الفكر اللاهوتي ومآسي الحروب: ديتريش بنهوفر أنموذجاً!
- Sermon By: الدكتور القس موريس يوسف
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
صادف يوم السبت التاسع من أبريل الماضي الذكري السابعة والسبعون لإعدام اللاهوتي الألماني ديتريش بنهوفر بيد النازية وبأمر مباشر من أدولف هتلر. يقف نموذج بنهوفر كنموذج لاهوتي فريد ومتميز جداً في تاريخنا المعاصر للوقوف ضد الامبريالية، الظلم الاجتماعي، الاستقواء على الضعفاء، وخطورة مهادنة الفكر اللاهوتي للسياسة. يلهمنا أيضاً هذا النموذج للتفكير في دور الكنيسة، جسد المسيح، أمام ويلات الحروب. تناقش هذه الدراسة دور الفكر اللاهوتي أمام الازمات القومية بشكلٍ عام والحروب بشكلٍ خاص مع التركيز على بنهوفر كنموذجٍ. كيف يستجيب الفكر اللاهوتي لأزمات ومآسي الحروب؟ كيف يتفاعل اللاهوت المسيحي مع احتياجات الإنسان في ظل أزمات كهذه؟ قد يكون مِنْ المناسب قبل أنْ أتكلَّم عن دور الفكر اللاهوتي في أوقات الازمات والحروب متخذاً من ديتريش بنهوفر أنموذجاً، أن ألقى نظرة سريعة على الظروف السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي مرَّت بها ألمانيا في بِداية القرن العشرين، ثم أقدّم بشكل موجز نبذة عن هذا العملاق الذي جسّد عُمق وغنى الاخلاق المسيحية ومسؤوليتها تجاه المهمشين ومن لا صوت لهم.[1]
ألمانيا في بِداية القرن العشرين
تُعتبَر عشرينيّات القرن الماضي وقتًا حرجًا جِدًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا للشعب الألماني. صحيح أنَّ معاهدة فرساي Treaty of Versailles أَنْهَت الحرب العالميّة الأولى، لكنها اشترطت بقاء بعض القُوّات الأجنبيّة بصفة دائمة في ألمانيا، الأمر الذي أدّى إلى مظاهرات واحتجاجات ومقاطعات قادها قطاعات عديدة مِنْ الشعب الألماني والتي بدورها أدَتْ إلى ضعف الدولة الألمانيّة وعرقَلَة المسيرة الديمقراطيّة.
بحُلول عام ١٩٢٨م تفاقَمتْ الأزمات الاقتصاديّة في ألمانيا إلى حدٍ فاقَ كلَّ التوقعات، وارتفعت مُعدّلات البطالة وتَردي التعليم والصحة. لم تتحسن الأحوال السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة نسبيًا إلّا بقِدوم أدولف هتلر والحزب النازي إلى سُدّة الحكم في بِداية عام ١٩٣٣م مع أنَّ البعض يرى أنَّ هذا الانتعاش الاقتصادي جاء فقط كنتيجةٍ لبناء المصانع التي انتجت الأسلحة والمُعدّات الحربيّة التي استخدمتها ألمانيا لاحقًا في الحرب العالميّة الثانية. وُلِد أدولف هتلر في النمسا في ٢٠ أبريل ١٨٨٩ وانتقل للعيش في ألمانيا عام ١٩١٣م. أسّس هتلر حزب العُمّال الألماني الاشتراكي القومي والمعروف باسم الحزب النازي (كلمة نازي تعني قوميّ أو وطنيّ في الألمانية) والذي حَكَم ألمانيا ما بين عاميّ ١٩٣٣م و١٩٤٥م. يُعتبَر هتلر مِنْ أسوأ الحكام الديكتاتوريّين الذين عَرفَهم التاريخ المعاصر وهو السبب المباشر في إشعال نيران الحرب العالميّة الثانية (١٩٣٩م إلى ١٩٤٥م). انهزمت ألمانيا ودول المحور أمام دول التحالف في الحرب العالميّة الثانية وانتحر هتلر في ٣٠ أبريل ١٩٤٥م ومعه مات حُلم إمبراطورية ألمانيا العُظمى.
