الصـــــــــــــــــــــــــــلاة
- Sermon By: چورچ إسحق
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
«الصـــــــــــــــــــــــــــلاة»
أسئلة حول الاستجابة والرفض
چورچ إسحق
مِعمَاريٌّ وباحثٌ غير مُتفرغ في
التُراثِ العَربيِّ المَسيحيِّ
استمرارًا في تواصلها مع الشعب الإنجيليّ؛ نَظَّمَت الطائفة الإنجيليّة بمِصر يوم السبت الموافق السابع والعشرون من شهر فبراير الماضي، برئاسة الدكتور القسّ. أندريه زكي، لقاءً روحيًّا تفاعُليًّا عَبرَ وسيط التواصل الإلكترونيّZOOM ، وصفحة رئاسة الطائفة بموقع التواصل الاجتماعيّ Facebook، بعنوان «الصلاة، أسئلة حول الاستجابة والرفض» وذلك بمُشاركة الدكتور. ماهر صموئيل استشاري الطب النفسي، مؤسس خدمة CredoLogos، والشيخ يوسف ناثان، رئيس قسم الدراسات اللاهوتيّة في دار الكتاب المقدس، وأستاذ الكتاب المقدس بكلية اللاهوت الإنجيليّة، وأدار اللقاء الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، وعضو المجلس الإنجيلي العام. وبحضور نحو مِائَةِ مُشاركٍ من القيادات، والخُدَّامِ، والرُعاةِ من مُختَلَفِ المُحافظاتِ.
افتتح اللقاء الدكتور فريدي البياضي مُتحدثًا عن ما ارتبط في أذهاننا بالصلاة، من حيث وجوب استجابتها، وزمان تحققها، وكيفيته، مُشيرًا إلى اهتمام الغالبية بهذا الأمر الهام في الحياة المسيحيّة. قدم بعدها البياضي الدكتور القس. أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيليّة بمصر، تلى ذلك مقدمة ترحيبيّة من رئيس الطائفة جاء فيها، تهنئة للدكتور فريدي البياضي لانتخابه نائبًا بمجلس النواب المصريّ، كما رحب بالضيفين الكريمين. وأشار زكي إلى أن موضوع الندوة هو مولود احتياج فعلي في ظل أزمة جائحة كورونا وما خلّفه من آثار وأحزان وتساؤلات أيضًا، وقد اختبر هو شخصيًا وأسرته هذا الأمر فترة إصابتهم بڨيروس كورونا، كما أوضح زكي ارتباط موضوع النقاش بأبعادٍ لاهوتيّة ونفسيّة مختلفة، وما يُثيره من تحدٍ في النفوسِ بأسئلة كثيرة مطروحة في الأمر، وهذا اللقاء ما هو إلا محاولة لتفكيك هذه الأسئلة التي تُرهق أذهان الجميع.
انتقلت بعدها دفة الحديث إلى د. ماهر صموئيل، الذي استهل حديثه بتقديم الشكر للدكتور أندريه زكي، لأجل اهتمامه بتنظيم هذه اللقاءات للتواصل مع الشعب الإنجيليّ، رغم كثرة مهامه وأعباء موقعه، كما طلب صموئيل لأجل سلامة وشفاء البياضي وناثان وعائلاتهما، ولأجل أن يمنحه الله ما لفائدة الحضور. وافتتح صموئيل حديثه باقتباس من إحدى مقالاته التي كتبها عن الصلاة منذ قرابة العشرين عامًا، قال فيه:
«إنني لا أرى نفسي قط رجل صلاة، لكنني في نفس الوقت لا أقدر أن أتخيل يومًا واحدًا تُمنع فيه عني الصلاة. قد أُهمِلُ -بغباءٍ- إلقاء نفسي في حضن أبي، لكنني لا أتحمل قط فكرة فقدان هذا الحضن، أو غيابه عني، أو انغلاقه في وجهي. هجم عليَّ مرة هذا الكابوس، وتصورت يومًا فيه ستُمنع الصلاة، فرأيته أسود يومٍ في الحياة. كيف سأقضي يومًا تُمنع فيه الصلاة! كيف سأسلك في دروبه المُتشعبة دون صلاة! كيف سأواجه مُفَاجِئَاته السخيفة دون صلاة! كيف سأعبر مُنحنياته الحادة دون صلاة! كيف أُنهيه بلا إعياءٍ دون صلاة! كيف أأمن عواقبه! ألم يُعلّمنا السيّد أن لكل يومٍ شَرّه، فكيف أنجو من شر اليوم دون صلاة! لكنني موقن -كل اليقين- أنه كان مُجرد كابوس، فلن يأتي يوم فيه أحرم من الصلاة، فبعد أن فتح السيّد أمامي الباب، بعد أن شُقَّ الحجاب، بعد أن رُشَّ الدم على الغطاء، وصار العرش لي، عرش نعمة وليس عرش قضاء، فحتى خطاياي وزلاتي، وتقصيراتي، لن تحرمني أبدًا من الارتماء في حضن أبي، واثقًا أنني سأجد دائمًا منه –مهما كان حالي- كل الترحاب. آهٍ على الصلاة! كم أحِنُّ لإتقانها، وكم أشتاق للغرق فيها؛ فيها يذوب ضعفي كمخلوقٍ في قدرة الخالق، وتُبتَلعُ جهالاتي كإنسان في حكمة الإله، فيها تجد روحي راحتها، تشعر أنها في وطنها، وتتخلص من كل شعور بالتيهِ والاغتراب.»
