مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

التكيف والمرونة فى مواجهة الكوارث والأزمات

Watch Now

Download

التكيف والمرونة فى مواجهة الكوارث والأزمات

تتناول هذه الورقة التعريفية عددًا من المفاهيم الأساسية ذات الصلة باستراتيجيات إدارة الكوارث والأزمات في الوقت الراهن. والمفاهيم المختارة ليست مفاهيمًا تقنية، بل يمكن أن نسميها إطارية؛ إذ تُستَخدَم كإطار لوضع استراتيجيات وخطط عمل. فإلى جانب مفهومَيِ الكوارث والأزمات، تُستَعرَض ثلاثة مفاهيم أساسية، وهي المؤثرات والضغوط، التكيف، المرونة. وقد انتشرت هذه المفاهيم على نطاقٍ واسعٍ في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية وتلك المعنية بالجوانب السلوكية والنفسية والبيئية والتنموية. وتلقي هذه المساهمة الضوء على مسار تشكُّل هذه المفاهيم وصولًا إلى ما تعنيه الآن، مع بيان ترابطها؛ إذ باتت تشكل في مجملها منظومةً إطاريةً متكاملة.

أولًا: الكوارث والأزمات

لا شك أن تاريخ كثيرٍ من الظواهر والأحداث التي نسميها “كوارث طبيعية” قد بدأ قبل ظهور البشر على سطح الكرة الأرضية بملايين السنين. فمفهوم الكوارث، كما الأزمات، لا يرتبط بالظواهر في حد ذاتها -سواء الزلازل أو البراكين، أو الفيضانات أو العواصف أو غيرها- وإنما بتأثير هذه الظواهر على البشر على وجه التحديد. فالكوارث ليست كذلك بذاتها، بل بسبب وجود الطرف المتأثر بها، والذي يَسِمُها أو يستوعبها بوصفها كوارث أو أزمات. وحتى الوعي بالكوارث الطبيعية واستيعابها اختلف عبر التاريخ، فالمجتمعات البدائية كان لها نظامها الخاص في فهم الكوارث والتعامل معها، بوصفها جزءًا من نظام الطبيعة. وكما يقول عالم الأنثروبولوجي الشهير مالينوفسكي في كتابه “الأسطورة في علم النفس البدائي”: “يستخدم البدائيون العلم للتحكم في العالم المادي. وعندما لا يُجدي العلم، يتحولون إلى استخدام السحر. وعندما لا يُجدي استخدام السحر، يتجه البدائيون إلى الأسطورة، ولكن ليس لإحكام السيطرة على العالم… بل العكس، للتوفيق بين أنفسهم وبين سمات في العالم لا يمكن التحكم فيها، مثل الكوارث الطبيعية، والأمراض، وكبر السن، والموت…”[1].

ومن الناحية اللغوية، فإن منشأ الألفاظ المعبرة عن الكوارث ارتبط بتأثيرها، فهي ألفاظ تعبر عن التأثير وليس الظاهرة. فمثلًا من بين معانى الفعل “كرث” في لسان العرب اشتداد الأمر: فنقرأ “كَرَثَه الأَمْرُ يَكْرِثُه ويَكْرُثُه كَرْثًا، وأَكْرَثه: ساء واشتدَّ عليه، وبَلَغَ منه المَشَقَّةَ”. ومع ذلك فقد لا نجد لفظ “كارثة” في مفردات القاموس العربي القديم بقدر ما يُعبَّر عن الأحداث الجسام بكلمات مثل “مصيبة، فاجعة، نازلة، نكبة، محنة، شدة… وغيرها”. وهي، في مجملها، كلمات تعبر عما يشعر به الإنسان نتيجة تعرضه كفرد أو جماعة لمكروه. وهذا ربما ينطبق على معظم الثقافات، لأن المعنى الاصطلاحي لألفاظ الكوارث، الأزمات والمخاطر والضغوط… وغيرها، وليد العصر الحديث ونتاج تطور العلوم الحديثة التي قدمت تفسيراتٍ علميةً للظواهر الطبيعية والإنسانية.

وكما تشير الدراسات، فإن الاستخدام الأقدم لمفهوم الكوارث، والذي لا يزال مقبولًا في بعض المجتمعات، يشير إلى “أن الكوارث قضاء وقدر”، وأنها تحدث “كعقاب إلهي على ذنوب البشر وتقصيرهم”. وقد وجدت دراسة حديثة أن مفهوم الكوارث كقضاء وقدر لا يزال سائدًا في جميع أنحاء العالم، ويتعزز هذا الاعتقاد بعد وقوع كارثة طبيعية كبرى. وتشجع هذه النظرة المتشائمة على قبول العواقب السلبية لمثل هذا الحدث (أو الأحداث) كجزء من مصير الإنسان، وتقترح أن التخفيف من آثار الكارثة يتجاوز القدرة البشرية. وقد يكون هذا الموقف المتشائم أحد أسباب ضعف الاستعداد للكوارث واعتماد تخطيط أفضل لاستخدام الأراضي وتدابير التخفيف من آثار الكوارث في أجزاء كثيرة من العالم. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن مجتمع إدارة مخاطر الكوارث قد ابتعد عن هذه النظرية المتعلقة بالكوارث منذ القرن الثامن عشر… وقد أسهم التقدم في التفكير والمعرفة العلمية بعد عصر النهضة بتغيير مفهوم الكوارث من النموذج الخارق للطبيعة إلى الحقائق الفيزيائية الطبيعية. ولعل زلزال لشبونة· عام ١٧٥٥ كان أول كارثة طبيعية شكّلت وجهة نظر الظواهر الطبيعية والجيوفيزيائية كعوامل مسؤولة عن الكوارث الطبيعية”.[2]  

