إعادة ترسيم الحدود والمشاعر بعد كورونا!
- Sermon By: هاني لبيب
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
“أهم شيء هو صحة المواطن وليس المال”
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
“العالم في حالة حرب مع عدو خفي وسننتصر..”
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
“مكافحة انتشار فيروس كورونا هي التحدي الأكبر”
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل
“لقد تغير العالم.. وغدًا لن يشبه اليوم”
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
“أسوأ كارثة لهذا الجيل.. ستفقدون المزيد من أحبائكم”
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون
“جائحة الفيروس التاجي.. ستغير إلى الأبد النظام العالمي”
وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر
منذ الإعلان الصريح عن تفشي فيروس كورونا “كوفيد 19” في الربع الأول من سنة 2020، والتعامل معه باعتباره وباءً عالميًّا، اتخذت غالبية الدول إجراءات سريعة غير متوقعة، وقرارات أممية، خاصة بعد تجاوز عدد الإصابات آلاف الأشخاص، وتصاعد إجمالي الوفيات.
وعلى الرغم من ارتباط المجتمعات الأوروبية في الأذهان بقواعد الحياة المنضبطة والمستقرة، خاصة في المجال الصحي، إلا أنها ذاقت مرارة الكأس، وتنغيص العيش، وتقلب الأحوال، والقلق من المصير المجهول، إذ أن فيروس كورونا لم ينظر، في انتشاره السريع، إلى الحدود الفاصلة بين الدول، لكنها لم تقف متفرجة على الوباء وهو يحصد أرواح مواطنيها، بل اتخذت بشكل سريع للغاية تدابير احترازية، وإجراءات وقائية صارمة، استنادًا إلى العقل لا العاطفة، والعلم لا الفهلوة، تدابير وإجراءات ترتب عليها إغلاق المجال العام بما فيه دور العبادة، رغم محاولة البعض تصوير المشكلة باعتبارها وباءً وابتلاءً واختبارًا وعقابًا إلهيًّا، وليس علمًا ووقاية واحترازًا، وقد روَّجوا في البداية لنجاتنا، وإصابة الغرب غير المؤمن، ولم يعلق أحد بعد ذلك عن وصول الوباء إلى بلادنا، بلاد الديانات السماوية، وهل يفرق فيروس كورونا بين البشر حسب الإيمان والإلحاد؟!
لقد توقفت حركة طيران المسافرين في غالبية دول العالم، وفُرض حظر التجوال، وأُغلقت الأندية والمقاهي والمطاعم، وتدريجيًّا أُغلقت المستشفيات كذلك، واقتصرت على إجراء المسحات والتحليلات الخاصة بالفيروس، أو للعزل الصحي، ضمانًا لتقديم خدمات صحية مُركَّزة، وتجنبًا لعدم نقل العدوى لمزيد من غير المصابين. باختصار لقد تجمدت مناحي الحياة كافة، باستثناء الفتح المشروط لأماكن بيع الطعام والصيدليات.
وتباينت الإجراءات الاحترازية، في دول العالم، من حيث درجات المرونة، بداية من سياسة الإغلاق، مرورًا بحظر التجوال لساعات وفترات متغيرة، وصولًا إلى فرض كثير من العائلات الحجر المنزلي على أنفسها تجنبًا للإصابة.
ملاحظات..
والتي يمكن رصدها على النحو التالي:
– انتشار الكثير من الأخبار المزيفة، ووجود تضارب في المعلومات والبيانات والإجراءات الطبية سواء في الوقاية من الفيروس أو أسباب العدوى أو وجود بروتوكول موحد للعلاج، وهو الأمر الأساسي، الذي ارتكزت عليه دول في تقنين حريات مواطنيها، في مواجهة المجهول، بعد التشكيك في تأثير ونجاح بعض السلوكيات من عدمها، مثل غسل الأيدي أو التباعد الاجتماعي، في الحماية من انتشار كورونا.
