان من جديد انطلاقًا من حب الله. الإيمان المسيحي يسكب نور المسيح الإله على الطريق ليحقق الأسرة الإلهية على الأرض. الإيمان المسيحي موقف وليس مظهرًا، إنه مبدأ وسلوك يحرر، فليس الإنسان المسيحي والإيمان والكنيسة في خصومة مع أحد بل تقود خطاه إرادة التغيير في المحبة تحت راية الحوار البنّاء. فقد أقام المسيح حوارًا مع كل من قابله: السامرية، زكا، قيافا وحتى بيلاطس فلنتبع خطوات المسيح ولنسر على نهجه الذي رسمه لنا.”[13]
وهذا ما يُقارب فكر الدكتور القس صموئيل حبيب والذي تم عرضه سابقًا.
ثانيًا: لاهوت العطاء
في فصلٍ كاملٍ، يتحدَّث چون ستوت باستفاضةٍ عن العطاء ومبادئه العشرة، مستندًا في الحديث عن هذه المبادئ العشرة من موقف الرسول بولس، ويُمكن لنا الرؤية بصورة أكثر تخصيصًا لما يتلامس مع التنمية من هذه المبادئ مِثل:
أولًا: العطاء المسيحي هو تعبير عن نعمة الله،[14] فنعمة الله ووجُودها أكبر دليل على إمكانية مُشاركة الآخرين بها، ويجب على الجماعة أن تُعطي حتى وإن لم تَكُن نعمةُ الله ماديةً، لكن يُمكن لها العطاء مِن خلال طاقتنا وأفكارنا.
ثانيًا: العطاء المسيحي مستوحى من صليب المسيح،[15] فالمسيح، بالرغم مِن الألم الذي اجتازه، قدم وأعطى محبة، ليس محبة فقط لكن كذلك صفح وغُفران، فمهما كان الألم الذي تجتاز فيه الكنيسة، إلا أنّ رسالتها عليها أن تستمر في العطاء.
ثالثًا: العطاء المسيحي يسهم في المساواة،[16] فالعطاء يضمن المساواة، ولو بقدر قليل أو في جانبٍ واحد، وهو تسديد احتياج، بذلك يحاول العطاء حل مُشكلة، فوضع غنى البعض بجانب احتياج الآخرين يجعل هناك نوعًا من المساواة.
رابعًا: العطاء يُشبه الحصاد،[17] ويُمكن رؤية ذلك من خلال فكرتين هامتين، الأولى الحصاد هو ناتج للزراعة، فعلينا أنّ نزرع ما هو جيد ليكون الثمر وفيرًا، والثانية الحصاد غرضه مزدوج الأكل والزرع، فالحصاد يُستفاد مِنه بالأكل وإن كان هذا ليس السبب الأساسي وراء التنمية، إلا أنَّهُ بالفعل يكون لها استفادة من خلفها، والزرع، هو الفائض الوفير الذي مِن خلاله نستطيع استخدامه للزراعة مرة أُخرى وتستمر الدورة بهذا الشكل.
خامسًا: العطاء له دلالة رمزية،[18] هو رمز لعمل يسوع المسيح؛ فالمسيح أعطى بمحبة، وأعطى بشمولية، وعطاؤنا اليوم هو بمثابة ثقة بأنّ الإنجيل قوة الله للخلاص، حين يروا فيه الصدق مِن خلال معيشتنا لما به.
سادسًا: العطاء يُشجِّع على الشُّكر لله،[19] حين يرى الفرد أو المُجتمع تسديدًا لاحتياجهم، بالتأكيد ومما لا شك فيه سيُقدِّم الناسُ الشُكرَ لله، فعلى الكنيسة أن تعلَم كيف تحيا لمُساعدة الجميع لمجد الله.
الخاتمة
رأينا من خلال الورقة البحثية السابقة مدى التأثير اللاهوتي لشقين هامين يُساعِدان على تغيير المُجتمع، أولهُما لاهوت الجماعة والحياة الجماعية وقوة احتياج الجماعة مُقارنةً بقوة احتياج الفرد، وأنّ احتياج الجماعة هو أعم وأشمل، وتأثيره ذو إيجابية أكثر من الاحتياج الفردي، وكيف أنّ الكنيسة بدورها كجماعة على عاتقها مسؤولية، وأنّها تختلف عن أي جماعة أُخرى لكونها مُرسلة لرؤية احتياج الآخرين وتسديد هذا الاحتياج، فمن الضروري ألا تفقد رسالتها وعملها في المُجتمع للتنمية والكرازة معًا، فدورها الاجتماعي لا يتنافى أو يتعارض مع الكرازي، بل على العكس هو مُكمّل لطبيعتها أن تحيا لأجل آخرين لا لأجل نفسها.
وثانيهُما هو لاهوت العطاء ورأينا مبادئ هامة فيه، وكيف أنّ العطاء هو تعبير عن النعمة، والنعمة غير مشروطة بشخص بعينه أو مجموعة دون الأخرى، وكيف أنّ العطاء مستوحى من الصليب وكم كانت محبة الله للبشر، والمحبة الحقيقة لابد أن تقترن بألم ومُعاناة لأجل الآخر، كذلك العطاء يحاول أن يساوي بين الجميع من خلال زيادة مستوى الأقل حتى يتساوى نسبيًّا في فكرة الاحتياجات المُسددة، ثم شُبِّه أيضًا العطاء بالحصاد في فكرتين هامتين، واختتمنا بأن العطاء يُساعد على الشُّكر لله.
علينا إذًا ككنيسة أنّ نعي جيدًا هاتين الفكرتين اللتين لهُما الدور الكبير والأثر العميق في التغيير المجتمعي، وعدم التقليل من إحداهُما أو الانسياق لأفكار فردية مُتجاهلين ما يُساعد على التنمية وفهم المُجتمع.
[1] http://www.almaany.com/home.php?language=arabic&lang_name=%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&wor d=%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9 تم الاطلاع عليه في 29/ 4/ 2014.
[2] صموئيل حبيب، الإنجيل والحضارة دعوة لتجديد الحضارات، (القاهرة: دار الثقافة، 1997)، 21.
[3] صموئيل حبيب، الكنيسة في مُجتمع مُتطوِّر، (القاهرة: دار الثقافة، 1965)، 152.
[4] فاضل سيداروس اليسوعي، المُجتمع في ميزان الكنيسة، (القاهرة: دار الجيل للطباعة، 1979)، 20، 29.
[5] صموئيل حبيب، الكنيسة في مُجتمع مُتطوِّر، مرجع سابق، 152.
[6] صموئيل حبيب، قراءة جديدة لرسالة الكنيسة، أندريه زكي، الكنيسة والتحوُّلات الاقتصادية والاجتماعية- دراسة في اقتصاد السوق، (القاهرة: دار الثقافة، 1999)، 20.
[7] أندريه زكي، المسيح والنقد التاريخي- قصة الصراع بين الكرازة والتغيير الاجتماعي، (القاهرة: دار الثقافة، 1996)، 92.
[8] چون ستوت، الكنيسة- الهروب إلى الله أم من الله؟، (القاهرة: دار الثقافة، 2011)، 55.
[9] المرجع السابق، 22.
[10] دونالد كي ماكيم، العقائد المشيخية- شرح مُختصر للأساسيات الإيمانية، (القاهرة: دار الثقافة، 2010)، 136.
[11] المرجع السابق، 23.
[12] فاضل سيداروس اليسوعي، مرجع سابق، 29.
[13] أب لوس جرس، دستور رعوي عن الكنيسة في العالم المعاصر، http://catholicchurch-eg.com/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D 9 %88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%85% D8%B3%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A A%D9%85%D8%B9-%D8%A7/ تم الاطلاع عليه في 1/ 5/ 2014.
[14] چون ستوت، مرجع سابق، 110.
[15] المرجع السابق، 112.
[16] المرجع السابق، 114.
[17] المرجع السابق، 120، 121.
[18] المرجع السابق، 121.
