التحدِّيات التي سبقت الإصلاح
- Sermon By: القس رفعت فتحي
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
اشتعلت شرارة الإصلاح في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، بهدف تصحيح أوضاع الكنيسة، والتركيز على سلطة الكتاب المقدس، ومركزية الربِّ يسوع للخلاص، ورفض كافة الخرافات التي تبتعد برسالة الكنيسة عن مسارها الصحيح.
ولم يكن الإصلاح مجردَ حركة إصلاحيَّة داخل الكنيسة، وإنما تعداها ليشمل المجتمعات الأوربية في ذلك الوقت، وتجاوزها أيضًا ليصل تأثير الإصلاح إلى العالم أجمع، وامتد ليشمل كافة مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية؛ حتى صارت حقبة ما بعد الإصلاح تختلف اختلافًا كبيرًا عن الحقب التي سبقتها، حيث قادت مبادئ الإصلاح إلى نهضة أثرت في مسيرة الحضارة الإنسانية، ونقلت العالم نقلة حضارية غير مسبوقة.
ولم تكن شرارة الإصلاح فجائيةً؛ فقد سبقها الكثير من المحاولات التي قام بها مصلحون في بلدان أوربية عديدة؛ ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل؛ بسبب السُّلطة الغاشمة التي تعاملت بها الكنيسة مع هذه المحاولات الإصلاحيَّة، وكذلك التزاوج السياسي الدينيّ، الذي تمثّل في اتفاق السلطة الدينية مع السلطة السياسية على قمع هذه المحاولات. ورغم أن معظم الذين قاموا بمحاولات الإصلاح قد تم إحراقُهم؛ إلاّ أنهم تركوا آثارًا مهمة في ذاكرة الشعب، الذي رأى أمانة هؤلاء المصلحين، وتضحيتهم في سبيل الحق، ودفاعهم عن قيم الإنجيل.
ومن أهم المصلحين الذين سبقوا مارتن لوثر، نرى جون ويكلف الإنجليزي، الذي ظهر في القرن الرابع عشر، وتحدى سلطة البابا، كما قام بترجمة الكتاب المقدس إلى الإنجليزية الشعبية لأول مرة، مما جعل الكتاب المقدس مُتاحًا للمؤمن العادي. وقد كسب ويكلف أتباعًا كثيرين، الأمر الذي أهاج السلطة الدينية عليه؛ حتى أنهم بعد موته بثلاثين عامًا قاموا بإخراج جثته وحرقها.
وظهر بعد ويكلف بقليل في بوهيميا (يوغسلافيا) جون هس الذي تأثر بويكلف، وبدأ يعظ ضد سلطة البابا وصكوك الغفران، واستطاع أن يكسب كل مدينة براغ، لكن الكنيسة اتهمته بالهرطقة، وقاموا عليه وحرقوه، بعد أن أعطوه وعدًا بالأمان.
وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ظهر سافانا رولا الإيطالي، وهو راهبٌ دومنيكانيٌّ؛ اشتهر بالكرازة والوعظ، والتف حوله الآلاف، وأيَّده حكام فلورنسا، لكن الكنيسة قبضت عليه وشنقته مع اثنين من أصحابه، وحرقت أجسادهم بعد ذلك.
هؤلاء -وغيرهم كثيرون- حاولوا أن يُصلحوا الأوضاع، ورغم قسوة ظروف، وطغيان السلطة، تصدوا بقوة واقتناع، دفاعًا عن الحق، وإعلاءً لكلمة الله. حتى جاء مارتن لوثر في القرن السادس عشر في المانيا، وكان أستاذًا جامعيًّا وراهبًا كاثوليكيًّا، وعلَّق في 31 أكتوبر 1517م على باب كنيسة وتنبرج، منشورًا بعنوان “القوة الفعلية لصكوك الغفران”، يتضمن 95 بندًا للمناقشة داخل الكنيسة. ورغم محاولات السلطة الكنسية التنكيل به، إلاّ أنه وقف بكل قوة وشجاعة، بمساعدة الأمراء الذين كانوا يشعرون بالاستياء من السلطة الكنسية؛ حتى وضع أسس الإصلاح التي انتشرت في كل العالم. وساهم في تقوية وترسيخ الفكر المُصلح.