لم تقتصر مخاطر أدولف هتلر والحزب النازي على الأطماع الاستعماريّة وتعدِّيهم السافر على سيادة دُوَل الجوار (مثل هجومه على النمسا وضمها الي ألمانيا عام ١٩٣٨م) فقط، لكنها تعدّت ذلك بكثير. قدَّم هتلر والنازية نظرية سوسيولوجية جديدة مفادها أنَّ الجنس الآري هو أرقي وأسمي أجناس الأرض، وبالتالي في ٧ أبريل ١٩٣٣م أقرَّ البرلمان الألماني قانونًا جديدًا بتغيير المادة السابعة مِنْ قانون الخدمة المدنيّة والذي منع اليَهُود وكلُّ مَنْ كان له أصولًا ساميّة مِنْ العمل في أي وظائف عامّة أو حكومية. عُرِفَ هذا القانون بالقانون الآري أو الـ Aryan Clause. هذا المَنْع شمل أيضًا عدم رسامة قسوس لا ينتمون إلى الجنس الآري في الكنيسة الإنجيليّة والكاثوليكية الألمانيّة. دفعت هذه الأيدولوجيّة النازيّة إلى اضطهاد واحتقار ومعاداة كل مَنْ لم ينتم للجنس الآري. أمّا الذي زاد الطينة بلة فكان سنودس الكنيسة الإنجيليّة الألمانيّة الذي أقرَّ في اجتماعه في سبتمبر عام ١٩٣٣م أنَّ أحدَ شروطِ القبول في الخدمة الدينيّة والرسامة هو الانتماء إلى الجنس الآري. للأسف أقرَّ السنودس بالأغلبيّة أيضاً سُمُو الجنس الآري عن غيره مِنْ الأجناس الأخرى وكأنَّ النزعة القوميّة الألمانيّة أصبحت دينًا جديدًا مقابل المَسِيحيّة أو Germanism versus Christianity.
في أحد الخطابات التي أرسلها ايبرهارد بثجي لصديقه بنهوفر ذكر كيف أنَّ كل المعموديات في ألمانيا كانت تُختَم بصلاة للطفل المُعمَّد لكي يبارك الرب هذا الطفل “لكي ينمو ويصبح مثل أدولف هتلر وهنرخ هملر (أحد أبرز قادة الحزب النازي آنذاك والمسئول الأوّل عن الهولوكوست.” (Edwin Robertson, Voices in the Night: The Prison Poems of Dietrich Bonhoeffer, 1999, 123-124). لقد كان الهدف الأوحد لأقسام اللاهوت Theology Departments في الجامعات الألمانيّة هو خدمة النازيّة وترسيخ أخلاق ألمانيا الجديدة. ما أخطر أن يهادن الفكر اللاهوتي السياسة وما أخطر أن تكون الكنيسة دمية تخدم الاجندة السياسية. فمن هو ديتريش بنهوفر، هذا الصوت الصارخ في البرية الذي قضى مُعظم حياته محاربًا ضد سياسات هتلر الديكتاتوريّة وأيدولوجيّات الحزب النازي الفاشيّة؟ رأى بنهوفر أنَّ الكنيسة في ألمانيا في عصرهِ قد اُختطِفت عُنوَة بواسطة هتلر والنازيّة، وأنها يجب أن تعود لخدمة سيدها وليس أي سيد أخر.
مَنْ هو ديتريش بنهوفر؟
وُلِد ديتريش بنهوفر وأخته التوأم سابين Sabine في ٤ فبراير ١٩٠٦م في بلدة بريسلو Breslau بألمانيا لأبويْن هما كارل وبولا فون هيس بنهوفر. لديتريش بنهوفر وسابين خمسة إخوة وأخوات، أربعة أكبر منهما وواحدة أصغر. كان كارل بونهوفر طبيبًا وأستاذًا جامعيًا دَرّسَ عِلم النفس في جامعة برلين. وكعادة معظم الأسر في القرن العشرين، مَكثَت بولا بنهوفر بالبيت لتربيّة الأولاد والاهتمام بهم أكاديميًا وروحيًا ومساعدتهم على اكتشاف وتنمية مواهبهم. عندما بلغ ديتريش بنهوفر سِن الثانية عشرة، انتقلت الأسرة للعيش في مدينة برلين.