[19] المرجع السابق، 123.
أسم الكاتب : د. ممتاز ثابت
هذه رسالة لكل من يؤمن بالقيامة كحقيقة حدثت، لكنه لا يدرك أهميتها ومدلولها بصورة شخصية وبطريقة تغيِّر الحياة؛ بمعنى أننا نرى أناسًا يشاركون الاحتفالات بالمناسبات الدينية ولا نستطيع أن نميز بين الإيمان الشخصي الذي يغير الحياة ويقلبها رأسًا على عقب وبين الذين يسيرون وسط الزحام ويعشقون المظاهر ثم يعودون إلى ما كانوا عليه.
في هذه الرسالة نستعرض:
القيامة كحدث متفرد، القيامة كحدث ضروري، القيامة وحتمية التجاوب بالقبول أو الرفض.
أولًا: القيامة كحدث متفرد
الذي مات وقام هو ابن الله؛ فتميُّز حدث القيامة يعود إلى تميُّز الشخص الذي قام. لم يكن مجرد ميت قام، بل كان ابن الله. وأثناء حياته طالما أعلن عن ذلك في أكثر من موقف ومقابلة.
ففي إنجيل يوحنا 8: 31 – 59 قال هذه الإعلانات عن نفسه:
“خرجت من عند الله – أنا أكرم أبي – أبي هو الذي يمجدني – قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”
ولهذا السبب كان اليهود يريدون قتله، لكننا نرى أن شهادته عن نفسه كانت حقًّا وبشهادة الآخرين؛ فقائد المئة الذي كان مشرفًا على صلبه أدرك ذلك بطريقة ما وقال: “حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ” (مرقس 15: 39)، وقال الرسول بولس: “بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولًا، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ، الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ، وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا” (رومية 1: 1-4).
موت يسوع كان موت شخص بريء بدلًا ممن كانوا يستحقون الموت. وهناك من يحاول أن يقلل من شأن موت المسيح؛ فالبعض يراه حماقة، والبعض يعتبره مأساةً، والبعض يتعجب من موته قبل أن يؤسس ملكوته الأرضي. أيها الأحباء، موت المسيح كان متفردًا؛ لأنه كان جزءًا من خطة الله للفداء أن يموت كحمل بلا عيب متحملًا عقاب الجنس البشري بالكامل. وهذا ما يوضحه لنا الله في كلمته: “وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا (المعمدان) يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يوحنا 1: 29)، “فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رومية 5: 7- 8).
لم يحدث في التاريخ أن قام أحدٌ من قبره مثلما قام المسيح، ولا يمكن أن نقارن بين قيامة المسيح وبين من أقامهم المسيح أثناء حياته وخدمته، فجميعهم ماتوا ثانية في انتظار قيامة من نوع قيامة المسيح. وفي ذلك يقول الكتاب في 1 كورنثوس 15 :20 و23: “وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِين… وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِه”.
ثانيًا: القيامة كحدثٍ ضروريّ
تحدَّث المسيح كثيرًا عن كونه ابن الله وأنه سيموت ويقوم، ولهذا السبب قتله اليهود. وقيامته أثبتت لهم صدق كلامه عن نفسه، حتى لو لم يريدوا أن يصدقوا هذا. وقد أشرنا سابقًا إلى هذه الفكرة.
فالموت فقط لم يكن كافيًا لأننا خلصنا بموته وأيضًا بقيامته. “فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ” (1كو 5: 9-10). “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ إِذًا الَّذِينَ رَقَدُوا فِي الْمَسِيحِ أَيْضًا هَلَكُوا” (1 كو 15: 17-18).
وأكتفي بشاهد من ضمن شواهد كتابية لا حصر لها؛ حيث استخدم الرسول بطرس في عظته في أعمال 2 شاهدًا من مزمور 16: 10: “لأنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا”، نفس الآية في أعمال 2: 25، 27: “لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ:… لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا”.
ما كان ممكنًا أن يقيِّدَ الموتُ المسيحَ. “هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ (أعمال 2: 23- 24).
الكتاب المقدس وحدةٌ واحدةٌ لا تتجزأ. وهناك من العهد القديم من كان يؤمن ايمان القيامة مثال إبراهيم. وظهر هذا عندما لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتًا إذ كان نحو ابن مئة سنة ولا مماتية مستودع سارة. ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله معطيًا مجدًا لله. وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا. لذلك أيضًا: حُسِب له برًّا. (انظر رومية 4: 19-22)، ويتوجه الكاتب نحونا ويقول في عددي 23 و24: “وَلكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ”.
كما تم امتحان إيمان القيامة لدى إبراهيم أيضًا في قصة إسحاق التي نعرفها جيدًا. “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا” (عبرانيين 11: 17-19).
فهل نؤمن بمن قال عن نفسه في يوحنا 11: 25: “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”؟
ثالثًا: القيامة وحتمية التجاوب بالقبول أو الرفض
كم من الذين شاهدوا أو سمعوا عن القيامة آمنوا وولدوا ثانيةً لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل؟
في إنجيل متى 28: 2- 4 يخبرنا البشير متى عن حراس قبر يسوع وهم في رهبة الموقف أمام الزلزلة العظيمة ونزول ملاك الرب ودحرجة الحجر وخروج يسوع. ومن فرط الخوف ارتعدوا وصاروا كأموات. ورغم أنهم مضوا وجاءوا إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما حدث، إلا أن رؤساء الكهنة تشاوروا وأعطوا الحراس فضة كثيرة قائلين: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلا وسرقوا جسد يسوع ونحن نيام”. ويقول الكتاب: “فشاع هذا القول عند اليهود إلى هذا اليوم”. هذا الفكر (أنه لم تكن هناك قيامة ليسوع) كان وكائن وسيكون.
ولكن، ليس الأمر بهذه السهولة. ولا ينبغي أن نستخف بقيامة المسيح أو نأخذ الموضوع بسطحية. فطريقة التجاوب معها مسألة حياة أبدية أو موت أبدي. فليست القيامة مجرد حقيقة نرفضها أو نقبلها، لكنها نقطة تحول. ولا ينبغي أن نفهم مدلولها فقط، لكن لا بد أن تحدث التغيير لأن طريقة التجاوب مع القيامة تحدد محطتنا الأخيرة.
وكما أحدث ميلاد يسوع الفارق في الزمن والتاريخ وفكر البشر، لا بد من أن تُحدِث قيامته فارقًا أيضًا وذلك لأن هناك متغيران حدثا للمسيح بعد قيامته: الأول تغيير في هيئته، والثاني تغيير في تعامله مع الخطاة.
عندما تجسَّد يسوعُ وضع جانبًا مظاهرَ عظمته ومجده، لذلك لم ينجذب الناس إليه وذلك لأننا جميعا نأخذ بالمظاهر. لم يكن مظهره دليلًا على -أو إشارة من بعيد أو قريب- لكونه ابنًا لله. لذلك كانت حياته رفضًا ومعاناةً من الأكثرين. والدليل إش 53: 2: “نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ”، ونفس الوصف ذكره الرسول بولس في فيلبي 2: 7: “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ”.
ولكن الآن حدث تغيير في هذا الجسد المتواضع. ربما لا أستطيع إدراكه ووصفه رغم الاجتهادات البشرية الكثيرة، ولكني واثق أنه جسد مقام، يسوع الآن يظهر ويختفي. (لوقا 24: 31) يدخل إلى تلاميذه والأبواب مغلقة. (يوحنا 20: 26).
يوحنا نفسه غيَّر وصفه للمسيح من إنجيل يوحنا إلى رؤيا يوحنا؛ فالشخص الذي كان يتكئ على صدره الآن يسقط عند رجليه كميت. (انظر رؤيا 1: 13-18). تغير المسيح في هيئته كثيرًا جدًّا.
