التفكير اللاهوتي والكوارث الطبيعية
- Sermon By: الدكتور القس موريس يوسف
- Categories: دراسات متنوعة
على بعد خمسة أميال فقط من البلدة الصغيرة التي أعيش فيها بلوس أنجلوس، كاليفورنيا، اشتعلت النيران في الجبال القريبة من بلدة Altadena في صبيحة يوم الثلاثاء ٧ يناير ٢٠٢٥، لتقضي في غضون ساعاتٍ قليلة على الآلاف المنازل السكنية، ولا سيما تلك القابعة أسفل الجبال مباشرة، وتدمّر آلاف الأفدنة التي لن تصلح لشيءٍ إلا بعد سنوات عديدة من المعالجة والكثير من الجهد. مع انقطاع التيار الكهربائي والمياه وكافة وسائل الاتصالات، تلقينا أمرًا من السلطات المختصة بمغادرة بيوتنا والبحث عن مكان آمن حتى نتبين الأمر. كان المنظر مخيفًا مع سطوة وغضب الطبيعة وتقريبًا انعدام الرؤية بسبب الدخان الكثيف وصوت صفارات الإنذار وأزيز الطائرات. شعرت وكأن هذه البلدة الصغيرة الهادئة بمناظرها الخلابة وجبالها الشامخة قد تحولت إلى منطقة حرب في سويعات قليلة.
تستدعي الكوارث الطبيعية -كحرائق جنوب كاليفورنيا، الزلازل والبراكين، العواصف والأعاصير- كثيرًا من التساؤلات التي تبحث عن إجابة أو تفسير لما يحدث. تحمل معظم هذه الأسئلة بعدًا لاهوتيًّا أو دينيًّا. أين الله من كل ما يحدث؟ لماذا يسمح الله بهذه الكوارث الطبيعية؟ لماذا يسمح الله بكل هذا الدمار للطبيعة، بموت الأبرياء، وخسارة الممتلكات؟ بالطبع ليست لهذه الأسئلة المُعقَّدة إجابة سهلة أو مباشرةً، لذلك اتجه الكثيرون إلى تبريرات كثيرة لوقوع مثل هذه الكوارث الطبيعية كالغضب والانتقام الإلهيَّين اللذين قد يقعان على شعب أو أرض ما بسبب دين معين أو سياسة ما.
تتناول هذه الدراسة المُختَصَرة التفكير اللاهوتي والكوارث الطبيعية. كيف نفكر في الكوارث الطبيعية في ضوء الفكر الكتابي؟ كيف يساعدنا الفكر الإنجيلي المُصلح في التعامل مع هذه القضايا واضعًا النقاط فوق الحروف؟ هل هذه الكوارث الطبيعية هي بحق استعلان لصب جامات الغضب الإلهي؟ ما علاقة الكوارث الطبيعية بالسقوط وتمرد أبوينا الأولين؟ ما هي علاقة الله، الخالق والفادي، بعالمنا اليوم؟ تتناول هذه الدراسة أربعة محاور أساسية من شأنها إلقاء الضوء على الطريقة التي نفكر بها في الكوارث الطبيعية. هذه المحاور الأربعة هي: أولًا: الخليقة الساقطة والطبيعة المتألمة. ثانيًا: سلطان الله في وجه الألم والدمار. ثالثًا: المسؤولية المسيحية ودور الكنيسة. رابعًا: الرجاء المسيحي والفداء الكامل للخليقة.
أولًا: الخليقة الساقطة والطبيعة المتألمة
تعكس الكوارث الطبيعية أمرًا مهمًّا هو الطبيعة الساقطة للخليقة. يخبرنا كاتب سفر التكوين الإصحاح الأول أنَّ الله خلق عالمًا جميلًا كاملًا لا ينقصه شيء. هذه النسخة الأصلية للعالم الذي خلقه الله لم تحمل في طياتها عوامل النقص والضعف أو التخالف وعدم الانسجام. على العكس تمامًا، خلق الله العالم وكل ما فيه، وزوده بكل مقومات الإثمار والاستقرار، النجاح والازدهار، التناغم والتناسق. ما أكبر الفرق بين بداية سفر التكوين 1: 2 حيث كانت “كَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” وبين نهاية هذا الإصحاح، تكوين 1: 31: “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا.”
بالسقوط، وبعصيان أبوينا الأولين دُمِّرت ليس فقط علاقتنا بالله الخالق، بل الخليقة أيضًا. عندما أعلن الله عقاب الخطية، شمل هذا العقاب كلًّا من الإنسان والخليقة معًا. “فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: “مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟” فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: “الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ”. فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: “لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ”. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: “تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ”. وَقَالَ لآدَمَ: “لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ.” (تكوين 3: 13-١٩).
يطول الحديث هنا عن كلمات الله في تكوين 3: 17 “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ.” جلبت خطية وعصيان أبوينا الأولين على الأرض التي خلقها الله وأحسن خلقها عقابًا قاسيًا؛ فأصبحت الأرض ملعونة. يلقي الرسول بولس في رسالته للكنيسة في رومية 8: 18-٢٣ بعض الضوء على تأثير السقوط على الخليقة، العاقلة وغير العاقلة منها؛ فيقول: “فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ -لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا- عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا.”
تستوقفني هنا عبارات استخدمها الرسول بولس في رومية 8 “انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ… إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ… لَيْسَ طَوْعًا… لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ… فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ.” للسقوط والعصيان بجنة عدن تأثير مباشر وقوي على معاناة الخليقة اليوم وأنينها وعبوديتها للكوارث الطبيعية. في معرض حديثه عن هذا الأمر يقول المصلح جون كالڤن: “بالسقوط لم تُدمَّر فقط علاقة الإنسان بالله، بل دُمِّرت الخليقة أيضًا، هذا العالم الجميل الذي رسمته أنامل الخالق. لقد كان السقوط حقًّا دمارًا كاملًا Total depravity”.[1]
[1] John Calvin, Commentaries on the First Book of Moses Called Genesis Vol. I. Trans. John King (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1979), 64.