ضرورة الإصلاح
بدايةً من القرن السادس، دخلت الكنيسة فيما سُمِّي بالعصور المظلمة التي تراجع فيها الإنتاج اللاهوتي، واقتصر على نسخ المخطوطات. وفي القرن العاشر بدأ يظهر بعض التجديد في الأديرة، وبناء كنائس فخمة، وتأسيس جامعات كبرى. وصاحب كل هذا ازدياد كبير في سلطة البابوية. كما تراجع في هذه الفترة الاهتمام بالكتاب المقدس، الذي ظل حبيسًا في الأديرة، وأسيرًا في اللغة اللاتينية التي لا يفهمها الشعب.
واجهت الكنيسة في هذه الفترة وحتى بدايات القرن السادس عشر تحديات كثيرة لم تستطع التعامل معها، ومن خلال تفاعل هذه التحديات مع المجتمع والكنيسة، أُنتجت الحركة الإصلاحية. وأهم هذه التحديات:
- انحراف المنظومة الدينية عن الفكر الكتابي، وتعالي السلطة الدينية، الأمر الذي بدا جليًّا فيما أعلنه البابا أنوسنت الثالث حين قال: “البابا أقل من الله وأعلى من الإنسان، يحاكم الجميع ولا يحاكمه أحد”. وامتدت سلطة البابا لتعلو فوق السلطة السياسية، فأصبح البابا هو مَنْ يعيّن الملك أو يعزله. وعندما تحدى جون ملك إنجلترا سلطة البابا؛ حُكم عليه بالجلد، ونفذ الرهبان الحكم. بالإضافة إلى ذلك، فقدَ الرهبان توجُّهَهم الروحي، وانغمسوا في المجون وحياة الترف. وشاع شراء المناصب الكهنوتية بالمال. كل هذا أدى إلى ضعف تأثيرهم وفقدان رسالتهم.
- صكوك الغفران كان العنوان الرئيس للبنود التي علقها مارتن لوثر هو “القوة الفعلية لصكوك الغفران”. وكان صكّ الغفران عبارة عن وثيقة تعلن غفران الخطايا لشخص معين، نظير مبلغ من المال يدفعه للكنيسة. وكان الهدف من إصدار صكوك الغفران هو تقليل المدة التي يقضيها الشخص في المطهر، وأصبح صك الغفران بعد ذلك، هو الضمان لدخول السماء، دون أي اعتبارات أخرى. ويقول المسؤول عن صكوك الغفران يوحنا تيتزل: “ما إن ترن قطع النقود في الخزانة؛ حتى تقفز الروح من المطهر”. وتنافس الباباوات فيما بينهم على بيع صكوك الغفران، واستُخدمت حصيلتها في تمويل حملات الفرنجة على الشرق، وبناء الكنائس الفخمة، وذهب جزء كبير منها إلى البابا والإكليروس.
- انتشار الفلسفة الإنسانية التي ركّزت على قيمة الإنسان وقدراته، ودعت إلى حرية الفرد، وساندت التفكير العقلاني. وكان من نتيجة انتشار هذه الفلسفة التوجُّه إلى إعمال العقل والبحث والدراسة، والتفكير الحر في الحقائق الكتابية واللاهوتية. وبدأ الناس يفكرون في إصلاح الكنيسة ومعارضة توجهاتها في ذلك الوقت.
- اختراع المطبعة سنة 1456 في ألمانيا بواسطة جوتنبرج، الأمر الذي سهّل من طباعة الكتب، وانتشارها بصورة لم تكن مسبوقة من قبل. وبواسطة المطبعة، تم طباعة الكتاب المقدس، وأصبح مُتاحًا في أيدي الناس. وبدأ الناس يقرأون الكتاب المقدس، ويطبّقونه على أوضاع الكنيسة في ذلك الوقت. كما أن تزايد طباعة الكتب، لم يُمكّن الكنيسة من مصادرتها؛ الأمر الذي ساهم في نشر المعرفة والثقافة، ومهَّد الأجواء لظهور الإصلاح.