كلنا خطاة، وقد وجدنا الراحة عندما رأينا المسيح يتعامل مع المرأة الزانية ويطلقها حرةً هي والمشتكين عليها، ولم يكونوا أبر منها بكل الأحوال، وانصرف الجميع من المشهد بدون إدانة؛ ذلك لأن في مجيئه الأول جاء للخلاص. ونخطئ حين نظن أن الحال سيظل كما هو في مجيئه الثاني لأنه سيأتي ثانيةً بلا خطية، بمعنى بدون أي عمل لعلاج الخطية فقد تعامل معها بالفعل، بل سيأتي للحساب فقط ويا له من حساب! فقيامة المسيح تضمن قيامة الجميع “خطاة ومُخلَّصين” ولكنها لا تضمن البركة للجميع. القيامة ستحدث للجميع، ولكن هناك نوعين من القيامة نفهمهما بذكر بعض الشواهد الآتية.
“وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ” (دا 12: 2).
“وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّار” (رؤيا 20: 13، 15).
” مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا، وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي” (رؤ 20: 7-8).
“لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَه، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ” (يو 5: 28- 29).
أحبائي، إن قيامة المسيح تعني أنه قد تم سداد عقاب الخطية كبديل عن كل خاطئ، الذين أولهم أنا. مات عن خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا. فليس لأحدٍ عذرٌ.
في الختام أقول إن كثيرين مازالوا ينظرون للمسيح نظرةَ شفقة عند موته ونظرة إعجاب عند قيامته، وكأن ما قام به كان من أجله هو وليس من أجلنا نحن. إذا لم نضع أنفسنا كسببٍ وهدفٍ للصلب والقبر والقيامة فلنعتبر أنفسنا مفقودين أبديًّا.
“الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ”
(1بطرس 2: 24). ولذلك “الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيد” (يوحنا 3: 18).
أسم الكاتب : القس جادالله نجيب
إذا اقتربنا لدراسة شخصية موسى، فعادةً ندرس الجانب الإيجابي، وهو القيادي والفريد في علاقته بالله، وعلاقته بشعب الله. وبالتأكيد فهو كليم الله وقد قدم أفضل ما لديه من مهارات إنسانية واجتماعية وروحية عبر رحلة حياته.
إلا أن هذا القائد العظيم عاش حياةً بين الثراء الاجتماعي في قصر فرعون، أعلى طبقة في المجتمع، إلا أنه عاش حياة مضطربة وقلقة داخلية؛ حيث وُلِد في ظروفٍ سياسيةٍ قاسيةٍ، تحتَّم أن يموت قبل أن يُولَد، لأنه فعليًّا كان ينتمي بالجسد إلى أقلية مهضومة الحقوق مسلوبة الإرادة ومستَغلَّة من السلطة السياسية في ذلك الوقت.
عاش موسى بين نارين؛ نار الوضع الاجتماعي، الانتماء الوطني، وبين المعتقد الديني في عمقه واهتمامه بجنسه. فقضى أولى فترات عمره وهي الأربعين سنة الأولى، في حياة غير هانئة، واتجاه غير مستقر، وقلب ملتهب لم يكن قد نضج بعد لحمل المسؤولية والرسالة.
هذا المقال هو قراءة لحياة موسى في السنوات الأربعين الأولى من عمره من جهة والتي تعبر عن حالة عدم استقرار نفسي واغتراب، والأربعين الأخرى وهي رحلة صياغة الشخصية وبنائها وإعدادها للرسالة المدعو إليها.
فالعنوان له شقان؛ الأول هو الاغتراب في حياة موسى، والثاني هو صياغة شخصيته والرسالة التي دُعِي لها.
إذا ما هو الاغتراب؟
هو إحساس داخلي عميق يتملَّك الفرد بأنه وحيدٌ، لا يوجد من يفهمه، وغمره شعورٌ بأنه وحيد بين الناس. هذا الشعور يؤدي إلى فقدان الإحساس بالذات، أي فقدان الهوية. وفقدان الإحساس بالوجود الفعال، فلا يجد نفسه، فيدفع الفرد إلى رفض الواقع، ويطلق على هذا النوع من الاغتراب، أزمة وجود. وبالتالي إذا امتلك الفردَ شعورُ الغربة والاغتراب فإنه يفقد الإحساس:
في هذه الأزمة قد يستنكر الفردُ أعمالَه وإنتاجيتَه، وقد يفقد شخصيته، وفي ذلك ما يدفعه إلى الثورة لكي يستعيد كيانه ووجوده.
ويُعدُّ موسى أحد النماذج التي جسدت الاغتراب بصورة واضحة، ورغم أن الكثيرين يتجاوزون الأربعين سنة الأولى في حياة موسى، إلا أننا نركز في هذه الدراسة على سنوات الاغتراب، فهي التي ترسم لنا ملامح حياته، وسر دعوته. فموسى واحد من الذين صنعوا تاريخًا مجيدًا في رحلة الخلاص في العهد القديم، والذين عاشوا فترة ليست قصيرة من العمر، في الشعور بالاغتراب، مما أثر على أداء الرسالة في سن الشباب، أو لنقل احتاج إلى حالة تصحيح داخلي، وبناء نفسي أولًا، وروحي ثانيًا، لكي يُعَد أداة حية في يد الله لاستخدامه بقوة لم يشهدها التاريخ من مثيل.
سنوات الاغتراب
عاش موسى مئةً وعشرين عامًا. اجتازها في ثلاث مراحل بالتساوي، وكل مرحلة عمرية كانت أربعين سنة. وكل مرحلة كان فيها تشكيل متميز، وخبرات لا يمكن تجاوزها، فبها يستمر التشكيل وبدونها تكون رحلته مبتورة، ورسالته بلا معنى.
المرحلة الأولى: نتتبع ولادة موسى وتربيته
وُلِد من أسرة يهودية، أنقذه اللهُ من موتٍ محتومٍ بسبب قرار فرعون، وهو التخلص من كل أبكار اليهود الساكنين في مصر. وتربَّى في بيت أبيه حتى كَبِرَ “فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: “اذْهَبِي بِهَذَا الْوَلَدِ وَأَرْضِعِيهِ لِي وَأَنَا أُعْطِي أُجْرَتَكِ”. فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ وَأَرْضَعَتْهُ. وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ “مُوسَى” وَقَالَتْ: إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ”. (خروج 2: 8 – 10).
إن السنوات الأولى في حياة أي إنسان تشكِّل مستقبله، وتحدد اتجاهاته. فالسنتان الأوْليَان هما الأهم في حياة كل مولود. أرضعت أمُّ موسى ابنَها، ليس لبن ثدييها وحده، لكن أرضعته الإيمان الذي تربت هي عليه. كما سقته أحداث الشعب العبراني وتاريخه؛ فمنذ نعومة أظفاره، عرف قصة الشعب ومأساة الأمة، وآلام العائلة، وأنه في مرحلة انتقالية بين التربية وبين المستقبل المُنتَظَر في قصر فرعون، ليكون في كنف ابنة فرعون.
وما أصعب أن يترك الطفلُ بيتَ أبيه حتى وإن كان بيتًا فقيرًا! فعندما يبدأ الطفل يتكلم ويُصغي، تترسخ في نفسه انطباعاتٌ أخرى إذا سمع من أهله كلامًا دافئًا مشجعًا ومُحِبًّا، فإنه يشعر أنه محبوب وأنه يتمتع بقيمة خاصة في نفسه.[1] فماذا عن موسى الذي سيُحرم من دفء حنان والدته وشركة أسرته كلها، وينتقل لعالم جديد، فيفقد اتزانه النفسي ويُخزّن خبرة السنتين في اللاوعي.
لكل فرد أسرار ماضٍ عاشها، حتى خبرات الطفولة غير المُعبَّر عنها. إن خبرة السنين كوّنت شخصية موسى.
