أنواع الخبرة الروحية المسيحية
- Sermon By: د. ايهاب الخراط
- Categories: دراسات متنوعة
يحاول هذا المقال أن يقدم أولًا تعريفًا لما هي الروحانية، من وجهة نظر مسيحية، ثم يعرض لمعاني “الخبرة الروحية” وأخيرًا يستعرض ألوان الخبرة الروحية المسيحية.
أولًا: ما هي الروحانية؟
يقدم الطبيب النفسي الشهير سكوت بيك Scott Peck تعريفًا للروحانية بالقول: “طريق الروحانية يتضمن تقبل المعاناة، والانفتاح على الجمال، والاستعداد لنضال شاقٍّ في سبيلٍ صاعدٍ نحو الحب الكريم المتفاضل gracious”. بينما يقترح عالم عملاق آخر هو ليون جيستينجر أن الروحانية: “هي بُعد ضامٌّ connective للنفس والآخرين والعالم ولكينونة متسامية… وهي ما يقودنا إلى ما هو سر Mystery ويسمح لنا بأن نعيش النشوة ويدفعنا نحو التضحية بالذات”. بينما يتحدث عالم النفس واللاهوتي الوجودي بول تيليش عن “قوة فينا وليست منا” وهي ما يتعلق “بالاهتمام الأقصى” Ultimate concern.
آن هندرسون، العالمة الرائدة في مجال الاستردادية (المدخل الرئيسي للوقاية من الإدمان والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر) تقدم تعريفًا أبسط ولا يقل عمقًا فتقول: “الروحانية هي أن يكون لنا هدفًا يتجاوز أشخاصنا وعائلاتنا، وأن نقدر أن نستلهم قوةً مما أو ممن يتجاوز أشخاصنا لمواجهة ضغوط الحياة”.
ويوضح عالم النفس الواسع التأثير كين ويلبر أن هناك فرقًا بين الروحانية التي تنبع بما هو خارجنا exoteric ، والروحانية التي تنبع من داخلنا esoteric. ولذا هو وهندرسون وباقي من ذكرت يضعون تمايزًا بين “الروحانية” و”التدين”. التدين يتضمن الاعتقاد بتفسير نهائي لكيف وجد الكون ما هي غايته وكيف سينتهي، ومجموعة من الوصايا الأخلاقية، وشكلًا مؤسسيًّا لتنظيم وامتحان الخبرات الروحية، وتنظيم ودعم المسيرة الحياتية. وبهذه المعاني كلها يمكن للإنسان أن يكون “روحانيًّا” دون أن يكون متدينًا على الإطلاق، بل يتحدث البعض عن “روحانية إلحادية”. بينما يمكن للإنسان أن يكون متدينًا بلا روحانية. وبطبيعة الحال، يمكن أن يكون التدين إطارًا للروحانية أيضًا.
لعل الـ 12 خطوة هي من أهم -إن لم تكن أهم- سُبُل التعافي من الإدمان. وهي تقوم على “قوة أعظم منا” هي “الله كما يفهمه كلٌّ منا”، وبالتالي تنفتح على كل الديانات، وتسمح حتى لغير المؤمنين بأي ديانة أن ينضموا لها. لكنها تضع معايير خاصة أيضًا لنوعية روحانيتها؛ فهي تتحدث عن “إلهٍ مُحِبٍّ يعتني بنا”، ونعرفه في ضمير مجموعاتنا، ويدعونا لخدمة الآخرين، وعمل جردٍ جَسورٍ للطبيعة الحقيقية لعيوب شخصياتنا، وطلب من الله أن يغير هذه العيوب.
ومن هذا المنطلق، يمكن تصور روحانية غير مرتبطة بأي دين، بل هناك من يدعو إلى روحانية ملحدة، كما في كتاب أندريه كومت- سبونفيل André Comte-Sponvilleبهذا العنوان مثلًا، وهي تتمثل في السعي نحو ما هو دال، وإنشاء تواصلات واختبار التعجب amazement في الكون المفعم بالطاقة.
أما من وجهة النظر المسيحية فالروحانية كما في كل رؤية العالم من المنظور المسيحي- ترتبط بالمسيح نفسه: معرفته، التمثل به، الحياة فيه ومنه وله ومعه. هي أن يتصور المسيح في أذهان وقلوب وسلوك المسيحيين، ومن ثم فتعبيرات مثل قبول الألم والسعي للمحبة غير المشروطة وتذوق الجمال، ومثل أن نعيش لما هو أعظم منا، ونستمد قوة مما هو أو من هو أعظم منا، تجد في الروحانية المسيحية تحققها في العلاقة مع المسيح، مجد الآب وصورته، بالروح. الروح القدس هو الذي يمجد المسيح ويرشد للحق وليس غيره يمجد المسيح. إذن فمحبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان (أمانة) وداعة تعفف هي ثمر هذا الروح. لكن لعلنا كمسيحيين يشكِّل الكتاب المقدس فكرنا، ومن ثم يضع شكل روحانيتنا وهذا مفروغ منه. لكن لعلنا أيضًا نسعى لإثراء قراءتنا للكتاب وتفهمنا للمسيح المعلن فيه من خلال تتبع معاني الروحانية من خارج الكتاب أيضًا، وأسرع فأقول بما لا يتناقض مع الكتاب، بل بما يظل محكومًا به.