عاش ديتريش بنهوفر طفولة عاديّة هادئة حتى أبريل عام ١٩١٨م. في هذا الشهر أُصيب والتر – الأخ الأكبر لبنهوفر – بجراحٍ بالغةٍ في الحرب العالميّة الأولى أدّت إلى وفاته بعد خمسة أيام فقط متأثرًا بجراحه. تَرَكَ هذا الأمر ألمًا وجُرحًا عميقًا في كل أفراد الأسرة وبصفة خاصّة ديتريش بنهوفر. بعد سنتيْن فقط مِنْ موت والتر، قرَّر ديتريش بنهوفر أنْ يُصبح قسًا ولاهوتيًا لوثريًا. لم تشجِّع أسرة ديتريش بنهوفر هذا القرار موضِّحة له ضعفات الكنيسة اللوثريّة ومشاكلها وتحدياتها آنذاك. قالوا له إنَّ الكنيسة “مؤسَّسة فقيرة، ضعيفة، مُمِلّة، يُرثَى لها وبرجوازيّة.” وأمام هذه التحديات أجاب بنهوفر قائلاً “لهذه الأسباب ذاتها أُريد أنْ أكون قسًا لوثريًا لكي أُصلِح الكنيسة.” (Eberhard Bethge, Dietrich Bonhoeffer: A Biography, 2000, 36)
في سن السابعة عشرة، أي في عام ١٩٢٣م، التحق ديتريش بنهوفر بجامعة توبنجن Tubingen بألمانيا ليبدأ دراساته اللاهوتيّة ثم في عام ١٩٢٤م انتقل الي جامعة برلين ليستكمل دراساته اللاهوتيّة هناك لمدة ثلاث سنوات مِنْ عام ١٩٢٤م إلى ١٩٢٧م. في جامعة برلين دَرَسَ بنهوفر تحت إشراف أساتذة عِظام أمثال أدولف فان هارناك، كارل هول، هانز ليتزمان، ورينهولد سييبرج. في جامعة برلين ايضاً وتحت إشراف رينهولد سييبرج، كتب بنهوفر أُطروحته للدكتوراه تحت عنوان “شركة القديسين أو The Communion of Saints”، وفي أُطروحته تكلّم بنهوفر عن دَوْرِ الكنيسة في التاريخ وإرساليتها في المجتمع. (Geffrey B. Kelly & F. Burton Nelson, Dietrich Bonhoeffer, A Testament to Freedom: The Essential Writings of Dietrich Bonhoeffer, 1995, 55).
بعد تخرجه، خدم ديتريش بنهوفر كراعٍ مساعدٍ لكنيسة ناطقة باللغة الألمانيّة في برشلونة، اسبانيا، ثم كرَاعٍ لكنيستيْن لوثريتيْن في لندن، المملكة المتحدة. في سن الرابعة والعشرين انضمَّ بنهوفر لهيئة التدريس في جامعة برلين كأصغر أستاذ متفرغ في تاريخ الجامعة. في جامعة برلين درّس اللاهوتي الشاب ديتريش بنهوفر مادة اللاهوت النظامي. لم تَدُم للأسف مهنة التدريس الجامعي كثيرًا بالنسبة لبنهوفر بسبب مواقفه ومعارضتهِ العلنية لأدولف هتلر وايدولوجيات الحزب النازي بخصوص طموحاته الإمبريالية ونظرته الدونيّة لكل أجناس الأرض عدا الجنس الأري. وضع صيف ١٩٣٣م نِهاية لمهنة ديتريش بنهوفر كأستاذٍ جامعي بعد شهور قليلة من صعود هتلر والحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا في ٣٠ يناير ١٩٣٣م.
