القيامة في العهد القديم
- Sermon By: ق. بيتر وديع
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
القيامة حجر زاوية الإيمان المسيحي، أنه لا يُمكن أن يكون الشخص مسيحيًا دون أن يؤمن بالقيامة. فمركز المسيحيّة الأساسي هو الرّب يسوع المسيح، والرّب يسوع في تجسده وحياته صُلبَ وماتَ وقامَ مِن بين الأموات، وأكدَّ بقيامتهِ على قيامة جميع المؤمنين به حيثُ أصبح لا سلطان للموت على المؤمنين. إذًا فالقيامة مركزيّة جدًا في إيماننا المسيحي.
والقيامة حقيقة تاريخيّة يُمكن إثباتها بعديد مِن الأدلة، ولقد اجتهد الكثيرون في هذا المضمار. لكنها أيضًا حقيقة روحيّة اختباريّة نختبرها عندما نتوب عَن حياة البُعد عَن الله، ونعود إليه في علاقة حيّة وفعّالة. وهي أيضًا حقيقة وجوديّة، فالقيامة نوع وجود يُمكن للإنسان أن يكونه عندما يُحضر الأمل وسط الألم، ويرى الرجاء في وسط التحديات، ويُقاوم السلبيّة بالإيجابيّة.
والسؤال الذي نريد أن نناقشه الآن، هل نجد القيامة في العهد الجديد فقط؟ والإجابة بكل تأكيد هي لا، وذلك لأنه كما ذكرنا هي حقيقة روحيّة ووجوديّة فهي بصمّة كونيّة نرها في كل الوجود وكل التاريخ بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة. وعندما نأتي إلى الكتاب المقدّس نرى أن القيامة حقيقة تملأ كُل الكتاب بعهديه القديم والجديد. فالعهد القديم مليء بالرموز والإشارات والأحدّاث التي تؤكد حقيقة القيامة، وبالطبع هذه دراسة تحتاج أن نفرد لها مساحة كبيرة، ولكننا في هذا المقال سوف نُلقي الضوء على حادثة في العهد القديم نرى فيها القيامة بصورة رمزيّة.
يسرد لنا الكتاب المقدّس في سفر التكوين والاصحاح الثاني العشرون أن الله طلب مِن إبراهيم أن يُقدّم ابنه إسحاق مُحرقة “وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».” (تك 22: 1، 2)
والعجيب أننا نجد إبراهيم بكَّر “فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا …” (تك 22: 3) لكي يُقدم ابنه إسحاق الذي انتظره لمدة خمسة وعشرين سنة، وكأن الأمر طبيعي لديه. وبالفعل عندما نرجع للخلفيّة الحضاريّة لزمان ومكان إبراهيم نعرف أنه كان هُناك العديد مِن الديانات الوثنيّة التي تُحيط به، وكان جزءًا مِن العبادة في هذه الديانات هي تقديم الأطفال كالذبائح للآلهة الكنعانيّة قديمًا. فلقد كان مألوفًا -بكيفيّة ما- تقديم الأطفال كذبائح ومحرقات في ذلك العصر، ولكن يظل السؤال مطروح كيف قدّم إبراهيم إسحاق مُحرقة؟
بالطبع يُمكن أن نقول إن إبراهيم كان مُحبًا للرّب وقلبه ممتلئًا بالإيمان لذلك استطاع أن يُقدّم إسحاق، ولكن لكي نجد إجابة شافية أكثر عَن السؤال علينا أن نذهب إلى العهد الجديد في رسالة العبرانيين، حيث إننا نجد الإجابة في الأصحاح الحادي عشر والأعداد من 17 إلى 19 “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَه«: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْل إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال.”
فهذه الآيات تُبيّن أن إبراهيم كان مؤمنًا بالقيامة، فلقد كان لديه ثقة وإيمان في قدرة الله على القيامة، وربما قد تكوّنت لديه هذه القناعة بسبب خبرته في إنجاب إسحاق، حيث كانت سارة مُتقدمة في السن ولا يُمكن لها أن تُنجب، فلقد أختبر القيامة في إنجاب إسحاق. وهذا هو السبب الذي إبراهيم يُبكّر ويذهب ليُقدّم إسحاق مُحرقة، لأنه حسب أن الله قادرٌ على الإقامة مِن الأموات.
إذًا عزيزي القارئ نحن نرى بوضوح رمزيّة، ومثالًا واضحًا للقيامة في إيمان إبراهيم أثناء تقديم إسحاق، مما يؤكد لنا أن القيامة ليست فقط حقيقة تاريخية في العهد الجديد لكنها حقيقة روحيّة اختبارية وحقيقة وجوديّة يُمكن أن نرها بطرق كثيرة، ولاسيما في العهد القديم الذي أشار ورمّز في عديد من أحداثة ونصوصه للقيامة، كما رأينا في تكوين 22. ولعل مِن أشهر النصوص التي تنبأت عَن قيامة الرّب يسوع في العهد القديم هو مزمور السادس عشر عندما قال داود: “لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا.” (مز 16: 10) مما يُوضح أن كان هُناك ظلال لحقيقة القيامة التي يختبرها روحيًا المؤمنون، ولكننا رأينا في الرّب يسوع الذي هو كمال الإعلان الإلهي تحقيق وكمال ووضوح لفكرة القيامة بشكل مادي وتاريخي، عندما قام الرّب يسوع في اليوم الثالث مِن بين الأموات ظافرًا قاهرًا وناقضًا لأوجاع الموت، وصعد إلى السماء حي لكي يشفع فينا عَن يمين الآب ويؤكد لنا رجاء القيامة الذي به نتوقع فداء أجسادنا في مجيئه الثاني له كُل المجد آمين.