عندما ظنّ موسى أنه يستطيع بقوته وذراعه أن يخلّص شعبه، ارتكب جريمة قتل. قد يكون الشعور بالاغتراب في قصر فرعون، هو الدافع الخفي الذي دفعه لاتخاذ القرار بالنزول كأمير ليتفقد إخوته ويخفف عنهم أثقال الظلم، ومعاناة التسخير. أو قد يكون نوعًا من الكبرياء والإحساس بالذات العالي كما هو متداول عند كثير من الشراح. لكنه استعجل زمان الإرسالية وتوقيتها “فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا” (أعمال 7: 25).
لم تكن النتيجة التي وصل إليها متوقعة، أولًا، من المنظور السياسي فهو تمرد على سياسة الدولة، ومحاولة تكوين جبهة معارضة. ثانيًا، الأمر يتعلق بالاقتصاد المصري؛ حيث إن تسخير الأعداد الكبيرة من العبرانيين، كان من شأنه أن يوفر العمالة والثروة الطائلة. ثالثًا، التسخير هو أداة للتسيُّد والتحكُّم في الشعب الذي زاد عدده بكثرة وخوفًا على أن يقوموا بثورة في يوم من الأيام.
أما من جهة موسى، فلم يفهم العبرانيون دوره كمرسل من الله لإنقاذهم، وبالتالي قُوبل بالرفض “مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟” (خروج 2: 14، أعمال 7: 27).
لم يكن الرفض فقط وقت تفقُّده لإخوته، بل خبرة التربية التي شكَّلت شخصيتَه، ونجدها بوضوح في عظة استفانوس أمام مجمع اليهود في أعمال 7 “وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا” (أعمال 7: 21).
لم يكن له مكان لا في بيت فرعون ولا حتى في مصر كلها؛ لأن فرعون علم بما حدث “فَخَافَ مُوسَى وَقَالَ: “حَقًّا قَدْ عُرِفَ الْأَمْرُ”. فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذَا الْأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ” (خروج 2: 14- 15). “فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَصَارَ غَرِيبًا فِي أَرْضِ مَدْيَانَ” (أعمال 7: 29).
المديانيون رأوه مصريًّا وليس عبرانيًّا؛ أي رأوه غريبًا “فَقُلْنَ: رَجُلٌ مِصْرِيٌّ أَنْقَذَنَا مِنْ أَيْدِي الرُّعَاةِ”. وموسى نفسه، لقب اسم ابنه “جَرْشُومَ”، لِأَنَّهُ قَالَ: “كُنْتُ نَزِيلًا فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ”. عاش موسى منفيًّا بعيدًا عن وطن الولادة والتربية لمدة أربعين عامًا.
لم يكن لموسى إحساس داخلي بالانتماء للوطن في مصر، ولا حتى في مديان. كان الإحساس الداخلي بالاغتراب يملأ قلبه وعقله. قد يكون قد فقد الإحساس بالوجود وفقد الإحساس بالمعنى بهروبه إلى مديان لمدة أربعين عامًا كاملة. ومن هنا ينطبق على موسى المعنى الذي ذكرناه عن الاغتراب، وهو تعبيرٌ عمَّا يعانيه الفرد من انفصالٍ عن ذاته، ومشاعره الخاصة ورغباته ومعتقداته، وأيضًا فقدان الإحساس بالوجود الفعال.
سنوات التشكيل والإعداد
هذه هي المرحلة الثانية بعد الهروب. لم تنطفئ جذوة العلاقة مع الله في قلب موسى، لقد انسحب من الحياة، متألمًا على ما حدث، فقد قُتِل الحلم الذي عاش من أجله؛ إذ كان متيقنًا من دعوة الله له. وربما كان موسى طوال الأربعين سنة الثانية، يدفن خبرته الأليمة واغترابه القاسي في اللاوعي، حيث يرعى غنم يثرون حميه، ويتعايش مع الأيام!
كان موسى يحتاج إلى مدرسة جديدة ليكتمل نضوجه، فقد كانت الجامعة المصرية دعمًا لتربية العقل عند موسى، أما منفى مديان فكانت مدرسة السكون، والوحدة والعزلة، للبناء الداخلي. دخل موسى مدرسة الصمت؛ حيث ينهل من مصدر القوة في الشركة مع الله لبناء حياته. لقد كانت البرية له كما كانت لإيليا، ويوحنا المعمدان وبولس الرسول، فترة من فترات التأمل القوي الثري العميق. لقد أزكت مدرسة الصحراء في أعماق موسى آلامًا مبرحة تجاه إخوته وأبناء شعبه المعذَّبين تحت ثقل التسخير.
وصفت “ألن نايت تشالمرز” حالة موسى قائلةً: “كان موسى يجلس فوق رمال الصحراء في الليل الساحق، وهو يفكر في إخوته متطلعًا إلى النجوم اللامعة، وكأنها تدينه وتعذبه؛ إذ كان صمت الليالي يحمل إليه صرخات إخوته المعذبين. كان يصارع في أعماق نفسه قيود الضمير!”.[5]
صعود موسى إلى جبل حوريب (جبل الله)
عاش موسى لمدة أربعين عامًا، رجل صحراء، ويبدو أنه يشعر في نفسه أن الأيام تمضي ولم يعد قويًّا كما كان من قبل، فنضارة الشباب قد ذبلت، وها هو الآن في مقتبل الثمانين من عمره، ويبدو أنه كان يدور في خلجاته، أن شمس العمر في المغيب.
لكن هذه المرة ساق موسى الغنم إلى ما وراء البرية، إلى جبل حوريب. هل لأن المراعي الخضراء كانت متاحة على الجبل أكثر؟ أم أنه كان يرغب في أن تتاح له فرصة التأمل الأعمق والأوسع؟ فهذا معروف في تقاليد ذلك الزمان، أن قمم الجبال تسكنها الآلهة.
ومن عجب العجاب، أنه في دوامة الفكر المرهِق على قمة الجبل، يتطلع موسى فيجد منظرًا أخاذًا وخلابًا، عليقة خضراء تتوقد بالنار، لكنها لا تحترق. “فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ” (خروج 3: 1). يا له من منظر عجيب! فقرر أن يذهب ليرى المنظر فَقَالَ مُوسَى: “أَمِيلُ الْآنَ لِأَنْظُرَ هَذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لَا تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟” (خر 3: 3)
ولما ذهب ليرى المنظر المبدع، جاءه صوتٌ من وسط العليقة، يناديه باسمه مرتين: “مُوسَى، مُوسَى!” ولاحظ أن العقل الباطن يجاوب الصوت بتلقائية، نعم! “هَأَنَذَا”، وهنا مربض الفَرَس، يأتيه الأمر “تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ”. إن خلع الحذاء في عديد من الثقافات القديمة وحتى الحديثة، خلع الحذاء ليس فقط للدخول إلى محضر الله، ولكن أيضًا للدخول إلى البيت. وكاتب هذه السطور يركز في هذا السياق على أن خلع الحذاء هو دخول البيت. وهنا يتَّسق المعنى، أن رجلاً بعيدًا عن البيت سنين هذا عددها، اليوم وقد رجع الغريب إلى داره.
وبمعنى آخر، على سفح جبل الله، أخيرًا، وجد موسى الحالم الغريب وطنًا حقيقيًّا. ليس وطنه الحقيقي مع البشر بل مع الله، إله الآباء “إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ”. من داخل البيت، ومن مكان الانتماء إلى وطن حقيقي، جاءت الدعوة لموسى “هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ” (خروج 3: 7- 10).
موسى والخبرات السلبية
كانت الدعوة، بمثابة صدمة لموسى. واسترجع فيها كل السنوات الأربعين الماضية، وموقفه الحزين والنفي من مصر إلى مديان. لأول مرة يستحضر موسى عجزه وافتقاره لمؤهلات ومهارات القيادة. فجاء السؤال بعفوية صادقة لله قائلًا: “مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟”
في الاغتراب يستنكر موسى أعماله وحلمه ورؤيته، وانتابه الإحساس بالعجز الشخصي وفقدان الهدف والمعنى، ولم تعد له القدرة على فهم دوره رسالته.