لم يسترح بنهوفر منذ البِداية لسياسات هتلر والحزب النازي، بل وانتقده علانيّة، الأمر الذي لم يجرؤ على فعله الاَّ القليلين. في خطاب أذاعه الراديو الألماني بعد يوميْن فقط مِنْ تولي هتلر للحكم، حذّر بنهوفر الشعب الألماني مِنْ أخطار الانصياع للقيادة السياسيّة ولا سيّما تدخلها في أمور الكنيسة. أيّد الكثيرون مِنْ قادة وشعب الكنائس الألمانيّة آنذاك الإشتراكيّة القوميّة ووقفوا وراء هتلر وساندوه، بل ونظروا له وكأنه “المخلص المنتظر”. اعتبرت الكنيسة أنْ مسانده النازية هو واجب وطني مِنْ أجل مستقبل أفضل للشعب الألماني. بعد أنْ ألقى بنهوفر هذا الخطاب ببضعة أيام استدعاه الجستابو وحذّره مِنْ انتقاده المستمر لسياسات البلاد. بالطبع لم يتوقّف بنهوفر بل في يوليو مِنْ نفس العام، ألقى بنهوفر عظة في كنيسة الثالوث اللوثريّة في برلين قال فيها إنَّه اتخذ قراره ألاَّ يتوقّف. يقول بنهوفر “إنْ كان علينا لكنّا تجنّبنا اتخاذ هذا القرار الصعب، لكنه مفروض علينا الآن. لقد طلب يَسُوع نفسه مِنْ تلاميذه في قيصريّة فيلبس أنْ يتخذوا قرارًا: “مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟” في المواجهة مع المَسِيح لا يمكن أنْ نقول (ربما) أنت المَسِيح ابن الله. أمامنا خياران لا ثالث لهما: إمّا الصمت كما فعل التلاميذ أو أنْ نجيب نفس إجابة بُطرُس: “أَنْتَ هُوَ المَسِيح ابْنُ اللهِ الْحَيِّ! فَأجاب يَسُوع وَقَالَ لَهُ: “طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أن لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطرُس، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” مَتّى ١٦: ١٣. كلنا بُطرُس … ليس هذا الإنسان أو ذاك. يجب أنْ نتكلّم ولا نصمت. وإذ نتكلم بالحق ونحيا في الحق يبني الرب الكنيسة. نحن لا نبني الكنيسة، بل الرب هو الذي يبني كنيسته. إنَّ الرب يسوع المَسِيح فقط هو رأس الكنيسة وسيدها ولا يمكن ولا يصلح أي إنسان آخر مها سمت قيمته أنْ يكون رأسًا للكنيسة. المَسِيح يبني الكنيسة وأبواب الجحيم لن تقوي عليها.” (Edwin H. Robertson, ed, No Rusty Swords: Letters, Lectures, and Notes 1928-1936, From the Collected Works of Dietrich Bonhoeffer, 1947, 214).
بعض عشر سنوات من العمل الدؤوب ومحاولة إيقاظ ضمير الكنيسة لمقاومة النازية حتى يتجنب العالم ويلات حرب عالمية جديدة، قُبِضَ على ديتريش بنهوفر في ٥ أبريل ١٩٤٣م، بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم واوُدع بنهوفر سجن تيجل Tegel Prison في برلين. في أكتوبر ١٩٤٤م نُقِل بنهوفر إلى سِجن المخابرات السريّة The Gestapo في برنز- البرخت- ستريس Prinz-Albrecht-Strasse في برلين. مِنْ فبراير ١٩٤٥م حتى أبريل مِنْ نفس العام، سُجِنَ بنهوفر في أحد المعسكرات في بلدة بوخنولد Buchenwald. في ٣ أبريل ١٩٤٥م نُقِل السجين ديتريش بنهوفر إلى سجنٍ آخر، هذه المرّة إلى معسكر الإعدام في مدينة فلوسنبرج Flossenburg. في فلوسنبرج، عُقدَت لبنهوفر محاكمة صوريّة هزلية قصيرة حُكِم فيها على بنهوفر بالإعدام شنقًا. نُفِّذ حكم الإعدام في بنهوفر يوم ٩ أبريل ١٩٤٥م. يصف طبيب السجن الذي كان شاهدًا لحادثة إعدام بنهوفر هذه الحادثة بالكلمات الآتية: “في هذا اليوم، رأيتُ القس بنهوفر مِنْ خلال الباب الذي كان نصف مفتوح في إحدى غرف السجن حيث استبدل ملابس السجن بملابس الإعدام. رأيتُ القس بنهوفر يجثو على ركبتيْه مصليًا بحرارة لإلههِ قبل أن يترك الغرفة. إنَّ هذه الطريقة التي صلّى بها هذا الإنسان المحب لمَسَتْ حياتي وقلبي. لقد كان شخصًا بارًا وكان متيقنًا أنَّ الله قد سمع صلاته بالفعل.” (Eberhard Bethge, 927-928). ثم يضيف الطبيب قائلًا “في غرفة الإعدام صلَّى القس بنهوفر ثانية صلاة قصيرة ثم صعد لمنصّة الإعدام شجاعًا ومتماسكًا. في الخمسين عامًا التي عملت فيها طبيبًا في السجن لم أرَ إنسانًا يموت خاضعًا بالتمام لمشيئة الله كما رأيتها في حياة القس بنهوفر.” (Eberhard Bethge, 927-928)
لقد كانت حياة ديتريش بنهوفر حياة قصيرة – تسعة وثلاثين عامًا فقط عاشها بنهوفر على الأرض – لكنها حياة حافلة بالعطاء والإنجاز والإثمار. إنَّ الحياة لا تُقاس بطولها، لكنها تقاس بعمقها ومدي تأثيرها. لقد تكلم بنهوفر عندما صمت الكثيرون، بل وقدّم نموذجاً نادراً للشجاعة في وقت عاش فيه الكثير من اشباه الرجال. السؤال الان: ما الذي يجعل هذا اللاهوتي الشاب يخاطر بحياته ومستقبله ويسبح ضد التيار معلناً بأعلى صوت أنَّ “يسوع الناصري” وليس “هتلر” هو مخلص المانيا، بل والعالم أجمع؟ ما الذي جعل بنهوفر يكرّس حياته لخدمة “هؤلاء الاصاغر” ويقف بجانب المظلومين والمهمشين؟ ما هي الأسّس اللاهوتية والأخلاقية التي مكّنت بنهوفر من تفاعله مع قضايا عصرهِ وجعلته يصرخ بأعلى صوته عندما سمع دقات طبول حرب عالمية ثانية تكتسح القارة الأوروبية قبل أن تحدث بسنوات كثيرة؟ في اعتقادي أنَّ بنهوفر بني تفاعله اللاهوتي على ثلاثة عقائد أساسية هي: عقيدة الكنيسة، عقيدة المسيح، وعقيدة الصليب.