– أكد فيروس كورونا عدم قدرة أي دولة على مواجهة هذا الوباء بمفردها، خاصة بعد انهيار النظام الصحي في العديد من الدول، رغم أنها من المفترض الأكثر قدرة على المواجهة، إذ تمتلك أنظمتها الطبية سمعة عالمية لطالما كانت مصدر فخرها واعتزازها، لدرجة جعلت العديد من الدول الأخرى تسعى إلى شرائها وتطبيقها قبل اختبار كورونا العملي لقوتها المزعومة، لقد بدت تلك الأنظمة وهي تواجه الفيروس كأنها مجرد بالونات ضعيفة في مواجهة إبر حادة مسنونة.
– أغلقت دول الاتحاد الأوروبي الحدود فيما بينها، وقامت بتأمين المخزون الاستراتيجي للمستلزمات الطبية الحيوية، سواء الأجهزة أو الأدوية، ولكن الإجراءات لم تكن كافية، إذ أصبحت مستشفياتها غير قادرة على إنقاذ المرضى، بعد أن تزايدت الأعداد بدرجة تفوق القدرة الاستيعابية للغُرف والأسرَّة.
– لم يساند أحد من الاتحاد الأوروبي إيطاليا وإسبانيا بعد إعلانهما الاحتياج للمساعدة الطبية. ووصل الأمر إلى قيام بعض جيرانهما بالسطو على أجهزة طبية وأدوية كانت في طريقها إليهما.
– لم يحدث انهيار اقتصادي مباشر، رغم ما جرى للعديد من دول العالم من جرَّاء كابوس كورونا، وبشكل عام.. مثلما خسر البعض، حقق البعض الآخر مكاسب ضخمة، فمثلًا تراجعت أرباح شركات النقل والسياحة – داخليًّا وخارجيًّا – وبالتبعية الطيران والفنادق والمطاعم، ولكن تعاظمت أرباح شركات الـبيع عبر الإنترنت On Line مثل Amazon، وشركات التكنولوجيا والتطبيقات Application والألعاب الإلكترونية والمنصات الإلكترونية Platform. كما استطاعت نتفلكس Netflix استقطاب 16 مليون مشترك جديد خلال الربع الأول من 2020 ليصل إجمالي عدد المشتركين على مستوى العالم إلى 183 مليون مشترك.
مشكلات وتحديات
* فرض حظر التجوال والتباعد الاجتماعي ومنع التجمعات والفعاليات وإجراءات العزل المنزلي التي فرضتها العائلات على أنفسها.. أسهمت في عودة تجمع أفراد الأسرة لفترات زمنية طويلة، بشكل أعاد أجواء التماسك الأسري. والاختبار الحقيقي هو مدى الحفاظ على استمرارية هذه الأجواء فيما بعد كورونا، وتراجع الأمراض النفسية التي اقترنت بها، وإذابة المزيج الثقيل للمشاعر السوداء، القلق والإحباط والاكتئاب والخوف والهلع.
* تغير العالم، وازدادت شراسته في أزمة كورونا، بعد أن اضطرت العديد من الشركات غير الحكومية إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية صادمة، سواء بتسريح كل أو بعض العاملين فيها، أو بخفض الرواتب الشهرية، أو بغلق فروع ومكاتب ترشيدًا للنفقات، والنتيجة النهائية فقد الملايين على مستوى العالم مصدر دخولهم وزيادة نسبة البطالة، تزامنًا مع تراجع حركة التجارة الدولية، وزيادة معدلات الشراء والتخزين.
* تغيَّر سلوك الاستهلاك لدى العديد من فئات المجتمع في استهلاك السلع وتخزينها. إذ قرأنا عن نفاد سلع نتيجة الإنفاق المرتفع للمستهلكين القادرين على تحدي القوة الشرائية، من جانب، وركود سلع أخرى نتيجة استغناء البعض تدريجيًّا عنها، من جانب آخر، وهكذا أصبحت هناك فئتان، لا تستطيع إحداهما مواكبة هذا الشكل من الإنفاق الباذخ، وبالتالي زيادة معاناة الفئات الأقل دخلًا.
