مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الرجاء الأخرويّ: بين الإيمان والهروب من الواقع

Watch Now

Download

الرجاء الأخرويّ: بين الإيمان والهروب من الواقع

توطئة

مصطلح الأخرويَّات أو الأخِيريَّات، هو مصطلح يشير إلى عقيدة “الأمور الأخيرة”، ويُقصد بها أحداث الأمور الآتية ونهاية الزمان، الذي فيه يتمم الله مقاصده نحو الخليقة. ويتضمن هذا المصطلح الأمور المتعلقة بالحياة الأبدية.[1] والكنيسة على مر العصور -وبالأخص في أيام الاضطهاد- رأت في عقيدة الأخرويات ملجأً لتهرب نحو رجاء تحقق الوعود الأبدية، حيث لا ألم ولا دموع ولا مرض ولا أتعاب.

 وفكرة الرجاء الأخروي -في الحقيقة- لم تقتصر على المسيحيين؛ ففي كل الديانات منذ فجر التاريخ كان الإنسان يحلم بالحياة الأخرى التي ينعم فيها بما يعوِّضه عما قاساه في هذا العالم. مثالًا على ذلك نرى كيف اهتمت الحضارةُ المصريةُ القديمة بالحياة بعد الموت، وهذا يظهر في بنائهم للقبور، وطقوس التحنيط، والمراسم الجنائزية المعقدة، التي تضمن للمتوفى أن يجتاز في رحلته في العالم الآخر بسلام، وصولًا للخلود.[2]

ملكوت الله

لا يمكن الحديث عن الأخرويات دون التطرق لمفهوم ملكوت الله، ولنبدأ بالتفسير الأخروي للملكوت، وهذا الفهم لملكوت الله يدعو إلى التمسك بالروحانية. وحسب هذا الرأي فإن تعليم يسوع كان أخرويًّا بالكامل. بمعنى أن الملكوت حقيقة رؤيوية مستقبلية تتحقق بتدخل معجزي من الله في التاريخ. على الجانب الآخر، التفسير غير الأخروي، حيث الملكوت موجود دائمًا في الحاضر والمستقبل. فالملكوت هو البشرية المنظمة حسب مشيئة الله. إنه نظام اجتماعي أكثر نبلاً، قادر على سد الفجوة بين ما هو ديني وما هو اجتماعي.

وهناك توجه لاهوتي آخر يرى أن الملكوت هو حكم الله الفادي الفعّال والنشط في توكيد سلطانه بين الناس، وأن هذا الملكوت الذي سيظهر كفعل أخروي في آخر الزمان، قد جاء فعلاً في التاريخ البشري- بل في شخص ورسالة الرب يسوع ليقهر الشر، ويحرر الناس من سلطانه، ولكي يأتي بهم إلى بركات حكم الله. إن ملكوت الله يتضمن لحظتين عظميين: لحظة تحقيقه ولحظة اكتماله في نهاية التاريخ؛ إذ إن حكم الله الفعّال قد غزا الدهر الحالي دون أن يحوله إلى دهر آتٍ. فالملكوت هو عمل الله بالكامل وليس عمل الإنسان. فهو ليس الصلاح المثالي، ولا التقدم الذي لابد منه، ولا هو التاريخ، ولا مجرد عمل الله في التاريخ، بل هو اقتحام الله الطبيعي للتاريخ في شخص الرب يسوع، ومجيء الملكوت في التاريخ هو عمل الله المعجزي.[3]

المجتمع المسيحي المصري وثقافة الأقلية

عانى الأقباط في فترة ما بعد ثورة 1952 نوعًا من التهميش، والاغتراب، والانعزال عن المجتمع. هذا التهميش وصل لذروته في مرحلة السبعينيات وما بعدها. فعلى سبيل المثال كان الأقباط يتولون مراكز قيادية في الوزارات قبل 1952، هذا ما اختلف تمامًا بعد ذلك، كما أخذت الدولة في فرض سطوتها على مدارس الأقباط، وأيضًا وضعت الكثير من العقبات التي عرقبت -بل وشلت- عملية بناء وترميم الكنائس. وفي الإعلام منع تقديم أيِّ محتوًى مسيحي. ولا ننسى ما حدث من توترات طائفية في السبعينيات وما بعدها، هذا كله -على سبيل المثال وليس الحصر- أشعل فتيل الشعور بالتهميش لدى الأقباط.[4]

ونتيجة لهذا التهميش رأى البعض -وللأسف كانوا أغلبية- أن الوسائل التقليدية للحياة لن تأتي بنتيجة، فبدأوا بإنشاء مجتمعات خاصة، منغلقة، يمارسون فيها نشاطاتهم بمعزل عن باقي المجتمع.[5] وهذا رأيناه على سبيل المثال في مجتمعات طلبة الجامعات (الأسرة؛ Action Group؛ منطقة ما يطلقون عليه الـ CH)، وفي بعض أماكن العمل أيضًا رأينا المسيحيين يفضلون الانغلاق على أنفسهم، أيضًا رأينا الانغماس في المجتمعات الكنسية (مثل إنشاء نوادي الكنائس) على حساب العلاقة مع العالم الخارجي.