أولاً: الكنيسة موجودة لأجل الآخرين
للكنيسة مكانة خاصّة ومتميّزة جِدًا في فكر ديتريش بنهوفر. إنَّها كما يقول الكتاب في ١ تيموثاوس ١٥:٣ “عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” كيف يمكن للكنيسة أن تصمت عن قول الحق؟ كيف يمكن أن تتحول لتكون بوقاً لنظامٍ أو أيدولوجية؟ كيف يمكن للكنيسة أن تحيد عن إرساليتها وأن تتعامي عن دعوتها بهذه الصورة التي حدثت في ألمانيا النازية؟ أنشغل بنهوفر مبكراً جداً في حياته بدور الكنيسة وارساليتها للعالم. في الواقع إنَّ أهم ما يميّز الفكر اللاهوتي للكنيسة في فِكْر وأخلاق بنهوفر كَوْنها مرسلَة للعالم أو ما دعاه بنهوفر Missional ecclesiology. كما هو واضح هنا، لم يفصل بنهوفر بين “لاهوت الكنيسة أو الـ Ecclesiology” و “لاهوت الإرسالية أو الـ Missiology”، فلا كنيسة بدون إرسالية. رأى بنهوفر أن الكنيسة لن تكون كنيسة ولن تحقّق هدف وجودها إن لم تتواجد مِنْ أجل الآخرين. في “خطابات وأوراق مِنْ السجن Letters and Papers from Prison” أشار بنهوفر للمسيح على أنَّه “الرجل الذي عاش لأجل الآخرين The man for others”. (Dietrich Bonhoeffer, Letters and Papers from Prison, 1971, 381-82). إن كانت الكنيسة بحق هي جسد المسيح في العالم، ينبغي أيضاً أن تتواجد لأجل الأخرين. رأى بنهوفر أنَّ الكنيسة في ألمانيا في بداية القرن العشرين عاشت للحفاظ علي وجودها كمؤسسة أكثر من حفاظها علي رسالتها، فصار لها أسم أنها حيّة لكنها ميتة.
كان حري بالكنيسة أن تصرخ “لا يحل لك” في وجه هتلر والنازية، لكنها قدمت طاعة عمياء. كان حري بالكنيسة أن تدعو الي ثقافة العيش المشترك، في الوقت الذي صمتت فيه عن مظالم النازية التي طالت كل من لم ينتم الي الجنس الآري. إنَّ الأزمة التي مرّت بها ألمانيا في النصف الأوّل مِنْ القرن العشرين دعتْ بنهوفر أنْ يفكِّر في آليّة لغرس ثقافة وقيم العيش المشترك. ما أحوج عالمنا اليوم لهذه الرسالة. عندما ننظر إلى عالمنا اليوم تزعجنا جِدًا عمليات التطهير العرقيّ والجرائم والعنف الموجّهة ضد عِرقٍ أو جنسٍ أو دين ما. ما أبشع ما بثّته شاشات التليفزيون وشبكات الأخبار والانترنت منذ سنوات قليلة مضت مِنْ مشاهد دمويّة ومجازر ارتكبها تنظيم داعش ضد المَسِيحيّين والايزيديّين في شمال العراق وفي سوريا وفي غيرها مِنْ مناطق العالم المختلف! ما أبشع ما نراه اليوم في أوروبا الشرقية والحرب الغير عادلة ما بين روسيا وأوكرانيا.
