التعامل الروحي والنفسي مع جائحة الكورونا
- Sermon By: د. ايهاب الخراط
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
يمكننا أن نضع التحديات التي تشكِّلها جائحة الكورونا لنا تحت ثلاثة عناوين كبيرة:
أولًا العزلة: فرضت الكورونا علينا جميعًا عزلة في بيوتنا وعزلة بعيدًا عن كنائسنا وأصدقائنا. عزلة في تأدية أعمالنا في كثير من الحالات وعزلة بعيدًا عن مباريات كرة القدم أو حفلات الزفاف أو حتى الجنازات وسرادقات التعزية.
ثانيًا: تشكل الكورونا خطرًا مبهمًا؛ أي أنها ليست كأخطار الحريق مثلًا أو الزلازل أو حتى أمراض مثل البلهارسيا أو الكبدي الوبائي أو الإيدز. فهي، من جهة، مرضٌ سريع العدوى، يحدث في سياق الحياة اليومية العادية، ولا نراه ولا تحتاج العدوى به إلى مشاركة أدوات حادة أو جنس غير آمن كالكبدي الوبائي أو الإيدز، ولا سلوك معقد كالبلهارسيا. بل قد يصيبنا في مسار حياتنا اليومية وممارساتنا العادية. من جهة أخرى احتمال إصابتي لا يزيد عن 1% ثم ممن يصابون 5% تتطور حالتهم إلى وضع خطر، و1% فقط يموتون. لكن مع ذلك احتمال الخطر قائم فعلًا مع أنه غير منظور. هذا الموقف غير الواضح، المبهم والخفي، يشكل ضغطًا نفسيًّا خاصًّا.
أخيرًا: وليس آخرًا تضعنا الكورونا أمام الموت، وأمام المرض المؤلم القاسي في مواجهة حادة وشديدة ومفاجئة. صور المرضى ومعارفنا الذين رحلوا وأهاليهم المتألمين كلها تطرح علينا سؤال الموت وسؤال المرض بشراسة وقسوة، الموت، أي موتي أنا، أو موت أحد أحبائي. والمرض كذلك.
ثم أتناول 3 حلول نفسية “روحية” أراها قاصرة وغالبًا مضرة: الحل الأول هو المبالغة في التهاون أو المبالغة في الحرص. التهاون على اعتبار أن احتمالات الإصابة “ضعيفة” وأن الحافظ هو الله، وأن علينا أن نسعى لأكل العيش وهكذا. والمبالغة في الحرص لدرجة الوسوسة أو الفزع أو الشلل التام عن أي حركة، وحرص فوق المطلوب علميًّا وطبيًّا.
ثم هناك التصور الروحي الخاطئ أن المؤمن التقي المستقيم لا يصاب، وإن أصيب لا بد أن يُشفَى. وهذا التصور يتجاهل أن بولس الرسول الذي كانت تؤتى على جسده المناديل فتشفي المرضى ترك صديقه الخادم الأمين تروفيمس في ميليتس مريضًا.
“أَرَاسْتُسُ بَقِيَ فِي كُورِنْثُوسَ. وَأَمَّا تُرُوفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا” (2تي 4: 20).
بل لم يشفِ أعز تلاميذه أسقف أفسس الممسوح والمبارك، تيموثاوس من “أسقامه وأمراضه الكثيرة”.
“لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلًا مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ” (1تي 5: 23).
أما آخر الحلول النفسية القاصرة، فهو اعتبار أن من يُصَاب لا بد وأنه قد “أهمل” أو ارتكب خطأً ما. كأن سار بدون كمامة أو وقف في زحام به مصابين وهكذا.
الواقع أن الإصابة قد تصيب من يهمل وقد تصيب حتى الذي التزم بكل تعليمات الحرص الصحي. هذا الإحساس “بلوم المريض” صحيًّا، في تصويري، ليس بعيدًا عن “لوم المريض” روحيًّا الذي ذكرناه الآن.