وقد وضع صموئيل حديثه في ثلاثة نقاط وهي:
مواقف فكريّة خاطئة حول الصلاة
أشار صموئيل إلى كون مُفردة الصلاة هي مُفردة غير قاصرةٍ على المسيحيّة والمسيحيين، لكنها مُفردة عامة لها العديد من المعاني المختلفة في قرائن مختلفة، لذا فمن الطبيعي أن نجد أنفسنا متأثرين بأفكار حول الصلاة بعضها خاطئ تمامًا. تعرّض صموئيل بالإشارة لبعض هذه المعتقدات الخاطئة في أربعة إشارات لأربعة مواقف جاءت كالتالي:
- الموقف الربوبيّ Deism:
وهو ذلك الموقف الذي نشأ في عصر التنوير، والذي يؤمن بوجود خالق، لكنه لا يؤمن بتداخل هذا الخالق في حياة البشر. فهو قد سنّ للكون قوانينه، وتركه دون تدخل منه (Transcendent but not Immanent). هذا الموقف يستبعد الله تمامًا من حياة البشر، وعلى الرغم من أن الكثيرين من المسيحيين يستبعدون هذا الفكر ، إلا أنهم يحيونه عمليًا في حياتهم اليوميّة، مُعلنين أن اللجوء إلى الله في المُشكلات ما هو إلا ضرب من ضروب العبث والخُرافة، ولا سبيل إلّا العلم والتخطيط والعقل، وهذا ما عبَّر عنه كاتب المزمور الثاني عشر،في العدد الرابع إذ قال: «الَّذِينَ قَالُوا: «بِأَلْسِنَتِنَا نَتَجَبَّرُ. شِفَاهُنَا مَعَنَا. مَنْ هُوَ سَيِّدٌ عَلَيْنَا؟»
- الموقف الوثنيّ:
وهو موقف يؤمن بوجود الإله، ويُصلي إليه، لكن صلاته للإله هي لجلب رضاه، وتجنب أذاه. فما الإله إلّا قوة عظيمة مسيطرة، والصلاة ليست حُبًّا فيه، ولا طلبًا للشركة والتوحد معه، ولا محاولة لفهم فكره، والانفتاح على إعلاناته، إنما طلبًا لرضاه، ودفعًا لغضبه. تجلى هذا الموقف في صلوات أنبياء البعل، إذا كانوا يتضرعون ويتقطعون بالسيوف طلبًا لمعجزة يرجونها. فهل تسرّب هذا الموقف إلى المؤمنين المسيحيين، وبينما هم يعلنون بألسنتهم محبتهم، ورغبتهم في الشركة، يعلنون في صلاتهم وثنيّة فِكرهم؟ يحدث هذا –أحيانًا- بكل أسف.
- الموقف القدريّ:
يُصلي صاحب هذا الموقف إلى الله، لكنه لا ينتظر أي تجاوب منه؛ فالله في هذا الفكر قوة وليس شخصًا مُتفاعلًا، مُتعاطفًا، مُتجاوبًا مع طالبيه. فالصلاة لن تُغير ما قد سطره الله، وسيفعله بغض النظر عن صلاتك. فهل تسرّب هذا الموقف القدري أيضًا إلى مسيحيتنا؟ بكل أسفٍ -أيضًا- الجواب هو: نعم.
- الموقف السحريّ:
وهو موقف يحكمه التفكير السحريّ، وكأن الصلاة تعويذة ما قادرة على فك شفرة من شأنها استجلاب حل مُعجزي عظيم! وهو ما سمَّاه مايكل هورتون «السحر الأبيض». عندما يكون لدينا رغبات معينة، نريد أن نلزم الله بها، فهذا نوع من السحر.