هؤلاء الذ ين أنشأوا لأنفسهم مجتمعاتهم الخاصة، أصبحوا ينتمون كليًّا لمجتمعاتهم، وفي نفس الوقت كانوا مضطرين لأن يعيشوا حياتهم في مجتمع آخر، هذا خلق نوعًا من الازدواجية، بين مجتمع خلقوه، ومجتمع يشعرون أنه لا يلائمهم. فشعروا بانجذاب أكبر لمجتمعهم المغلق، بينما شعروا بالفشل والرفض في المجتمع العام الذي يحاولون أن يعتزلوه.[6]

هذا الشعور جعل المسيحيين يشعرون بأنهم “أقلية”، فنشأ عنه المزيدُ من الانعزال، ومزيدٌ من المجتمعات المغلقة، على جميع الأصعدة، وأصبح المسيحيون يركزون اهتماماتهم على مجتمعاتهم المغلقة، وأصبحت هذه الجماعات مصدر الإشباع لمعظم الاحتياجات الروحية والاجتماعية، مما جعلها مصدر جذب لمسيحيين آخرين.[7]

وفي هذا السياق يرى د. رفيق حبيب -بحسب كلماته- أن نتيجة لذلك “يندفع الشباب إلى المزيد من الانعزال عن المجتمع، والمزيد من رفض المجتمع، فداخل نطاق شعور الأقلية يلجأ الشباب إلى رفض المجتمع على مستوى الفكر واللفظ، وإلى الانعزال عن المجتمع والانفصال عنه، وكأنه كيان غريب ليس لهم علاقة به. فلأن الشباب لا يستطيع الدخول في مواجهة السلطة السياسية، والمجتمع لهذا يلجأ … للميل للانعزال والرفض … فالشباب القبطي المنعزل، نتيجة للهامشية الاجتماعية خلق لنفسه جماعات تتبع الكنيسة يحقق من خلالها إشباعاته وطموحاته.”[8]

عقلية الأقلية والرجاء الأخروي

عادةً ما تتجه عقلية الأقلية، بشكل لا إرادي، إلى البحث عن حل سحري، ينهي الألم الحاضر، ويرد المسلوب، ويعيد المجد. هذا نراه في ما تعيشه الأقلية من السير وراء الأحلام الرؤيوية والأخروية في عودة المسيح؛ لينهي هذا العالم الشقي، بعدها يؤسس ملكه الألفي،[9] الذي فيه لا وجود لألم، ولا خوف، وفيه تسترد الخليقة -حتى الحيوانات- طبيعةً مسالمةً. فمُلك المسيح يعد نموذجًا مثاليًّا لحكومة مؤسسة على الحق الإلهي، لا تعرف تمييزًا وتحقق المساواة.

وما أحلى أن يكون هذا الحلم بالتدخل الإلهي هو المهرب من الواقع بضغوطه. هذا المهرب يتركز في نمط التفكير الأخروي الذي أشرنا إليه، والذي يرجو التخلص من النظام الاجتماعي، عن طريق حل حتمي، تحت قيادة الله وسلطته، وقيادته، حيث يحقق الله إرادته الصالحة.[10]

[1] محسن منير، “الأخيريات”، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، ص. 2293.

[2] شريف الصيفي، الخروج في النهار: كتاب الموتى (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، 20 – 28.

[3] أندريه زكي، “الكنيسة والمجتمع”، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، ص. 1706 – 1707.

[4]  Andrea Zaki Stephanous, Political Islam, Citizenship, and Minorities: the Future of Arab Christians in the Islamic Middle East (Maryland: University Press of America, 2010), 120 – 122.

[5] رفيق حبيب، الاحتجاج الديني والصراع الطبقي في مصر (القاهرة: سينا للنشر، 1989)، ص. 146، 147.

[6] المرجع السابق، ص. 147.

[7] المرجع السابق، ص. 172 – 174.

[8] المرجع السابق، ص. 174، 175.

[9] أندريه زكي، “الفكر اللاهوتي وعقلية الأقلية”، نحو لاهوت عربي معاصر، تحرير أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، ص. 507.

[10] رفيق حبيب، ص. 190، 191