إنَّ الأخلاق المَسِيحيّة لا تقبل ظلم أو عُنف أو استقواء أو تسلُّط مجموعة عرقية أو دينيّة ضد أخرى، كما أنَّهذه الأخلاق لا تواجِه العنف بالعنف، لكنها تدعو للسلام وتسعى له. تحيا الكنيسة كجماعة مسؤولة في العالم فتكون صوتًا لِمَنْ لا صوت له. صحيح أنَّ الكنيسة يجب أن تمد يد العون للمحتاجين، وأن تقدم مساعدات إنسانيّة لمساعدة اللاجئين ومتضرري الحروب، وألاَّ تدّخر جهوداً دبلوماسيّة لتدعو للسلام، لكن بنهوفر رأى أنَّ الكنيسة يجب ألاَّ تكتفي بأن تضمِّد جراحات الضحايا تحت عجلات قطار الظلم، بل أنْ تجد طريقة تتمكّن بها مِنْ إيقاف العجلة نفسها. (Larry L. Rasmussen, Berlin: 1932-1933: Dietrich Bonhoeffer Works, Volume 12, 2009, 365).
ثانياً: من هو المسيح بالنسبة لنا؟
يعتقد كثير مِنْ اللاهوتيّين اليوم أنَّ عقيدة المَسِيح Christology هي بالفعل قلب فكر بنهوفر اللاهوتي وصُلب إيمانه. بالرغم مِنْ أنَّ بنهوفر قَبِل الإرث التاريخي لمجمع خلقدونية بخصوص عقيدة المسيح، إلا أنَّه أخذ مدخل مختلف لفهم هذه العقيدة وفي هذا اختلفت منهجيّة بنهوفر عن الكتابات اللاهوتيّة الكلاسيكيّة لفهم عقيدة المَسِيح. رأى بنهوفر أنَّ المدخل لفهم عقيدة المَسِيح بالنسبة للكنيسة في ألمانيا في القرن العشرين يجب أْن يكون “مَنْ” هو هذا الإله–الإنسان أكثر مِنْ كَوْنه “كيف” يمكن أنْ يكون يَسُوع المَسِيح إلهًا وإنسانًا في ذات الوقت وهو السؤال الذي ركَّز عليه مجمع خلقدونية. من هو المسيح بالنسبة للكنيسة في وجه النازية هو السؤال الذي دعا بنهوفر الكنيسة للصراع معه. رأى بنهوفر أنه على الكنيسة في كلِّ عصر أنْ تُعيد اكتشاف مَنْ هو يَسُوع بالنسبة لها.
هذا التحوّل الاستفهامي مهم جِدًا لفهم عقيدة المَسِيح في فكر بنهوفر. إنَّ التركيز هنا ليس على “حقائق”، مع أنها هامة، بل على “شخص” لأنه أكثر أهمية. ولأنَّ الكنيسة – وليس المجتمع الخارجي – هي التي قَبِلَت إعلان المَسِيح باعتباره “كلمة الله”، فالكنيسة أيضًا منوطة اليوم أنْ تجيب على هذا السؤال المهم في قرينتها: “مَنْ أنت، يَسُوع المَسِيح، كلمة الله؟” (Dietrich Bonhoeffer, Letters and Papers from Prison, 1971, 381-82).. بالنسبة لبنهوفر لا يمكن الحديث عن لاهوت وناسوت المَسِيح وكأنَّها “أشياء”. إنَّنا لا نتكلم عن شيء، بل عن شخص – شخص ربنا يسوع المسيح له كل المجد. وبناءً عليه فالسؤال الذي يدعونا بنهوفر للصراع معه باستمرار هو: أين يتواجد المَسِيح اليوم؟ إلى أين يدعونا المسيح؟ إلى ماذا يدعونا المسيح؟ سيظل إيماننا بالمسيح حبيس مجلدات اللاهوت وإقرارات الإيمان الكنسية حتى تأخذه الكنيسة مجدداً الى العالم في صراع وتفاعل أمين مع واقعها. على الكنيسة في الزمان والمكان أنْ تحيا أمينة لدعوتها ورسالتها حيثما وكيفما وأينما يدعوها المَسِيح.
