مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الحرب العادلة

Watch Now

Download

الحرب العادلة

   يتساءل البعض: هل هناك حرب عادلة؟ ومن يقرر صحة عدالتها؟ أليس مفهوم العدالة نسبيًّا يختلف من شعب وثقافة إلى شعب وثقافة أخرى، أو بين أتباع هذا المذهب أو ذاك؟ وهل هناك مبرر لدولة أن تشن حربًا على أخرى؟ أليس الدفاع عن النفس مشروعًا للدول؟ أليس شن الحرب على الأنظمة والحكومات الظالمة والتي تنتهك حقوق الإنسان أمرًا واجبًا؟ وعلى مدى العديد من القرون كان المسيحيون يبحثون عن تعريف لأخلاقيات ما يُسمى “الحرب العادلة”. وعاد الجدل مرة أخرى حولها في العصر الحديث بعد الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001. 

   أولًا، نظرة تاريخية:

يرجع مفهوم “الحرب العادلة” إلى ما قبل العصر المسيحي، ويمكن أن نرده إلى “الحروب المقدسة” في العهد القديم، وإلى بعض التعاليم الأخلاقية اليونانية والرومانية. ولكن هذا المفهوم اكتسب صفة مسيحية في القرن الرابع الميلادي. ويتفق معظم الكتًاب على أن القديس اوغسطينوس Augustine  (354- 430) هو المنظر اللاهوتي لنظرية “الحرب العادلة”، مع أنه كان يرى أن حياة الشخص وممتلكاته لا تعد مبررًا لكي يقتل قريبه، ولكن حينما يتعلق الأمر بحكام الدول المسؤولين عن حفظ السلام، فقد يعطيهم هذا الالتزام الحق في شن الحرب (ريموند وفينليزون 2010). وسوف أعود لاحقًا إلى وجهة نظر أوغسطينوس بشيء من التفصيل.

   كما ذكرنا أن مفهوم “الحرب العادلة” لم يتبلور إلا في القرن الرابع الميلادي، وبالتحديد في منتصفه، والضرورة هي التي فرضته بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين Constantine (272 – 337) للمسيحية وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. وأصبح المجتمع الروماني “مسيحيًّا”. وظهر في هذه الحقبة أحد زعماء الكنيسة وهو أثناسيوس (296 – 373)، الذي قدم دعمًا لبعض صيغ العنف وإمكانية القتل، فقال: “إن القتل غير مسموح به وأما قتل العدو في الحرب فهو مشروع وجدير بالثناء أيضًا” (يوسف، مقالة نظرية الحرب العادلة- 2012).

في هذا التوقيت الذي كان يسعى فيه أثناسيوس إلى وضع الكنيسة تحت سيطرة الإمبراطور قسطنطين ظهرت شخصية ذات شأن كبير في الفكر المسيحي وهو أوغسطينوس. لم يكن أوغسطينوس مسيحيًّا وقتذاك بل كان وثنيًّا ثم مانويًّا ينتمي إلى الديانة المانوية Manichaen. وصار يتلقن تعليمه المسيحي على يد أمبروز  Ambrose(337 – 397). واعتنق أوغسطينوس المسيحية وصار أسقفًا على مدينة هيبون (حاليًا عنابة بالجزائر)، في ذلك الوقت كان المسيحيون المؤمنون يشكلون الأغلبية في المجتمع وزادت عليهم الضغوط لكي يخدموا في الجيش، وتزامن هذا الأمر مع تعرض الإمبراطورية الرومانية إلى مهاجمات في أوروبا وأفريقيا من قبل قبائل جرمانية شرقية تُسمى “الونداليين” Vandals. فطُلب من أوغسطينوس الرد على اتهامات أثيرت ضد المسيحيين تشكك في ولائهم للإمبراطورية في مواجهتها للتهديدات الحربية التي تتعرض لها، فجاء رده “أن الفرد المسيحي يحق له الخدمة في الجيش وخدمة الله أيضًا وأن يُقتل نيابة عن سلطات الدولة” (يوسف، مقالة نظرية الحرب العادلة- 2012).

ويرى أوغسطينوس أنه لو كانت المسيحية تدين جميع أنواع الحروب لكانت النصيحة التي يقدمها يوحنا للجنود عندما جاءوا ليسألوه عن ماذا يفعلوا (لو 3: 14)، هي أن يلقوا أسلحتهم ويهجروا الجيش نهائيًّا، لكنه نصحهم بالقنوع في مرتباتهم ولا يشوا بأحد. ويستثني أوغسطينوس الأفراد من الحق في شن الحروب، وذلك انطلاقًا من الاقتناع بأن المناصب السياسية عطية من الرب ودور السلطة السياسية الشرعية أن تشن الحرب فقط للحفاظ على سلامة البشر (رو 13: 1- 3). ويفسر قول يسوع “يأخذون السيف” بأن المقصود هو حمله على غير حق، أي بدون سلطان الدولة أو سلطان السماء. ويرى أن البشرية في النظام الطبيعي تسعى إلى الأمن، ويتطلب هذا منح رأس الدولة شرعية شن الحرب إذا كان ذلك ضروريًّا وعلى الجنود القيام بواجبهم العسكري من أجل سلام وأمن المجتمع. ويرى أوغسطينوس أنه يجب أن يكون هناك هدف سامٍ للحرب العادلة، وأن تكون قائمةً على المحبة رغم استخدام العنف، وأن محبة القريب تفرض التزامًا أخلاقيًّا على الدول ذات السيادة للدفاع عن المُعتَدَى عليه. ويرى أن التلاميذ لم يستخدموا العنف ولم يستعينوا بالدولة لاختلاف الظروف. وأيضًا لم ينهَ يسوع عن الحرب أبدًا بل شارك في دفع الجزية وكان يعلم أنها مخصصة لدفع مرتبات الجند. بل أن المسيح امتدح إيمان قائد المئة (مت 8: 9، 10).