كثيرًا ما تنحدر “الروحانية” إلى تزمُّت ضيق (فريسية) أو تهويمات بلا محتوى ولا فعالية، ولا تبرأ المسيحية من هذه التشوهات. “روحانية” تكتفي من الأخلاقيات بالقشور أو بوضع قائمة من أخلاقيات البرجوازية المحافظة وضيقة الأفق.
ثانيًا: ما هي الخبرة الروحية؟
الخبرة الروحية إذن هي خبرة ذاتيةsubjecting تتعلق لا بمشاعرنا الجسدية، بل بأفكارنا وأحاسيسنا الداخلية وتؤثر على قراراتنا وسلوكنا.
هي خبرة تؤدي إلى اتساع مداركنا ونمو وعينا، لكن بالضرورة وبحسب تعريفها، يجب أن تقود هذه الخبرة إلى مزيدٍ من الروحانية الأخلاقية أو التطبيقية كما قمنا بتعريفها. أي أن “الخبرة” إن لم تؤدِّ إلى القيم التي أسلفنا ذكرها، تكون خبرةً مشوهةً أو على أقل تقدير ناقصةً.
في علم النفس ما يُسمَّى خبرة الذروة Experience Peak وهي حالة يشعر فيه الإنسان بمشاعر إيجابية (مثل الفرح أو الرضا أو السلام… إلخ) بينما ما يقوم به أو يؤدي به إلى هذه الحالة هو متسقٌ مع قناعاته ويتفق مع مبادئه اتفاقًا كاملًا. وبطبيعة الحال قد تكون خبرة الذروة هذه روحانيةً متعلقةً بما هو أبعد من الإنسان/ الفرد أو إنسانية محضة؛ كنجاح في العمل، أو تحقيق مُنجَزٍ إبداعي، أو حتى خبرة رومانسية، أو تواصل وسط الأسرة أو أمام الطبيعة… إلخ.
خبرات الذروة تتضمن الخبرات الروحية (الصوفية أو المستيكية) لكن تتسع لتضم خبرات أخرى. لكن تعريفها ودراستها يتيحان فهمًا أعمق للخبرات الروحية عمومًا، كما يتيحان لنا تصورًا أكثر واقعيةً لفهم وتمييز الخبرات الروحية المسيحية. الخبرة الروحية هي نوع من خبرات الذروة توسع إدراكنا وينتج عنها تحول داخلي ووعي باتصالنا بما هو -أو من هو- أعظم وأكثر جلالًا وجمالًا منا.
فإذا سحبنا هذا التعريف على الخبرات الروحية المسيحية نجده منطبقًا، فيما عدا أنه في الخبرة المسيحية يكون اتساع الإدراك هو إدراكًا أوسع لمن هو الله في وجه يسوع المسيح والتحول الداخلي يجعلنا أقرب شبهًا بهذا الذي أدركناه. والجلال والجمال الذي نعانيه في هذه الخبرة هو جلال مجد وبهاء جمال الرب.
ثالثًا: ألوان وأنواع الخبرة الروحية المسيحية
- من جهة السعي واللقاء
تبدو لنا الخبرات الكتابية الروحية واصفةً لثلاث درجات من الخبرة: العطش/ الشوق، ثم اللقاء، وأخيرًا الإرسالية.
- العطش/ الشوق: “كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟” (مزمور 42: 1-2).
ليس الشوق لله مجرد “احتياج”، لكنه في ظني “خبرة روحية” في حد ذاته؛ من حيث إنه يربطنا بما هو أعظم منا، ويدفعنا له، ويثير فينا مشاعر وسلوكًا جديدًا بتفعيل تغيير داخل نفوسنا. بل إن هذا الشوق نفسه إن سكن باللقاء، يكون شوقًا ناقصًا؛ لأن اللقاء مع الله بقدر ما هو مشبع ويفعم القلوب بالرضا والسكينة هو أيضًا دافعٌ لمزيد من العطش ومزيد من التعلق بمعرفة ما لا يمكن إدراكه بالتمام في هذه الحياة.
- اللقاء: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ” (2ملوك 5: 16).
“وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ” (2كورنثوس 3: 18).
إذن هذا اللقاء ليس فقط يملأ وعينا بحياة الرب وقلوبنا بالفرح به، بل هو أيضًا يغير أذهاننا وسلوكنا إلى شبه المجد الذي نلتقي به.
ج- الإرسالية:
“فَحَمَلَنِي الرُّوحُ وَأَخَذَنِي، فَذَهَبْتُ مُرًّا فِي حَرَارَةِ رُوحِي، وَيَدُ الرَّبِّ كَانَتْ شَدِيدَةً عَلَيَّ” (حزقيال 3: 14).
“ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي»” (إش 6: 8).
“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ»” (يوحنا 20: 21-22).
الإرسالية لا تعني ثبات المشاعر الإيجابية (الفرح والسلام)، لكن هذه المشاعر في سياق الخبرة الروحية تثبت الطريق أمام تحمُّل صعاب هذه الإرسالية، بل أن العطش واللقاء إن لم تتبعه إرساليةٌ يكون خبرةً روحيةً مُبتسَرةً أو ناقصةً.