ثالثاً: مركزية حمل الصليب
تحتل عقيدة الصليب مكانة خاصة في اللاهوت الكتابي وفي الفكر المسيحي. لم يقل الرب يسوع ابداً أنَّ طريق التلمذة سيكون مفروشاً بالورود او خالياً من التحديات، لكنه طريق حمل الصليب وقبول الموت الاختياري كما يذكر إنجيل لوقا ٢٥:١٤-٢٧. لا مسيحية بدون صليب ولا صليب دون الم وصراع وموت. حذَّر بنهوفر الكنيسة من الهروب من الصليب، من مسؤوليتها التي دعاها الرب لها في الزمان والمكان، والانجذاب الي لاهوت المجد. عندما تهمل الكنيسة دورها ومسؤوليتها تجاه المحتاجين والمتألمين، المظلومين والمهمّشين في المجتمع فهي تعيش ما أسماه بنهوفر بـ “النعمة الرخيصة Cheap grace” والعكس صحيح، عندما تعيش الكنيسة عُمق دعوة ورسالة المَسِيح وتتصرَّف من منطلق مسئوليتها وتعلن استعدادها لدفع الثمن مهما كان غاليًا فهي تعيش “النعمة المُكلِّفة Costly grace”، وشتّان الفارق بين هذيْن النوعيْن مِنْ التجاوب مع نعمة الله المقدَّمة لنا بغنى في شخص المَسِيح. لقد تناست الكنيسة في ألمانيا النازية هذه النعمة المُكلِّفة.
لقد حارب بنهوفر “الإيمان السهل”. يصف بنهوفر النعمة الرخيصة بأنها إيمان سهل، إيمان يرفض الصليب، بل ويتهرّب من المسؤولية. يقول بنهوفر “إنَّ النعمة الرخيصة هي النعمة التي نَصْبغها نحن على أنفسنا … النعمة الرخيصة هي نعمة بدون تلمذة، هي نعمة بدون صليب، هي نعمة بدون يَسُوع المَسِيح الحيّ المتجسِّد.” Dietrich Bonhoeffer, 2001, 44)). النعمة الرخيصة لا تخلق فينا سلام الله؛ سلام المصالحة، لكنها تخلق فينا الرضا الكاذب والخادع للنفس وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. إنَّ النعمة الرخيصة هي نعمة دون تغيير عملي ملموس في واقع حياتنا. نعمة لا تأخذنا مجدَّداً للعالم. نعمة لا تكلِّفنا شيئًا. إنَّها نعمة سلبية لا تكترث بأنّات المتألمين وصرخات المظلومين.
وبينما نجد أنَّ النعمة الرخيصة امتصّت عُصارة الحياة مِنْ كنيسة الرب يسوع، وجد بنهوفر في النعمة المُكلِّفة الحل الأمثل واحتياج الكنيسة الأكبر. يصف بنهوفر النعمة المُكلِّفة بهذه الكلمات “النعمة المُكلِّفة مُكلِّفة لأنَّها تدعونا لحياة التلمذة. إنَّها نعمة لأنهَّا تدعونا أنْ نتبع يَسُوع المَسِيح. إنَّها مُكلِّفة لأنَّها قد تكلِّف التلميذ حياته. إنَّها نعمة لأنَّها تمنحنا حياة أفضل. إنَّها مُكلِّفة لأنَّها تدين الخطيّة، لكنها نعمة لأنها تبرّر الخاطئ. Dietrich Bonhoeffer, 2001, 45)).
لاهوت الصّليب هو لاهوت منشغل بالعالم او World-oriented جوهره هو أخلاق المشاركة Participatory. إنَّه لاهوت يرفض أنْ يغلِق عينيْه أو يصُم أذنيْه عن احتياج المهمّشين وعن صرخة المظلومين. إنَّ قلب لاهوت الصّليب هو إصراره الشديد على ربط العالم برسالة الإنجيل. يذكّرنا لاهوت الصّليب أنَّ الله منشغِل ومهتم بهذا العالم، بحروبه وصراعاته ومآسيه. االله مهتم بعالمنا قدر ارتباط صليب يسوع الناصري بأرض وصخور الجلجثة. بكلمات أخرى، إنَّ لاهوت الصّليب هو لاهوت تجسّدي Incarnational Theology إذ أنَّه يحمل لنا عُمق محبّة الله وتضامنه مع الخليقة والإنسان ليس في الحياة فقط، بل في حياة نحن نعلم أنَّ الصليب والالم الاختياري هو جزء لا يتجزأ منها.