أعرض الآن لبعض الحلول التي أراها فعالة كتابيًّا ونفسيًّا:
أولًا: تنظيم الفكر والسلوك
“أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَق، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” (في 4: 8).
الرب يحثنا أن نفكر فيما هو “حق” في حقيقة الموقف. نعم، هناك خطر أن أصاب أو يصاب أحبائي لكن هذا الخطر لا يزيد عن 1% إذن لأقضي 99% من الوقت أفكر في احتمال ألا أصاب وكل 99 ساعة يقظة أي كل أسبوع تقريبًا أفكر قليلًا في احتمال أن أصاب.
ثم فيما هو “جليل”، فيما هو الموقف النبيل الشريف من داخلي، الموقف الموافق لهدف حياتي الأسمى وللقيم التي أعيش من أجلها. الصحة مهمة جدًّا، بل لعلها من أهم نعم الله. لكن كيف أواجه المرض الجسيم أو الموت بشرف لعله يكون أهم. نحن في حرب روحية. المرض وكل تجربة ليست من الله. العدو هو الشيطان المجرِّب.
“لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا” (يع 1: 13).
“فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا»” (مت 4: 3).
“مِنْ أَجْلِ هذَا إِذْ لَمْ أَحْتَمِلْ أَيْضًا، أَرْسَلْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ إِيمَانَكُمْ، لَعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلًا” (1تس 3: 5).
لازال المجرب الشيطان مُطلَقَ السراح على الأرض وهو يحارب حربًا حقيقية موجعة.
“مِنْ أَجْلِ هذَا، افْرَحِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَالسَّاكِنُونَ فِيهَا. وَيْلٌ لِسَاكِنِي الأَرْضِ وَالْبَحْرِ، لأَنَّ إِبْلِيسَ نَزَلَ إِلَيْكُمْ وَبِهِ غَضَبٌ عَظِيمٌ! عَالِمًا أَنَّ لَهُ زَمَانًا قَلِيلًا” (رؤ 12: 12).
كل هذه الكوارث غير المفهومة والحياة التي تبدو غير عادلة، هي وفقًا لكلمة الله بسبب أن هناك قوى غير منظورة تعمل وراء المنظور وهذه القوى هي الخصم الحقيقي للحياة وللصحة وللعدل والفرح والبهجة. ونحن جنود في حرب حقيقية، والجندي الشريف يفرح إذا تم امتحانه على أرض المعركة، ليس لأن قائده هو الذي “يجربه” بل لأن التجربة، الحرب الحقيقية الموجهة التي يحارب بها العدو، هي امتحان لمدى إخلاصه وشجاعته وتمسكه بنصرة قائده.
“اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا” (يع 1: 2-3).
فيكتور فرانكل طبيب يهودي دخل معسكرات التعذيب والقتل الجماعي النازية ضد اليهود، أثناء الحرب العالمية الثانية، وقضى أربعة أعوام هناك، مشاهدًا كيف قابل الناس التعذيب والموت؛ فبعض الذين كانوا أصحاب بنوك ومليونيرات تصرفوا بخسة وهوان، وبعض عمال النظافة والبوابين قابلوا هذه الأمور برأس مرفوعة ونبل وقوة داخلية. وجد فرانكل أن من كان يحيا لهدف أعظم منه، المعنى يربط كل حياته، بما فيها هذه المأساة الظالمة بكل المعاني، كان قادرًا على التفكير والسلوك “الجليل”. فلما خرج فرانكل أسس أحد أكبر مدارس العلاج النفسي الوجودي، اللوجو ثيرابي أو العلاج باللوجوس، العلاج بالمعنى. وقال: “من لديه إجابة عن سؤال “لماذا” أعيش يستطيع أن يحتمل أي نوع من “كيف” أعيش يفرض عليه” وهكذا…
“أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَق، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” (في 4: 8)
ثانيًا: العيش في “هنا والآن”
كما قال رب المجد: “فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (مت 6: 34)