لقد حدد موسى هويته منذ أربعين عامًا مضت، باتخاذه قرارًا في منتهى الخطورة على حياته، وهو أن يكون عبرانيًّا “ورفض أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ”، وكلفه هذا القرارُ الكثيرَ، في سبيل أن يُنقذ الشعب العبراني. لذلك، لم يعد في العمر بقية، لمخاطرة جديدة غير محسوبة. ومن هنا جاءت الأسئلة والتردد لكي يضمن أن الدعوة هذه المرة أكيدة. دخل موسى في المرحلة الأخيرة من حياته، فكان عمره ثمانين سنة. رفض موسى طلب الله واعتذر خمس مرات.
ومن هنا كانت حاجة موسى، أن يُشفَى من اغترابه، وأن يعود إلى الإحساس بنفسه، وفي بيته مع الله، ويرفع عينيه من على ذاته، ليتصالح مع نفسه، ويثق في الله صاحب الوعد. لي ولك أيها القارئ الكريم تأكيدات الله لنا هي: أن الغربة والاغتراب وراء هروبنا واعتذاراتنا وعدم تحمل مسؤوليتنا. أو قد يكون عدم نضجنا الكافي لم يأتِ بعد لكي نأخذ زمام المبادرة للخدمة. في هذه أو تلك حاجتنا أن ندرك أننا نفهم صوت الله بشكل صحيح، وأن حاجتنا أن ننفض غبار الاغتراب الذي يلهينا عن إدراك مسؤوليتنا وخدمتنا.
ولعلنا نلاحظ، أنه رغم كل التأكيدات والمواعيد التي أعطاها الرب لموسى، إلا أنه أخذ وقتًا طويلاً لكي يُشفى من الاغتراب قبل حمل المسؤولية، واستخدام كل ملكاته وتعليمه وعلمه وحكمته.
وفي ختام هذا المقال، أذكِّر القارئ العزيز بأن بناء الحياة الداخلية لي ولك، جزءٌ أصيلٌ فيها شفاءُ النفس من الاغتراب وإدراك من نحن، ومن أنت، ومن أنا، وماهي هُوِيتنا. عندها تتفجر كلُّ مَلَكات الخادم وهي الجزء الإلهي في الإنسان الذي يعطي المعنى ويطلق الرسالة بقوة.
[1]– الأب باول اليسوعي، سر البقاء في الحب، طبعة سادسة، 2013م. ص 21 – 23
[2] صا الحجر، إحدى قرى مركز بسيون التابع لمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية
[3]القس إلياس مقار، رجال الكتاب المقدس، الجزء الأول، القاهرة: دار الثقافة، 1979م، ص 135.
[4]الولاء جزء من طبيعة الإنسان وكيانه، وحاجة من حاجاته. فالولاء هو الذي يمنح الإنسان الإحساس بالارتباط بالزمان والمكان والمعاني من حوله. الولاء هو جوهر الالتزام حيث يدعم هوية الفرد الذاتية. الولاء هو صدق الانتماء.
[5]إلياس مقار، ص 143.
أسم الكاتب : چورچ اسحق
«المشافي أنموذجًا»
إنّ الرعاية الطبيّة، والأنظمة الصحيّة، قد باتت اليوم حديث الساعة حول العالم. أمّا قديمًا، فكانت رعاية المرضى طبّيًّا مسؤوليّة الأسرة؛ إذ لم يكن النظام الطبّيّ المعروف حاليًّا قائمًا. أمّا في حال وجوده، فقد اقتصر على الأسر الميسورة، التي يمكنها تحمُّل النفقات الباهظة لعلاج أفرادها، واستقدام الأطبّاء المعالِجين، المدرَّبين بحسب منهج أبُقراط وجالينوس. هؤلاء كانوا يقدّمون الخدمة الطبّيّة للمريض داخل المنزل، بينما تقع مهمة التمريض كلّيًّا على عاتق أفراد الأسرة والخدم والعبيد. وبالطبع، لم يكن هناك مجال للفقراء لتلقّي الخدمة الطبّيّة. يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم في هذا الصدد: «غالبًا ما يضطرّ الرجل الفقير لأن ينحرم من العلاج، لأنّ دخله لا يغطّي حتّى تحضير الدواء، فضلًا عن رسوم الأطبّاء.» [1]
ولم يكن الأطبّاء يُقدِمون على معالجة الحالات الميؤوس من شفائها، أو حتّى تلك البالغة السوء، وذلك حفاظًا على سُمعتهم ومكانتهم العلميّة، فمَن الذي سيُقدِم على التداوي عند طبيب اشتُهر بالفشل أو بموت مرضاه؟ وعليه، فإنّ هؤلاء المرضى الميؤوس من حالتهم، أو الفقراء منهم، أو العبيد الذين نالت منهم الأمراض والشيخوخة، كانوا مسؤوليّة الأُسَر أو السادة؛ على أنّه كان مألوفًا أن يتخلّى عنهم ذووهم ومالكوهم فيفترشون الشوارع والأسواق كمتسوّلين. وتُخبرنا أسفار العهد الجديد بشيوع هذا النمط المؤلم من السلوك في المجتمع آنذاك. [2]
ربّما يقفز الآن إلى ذهن القارئ سؤال بديهيّ: ألم تكن هُناك أعمال خيريّة؟! بالطبع كانت الأعمال الخيريّة موجودة. ولكنّها غالبًا ما انحصرت في شكلين؛ فهي إمّا أن تكون في شكل يُشبه الكفالة، وهي علاقة منفعة متبادَلة بين الكفيل الرومانيّ الثريّ وأحد الفقراء المكفولين يقدّم فيها الكفيل بعض القروض والإعانات الماليّة، وبعض الكفالة في التمثيل القانونيّ، شرط أن يقدّم المكفول الولاء التامّ للكفيل والخدمة متى طُلب منه ذلك. وإمّا أن تكون في صورة عمل عامّ، فيقوم أحد الأثرياء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، بتوزيع بعض الحبوب أو الأموال، ولكنّ هذا كان حدثًا عَرَضيًّا وغير دائم. وعليه، كانت الأعمال الخيريّة كلّها موجّهةً لمنفعة، وبعيدةً كلّ البعد عن الفئات الأضعف، وعن المرضى تحديدًا. فقد كانت هذه الفئة موصومةً وعلى هامش المجتمع.
أمّا الجيوش، فقد عرفت المعسكرات الطبيّة منذ القرن الأوّل؛ ففي منطقة كارنتم بالقرب من ڨيينا الحاليّة، قام أوّل مستوصف طبّيّ عسكريّ. وقد اقتصر العلاج والدواء فيه على الفئة التي كان يُرجى ويسهل شفاؤها لتعود للخدمة في صفوف الجيش سريعًا. أمّا بقيّة المرضى من العامّة والجنود الفقراء، والعبيد الذين تخلّى عنهم سادتهم، فكانوا يلوذون بالمعابد للتداوي بالسحر والتعاويذ التي كان يصنعها الكهنة. فقد كان هؤلاء منبوذين في المجتمع، كمصدر للخزي والعار. ويقول، مثلًا، المؤرّخ الطبّيّ سيجرست (+ 1957) في هذا:
«كان الإنسان المريض والمعاق والضعيف يُعتبر في درجة أدنى من الإنسان الصحيح، ولا يمكن اعتباره إلّا كذلك في نظر المجتمع، إذ كان يتمّ تحديد قيمة الشخص بحسب إمكانيّة تحسّن حالته الصحّيّة. ومن ثمّ، كانت حياة أيّ إنسان مريض بمرض مزمن مزريةً تمامًا. فالعصور القديمة، لم تقدّم أيّة وسيلة لرعاية المعاقين أو المصابين بالشلل. كان على الإنسان المريض أن يعود صحيحًا حتّى يمكن اعتباره شخصًا ذا قيمة.»[3]
جاء يسوع ليقدّم مفهومًا جديدًا للمحبّة، وهي بحسب وصف سي. أس. لويس في كتابه المحبّات الأربع، محبّة محدودة تقدَّم بحريّة ولا تعتمد على قيمة المتلقّي وجدارته، إذ إنّها انعكاس لله، الذي هو في ذاته محبّة[4]، وتعبير عنه. فالإنسان في المسيحيّة حين يحبّ أخاه، فما هذا إلّا انعكاس لصورة الله والحبّ الإلهيّ الذي اختبره الإنسان، حتّى إنّ يسوع ربط نفسه بشخص المريض المحتاج: «بِمَا أَنَّكُم لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا» (مت 25: 40). وهنا، في رأينا، حَدَثَ التحوّل الفارق في حياة المرضى والمعوزين؛ إذ رفعهم المسيح إلى مكانة لا أعلى منها مكانة. كما شرّع المحبّة شريعةً للجوعى والعطاش والغرباء والمساجين (مت 25).