* حدوث انخفاض ملحوظ في نصيب الخدمات الشخصية في بعض القطاعات، مثل السفر والتعليم المباشر، وتزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية، وما ترتَّب على ذلك من تغييرات في طريقة تنظيم هذه الخدمات وتقديمها.
* الشك في عودة الكثير من الوظائف الخدمية، واستبدالها بتيسير الإجراءات إلكترونيًّا.
توقعات ما بعد كورونا..
أولًا: لن تكون الحياة على حالها بعد انتهاء أزمة كورونا، وسيكون هناك تقييم وإعادة نظر في أسلوب الحياة والإجراءات الوقائية والصحية، وكذلك إعادة نظر في مفهوم العمل بشكله التقليدي المرتبط بالتواجد ساعات محددة يوميًّا، وتقليص الإدارات، والنظر إلى الإنتاج بعين الاعتبار أكثر من التواجد لمدد طويلة في المؤسسات، وهو ما سيتطلب تغيير آليات العمل والتوظيف والاستهلاك والتنقل، خاصة بعد ثبوت إمكانية الاستثمار الإلكتروني، إذ صار العمل عن بُعد (في المنازل) واقعًا، كما أصبح أمرًا عاديًّا عقد اجتماعات الرؤساء والوزراء والشركات والمؤسسات، اعتمادًا على التطبيقات التكنولوجية مثل Zoom، وكذلك أمكن الاكتفاء بالتعليم عن بُعد، لعدد من المراحل الدراسية سواء في المدارس أو الجامعات.
ثانيًا: تسبب وباء كورونا في انخفاض الإنتاجية وزيادة الديون وفقد كثيرين لوظائفهم، وهؤلاء تحديدًا في أمسِّ الاحتياج إلى سيناريوهات إنقاذ. لقد سرَّع وباء كورونا من وتيرة انتقال العالم إلى احتكار العولمة الجديدة للمجال العام، خاصة بعد تعزيز آليات الاقتصاد الرقمي، والتحول إلى التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، وتزايد العاملين في تلك الشركات، والترسيخ القوي للتعامل بكروت الائتمان، وفي المقابل تحجيم التعامل بالمدفوعات النقدية. إنها بداية ظهور نمط اقتصادي جديد يفرض نفسه بمفاهيم مختلفة، وآليات عمل، وأنماط استهلاكية ستُغيِّر من شكل الحياة كما نعرفها الآن.
ثالثًا: من المتوقع أن تتغير المجتمعات بعد هذا الوباء، كما ستتأرجح الدول بين أن تكون أكثر توحدًا وعزلة، أو انفتاحًا، من خلال صناعة سياسات عُليا مناسبة، وإجراءات وقرارات تحكمها قطعًا المصلحة المباشرة لكل دولة. وستزيد مساحة استخدام أدوات المراقبة لحماية المدنيين، وما يمكن أن يحدث من تجاوزات ضد مفهوم حقوق الشخصية بوجه خاص، وحقوق الإنسان بوجه عام، وسيتم إعادة تشكيل العلاقات الدولية ومفهوم التوازنات الكبرى بين الدول.
وفي نهاية المطاف، لا بد من التفكير بعقلانية، فيما يجري، ومضاهاتها بسيناريوهات شبيهة، وقتها سنصل إلى حقائق بسيطة، فدائمًا ما تتجاوز الحياة الأزمات والكوارث والأوبئة، ودائمًا ما يخرج الإنسان من تحت الأنقاض، متعثرًا وجريحًا، لكنه يستطيع الوقوف على قدميه، خالقًا آلاف الفرص والبدايات الجديدة.