فبينما الربوبيّة تستبعدُ اللهَ، والوثنيّة تشوهُ اللهَ، والقدريّة تُشيُّء اللهَ، والسحريّة تستعملُ اللهَ؛ ما هو الموقف المسيحي الصيح من الصلاة؟
الموقف المسيحي تجاه الصلاة
قبل الدخول إلى تفاصيل الموقف المسيحيّ الصحيح من الصلاة، استعرض صموئيل الموقف اللاهوتيّ الشعبيّ –بحسب تسميته- فأوضح أن هذا الموقف يرى أن الصلاة هي مجرد طِلبَات –وهذا أول خطر- تتحق كما طلبناها بقدر قوة إيماننا، أو مدى استحقاقنا، أو حجم لجاجتنا، أو قيمة وسطائنا؛ وعدم تحقق الاستجابة كما طلبناها يعني إما فقرًا في إحدى هذه الأربعة، أو عدم صلاح في الله، أو سخطه علينا لعدم صلاحنا نحن! وكلها تعاليم تحتاج إلى إعادة نظر، وإعادة تدقيق في التعليم المُقَدَّم.
أما عن الموقف المسيحي الصحيح في الصلاة فأفاد صموئيل أن الصلاة في الفهم المسيحيّ الصحيح هي التوجه الروحيّ الجديد من نحو الله، الذي تصير فيه النفس فورًا بمجرد ولادتها ولادة ثانية. هو موقف يسير بالنفس في اتجاه معاكس تمامًا للاتجاه الذي اتخذته النفس للسقوط. إنها توجه قلب ومنهج حياة كل من دخل ملكوت الله. الصلاة هي الترياق من السقوط الذي فصلنا عن الله. حينما طلب حنانيا من الله ألا يرسله إلى شاول لأنه مُضطهِدُ قديسي الله، أجابه الله: «هوذا يُصلي»، في إشارة إلى أن الصلاة هي علامة التغيير الجوهريّة.
وفي تشبيهٍ تمثيليٍّ رسم صموئيل نصًّا دراميًّا لآدم وحواء وقد افتقدهما الله بنعمة الولادة الثانية فورًا بعد سقوطهما في جنة عدن، وسرد صموئيل –ببلاغة أدبيّة رائقة- صلاتهما إثر هذا الحدث، قائلًا على لسانهما:
«أبانا الذي في السماوات،
أنت الخالق للسماوات والأرض،
وقد أظهرت صلاحك بوضوحٍ في إعداد الأرض لكي تسكن معنا فيها.
لقد أعددت -يا أبانا- الأرض أروع إعدادٍ لتسكن معنا فيها،
لكننا لأجل غبائنا صرت أبانا الذي في السماوات!
ولم تعد ساكنًا معنا في الأرض.
لقد صدقنا الشرير عندما شوه اسمك في أذهاننا،
وشككنا في صلاحك وحكمتك.
أبعدناك عن أرضنا، وقررنا الاستقلال عنك،
فصرت أبانا الذي في السماوات،
بينما كان ينبغي أن تكون أبانا الذي في السماوات،
وفي أرضنا أيضًا!
لذلك يا أبانا نحن نُصلي إليك أن ترحمنا وأن تغفر لنا،
وأن يتقدس ويتنزه اسمك الكريم
عن كل ما ألصقناه به من تشوهات في أذهاننا.
صدقناها بسبب سُم الحيّة التي خدعتنا.
عُد إلينا يا أبانا،
وليأت ملكوتك في أرضنا.
ليأت ملكوتك علينا،
وإلى أن يأت ملكوتك بالتمام،
وتعود فتسود من جديد في السماوات والأرض،
أعِنّا لنفعل مشيئتك في الأرض،
فنكون بالحق أبناءك.
وإلى أن يأت ملكوتك بالتمام،
ويعمّ الشفاء والرخاء،
أعطنا اليوم ما يَسُد احتياجنا.
أرجِعنا إليك يا أبانا،
وأرجِعنا بعضنا لبعض،
فتغفر لنا، ونغفر نحن لكل من يُذنب إلينا.
واحفظنا يا أبانا من السقوط مرة أخرى في التجربة،
ونجنا من المُجرِّب الذي جرّبنا.
وفي النهاية،
نحن -بحب واقتناع- نرفض حماقة استقلالنا عنك،
ونُقر بأن لك المُلك،
والمجد، والقوة إلى الأبد
آمين.»