ولقد انعكس هذا على الكنيسة الأولى، التي أسندت خدمة المرضى للشمامسة كما نقرأ في كتاب تعاليم الرسل في القرن الثالث. وإلى جانبهم ظهرت مجموعات من العلمانيّين الذين تطوّعوا لخدمة المرضى مثل «محبّي التعب» (باليونانيّة: الفيلوبوني)، الذين كانوا يجوبون الشوارع بحثًا عن المرضى في سبيل مساعدتهم. كذلك ظهرت مجموعة تسمَّت «المجازفون» (باليونانيّة: البارابلاني)، وقد اشتهر أعضاؤها في مدينة الإسكندريّة بمساعدة المرضى والعاجزين كما نقرأ في منشوري ثيوذوسيوس (رقم 42 من العام 416 و43 من العام 418). وقد بلغ عددهم في مطلع القرن الخامس نحو خمسمائة شخص تقريبًا. [5]
وضع يسوع علامةً فارقةً حين قال: «بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبُّ بَعْضٍ لِبَعْضٍ» (يو 13: 35). وقد شهد ترتليان (+ 240) على تأثير هذه الوصية ذات الطابع الشرطيّ؛ إذ قال: «إنّ رعايتنا للعجزة، وممارستنا للمحبّة المتحنّنة، هي التي تُميّزنا في نظر الكثير من خصومنا. فهم يقولون: فقط انظروا كيف يحبّون بعضهم بعضًا، انظروا كيف أنّهم مستعدّون أن يموتوا بعضهم من أجل بعض.» [6]
وقد تجسَّدت المحبّة المسيحيّة في أزمنة الأوبئة والأمراض والكوارث والحروب. وظهرت محبّة المسيحيّين الباذلة، لا للمسيحيّين فحسب، بل لجميع المحتاجين والمرضى والمتروكين، حتّى للوثنيّين، الذين كانوا يضطهدونهم. في القرن الميلاديّ الثالث، ضرب وباءٌ خطيرٌ الإمبراطوريّةَ الرومانيّة وحصد نحو نصف سكّان المدن الكبرى مثل الإسكندريّة وقرطاجة. خلال هذا الوباء، ظهرت شجاعة المسيحيّين حيال إخوتهم وحيال الوثنيّين أيضًا. وقد شهد على ذلك البابا ديونيسيوس الإسكندريّ (+ 264) في رسالته الفصحيّة عام 260:
«أظهر معظم إخواننا المسيحيّين وفاءً وحُبًّا لا حدَّ لهما، ولم يبخلوا بأنفسهم قطّ، ولم يفكّروا إلّا في بعضهم البعض. لقد تولّوا مسؤولية المرضى، مُستهينين بالخطر المُحدق بهم، ساهرين على كلّ ما يحتاجون إليه، خادمين إيّاهم في المسيح. ومعهم غادروا هذه الحياة بهدوء وهم سُعداء، إذ إنّهم أصيبوا بالمرض من خلالهم، مُجتذبين لأنفسهم مرض أقربائهم، وقبلوا آلامهم بفرح، الكثيرون أثناء رعايتهم وعلاجهم للآخرين نقلوا المرض لأنفسهم وماتوا بدلًا عنهم.» [7]
هذا السلوك كان في تناقض صارخ مع سلوك الوثنيّين الذين هجروا مرضاهم في الوباء، وتركوا الجثث في الشوارع بلا دفن. ويكتب ديونيسيوس الإسكندريّ في إحدى رسائله:
«تصرّف الوثنيّون بشكل مُخالف تمامًا. في البداية الأولى للمرض، دفعوا بالمصابين بعيدًا عنهم، وهربوا من أعزّ أعزّائهم، مُلقين بهم في الطرق قبل أن توافيهم المنيّة. وتعاملوا مع الجثث غير المدفونة كقذارة، راجين بذلك أن يتفادوا العدوى، وانتشار المرض المميت. وبالرغم من أنّهم فعلوا ما في وسعهم، إلّا أنّهم وجدوا صعوبةً بالغةً في الهروب.» [8]
وقد اعترف الوثنيّون نفسهم بالفارق الذي لمسوه في الأخلاق المسيحيّة، فيقول الإمبراطور يوليان (+ 363) في رسالة إلى أحد الكهنة الوثنيّين: «أعتقد أنّه عندما تمّ إهمال الفقراء، وتجاهلهم الكهنة، اهتمّ بهم الجليليّون الملحدون، وكرّسوا أنفسهم للإحسان». وقال أيضًا: «الجليليّون يدعمون ليس فقراءهم فقط، بل فقراءنا أيضًا، كلُّ إنسان يمكنه ملاحظة أنّ شعبنا تنقصه المساعدة من جانبنا.» [9] وهذا ما دفع راودني ستارك، عالم الاجتماع الأمريكيّ، ليعزو نموّ المسيحيّة إلى الأسباب الآتية: [10]
حقًا إنّ المحبّة، وأفعال المحبّة، لم تسقط أبدًا، ولا يزال لها الأثر الفارق في شخصيّة المسيحيّة ورسالتها.
ربما طالعت القارئ ذات مرّة صورة لفتاة جميلة تحمل جرّةً في يمناها، وفي يسراها تحمل مشطًا؛ إنّها القدّيسة ڨيرينا، وهي فتاة مصريّة صعيديّة تنتمي إلى إحدى قُرى مركز قوص بمحافظة قنا. كانت ڨيرينا من ضمن الوفد الطبّيّ الذي ضمّ مُمرّضاتٍ مصريّاتٍ كُنّ في صُحبة الكتيبة الطيبيّة المصريّة، وذلك نسبةً إلى طيبة، أي الأقصر، وهي كتبية مصريّة مسيحيّة خرجت لمساعدة الجيش الرومانيّ في الحرب في سويسرا، وعلى حدود فرنسا. وقد أبلوا بلاءً حسنًا في الحرب، ولكنّ الإمبراطور مكسيميانوس أمر بقتلهم جميعًا عندما رفضوا إكرام أوثانه.
وصاحبَ الكتيبة الطيبيّة بعض العذارى القبطيّات، اللواتي كنّ يقمن بإعداد الطعام ورعاية الجرحى وغير ذلك من الأعمال، وكانت القديسة ڨيرينا التي ذكرناها من بينهن. فلمّا قُتل أفراد الكتيبة كلّهم، لم تُغادر راجعةً إلى مصر، بل بقيت تخدم الربّ يسوع في مكانها. فهَدَت الشعب الوثنيّ إلى المسيحيّة، وقامت بتعليمهم أسس العلاج من الأمراض عبر استعمال بعض الأعشاب الطبّيّة، كما لقّنتهم أصول النظافة الجسديّة عبر الاغتسال بالماء. وهي تُصَوَّر على النحو المذكور آنفًا تخليدًا للدور الذي قامت به هذه المصريّة في العناية بمرضى أوروبا، وفي تعليم أهلها النظافة، وذلك قبل أكثر من خمسة عشر قرنًا. [11]
وكتطبيق عمليّ لتأثير المحبّة المسيحيّة، ظَهَرَ أوّل مشفى في التاريخ في كبادوكيّة في زمن باسيليوس الكبير، الذي شَرَعَ بعد تنصيبه أسقفًا لمدينة قيصريّة عام 370 في إنشاء مُجمّع خدميّ ومَشفى خيريّ خارج أسوار قيصريّة. وقد اكتمل بناء هذا الصرح في العام 372، وسُمّي «الباسيلياد». وقد سمّاه القدّيس غريغوريوس النازينزيّ «المدينة الجديدة»[12]. كان هذا المشروع الخيريّ يخدم المرضى والعجزة والأرامل والأيتام والمُسنّين، وقد ضمّ قسمًا مُختصًّا بمرضى الجذام، الذين كانوا قبلًا مرفوضين في المجتمع.