لقد تكلَّم بنهوفر عن إله بدأ ضعيفاً للناظرين. إله توحَّد مع الضعفاء. هذا الطرح مِنْ أصعب الأمور في قراءة فكر بنهوفر اللاهوتي، فكيف يكون الله ضعيفًا متألّمًا؟ رأى بنهوفر الله كما رآه النبي إشعياء، كالعبد المتألم، أو كما تقدّمه لنا الأناجيل في صورة طفل بيت لحم، رآه في يَسُوع الناصري المصلوب. (Dietrich Bonhoeffer, 1971, 122) هذا الضعف، والذي هو أيضًا في نفس الوقت منتهى القُوّة، هو الطريق الذي رسمه الله لنفسه؛ الطريق الوحيد ليكون معنا ويُعين ضعفاتنا ويجعل عالمنا أفضل. لقد انتصر الله على القُوّة في العالم بضعفه. فهذا الإله المعلّق مصلوبًا، المتألم بأيدي الأثمة والأشرار، هو أيضًا إلهًا ظافرًا منتصرًا قويًا غالبًا. إنَّ الله قد يتركنا إلى حين، لكنه في ذات الوقت الإله الذي معنا باستمرار. هو إله حاضر وموجود لكنه أيضًا إله محتجب. الله هو الأبعد عن أفكارنا وفوق تصوراتنا وهو في ذات الوقت الحاضرٌ في وسطنا. “God is the beyond in the midst of life.” . ((Dietrich Bonhoeffer, 1971, 93 قد لا نرى الله اليوم حتى على هامش الحياة، لكنه سيظل دائمًا مركزها. إنّه المتعالي وفي ذات الوقت الموجود في الوسط. إنَّ لاهوت الصليب لاهوت يملانا بالرجاء.
ما أعظم الدور وما أكبر الرسالة التي دعا الله الكنيسة لها! لكننا في نفس الوقت نعلم جيداً أنَّ الله عندما يدعونا لهذه المهام الجسام، فهو يؤهلنا لها أيضاً. لقد ترك بنهوفر للكنيسة إرثًا غنيًا ونموذجًا يُحتذي به في التكريس للسيد وشجاعة في مواجهة الشر. كيف تتحدّى حياة بنهوفر الكنيسة اليوم باعتبارها جسد المَسِيح في العالم؟ إنَّ ديتريش بنهوفر لم يمت. إنّه حي. إنّه حي في تلاميذ المَسِيح اليوم الذين ما زالوا يتبعون خطي سيدهم بأمانة منكرين ذواتهم وهم يحملون الصليب كل يوم. إنّه حي في الجماعة التي تموت كل يوم لتُظهِر حياة يَسُوع فيها “حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوع أيضًا فِي جَسَدِنَا” ٢ كو ١٠:٤. ما زال صوت النبي إشعياء وصوت يوحنا المعمدان وصوت ديتريش بنهوفر يدوي في آذاننا حتى اليوم “صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيّة: “أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جميعًا، لأن فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ” إش ٣:٤٠-٥.
قائمة المراجع
Bethge, Eberhard. Dietrich Bonhoeffer: A Biography. Edited by Victoria J. Barnett. Translated
Eric Mosbacher, et al. Minneapolis: Fortress Press, 2000.
Bonhoeffer, Dietrich. Discipleship, vol. 4 of Dietrich Bonhoeffer Works. Edited by Geoffrey B.
Kelly & John D. Godsey. Minneapolis: Fortress Press, 2001.
Bonhoeffer, Dietrich. Letters and Papers from Prison. Edited by Eberhard Bethge. Translated by
Reginald Fuller, Frank Clark, and others. London: S.C.M. Press Ltd., 1971.
Kelly, Geffrey B. & F. Burton Nelson, eds. Dietrich Bonhoeffer, A Testament to Freedom: The
Essential Writings of Dietrich Bonhoeffer. New York: Harper Collins, 1995.
Rasmussen, Larry L. Berlin: 1932-1933: Dietrich Bonhoeffer Works, Volume 12. Translated by
Douglas W. Scott, Isabel best, and David Higgins. Minneapolis: Fortress Press, 2009.
Robertson, Edwin. ed. No Rusty Swords: Letters, Lectures, and Notes 1928-1936, From the
Collected Works of Dietrich Bonhoeffer. Translated by Edwin H. Robertson and John
Bowden. New York: Harper and Row, 1947.
Robertson, Edwin. ed. and trans. Voices in the Night: The Prison Poems of Dietrich
Bonhoeffer. Grand Rapids: Zondervan, 1999.