وفي تلخيص للموقف المسيحيّ من الصلاة قال صموئيل: «في السقوط استقلال عن الله ورفض لملكوته، أما الصلاة فهي العودة للالتصاق بالرب, والاعتماد عليه. في السقوط انسحاب النفس إلى داخلها، لتدور حول احتياجاتها، وآلامها، وأشواقها، أما في الصلاة فتخرج النفس خارج دائرتها، لتتوحد مع الله ومع من حولها. في السقوط فقد الإنسان كهنوته واحتفظ بمُلك زائف، أما في الصلاة فيعود الإنسان كاهنًا مُمثلًا لله، وملكًا يُجري حُكمًا وعدلًا في دائرة كل ما له كلمة عليه.»
كيف نقبل الاستجابات المختلفة للصلاة
في هذا الصدد أشار صموئيل إلى رفضه لعبارة «رفض الله الصلاة»، فالكتاب المقدس يشير في مواضع عدة إلى قبول حتى صلاة الأشرار، وكما يذكر بولس في رسالته الأولى إلى تيموثاوس: «… اللهِ الْحَيِّ، الَّذِي هُوَ مُخَلِّصُ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلاَ سِيَّمَا الْمُؤْمِنِينَ.» (4: 10)، ويقول سيدنا في إنجيل البشير متى: «فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ.» (5: 45). الله لم يحرم نفسًا بشريّة واحدة من مراحمه، سواء طلبت أم لم تفعل.
لكن المسيحي عليه أن ينظر إلى الصلاة نظرة مختلفة، فيفسر الاستجابات المختلفة لصلاته، استجابة صحيحة، وفي هذا قدم صموئيل أربعة قناعات قد تُساعدنا في قول استجابات الله المخالفة لتوقعاتنا، جاءت كالتالي:
- الكينونة والامتلاك:
أوضح صموئيل أنه بينما ينصب تركيز إلهنا على الكينونة، ننصرف نحن للتركيز على الامتلاك. في رسالة الرسول بطرس الثانية والأصحاح الأول يشرح بطرس أن الله في بره وفّى، وتمم وعده وأعطانا إيمانًا ثمينًا، والله في قدرته الإلهية وهب لنا كل ما هو للحياة والتقوى. البر الإلهيّ عمل وعد ووفّى، والقدرة الإلهيّة رصدت لحسابنا وتعطي؛ وبهما وهب –الله- لناالمواعيد العظمى والثمينة، لكي نصير بهما شركاء الطبيعة الإلهيّة.
المواعيد العظيمة والثمينة لا لكي نكون أصحاء بلا مرض، أغنياء بلا فقر، في رفاهية دون معاناة، لكن لكي نكون شُركاء الطبيعة الإلهيّة. قصد الله أن نكون مُشابهين صورة ابنه، كل مواعيد الله هي للكينونة، لا للتملك، وهذا لا يعني أن الله يحرمنا من التملك، لكنه يعكس اختلاف أهدافنا والله.
- الداخل والخارج:
قارن صموئيل بين الإنسان في نظر سليمان الحكيم وبولس الرسول، فينما يرى الأول الإنسان الخارجي، فيصف مثلًا أيام الشيخوخة في الأصحاح الثاني عشر من سفر الجامعة بأنها أيام الشر، إذ يتحلل فيها الجسد؛ يقول الثاني إذ توافق مع نظرة الله للإنسان الداخلي، في الآية الرابعة، من الأصحاح السادس عشر، من رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس: «لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا.»، وثقل المجد الأبديّ ليس أمرًا نملكه، بل نصيره في الكيان الداخليّ؛ فبينما يتحدث العهد الجديد كله عن كيان داخليّ جديد خلق في المسيح، ويتطور لمشابهة صورته، تُركز دائمًا صلواتنا على الإنسان الخارجيّ واحتياجاته!
- العالم الروحيّ والمادي:
عاد وأكد صموئيل أن الله ليس غير آبهٍ بالعالم الماديّ، إنما جُلّ تركيزه واهتمامه هو العالم الروحيّ، ففي الأصحاح السادس من إنجيل البشير متى، بينما يذكر الله اهتمامه بكل ما للجسد، يقول أطلبوا أولًا ملكوت الله، وأولًا تعني أن هناك أولويّة واهتمام. الله له حكاية يحكيها، وإن لم نحاول أن ننتقل إلى حكاية الله (ملكوته) فإننا سنحاول أن نستعمل الله لنكتب به حكايتنا الشخصيّة!