ثمّ انتشرت المشافي في الإمبراطوريّة الرومانيّة. ففي العام 373، أنشأ مار أفرام السريانيّ مشفى يضمّ ثلاثمائة سرير. كما أقامت الإمبراطورة أوذوكسيّا مشفىً في كلّ من أورشليم والقسطنطينيّة، وأسّس الذهبيّ الفم عددًا من المشافي وأقام على رئاستها بعضًا من الكهنة. في عام 2012، قام مارك أندرسون في أطروحة دكتوراه وضعها في جامعة ييل في أميركا عن المستشفيات والملاجئ بتحديد نحو 297 مشفىً وملجأ للمرضى أقيمت في حوض البحر المتوسّط، وذلك في أربع عشرة مقاطعةً من أصل خمس عشرة من مقاطعات الإمبراطورية الرومانيّة علاوةً على ما أقيم في أرمينيا وفارس، بحلول العام 700م.
وأمَّا العرب، فقد استمدوا أطباءهم من المسيحيين أمثال عائلة بختيشوع، ويوحنا بن ماساويه، من خريجي مدرسة جنديساپور، وهي بلدة بإقليم خوزستان، بين البصرة وفارس، بناها ساپور الأول الساسانيّ، أبن أزدشير، وأسكنها سبي الروم إثر حربه مع أورليان الإمبراطور الرومانيّ. واشتهرت جنديساپور بمدرستها الطبيّة المتميزة، وأطبائها الأكفاء، وبيمارستانها [مشفاها] الذي أنشأه كِسرى؛ وقد كان هذا البيمارستان -السابق على ظهور الإسلام بثلاثة قرون- نِعمَ المُلهِم والمُعين للعرب على إنشاء البيمارستانات بعد ذلك في بلادهم والأمصار التي دخلوها. وقد استطب رسول الإسلام والخُلفاء من بعده على أيادي الكثيرين منهم، مثل الحارث بن كَلَدة وابنه النضر بن الحارث، وابن أثال، وأبا الحَكم الدمشقي، وغيرهم. وفي عام ٨٠٥ م، أنشأ الخليفة هارون الرشيد مشفىً في عاصمته بغداد، نَقلًا لتجربة مشفى جنديساپور، كان من أعلامه من النصارى، بختيشوع بن جورجيوس، وحُنين بن إسحاق، وإسحاق بن حُنين. ومن القرن التاسع حتى القرن الثالث عشر، بنى الحُكام العرب المشافي في جميع أرجاء الدولة الإسلاميّة الممتدة من إسبانيا إلى الهند.[13]
وبسقوط الإمبراطورية الرومانيّة -في القرن الخامس الميلاديّ- بدأت الحِقبة التي عُرفت بالقرون الوسطى، وخلال هذه الحِقبة -التي دامت عشرة قرون- انعدم الإنتاج العلميّ والثقافيّ تقريبًا، ولم يتحقق أي إنجازٍ علميّ أو ثقافيّ في القارة الأوروبيّة بأسرها. بل أنه وحتى منتصف القرن الرابع عشر، كان متوسط عمر الفرد يتراوح ما بين ثلاثين وخمسة وثلاثين عامًا، وطفل واحد من بين كل خمسة أطفال يموت أثناء الولادة! لم تعرف أوروبا آنذاك نسقًا طبيًّا مُنظمًا، ولا سبيلًا لتطوير البحوث العلميّة، بل وانحدر التعليم أيضًا؛ فانتشر الجهل والخرافات، والتداوي بالسحر والرُّفات كنتيجة لذلك. لكن في الأديرة كان الوضع مختلفًا نوعًا ما؛ فقد كان الرُّهبان وحدهم هم القادرون على القراءة والكتابة. واستمر الحال على ذلك المنوال إلى أن بدأ عصر النهضة في القرن السادس عشر.
وفي القرن السادس عشر، زمن حركة الإصلاح، وتحديدًا عندما ضرب الطاعون أوروبا، ظهرت آنذاك دعاوى تُسَوِّل للمسيحيّين ترك مرضاهم ليلقوا مصيرهم، وكان التبرير هو الخضوع لإرادة الله، لكونه مَن سمح بهذا الوباء تأديبًا للناس كي يقتادهم إليه. ولكنّ المُصلِحين الإنجيليّين رفضوا هذا الموقف تمامًا، ودعوا إلى مُعالجة المرضى ورعايتهم بكلّ الوسائل المتاحة.
قدّم اللاهوت المُصلَح إيمانًا يرتكز على نعمة الله من جهة، وعلى وزنة العقل من جهة أخرى. في أغسطس من العام 1527، ضرب الطاعون مدينة ويتنبرج، وهرع العديد من مواطني لوثر بحياتهم (إلى الهرب؟)، وطالب حاكم المقاطعة لوثر بالمغادرة على الفور لإنقاذ حياته. ولكنّ لوثر اختار البقاء لخدمة أولئك المنكوبين. سَخِرَ العديد من الألمان من مواطني ويتنبرج لهروبهم، فكتب قسّ ألمانيّ يُدعى چون هَس للوثر يسأله كيف على الراعي أن يتصرّف عند مواجهة مثل هذا الطاعون، فأجابه لوثر في خطاب عُنونَ بـ«هل للمرء أن يهرب من الطاعون القاتل؟».