- انتشار الجهل وتفشي الخرافات، ووقوف الكنيسة في وجه العلم والعلماء. فقد حكمت على كوبرنيكوس 1543 بالهرطقة، لأنه قال إن الأرض تدور حول الشمس. الأمر الذي أدى إلى تراجع العلماء وانتشار التخلف. وهذا ظهر بوضوح في عبادة مقتنيات القديسين ومتعلقاتهم. هذا الأمر أدى إلى احتقان المجتمع، الذي كان يسير أولى خطواته في طريق العلم والحضارة.
- قَمْعُ الكنيسة الشديد للحركة الإصلاحية، وظهر هذا بوضوح في محاكم التفتيش، التي نشأت داخل الرهبنة الدومنيكانية. وكان هدفها البحث عن الهراطقة والتنكيل بهم. وكان لهم جواسيس يقومون بجمع المعلومات عن الهراطقة وإبلاغ محاكم التفتيش. كانت هذه المحاكم تقدِّم الاتهام دون دليل، وعلى المتهم أن يجد أدلة براءته وليس العكس. وقد تم تعذيب الكثيرين ومصادرة أملاكهم والتنكيل بهم من خلال هذه المحاكم.
بالإضافة إلى ذلك، لم تكن الكنيسة الكاثوليكيَّة مستعدة لتقييم رسالتها وإصلاح نفسها، ولم تستطع قراءة التغييرات السريعة التي كانت تُجرى في المجتمع.
لقد قاد الإصلاحُ العالمَ في القرون التالية، وأثَّر بقوة على الحياة الكنسيَّة والاجتماعيَّة، سواء في انتشار الكنائس المصلحة، أو التطور الذي حدث في الكنيسة الكاثوليكية كرد فعل لحركة الإصلاح الديني.
لقد قدم الإصلاح كلمة الله إلى الناس وأخرجها للنور، وبدأ كل واحد يقرأ الكتاب المقدس في لغته، ويفهمه بعقله. كما أثر الإصلاح على الأوضاع السياسية والاجتماعية؛ فانتشرت الدعوة إلى العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وعمل الإصلاح على فصل الدين عن الدولة، ومهد الطريق إلى عصر التنوير، الذي قاد العالم إلى نهضة حضارية غير مسبوقة.
إن الإصلاح لا يجب أن يكون مفهومًا جامدًا، ولكنه حركة ديناميكية متغيّرة، ويجب أن يكون جزءًا من حياة الكنيسة اليومية، فتقف الكنيسة مع نفسها وتقيّم ما تقوم به، وأن تصلح نفسها بنفسها باستمرار، حتى تكون كنيسة مصلَحة حقًّا. وأقتبس هذه الأبيات، من قصيدة نظمتها بمناسبة مرور خمسمائة عام على اندلاع شرارة الإصلاح الإنجيلي:
خمســون عِقــدًا قد مــضتْ يا لوثـــــــر |
| ويــظـــــــــلُ فـكرُكَ بـــاقـــيًا فــــــــعَّـــــــالا
|
كان خلاصُ النفسِ أسمى قضيةٍ
|
| فكيف يخلصُ مَنْ تمادى ضلالا
|
البارُ بالإيمانِ يحيا ودونَهُ
|
| ليس أمامَ الهالكين مَنالا
|
ما كان مصدَرك الناسُ وما زعموا
|
| بل الإلهُ وما في الوحي قد قالا
|
إنَ الكتابَ وحدَهُ نبراسُنا
|
| قد فاقَ ما سطرَ الجميعُ كمالا
|
ويسوعُ وحدُهُ ربُّنا ومسيحُنا
|
| ارتفع حقًّا اسمُهُ وتعالى
|
وبالإيمانِ وحدِهِ نتبررُ
|
| ومعهُ لسنا نرتجي أعمالا
|
إنَّ رُحى الإصلاحِ لا تتوقفُ
|
| تمضي تُغيّرُ أفكارًا وأحوالا
|
وإذا الكنيسةُ جددتْ من نفسِها
|
| تبقى وإنْ ولّى الزمانُ وزالا
|