ويرى أوغسطينوس أن هناك نصوصًا يجب أن لا تفهم حرفيًّا، وإلا فإننا نتهم يسوع بمخالفة تعاليمه لأنه لم يُدِر الخدَّ الآخر عندما لطمه واحدٌ من الخدام وإنما اعترض (يو 18: 23). ولكنه كان يرى أنه على الذين ارتبطوا بخدمة الله كالرهبان والقسوس لا يجب أن يكونوا جزءًا من الصراع (Dictionary Theology p.1153 Evangelical ).

  وعبر العقود والقرون المتتالية -وخاصة في العصور الوسطى- دعم الكثيرون من قادة وآباء الكنيسة فكرة الحرب العادلة حتى أن البابا جريجوري الكبير (590 – 603) نزل إلى الميدان العسكري، وقام بالتنظير في كيفية الدفاع عن المدن وكيفية حصارها. وكان يرى في أعداء الكنيسة أعداء للرب يجب محاربتهم. والبابا ليو الرابع (847 – 855) ربط بين الحرب العادلة ومفهوم الخلاص، ووعد من يموت من الجنود المسيحيين في الحرب بالمكافآت السماوية. وكذلك فعل البابا يوحنا الثامن (872 – 882) وقاد البابا ليو الحادي عشر (1049 – 1054) بنفسه فرقة عسكرية في إحدى الحروب. أما البابا جريجوري السابع (1073 – 1085) فقد كرس فكرة الحرب العادلة الهجومية ضد اعداء الكنيسة حتى لو كانوا مسيحيين علمانيين مثلما فعل مع الامبراطور هنري الرابع. وجاء البابا أربان الثاني (1088 – 1099) الذي دعا إلى الحروب الصليبية التي أطلق عليها الحرب المقدسة ضد الوثنيين (الطحاوي، مقالة حرب عادلة: التراث المسيحي للعصور الوسطى 2009). وجاء من بعدهم اللاهوتي والفيلسوف المسيحي الايطالي توما الاكوينيThomas Aquinas  (1225 – 1274) الذي أجاب عن السؤال: هل تعتبر الحرب أثيمة دائمًا؟ ورأى أن الحرب مشروعة لثلاثة أسباب. الأول: للحفاظ على النظام الطبيعي. الثاني: أحيانا تكون هناك ضرورة إلى عقاب أشخاص ما بقسوة بدافع محبتهم رغما عنهم وبهدف تخليصهم من خطيتهم. الثالث: يقترب توما من أفكار اوغسطينوس في أن الهدف من الحرب هو احلال السلام. وبالتالي فهو لا يرى في الحرب خطية أو تعارضا مع الفضيلة، أي أن الحرب والسلام لا يتعارضان (ريموند وفينليزون 2010).

ويمكن إجمال الإطار الذي تبناه اوغسطينوس وكذلك الكنائس المصلحة والمشيخية واللوثرية الميثوديست والمعمدانية والروم الكاثوليك وكل مؤيدي الحرب العادلةلتطوير نظريتها حول المبادئ الآتية:

أولًا: أن تكون الحرب آخر البدائل وبعد استنفاذ جميع الحلول السلمية الممكنة عمليًا من دون الوصول إلى نتيجة مرضية، وتصبح الحرب الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق والدفاع عن العدالة.

ثانيًا: أن تكون الحرب لأجل قضية عادلة وصحيحة. حيث تكون دفاعا عن أخطار خارجية، فيها تهديدات لحياة الأبرياء أو أخطار تهدد مستقبل المجتمع وتخرق الحقوق الإنسانية. ولكن الحرب تنحرف عن مشروعيتها إذا كانت لمجرد الانتقام أو فرض الهيمنة.

 ثالثًا: لابد من إعلان رسمي بالحرب، ومن قبل سلطة شرعية ذات سيادة.

رابعًا: لابد من توافر نية حسنة لشن الحرب، تتمثل في الاهداف الشرعية التي من أجلها تُشن الحرب.

خامسًا: تكون الحري ضرورة عندما تكون النتائج السلبية التي تسببها أقل خطرا وشرًا من الظلم الذي ينبغي القضاء عليه. وأن هذه الحرب تفرض ظروفا ملائمة للسلام أكبر من تلك الظروف التي سبقت الحرب. وهذا بدوره سيقلل من احتمال حدوث الحرب مرة اخرى.  ولذا لابد أن يكون بالإمكان التنبؤ بنتائج الحرب.

سادسًا: لابد من أن تكون وسائلها مشروعة ومراقبة. فلا يجب أن يكون هناك عنفًا متعمدًا أو غير ضروري أو بأسلحة فتاكة.

سابعًا: أن تكون الحرب موجهة ضد قوات العدو العسكرية ولأهداف حربية وليس لمدنيين أو منشآت مدنية.