نحن الذين نعيش الآن بعد أن اكتشف لويس باستور الجراثيم، المستفيدين من التطوّر العلميّ والمستشفيات الحديثة، لا يمكننا أن نتخيّل كم كانت الظروف مختلفةً في ويتنبرج في زمان لوثر. دعا لوثر إلى اتّخاذ خطوات عمليّة لاحتواء انتشار المرض مثل تخصيص بعض المباني العامّة وتحويلها إلى مستشفيات للمرضى، بدلًا من السماح لهم بالتواجد في مئات المنازل الخاصّة. كما حثّ المسيحيّين على تعقيم منازلهم وساحاتهم وشوارعهم لوقف انتشار الطاعون، وطالب بنقل مقبرة ويتنبرج خارج الحدود. وعن الاحترازات الوقائيّة في زمن الطاعون كتب لوثر في رسالته:
«سوف أطلب من الله الرحوم أن يحمينا. سوف أستخدم موادًّا مطّهرةً، سأتناول الدواء. سأتجنّب الأمكنة والأشخاص حيث وجودي غير ضروريّ كي لا ألتقط العدوى أو أُعدي الآخرين وأتسبّب بموتهم بسبب إهمالي. فإذا شاء الله أن يأخذني إليه، سوف يجد بأنّني قد فعلت ما انتظر منّي أن أقوم به، كي لا أكون المُتسبّب بموتي وموت الآخرين. إذا احتاج لي جاري، لن أتردّد في الذهاب إليه حيث هو. لكن سألتزم بالإجراءات التي قرّرت أن أقوم بها لأحفظ نفسي من العدوى. هذا هو الإيمان الذي نسمّيه مخافة الله، لأنّه إيمان غير مُتهوّر، ولا يُجرّب الله.» [14]
قدّم زوينجلي (1484-1531)، وهو بمثابة أب الإصلاح في سويسرا، شهادةً حيّةً بعدما انتقل إلى زوريخ العام 1519. فأثناء خدمته هُناك، ضَرَبَ الطاعون المدينة ولقي ثلث سُكّانها تقريبًا حتفهم. فاختار بقلب راعٍ ألّا يترك سُكّان المدينة لمصيرهم المظلم، بل بقي كراعٍ أمين لهم يعتني بالمرضى والموتى. وبرغم التدابير الاحترازيّة، فإنّ عدوى الطاعون قد تسلّلت إليه، وكان على شفير الموت لولا أنّ عناية الله جعلته يتماثل للشفاء خلال ثلاثة أشهر. إنّ بقاء زوينجلي مع رعيتّه وسط الوباء والموت لاقى كلّ تقدير من أهل زوريخ.[15]
يُشدّد كالڨن، في كتابه «أسس الدين المسيحيّ»، على عدم إغفال الوسائل المُتاحة، ومنها العلاجات والأدوية، ويقول في معرض حديثه عن العناية الإلهيّة الوسائل المُتاحة:
«إن عانى هذا الإنسان الورع أيَّ خسارة نتيجة الإهمال أو الاستخفاف، فسوف يستنتج أنَّ ذلك حصل بمشيئة الربّ، لكن سيعزوه أيضًا إلى نفسه. لنفترض أن داءً قضى على مريض قصّر [الإنسان الورع] في علاجه، مع أنّ واجبه كان الاعتناء به؛ فمع أنّه يعلم أنّ المريض قد وصل إلى طريق مسدود، لن يحسب إخفاقه أقلّ جدّيّةً؛ بالأحرى، ومن حيث إنّه لم يقم بواجبه بأمانة من نحوه، سيعتبر أنّ هذا الأخير قد قضى نتيجة إهماله… مع أنّ يوآب قد استشرف أنّ نتيجة المعركة ستكون بيد الله، لم يستسلم للخمول، لكنّه تبوّأ بدأبٍ مهام دعوته. بل أكثر، سلّم إلى الربّ قرار المآل، وقال: «تَجَلَّدْ وَلْنَتَشَدَّدْ مِنْ أَجْلِ شَعْبِنَا وَمِنْ أَجْلِ مُدُنِ إِلهِنَا، وَالرَّبُّ يَفْعَلُ مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ» (2صم 10: 12). ستدفعنا هذه المعرفة ذاتها لنتخلّى عن التهوّر والثقة المفرطة، وترغمنا باستمرار على طلب الله. كما أنّها أيضًا ستُكيّف أذهاننا برجاءٍ صالحٍ، حتّى إنّنا بثقةٍ وإقدامٍ لا نتردّد في ازدراء تلك المخاطر المُحيقة بنا.» [16]
ومنذ بواكير عمل الإرساليّة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر (1854)، اهتمّت، إلى جانب اهتمامها الروحيّ بخلاص الإنسان، بالعناية بالصحّة. فكان راعي القرية يتدرّب على الإسعافات الاوّليّة، ويحتفظ بالأدوية والأمصال لعلاج الجروح والحروق، ولدغات العقارب والثعابين. وقد بدأت الخدمة الطبّيّة في الكنيسة الإنجيليّة المصريّة بعد بداية العمل الروحيّ بفترة وجيزة. فبينما بدأ العمل الروحيّ في العام 1854، بدأ العمل الطبيّ في العام 1870، واستُهلّ أوّل عمل طبّيّ منتظم في أسيوط نحو العام 1886. فظهر مُستشفى أسيوط، ثمّ تلاه مُستشفى طنطا. [17]
في مطلع القرن العشرين، سعى المصريّون المسيحيّون إلى عمل مصريّ خالص في هذا المجال، وهو ما دوّنته مجلّة «الهدى» على صفحاتها عام 1937: «المصريّون يتسابقون لقيام مؤسّسات مصريّة موازية لعمل الإرساليات: مُستشفى إنجيليّ وطنيّ»[18]. وما زالت المسيرة مستمرّة. وعلى صعيد آخر، اهتمّت الإرساليّة الإنجيليّة بتدريب الفتيات على مهنة التمريض، وذلك عبر مدرستين افتُتِحتا لهذا الغرض، واحدة في أسيوط (1925) وأخرى في طنطا (1949). وكانتا تُقدّمان للطالبات منهجًا كاملًا للتمريض لمدّة ثلاث سنواتٍ يَصرنَ بعدها ممرّضات محترفات. [19]
هكذا استطاع تعليم المحبّة المسيحيّ في العصور المسيحيّة المبكرة وما تلاها أن يغيّر نظرة المجتمع للمريض والعاجز تغييرًا كلّيًّا لم يقتصر على الجانب الأخلاقيّ فحسب، بل امتدّ إلى استحداث إجراءات مجتمعيّة كان لها بالغ الأثر في تغيير وجه العالم القاسي. فقد قدّمت المسيحيّة للعالم قيمةً مُعاشةً برزت في أزمنة الضيق والأوبئة حينما أمسكت بالتعليم الصحيح. أمّا عندما خفت بريق هذا التعليم وخبا نوره، انحرفت الكنيسة وتخبّط المجتمع في ظلمات الجهل والقسوة.
والسؤال الآن ونحن في زمان الوباء: هل تمتلك الكنيسة نورًا ومِلحًا تُقدّمه للعالم، أم إنّها ضائعة تتلمّس خطواتها مُتخبّطةً في الظلام وتائهةً في طرقات التعليم المشوّش، تضرب أمواجُ الخوف جنباتِ سفينتها، فلا تُبصر ولا تقدر أن تقف في وجه الريح لتُعين البائسين؟
[1] John Chrysostom, PG 51:355, quoted in Norman Underwood, Medicine, Money, and Christian Rhetoric, studies in Late Antiquity, Vol.2 (2018), 342-384, 370.
[2] راجع مثلًا ما ورد في يو 5: 2- 3 في قصة مريض بركة بيت حِسدا.
[3] Henry Sigerist, The special Position of the Sick, in Culture, Disease, and Healing, ed. David Landy (NY: Macmillan, 1977), 94.
[4] 1يو 4: 1.
[5] Gary Ferngren, Medicine and Health Care in Early Christianity, (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 2009), 119-131.
[6] Tertullian, Apology XXXIX, quoted in Adolf Harnack, The Mission and Expansion Of Christianity in the First Three Centuries, trans. & ed. James Moffat (Harper & Row Publishers, 1972), 149.
[7] Dionysius of Alexandria, Paschal letter quoted in Stark, The Rise Of Christianity:A sociologist Reconsiders History (Princeton, N.J: Princeton University Press, 1996), 82.
[8] Dionysius of Alexandria, Paschal letter quoted in Stark, 83.
[9] Julian the Apostate, letters quoted in stark, 83-88.
[10] Stark, 73-128.
[11] روت جرجس، سمير فوزي، القديسة ڨيرينا والفرقة الطيبية، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبي للنشر).
[12] Gregory Nazianzus, The panegyric on st. Basil in NPNF, second series, Vol. VII 416.
[13] أحمد عيسى، تاريخ البيمارستانات في الإسلام، (بيروت: دار الرائد العربي، 1982م)، ط2، صـ 61-63.
[14] Mary Jane, The annotated Luther: volume 4 pastoral writings, Luther’s letter known as “Whether One May Flee from a Deadly Plague?”, Augsburg Fortress, Publishers, pp. 385-410.
[15] ميرل دوپينياه، تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر، ترجمة: إبراهيم الحوراني، (بيروت: مكتبة المشعل، 1982م) طـ3، صـ 319-335.
[16] چون كالڨن، أسس الدين المَسيحي، ترجمة: أديب عوض، وليد هرموش، ڨيكتور مكاري، تحرير: چورچ صبرا، (بيروت: دار منهل الحياة، 2018م)، طـ2، جـ1، صـ 212-213.
[17] إميل زكي، ڨينيس نقولا، الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر، (القاهرة: دار الثقافة، 2015م)، صـ 235-241.
[18] مجلة الهُدى، (القاهرة: مجلة الكنيسة الإنجيليّة بمصر، 1937م).
[19] إميل زكي، ڨينيس نقولا، الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر، (القاهرة: دار الثقافة، 2015م)، صـ 161.