أما مسار وضع أسس منهجية ومؤسساتية لإدارة الكوارث والأزمات فقد جاء لاحقًا في منتصف القرن العشرين، وكما تشير دراسة متخصصة فقد شهدت فترة معينة من التاريخ الحديث أكبر حركة عامة نحو حماية المواطنين مركزيًّا، وهي فترة تشكيل الدفاع المدني. وفي السياق نفسه، ارتقت وحدات الدفاع المدني بمرور الوقت لتصبح منظمات أكثر شمولية لإدارة الكوارث. بالإضافة إلى ذلك، وُضعت أطر قانونية لدعم هذه المنظمات، ووُضعت أسس الإدارة الحديثة للكوارث.[3] وقد بدأ الاهتمام الأكاديمي بدراسة إدارة الأزمات مع بداية الستينات من القرن العشرين ورافق هذا ظهور أزمات كبرى واجهت المجتمع؛ إذ تصاعدت أزمات الصراعات الدولية والحرب الباردة… ثم أخذ الاهتمام بدارسة المصطلح وينتقل من الإطار السياسي إلى الاجتماعي ثم الاقتصادي والإداري، فظهرت محاولات بحثية ودراسات لوضع تعريفات لمفهوم إدارة الأزمات…”.[4]

وخلال عقد الستينيات أصبحت الكوارث الطبيعية موضع اهتمام المجتمع الدولي؛ إذ اتخذت الأمم المتحدة تدابير جديدة بشأن الكوارث الشديدة وحشد الجهود لمواجهتها. ففي نهاية الثمانينيات أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة العقد الدولي للحد من الكوارث الطبيعية 1990-1999. ومن هنا بات الاهتمام بالكوارث مسألة كونية، وذلك انطلاقًا من إدراك أن تأثيرات بعض الكوارث تتجاوز الحدود القومية في ظل تزايد العولمة والحركة، ولعل المثال الأبرز على ذلك هو كوفيد 19، ذلك الوباء الذي كان كارثةً كونيةً بامتياز، وكونيَّته ليست بسبب تأثيراته المباشرة، بل أيضًا بسبب التدابير التي اتُّخِذَت وكان لها تأثيرات كارثية على قطاعات واسعة في مختلف أرجاء العالم.

 

ثانيا: المؤثرات والضغوط

في ضوء ما سبق يتضح أن الكوارث والأزمات لا تسبب ضغوطًا بذاتها أو لِذَاتها، وإنما لوجود طرفٍ يستشعر أو يتأثر بها فتأخذ سماتها ككوارث أو أزمات؛ فالعلاقة بين المؤثر (الكارثة أو الأزمة) والمتأثر (الفرد أو الكائن الحي أو الجماعة أو المجتمع بشكل عام) تقاس من منظور العلاقة بين التأثير والقدرة على الاستجابة، أو ما يعرف بثنائية “الفعل ورد الفعل”، وهو ما نسميه الضغوط. وبالحديث عن الاستجابة كقدرة فقد ترافق ذلك مع الاهتمام بمفهوم الهشاشة، سواء على مستوى الفرد أو الأنظمة الاجتماعية والسياسية. وقد أصبح مفهوم الضغوط مركزيًّا في حياتنا المعاصرة؛ فنحن نتحدث كثيرًا عن الضغوط التي تحاصرنا من كل حدبٍ وصوبٍ وحتى من داخلنا، فهي جزءٌ لا يتجزأ من تفاصيل الحياة، إن لم تكن تشكل في جانب كبير منها تفاصيل الحياة ذاتها.  والأمر لا يتعلق فقط بمصادر الضغوط التقليدية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن بتفاصيل أخرى روتينية ويومية كتعاملاتنا، وأشكال أجسادنا، وما نأكل ونشرب، والسير في الشارع، وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها. على أي حالٍ لا أحد منا مهما كان وضعه لا يشكو من الضغوط، وليس بمنأى عنها.

[1]  روبرت إيه سيجال، الأسطورة، مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة محمد سعد طنطاوي، مؤسسة هنداوي، 2017، ص 37.

  • زلزال لشبونة عام 1755 ويسمى أيضا “زلزال لشبونة الكبير” وقع في 1 نوفمبر 1755، يوم عطلة عيد جميع القديسين، في 9:40 صباحًا. وهو من أكثر الزلازل فتكًا وتدميرًا في التاريخ. قتل بين 60,000 و100,000 إنسان (رغم أن العدد الدقيق غير مؤكد). الزلزال أعقبه تسونامي وحرائق، مما أدى إلى تدمير شبه كامل لمدينة لشبونة والدار البيضاء.

https://www.wikiwand.com/ar/articles/%D8%B2%D9%84%D8%B2%D8%A7%D9%84_%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%88%D9%86%D8%A9_1755

[2] Chaudhary, M.T.; Piracha, A. Natural Disasters—Origins, Impacts, Management. Encyclopedia 2021, 1, 1101–1131. https://doi.org/10.3390/encyclopedia1040084

[3] Rajabi E, Bazyar J, Delshad V,Khankeh HR. The evolution of disaster riskmanagement: Historical approach. DisasterMed Public Health Prep. doi: https://doi.org/10.1017/dmp.2021.194.

[4] الموسوعة السياسية  https://political -encyclopedia.org/dictionary